← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1802–1841 · переход к 1807.

стр. 1802

والحديثُ دليلٌ عَلَى جَوازِ خروجِ المعتدَّةِ منْ طلاقٍ بائنٍ من مَنْزِلِها في النهارِ للحاجةِ إلى ذلكَ ولا يجوزُ لغيرِ حاجةٍ. وقدْ ذهبَ إلى ذلكَ طائفةٌ منَ العلماءِ وقالُوا: يجوزُ الخروجُ للحاجةِ والعذْرِ ليلًا ونَهَارًا كالخوفِ وخَشْيَةِ انهدامِ المنزلِ، ويجوزُ إخراجُها إذا تأذَّتْ بالجيرانِ أو تأذَّوا بِها أذَىً شديدًا، لقولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١)، وفسَّرَ الفاحشةَ بالبذاءةِ على الأحماءِ [ونحوهم] (٢). وذهبتْ طائفةٌ منْهم إلى جوازِ خُروبِها نَهَارًا مطلقًا دونَ الليلِ للحديثِ المذكورِ وقياسًا عَلَى عِدَّةِ الوفاةِ، ولا يخْفَى أن الحديثَ المذكورَ عُلِّلَ فيهِ جوازُ الخروجِ برجاءِ أنْ تَصدَّقَ أوْ تفعلَ معروفًا وهذا عذرٌ في الخروجِ، وأما لغيرِ عُذْرٍ فلا يدل عليهِ، إلَّا أنْ يُقَالَ إنَّما هذا رجاءُ فعلِ ذلكَ، وقدْ يُرْجَى في كل خُروجٍ في الغالبِ. وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الصَّدَقَةِ منَ التمرِ عندَ جِدَادِهِ واسْتِحْبَابِ التعرِيضِ لِصَاحِبِهِ بِفِعْلِ الخيرِ والتذْكيرِ بالمعْرُوفِ والبِرِّ. المعتدَّة تمكث في بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها ٨/ ١٠٤٦ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ الَلَّهِ ﷺ أنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فإنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ مَسْكَنًا لي يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَلَمَّا كُنْتُ في الحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: "امْكُثي في بَيتِكِ حَتى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ"، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أشْهُر وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أحْمَدُ (٣) وَالأرْبَعَةَ (٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهَلِي وَابْنُ حِبَّانَ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦) وَغَيْرُهُمْ (٧). [صحيح]

стр. 1803

ترجمة فُرَيْعَةَ (وعنْ فُرَيْعَةَ) (١) بضمِّ الفاءِ وفتحِ الراءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وعينٍ مهملةٍ أختِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، شهدتْ بيعةَ الرِّضْوانِ ولها روايةٌ، (بنتِ مالكٍ أن زوْجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ لهُ فقتلُوه قالتْ: فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أن ارجعَ إلى أهلي فإنَّ زوجي لم يتركْ لي مَسْكَنًا يملكُه ولا نفقةً فقالَ: "نعمْ"، فلمَّا كنتُ في الحجرةِ ناداني فقالَ: امكُثِي في بيتِكِ حتَّى يبلغَ الكتابُ أجله، قالتْ: فاعتددت فيهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، قالتْ: فَقَضَى بِهِ عثمان بعدَ ذلكَ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَة الترمذيُّ والذهليُّ) بضمِّ الذال [المعجمةِ] (٢) (وابن حبانَ والحاكمُ وغيرُهم) أخرجُوهُ كلُّهم منْ حديثٍ سعدِ بن إسحاقَ بنَ كعبٍ عنْ عمَّتِه زينبَ بنتِ كعبِ بن عُجْرَةَ عن [فريعة هذه المذكورة في هذا الحديث] (٣). قالَ ابنُ عبدِ البرِ (٤): هذا حديثٌ معروفٌ مشهورٌ عِنْدَ علماءِ الحجازِ والعراقِ، وأعلَّهُ عبدُ الحقِّ تِبْعًا لابنِ حزمٍ بجهالةِ حالِ زينبَ وبأنَّ سعدَ بنَ إسحاقَ غيرُ مشهورِ العدالةِ، وتُعُقِّبَ بأنَّ زينبَ هذهِ منَ التابعياتِ وهيَ امرأةُ أبي سعيدٍ، رَوَى عنْها سعدُ بنُ إسحاقَ وذكرَها ابنُ حبانَ في الثقاتِ (٥)، وقدْ رَوَى عنْها سليمانُ بنُ محمدِ بن كعبِ بن عجرةَ فهيَ امرأةٌ تابعيةٌ تحتَ صحابيٍّ، ثم رَوَى عنْها الثقاتُ ولم يطعنْ فيها بحرفٍ (٦)، وسعدُ بنُ إسحاقَ وثقهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ والدارقطنيُّ (٧)، وَرَوى عنهُ حمادُ بنُ زيدٍ وسفيانُ الثوريُّ وابنُ جريجٍ ومالكٌ وغيرُهم. والحديثُ دليل على أنَّ المتوفى عنْها زوجُها تعتدُّ في بيتِها الذي نوَتْ فيهِ العدةَ ولا تخرجُ منهُ إلى غيرِهِ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ

стр. 1804

والخلفِ، وفي ذلكَ عدَّةُ رواياتٍ وآثارٌ عن الصحابةِ ومَنْ بعدَهمْ (١). وقالَ بهذَا أحمدُ والشافعي وأبو حنيفةَ وأصحابُهم، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وبهِ يقولُ جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجاز والشامِ ومصرَ والعراقِ وقضَى بهِ عمرُ بمحضَرٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ. والدليلُ حديثُ [فريعة] (٢) ولم يَطْعنْ فيهِ أحدٌ ولا في رُواتِهِ إلا ما عرفتَ وقدْ دُفعَ. ويجبُ لها السُّكْنَى في مالِ زَوْجِهَا لقولِه تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٣)، والآيةُ وإنْ كانَ قدْ نُسِخَ [منها] (٤) استمرارُ النفقةِ والكسوةِ حولًا فالسُّكْنَى باقٍ حُكْمُهَا مدةَ العِدَّةِ، وقدْ قرَّرَ الشافعيُّ الاستدلالَ بالآيةِ بما فيهِ تطويلٌ. وذهب طائفةٌ منَ السلفِ والخلَفِ إلى أنهُ لا سُكْنَى للمتوفَّى عنْها. رَوَى عبدُ الرزاقِ (٥) عنْ عُرْوَةَ عنْ عائشَةَ أنَّها كانتْ تفتي المتوفَّى عنْها بالخروجِ في عِدَّتِها. وأخرجَ أيضًا (٦) عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: إنَّما قالَ اللَّهُ تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ ولمْ يقلْ تعتدُّ في بَيْتِهَا فتعتدُّ حيثُ شاءتْ. ومثلُه أخرجَهُ (٧) عنْ

стр. 1805

جابرٍ بن عبدِ اللَّهِ، ومثلُه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ وإليهِ ذهبَ الهادي فقالَ: لا تجبُ لها السُّكْنَى لا تبيتُ إلَّا في مَنْزِلِهَا. ودليلُهم ما ذكرَهُ ابنُ عباسٍ منْ أنهُ تعالَى ذَكَرَ مُدَّةَ العدةِ ولم يذكرِ السُّكْنَى. والجوابُ أنهُ ثَبَتَ بالسُّنَّةِ وهوَ حديثُ [فريعة] (١) وبالكتابِ أيضًا كما تقدَّمَ، إلَّا أن [فريعة] (٢) صرَّحتْ فيهِ أن البيتَ ليسَ لِزَوْجِها، فيُوخَذُ منهُ أنَّهَا لا تخرجُ منَ البيتِ الذي ماتَ فيهِ وهي فيهِ، سواءٌ كانَ لهُ [أم] (٣) لا. وقدْ أطالَ في "الهدي النبويِّ" (٤) الكلامَ على ما يتفرَّعُ من إثباتِ السُّكْنَى، وهلْ تجبُ على الوَرَثَةِ منْ رأسِ الترِكَةِ أوْ لا؟ وهلْ تَخْرُجُ منْ منزِلها للضرورةِ [أم لا] (٥)؟ وذَكَرَ خِلَافًا كثيرًا بينَ العلماءِ في ذلكَ ليسَ للتطويلِ بنقلهِ كثيرُ فائدةٍ، إذْ ليسَ عَلَى شيءٍ منْ تلكَ الفروعِ دليلٌ ناهضٌ. ٩/ ١٠٤٧ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] (وعنْ فاطمةَ بنْتِ قيسٍ قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجي طَلَّقَنِي ثلاثًا وأخافُ أنْ يُقْتَحَمَ) [بغير] (٧) الصيغةِ (عليَّ) أي يُهْجَمُ عليَّ أحدٌ بغيرِ شعورٍ (فَأَمَرَهَا فتحوَّلتْ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّم الكلامُ على حديثٍ فاطمةَ وحكمِ ما أفادَه ولا وجْهَ لإعادةِ المصنفِ لهُ. عدَّة أم الولد إذا توفي عنها سيدها ١٠/ ١٠٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٨) وَأَبُو دَاوُدَ (٩) وَابْنُ مَاجَهْ (١٠)،

стр. 1806

وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١)، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بالانْقِطَاعِ (٢). [حسن] (وعنْ عمرِو بن العاصِ قالَ: لا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّة نبينا، عِدَّة أمِّ الولدِ إذا تُوُفِّيَ عنْها سيِّدُها أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ. رواة أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجهْ وصحَّحَة الحاكمُ وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالانقطاعِ)، وذلكَ لأنهُ منْ روايه قُبَيْصَه بن ذُؤيبٍ عنْ عمرِو بن العاصِ ولم يَسْمعْ منهُ، قالَه الدارقطنيُّ. وقالَ ابنُ المنذرِ: ضَعَّفَهُ أحمدُ وأبو عبيدٍ. وقالَ محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عنهُ فقالَ: لا يصحُّ. وقالَ الميمونيُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّهِ يتعجب منْ حديثٍ عمرِو بن العاصِ هذَا ثمَّ قالَ: أيُّ سُنَّةٍ للنبيِّ ﷺ في هذا وقالَ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا إنَّما هيَ عِدَّةُ الحرَّةِ عن النِّكاحِ وإنَّما هذهِ أمَة خرجتْ عن الرِقِّ إلى الحريَّةِ. وقالَ المنذري (٣) في إسنادِ حديثٍ عمرٍو: مطرُ بنُ طَهْمَانَ أبو رَجَاءٍ الورَّاقُ وقدْ ضعَّفهُ غيرُ واحدٍ، ولَهُ عِلَّةٌ ثالثةٌ هيَ الاضطرابُ، لأنهُ رُوِيَ على ثلاثةِ وُجُوهٍ. قالَ أحمدُ (٤): حديثٌ مُنْكَرٌ. وقَدْ رَوَى خُلاسُ عنْ عليٍّ مثلَ روايةٍ قبيصةَ عنْ عمرٍو لكنَّ خُلاسَ بنَ عمرٍو قدْ تُكُلِّمَ في حديثِه كانَ ابنُ معينٍ لا يَعْبَأُ بحديثِه. وقال أحمدُ في روايتِه عنْ عليٍّ: يُقَالُ إنَّها كتابٌ. وقالَ البيهقيُّ (٥) روايةُ خُلاسٍ عنْ عليٍّ ضعيفةٌ عندَ أهلِ العلمِ والمسألةُ فيها خلافٌ ذهبَ إلى ما أفادَهُ حديثُ عمرٍو الأوزاعيِّ، والناصرُ، والظاهريةُ، وآخرونَ وذهبَ مالكٌ والشافعيِّ وأحمدُ وجماعةٌ (٦) إلى أن عِدَّتَها

