← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1872–1911 · переход к 1877.

стр. 1872

سَجَنَتهَا حَتى مَاتَت، فَدَخَلَت النَّارَ فِيهَا، لَا هيَ أطعَمَتهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ عن النبي ﷺ قالَ: عُذِّبتِ امرأةٌ). قالَ المصنفُ (٢): لم أقفْ على اسمِها، وفي روايةِ: أنَّها حميريةٌ، وفي روايةٍ: منْ بني إسرائيلَ، (في هرَّةٍ) هي أُنْثَى السِّنَّوْرِ، والهرُّ الذَّكَرُ، (سجنتْها حتَّى ماتتْ فدخلتِ النارَ فيها، لا هيَ أطعمتْها وسقتْها إذْ هي حبستْها، ولا هيَ تركتْها تأكلُ منْ خَشَاشِ الأرضِ) بفتح الخاءِ المعجمةِ ويجوزُ ضمُّها وكسرُها وشِيْنَيْنِ معجمتينِ بينَهما ألفٌ، والمرادُ هوامُّ الأرضِ (متفقٌ عليهِ). والحديثُ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ الهرةِ لأنهُ لا عذابَ إلَّا عَلَى فعلِ محرَّمٍ، ويحتملُ أن المرأةَ كافرةٌ فعذِّبتْ بِكُفْرِهَا وزيدتْ عذابًا بسببِ ذلكَ. وقالَ النوويُّ (٣): إنَّها كانتْ مسلمةً وإنَّما دخلتِ النارَ بهذهِ المعصيةِ. وقالَ أبو نعيمٍ في تاريخِ أصبهانَ: كانتْ كافرةً. ورواهُ البيهقي في البعثِ والنشورِ عنْ عائشةَ فاستحقتِ العذابَ بِكُفْرِها أو بِظُلْمِها. وقالَ الدميريُّ في "شرح المنهاج": الأصحُّ أن الهِرَّةَ يجوزُ قتلُها حالَ عُدُوِّها دونَ هذهِ الحالة، وجوَّزَ القاضي قَتْلَها في حالِ سُكُونِها إلحاقًا لها بالخمسِ الفواسقِ. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ اتخاذِ الهرةِ ورَبْطِها إذا لم يهملْ [طعامها وشرابها] (٤). قلتُ: ويدلُّ علَى أنَّهُ لا يجبُ إطعامُ الهرةِ بلِ الواجبِ تخليتُها تبطشُ على نفسِها. * * * تم بحمد الله المجلد السادس من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام" ولله الحمد والمنة ويليه المجلد السابع وأوله: [الكتاب الحادي عشر] كتاب الجنايات

стр. 1873

[الكتاب الحادي عشر] كتابُ الجنايات هيَ جمعُ جنايةٍ، مصدرٌ مِنْ جنَى الذَّنْبَ يجنيهِ جنايةً، أي: جرَّه إليهِ. [وإنما جمع] (١) وإن [كان] (٢) مصدرًا لاختلافِ أنواعِها، [لأنها] (٣) قد تكونُ في النفسِ وفي الأطرافِ، عَمْدًا وخَطَأً. أس باب حل دم المسلم ١/ ١٠٨٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم يَشهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْس بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدينِهِ الْمُفَارِق للْجَمَاعَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (عن ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ، يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللَّهِ) هوَ تفسيرٌ لقولِه: مسلمٍ (إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّبِ

стр. 1874

الزَّاني) أي المحصَنِ [يقتل بالرجم] (١)، (والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتاركِ لدينهِ) أي المرتدِّ عنهُ (المفارقِ للجماعةِ. متفقٌ عليهِ). فيه دليلٌ على أنهُ لا يُبَاحُ دمُ المسلمِ إلَّا بإتيانِه بإِحدَى الثلاثِ، والمرادُ منَ النَّفْسِ بالنفس القصاصُ بشروطِه، وسيأتي. والتاركُ لدينِه يعمُّ كلَّ مرتدٍّ عن الإسلامِ بأيِّ رِدَّةٍ كانَ فَيُقْتَلُ إنْ لمْ يرجعْ إلى الإسلامِ. وقولُه: المفارقُ للجماعةِ، يتناولُ كلَّ خارجٍ عن الجماعةِ ببدعةٍ، أو بغي أوْ غيرهِما، كالخوارجِ (٢) إذا قاتلُوا وأفسدُوا. وقدْ أوردَ على الحصْرِ أنهُ يجوزُ قتلُ الصائلِ، وليسَ منَ الثلاثةِ، وأُجِيْبَ بأنهُ داخل تحتَ قولِه المفارقُ للجماعةِ، وأنَّ المرادَ منْ هؤلاءِ مَنْ يجوزُ قتلُهم قصدًا، والصائلُ لا يُقْتَلُ قصدًا [إنما دفاعًا] (٣). وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يُقْتَلُ الكافرُ الأصليُّ لطلبِ إيمانِه بلْ لدفعِ شرِّهِ، وقدْ بسطْنا القولَ في ذلكَ في حواشي "ضوء النَّهارِ" (٤)، وقدْ يُقَالُ إنَّ الكافر الأصليَّ داخلٌ تحتَ التاركِ لدينهِ [المفارق للجماعة] (٥)، لأنهُ تركَ فطرتَهُ التي فَطره اللَّهُ عليها كما عرفَ في محلِّهِ. حُرمة دماء المسلمين ٢/ ١٠٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الاسْلامِ فَيُحَارِبُ الله وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ

