← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1837–1876 · переход к 1842.

стр. 1837

يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (١) الآية وقد تقدَّمَ تحقيقُ القولِ في حكمِ هذا الحديثِ وأنَّ العملَ على ما أفادَهُ هوَ أرجح الأقوالِ والقولُ بأنَّ حديثَ عائشةَ [هذا] (٢) ليسَ بقرآنٍ؛ لأنهُ لا يثبتُ بخبرِ الآحادِ ولا هوَ حديثٌ لأنَّها لم تَرْوِهِ حديثًا مردودٌ بأنَّها وإنْ لم تثبتْ قرآنيتُه ويجري عليهِ حُكْمُ ألفاظِ القرآنِ فقدْ روتْهُ عن النبيِّ ﷺ فلهُ حكمُ الحديثِ في [وجوب] (٣) العملِ بهِ. وقدْ عملَ بمثلِ ذلكَ العلماءُ فعملَ بهِ الشافعيُّ وأحمدُ في هذا الموضعِ، وعملَ [بهِ] (٤) الهادويةُ والحنفيةُ في قراءةِ ابن مسعودٍ في صيامِ الكفَّارةِ ثلاثةَ أيامٍ متتابعاتٍ، وعملَ مالكٌ في فرضِ الأخِ منَ الأمِّ بقراءةِ أُبَيِّ ولهُ أخٌ أو أختٌ منْ أمٍّ، والناسُ كلُّهم احتجُّوا بهذِه القراءةِ، والعملُ بحديثِ البابِ هذا لا عذْرَ عنهُ، ولذَا اخترنا العملَ بهِ فيما سلفَ. ما معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ ٦/ ١٠٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: "إنَّهَا لا تَحِل لِي، إنَّها ابْنَةُ أَخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" متفقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعَنِ بْنِ عباسٍ ﵂ أن النبيَّ ﷺ أُرِيدَ) بضمِّ الهمزةِ مبنيٌّ للمجهولِ من الإرادة (على ابنةِ حمزةَ) أي قيلَ لهُ لو تزوجْتَها (قالَ: إنَّها لا تحلُّ لي إنَّها ابنةُ أخي منَ الرضاعةِ ويحرُمُ منَ الرضاعةِ ما يحزم منَ النسبِ. متفقٌ عليهِ). اختُلِفَ في اسْمِ ابنةِ حمزةَ على سبعةِ أقوالٍ ليسَ فيها ما يجزمُ بهِ وإنَّما كانتِ ابنةُ أخيهِ ﷺ لأنهُ رَضَعَ منْ ثُوَيْبَةَ أمَةِ أبي لَهبٍ وقدْ كانتْ أرضعتْ عمَّه حمزةَ، وأحكامُ الرضاعِ هي حرمةُ التنَاكُحِ وجوازُ النظرِ والخلوةِ والمسافَرَةِ لا غيرُ ذلكَ منَ التوارثِ ووجوبِ الإنفاقِ والعتقِ بالملكِ وغيرِه منْ أحكامِ النسبِ. وقولُه ﷺ : "ويحرُمُ منَ الرضاعِ ما يحرُمُ منَ النَّسَبِ" يرادُ بهِ تشبيهُه بهِ في التحريمِ بهِ. ثمَّ التحريمُ ونحوُه بالنظرِ إلى المرضعِ فإنَّ أقاربَهُ أقاربُ للرضيعِ، وأما أقاربُ

стр. 1838

الرضيعِ [ما عدا أولادَهُ] (١) فلا علاقةَ بينَهم وبينَ المرضعِ فلا يثبتُ شيءٌ منَ الأحكامِ لهم. ٧/ ١٠٦٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ،، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢) هُوَ وَالْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما فَتَقَ) بالفاءِ فمثناةٍ فوقيةٍ فقافٍ (الأمعاءَ) جمعُ المِعا بكسرِ الميم وفتحِها (وكانَ قبلَ الفطامِ. رواهُ الترمذيِّ وصحَّحَهُ هوَ والحاكمُ). والمرادُ ما سلكَ فيها منَ الفتْقِ بمعنَى الشقِّ والمرادُ ما وصلَ إليها فلا يحرِّمُ القليلُ الذي لا ينفذُ إليها ويحتملُ أن المرادَ ما وصلَها وغذَّاها [واكتفى به الرضيع] (٤) عنْ غيرِه فيكونُ دليلًا على عدمِ تحريمِ رضاعِ الكبيرِ، ويدلُّ على أن المرادَ هذَا قولُه في الحديثِ وكانَ قبلَ الفطامِ فإنهُ يرادُ بهِ قبلَ الحولَيْنِ كما وردَ في الحديثِ الآخرِ: "إنَّ ابْني إبراهيمَ ماتَ في الثدي وإنَّ لهُ مُرْضِعًا في الجنةِ"، وتقدَّم الكلامُ في الأمريْنِ، ويدلُّ لِهَذَا [الحديثِ] (٥) الأخيرِ:

стр. 1839

لا رضاع إلا الحولين ٨/ ١٠٦٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَا رَضَاعَ إلَّا في الحَوْلَينِ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجّحا الْمَوْقُوفَ (١). [موقوف] قولُه: (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: لا رَضَاعَ إلَّا في الحولَيْنِ. رواة الدارقطنيُّ وابن عديٍّ مرفوعًا وموقوفًا ورجَّحا الموقوفَ) لأنهُ تفرَّد برفْعِهِ الهيثمُ بنُ جميلٍ (٢) عن ابن عُيَيْنَةَ قالَهُ الدارقطنيُّ وقالَ: كانَ ثقةً حافِظًا. ورواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٣) عن ابن عيينةَ فوقَفَهُ. قلت: وهذا ليسَ بعلَّةٍ كما قرَّرْنَاهُ مِرَارًا، وقالَ ابنُ عديٍّ: إنَّ الهيثَمَ كانَ يغلَطُ. وقالَ البيهقيُّ (٤): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورَوَى التحديدَ بالحولَيْنِ البيهقي (٥) عنْ عمرَ وابن مسعودٍ. والحديثُ دالٌّ على اعتبارِ الحولَيْنِ وأنهُ لا يُسَمَّى الرضاعُ رَضَاعًا إلَّا في الحولَيْنِ. وقدْ تَقدَّمَ أنهُ الذي دلَّتْ عليهِ الآيةُ والقولُ بأنَّها إنَّما دلتْ على حكمِ الواجبِ منَ النفقةِ ونحوِها لا على مدةِ الرضاعِ تقدَّم دفْعُه. ويدلُّ لِهذَا الحكمِ: ٩/ ١٠٦٦ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا رَضَاعَ

стр. 1840

إلَّا ما أنشَزَ الْعَظمَ، وَأنبَتَ اللَّحْمَ"، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ (١). [ضعيف] قولُه: (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا رضاعَ إلَّا ما أنشز) بشينٍ معجمةٍ فزاي، أي شدَّ وقَوَّى (العظمَ وأنبتَ اللحمَ. أخرجَهُ أبو داودَ)، فإنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ لِمَنْ هوَ في سِنِّ الحولَيْنِ ينمُو باللبنِ ويقْوَى بِهِ عظمُه وينبتُ عليهِ لحمُه. شهادة المرضعة وحدها تقبل في الرضاع ١٠/ ١٠٦٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بن الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابَ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ "، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ فَنكحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] ترجمة عقبة بن الحارث (وعنْ عقبةَ بنَ الحارثِ) (٣) هوَ أبو سروعةَ عقبةُ بنُ الحارثِ بن عامرٍ القرشيِّ النوفليِّ، أسلمَ يومَ الفتحِ يُعَدُّ في أهلِ مكةَ (أنهُ تزوَّجَ أمَّ يحيى بنتَ أبي إِهابٍ)

стр. 1841

بكسرِ الهمزةِ (فجاءتِ امرأةٌ) قالَ المصنفُ (١): لم أعرفِ اسْمَها (فقالت: قد أرضعتُكما فسأل النبيَّ ﷺ فقالَ: كيفَ وقدْ قيلَ؟ ففارقَها عقبة فنكحتْ زوجًا غيرَه. أخرجَه البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أن شهادةَ المرضعةِ وحدَها [تُقْبَلُ] (٢)، وبوَّبَ على ذلكَ البخاريُّ، وإليهِ ذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ وأحمدُ بنُ حنبل (٣). وقالَ أبو عبيدٍ: يجبُ على الرجلِ المفارقةُ، ولا يجبُ على الحاكمِ الحكمُ بذلكَ. قالَ مالكٌ (٤): إنهُ لا يقبلُ في الرَّضاعِ إلا امرأتانِ. وذهبتِ الهادويةُ (٥) والحنفيةُ إلى أنَّ الرضاعَ كغيرهِ لا بدَّ منْ شهادةِ رجليْنِ أو رجلٍ وامرأتينِ، ولا تكفي شهادةُ المرضعةِ لأنَّها تقرَّرَ فعلُها. قالَ الشافعيُّ: [تُقْبَلُ شهادةُ] (٦) المرضعةِ معَ ثالثِ نسوةٍ بشرطِ أنْ لا تعرضَ بطلبِ أُجْرَةٍ، قالُوا: وهذا الحديثُ محمولٌ على الاستحبابِ والتحرُّزِ عنْ مظانِّ الاشتباهِ. وأُجِيبَ بأنَّ هذَا خلافُ الظاهرِ سيَّما وقدْ تكررَ سؤالُه للنبيِّ ﷺ أربعَ مراتٍ وأجابَهُ بقولِه: "كيفَ وقدْ قيلَ"؟ وفي بعضِ ألفاظِهِ "دَعْها". وفي روايةٍ الدارقطنيِّ (٧): "لا خيرَ لكَ فيها"، ولوْ كانَ منْ بابِ الاحتياطِ لأَمَرَه بالطلاقِ مع أنهُ في جميعِ الرواياتِ لم يذكرِ الطلاقَ فيكونُ هذا الحكمُ [مخصوصًا] (٨) منْ عمومِ الشهادةِ المُعْتَبَرِ فيها العددُ. وقدِ اعتبرْ ذلكَ في عوراتِ النساءِ فقلتُم: يكفي شهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، والعلةُ عندَهم فيهِ أنهُ قلَّما يَطَّلِعُ الرجالُ على ذلكَ فالضرورةُ داعيةٌ إلى اعتبارِه، فكذا هُنَا. ١١/ ١٠٦٨ - وَعَنْ زيَادٍ السّهْمِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَاء. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٩)، وَهُوَ مُرْسَلٌ، ولَيْسَتْ لِزيَادٍ صُحْبَةٌ. [مرسل]

стр. 1842

(وعنْ زياد السَّهْميِّ قالَ: نَهَى رسول اللَّهِ ﷺ أنْ تسْتَرْضَعَ الحمقاءُ) خفيفةُ العقلِ (أخرجَه أبو داودَ وهوَ مرسلٌ وليسَ لزيادٍ صحبةٌ). ووجْهُ النَّهْي أن للرِّضاعِ تأثيرًا في الطباعِ فيختارُ مَنْ لا حماقَةَ فيها ونحوَها. * * *