стр. 1807

حَيْضَةٌ لأنَّها ليستْ زوجةً ولا مطلَّقةً فليسَ إلَّا استبراءُ رَحِمِها وذلكَ بحيضةٍ تشبيهًا بالأَمَةِ يموتُ عنْها سيِّدُها، وذلكَ مما لا خلافَ فيهِ. وقالَ مالكٌ (١): فإنْ كانتْ ممنْ لا تحيضُ اعتدَّتْ بثلاثةِ أشهرٍ ولها السُّكْنَى. وقالَ أبو حنيفةَ (٢): عِدَّتُها ثلاثُ حِيِضٍ، وهوَ قولُ عليٍّ (٣) وابنِ مسعودٍ (٤)، وذلكَ لأنَّ العِدَّةَ إنَّما وجبتْ عليْها وهيَ حُرَّةٌ وليستْ بزوجةٍ فتعتدَّ عِدَّةَ الوفاةِ، ولا أمة فتعتدُّ عِدَّةَ الأَمَةِ، فوجبَ أنْ يُسْتَبْرَأَ رحمُها بِعِدَّةِ الحرائرِ. قُلْنَا: إذا كانَ المرادُ الاستبراءُ كَفَتْ حيضةٌ إذْ بها يتحققُ [براءة الرحم] (٥)، وقالَ قومٌ: عِدَّتُها نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ تشبيها بالأمَةِ المزوَّجةِ عندَ مَنْ يَرَى ذلكَ، وسيأتي. وقالتِ الهادويةُ: عِدَّتُها حيضتانِ تشبيهًا بعدةِ البائعِ والمشتري فإنَّهم [أوجبوا] (٦) على البائعِ الاستبراءَ بحيضةِ وعلى المشتري كذلكَ والجامعُ زوالُ الملْكِ. قالَ في "نهاية المجتهد" (٧): "سببُ الخلافِ أنَّها مسكوتٌ عنْها - أيْ في الكتابِ والسُّنَّةِ - وهيَ متردِّدَةُ الشَّبَهِ بينَ الأمَةِ والحرَّةِ، فأمَّا مَنْ شَبَّهَهَا بالزَّوْجَةِ الأمَةِ فضعيفٌ، وأضعفُ منهُ مَنْ شَبَّهَهَا بِعِدَّةِ الحرَّةِ المطلَّقةِ"، انتَهى. قدتُ: وقدْ عرفتَ ما في حديثٍ عمرِو منَ المقالِ فالأقربُ قولُ أحمدُ والشافعيِّ أنَّها تعتدُّ بحيضةٍ، وهوَ قولُ ابن عمرَ وعروةَ بن الزبيرِ والقاسمِ بن محمدِ والشعبيّ والزُّهريِّ، لأنَّ الأَصْلَ البراءةُ [عن] (٨) الحكمِ وعدمُ حَبْسِها عن الأزواجِ، واستبراءُ الرَّحِمِ يحصلُ بحيضةٍ. القَرء الطهر والدليل عليه ١١/ ١٠٤٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ في قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (٩). [إسناده صحيح]

стр. 1808

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: إن الأقراءُ الأطهاز. أخرجه مالكٌ في قصه بسندٍ صحيحٍ) والقصةُ هيَ ما أفادَهُ سياقُ الحديثِ. قالَ الشافعيِّ: [أنا] (١) مالكٌ عن ابن شهابٍ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ أنَّهَا قالتْ: وقدْ جادَلَها في ذلكَ ناسٌ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تعالَى يقولُ ثلاثةَ قروءٍ فقالتْ عائشةَ: صدقتُم وهل تدرونَ ما الأقراءُ؟ الأقراءُ الأطهارُ، قالَ الشافعيُّ: أخْبَرَنا مالكٌ عن ابن شهابٍ ما أدركتُ أحدًا منْ فقهاءِنَا إلَّا وهوَ يقولُ هذَا. يريدُ الذي قالته عائشةُ، انتَهى. واعلمْ أنَّ هذهِ مسئلةٌ اختَلَفَ فيها سلفُ الأمَّةِ وخَلَفُها معَ الاتفاقِ أن القَرْءَ بفتحِ القافِ وضمِّها يُطْلَقُ لغةً على الحيضِ والطُّهْرِ وأنهُ لا خلافَ أن المرادَ في قولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) أحدُهما لا مجموعُهما إلَّا أنَّهم اختلفُوا في الأحدِ المرادِ منْهما فيها؛ فذهبَ كثيرٌ منَ الصحابةِ وفقهاءُ المدينةِ والشافعيُّ وأحمدُ في إحْدى الروايتينِ وهوَ قولُ مالكٍ وقالَ: هوَ الأمرُ الذي أدركتُ عليهِ أهلُ العلمِ ببلدِنا أنَّ المرادَ بالأَقْراءِ في الآيةِ الكريمةِ الأطهارُ مستدلِّينَ بحديثِ عائشةَ هذَا، قالَ الشافعيِّ: إنهُ يدلُّ لذلكَ الكتابُ واللسانُ، أي اللغةُ أما الكتابُ فقولُه [تبارك و] (٣) تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤) وقدْ قالَ ﷺ في حديثٍ ابن عمرَ (٥): "ثمَّ تطهرُ ثمَّ إنْ شاءَ أمسكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللَّهُ أنْ تطلَّقَ لها النساءُ"، وفي حديثٍ ابن عمر (٦) لما طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا طهرتْ فليطلِّقْ أو يُمْسِكْ وَتَلَا ﷺ : "إذا طَلَّقتم النساءَ فطلقوهنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ أوْ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" (٧)، قالَ الشافعيُّ: أنا شَكَكْتُ. فأخبرَ ﷺ أن العدَّةَ الطُّهْرُ دونَ الحيضِ وقرأَ فطلقوهنَّ لِقَبْلِ عدتهنَّ وهو أنْ يطلِّقَهَا طاهرًا، وحينئذٍ يستقبلُ عِدَّتَها، فلو طُلِّقَتْ حائضًا لم تكنْ مستقبلةً عِدَّتَها إلَّا بعدَ الحيضَ. وأما اللسانُ فهوَ أن القَرْءَ اسمٌ معناهُ الحبسُ، تقولُ العربُ: هو يقرئُ الماءَ في حوضِه وفي سِقَائِه، وتقولُ: يقرئُ الطعامَ في شِدْقِهِ، يعني

стр. 1809

يحبسُ الطعامَ فيهِ، وتقولُ إذا حبسَ الشيءَ: أقْرَأَهُ، أي خَبَّأَهُ، وقالَ الأعشَى (١): أفي كلِّ يومٍ أنتَ جاشمُ غزوةٍ … تشدُّ لأقْصَاهَا عزيمَ عزائِكَا مورِّثَةً عزًا وفي الحيِّ رفعةٌ … لما ضاعَ فيها منْ قروءِ نِسَائِكَا فالقَرْءُ في البيتِ بمعنَى الظهرِ، لأنهُ ضيَّعَ أطهارَهنَّ في غزَاتِهِ وآثَرَهَا عليهنَّ أي آثرَ الغزْوَ على القعودِ فضاعتْ قروءُ نِسائِهِ بلا جماعٍ، فدلَّ على أنَّها الأطهارُ. وذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ كالخلفاءِ الأربعةِ وابنِ مسعودِ وطائفةٌ كثيرةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ إلى أنَّها الحيضُ، وبهِ قالَ أئمة الحديثِ، وإليهِ رجعَ أحمدُ ونُقِلَ عنهُ أنهُ قالَ: كنتُ أقولُ إنَّها الأطهارُ وأنا اليومَ أذهبُ إلى أنَّها الحيضُ. وهوَ قولُ الحنفيةِ وغيرهمْ (٢)، واستدلُّوا بأنهُ لمْ يُسْتَعْمَلِ القَرْءُ في لسانِ الشارع إلَّا في الحيضِ كقولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣)، وَهذا هو الحيضُ والحملُ لأنَّ المخلوقَ في الرحمِ هوَ أحدُهما، وبهذَا فسَّرهُ السلفُ والخلفُ، وكقوله ﷺ : "دَعِي الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ" (٤)، ولم يقلْ أحدٌ أن المرادَ بهِ الطهرُ،

стр. 1810

ولقولِه ﷺ أخرجَه أحمدُ (١) وأبو داودَ (٢) في سَبَايَا أَوْطَاسٍ (٣): "لا توطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تحيضَ حيضةً" وسيأتي (٤). وأجابَ الأولونَ عن الآيةِ [بأنها] (٥) أفادَتْ تحريمَ كِتْمَانِ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحَامِهِنَّ، وهوَ الحيضُ أوِ الحَبَلُ أوْ كلاهُما. ولا ريبَ أن الحيضَ داخلٌ في ذلكَ، ولكنَّ تحريمَ كتمانِه لا يدلُّ على أن القرْءَ المذكورَ في الآيةِ هوَ الحيضُ، فإنَّها إذا كانتِ الأطهارُ فإنَّها تنقضي بالطَّعْنِ في الحيضةِ الرابعةِ أو الثالثةِ، فكتمانُ الحيضِ يلزمُ منهُ عدمُ معرفةِ انقضاءِ الطُّهْرِ الذي تتمُّ بهِ العِدَّةُ فتكونُ دلالةُ الآيةِ على أن الأقراءَ الأطهارُ أظهرَ [وأجابوا] (٦) عن الحديثِ الأولِ بأنَّ الأصحَّ أن لَفْظَهُ كما قالَ الشافعيُّ (٧): [أنا] (٨) مالكٌ عنْ نافعِ بن سليمانِ بن يسارٍ عنْ أمِّ سلمةَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لِتَنْتَظِرْ عِدادَ الليالي والأيامِ التي كانتْ تحيضهنَّ منَ الشهر قبلَ أنْ يصيبَها الذي أصابَها ثمَّ لِتَدَعِ الصلاةَ ثمَّ لِتَغْتَسِلْ ولْتُصلِّ"، وهذهِ روايةُ نافعٍ ونافعٌ أحفظُ منْ سليمانَ عن أيوب الراوي لذلكَ اللفظِ (٩). هذا حاصلُ ما نُقِلَ عن الشافعيِّ منْ ردِّه للحديثِ الأولِ وعنِ الحديثِ الثاني بأنهُ [لا يشك] (١٠) أن الاستبراءَ وردَ بحيضةٍ وهوَ النصُّ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهوَ قولُ جمهورِ الأُمَّةِ. والفرقُ بينَ الاستبراءِ والعِدَّةِ أن العِدَّةَ وجبتْ قضاءً لحقِّ الزَّوْجِ فاختصتْ بزمانِ حقِّه وهوَ الطُّهْرُ وبأنَّها تتكررُ فتعلم فيها البراءةَ بواسطةِ الحيضِ بخلافٍ الاستبراءِ. واعلمْ أنهُ قدْ أكثرَ الاستدلالَ المنازعون في المسئلةِ منَ الطرفَيْنِ، كلُّ يستدلُّ على ما

стр. 1811

ذهبَ إليهِ، وغايةُ ما [أفاده الآية والحديث] (١) أنهُ أُطْلِقَ القُرْءُ على الحيضِ وأُطْلِقَ على الطُّهرِ، وهوَ في الآيةِ محتمَلٌ كما عرفتَ فإنْ كانَ مشتَركًا كما قالَه جماعةٌ فلا بدَّ منْ قرينةٍ [معينة] (٢)، وإنْ كانَ في أحدِهِما حقيقةً وفي الآخَرِ مجازًا فالأصلُ الحقيقةُ ولكنَّهم مختلفونَ هلْ هوَ حقيقةٌ في الحيضِ مجازٌ في الطهْرِ أوِ العكسُ. قالَ الأكثرونَ بالأوَّلِ، وقالَ الأقلُّونَ بالثاني؛ فالأولونَ يحملونَهُ في الآيةِ علَى الحيضِ لأنهُ الحقيقةُ، والأقلونَ على الطُّهْرِ ولا ينهضُ دليل على تَعَيُّنِ أحدٍ القولَيْنِ؛ لأنَّ غايةَ الموجودِ في [كتب] (٣) اللغةِ الاستعمالُ في المعنَيَيْنِ وللمجازِ علامات منَ التبادرِ وصحةِ النَّفْي [وغيره] (٤) ولا ظهورَ [ما أفاده لهما ههنا] (٥) وقد أطالَ ابنُ القيم الاستدلالَ على أنهُ الحيضُ واستوفَى المقالَ، ولم يقهرْنَا دليلُه إلى تعيينِ ما قالَ، ومنْ أدلةِ القولِ بأنَّ الأقراءَ الحيضُ: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ١٢/ ١٠٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (٦)، وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ (٧). [صحيح]