стр. 1875

الأَرْضِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، والنَّسَائِيُّ (٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يحل قتل مسلمٍ إلَّا بإِحْدَى ثلاثِ خصالٍ) [بيَّنَها بقولِهِ] (٤): (زانٍ محصَنٍ) [يأتي تفسيرُه] (٥)، (فَيُرْجَمُ، ورجلٌ يقتل مسلِمًا متعمِّدًا) [قيَّدَ ما أطْلَقَ في الحديثِ الأوَّلِ] (٦) (فَيُقْتَل، ورجلٌ يخرج منَ الإسلامِ فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه فَيُقْتَل، أو يصْلَب، أو ينْفَى منَ الأرضِ. رواه أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَه الحاكم)، الحديثُ أفادَ ما أفادَه الحديثُ الأولُ [الذي قبلَه] (٧). وقولُه: فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه، بعدَ قولِه: يخرجُ منَ الإسلام بيانٌ لحكمٍ خاصٍّ لخارجٍ عن الإسْلامِ خاصٍّ، وهوَ المحاربُ، ولهُ حكمٌ خاصٌّ هوَ ما ذكرَ منَ القتلِ أوِ الصلب أو النفيِ، فهوَ أخصُّ منَ الذي أفادَه الحديثُ الذي قبلَه: والنفيُ الحبسُ عندَ أَبي حنيفةَ، وعندَ الشافعيِّ النفيُ منْ بلدٍ لا يزالُ يُطْلَبُ، وهوَ هاربٌ فَزعٌ، وقيلَ يُنْفَى منْ بلدهِ فقطْ. وظاهرُ الحديثِ والآيةِ أيضًا أن الإمامَ مخيَّرٌ بينَ هذهِ العقوباتِ في كلِّ محارِبٍ، مسلِمًا [كانَ] (٨) أوْ كافرًا.

стр. 1876

عظم شأن دم الإنسان ٣/ ١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ الناسِ يَومَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عبدِ الله بن مسعود ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : أول ما يُقْضَى بينَ الناسِ يومَ القيامةِ في الدماءِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على عِظَمِ شَأنِ دمِ الإنسانِ، فإنهُ لا يقدَّمُ في القضاءِ إلَّا الأهمُّ، ولكنَّه يعارضُه حديثُ: "أولُ ما يحاسَبُ العبدُ عليهِ صلاتُه"، أخرجَه أصحابُ السُّنَنِ (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ، ويجابُ بأنَّ حديثَ الدماءِ [مما] (٣) يتعلَّقُ بحقوقِ المخلوقِ، وحديثُ الصلاةِ فيما يتعلَّقُ بعبادةِ الخالقِ، وبأنَّ ذلكَ في أوليةِ القضاءِ، والآخرَ في [أوليةِ] (٤) الحسابِ كما يدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (٥) منْ حديثِ ابن مسعودٍ بلفظِ: "أولُ ما يحاسب عليهِ العبدُ صلاتُه، وأولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ". وقدْ أخرجَ البخاريُّ منْ حديثِ عليٍّ ﵁ وغيرِهِ: "أنهُ ﵁ أولُ مَنْ يجثُو بينَ يدي الرحمنِ للخصومةِ يومَ القيامةِ في قَتْلَى بدرٍ"، فبيَّنَ فيهِ أولَ قضيةٍ يُقْضَى فيها. وقدْ بيَّنَ الاختصامَ حديثُ أبي هريرةَ: "أولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في