стр. 1843

[الباب الخامس] باب النفقات جَمْعُ نفقةٍ، والمرادُ بها الشيءُ الذي يبذُلُه الإنسانُ فيما يحتاجُه هو أو غيرُه منَ الطعامِ والشرابِ ونحوهما. يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إذا منعها النفقة ١/ ١٠٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاح؟ فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَمَا يَكْفِي بَنِيكِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلتْ هندُ بنتُ عتبةَ) (٢) بن ربيعةَ بن عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، أسلمتْ عامَ الفتحِ في مكةَ بعدَ إسلامِ زوْجِهَا، قُتِلَ أبوها عتبةُ وعمُّها شيبةُ وأخوها الوليدُ بنُ عتبةَ يومَ بدرٍ فَشُقَّ عليها ذلكَ، فلمَّا قُتِلَ حمزةُ [يوم

стр. 1844

أحد] (١) فرحتْ بذلكَ وعمدتْ إلى بطنِه فشقَّتْهُ وأخذتْ كَبِدَهُ فلاكتْهَا ثمَّ لفظتْها. توفيتْ في المحرَّم سنةَ أربعَ عشْرَةَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، (امرأةُ أبي سفيانَ) أبو سفيانَ بنُ حربٍ (٢) اسمُهُ صخرُ بنُ حربِ بن أميةَ بن عبدِ شمسٍ من رؤساءِ قريشٍ، أسلمَ عَامَ الفتحِ قبلَ إسلامِ زوجَتِه حينَ أخذتْهُ جندُ النبي ﷺ في يومِ الفتحِ، وأجارَهُ العباسُ ثمَّ غَدَا بِهِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فأسْلَمَ. وكانتْ وفاتُه في خلافةِ عثمانَ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ (على رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولُ اللَّهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ) الشحُّ البخلُ معَ حرصٍ، فهوَ أخصُّ منَ البخلُ، والبخلُ يختصُّ بمنعِ المالِ، والشحُّ بكلِّ شيءٍ (لا يعطيني منَ النفقةِ ما يكفيني ويكفي بني إلَّا ما أخذتُ منْ مالِه بغيرِ عِلْمِهِ فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ منْ جُناحٍ؟ فقالَ: خذي منْ مالِه بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بنيكِ. متفقٌ عليهِ). ما يدل عليه الحديث الحديثُ فيهِ دليلٌ على جوازِ ذِكْرِ الإنسانِ بما يكرهُ إذا كانَ على وجْهِ الاشتكاءِ [والاستفتاءِ] (٣)، وهذَا أحدُ المواضعِ التي أجازُوا فيها الغيبةَ. ودلَّ على وجوبِ نفقةِ الزوجةِ والأولادِ علَى الزوجِ، وظاهرُه وإنْ كانَ الولدُ كبيرًا لعمومِ اللفظِ وعدمِ الاستفصال فإنْ أَتَى ما [يخصِّصُهُ] (٤) منْ حديثِ آخرَ وإلَّا فالعمومُ قاضٍ بذلكَ. وفيهِ دليل على أن الواجبَ الكفايةُ منْ غيرِ تقديرٍ للنفقةِ، وإلى هذا ذهبَ جماهيرُ العلماءِ منْهمُ الهادي والشافعي، وعليه دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥) وفي قول للشافعي: إنَّها مقدَّرةٌ بالأمداد فعلَى الموسِرِ كلَّ يومٍ مُدَّانِ، والمتوسطِ مُدٌّ ونصفٌ، والمعسِرُ مُدٌّ، وعنِ الهادي كلَّ يومٍ مُدَّانِ وفي كلِّ شهرٍ دِرْهَمَانِ للإدام، وعنْ أبي يَعْلَى الواجبُ رَطْلانِ منَ الخبزِ كلَّ يومٍ في حقِّ المعسِرِ والموسِرِ وإنَّما يختلفانِ في صفتهِ وجَوْدَتِهِ؛ لأنَّ الموسِرَ والمعسِرَ

стр. 1845

مستويانِ في قدْرِ المأكولِ وإنَّما يختلفانِ في الجوْدةِ وغيرِها. قال النوويُّ (١): وهذَا الحديثُ حجةٌ على منِ اعتبرَ التقديرَ. قالَ المصنفُ (٢): تعقُّبًا لهُ ليسَ صَريْحًا في الردِّ عليهمْ ولكنَّ التقديرِ بما ذكرَ يحتاج إلى دليل فإنْ ثبتَ حملتِ الكفايةُ في ذلكَ الحديثِ على ذلكَ المقدارِ. وفي قولِها: إلا ما أخذتْ منْ مالهِ، دليلٌ على أن للأُمِّ ولايةً في الإنفاقِ على أولادها مع تَمَرُّدِ الأبِ، ودليل أن مَنْ تعَذَّرَ عليهِ استيفاءُ ما يجبُ، لهُ [أنْ] (٣) يأخذَهُ، لأنهُ ﷺ أقرَّها على الأخْذِ في ذلكَ ولم يذكرْ لها أنهُ حرامٌ، وقدْ سألَتْهُ هلْ عليها جُنَاحٌ؟ فأجابَ بالإباحةِ لها في المستقبلِ وأقرَّها على الأخْذِ في الماضي. وقدْ وردَ في بعضِ [ألفاظِ الحديثِ] (٤) في البخاريِّ (٥): "لا حرجَ عَلَيْكَ أنْ تطعِمِيهُمْ بالمعروفِ". وقولُه: "خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ" يحتملُ أنَّهُ فُتيا منهُ ﷺ ، ويحتملُ أنهُ حكمٌ. وفيهِ دليل على الحكمِ على الغائبِ منْ دونِ نَصْبٍ عنهُ، وعليهِ بوَّبَ البخاريُّ (٦) بابُ القضاءِ على الغائبِ وذكرَ هذا الحديثَ، لكنَّهُ قالَ النوويُّ (٧): شرطُ القضاءِ على الغائبِ أنْ يكونَ غائبًا عن البلدِ أو متعززًا لا يقدرُ عليهِ أو متعذرًا، ولم يكن أبو سفيانَ فيهِ شيءٌ من هذا بلْ كانَ حاضرًا في البَلدِ فلا يكونُ هذَا منَ القضاءِ على الغائب إلَّا أنهُ قدْ [أخرجه] (٨) الحاكمُ في تفسيرِ [سورة] (٩) الممتحنةِ في "المستدركِ" (١٠) أنهُ ﷺ لما اشترطَ في البيعة على النساءِ ولا يسرقْنَ قالتْ هندٌ: لا أبايعكَ على السرقة إني أسرقُ من مال زَوْجِي، فكفَّ حتَّى أرسلَ إلى أبي سفيان يتحللُ لها منهُ فقالَ: أما الرطبُ فنعمْ وأما اليابسُ فلا، وهذا المذكورُ يدلُّ على أنهُ قَضَى على حاضرٍ إلا أنهُ خلافُ مما بوَّبَ لهُ البخاريُّ، [وكأنَّهُ لم يصح له زيادة الحاكم] (١١).

стр. 1846

والحاصلُ أن القِصَّةَ مترددةٌ بينَ كونِهِ فُتْيَا وبينَ كونِهِ حُكْمًا، وكونُه فُتْيَا أقربُ لأنهُ لم يطلبها ببينة ولا استحلفَها، وقدْ قيلَ إنهُ حكمَ بِعِلْمِهِ بِصِدْقِها فلم يطلبْ منْها بَيِّنَة ولا يمينًا فهوَ حجةٌ لمنْ يقولُ إنهُ يحكمُ الحاكمِ بعلمِهِ إلا أنهُ معَ الاحتمالِ لا ينهضُ دليلًا على معيَّنٍ منْ صورِ الاحتمالِ إنَّما يتمُّ بهِ الاستدلالُ على وجوبِ النفقةِ على الزَّوْجِ للزوجةِ وأولادِه، على أن لها الأخذَ منْ مالِه إنْ لم يقمْ بكفايتِها وهوَ الحكمُ الذي أرادَهُ المصنفُ منْ إيرادِ الحديثِ هذَا هُنَا في بابِ النفقاتِ. الإنفاق على القريب المعسر ٢/ ١٠٧٠ - وَعَنْ طَارقٍ الْمُحَارِبِي ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ويَقُولُ: "يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأ بمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَباكَ، وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ (١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) وَالدَّارَقُطْنِي (٣). [صحيح] ترجمة طارق المحاربي (وعنْ طارقِ المحارِبي) (٤) هوَ طارقُ بنُ عبدِ اللَّهِ المحاربي بضمِّ الميمِ وحاءٍ مهملةٍ، روى عنهُ جامعُ بنُ شدَّاد ورِبْعي، بكسرِ الراءِ وسكونِ الموحدةِ وكسرِ العينِ المهملةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، ابن حِراشٍ، بكسرِ الحاءِ المهملةِ وتخفيفِ الراءِ والشينِ المعجمةِ، (قالَ: قدمْنا المدينةَ فإذا رسولُ اللهِ ﷺ قائمٌ على المنبرِ

стр. 1847

يخطبُ الناسَ ويقولُ: يدُ المعطي العُلْيا وابدأْ بمنْ تعولُ، أمكَ وأباكَ وأُخْتُكَ وأَخاك ثمَّ أدْناكَ أدناك. رواهُ النسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والدارقطنيُّ)، الحديثُ كالتفسيرِ لحديثِ: اليدِ العليا خيرٌ منَ اليدِ السُّفْلَى. وفسَّرَ في "النهايةِ" (١): اليَدُ العُلْيَا بالمُعْطِيَةِ أو المنفِقَةِ، واليَدُ السُّفلَى بالمانِعَةِ أو السائلةِ. وقولُه: "ابدأ بمنْ تَعولُ" دليلٌ على وجوبِ الإنفاقِ على القريب. وقدْ فصَّلهُ بِذِكْرِ الأمِّ قبلَ الأبِ إلى آخرِ ما ذكرَهُ، فدلَّ هذَا الترتيبُ على أن الأمَّ أحقُّ منَ الأبِ بالبرّ. قالَ القاضي عياضٌ: وهوَ مذهبُ الجمهورِ ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ البخاري (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ، فذكرَ الأمَّ ثلاثَ مراتٍ ثمَّ ذكرَ الأبَ معطوفًا بثُمَّ فمنْ [لمْ] (٣) يجد إلَّا كفايةً لأحَدِ أبويْهِ خصَّ [بهِ] (٤) الأمَّ للأحاديثِ هذهِ. وقدْ نبَّهَ القرآنُ على زيادةِ حقِّ الأمِّ في قولِهِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٥). وفي قولِهِ: وأختَكَ [وأخاكَ] (٦) إلى آخرِهِ، دليلٌ على وجوبِ [الإنفاقِ للقريب] (٧) المعسرِ فإنهُ تفصيل لقولِهِ: وابدأ بمنْ تعولُ، فجعلَ الأخَ من عيالِهِ، وإلى هذَا ذهبَ عمرُ وابنُ أبي لَيْلَى وأحمدُ والهادي ولكنَّهُ اشترطَ في "البحر" (٨) أنْ يكونَ القريبُ وارِثًا بالنسبِ، مستدلًا بقولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٩) واللامُ للجنسِ، وعندَ الشافعيِّ أن النفقةَ تجبُ لفقيرٍ غيرِ مُكْتَسِب زمِنًا أو صَغيرًا أو مجنونًا لعجْزِه عنْ كفايةِ نفسهِ، قالُوا: فإنْ لمْ يكنْ فيهِ إحدَى هذِه الصفاتِ فأقوالٌ أحسنُها تجبُ لأنهُ يقبحُ أنْ يكلَّفَ التكسُّبَ مع اتساعِ مالِ قريبه. والثاني: المنعُ للقدرةِ على الكسبِ فإنهُ نازلٌ منزلةَ المالِ. والثالث: يجبُ نفقةُ الأصْلِ على الفرعِ دونَ العكسِ لأنهُ ليسَ منَ المصاحبةِ بالمعروفِ أنْ يُكَلَّفَ أصلُهُ التكسبَ معَ عُلُوِّ السنِّ، وعندَ الحنفيةِ يلزمُ التكسبُ لقريبٍ محرَّم فقيرٍ عاجزٍ عن الكسْبِ بقدرِ الإرثِ، هكذَا في كتبِ الفريقيْنِ.