стр. 1812

- وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفقُوا عَلَى ضعْفِهِ (١). [ضعيف] قولُه: (وعنِ ابن عمرَ ﵄: طلاقُ الأمَةِ) المزوَّجَةِ (تطليقتانِ وعِدَّتُها حيضتانِ. رواهُ الدارقطنيُّ) موقُوفًا على ابن عمرَ (وأخرجَهُ مرفُوعًا وضغَفهُ) لأنهُ منْ روايةٍ عطيةَ العوفيِّ وقدْ ضعَّفهُ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ (٢)، (وأخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وابن ماجهْ منْ حديثٍ عائشةَ) بلفظِ: طلاقُ الأمَةِ طلقتانِ وقَرؤُها حيضتانِ، وهوَ ضعيفٌ لأنهُ منْ حديثٍ مظاهرِ بن مسلمٍ قالَ فيهِ أبو حاتمٍ (٣): مُنْكَرُ الحديثِ، وقالَ ابنُ معينٍ: لا يعرفُ (وصحَّحَه الحاكمُ وخالفوهُ فاتفقُوا على ضَعْفِهِ) لما عرفْتَهُ فَلَا يتم بهِ الاستدلالُ [على المسألة] (٤) الأُولَى. واستُدلَّ بهِ هُنَا على أن الأَمَةَ تخالفُ الحرةَ فَتَبِيْنُ عن الزوجِ بطلقتيْنِ وتكونُ عِدَّتُها قُرْأَيْنِ. واختلفَ العلماءُ [في هذا الحكم] (٥) على أربعةِ أقوالٍ أقْواها ما ذهبتْ إليه الظاهريةُ (٦) منْ أن طلاقَ العبدِ والحرِّ سواءٌ لعمومِ النصوصِ الواردةِ في الطلاقِ منْ غيرِ فَرْقٍ بينَ حُرٍّ وعَبْدٍ وأدلةُ التفرقةِ كلُّها غيرُ ناهضةٍ، وقدْ سردَ الأقوال الثلاثة وأدلتها في الشرحِ فَلَا

стр. 1813

حاجةَ بالإطالةِ بِذِكْرِها معَ عدمِ نهوضِ دليلِ قولٍ منها عندَنا. وأما عِدَّتُها فاختُلِفَ أيضًا فيها فذهبتِ الظاهريةُ إلى أنَّها كَعِدَّةِ الحرة أيضًا قالَ أبو محمدٍ بن حَزْمٍ: لأنَّ اللَّهَ تعالى عَلَّمَنَا العددَ في الكتابِ فقالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). وقدْ علمَ اللَّهُ تعالَى إذْ أباحَ لَنَا الإماءَ أنَّ عليهنَّ العُدَدَ المذكوراتِ وما فرَّقَ بينَ حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ في ذلكَ وما كانَ ربُّكَ نسيًّا. وتُعُقِّبَ [في] (٤) استدلاله بالآياتِ بأنَّها كلُّها في الزوجاتِ الحرائرِ فإنَّ قولَه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥) في حقِّ الحرائرِ فإن افتداءَ الأمَةِ إلى سيّدها لا إليها، وكَذَا قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٦) فجعلَ ذلكَ إلى الزَّوْجيْنِ، والمرادُ بهِ العقدُ، وفي الأمَةِ ذلكَ يختصُّ بسَيّدِها، وكَذَا قولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٧)، والأَمَةُ لا فعلَ لها في نفسِها. قلتُ: لكنَّها إذا لم تدخلْ في هذِه الآياتِ ولا تثبتُ فيها سنَّةٌ صحيحةٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ ناهضٌ هُنَا فماذَا يكونُ حكْمُها في عِدَّتِها؟ فالأقربُ أنها زوجةٌ شَرْعًا قطعًا فإنَّ الشارعَ قسمَ لنا منْ أحلَّ لنا وطؤُها إلى زوجةٍ أو ما ملكتِ اليمينُ في قولِه: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٨) وهذهِ التي هي محلُّ النزاعِ ليستْ ملكَ يمينٍ قطعًا فَهِيَ زوجةٌ [فشملتها] (٩) الآياتُ، وخروجُها عنْ حكمِ الحرائرِ فيما ذكرَ منَ الافتداءِ، والعقدُ والفعلُ بالمعروفِ في نفسها، لا ينافي دخولُها في حُكْمِ العِدَّةِ، لأنَّ هذهِ أحكامٌ أُخَرُ تعلَّقَ الحقُّ فيها بالسيِّدِ كما تعلَّق في الحرَّةِ الصغيرةِ وبالوليِّ، فالراجحُ أنَّها كالحرَّةِ تطليقًا وعِدَّةٍ.

стр. 1814

تحريم وطء الحامل من غير الواطئ ١٣/ ١٠٥١ - وَعَنْ رُويفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيرِهِ"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالترْمِذِيُّ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٣)، وَحَسَّنَهُ الْبَزَّارُ. [حسن] ترجمةُ رويفع بن ثابت (وعنْ رُويفعِ) تصغيرُ رافعٍ (بن ثابتٍ) (٤) من بني مالكِ بن النجارِ عدادُه في المصريينَ توفيَ سنةَ ستٍّ وأربعينَ (عن النبيِّ ﷺ : لا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يسقيَ ماءَهُ زَرْعَ غيرِهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والبزارُ) فيهِ دليل على تحريمِ وطْءِ الحاملِ منْ غيرِ الواطئِ وذلك كالأَمَةِ المشتراةِ إذا كانتْ حاملًا منْ غيرِه والمسبيةِ، وظاهرُه أن ذلكَ إذا كانَ الحمْلُ متحققًا، أمَّا إذا كانَ غيرَ متحقِّقٍ [ويملك] (٥) الأمةُ بسبي أو شراء أو غيرِه فسيأتي أنهُ لا يجوزُ وطؤُها حتى تُسْتَبْرَأَ بحيضةٍ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في الزانيةِ غيرِ الحاملِ هلْ تجبُ عليها العِدَّةُ أو تستبرأُ بحيضةٍ؟ فذهبَ الأقلُّ إلى وجوبِ العِدَّةِ عليها وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ وجُوبها عليها، والدليلُ غيرُ ناهضٍ معَ الفريقينِ، فإنَّ الأكثرَ استدلُّوا بقولِه ﷺ : "الولدُ للفراشِ [وللعاهر الحجر] (٦) " (٧) ولا دليلَ فيهِ إلا على عدمِ

стр. 1815

لحوقِ ولدِ الزِّنَى بالزَّانِي. والقائلُ بوجوبِ العدَّةِ استدلَّ بعمومِ الأدلةِ ولا يخْفَى أن الزانيةَ غيرُ داخلةٍ فيها فإنَّها في الزوجاتِ، نعمْ تدخلُ في دليلِ الاستبراءِ وهوَ قولُه ﷺ : "لا تُوْطَأُ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حيضةً" (١). قالَ المصنفُ في "التلخيصِ" (٢): إنها استدلتِ الحنابلةُ بحديثِ رويفعٍ علَى فسادِ نكاحِ الحاملِ منَ الزِّنَى، واحتجَّ بهِ الحنفيةُ على امتناعِ وطْئِها، قالَ: وأجابَ الأصحابُ عنهُ بأنهُ وردَ في السَّبْي لا في مُطْلَقِ النساءِ، وتُعُقِّبَ بأنَّ العبرةَ [لعموم] (٣) اللفظِ. ما تصنعه امرأة المفقود ١٤/ ١٠٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ (في امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ) تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥). [مرسل] (وعنْ عمرَ ﵁ في امرأةِ المفقودِ تربص أربعَ سنينَ ثمَّ تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا. أخرجَهُ مالكٌ والشافعيِّ) ولهُ طُرقٌ أُخَرُ، وفيهِ قصةٌ أخرجَها عبدُ الرزاقِ بسندِه (٦) إلى الفقيدِ الذي فُقِدَ قالَ: دخلتُ الشِّعبَ فاستهوتْني الجنُّ فمكثتُ أربعَ سنينَ فأتتِ امرأتي عمَرَ بنَ الخطابِ ﵁ فأمرَها أنْ تربَّصَ أربعَ سنينَ منْ حينَ رفعتْ أمرَها إليهِ ثمَّ دَعَا وليَّه - أي وليَّ الفقيدِ - فطلَّقَها ثمَّ أَمَرَها أن تعتدَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا ثمَّ جئتُ بعدَ ما تزوَّجتْ، فخيَّرني عمرُ بينَها وبينَ الصَّداقِ الذي

стр. 1816

أصدقتُها. ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (١) عنْ عمرَ وَرَوَاهُ البيهقيُّ (٢) [وقصة المفقودِ أخرجَها البيهقيُّ وفيها أنهُ قالَ لعمرَ لما رجَعَ: إني خرجتُ لصلاةِ العشاءِ فسبتني الجنُّ فلبثتُ فيهمْ زمانًا طويلًا فغزاهمُ جنٌّ مؤمنونَ أوْ قالَ مسلمونَ، فقاتلُوهُم وظهروا عليهمْ فَسَبَوْا منهمْ سَبَايا فسبَوْني فيمن سَبَوْا منهم فقالُوا: نراكَ رجلًا مسلمًا لا يحل لنا سباؤُكَ فخيَّروني بينَ المقامِ وبينَ القُفولِ فاخترتُ القفولَ، فأقبلُوا معي فأما الليلُ فلا يحدِّثوني وأما النهارُ فعصار ريحٍ اتَّبعَها، فقالَ لهُ عمرُ: فما كان طعامُكَ فيهم؟ قالَ: الفولُ وما لا يذكرُ اسمُ اللَّهِ عليهِ، قالَ: فما شرابُك؟ قالَ: الجدفُ، قالَ قتادةُ: والجدفُ ما لا يخمَّرُ منَ الشراب] (٣). وفيهِ دليلٌ على أن مذهبَ عمرَ أن امرأةَ المفقودِ بعدَ مضيِّ أربعِ سنينَ منْ يومِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلى الحاكمِ تَبينُ من زَوْجِهَا كما يفيدُه ظاهرُ روايةٍ الكتابِ، وإنْ كانتْ روايةُ ابن أبي شيبةَ دالَّة على أنهُ يأمرُ الحاكمُ وليَّ الفقيدِ بطلاقِ امرأتِه. وقدْ ذهبَ إلى هذَا مالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ وهوَ أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ وجماعةٌ منَ الصحابةِ بدليلِ فعْلِ عمرَ، وذهبَ أبو يوسفَ ومحمدٌ وروايةٌ عنْ أبي حنيفةَ وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ إلى أنَّها لا تخرجُ عن الزوجيةِ حتَّى يصحَّ لها موتُه أو طلاقُه أو رِدَّتُه، ولا بُدَّ منْ تَيَقُّنِ ذلكَ، قالُوا: لأنَّ عقدَها ثابتٌ بيقينٍ فلا يرتفعُ إلَّا بيقينٍ، وعليهِ يدلُّ ما رواهُ الشافعيُّ (٤) عنْ عليٍّ موقُوفًا: "امرأةُ المفقودِ امرأةٌ ابتليتْ فلتصبرْ حتَّى يأتيَها يقينُ موتِهِ"، قالَ البيهقيُّ (٥): هوَ عنْ عليٍّ مطوَّلًا مشهورًا. ومثلُه أخرجَه عنهُ عبدُ الرزاقِ (٦) قالتِ الهادويةُ: فإنْ لم يحصلِ اليقينُ بموتِه ولا طلاقِهِ تربصتٍ العمرَ الطبيعيَّ مائةً وعشرينَ سنةً، وقيلَ مائةً وخمسينَ إلى مائتينِ. وهذَا كما قالَ بعضُ المحققينَ قضيةٌ فلسفيةٌ طبيعيةٌ يتبرأُ الإسلامُ منْها إذِ الأعمارُ قَسْمٌ منَ الخالقِ الجبارِ، والقولُ بأنَّها العادةُ غيرُ صحيحةٍ كما يعرفُه كل مميز، بلْ هوَ أندرُ النادرِ، بلْ مُعْتَرَكُ المنايا كما أخبرَ بهِ الصادقُ بينَ الستينَ والسبعينَ، وقالَ الإمامُ يحيى: لا وجْهَ للتربُّصِ لكنْ إنْ تركَ لها الغائبُ [ما تقوم به] (٧) فهوَ كالحاضرِ، إذْ لم