стр. 1848

وفي "البحر" (١) نقلَ عنْهم [خلاف] (٢) هذا، وهذ الأقوال لم يسفرْ فيها وجْهُ الاستدلالِ. وفي قولِه تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (٣) ما يشعرُ بأنَّ للقريب حقًّا على قريبِه والحقوقُ متفاوتةٌ فمعَ حاجتِهِ للنفقةِ تجبُ ومعَ عَدَمِها فحقه الإحسانُ بغيرها منَ البرِّ والإكرامِ. والحديثُ كالمبينِ لذوي القُرْبَى ودرجاتِهم فيجبُ الإنفاقُ للمعسرِ على الترتيبِ في الحديثِ ولم يذكُرْ فيهِ الولدَ والزوجةَ لأنَّهما قدْ عُلِمَا منْ دليلٍ آخرَ والتقييدُ بكونِه وارثًا محلُّ توقُّفٍ. واعلمْ أن للعلماءِ [خلافًا] (٤) في سقوط نفقةِ الماضي، فقيلَ تسقطُ للزوجة والأقارب، وقيل لا يسقطان، وقيل تسقط نفقةُ القريب دونَ الزوجةِ. وعلَّلُوا هذا التفصيلَ بأنَّ نفقةَ القريبِ إنَّما شُرِعَتْ للمواساةِ لأَجلِ إحياءِ النفسِ وهذا قدِ انْتَفَى بالنظرِ إلى الماضي، وأما نفقةُ الزوجةِ فهيَ واجبةٌ لا لأجلِ المواساةِ ولذا تجبُ مع غِنَى الزوجةِ، ولإجماعِ الصحابةِ على عَدَمِ سقوطِها فإنْ تمَّ الإجماعُ فلا التفاتَ إلى [خلافِ] (٥) منْ خالفَ بعدَه وقدْ قالَ ﷺ : "ولهنَّ عليكمْ رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ" (٦) فمهْمَا كانتْ زوجةً مطيعةً فهذَا الحقُّ الذي لها ثابتٌ. وأخرجَ الشافعي (٧) بإسنادٍ جيِّدٍ عنْ عمرَ ﵁: "أنهُ كتبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رجالٍ غابُوا عنْ نسائِهم فأمرَهمُ أن يأمروهُم بأنْ ينفقُوا أوْ يطلِّقوا، فإنْ طلَّقوا بعثُوا

стр. 1849

بنفقةِ ما حَبَسُوا"، وصحَّحَهُ الحافظُ أبو حاتمٍ الرازيِّ (١). ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشاد. حق المملوك طعامه وكسوته ٣/ ١٠٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ"، رَوَاهُ مِسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : للمملوكِ) والمملوكةِ على السيِّدِ (طعامُه وكسوتُه ولا يُكَلَّفُ منَ العملِ إلا ما يطيقُ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على ما هوَ مجمَعٌ عليهِ منْ وجوبِ نفقةِ المملوكِ وكسوتِه، وظاهرُه مُطْلَقُ الطعامِ والكُسوةِ فلا يَجِبَانِ منْ عينِ ما يأكلُه السَّيدُ ويلبسُهُ، وحديثُ مسلمٍ بالأمرِ بإطْعَامِهِم مما يَطْعَمُ وكسوتِهم مما يلْبَسُ محمولٌ على الندْبِ. ولولا ما قيلَ منَ الإجماعِ علَى هذا لاحتملَ أن هذا يقيِّدُ مطلقَ حديثِ الكتابِ، ودلَّ على أنهُ لا يكلفُه السَّيدُ منَ الأعمالِ إلا ما يطيقُه، وهذا مجمعٌ عليهِ أيضًا. وجوب النفقة والكسوة للزوجة ٤/ ١٠٧٢ - وَعَنْ حَكِيم بْنِ مُعَاوِيةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أبيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: "أنْ تُطْعِمُهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيتَ" الحَدِيثُ، وَتَقَدَّمَ في عِشْرَةِ النسَاءِ (٣). [صحيح] (وعنْ حكيمِ بن مُعاويةَ القشيريِّ عنْ أبيهِ) [معاويةَ بنَ حَيْدَةَ] (٤) (قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليهِ قالَ: أنْ تطعمَها إذا طَعِمْتَ، وتكسُوها إذا اكتسيتَ. الحديثَ، وتقدَّمَ في عشرةِ النساءِ) بتمامِهِ ونسبَهُ إلى أحمدَ وأبي داودَ والنسائيَّ وابنِ ماجهْ وأنهُ علَّقَ البخاريُّ بعضَه وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ.

стр. 1850

٥/ ١٠٧٣ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : في حَدِيثِ الْحَجِّ بطُولِهِ، قَالَ في ذِكْرِ النِّسَاءِ: "وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُن وَكِسْوَتُهُن بِالمَعْرُوفِ" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ جابرٍ في حديثِ الحجِّ بطولِهِ قالَ في ذِكْرِ النساء: ولهنَّ عليكمْ رزْقُهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف. أخرجَه مسلمٌ) وهوَ دليل على وجوبِ النفقة والكسوةِ للزوجةِ كما دلتْ لهُ الآيةُ وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ. وقدْ تقدَّم تحقيقُه وقولُه بالمعروفِ إعلامٌ بأنهُ لا يجبُ إلا ما تُعُورِفَ منْ إنفاقِ كل على قدْرِ حالِه كما قالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٢)، ثمَّ الواجبُ لها طعامٌ مصنوعٌ لأنه الذي يصدقُ عليهِ أنهُ نفقةٌ ولا تجبُ القيمةِ إلَّا برِضَا مَنْ يجبُ عليهِ الإنفاقُ. وقدْ طوَّلَ ذلكَ ابنُ القيِّم (٣) واختارهُ وهوَ الحقُّ فإنهُ قالَ ما لفظُه: وأما فرضُ الدراهمِ فلا أصْلَ لهُ في كتابِ اللَّهِ تعالَى ولا سنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ [ولا روي] (٤) عنْ أحدِ منَ الصحابةِ ألبَتةَ ولا التابعينَ ولا تابعيهِمْ ولا نصَّ عليهِ أحدٌ منَ الأئمةِ الأربعةِ ولا غيرِهم منْ أئمةِ الإسلامِ واللَّهُ تعالَى أوجبَ نفقةَ الأقاربِ والزوجاتِ والرقيقِ بالمعروفِ، وليسَ منَ المعروفِ فرضُ الدراهمِ بلِ المعروفُ الذي نصَّ عليهِ الشرعُ أنْ يكسُوَهم مما يَلْبَسُ ويُطْعِمُهم مما يأكلُ، ولَيْسَتِ الدراهمُ منَ الواجبِ ولا عوضِه ولا صحَّ الاعتياضُ عمَّا لم يستقرَّ ولم يُمْلَكْ فإنَّ نفقةَ الأقاربِ والزوجاتِ إنَّما تجبُ يومًا [فيومًا] (٥) ولوْ كانتْ مستقرةً لم تصحُّ المعارضةُ عنْها بغيرِ رِضا الزوجِ والقريبِ، فإنَّ الدراهمَ تُجْعَلُ عِوَضًا عن الواجبِ الأصليِّ وهوَ إما البرُّ عندَ الشافعيِّ أو المُقتاتُ عندَ الجمهورِ، فكيفَ يجبرُ على المعاوضةِ على ذلكَ بدراهمَ منْ غيرِ رِضَا ولا إجبارِ الشرعِ لهُ على ذلكَ، هذا مخالفٌ لقواعدِ الشرعِ ونصوصِ الأئمةِ ومصالحِ العبادِ. ولكنْ إنْ اتفقَ المنفِقُ والمنفَقُ عليهِ جازَ باتفاقِهِمَا. على أن في اعتياضِ الزوجةِ عن النفقةِ الواجبةِ لها نزاع معروف في مذهبِ الشافعي وغيرهِ.

стр. 1851

وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته ٦/ ١٠٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بِالمرءِ إثمًا أن يُضَيِّعَ مَن يَقوتُ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١). [صحيح] وهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٢) بلَفْظِ: "أن يَحبِسَ عمَّنْ يَملِكُ قُوتَهُ". [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ ﵁ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : كفى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يقوتُ. رواهُ النسائيُّ. وهوَ عندَ مسلمٍ بلفظِ: أنْ يحبسَ عمن يملكُ قوتَهُ). الحديثُ دليل على وجوبِ النفقةِ على الإنسانِ لمنْ يقوتُهُ فإنهُ لا يكونُ آثِمًا إلا على تَرْكه [ما] (٣) يجبُ عليهِ. وقدْ بُولِغَ هُنا في إثْمِهِ بأنْ جَعَلَ ذلكَ الإثمَ كافيًا في هلاكِهِ عنْ كلِّ إثْمٍ سواهُ. والذينَ يقوتُهم ويملكُ قوتَهم همُ الذينَ يجبُ عليهِ إنفاقهم وهمْ أهلُه وأولادُه وعبيدُه على ما سلَفَ تفصيلُه. ولفظُ مسلمٍ خاصٌّ بقوتِ المماليكِ ولفظُ النسائيِّ عامٌّ. نفقة المتوفى عنها زوجها ٧/ ١٠٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ - في الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا - قَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَهَا". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٤)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ. [موقوف] - وثَبَتَ نَفْيُّ النَّفَقَةِ في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح]

стр. 1852

(وعنْ جابرٍ يرفعُه في الحاملِ المتوفَّى عنْها زوجُها قالَ: لا نفقةَ لها. أخرجَهُ البيهقيُّ ورجالُه ثِقَاتٌ لكنْ قالَ: المحفوظُ وقْفُهُ. وثبتَ نَفْيُ النفقةِ في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ كما تقدَّمَ. رواهُ مسلمٌ). وتقدَّمَ أنهُ في حقِّ المطلَّقةِ بائِنًا وأنهُ لا نفقةَ لها وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، والكلامُ هُنَا في نفقة المتوفَّى عنْها [زوجُها] وهذ المسئلةُ فيها خلافٌ. ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنَّها لا تجبُ النفقةُ للمتوفَّى عنْها سواءٌ كانتْ حاملًا أو حائلًا، أما الأُولى فَلِهَذَا النصِّ، وأما الثانيةُ فبطريقِ الأولَى. وإلى هذَا ذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ والمؤيِّدُ لِهذَا الحديثِ، ولأنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّةِ ووجوبُ التربُّصِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا لا يوجبُ النفقةَ. وذهبَ آخرونَ منْهم الهادي إلى وجوبِ النفقةِ لها مستدلِّينَ بقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ (١)﴾] (٢). قالُوا: ونسخُ المدةِ منَ الآيةِ لا يوجبُ نسخَ النفقةِ، ولأنَّها محبوسةٌ بِسَبَبِهِ فتجبُ نفقتُها. وأُجِيْبَ بأنَّها كانتْ تجبُ النفقةُ بالوصيةِ كما دلَّ لها قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٢)، فنسخت الوصية بالمتاع إما بقولِه تعالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣)، وإما بآيةِ المواريثِ (٤)، وإما بقولِ ﷺ : "لا وصيةَ لوارثٍ" (٥).