стр. 1817

يفتْها إلَّا الوَطءُ وهوَ حقٌّ له لا لها، [وإن لم يترك لها ما تقوم بها فسخه] (١) الحاكمُ عندَ مطالبتِها منْ دونِ انتظارِ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (٢)، ولحديثِ: " [لا ضررَ و،] (٣) لا ضِرارَ في الإسلامِ" (٤)، والحاكمُ وُضعَ لرفعِ

стр. 1818

المضَارَّةِ في الإيلاءِ والظِّهارِ وهذَا أبلغُ، والفسخُ مشروعٌ بالعيبِ ونحوِه. قلت: وهذا أحسنُ الأقوالِ، وما سلفَ عنْ علي وعمرَ أقوالٌ موقوفةٌ. وفي الإرشادِ لابنِ كثير عن الشافعيِّ بسندِهِ إلى أبي الزنادِ قالَ: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن الرجلِ لا يجدُ ما ينفقُ على امرأتِهِ قالَ: يفرَّقُ بينَهما، قلتُ: سنَّةً، قالَ: سنَّةً، قالَ الشافعي: الذي يشبهُ أن قولَ سعيدٍ سنةً أنْ يكونَ سُنَّةَ النبيِّ ﷺ ، وقدْ طوَّلنا الكلامَ في هذا في حواشي "ضَوْءِ النهارِ" (١) واخترْنا الفسخَ بالغيبةِ أو بعدمِ قدرةِ الزوجِ علَى الإنفاقِ، نعمْ لو ثبتَ قولُه:

стр. 1819

١٥/ ١٠٥٣ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتهُ حَتى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ (١). [موضوع] (وعنِ المغيرةِ بن شعبةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : امرأةُ المفقودِ امرأئه حتَّى يَأْتِيَهَا البيانُ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفِ) لكانَ مقوِّيًا لتلكَ الآثارِ إلَّا أنهُ ضعَّفهُ أبو حاتمٍ والبيهقيُّ وابنُ القطانِ وعبدُ الحقِّ وغيرُهم. تحريم الخلوة بالأجنبية ١٦/ ١٠٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَبِيتَنَّ رَجُلْ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَبِيتَنَّ) منَ البيتوتةِ وهيَ بقاءُ الليلِ (رجلٌ عندَ امرأةٍ إلَّا أنْ يكونَ ناكِحًا أو ذَا محرمٍ. أخرجَهُ مُسلمٍ)، وفي لفظٍ لمسلمٍ (٣) أيضًا زيادةٌ: عندَ امرأةٍ ثيِّبٍ، قيلَ: إنَّما خصَّ الثيِّبَ لأنَّها التي يُدْخَلُ عليها غالبًا، وأما البِكْرُ فهيَ متصونةٌ في العادةِ مجانبةٌ للرجالِ أشدَّ مجانبةٍ، ولأنة يُعْلَمُ بالأَوْلَى أنهُ إذَا نُهِيَ عن الدخولِ على الثيبِ التي يتساهلُ الناسُ في الدخولِ عليها فبالأَوْلَى البكرُ. والمرادُ منْ قولِه: "ناكِحًا" أي مزوجًا بها. وفي الحديثِ دليل علَى أنَّها تحرمُ الخلوةُ بالأجنبيةِ وأنهُ يباحُ لها الخلوةُ بالمحرَمِ وهذانِ الحكمانِ مُجْمَعٌ عليهما. وقدْ ضَبَطَ العلماءُ المحرَمَ بأنهُ كلُّ مَنْ حَرُمَ عليهِ نكاحُها على التأبِيد بسببٍ مباحٍ يحرِّمُها، فقولُه: "علَى التأبِيدِ" احترازٌ منْ أُخْتِ الزوجةِ وَعَمَّتِهَا وخَالَتِها

стр. 1820

ونحوهِنَّ، وقولُه: "بسببٍ مباحٍ"، احترازٌ عنْ أمِّ الموطوءةِ لشبهة وبنتُها فإنَّها حرامٌ على التأبيدِ لكنْ لا بسببٍ مباحٍ، فإنَّ وَطْءَ الشُّبهةِ لا يوصفُ بأنهُ مباحٌ ولا محرَّمٌ ولا بغيرِهِمَا منْ أحكامِ الشرعَ الخمسةِ لأنهُ ليسَ فعلٌ مكلَّفٌ. وقولُه: "يحرِّمُها"، احترازٌ عن الملاعنةِ، فإنَّها محرَّمةٌ على التأبيدِ لا لحرمتِها بلْ تغليظًا عليها. ومفهومُ قولِهِ: لا يَبيتنَّ، أنهُ يجوزُ لهُ البقاءُ عندَ الأجنبيةِ في النهارِ خلوةً أو غَيرَها، لكنَّ قولَه: ١٧/ ١٠٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ : لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا معَ ذي محرَمٍ. أخرجَه البخاريُّ). دلَّ على تحريمِ خَلْوَتِهِ بها ليلًا أوْ نهارًا، وهُوَ دليلٌ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الذي قَبْلَهُ وزيادةٌ، وأفادَ جوازَ خلوةِ الرجلِ بالأجنبيةِ معَ مَحْرَمِها، وتسميتُها خلوةً تسامحٌ، فالاستثناءُ منقطعٌ. استبراء المسبيَّة وجواز وطئها قبل الإسلام ١٨/ ١٠٥٦ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتى تَضَعَ وَلَا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتى تَحِيضَ حَيضَةً"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح]

стр. 1821

- وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في الدَّارَقُطْنيِّ (١). [حسن] (وعنْ أبي سعيد ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ في سَبَايَا أوطاسٍ) اسمُ وادٍ في ديارِ هَوَازِنَ وهوَ موضعٌ [بقرب] (٢) حُنَيْنٍ، وقيلَ: وادي أوطاسٍ غيرُ وادي حنينٍ (لا تُوْطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حيضةً. أخرجَهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ ولهُ شاهدٌ عن ابن عباسٍ) بلفظِ نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تُوطَأَ حاملٌ حتَّى تضعَ أوْ حائلٌ حتى تحيضَ، (في الدارقطني) إلَّا أنه من روايةٍ شُريكِ القاضي وفيهِ كلامٌ (٣) قالَه ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ". والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على السابي استبراءُ المسبيَّةِ إذا أرادَ وطْأهَا بحيضةٍ [إذا] (٤) كانتْ حائلًا ليتحققَ براءةُ رَحِمِهَا، وبوضعِ الحمْلِ إنْ كانتْ حاملًا، وقيسَ على المسبيَّةِ المشتراةِ والمتملَّكَةِ بأيِّ وجْهٍ منْ وجوهِ التمليكِ بجامعِ ابتداءِ الملك. وظاهرُ قولِه: "ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتَّى تحيضَ حيضةً" عمومُ البِكْرِ والثيِّبِ، فالثيِّبُ لِمَا ذُكِرَ والبِكْرُ أَخْذًا بالعمومِ وقياسًا على العِدَّةِ فإنَّها تجبُ على الصغيرةِ معَ العلم ببراءةِ الرَّحِمِ وإلى هذا ذهبَ الأكثرونَ. وذهبَ آخرونَ إلى أن الاستبراءَ إنما يكونُ في حقِّ مَنْ لم يعلمْ براءةَ رحمِها، وأما مَنْ علمَ براءةَ رحِمِهَا فلا استبراءَ عليها، وهذَا رواهُ عبدُ الرزاقِ (٥) عن ابن عمرَ قالَ: إذا كانتِ الأمَةُ عَذْراءَ لمْ تستبرئ إنْ شاءَ، ورواهُ البخاريُّ في الصحيحِ (٦)

стр. 1822

عنهُ، وأخرجَ في الصحيحِ (١) مثلَه عنْ عليٍّ ﵁ منْ حديثٍ بريدةَ، ويؤيدُ هذا مفهومُ القولِ ما أخرجَه أحمدُ منْ حديثٍ رُوَيْفَعٍ (٢): "مَنْ كَانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا ينكحُ ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيضَ"، وإلى هَذا ذهبَ مالكٌ على تفصيلٍ أفادَه قولُ المازَرِي [من المالكية] (٣) في تحقيقِ مذهبِه حيث قالَ: إنَّ القولَ الجامعَ في ذلكَ أن كلَّ أمَةٍ أَمِنَ عليها الحملَ فلا يلزمُ فيها الاستبراءُ، وكلُّ مَنْ غَلَبَ على الظنِّ كونُها حاملًا أو شكَّ في حملها أو تردَّدَ فيهِ فالاستبراءُ لازِمٌ فيها، وكلُّ مَنْ غلبَ على الظنِّ براءةُ رحِمِها لكنَّه يجوزُ حصولُه فالمذهبُ على قولَيْنِ في ثبوتِ الاستبراءِ وسقوطِه، وأطالَ بما خلاصتُه: أن مأخذَ مالكٍ في الاستبراءِ إنَّما هوَ العلمُ ببراءةِ الرحم بحيثُ لا تُعْلَمُ ولا تُظَنُّ البراءةُ وجبَ الاستبراءُ وحيثُ تُعْلَمُ أو تُظَنُّ البراءةُ لم يجب الاستبراء، وبهذا قالَ ابنُ تيميةَ وتلميذُه ابنُ القيِّمِ (٤). والأحاديثُ الواردةُ في البابِ تشيرُ إلى أن العِلَّةَ الحملُ أو تجويزُه، وقدْ عرفتَ أن النصَّ وردَ في سبايا أوطاس وقِيسَ عليهِ انتقالُ الملكِ بشراءٍ أو غيرُه. وذهبَ داودَ الظاهريُّ (٥) إلى أنهُ لا يجبُ الاستبراءُ في غيرِ السَّبَايَا لأنهُ لا يقولُ بالقياسِ فوقفَ على محلِّ النصِّ، ولأن الشّراءَ ونحوَه عقد كالتزويج. واعلمْ أن ظاهرَ أحاديثِ السَّبايا جوازُ وطْئِهِنَّ وإنْ لم يدخلْنَ في الإسلامٍ فإنهُ ﷺ لم يذكرْ في حلِّ الوطْءِ إلَّا الاستبراءُ بحيضةٍ أو بوضعِ الحملِ، ولوْ كان الإسلامُ شرطًا لبَيَّنه وإلَّا لزِمَ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ ولا يجوزُ، فالذي قَضَى بهِ إطلاقُ الأحاديثَ وعملُ الصحابةِ في عهدِ [الرسول] (٦) ﷺ يقضي جوازُ الوطْءِ للمسبيَّةِ منْ دونِ إسلامٍ، وقدْ ذهبَ إلى هذا طاوسُ وغيرُه. واعلمْ أن الحديثَ دلَّ بمفهومِه على جوازِ الاستمتاعِ قبلَ الاستبراءِ بدونِ الجماعِ، وعليهِ دلَّ

стр. 1823

فعلُ ابن عمرَ أنهُ قالَ: وقعتْ في سهمي جاريةٌ يومَ جَلُولَاءَ (١) كأنَّ عُنُقَها إبريقُ فضةٍ، قالَ: فما ملكتُ نفسي أنْ جعلتُ أُقَبِّلُها والناسُ ينظرونَ. أخرجهُ البخاري (٢). الولد للفراش وللعاهر الحجر ١٩/ ١٠٥٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثهِ (٣). [صحيح] - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ في قِصَّةٍ ستأتي قريبًا (٤). [صحيح] - وَعَنِ ابْنِ مَسعودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (٥). [صحيح لغيره] وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أبي دَاوُدَ (٦). [ضعيف] (وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحَجَرُ. متفقٌ عليهِ من حديثِهِ) أي أبي هريرةَ (ومن حديثٍ عائشةَ في قِصةٍ ستأتي قريبًا، وعنِ ابن مسعودٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وَعَنْ عُثْمَانَ عِندَ أبي دَاودَ). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إنهُ جاءَ عنْ بضعٍ وعشرينَ نَفْسًا منَ الصحابةِ. والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ نسبِ الولدِ بالفراشِ منَ الأبِ. واختلفَ العلماءُ في معنَى الفراشِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ اسمٌ