стр. 1853

وأما قولُه تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) فإنَّها واردةِ في المطلَّقاتِ فلا [يتناول] (٢) المتوفَّى عنْها. وفي سُنَنِ أبي داود (٣) منْ حديثِ ابن عباسٍ أنَّها نُسِخَتْ آيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٤) بآيةِ [المواريث] (٥) بما فرضَ اللَّهُ لهنَّ منَ الرُّبُعِ والثُّمنُ، ونُسِخَ أجلُ الحوْلِ بأنْ جُعِلَ أجلُها أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، وأما ذِكْرُ المصنفِ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ هنا فكأنهُ يريدُ أن البائنَ والمتوفَّى عنْها حُكمُهُما واحدٌ بجامعِ البينونَةِ والحلِّ للغيرِ. دليل على وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد ٨/ ١٠٧٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 1854

"اليَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وَيبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي أوْ طَلِّقْنِي"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (١)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [صحيح بطرقه] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : اليدُ العُلْيَا خيرٌ منَ اليدِ السُّفلَى) تقدَّمَ تفسيرُهما (ويبدأ) أي بالبرّ والإحسانِ (أحدُكم بمنْ يعُولُ، تقولُ المرأة أطْعَمْني أو طلِّقْني. رواهُ الدارقطنيُّ وإسنادُه حسنٌ) أخرجَهُ منْ طريقِ عاصمٍ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هريرةَ إلَّا أن في حِفْظِ عاصمٍ شيئًا. وأخرجَهُ البخاريُّ (٢) موقُوفًا على أبي هريرة. وفي روايةِ الإسماعيليِّ قالُوا: يا أبا هريرة شيءٌ تقولُهُ عنْ رَأيِكَ أوْ عنْ قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: هذَا منْ كِيْسي إشارةً إلى أنهُ من استنباطِهِ، هكَذَا قالَهُ الناظرونَ في الأحاديثِ، والذي يظهرُ بلْ ويتعيَّنُ أن أبا هريرةَ قالَ لهمْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ قالُوا هذا شيءٌ تقولُه عنْ رَأيِكَ أوْ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ أجابَ بقولِه: مِنْ كيسي جوابَ المتهكمِ بهمْ لا مخبرًا أنهُ لمْ يكنْ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكيفَ يصح حَمْلُ قولِه منْ كيسِ أبي هريرةَ على أنهُ أرادَ بهِ الحقيقةَ وقدْ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فينسبُ استنباطُه إلى قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهلْ هذَا إلا كذبٌ منهُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ وحاشا أبا هريرةَ منْ ذلكَ فهوَ منْ رُوَاةِ حديثِ: "مَنْ كَذَبَ عَليَّ متعمِّدًا فَليتبوأُ مقعدَهُ منَ النارِ" (٣)، فالقرائنُ واضحةٌ

стр. 1855

[أن] (١) لم يردْ أبو هريرةَ إلَّا التهكُّمَ بالسائلِ، ولذَا قُلْنَا إنهُ يتعينُ أن هذَا مرادُه. والذي أَتَى بهِ المصنفُ من الرواية بعضُ حديثه، على أنهُ فسَّر قوله: مِنْ كيسِ أبي هريرة، أي منْ حِفْظ، وعبَّرَ عنهُ بالكيسِ إشارةً إلى ما في صحيح البخاريِّ (٢) وغيرِهِ منْ أنهُ بسطَ ثوبَهُ أو نَمِرَةً كانتْ عليهِ فأملاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ حديثًا كثيرًا ثمَّ لفَّهُ فلم ينسَ منهُ شيئًا، كأنهُ يقولُ ذلكَ الثوبُ صارَ كيْسًا، وأشرْنا لكَ إلى أنهُ لم يأتِ المصنفُ بحديثِ أبي هريرةَ تامًّا وتمامُه في البخاريِّ: "ويقولُ العبدُ أطْعِمْنِي واستعْمِلْني"، وفي روايةِ الإسماعيليِّ: "ويقولُ خادمكُ أطعمني وإلَّا بِعْني، ويقولُ الابنُ: إلى مَنْ تَدَعُني؟ "، والكلّ دليلٌ على وجوب الإنفاقِ على مَنْ ذُكِرَ منَ الزوجةِ والمملوكِ والولدِ، وقدْ تقدَّم ذلكَ ودلَّ [عليهِ] (٣) أنهُ يجبُ نفقةُ العبدِ وإلَّا بيعُه، وإيجابُ نفقةِ الولدِ على أبيهِ وإن كان كبيرًا. قالَ ابنُ المنذرِ: اختُلِفَ في نفقةِ مَنْ بلغَ منَ الأولادِ ولا مالَ لهُ ولا كسْبَ، فأوجبَ طائفةٌ النفقةَ لجميعِ الأولادِ أطفالًا كانُوا أو بالغينَ، إناثًا أو [ذكورًا] (٤) إذا لم يكنْ لهمْ أموالٌ يستغنونَ بها عن الآباءِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن الواجبَ الإنفاقُ عليهم إلى أن يبلغَ الذَّكرُ وتتزوَّجَ الأنْثَى، ثمَّ لا نفقةَ على الأبِ إلَّا إذا كانُوا زُمْنَى، فإنْ كانتْ لهمْ أموالٌ فلا وجُوبَ على الأبِ. واستُدِلَّ على أن [الزوجة] (٥) إذا أعسرَ زوجُها بنفقتِها طُلِبَ الفراقُ، ويدلُّ له قولُه: إيجاب مفارقة الزوجة إذا لم يقدر الزوج على الإنفاق ٩/ ١٠٧٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ - فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ - قَالَ: "يُفَرَّقُ بَينَهُمَا". أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (٦) عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبي الزَّنَّادِ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ. [مرسل قوي]

стр. 1856

(وعنْ سعيدِ بن المسيبِ ﵁ فِي الرَّجلِ لا يجدُ ما ينفق على أهلِه قالَ: يفرَّق بينَهما. أخرجَه سعيدُ بن منصورٍ عنْ سفيانَ عنْ أبي الزنادِ عنه ﵁ قالَ: قلت لسعيدِ بن المسيَّبِ: سنةٌ؟ قالَ: سنَّةٌ. وهذا مرسَلٌ قويٌّ)، ومراسيلُ سعيدٍ معمولٌ بها لما عُرِفَ أنهُ لا يُرْسِلُ إلَّا عنْ [عدل] (١). قالَ الشافعيُّ: والذي يُشْبِهُ أنْ يكونَ قولُ سعيدٍ سنَّةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وأما قولُ ابنُ حزمٍ (٢): لعلَّه أراد سنَّةَ عمرَ فإنَّهُ خلافُ الظاهرِ، وكيفَ يقول له [القائل] (٣) سنةٌ ويريدُ سؤالَه عنْ سُنَّة عمرَ ﵁ هذا مما لا ينبغي حملُ الكلامِ عليه، وهلْ سألَ السائلُ إلَّا عنْ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وإنَّما قالَ جماعة إنهُ إذا قالَ الراوي منَ السنَّةِ فإنهُ يُحْتَمَلُ أنْ يريدَ سُنَّةَ الخلفاءِ إذا قال من السنة كذا، وأما بعدَ سؤالِ الراوي فَلَا يريدُ السائلُ إلَّا سنَّةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا يجبُ المجيبُ إلا عنْها لا عنْ سنةِ غيرِه، لأنهُ إنَّما [يسأل] (٤) عما هوَ حُجَّةٌ وهوَ سنَّتُهُ ﷺ . وقدْ أخرجَ الدارقطني (٥) والبيهقي (٦) منْ حديثِ أبي هريرةُ مرفُوعًا بلفظِ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "في الرجلِ لا يجدُ ما ينفقُ على امْرأَتِهِ قالَ: يُفَرَّقُ بينَهما". وأما دعوى المصنِّفِ أنهُ وَهِمَ الدارقطنيُّ فيهِ، وتبعَهُ البيهقي على الوهْم فهوَ غيرُ صحيح، وقدْ حقَّقْنَاهُ في "حواشي ضوءِ النهارِ" (٧)، وسيأتي كتابُ عمرَ إلى أَمراءِ الأجنادِ (٨) في أنَّهم يأخذونَ على مَنْ عندَهم مِنَ الأجنادِ أنْ يُنْفقُوا أو يطلِّقُوا. وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذا الحكمِ وهو فسخُ الزوجيَّةِ عندَ إعسارِ الزوج على أقوالٍ: الأول: ثبوتُ الفسخِ وهوَ مذهبُ عليٍّ وعمرَ وأبي هريرةَ وجماعةٍ منَ التابعينَ ومنَ الفقهاءِ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ (٩)، وقال بهِ أهلُ الظاهر (١٠) مستدلِّينَ بما ذُكِرَ وبحديثِ: "لا ضَررَ ولا ضِرارَ" (١١)، وتقدَّمَ تخْريجُهُ وبأنَّ النفقةَ في مقابلِ

стр. 1857

الاستمتاعِ، بدليلِ أن الناشِزَ لا نفقةَ لها عندَ الجمهورِ فإذا لم تجبِ النفقةُ سقطَ الاستمتاعُ فوجبَ الخيارُ للزوجةِ، وبأنَّهم أوْجَبُوا على السيِّدِ بيعَ مملوكِهِ إذا عَجزَ عنْ إنفاقِهِ فإيجابُ فِرَاقِ الزوجةِ أَوْلَى؛ لأنَّ كَسْبَها ليسَ مستَحقًا للزوجِ كاستحقاقِ السيِّد لكسبِ عبدِهِ، وبأنهُ قدْ نقلَ ابنُ المنذرِ إجماعَ العلماءِ على الفسخِ بالعِنَّةِ. والضررُ الواقعُ منَ العجزِ عن النفقةِ أعظمُ منَ الضررِ الواقعِ بكونِ الزوجِ عَنّينًا، ولأنه تعالى قالَ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (١) وقالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وأيُّ إمساكٍ بمعروفٍ وأيُّ ضررٍ أشدُّ منْ تركِها بغيرِ نفقةٍ. والثاني: ما ذهبَ إليهِ الهادويةُ والحنفيةُ وهوَ قولٌ للشافعيّ أنهُ لا فَسْخَ بالإعسارِ عن النفقةِ (٣) مستدلّينَ بقولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ (٤)، قالُوا: وإذا لم [يكلف] (٥) اللَّهُ [الزوج] (٦) النفقةَ في هذا الحالِ فقدْ تركَ ما لا يجبُ عليهِ ولم يأثمُ بتركِهِ فلا يكونُ سببًا للتفريقِ بينَه وبينَ سَكَنِهِ، وبأنهُ قد ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ (٧): "إنهُ ﷺ لما طلبَ أزواجُه منهُ النفقةَ قامَ أبو بكرٍ وعمرُ إلى عائشةَ وحفصةَ فَوَجئا أعناقَهما وكلاهما يقولُ: تسألين رسولَ اللَّهِ ﷺ ما ليسَ عندَه - الحديثَ". قالُوا: فهذَا أبو بكرٍ وعمرُ يضربانِ ابنتيْهِما بحضرتِهِ ﷺ لما سأَلَتَاهُ النفقةَ التي لا يجدُها، فلوْ كانَ الفسخُ لَهُمَا وهما طالبتانِ للحقّ لم يقرَّ النبيُّ ﷺ الشيخيْنِ على ما فَعَلَا ولَبَيَّنَ أن لهما أنْ تطالبا معَ الإعسارِ حتَّى تثبتَ على تقديرِ ذلكَ المطالبةُ بالفسخ، ولأنهُ كانَ في الصحابةِ المعسرُ بلا ريبٍ ولم يخبرِ النبي ﷺ أحدًا منْهم بأنَّ للزوجةِ الفسخَ ولا فسخَ أحد. قالُوا: ولأنَّها لو مرضتِ الزوجةُ وطالَ مرضُها حتَّى تعذَّرَ على الزوجِ جِمَاعُها لوجبتْ نفقتُها ولم يمكَّنْ منَ الفسخِ وكذلكَ الزوجُ. فدلَّ أن الإنفاقَ ليسَ في مقابلةِ الاستمتاعِ كما قلتُم، وأما حديثُ أبي هريرةَ فقدْ بيَّنَ أنه