стр. 1824

للمرأةِ وقدْ يُعَبَّرُ بهِ عنْ حالةِ الافتراشِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ اسمٌ للزوْجِ ثمَّ اختلفُوا بماذَا يثبتُ، فعندَ الجمهورِ إنَّما يثبتُ للحرَّةِ بإمكانِ الوطْءِ في نكاحٍ صحيحٍ أوْ فاسدٍ وهوَ مذهبُ الهادويةِ والشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ أنهُ يثبتُ بنفسِ العقْدِ وإنْ علمَ أنهُ لم يجتمعْ بها بلْ ولو طلَّقها [عقيبهُ] (١) في المجلسِ [ثبت الفراش] (٢)، وذهبَ ابنُ تيميةَ إلى أنهُ لا بدَّ منْ معرفةِ الدخولِ المحقَّقِ واختارَهُ تلميذُه ابنُ القيِّمِ قالَ: وهلْ يَعُدُّ أهلُ اللغةِ وأهلُ [المعرفة] (٣) المرأةَ فِرَاشًا قبلَ البناءِ بها، وكيفَ تأتي الشريعةُ بإلحاقِ نسبِ منْ لم يَبْنِ بامرأتِهِ ولا دخلَ بِها ولا اجتمعَ بها لمجردِ إمكانِ ذلكَ، وهذَا الإمكانُ قدْ يُقْطَعُ بانتفائِه عادةً فلا تصيرُ المرأةُ فِرَاشًا إلا بدخولٍ محقَّقٍ. قالَ في "المنارِ" (٤): "هذا هوَ المتيقنُ ومِنْ أينَ لنا الحكمُ بالدخولِ بمجردِ الإمكانِ فإنَّ غايتَهُ أنهُ مشكوكٌ فيهِ ونحنُ متعبَّدونُ في جميعِ الأحكامِ بعلمٍ أو ظنٍّ، والممكنُ أعمُّ منَ المظنونِ، والعجبُ منْ تطبيقِ الجمهورِ بالحكمِ معَ الشكِّ" فظهرَ لكَ قوةُ كلامِ ابن تيميةَ وهوَ روايةٌ عنْ أحمدَ هذا في ثبوتِ فراشِ الحرَّةِ، وأما ثبوتُ فراشِ الأمَةِ فظاهرُ الحديثِ شمولُه لهُ وأنهُ يثبتُ الفراشُ للأَمَةِ بالوطْءِ إذا كانتْ مملوكةً للواطِئِ أو في شبهةِ مِلْكٍ إذا اعترفَ السيِّدُ أو ثبتَ بوجهٍ. والحديثُ واردٌ في الأَمَةِ ولفظُه في روايةٍ عائشةَ (٥) قالتْ: اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وعبدُ بنُ زمعةَ في غلام، فقالَ سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ هذا ابنُ أخي عتبة (٦) بنَ أبي وقاصٍ عهدَ إليَّ أنهُ ابنه انظر إلى شِبْهِهِ، وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ: هذا أخي يا رسولَ اللَّهِ وُلدَ على فراشِ أبي منْ وليدتِه. فنظرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى شِبْهِهِ فَرأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبةَ فقالَ: "هوَ لكَ يا عبدُ بنُ زمعةَ، الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحَجَرُ واحتجبي منهُ يا سودةُ"، فأثبتَ النبيُّ ﷺ الولدَ بفراشِ زمعةَ للوليدةِ المذكورةِ فسببُ الحكمِ ومحلُّه إنَّما كانَ في الأمَةِ. وهذَا قولُ الجمهورِ وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ والنخعُّي وأحمدَ وإسحاقُ، وذهبتِ الهادويةُ

стр. 1825

والحنفيةُ إلى أنهُ لا يثبتُ الفراشُ للأَمَةِ إلَّا بدعْوى الولدِ ولا يكفي الإقرارُ بالوطْءِ فإن لم يدَّعِهِ فلا نسبَ وكانَ مِلْكًا لمالِك الأمَةِ، وإذا ثبتَ فراشُها بدعوته أولِ ولدٍ منْها فما ولدتْه بعدَ ذلكَ لحقَ بالسيِّدِ وإنْ لم يدعِ المالكُ ذلكَ قالُوا: وذلكَ للفرقِ بينَ الحرَّةِ والأمَةِ فإنَّ الحرَّةَ ترادُ للاستفراشِ والوطْء بخلافٍ مِلْكِ اليمينِ فإنَّ ذلكَ تابعٌ وأغلبُ المنافعِ غيرُه. وأُجِيبَ بأنَّ الكلامَ في الأَمَةِ التي اتُّخِذَتْ للوطْءِ، فإنَّ الغرضَ منَ الاستفراشِ قدْ حصلَ بها فإذا عرفَ الوطْءَ كانتْ فِرَاشًا ولا يحتاجُ إلى استلحاقٍ، والحديثُ [دل] (١) لذلكَ؛ فإنهُ لِمَا قالَ عبدُ بنُ زمعةَ: ولدَ على فَرَاش أبي ألحقَهُ النبيُّ ﷺ بزمعةَ صاحبِ الفراشِ ولم يُنْظَرْ إلى الشَّبَه البيِّنِ الذِي فيهِ المخالفةُ للملْحوقِ بهِ. وتأولتِ الهادويةُ والحنفيةِ حديثَ أبي هريرةَ بتأويلاتٍ كثيرةٍ وزعمُوا أنهُ ﷺ لم يُلْحِقِ الغلامَ المتنازَعَ فيهِ بنسبِ زمعةَ واستدلُّوا بأنهُ ﷺ أمرَ سودةَ بنتَ زمعةَ بالاحتجاب منْهُ. وأجيبَ بأنهُ أمَرَها بالاحتجابِ منهُ على سبيلِ الاحتياطِ والوَرعِ والصيانةِ لأمهاتِ المؤمنينَ منْ بعضِ المباحاتِ معَ الشُّبهةِ وذلكَ لما رآهُ ﷺ في الولدِ منَ الشَّبَهِ البيِّنِ بعتبةَ بن أبي وقاصٍ، وللمالكيةِ هُنا مسلكٌ آخرُ فقالوا: الحديثُ دال على مشروعيةِ حكمٍ بينَ حكميْنِ وهو أنْ يأخذَ الفرعُ شَبَهًا منْ أكثرِ منْ أصلٍ فيعطى أحكامًا فإنَّ الفراشَ يقتضيِ إلحاقَهُ بزمعةَ والشَّبهُ يقتضي إلحاقَه بعتبةَ فأَعْطَى الفرعُ حُكْمًا بينَ حكمين فَرُوْعِيَ الفراشُ في إثباتِ النسبِ وروعيَ الشَّبهُ البيِّنُ بعتبةَ في أمرٍ سودةَ بالاحتجابِ، قالُوا: وهذَا أَوْلَى التقديراتِ، فإنَّ الفرْعَ إذا دارَ بينَ أصليْنِ فأُلْحِقَ بأحدِهِما فقطْ فقدْ أُبْطِلَ شبْهُهُ بالثاني منْ كلِّ وجهٍ، فإذا الْحِقَ بكلِّ واحدٍ منْهما منْ وجْهٍ كانَ أوْلَى منْ إلغاءِ أحدِهِما في كلِّ وجْهٍ، فيكونُ هذا الحكمُ وهوَ إثباتُ النَّسبِ بالنظرِ إلى ما يجبُ للمدَّعي منْ أحكامِ البنوةِ ثابتًا وبالنظرِ إلى ما يتعلَّقُ بالغيرِ منَ النظرِ إلى المحارِمِ غيرُ ثابتٍ، قالُوا: ولا يمتنعُ ثبوتُ النسبِ منْ وجْهٍ دونَ وجْهٍ، كما ذهبَ أبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وغيرُهم إلى [أنه] (٢) لا يحلُّ أنْ يتزوَّجَ بنتَه منَ الزِّنَى وإنْ كانَ لها حكمُ الأجنبيةِ، وقدِ اعترضَ هذَا [المحقق العلامة تاج الدين] (٣) ابنُ

стр. 1826

دقيقِ العيدِ بما ليسَ بناهضٍ. وفي الحديثِ دليلٌ على أن لغيرِ الأبِ أنْ يستلْحقَ الولدَ، فإنَّ عبدَ بنَ زمعةَ استلحقَ أخاهُ بإقرارهِ [بالفراش] (١) لأبيهِ وظاهرُ الروايةِ أن ذلك يصح وإن لم يصدقْه الورثةُ فإنَّ سودَة لم يذكرْ منْها تصديقٌ ولا إنكارٌ إلا أنْ يُقَالَ إنَّ سكوتَها قائمٌ مقامَ الإقرارِ، وفي المسئلةِ قولانِ: الأول: أنهُ إذا كان المستلحقُ غيرَ الأبِ ولا وارثَ غيرُه وذلكَ كأنْ يستلحقُ الجدُّ ولا وارثَ سواهُ صحَّ إقرارُه وثبتَ نسبُ المقرِّ به [كذا] (٢) إنْ كانَ المستحلقُ بعضَ الورثةِ وصدَّقَهُ الباقونَ والأصلُ في ذلكَ أن مَنْ حازَ المالَ ثبتَ النسبُ بإقرارِه واحِدًا كانَ أو جماعةً، وهذا مذهبُ أحمدَ والشافعيِّ لأنَّ الورثةَ قامُوا مقامَ الميِّتِ وحلُّوا محلَّهُ. الثاني: للهادويةِ أنهُ لا يصحُّ الاستلحاقُ منْ غيرِ الأبِ وإنَّما المقَرُّ بِه يشاركُ المقِرَّ في الإرثِ دونَ النسبِ، ولكنَّ قولَه ﷺ لعبدٍ هوَ أخوكَ كما أخرجَه البخاريُّ (٣) دليلُ ثبوتِ النسبِ في ذلكَ. ثمَّ اختلفَ القائلونَ بلحوقِ النسبِ بإقرارِ غيرِ الأب هلْ هوَ إقرارُ خلافةٍ ونيابةٍ عن الميِّتِ فلا يشترطُ عدالةُ المستلْحَقِ [بلْ] (٤) وَلا إسلامُه، أوْ هوَ إقرارُ شهادةٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ أهليةُ الشهادةِ؟ فقالتِ الشافعيةُ وأحمدُ: إنهُ إقرارُ خلافةٍ ونيابةٍ، وقالتِ المالكية: إنهُ إقرارُ شهادةٍ، و [استدلت] (٥) الهادويةُ والحنفيةُ بالحديثِ على عدمِ ثبوتِ النَّسبِ بالقيافة لقولِه: "الولدُ للفراشِ" (٦)، قالُوا: ومثلُ هذَا التركيبِ يفيدُ الحصرَ ولأنهُ لو ثبتَ بالقيافةِ لكانتْ قدْ حصلتْ بما رآهُ منْ شَبَهِ المدَّعِي بهِ بعتبةَ ولم يحكمْ لهُ بهِ بلْ حُكِمَ بهِ لغيرِه، وذهبَ الشافعيُّ وغيرُه إلى ثبوت النسبِ بالقيافة إلا أنهُ إنما يثبتُ بها فيما حصلَ منْ وطْأَيْنِ محرَّميْنِ كالمشتري والبائع يطآنِ الجاريةَ في طُهْرٍ قبلَ الاستبراءِ واستدلُّوا بما أخرَجَهُ الشيخانِ (٧) منِ استبشارِهِ ﷺ بقولِ مُجَزِّزٍ المدلجيِّ وقد رَأَى