стр. 1858

منْ كِيسِهِ وحديثُه الآخرُ لعلَّه مثلُه وحديثُ سعيدٍ مرسَلٌ. وأُجِيبَ بأنَّ الآيةَ إنَّما دلَّتْ على سقوطِ الوجوبِ على الزوجِ وبهِ نقولُ. وأما الفسخُ فهوَ حقٌّ للمرأةِ تُطَالِبُ بهِ وبأنَّ قصةَ أَزْوَاجِهِ ﷺ وضَرْبَ أبي بكرٍ وعمرَ إلى آخرِ ما ذكرتُمْ هي كالآيةِ دلَّتْ على عدمِ الوجوبِ عليهِ ﷺ وليسَ فِيهِ أنهنَّ سَأَلْنَ الطلاقَ أوِ الفسْخِ، ومعلومٌ أنهنَّ لا يسمحْنَ بِفِرَاقِهِ فإنَّ اللَّهَ تعالَى قدْ خَيَّرَهُنَّ فاخترنَ رسولَ اللَّهِ ﷺ والدار الآخرةَ فلا دليلَ في القصةِ، وأما إقرارُه لأبي بكرٍ وعمرَ على ضرْبِهمَا فَلمَا عُلِمَ منْ أن للآباءِ تأديبَ الأبناءِ إذا أَتَوْا ما لا ينبغي، ومعلومٌ أنهُ ﷺ لا يفرِّطُ فيما يجبُ عليهِ منَ الإنفاقِ فلعلَّهُنَّ طَلَبْنَ زيادةً على [الواجب] (١) فتخرجُ القصةُ عنْ محلِّ النزاعِ بالكليةِ، وأما المعسرونَ منَ الصحابةِ فلمْ يُعْلَمْ أن امرأةً طَلَبَتِ الفسخَ أوِ الطلاقِ لإعسارِ الزوجِ بالنفقةِ ومنْعَها عنْ ذلكَ حتَّى تكونَ حُجَّةً بلْ كانَ نساءُ الصحابةِ كرجالهم يَصْبِرْنَ علَى ضَنْكِ العيشِ وتعسُّرِهِ كما قالَ مالكٌ: إنَّ نساءَ الصحابةِ كُنَّ يُرِدْنَ الآخرةَ وما عندَ اللَّهُ تعالَى ولم يكنْ مرادُهنَّ الدنيا ولم يكنَّ يبالينَ بعسرِ أَزْوَاجِهنَّ، وأما نساءُ اليومِ فإنَّما يتزوَّجْنَ رجاءَ الدنيا منَ الأزواجِ والكسوةِ والنفقةِ. وأما حديثُ ابن المسيّب فقدْ عرفتَ أنهُ منْ مراسيلِهِ وأئمةُ العلمِ يَختارُونَ العملَ بها كما سلف (٢) [وهو] (٣) موافقٌ لحديثِ أبي هريرةَ المرفوعِ الذي عاضدَه مرسلُ سعيدٍ، ولوْ فُرِضَ سقوطُ حديثِ أبي هريرةَ لكان فيما ذكرنَا غُنْيَةٌ عنْهُ. والقولُ الثالثُ: أنهُ يُحْبَسُ الزوجُ إذا أَعْسَرَ بالنفقةِ حتَّى يجدَ ما ينفقُ وهوَ قولُ العنبريِّ (٤). وقالتِ الهادويةُ: يُحْبَسُ للتكسُّبِ، والقولانِ مشكلانِ لأنَّ الواجب إنما هوَ الغَدَاءُ في وقْتِهِ والعشاءُ في وقْتِهِ فهوَ واجبٌ في وقْتِهِ، فالحبْسُ إنْ كانَ في خلالِ وجوبِ الواجب فهوَ مانعٌ [منهُ] (٥) فيعودُ على الغرضِ المرادِ بالنقضِ، وإنْ كانَ قبلَه فلا وجوبَ، فكيفَ يُحْبَسُ لغيرِ واجبٍ؟ وإنْ كانَ بعدَه

стр. 1859

صارَ كالدَّيْنِ، ولا يُحْبَسُ لهُ معَ ظهورِ الإعسارِ اتفاقًا. وفي هذهِ المسألةِ قالَ محمدُ بنُ داودَ لامرأةٍ سألتْه عنْ إعْسارِ زوجِها فقالَ: ذهبَ ناسٌ إلى أنهُ يكلَّفُ السعيَ والاكتسابَ، وذهبَ قومٌ إلى أنها تُؤمَرُ المرأةُ بالصَّبْرِ والاحتسابِ، فلم تفهمْ منهُ الجوابَ فأعادتِ السؤالَ وهوَ يجيبُها ثمَّ قالَ: يا هذهِ قدْ أجبتُكِ ولستُ قاضيًا فأقضي، ولا سُلْطَانًا فأمضي، ولا زَوْجًا فأُرْضِي. وظاهرُ كلامِه، الوقفُ [في هذهِ المسألةِ] (١) فيكونُ قولًا رابعًا. القولُ الخامسُ: أن الزوجةَ إذا كانتْ موسِرَةً وزوجُها معسرٌ كُلِّفَت الإنفاقَ على زوجِها ولا ترجعُ عليهِ إذا أيسرَ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٢)، وهوَ قولُ [أبي محمدِ] (٣) ابن حزمٍ (٤). وَرُدَّ بأن الآيةَ سياقها في نفقةِ المولودِ الصغيرِ ولعلَّهُ لا يرى التخصيصَ بالسياقِ. القولُ السادسُ: لابنِ القيِّم (٥) وهوَ أن المرأةَ إذا تزوَّجته عالمةً بإعسارهِ أوْ كانَ موسِرًا ثمَّ أصابتْه جائحةٌ فإنهُ لا فسخَ لها وإلا كانَ لها الفسخُ. وكأنهُ جعلَ عِلْمَها رِضَا [بإعساره] (٦) ولكنْ حيثُ كانَ موسِرًا عندَ تزوجِهِ ثم أعسرَ للجائحةِ لا يظهرُ وجْهُ عدمِ ثبوتِ الفسخِ لها. إذا عرفتَ هذهِ الأقوالَ عرفتَ أن أَقْواها دليلًا وأكثرَها قائلًا هوَ القولُ الأولُ. وقدِ اختلَفَ القائلونَ بالفسخِ في تأجيلهِ بالنفقةِ، فقالَ مالكٌ: يُؤَجَّلُ شهرًا، وقالَ الشافعيُّ: ثلاثةَ أيامٍ، وقالَ حمادُ: سنةً، وقيلَ: شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ. قلت: ولا دَلِيلَ على التعيينِ بلْ ما يحصلُ بهِ التضررُ الذي يُعْلَمُ، ومَنْ قالَ: إنهُ يجبُ عليهِ التطليقُ قالَ: ترافِعُهُ الزوجةُ إلى الحاكمِ لينفقَ أو يطلِّقَ، وعلى القولِ بأنهُ فسخٌ ترافعُهُ إلى الحاكمِ ليثبتَ الإعسارَ ثمَّ تفْسَخُ هيَ، وقيلَ ترافعُه إلى الحاكمِ فيجبره على الطلاقِ أو يفسخَ عليهِ أو يأذنَ لها في الفسخِ؛ فإنْ فسخَ أو أذِنَ في الفسْخِ فهو فسخٌ لا طلاقٌ ولا رجعةَ له، وإنْ أيسرَ في العدَّةِ فإنْ طلَّقَ كانَ طلاقه رجعيًا له فيهِ الرجعةُ، واللَّهُ أعلم.

стр. 1860

١٠/ ١٠٧٨ - وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهمْ: أنْ يَأخُذُوهُمْ بِأنْ يُنْفِقُوا أوْ يُطَلِّقُوا. فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا، أخْرَجَهُ الشَّافِعي (١) ثُمَّ الْبَيْهَقيُّ (٢) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [إسناده حسن] (وعنْ عمرَ ﵁ أنه كَتَبَ إلى أفراءِ الأجنادِ في رجالٍ غابوا عنْ نسائِهم أنْ يأخذوهم بأنْ ينفقُوا أو يطلِّقوا، فإنْ طلَّقوا بعثُوا بنفقةِ ما حبسُوا. أخرجَهُ الشافعيُّ ثمَّ البيهقي بإسنادٍ حسنٍ). تقدَّم تحقيقُ وجْهِ هذا الرأي منْ عمرَ وأنهُ دليل على أنها عندَه لا تسقطُ النفقةُ بالمطلِ في حقِّ الزوجةِ، وعلى أنهُ يجبُ أحدُ الأمريْنِ على الأزواجِ: إما الإنفاقُ أوِ الطلاق. الترغيبُ في الإنفاق وعدم الادخار ١١/ ١٠٧٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ علَى أهْلِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أَنْتَ أَعْلَمُ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعي (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦) بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ. [حسن]

стр. 1861

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أنهُ جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ عندي دينارٌ، قالَ: أنفقْهُ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على ولدِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على أهلِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على خادِمكَ، قَالَ: عندي آخرُ، قال: أنتَ أعلمُ. أخرجَهُ الشافعيُّ واللفظُ لهُ، وأبو داودُ، [وأخرجَه] (١) النسائيُّ والحاكمُ بتقديمِ الزوجةِ على الولدِ). وفي صحيح مسلمٍ (٢) منْ روايةِ جابرٍ بتقديمِ الزوجةِ على الولدِ منْ غيرِ تردُّدٍ، وقالَ المصنفُ: قالَ ابنُ حزمٍ (٣): اختلفَ على يحيى القطانِ الثوري، فقدَّمَ يحيى الزوجةَ على الولدِ، وقدَّمَ سفيانُ الولدَ على الزوجةِ، فينبغي أنْ لا يقدّمَ أحدُهما علَى الآخرِ بلْ يكونانِ سواءً لأنهُ قدْ صحَّ أنهُ ﷺ كانَ إذا تكلَّمَ تكلّمَ ثلاثًا، فيحتملُ أنْ يكونَ في إعادتِه إياه قدَّمَ الولدَ مرةً ومرةً قدَّمَ الزوجةَ فصارا سواءً. قلتُ: هذا حملٌ بعيدٌ، فليسَ تكريرُه ﷺ لما يقولُه ثلاثًا بمطَّرِدٍ بلْ عدمُ التكريرِ [هو الغالب] (٤)، وإنَّما يكرِّرُ إذا لم يُفهمْ عنهُ، ومثلُ هذا الحديثِ جوابُ سؤالٍ لا يجري فيهِ [التكرار] (٥) لعدمِ الحاجةِ إليهِ لِفَهْم السائلِ للجوابِ، ثمَّ روايةُ جابرٍ التي لا تردُّدَ فيها تقوي روايةَ تقديمِ الأهلِ. والحديثُ قدْ تقدَّم وفيهِ حث على إنفاقِ الإنسانِ ما عندَه وأنهُ لا يدخرُ لأنهُ قالَ لهُ في الآخرِ بعدَ كفايتِه وكفايةِ مَنْ يجبُ عليهِ: أنتَ أعلمُ، ولمْ يقل ادَّخِرْ لحاجتِكَ، وإنْ كانتْ هذهِ العبارةُ تحتملُ ذلكَ. حق الأم في البر مقدَّم على الأب ١٢/ ١٠٨٠ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أباكَ ثُمَّ الأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ". أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ (٧)، وَحَسَّنَهُ. [حسن]

стр. 1862

(وعنْ بَهْزِ) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الهاءِ فزايٍ (ابن حكيمٍ عنْ أبيهِ) حكيمٍ (عنْ جدِّهِ) معاويةَ بن حَيْدَةَ القُشيريُّ (١) [صحابيٌّ] (٢) تقدَّمَ ضبطُه. (قالَ: قلتُ يا رسولُ اللَّهِ مَنْ أبرُّ؟ قالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ: أباكَ ثمَّ الأقربَ فالأقربَ. أخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وحسَّنَهُ). وأخرجَهُ الحاكمُ (٣)، وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ وأنه يقتضي تقديمَ الأمِّ بالبرِّ، و [أنها أحق] (٤) به [من] (٥) الأبِ. * * *

стр. 1863

[الباب السادس] باب الحِضانة بكسرِ الحاءِ المهملةِ، مصدرٌ منْ حضنَ الصبيَّ حَضْنًا وحضانة جعلَه في حِضْنِهِ، أوْ ربَّاهُ فاحتضنَهُ. والحِضْنُ بِكسرِ الحاءِ هُوَ ما دونَ الإبْطِ إلى الكَشْح أو الصَّدْرِ أو العَضُدانِ وما بينَهما، وجانِبُ الشيءِ وناحيتُهُ كما في "القاموسِ" (١)، [وهو] (٢) في الشرعِ: حفظُ مَنْ لا يستقلُّ بأمرِه وتربيتِهِ ووقايتِه عما يُهْلِكُهُ أو يضرُّهُ. الأم أحق بحضانة ولدها ١/ ١٠٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي"، رَوَاهُ أَحْمَدَ (٣) وَأبُو دَاوُدَ (٤)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم (٥). [حسن] (وعنْ عبدِ الله بن عمرو) بفتحِ المهملةِ ووقعَ في بعضِ النسخ بضمِّها وهوَ غَلَطٌ (أن امرأة قالتْ: يا رسولَ اللهِ إن ابني هذا كانتْ بطني لهُ وعاء) بكسرِ الواوِ والمدِّ وقدْ يُضَمُّ، ويقالُ: الإعاءُ الظَّرْفُ كما في "القاموس" (٦)، (وثديي لهُ سِقاء)

стр. 1864

ككساءٍ، جلدُ السخلةِ إذا أجذع يكونُ للماءِ واللبنِ كما [في "القاموس" (١)] (٢)، (وحِجْرِي) بحاءِ مهملَةٍ [مثلثةٍ] (٣) فجيمٍ فراءٍ حضنُ الإنسانِ (لهُ حِواءً) بحاءٍ مهملةٍ بزنةِ كساءٍ أيضًا اسمُ المكانِ الذي يحوي الشيءَ أي يضمُّه ويجمعُه (وإن أباهُ طلَّقني وأرادَ أنْ ينزعَه مني، فقالَ لها رسول الله ﷺ ؛ أنتِ أحقُّ بهِ ما لمْ تَنْكِحِي. رواهُ أحمد وأبو داودَ وصحَّحَة الحاكم). الحديثُ دليلٌ على أن الأمَّ أحق بحضانةِ ولدِها إذا أرادَ الأبُ انتزاعَه منْها، وقدْ ذكرتْ هذهِ المرأةُ صفاتٍ [اقتضت اختصاصها] (٤) بها تقتضي استحقاقَها وأولويَّتَها بحضانةِ ولدِها، وأقرَّها ﷺ وحكم لها على ذلك. ففيهِ تنبيه على المعنَى المقْتَضِي للحكمِ وأنَّ العللَ والمعاني معتبرة في إثباتِ الأحكامِ مستقرَّةٌ في الفِطَرة السليمةِ. والحكمُ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ لا خلافَ فيهِ وقَضَى بهِ أبو بكرٍ ثمَّ عمرُ، وقالَ ابنُ عباسٍ: "ريحُها وفراشُها وحرُّها خيرٌ لهُ منكَ حتَّى يشبَّ ويختارَ لنفسِه"، أخرجَه عبدُ الرزاقِ في قصةٍ (٥). ودل الحديثُ على أن الأمَّ إذا نَكَحَتْ سقطَ حقُّها منَ الحضانةِ وإليهِ ذهبَ الجماهيرُ. قالَ ابنُ المنذرِ (٦): أجمعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفظُ عنهُ [منْ أهلِ] (٧) العلم، وذهبَ الحسنُ وابنُ حزمٍ (٨) إلى عدمِ سقوطِ الحضانةِ بالنكاحِ. واستدلَّ بأنَّ أنسَ بنَ مالكٍ كانَ عندَ والدتِه وهيَ مزوَّجةٌ. وكذَا أمُّ سلمةَ تزوجتْ [بالنبيِّ ﷺ ] (٩) وبقيَ ولدُها في كَفَالَتِها. وكذَا ابنهُ حمزةَ قَضَى بها النبي ﷺ لخالَتِها وهيَ مزوَّجةٌ، قَالَ: وحديثُ ابن عمرٍو المذكورُ فيهِ مقالٌ فإنهُ صحيفةٌ، يريدُ لأنهُ قدْ قيلَ إنَّ حديثَ عمرِو بن [شعيب] (١٠) عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ صحيفةٌ. وأُجِيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ عمرِو بن [شُعَيْبٍ] (١٠) قَبِلَهُ الأئمةُ وعملُوا بهِ؛ البخاري وأحمدُ وابنُ المديني وإسحاقُ بنُ راهويْهِ وأمثالُهم فلا يُلْتَفَتُ إلى القدْحِ فيهِ، وأما ما احْتُجَّ بهِ فإنهُ لا يتم دليلًا إلَّا معَ طَلَبٍ مَنْ تنتقلُ إليهِ الحضانةُ

стр. 1865

ومنازعتِه، وأما معَ عدمِ طلبه فلا نزاعَ في أن للأُمّ المزوَّجَةِ أنْ تقومَ بولدِها، ولم يذكرْ في القصصِ المذكورةِ أنهُ حصلَ نزاعٌ في ذلكَ فلا دليلَ فيما ذكرَهُ على مدَّعاه. الصبي بعد استغنائه بنفسِهِ يخيَّر بين الأم والأب ٢/ ١٠٨٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "يَا غُلامُ، هَذَا أَبوكَ وَهِذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيمَا شِئْتَ" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) والأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحَّحَهُ التّرْمِذِيُّ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن امرأة قالتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ زوجي يريدُ أنْ يذهبَ بابني وقد نفعني وسقاني منْ بئرِ أبي عِنبةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ واحدةُ حبَّاتِ العنبِ، فجاءَ زوجُها فقالَ النبي ﷺ : يا غلامُ هذا أبوكَ وهذِه أمُّكَ فخذْ بيدِ أيِّهِمَا شِئْتَ، فأخذَ بيدِ أمِّهِ فانطلقتْ بهِ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وصحَّحه ابنُ القطَّانِ. والحديثُ دليلٌ على أن الصبيَّ بعدَ استغنائِه بنفسِه يُخَيَّرُ بينَ الأمِّ والأبِ، واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبَ جماعةٌ قليلةٌ إلى أنهُ يُخَيَّرُ الصبي عملًا بهذَا الحديثِ وهوَ قولُ إسحاقَ بن راهويْهِ، وحدُّ التخييرِ منَ السبْع السنينَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى عدمِ التخييرِ وقالُوا: الأمُّ أَوْلَى بِهِ إلى أَن يستغنيَ

стр. 1866

بنفسِه، فإذا استغْنَى بنفسِه فالأبُ أوْلَى بالذَّكَرِ والأمُّ أَوْلَى بالأُنْثَى، ووافقَهُمْ مالكٌ في عدمِ التخييرِ لكنَّهُ قالَ: إنَّ الأمَّ أحقُّ بالولدِ ذَكَرًا أوْ أُنْثَى، قيلَ حتَّى يبلغَ. وفي المسألةِ تفاصيلُ بِلَا دليلٍ، واستدلَّ نفاةُ التخييرِ بعموم حديثِ: "أنتِ [أولى] (١) بهِ ما لم تنكحي" (٢)، قالُوا: ولوْ كانَ الاختيارُ إلى [الصبي] (٣) ما كانتْ أحقَّ بهِ. وأُجِيبَ: بأنهُ إنْ كانَ عامًا في الأزمنةِ أوْ مُطْلَقًا فيها فحديثُ التخييرِ [يخصه] (٤) أو يقيِّدُه وهذا جَمْعٌ [حسن] (٥) بينَ الدليلينِ، فإنْ لم يخترِ الصبيَّ أحدُ أبويْه فقيلَ يكونُ للأمِّ بلا قُرْعَةٍ لأنَّ الحضانةَ حق لها وإنما ينتقل عنْها باختيارِه فإذا لم يخيَّرْ بقيَ على الأصْلِ، وقيلَ: وهوَ الأقْوى دليلًا [وأقوم قيلًا] (٦) إنهُ يُقْرَعُ بينَهما إذْ قدْ جاءَ في القرعةِ حديثُ أبي هريرةَ بلفظِ: فقالَ النبيُّ ﷺ : "اسْتَهمَا، فقالَ الرجلُ: مَنْ يحولُ بيني وبينَ ولدي؟ فقالَ ﷺ : اخترْ أيَّهما شئتَ فاختارَ أمَّهُ فذهبتْ بهِ"، أخرجَهُ البيهقي (٧). وظاهرُه تقديمُ القرعةِ على الاختيارِ لكنْ قدَّمَ الاختيارَ عليها [لاتفاق ألفاظ الحديث عليه و] (٨) لعملِ الخلفاءِ الراشدينَ، إلَّا أنهُ قالَ في "الهدي النبويِّ" (٩) إنَّ التخييرَ والقرعةَ لا يكونانِ إلَّا إذا حصلتْ بهِ مصلحةُ الولدِ، فلوْ كانتِ الأمُّ أصونَ منَ الأبِ وأغيرَ منهُ قُدِّمَتْ عليهِ ولا التفاتَ إلى قرعةٍ ولا اختيارِ الصبيِّ في هذهِ الحالةِ فإنهُ ضعيفُ العقلِ يُؤثِرُ البطالةَ واللعبَ، فإذا اختارَ مَنْ يساعدُه على ذلكَ فلا التفاتَ إلى اختيارِه وكان عندَ مَنْ هوَ أنفعُ له وخير له، ولا تحتملُ الشريعةُ غيرَ هذا، والنبيُّ ﷺ قالَ: "مُرُوهُمْ بالصلاةِ لسبعٍ، واضربُوهم على تَرْكِها لعشرٍ، وفرِقُوا بينَهم في المضاجعِ" (١٠)،