стр. 1827

قدمي أسامةَ بنَ زيدٍ وزيدٍ إنَّ هذهِ الأقدامَ بعضُها منْ بعضٍ، فاستبشَر ﷺ بقولِه وقرَّرَهُ على قيافتِه، وسيأتي الكلامُ فيهِ آخرِ بابِ الدَّعاوَى (١)، وبما ثبتَ منْ قولِه في قصةِ اللِّعانِ (٢): إنْ جاءتْ بهِ على صفةِ كَذَا فهوَ لفلانٍ، أو علَى صفةِ كَذَا فهوَ لفلانٍ، فإنهُ دليلُ الإلحاقِ بالقيافةِ ولكنْ مَنَعَتْهُ الأيمانُ عن الإلحاقِ، فدلَّ على أن القيافةَ مقتضٍ لكنَّه [عارضَ] (٣) العملَ بها المانعُ؛ وبأنهُ ﷺ قال لأمِّ سُلَيْمٍ لما قالتْ: أوَ تَحتلمُ المرأةُ؟ فقال: فمنْ أينَ يكونُ الشَّبَهُ (٤)؟ ". ولأنهُ أمرَ سودةَ بالاحتجاب كما سلفَ لما رأى منَ الشَّبَهِ؛ وبأنهُ قالَ للذي ذكرَ لهُ أن امرأتَه [ولدت] (٥) علىَ غيرِ لونِه: لعلَّه نَزَعَهُ عِرْقٍ (٦)، فانهُ ملاحظةٌ للشَّبهِ ولكنَّه لا حكمَ للقيافةِ معَ ثبوتِ الفراشِ في ثبوتِ النسبِ. وقدْ أجابَ النُّفاةُ للقيافةِ بأجوبةٍ لا تخلُو عنْ تكلُّفِ، والحكمُ الشرعيُّ يثبتُه الدليلُ الظاهرُ، فالتكلفُ لردِّ [الظواهرِ] (٧) منَ الأدلةِ [محاباة] (٨) عن المذْهبِ ليسَ منْ شأنِ المتَّبعِ لما جاءَ عن اللَّهِ وعنْ رسوله، وأما الحصْرُ في حديثٍ: الولدُ للفراشِ، فنعمْ هوَ لا يكونُ الولدُ إلا للفراشِ معَ ثبوتهِ والكلامُ مع انتفائِهِ؛ ولأنهُ قدْ يكونُ حَصْرًا أغلبيًا وهوَ غالبُ ما يأتي منَ الحصرِ، فإنَّ الحصْرَ الحقيقيَّ قليلٌ فلا يقالُ قدْ رجعتُم إلى ما ذممتُم منَ التأويلِ. وأما قولُه: وللعاهر - أي الزَّاني - الحجرُ، فالمرادُ به الخيبةُ والحِرْمانُ، وقيلَ: لهُ الرميُ بالحجارةِ، إلا أنهُ لا يخْفَى أنه [يقتصر] (٩) الحديثُ على الزاني المحصَنِ والحديثُ عام. * * *

стр. 1828

[الباب الرابع] باب الرضاع بكسر الراء وفتحها، ومثله الرضاعة لا يصير الصبي رضيعًا بمصِّه للثدي مرة أو مرتين ١/ ١٠٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (عنْ عائشةَ ﵂ قَالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ. أخرجَهُ مسلمٌ). المصَّةُ الواحدةُ منَ المصِّ، وهوَ أخذُ اليسيرِ منَ الشيءِ كما في الضياءِ، وفي "القاموس" (٢): مَصِصْتُهُ بالكسرِ أمَصُّهُ، ومَصَصْتُهُ أمُصُّهُ، كخصَصْتُهُ أخُصُّهُ: شَرِبْتُهُ شُرْبًا رفيقًا. والحديثُ دلَّ على أن مصَّ الصبيِّ للثدي مرةً أو مرتينِ لا يصيرُ بهِ رَضِيعًا وفي المسألةِ أقوالٌ: الأول: أن الثلاثَ فَصاعِدًا تحرِّمُ وإلى هَذا ذهبَ داودُ وأتباعُهُ وجماعةٌ منَ العلماءِ لمفهوم حديثٍ مسلمٍ هذَا وحديثُه الآخرُ بلفظِ: "لا تحرِّمُ الإملاجةُ والإملاجَتَانِ" (٣)، فأفادَ بمفهومِهِ تحريمَ ما فوقَ الاثنتينِ. القولُ الثاني: لجماعةٍ منَ السلفِ والخلَفِ وهوَ أن قليلَ الرِّضاعِ وكثيرَهُ يحرِّمُ، وهذَا يُرْوَى عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ وآخرينَ منَ السلفِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ

стр. 1829

والحنفيةِ ومالكٍ وقالُوا: حدُّه ما وصلَ الجوفَ بنفسِه. وقد ادُّعِيَ الإجماعُ على أنهُ يحرِّمُ منَ الرِّضاعِ ما يفطرُ الصائمَ، واستدلُّوا بأنهُ تعالَى علَّق التحريمَ باسمِ الرضاعِ فحيثُ وجدَ اسمُه وجدَ حُكْمُهُ، ووردَ الحديثُ موافِقًا للآيةِ فقالَ ﷺ : "يَحْرُمُ منَ الرِّضَاعِ ما يَحْرُمُ منَ النسبِ" (١). ولحديثِ عقبةَ الآتي (٢)، [وقولُهُ] (٣) ﷺ : "كيفَ وقدْ زعمتْ أنَّها أرضعتكما" ولم يستفصل عن عدد [الرضعات] (٤)، فهذه أدلتهم ولكنها اضطربتْ أقوالُهم في ضبطِ الرضعةِ وحقيقتها اضْطرابًا كَثِيرًا ولم يرجعْ إلى دليلٍ. ويُجابُ عما ذكروهُ منَ التعليقِ باسمِ الرَّضاعِ أنهُ مُجْمَلٌ بيَّنهُ الشارعُ بالعددِ وضَبَطَهُ بهِ وبعدَ البيانِ لا يقالُ إنهُ تركَ الاستفصالَ. القول الثالث: إنَّها لا تُحرِّم إلَّا خمسُ رضعات وهو قولُ ابن مسعودٍ وابنِ الزبيرِ والشافعيِّ وروايةٌ عنْ أحمدَ، واستدلُّوا بما يأتي منْ حديثٍ عائشةَ (٥) وهوَ نصٌّ في الخمسِ. وبأنَّ سهلةَ بنتَ سهيلٍ أرضعتْ سَالِمًا خمسَ رضعاتٍ ويأتي أيضًا (٦). وهذا وإنْ عارضَه مفهومُ حديثٍ المصَّةِ والمصَّتَانِ فإنَّ الحكمَ في هذا منطوقٌ وهوَ أَقْوَى منَ المفهومِ فهوَ مقدَّمٌ عليهِ، وعائشةُ وإنْ روتْ أن ذلكَ كانَ قرآنًا فإنَّ لهُ حُكْمَ خبرِ الآحادِ في العملِ بهِ كما عُرِف في الأصولِ، وقدْ عَضَدَهُ حديثُ سهلةَ فإن فيهِ أنَّها أرضعتْ سالمًا خمسَ رَضعاتٍ لتحرُمَ عليهِ وإنْ كانَ فعل صحابيةٍ فإنهُ دالٌ أنهُ قدْ كانَ متقرِّرًا عندَهم [أنها] (٧) لا [تحرم] (٨) إلا الخمسُ الرضعاتِ ويأتي تحقيقُه. وأما حقيقةُ الرضعةِ فَهيَ المرةُ مِنْ الرَّضَاعِ كالضربةِ من الضربِ والجلسةِ منَ الجلوسِ، فمتَى الْتَقَمَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وامتصَّ منهُ ثمَّ تركَ ذلكَ باختيارِهِ منْ غيرِ عارضٍ كانَ ذلكَ رضعةً، والقطعُ لعارضٍ كنَفَسٍ أوِ استراحةٍ يسيرةٍ أو لشيءٍ يلهِيهِ ثمَّ يعودُ منْ قريبٍ لا يخرجُها عنْ كَوْنِها رضعةً واحدةً، كما أن الآكِلَ إذا قطعَ أكْلَه بذلكَ ثم عادَ عنْ قريبٍ كانَ ذلكَ أكلةً واحدةً، وهذا

стр. 1830

مذهبُ الشافعيِّ في تحقيقِ الرضعةِ الواحدةِ وهوَ موافقٌ للغةِ، فإذا حصلتْ خمسُ رَضَعَاتٍ على هذهِ الصفةِ حَرَّمَتْ. لا يحرِّم من الرضاع إلا ما كان من مجاعة ٢/ ١٠٥٩ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْها) [أي عنْ عائشةَ] (قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : انظرْنَ منْ إخوانُكُنَّ فإنَّما الرَّضاعةُ منَ المجاعةِ. متفقٌ عليهِ). في الحديثِ قصةٌ وهوَ أنهُ ﷺ دخلَ على عائشةَ وعندَها رجلٌ، فكانهُ تغيَّرَ وجْهُهُ ﷺ ، كأنهُ كرهَ ذلكَ فقالتْ: إنهُ أخي فقال: "انظرْنَ منْ إخوانُكُنَّ فإنَّما الرَّضاعةُ منَ المجاعةِ". قالَ المصنفُ (٢): لم أقفْ على [اسم هذا الرجل] (٣) وأظنُّه ابنًا لأبي الْقَعِيْسِ. وقولُه: انظرنَ، أمر بالتحقُّقِ في أمرٍ الرضاعَةِ، هلْ هوَ رضاعٌ صحيحٌ بشرطِه منْ وقوعِهِ في زمنِ الرَّضَاعِ ومقدارِ الإرْضَاعِ؛ فإنما الحكمُ الذي ينشأُ منَ الرَّضاعِ إنَّما يكونُ إذا وقعَ الرضاعُ [المشروط] (٤). وقالَ أبو عبيدٍ: معناهُ أنهُ الذي إذا جاعَ كانَ طعامُهُ الذي يشبعُهُ اللبنَ منَ الرضاعِ لا حيثُ يكونُ الغذاءُ بغيرِ الرضاع، وهوَ تعليل لإمعانِ التحققِ في شأنِ الرضاع، وإنَّ الرضاعَ الذي تثبتُ بهِ الحرُمة وتحلُّ بهِ الخلوةُ هوَ حيثُ يكونُ الرضيعُ طفلًا يسدُّ اللبنُ جوعته؛ لأنَّ معدتَه ضعيفة يكفيْها اللبنُ وينبتُ بذلكَ لحمُه فيصيرُ جُزْءًا منَ المرضعةِ فيشتركُ في الحُرْمَةِ معَ أولادِها، فمعناهُ لا رضاعةَ معتبرةٌ إلا المغْنِيَةُ عن المجاعةِ، أو المُطعمةُ منَ المجاعةِ، فهوَ في معنَى حديثٍ ابن مسعودٍ الآتي (٥): "لا رضاعَ إلَّا ما أنشزَ العظمَ وأنبتَ اللحمَ"،

стр. 1831

وحديثُ أُمِّ سلمةَ: "لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما فتقَ الأمعاءَ"، أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ (١). واستدلَّ بهِ علَى أن التغذيَ بلبنِ المرضعةِ محرَّمٌ سواءٌ كانَ [شرابًا] (٢) أو وُجُورًا أو سُعُوطًا أو حُقنةً حيثُ كانَ يسدُّ جوعَ الصبيِّ وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: لا تحرِّم الحقنةُ وكأنَّهم يقولون: لا تدخلُ تحتَ اسمِ الرضاعِ. قلت: إذا لوحظَ المعنَى منَ الرضاعِ دخلَ كلُّ ما ذكرُوا، وإنْ لُوحِظَ مسمَّى الرضاعِ فلا يشملُ إلا التقامَ الثَّدْي ومصَّ اللبنِ منهُ كما تقولُه الظاهريةُ، فإنَّهم قالُوا: لا يحرِّم إلَّا ذلكَ، ولما حصَرَ في الحديثِ الرضاعةَ على ما كانَ منَ المجاعةِ كما قدْ عرفتَ. وقدْ وردَ حديث عائشة معارضًا لذلك وهو: الإرضاع في الكبر ٣/ ١٠٦٠ - وعَنْها ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنَا في بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. فَقَالَ: "أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيهِ" رَوَاهُ مُسْلِمُ (٣) [صحيح] (وعنْها) [أي عنْ عائشة] (قالتْ: جاءتْ سهلة بنتُ سهيلٍ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ سالمًا مولى أبي حذيفةَ معنا في بيتِنَا وقدْ بلغَ ما يبلغ الرجالُ فقالَ: أرضِعِيهِ