стр. 1867

واللهُ تعالَى يقولُ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) فإذا كانتِ الأمُّ تتركُه في المكتبِ أو تعلِّمُهُ القرآنَ والصبي يؤثِرُ اللعبَ ومعاشرةَ أقرانِه وأبوهُ يمكنُهُ منْ ذلكَ [فهي] (٢) أحق بهِ ولا تخييرَ ولا قرعةَ، وكذلكَ العكسُ، انتهَى وهو كلام حسنٌ. القول في حضانةِ الكافرة والفاسقة ٣/ ١٠٨٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ ﵁ أنَّهُ أَسْلَمَ، وأَبَتِ امْرَأَتُهُ أنْ تُسْلِمَ. فأقْعَدَ النَّبِي ﷺ الأُمَّ نَاحيَةً، والأبَ ناحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ "اللَّهُمَّ اهْدِهِ"، فَقَالَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٥). [صحيح] (وعنْ رافعِ بن سنان ﵁ أنه أسْلَمَ وأبتِ امرأتُه أنْ تسْلِمَ، فأقعدَ النَّبيُّ ﷺ الأمَّ في ناحية والأبَ في ناحيةٍ وأقعد الصبيَّ بينَهما، فمالَ إلى أمِّهِ، فقالَ: اللَّهمَّ اهدِه، فمالَ إلى أبيهِ فأخذَه. أخرجَه أبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ) إلا أنهُ قالَ ابنُ المنذرِ: لا يثبتُه أهلُ النقلِ وفي إسنادِه مَقَالٌ (٦) وذلكَ لأنهُ مِنْ روايةِ عبدِ الحميدِ بن جعفرِ بن رافعٍ (٧) ضعَّفَهُ الثوريُّ ويحيى بنُ معينٍ. واختُلِفَ في هذا الصبيِّ، فقيلَ

стр. 1868

إنهُ أُنثَى، وقيلَ: ذكرٌ، والحديثُ ليسَ فيهِ تخييرُ الصبيِّ إذْ الظاهرُ أنهُ لم يبلغْ سنَّ التخييرِ فإنهُ إنَّما أقعدَهُ ﷺ بينَهما ودَعَا أنْ يهديَهُ اللَّهُ فاختارَ أباهُ لأجْلِ الدعوةِ النبويةِ، فليسَ منْ أدلةِ التخيير. وفي الحديث دليل على ثبوتِ حقّ الحضانةِ للأمِّ الكافرةِ وإنْ كانَ الولدُ مُسْلِمًا، إذْ لوْ لم يكنْ لها حق لم يقعدْه النبيُّ ﷺ بينَهما. وإلى هذا ذهبَ أهلُ الرأي والثوريُّ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّهُ لا حقَّ لها معَ كُفْرِهَا، قالُوا: لأنَّ الحاضنَ يكونُ حريصًا على تربيةِ الطفلِ على دِيْنِهِ؛ ولأنَّ الله تعالَى قطعَ الموالاةَ بينَ الكافرينَ والمسلمينَ وجعلَ المؤمنينَ بعضُهم أَوْلَى ببعضٍ وقالَ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (١)، والحضانةُ ولايةٌ لا بدَّ فيها من مراعاةِ مصلحةِ المولَّى عليه كما عرفتَ قريبًا. وحديثِ رافعِ قدْ عرفتَ عدمَ انتهاضهِ، وعلى القولِ بصِحَّتِهِ فهو منسوخٌ بالآياتِ القرآنيةِ هذهِ، وكيفَ تثبتُ الحضانةُ للأمِّ الكافرةِ مَثَلًا وقدِ اشترطَ الجمهورُ وهمُ الهادويةُ وأصحابُ أحمدَ والشافعيُّ عدالةَ الحاضنةِ وأنهُ لا حقَّ للفاسقةِ فيها وإنْ كانَ شَرْطًا في غايةٍ منَ البعْدِ، ولوْ كانَ شَرْطًا في الحاضنةِ لضاعَ أطفالُ العالمِ، ومعلومٌ أنهُ لم يزلْ منذُ بعثَ اللَّهُ رسولَه ﷺ إلى أن تقومَ الساعةُ أطفالُ الفساقِ بينَهم يُرَبُّونَهم لا يتعرضُ لهم أحدٌ منْ أهلِ الدنيا معَ أنَّهم الأكثرونَ، ولا يُعْلَمُ أنهُ انتُزِعَ طفلٌ منْ أبويْهِ أوْ أحدِهما لِفِسْقِهِ، فهذَا الشرطُ باطلٌ لعدمِ العاملِ بهِ. نعَمْ يُشْتَرَطُ كونُ الحاضِنِ عاقلًا بالغًا فلا حضانةَ لمجنون ولا معتوهٍ ولا طفلٍ، إذْ هؤلاءِ يحتاجونَ من يحضنُهم ويكفيهم، وأما اشتراطُ حريةِ الحاضنِ فقال بهِ الهادويةُ [وأصحابُ] (٢) الأئمةِ الثلاثةِ وقالُوا: لأنَّ المملوكَ لا ولايةَ لهُ على نفسهِ فلا يتولَّى غيرَه والحضانةُ ولايةٌ. وقالَ مالكٌ في حُرٍّ لهُ ولدٌ منْ أمة إنَّ الأمَّ أحقُّ بهِ ما لم تُبَعْ فتنتقلْ فيكونُ الأبُ أحقَّ بها، واستدلَّ بعمومِ حديثِ: "لا تُوَلَّهُ والِدَةٌ عَنْ وَلَدِها"، وحديثِ: "مَنْ فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها فرَّقَ اللَّهُ بينَهُ وبينَ أحِبَّتِهِ يومَ القيامةَ"، أخرجَ الأولَ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ أبي بكْرٍ وحسَّنَهُ

стр. 1869

السيوطي (١)، وأخرجَ الثاني أحمدُ (٢) والترمذيُّ (٣) والحاكمُ (٤) منْ حديثِ أبي أيوبَ وصحَّحَهُ الحاكمِ قالَ: ومنافعُها وإنْ كانتْ مملوكةً للسيِّدِ فحقُّ الحضانةِ مُسْتَثْنَى وإنْ استغرقَ وَقْتًا منْ ذلكَ كالأوقاتِ التي تُسْتَثْنَى للمملوكِ في حاجةِ نفسِهِ وعبادةِ ربِّهِ. الخالة كالأم في الحضانة ٤/ ١٠٨٤ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى في ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهِ، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزَلَةِ الأُمِّ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ (٥). [صحيح] - وَأَخْرَجَهُ أحْمَدُ (٦) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: وَالْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا وَأَنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ. [صحيح] (وعنِ البراءِ بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قَضَى في ابنةِ حمزةَ لخالتِها وقالَ:

стр. 1870

الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ. أخرجَهُ البخاريُّ، وأخرجه أحمدُ منْ حديثِ عليٍّ ﵁ قالَ: والجاريةُ عندَ خالتِها فإنَّ الخالةَ والدةٌ). والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ الحضانةِ للخالةِ وأنَّها كالأم، ومقتضاهُ أن الخالةَ أَوْلَى منَ الأبِ ومِنْ أم الأمِّ، ولكن خصَّ ذلكَ الإجماعُ وظاهرُه أن حضانةَ [الخالة] (١) المزوَّجةِ أَوْلَى منَ الرجالِ، فإنَّ عصبة المذكورةِ [رجال] (٢) موجودونَ [طالبوا بالحضانة] (٣) كما دلتْ لهُ القصةُ، واختصامُ عليٍّ ﵁ وجعفرٍ وزيدِ بن حارثةَ وقد سبقتْ وأنهُ قَضَى بِهَا للخالةِ وقالَ: "الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ" (٤). وقدْ وردتْ رواية في القصةِ أنهُ ﷺ قَضَى بها لجعفرٍ فاستشكلَ القضاءُ بها لجعفرٍ فإنهُ ليسَ محْرمًا، وهوَ وعليٌّ ﵄ سواءٌ في القرابةِ لها. وجوابُه أنهُ ﷺ قَضى بها لزوجةِ جعفرٍ وهيَ خالتُها فإنَّها كانتْ تحتَ جعفرٍ لكنْ لَمَّا كانَ المنازعُ جعفرَ إذ قالَ في محل الخصومةِ: بنتُ عمِّي وخالتُها تحتي أي زوجتي قَضَى بِهَا لِجَعفرٍ لما كانَ هوَ الطالب ظاهرًا وقالَ: الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ إبانةً بأنَّ القضاءَ للخالةِ، فمعنَى قولِه: قَضى بها لجعفرٍ قضَى بِها لزوجةِ جعفرٍ وإنَّما أوقَعَ القضاءَ عليهِ لأنهُ الطالبُ ولا إشْكالَ في هذَا. إلَّا أنهُ استشكلَ ثانيًا بأنَّ الخالةَ مزوَّجة ولا حق لها في الحضانةِ لحديثِ: "أنتِ أحقُّ بهِ ما لم تَنْكِحِي" (٥). والجوابُ عنهُ أن الحقَّ في المزوَّجةِ للزوجِ وإنَّما [سقطت] (٦) حضانتُها لأنَّها تشتغلُ بالقيامِ بحقه وَخِدْمتِهِ فإذَا رَضيَ الزوجُ بأنَّها تحْضنُ مَنْ لها حق في حضانتِه وأحبَّ بقاءَ الطفلِ في حجرِه لم يسقطْ حقُّ المرأةِ منَ الحضانةِ. وهذهِ القصةُ دليلُ [هذا] (٧) الحكم، وهذا مذهبُ الحسنِ والإمامِ يحيى وابنِ حزمٍ وابن جريرٍ؛ ولأنَّ النكاحَ للمرأةِ إنّما يُسْقِطُ حضانةَ الأمِّ وحْدَها حيثُ كانَ المنازعُ لها الأبُ، وأما غيرُها فلا يُسْقِطُ حقَّها منَ الحضانةِ بالتزويج أو الأمِّ والمنازعُ لها غيرُ الأبِ، يؤيِّدُه ما عرفَ من أن المرأةَ المطلَّقةَ يشتدُّ بغضُها للزوجِ المطلِّقِ ومَنْ يتعلَّقُ به، فقد يبلغ بها الشأنُ إلى إهمالِ ولده مِنْهُ قصدًا لإغاظتِه، وتبالغُ في