стр. 1832

تَحْرُمي عليهِ. - وفي سننِ أبي داودَ (١): فأرضعته خمسَ رَضَعَاتٍ، فكانَ بمنزلةِ ولدِها منَ الرِّضاعةِ) - رواهُ مسلم. وكأنهُ ذكرهُ المصنفُ كالمشيرِ إلى أنهُ قدْ خصَّصَ هذا الحكمَ بحديثِ سهلةَ، فإنهُ دالٌّ على أنَّ رضاعَ الكبيرِ يحرِّمُ معَ أنهُ ليسَ داخلًا تحتَ الرضاعةِ منَ المجاعة. وبيانُ القصةِ أنَّ أبا حذيفةَ كانَ قدْ تَبَنى سالمًا وزوَّجَهُ، وكانَ سالمٌ مولَى امرأة منَ الأنصارِ، فلما أنزلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢) الآيةَ كانَ مَنْ [لا] (٣) أبَ معروفٌ نُسِبَ إلى أبيهِ، ومَنْ لا أبَ لهُ معروفٌ كانَ مولىَ وأخًا في الدينِ، فعندَ ذلكَ جاءتْ سهلةُ تذكرُ ما نصَّهُ الحديثُ في الكتابِ. وقد اختلَفَ السَّلَفُ في هذا الحكمِ، فذهبتْ عائشةُ ﵂ إلى ثبوتِ حكمِ التحريمِ وإنْ كان الراضعُ بالغًا عاقلًا. قالَ عروةُ: إن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ أخذتْ بهذا الحديثِ فكانتْ تأمرُ أختَها أمِّ كلثومٍ وبناتِ أخيها [أن] (٤) يُرْضِعْنَ مَنْ أحبَّتْ أنْ يدخلَ عليها منَ الرجالِ. رواهُ مالكٌ (٥) ويُرْوَى عنْ عليٍّ وعروةَ وهوَ قولُ الليثَ بن سعدٍ [وأبي محمدِ] (٦) ابن حزمٍ ونسَبَهُ في "البحر" (٧) إلى عائشةَ وداودَ الظاهريِّ وحجَّتُهم حديثُ سهلةَ هذا وهوَ حديثٌ صحيحٌ لا شك في صِحَّتِهِ، ويدلُّ له أيضًا قولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٨)، فإنهُ مطلقٌ غيرُ مقيدٍ بوقت، وذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والفقهاءِ إلى أنهُ لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما كانَ في الصِّغَرِ. وإنما اختلفُوا في تحديدِ الصِّغَرِ، فالجمهورُ قالُوا: مَهْمَا كانَ في الحولَيْن فإنَّ رضاعه يحرِّمُ، ولا يحرِّمُ ما كانَ بعدَهما مستدلِّينَ بقولِه تعالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٩)، وقالت جماعةٌ: الرضاعُ المحرِّم ما كان قبلَ الفطامِ

стр. 1833

ولم يقدِّروهُ بزمانٍ، وقالَ الأوزاعيُّ: إنْ فُطِمَ ولهُ عامٌ واحدٌ واستمرَّ فِطَامُهُ ثمَّ رضعَ في الحوليْن لم يحرِّمْ هذا الرضاعُ شيئًا وإنْ تمادَى رضاعُه ولم يفطمْ فما يرضعُ وهوَ في الحولينِ حرِّم وما كان بعدهما [لم] (١) يحرِّم [وإنْ تَمَادَى إرضاعُه] (٢). وفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ عاريةٌ عن الاستدلالِ فلا نطيلُ بها المقالُ، واستدلَّ الجمهورُ بحديثِ: "إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ" (٣) وتقدَّم بأنه لا يصدقُ ذلكَ إلَّا على مَنْ يشبعُه اللبنُ ويكونُ غذاء لا غير فلا يدخلُ الكبيرُ سيَّما وقدْ وردَ بصيغةِ الحصرِ، وأجابُوا عنْ حديثٍ سالمٍ [هذا] (٤) بأنهُ خاصٌ بقصةِ سهلةَ فلا يتعدَّى حكمُه إلى غيرِها كما يدلُّ لهُ جوابُ أمّ سلمةَ أمِّ المؤمنينَ لعائشةَ ﵂: "لا نَرَى هذا إلَّا خاصًّا بسالمٍ وما نَدْرِي لعلَّهُ رخصةٌ لسالمٍ"، أوْ أنهُ منسوخٌ. وأجابَ القائلونَ بتحريمِ رضَاعِ الكبيرِ بأنَّ الآيةَ وحديثَ: "إنما الرضاعةُ منَ المجاعةِ" (٣) واردانِ لبيانِ الرضاعةِ الموجبةِ للنفقةِ للمرضعةِ [والذي] (٥) يجبرُ عليْها الأبوانِ رضِيا أمْ كَرِها كما يرشدُ إليهِ آخرُ الآيةِ وهوَ قولُه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦)، وعائشةُ هيَ الراويةُ لحديثِ: "إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ" (٣) وهيَ التي قالتْ: "برضاعِ الكبيرِ، وأنهُ يحرمُ فدلَّ أنَّها فهمتْ ما ذكرْنَاهُ في معنَى الآيةِ والحديثِ. وأما قولُ أمِّ سلمةَ إنهُ خاصٌّ بسالمٍ فذلكَ تَظَنُّنٌ منْها وقدْ أجابتْ عليْها عائشةُ فقالتْ: أما لكِ في رسولِ اللَّهِ أسوةٌ حسنةٌ، فسكتتْ أمُّ سلمةَ ولوْ كانَ خاصًّا لبيَّنهُ ﷺ بيَّنَ اختصاصَ أبي بردةَ بالتضحيةِ بالجذعةِ منَ المعْزِ (٧). والقولُ بالنسخِ يدفعُه أن قصةَ سهلةَ [متأخرةٌ] (٨) عنْ نزولِ آيةِ

стр. 1834

الحولَيْنِ فإنَّها قالتْ سهلةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ : كيفَ أرضعُهُ وهوَ رجلٌ كبيرٌ؟ [قال] (١): هذَا السؤالَ منْها استنكارٌ لرضاعِ الكبير دالٌّ على أن التحليلَ بعدَ اعتقادِ التحريمِ. قلتُ: لا يخْفَى أن الرضاعةَ لغةً إنَّما تصدقُ على مَنْ كانَ في سنِّ الصغرِ، وعلى اللغةِ وردتْ آيةُ الحولَيْنِ وحديثُ: "إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ" (٢)، والقولُ بأنَّ الآيةَ لبيانِ الرضاعةِ الموجبةِ للنفقةِ لا ينافي أيضًا أنَّها لبيانِ زمانِ الرضاعةِ، بلْ جعلَه الله تعالَى زمانَ مَنْ أرادَ تمامَ الرضاعةِ وليسَ بعدَ التمامِ ما يدخلُ في حكمِ ما حكمَ الشارعُ بأنهُ قدْ تمَّ، والأحسنُ في الجمعِ بينَ حديثِ سهلةَ وما عارضَهُ كلامُ ابن تيميةَ (٣) فإنهُ قالَ: [إنهُ] (٤) يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ في الرضاعةِ إلَّا إذا دعتْ إليهِ الحاجةُ كرضاعِ الكبيرِ الذي لا يُسْتَغْنَى عنْ دخولِهِ على المرأةِ ويشق احتجابُها عنهُ كحالِ سالمٍ معَ امرأةِ أبي حذيفَة، فَمِثْلُ هذا الكبير إذا أرضعتْه للحاجةِ أثَّرَ رضاعِه، وأما مَنْ عَدَاهُ فلا بدَّ منَ الصِّغَرِ، انتَهى. فإنهُ جَمْعٌ حسن بينَ الأحاديثِ، وإعمالٌ لها منْ غيرِ مخالفةٍ لظاهرِها باختصاصٍ ولا نسخٍ ولا إلغاءٍ لما اعتبرتْه اللغةُ ودلَّتْ لهُ الأحاديثُ. ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة ٤/ ١٠٦١ - وَعَنْهَا أن أفْلَحَ - أَخَا أَبي الْقُعَيْسِ - جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ، فَلَما جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخْبَرْتُهُ بالَّذِي صَنَعْتُهُ، فَأَمَرَنِي أنْ آذَنَ [لَهُ] (٤) عَلَيّ وَقَالَ: "إنَّهُ عَمُّكِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 1835

(وعنْها) أيْ عنْ عائشةَ (أن أفْلَحَ) بفتحِ الهمزةِ ففاءٍ آخرُه حاءَ مهملةٌ، مولَى رسول اللَّهِ ﷺ [وقيلَ مولَىً لأمِّ سلمةُ] (١) (أخا أبي القُعَيْسِ) بقافٍ مضمومةٍ وعينٍ وسينٍ مهملتينِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ (جاءَ يستأذنُ عَلَيْهَا بعدَ الحجابِ قالتْ: فأبيتُ أنْ آذنَ له، فلمَّا جاءَ رسول اللَّهِ ﷺ أخبرتُه بالذي صنعته، فأمرني أنْ آذنَ لهُ عليَّ وقالَ: إنهُ عمَّكِ. متفقٌ عليهِ). اسمُ أبي القعيسِ وائلُ بنُ أفلحَ الأشعريِّ، وقيلَ: اسمُه الجعدُ، فَعَلَى الأولِ يكونُ أخوهُ وافقَ اسمُه اسمَ أبِيهِ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُ لأبي القعيس ذِكْرًا إلا في هذَا الحديثِ (٢). والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ حُكْمِ الرضاعِ في حقِّ زوجِ المرضعةِ وأقاربِهِ كالمرضعةِ، وذلكَ لأنَّ سببَ اللبنِ هوَ ماءُ الرجلِ والمرأةِ مَعًا فوجبَ أنْ يكونَ الرضاعُ منْهما كالجدِّ لما كانَ سببُ ولدِ الولدِ أوجبَ تحريمَ ولدِ الولدِ بهِ لتعلُّقِهِ [به] (٣)، ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ في هذا الحكمِ: اللقاحُ واحدٌ. أخرجَهُ عنهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤)، [قال] (٥): الوطْءُ يدرُّ اللبنَ فللرجلِ منهُ نصيبٌ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ وأهلُ المذاهبِ. والحديثُ واضحٌ لما ذهبُوا إليهِ، وفي روايةٍ أبي داودَ (٦) زيادةُ تصريحٍ حيثُ قالتْ: دخلَ عليَّ أفلحُ فاستترتُ منهُ فقالَ: أتستترينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ قلتُ: منْ أينَ؟ قالَ: أرضعَتْكِ امرأةُ أخي، قلتُ: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجلُ، الحديثَ. وخالفَ في ذلكَ ابنُ عمرَ وابنُ الزبيرِ ورافعُ بنُ خُدَيْجٍ وعائشةُ وجماعةٌ منَ التابعينَ وابنُ المنذرِ وداودُ وأتباعُه فقالُوا: لا يثبتُ حكمُ الرضاعِ للرجلِ؛ لأنَّ الرضاعَ إنَّما هوَ للمرأةِ التي اللبنُ منْها، قالُوا: ويدلُّ عليهِ قولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٧) وأُجيبَ بأنَّ الآيةَ ليسَ فيها ما يعارضُ الحديثَ فإنَّ ذِكْرَ الأمهاتِ لا يدلّ على أنَّ [من] (٨) عداهنَّ ليسَ كذلكَ، ثمَّ إنْ دلَّ بمفهومِه فهوَ مفهومُ

стр. 1836

لقب مطَّرَحٍ كما عُرِفَ في الأصولِ. وقدْ استدلُّوا بِفَتْوَى جماعةٍ منَ الصحابةِ بهذا المذهبِ ولا يخْفَى أنهُ لا حجَّةَ في ذلكَ. وقدْ أطالَ بعضُ المتأخرينَ البحثَ في المسألةِ وسبقَه ابنُ القيِّمِ في "الهدى" (١) وشيخه ابنُ تيميةَ (٢) والواضحُ ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ. ٥/ ١٠٦٢ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَات مَعْلُومَاتِ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنْها) أي عائشةَ (قالتْ: كانَ فيما أُنْزِلَ منَ القرآنِ عشرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يحرِّمنَ ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وهوَ فيما يُقْرَأُ منَ القرآنِ. رواهُ مسلمٌ)، يُقْرَأُ بضم حرفِ المضارَعَةِ تريدُ أن النسخَ بخمسِ رضعاتٍ تأخَّرَ إنزالُه جدًّا حتَّى إنهُ تُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وبعضُ الناسِ يقرأُ خمسَ رضعاتٍ ويجعلُها قرآنًا مَتْلُوًا لكونه لم يبلغْه النسخُ لقربِ عهدِه، فلمَّا بَلَغَهُمُ النسخُ بعدَ ذلكَ رجعُوا عنْ ذلكَ وأجمعُوا أن لا يُتْلَى، وهذا منْ نسخِ التلاوةِ دونَ الحكْمِ وهوَ أحدُ أنواعِ النسخِ، فإنهُ ثلاثةُ أقسامٍ: نسخُ التلاوةِ والحكمِ مثلُ عشْرِ رَضَعَاتٍ. والثاني: نسخُ التلاوةِ دونَ الحكْمِ كخمسِ رَضَعَاتٍ، وكالشيخِ والشيخةِ إذا زَنيا فارجُمُوهُما. والثالث: نسخُ الحكمِ دونَ التلاوةِ وهوَ كثيرٌ، نحوُ قولِهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 1837

يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (١) الآية وقد تقدَّمَ تحقيقُ القولِ في حكمِ هذا الحديثِ وأنَّ العملَ على ما أفادَهُ هوَ أرجح الأقوالِ والقولُ بأنَّ حديثَ عائشةَ [هذا] (٢) ليسَ بقرآنٍ؛ لأنهُ لا يثبتُ بخبرِ الآحادِ ولا هوَ حديثٌ لأنَّها لم تَرْوِهِ حديثًا مردودٌ بأنَّها وإنْ لم تثبتْ قرآنيتُه ويجري عليهِ حُكْمُ ألفاظِ القرآنِ فقدْ روتْهُ عن النبيِّ ﷺ فلهُ حكمُ الحديثِ في [وجوب] (٣) العملِ بهِ. وقدْ عملَ بمثلِ ذلكَ العلماءُ فعملَ بهِ الشافعيُّ وأحمدُ في هذا الموضعِ، وعملَ [بهِ] (٤) الهادويةُ والحنفيةُ في قراءةِ ابن مسعودٍ في صيامِ الكفَّارةِ ثلاثةَ أيامٍ متتابعاتٍ، وعملَ مالكٌ في فرضِ الأخِ منَ الأمِّ بقراءةِ أُبَيِّ ولهُ أخٌ أو أختٌ منْ أمٍّ، والناسُ كلُّهم احتجُّوا بهذِه القراءةِ، والعملُ بحديثِ البابِ هذا لا عذْرَ عنهُ، ولذَا اخترنا العملَ بهِ فيما سلفَ. ما معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ ٦/ ١٠٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: "إنَّهَا لا تَحِل لِي، إنَّها ابْنَةُ أَخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" متفقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعَنِ بْنِ عباسٍ ﵂ أن النبيَّ ﷺ أُرِيدَ) بضمِّ الهمزةِ مبنيٌّ للمجهولِ من الإرادة (على ابنةِ حمزةَ) أي قيلَ لهُ لو تزوجْتَها (قالَ: إنَّها لا تحلُّ لي إنَّها ابنةُ أخي منَ الرضاعةِ ويحرُمُ منَ الرضاعةِ ما يحزم منَ النسبِ. متفقٌ عليهِ). اختُلِفَ في اسْمِ ابنةِ حمزةَ على سبعةِ أقوالٍ ليسَ فيها ما يجزمُ بهِ وإنَّما كانتِ ابنةُ أخيهِ ﷺ لأنهُ رَضَعَ منْ ثُوَيْبَةَ أمَةِ أبي لَهبٍ وقدْ كانتْ أرضعتْ عمَّه حمزةَ، وأحكامُ الرضاعِ هي حرمةُ التنَاكُحِ وجوازُ النظرِ والخلوةِ والمسافَرَةِ لا غيرُ ذلكَ منَ التوارثِ ووجوبِ الإنفاقِ والعتقِ بالملكِ وغيرِه منْ أحكامِ النسبِ. وقولُه ﷺ : "ويحرُمُ منَ الرضاعِ ما يحرُمُ منَ النَّسَبِ" يرادُ بهِ تشبيهُه بهِ في التحريمِ بهِ. ثمَّ التحريمُ ونحوُه بالنظرِ إلى المرضعِ فإنَّ أقاربَهُ أقاربُ للرضيعِ، وأما أقاربُ

стр. 1838

الرضيعِ [ما عدا أولادَهُ] (١) فلا علاقةَ بينَهم وبينَ المرضعِ فلا يثبتُ شيءٌ منَ الأحكامِ لهم. ٧/ ١٠٦٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ،، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢) هُوَ وَالْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما فَتَقَ) بالفاءِ فمثناةٍ فوقيةٍ فقافٍ (الأمعاءَ) جمعُ المِعا بكسرِ الميم وفتحِها (وكانَ قبلَ الفطامِ. رواهُ الترمذيِّ وصحَّحَهُ هوَ والحاكمُ). والمرادُ ما سلكَ فيها منَ الفتْقِ بمعنَى الشقِّ والمرادُ ما وصلَ إليها فلا يحرِّمُ القليلُ الذي لا ينفذُ إليها ويحتملُ أن المرادَ ما وصلَها وغذَّاها [واكتفى به الرضيع] (٤) عنْ غيرِه فيكونُ دليلًا على عدمِ تحريمِ رضاعِ الكبيرِ، ويدلُّ على أن المرادَ هذَا قولُه في الحديثِ وكانَ قبلَ الفطامِ فإنهُ يرادُ بهِ قبلَ الحولَيْنِ كما وردَ في الحديثِ الآخرِ: "إنَّ ابْني إبراهيمَ ماتَ في الثدي وإنَّ لهُ مُرْضِعًا في الجنةِ"، وتقدَّم الكلامُ في الأمريْنِ، ويدلُّ لِهَذَا [الحديثِ] (٥) الأخيرِ:

стр. 1839

لا رضاع إلا الحولين ٨/ ١٠٦٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَا رَضَاعَ إلَّا في الحَوْلَينِ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجّحا الْمَوْقُوفَ (١). [موقوف] قولُه: (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: لا رَضَاعَ إلَّا في الحولَيْنِ. رواة الدارقطنيُّ وابن عديٍّ مرفوعًا وموقوفًا ورجَّحا الموقوفَ) لأنهُ تفرَّد برفْعِهِ الهيثمُ بنُ جميلٍ (٢) عن ابن عُيَيْنَةَ قالَهُ الدارقطنيُّ وقالَ: كانَ ثقةً حافِظًا. ورواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٣) عن ابن عيينةَ فوقَفَهُ. قلت: وهذا ليسَ بعلَّةٍ كما قرَّرْنَاهُ مِرَارًا، وقالَ ابنُ عديٍّ: إنَّ الهيثَمَ كانَ يغلَطُ. وقالَ البيهقيُّ (٤): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورَوَى التحديدَ بالحولَيْنِ البيهقي (٥) عنْ عمرَ وابن مسعودٍ. والحديثُ دالٌّ على اعتبارِ الحولَيْنِ وأنهُ لا يُسَمَّى الرضاعُ رَضَاعًا إلَّا في الحولَيْنِ. وقدْ تَقدَّمَ أنهُ الذي دلَّتْ عليهِ الآيةُ والقولُ بأنَّها إنَّما دلتْ على حكمِ الواجبِ منَ النفقةِ ونحوِها لا على مدةِ الرضاعِ تقدَّم دفْعُه. ويدلُّ لِهذَا الحكمِ: ٩/ ١٠٦٦ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا رَضَاعَ

стр. 1840

إلَّا ما أنشَزَ الْعَظمَ، وَأنبَتَ اللَّحْمَ"، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ (١). [ضعيف] قولُه: (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا رضاعَ إلَّا ما أنشز) بشينٍ معجمةٍ فزاي، أي شدَّ وقَوَّى (العظمَ وأنبتَ اللحمَ. أخرجَهُ أبو داودَ)، فإنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ لِمَنْ هوَ في سِنِّ الحولَيْنِ ينمُو باللبنِ ويقْوَى بِهِ عظمُه وينبتُ عليهِ لحمُه. شهادة المرضعة وحدها تقبل في الرضاع ١٠/ ١٠٦٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بن الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابَ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ "، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ فَنكحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] ترجمة عقبة بن الحارث (وعنْ عقبةَ بنَ الحارثِ) (٣) هوَ أبو سروعةَ عقبةُ بنُ الحارثِ بن عامرٍ القرشيِّ النوفليِّ، أسلمَ يومَ الفتحِ يُعَدُّ في أهلِ مكةَ (أنهُ تزوَّجَ أمَّ يحيى بنتَ أبي إِهابٍ)

стр. 1841

بكسرِ الهمزةِ (فجاءتِ امرأةٌ) قالَ المصنفُ (١): لم أعرفِ اسْمَها (فقالت: قد أرضعتُكما فسأل النبيَّ ﷺ فقالَ: كيفَ وقدْ قيلَ؟ ففارقَها عقبة فنكحتْ زوجًا غيرَه. أخرجَه البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أن شهادةَ المرضعةِ وحدَها [تُقْبَلُ] (٢)، وبوَّبَ على ذلكَ البخاريُّ، وإليهِ ذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ وأحمدُ بنُ حنبل (٣). وقالَ أبو عبيدٍ: يجبُ على الرجلِ المفارقةُ، ولا يجبُ على الحاكمِ الحكمُ بذلكَ. قالَ مالكٌ (٤): إنهُ لا يقبلُ في الرَّضاعِ إلا امرأتانِ. وذهبتِ الهادويةُ (٥) والحنفيةُ إلى أنَّ الرضاعَ كغيرهِ لا بدَّ منْ شهادةِ رجليْنِ أو رجلٍ وامرأتينِ، ولا تكفي شهادةُ المرضعةِ لأنَّها تقرَّرَ فعلُها. قالَ الشافعيُّ: [تُقْبَلُ شهادةُ] (٦) المرضعةِ معَ ثالثِ نسوةٍ بشرطِ أنْ لا تعرضَ بطلبِ أُجْرَةٍ، قالُوا: وهذا الحديثُ محمولٌ على الاستحبابِ والتحرُّزِ عنْ مظانِّ الاشتباهِ. وأُجِيبَ بأنَّ هذَا خلافُ الظاهرِ سيَّما وقدْ تكررَ سؤالُه للنبيِّ ﷺ أربعَ مراتٍ وأجابَهُ بقولِه: "كيفَ وقدْ قيلَ"؟ وفي بعضِ ألفاظِهِ "دَعْها". وفي روايةٍ الدارقطنيِّ (٧): "لا خيرَ لكَ فيها"، ولوْ كانَ منْ بابِ الاحتياطِ لأَمَرَه بالطلاقِ مع أنهُ في جميعِ الرواياتِ لم يذكرِ الطلاقَ فيكونُ هذا الحكمُ [مخصوصًا] (٨) منْ عمومِ الشهادةِ المُعْتَبَرِ فيها العددُ. وقدِ اعتبرْ ذلكَ في عوراتِ النساءِ فقلتُم: يكفي شهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، والعلةُ عندَهم فيهِ أنهُ قلَّما يَطَّلِعُ الرجالُ على ذلكَ فالضرورةُ داعيةٌ إلى اعتبارِه، فكذا هُنَا. ١١/ ١٠٦٨ - وَعَنْ زيَادٍ السّهْمِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَاء. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٩)، وَهُوَ مُرْسَلٌ، ولَيْسَتْ لِزيَادٍ صُحْبَةٌ. [مرسل]
следующие страницы →