стр. 1871

التحبُّبِ عندَ الزوجِ الثاني بتوفيرِ حقِّه، وبهذا يجتمعُ شملُ الأحاديثِ. والقولُ بأنهُ ﷺ قَضَى بها لجعفرَ وأنهُ دالٌّ على أن للعصبة [حقًّا] (١) في الحضانةِ بعيدٌ، [لأن جعفر] (٢) وعليًا ﵄ سواءٌ في ذلكَ؛ ولأنَّ قولَه ﷺ : الخالةُ أم، صريحٌ أن ذلكَ علةُ القضاءِ أن الأمَّ لا [ينازع في حقها و] (٣) حضانةِ ولدِها فلا حقَّ لغيرها. يجب مناولة الخادم مما يقدِّمه من الطعام ٥/ ١٠٨٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَينِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِي. [صحيح] (وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : إذا أتَى أحدَكمْ) مفعولٌ مقدَّمٌ (خادِمُه) فاعلٌ (بطعامِه، فإنْ لم يُجْلِسْهُ معه فلْيناولْه لقمةً أو لقمتَيْنِ. متفقٌ عليهِ واللفط للبخاريِّ). الخادمُ يُطْلَقُ على الذَّكَرِ والأنْثَى أعمُّ منْ أنْ يكونَ مملوكًا أوْ حُرًا، والمراد إذا كان الخادم حرًا، فإن كان أنثى والمخدوم ذكر فلا بد أن يكون محرمًا وكذا في صورة العكس، وظاهرُ الأمرِ الإيجابُ، وأنهُ يناولُه منَ الطعامِ ما ذكرَ مخيرًا. وفيهِ بيانُ الحديثِ الذي فيهِ الأمرُ بأنْ يُطْعمَهُ مما يطعمُ ليسَ المرادُ بهِ مؤاكلتَهُ ولا أن يُشْبِعَهُ منْ عينِ ما يأكلُ، بلْ يشركُه فيهِ بأدْنَى شيءٍ منْ لقمةٍ أوْ لُقْمَتَيْنِ. قالَ ابْنُ المنذِرِ عنْ جميعِ أهلِ العلمِ: إن الواجبَ إطعامُ الخادمِ منْ غالبِ القوتِ الذي يأكلُ منهُ مثلَه في تلكَ البلدةِ، وكذلكَ الإدامُ والكسوةُ، وأنَّ للسيِّدِ أنْ يستأثرَ بالنفيسِ منْ ذلكَ وإنْ كانَ الأفضلُ المشاركةَ، وتمامُ الحديثِ: "فإنهُ وَليَ حرَّهُ وعلاجُه"، فدلَّ على أن ذلكَ يتعلَّقُ بالخادمِ الذي لهُ عنايةٌ في تحصيلِ الطعامِ، فيندرجُ في ذلكَ الحاملُ للطعامِ لوجودِ المعنى فيهِ وهوَ تعلُّقُ نفسِه بهِ. هل يحرم قتل الهرة ٦/ ١٠٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِي ﷺ : قَالَ: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ،

стр. 1872

سَجَنَتهَا حَتى مَاتَت، فَدَخَلَت النَّارَ فِيهَا، لَا هيَ أطعَمَتهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ عن النبي ﷺ قالَ: عُذِّبتِ امرأةٌ). قالَ المصنفُ (٢): لم أقفْ على اسمِها، وفي روايةِ: أنَّها حميريةٌ، وفي روايةٍ: منْ بني إسرائيلَ، (في هرَّةٍ) هي أُنْثَى السِّنَّوْرِ، والهرُّ الذَّكَرُ، (سجنتْها حتَّى ماتتْ فدخلتِ النارَ فيها، لا هيَ أطعمتْها وسقتْها إذْ هي حبستْها، ولا هيَ تركتْها تأكلُ منْ خَشَاشِ الأرضِ) بفتح الخاءِ المعجمةِ ويجوزُ ضمُّها وكسرُها وشِيْنَيْنِ معجمتينِ بينَهما ألفٌ، والمرادُ هوامُّ الأرضِ (متفقٌ عليهِ). والحديثُ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ الهرةِ لأنهُ لا عذابَ إلَّا عَلَى فعلِ محرَّمٍ، ويحتملُ أن المرأةَ كافرةٌ فعذِّبتْ بِكُفْرِهَا وزيدتْ عذابًا بسببِ ذلكَ. وقالَ النوويُّ (٣): إنَّها كانتْ مسلمةً وإنَّما دخلتِ النارَ بهذهِ المعصيةِ. وقالَ أبو نعيمٍ في تاريخِ أصبهانَ: كانتْ كافرةً. ورواهُ البيهقي في البعثِ والنشورِ عنْ عائشةَ فاستحقتِ العذابَ بِكُفْرِها أو بِظُلْمِها. وقالَ الدميريُّ في "شرح المنهاج": الأصحُّ أن الهِرَّةَ يجوزُ قتلُها حالَ عُدُوِّها دونَ هذهِ الحالة، وجوَّزَ القاضي قَتْلَها في حالِ سُكُونِها إلحاقًا لها بالخمسِ الفواسقِ. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ اتخاذِ الهرةِ ورَبْطِها إذا لم يهملْ [طعامها وشرابها] (٤). قلتُ: ويدلُّ علَى أنَّهُ لا يجبُ إطعامُ الهرةِ بلِ الواجبِ تخليتُها تبطشُ على نفسِها. * * * تم بحمد الله المجلد السادس من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام" ولله الحمد والمنة ويليه المجلد السابع وأوله: [الكتاب الحادي عشر] كتاب الجنايات

стр. 1873

[الكتاب الحادي عشر] كتابُ الجنايات هيَ جمعُ جنايةٍ، مصدرٌ مِنْ جنَى الذَّنْبَ يجنيهِ جنايةً، أي: جرَّه إليهِ. [وإنما جمع] (١) وإن [كان] (٢) مصدرًا لاختلافِ أنواعِها، [لأنها] (٣) قد تكونُ في النفسِ وفي الأطرافِ، عَمْدًا وخَطَأً. أس باب حل دم المسلم ١/ ١٠٨٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم يَشهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْس بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدينِهِ الْمُفَارِق للْجَمَاعَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (عن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ، يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللَّهِ) هوَ تفسيرٌ لقولِه: مسلمٍ (إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّبِ

стр. 1874

الزَّاني) أي المحصَنِ [يقتل بالرجم] (١)، (والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتاركِ لدينهِ) أي المرتدِّ عنهُ (المفارقِ للجماعةِ. متفقٌ عليهِ). فيه دليلٌ على أنهُ لا يُبَاحُ دمُ المسلمِ إلَّا بإتيانِه بإِحدَى الثلاثِ، والمرادُ منَ النَّفْسِ بالنفس القصاصُ بشروطِه، وسيأتي. والتاركُ لدينِه يعمُّ كلَّ مرتدٍّ عن الإسلامِ بأيِّ رِدَّةٍ كانَ فَيُقْتَلُ إنْ لمْ يرجعْ إلى الإسلامِ. وقولُه: المفارقُ للجماعةِ، يتناولُ كلَّ خارجٍ عن الجماعةِ ببدعةٍ، أو بغي أوْ غيرهِما، كالخوارجِ (٢) إذا قاتلُوا وأفسدُوا. وقدْ أوردَ على الحصْرِ أنهُ يجوزُ قتلُ الصائلِ، وليسَ منَ الثلاثةِ، وأُجِيْبَ بأنهُ داخل تحتَ قولِه المفارقُ للجماعةِ، وأنَّ المرادَ منْ هؤلاءِ مَنْ يجوزُ قتلُهم قصدًا، والصائلُ لا يُقْتَلُ قصدًا [إنما دفاعًا] (٣). وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يُقْتَلُ الكافرُ الأصليُّ لطلبِ إيمانِه بلْ لدفعِ شرِّهِ، وقدْ بسطْنا القولَ في ذلكَ في حواشي "ضوء النَّهارِ" (٤)، وقدْ يُقَالُ إنَّ الكافر الأصليَّ داخلٌ تحتَ التاركِ لدينهِ [المفارق للجماعة] (٥)، لأنهُ تركَ فطرتَهُ التي فَطره اللَّهُ عليها كما عرفَ في محلِّهِ. حُرمة دماء المسلمين ٢/ ١٠٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الاسْلامِ فَيُحَارِبُ الله وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ

стр. 1875

الأَرْضِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، والنَّسَائِيُّ (٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يحل قتل مسلمٍ إلَّا بإِحْدَى ثلاثِ خصالٍ) [بيَّنَها بقولِهِ] (٤): (زانٍ محصَنٍ) [يأتي تفسيرُه] (٥)، (فَيُرْجَمُ، ورجلٌ يقتل مسلِمًا متعمِّدًا) [قيَّدَ ما أطْلَقَ في الحديثِ الأوَّلِ] (٦) (فَيُقْتَل، ورجلٌ يخرج منَ الإسلامِ فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه فَيُقْتَل، أو يصْلَب، أو ينْفَى منَ الأرضِ. رواه أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَه الحاكم)، الحديثُ أفادَ ما أفادَه الحديثُ الأولُ [الذي قبلَه] (٧). وقولُه: فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه، بعدَ قولِه: يخرجُ منَ الإسلام بيانٌ لحكمٍ خاصٍّ لخارجٍ عن الإسْلامِ خاصٍّ، وهوَ المحاربُ، ولهُ حكمٌ خاصٌّ هوَ ما ذكرَ منَ القتلِ أوِ الصلب أو النفيِ، فهوَ أخصُّ منَ الذي أفادَه الحديثُ الذي قبلَه: والنفيُ الحبسُ عندَ أَبي حنيفةَ، وعندَ الشافعيِّ النفيُ منْ بلدٍ لا يزالُ يُطْلَبُ، وهوَ هاربٌ فَزعٌ، وقيلَ يُنْفَى منْ بلدهِ فقطْ. وظاهرُ الحديثِ والآيةِ أيضًا أن الإمامَ مخيَّرٌ بينَ هذهِ العقوباتِ في كلِّ محارِبٍ، مسلِمًا [كانَ] (٨) أوْ كافرًا.

стр. 1876

عظم شأن دم الإنسان ٣/ ١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ الناسِ يَومَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عبدِ الله بن مسعود ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : أول ما يُقْضَى بينَ الناسِ يومَ القيامةِ في الدماءِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على عِظَمِ شَأنِ دمِ الإنسانِ، فإنهُ لا يقدَّمُ في القضاءِ إلَّا الأهمُّ، ولكنَّه يعارضُه حديثُ: "أولُ ما يحاسَبُ العبدُ عليهِ صلاتُه"، أخرجَه أصحابُ السُّنَنِ (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ، ويجابُ بأنَّ حديثَ الدماءِ [مما] (٣) يتعلَّقُ بحقوقِ المخلوقِ، وحديثُ الصلاةِ فيما يتعلَّقُ بعبادةِ الخالقِ، وبأنَّ ذلكَ في أوليةِ القضاءِ، والآخرَ في [أوليةِ] (٤) الحسابِ كما يدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (٥) منْ حديثِ ابن مسعودٍ بلفظِ: "أولُ ما يحاسب عليهِ العبدُ صلاتُه، وأولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ". وقدْ أخرجَ البخاريُّ منْ حديثِ عليٍّ ﵁ وغيرِهِ: "أنهُ ﵁ أولُ مَنْ يجثُو بينَ يدي الرحمنِ للخصومةِ يومَ القيامةِ في قَتْلَى بدرٍ"، فبيَّنَ فيهِ أولَ قضيةٍ يُقْضَى فيها. وقدْ بيَّنَ الاختصامَ حديثُ أبي هريرةَ: "أولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في
следующие страницы →