стр. 1877

الدماءِ". ويأتي كلُّ قتيلٍ قدْ حملَ رأسَهُ يقولُ: يا ربِّ سلْ هذا فيمَ قَتَلَني - الحديثَ" (١). وفي حديثِ ابن عباسٍ (٢) يرفعُه: "يأتي المقتولُ معلِّقًا رأسَهُ بِإحْدَى يديْهِ ملبِّبًا قاتلَهُ بيدِه الأُخْرى، تشحطُ (٣) أوداجُه دمًا حتَّى يَقِفَا بينَ يدي اللهِ تعالَى"، وهذا في القضاءِ في الدماءِ. وفي القضاءِ في الأموالِ ما أخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٤) منْ حديثِ ابن عمرَ يرفعُه: "منْ ماتَ وعليهِ دينارٌ أوْ دِرْهَمٌ قَضَى منْ حسناتِهِ". وفي معناهُ عِدَّةُ أحاديثَ، وأنَّها إذا فنيتْ حسناتُه قبلَ أنْ يَقْضِيَ ما عليهِ طُرحَ عليهِ منْ سيِّئاتِ خَصْمِهِ، وأُلْقِيَ في النَّارِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ بأنهُ كيفَ يُعْطَى الثوابَ وهوَ لا يتناهى في مقابلةِ العقابِ وهوَ يتناهى يعني على القولِ بخروجِ الموحِّدينِ مِنَ النارِ. وأجابَ البيهقي بأنهُ يُعْطَى منْ حسناتِهِ ما يوازي عقوبةَ سيئاتِه منْ غيرِ المضاعفةِ التي يضاعِفُ اللَّهُ بها الحسناتِ، لأنَّ ذلكَ منْ محضِ الفضْلِ الذي

стр. 1878

يخصُّ اللَّهُ مَنْ يشاءُ منْ عبادِه، وهذَا فيمنْ مات غيرَ ناوٍ لقضاءِ دَيْنِهِ، وأمَا مَنْ ماتَ ينوي القضاءَ فإنَّ الله يقضي عنْهُ كما قدَّمْنَاهُ في شرح الحديث الثالث في أبوابِ السَّلْمِ (١). ٤/ ١٠٩٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَالأَرْبَعَة (٣)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في سَمَاعِهِ مِنْهُ (٥)، وَفي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِزِيَادَةِ: "وَمَنْ خَصى عَبْدَه خَصَينَاهُ"، وَصَحّحَ الْحَاكِمُ (٦) هَذِه الزِّيَادَةَ. [ضعيف] (وعنْ سمُرةَ ﵁: قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ مَنْ قتلَ عَبْدَه قتلْناهُ، ومنْ جدعَ عبدَه جدعناه. رواهُ أحمد، والأربعة، وحسَّنه الترمذيُّ، وهوَ منْ روايةِ الحسنِ [البصريِّ] (٧) عنْ سمرةَ، وقدِ اختُلِفَ في سماعِه منهُ) علَى ثلاثةِ أقوالٍ [تقَّدمت] (٨). قالَ ابنُ معينٍ: لم يسمعِ الحسنُ منهُ شيئًا، وقيلَ: سمعَ منهُ حديثَ العقيقةِ، وأثبتَ ابنُ المديني سماعَ الحسن منْ سَمُرَةَ. (وفي روايةِ أبي داودَ والنسائي: ومَنْ خَصَى عبدَه خصيْناهُ. وصحَّحَ الحاكمُ هذهِ الزيادةَ). والحديثُ دليلٌ [أنه يقاد السيد] (٩) بعبدِه في النَّفْسِ والأطرافِ؛ إذِ الجدعُ

стр. 1879

قطعُ الأنفِ، أوِ الأذُنِ، أوِ اليدِ، أو الشَّفَةِ كما في "القاموس" (١). ويُقَاسُ عليهِ إذا كانَ القاتلُ غيرَ السيِّد [بطريقِ] (٢) الأَوْلَى. والمسألةُ فيها خلافٌ. ذهبَ النَّخَعِيُّ وغيرُه إلى أنهُ يُقْتَلُ الحرُّ بالعبدِ لحديث سَمُرَةَ هذا، وأيَّدَهُ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣). وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يُقْتَلُ بهِ لعموم الآيةِ، إلا إذا كان سيِّده، وكأنهُ يخصُّ السيِّدَ بحديثِ: "لا يقادُ مملوكٌ من مالِكِهِ، ولا ولدٌ مِنْ والدهِ"، أخرجَهُ البيهقيُّ (٤) إلا أنهُ منْ روايةِ عمرَ بن عيسى يُذْكَرُ عن البخاريِّ (٥) أنهُ مُنْكَرُ الحديثِ. وأخرجَ البيهقيُّ (٦) منْ حديثِ ابن عمرٍو في قصةِ زنباعٍ لما جبَّ عبدَهُ، وجدَعَ أَنْفَهُ، أنهُ ﷺ قالَ: "مَنْ مثَّلَ بعبده وحرَّقَ بالنارِ، فهوَ حرٌّ، وهوَ مولَى اللَّهِ ورسولِه"، فأعتقَهُ ﷺ ولم يقتصَّ منْ سيِّد، إلا أن فيهِ المثنَّى بنَ الصباحِ (٧) ضعيفٌ، ورواهُ عن الحجاجِ بن أرطأةَ (٨) منْ طريقٍ آخرَ ولا يُحْتَجُّ بهِ. وفي البابِ أحاديثُ لا تقومُ بها حجةٌ، وذهبتِ الهادويةُ [والشافعية] (٩) ومالكٌ وأحمدُ إلى أنهُ لا يُقَادُ الحرُّ بالعبدِ مطْلقًا مستدلِّينَ بما يفيدُه قولُه تعالَى:

стр. 1880

﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١)، فإنَّ تعريفَ المبتدأ يفيدُ الحصْرَ وأنهُ لا يُقْتَلُ الحرُّ بغيرِ الحرِّ، ولأنهُ تعالَى قالَ في صدرِ الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١) وهوَ المساواةُ، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١) تفسيرٌ وتفصيلٌ لَهَا، وقولِهِ تعالَى في آيةِ المائدةِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢) مُطْلَقٌ [مقيد بهذه] (٣) الآيةُ وهذهِ صريحةٌ لهذهِ الأمَّةِ وتلكَ في أَهْلِ الكتابِ، وشريْعَتِهِم وإنْ كانتْ شريعةً لنا لكنَّه وقعَ في شريعتِنا التفسيرُ بالزيادةِ والنقصانِ كثيرًا، فيقربُ أن هذا التقييدَ منْ ذلكَ، وفيهِ مناسبةٌ إذْ فيهِ تخفيفٌ ورحمةٌ، وشريعةُ هذهِ الأمَّةِ أحق منْ شرائعِ مَنْ قبلنا، كأنه وضَعَ عنْهم الآصارَ التي كانتْ على مَنْ قَبْلَهمْ. والقولُ بأنَّ آيةَ المائدةِ نسَخَتْ آيةَ البقرةِ لتأخُّرِها مردودٌ بأنهُ لا تنافيَ بينَ الآيتينِ، إذْ لا تعرضَ بينَ عامٍ وخاصٍّ ومطلقٍ ومقيَّدٍ حتَّى يُصَارَ إلى النَّسْخِ، ولأنَّ آيةَ المائدةِ متقدِّمةٌ حُكْمًا فإنَّها حكايةٌ لما حكمَ اللَّهُ تعالَى بهِ في التوراةِ وهي متقدّمةٌ نزولًا على القرآنِ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٤) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ: "أن أبا بكرٍ وعمرَ كانا لا يقتلان الحرَّ بالعبدِ". وأخرجَ البيهقيُّ (٥) منْ حديثِ عليٍّ ﵁: "مِنَ السُّنةِ أنْ لا يُقْتَلَ حرٌّ بعبدٍ"، وفي إسنادهِ جابرٌ الجعفي (٦). ومثلُه عن ابن عباسٍ (٧) ﵁ وفيهِ ضعفٌ. وأما حديثُ سَمُرَةَ فهوَ ضعيفٌ (٨) أو منسوخٌ بما سردْناه منَ الأحاديثِ. هذا، وأما قَتْلُ العبدِ بالحرِّ فإجماعٌ (٩)، وإذا تقرَّرَ أن الحرَّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ فيلزمُ منْ قَتْلِهِ قيمتُه على خلافٍ فيها معروفٍ ولو بلغتْ ما بلغتْ، وإنْ جاوزتْ ديةَ

стр. 1881

الحرِّ، وقد بيَّنَّاهُ في حواشي "ضوء النهار" (١). وأما إذا قتلَ السيِّدُ عبدَه ففيهِ حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: "أن رجلًا قتلَ عبدًا [له] (٢) متعمِّدًا فجلدَهُ النبي ﷺ مائةَ جَلْدةٍ ونفاهُ سنةً ومَحَا سَهْمَهُ منَ المسلمينَ ولم يُقِدْهُ بهِ، وأمرَ أنْ يُعْتِقَ رقبةً". لا يُقتل الوالد بولده ٥/ ١٠٩١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بالْوَلَدِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، والتّرْمِذِي (٤)، وَابْنُ مَاجَهْ (٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (٦) وَالْبَيْهَقيُّ (٧)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ (٨): إِنَّهُ مُضطَّرِبٌ. [حسن] (وعنْ عمرَ بن الخطاب ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: لا يقادُ الوالدُ بالولدِ. رواهُ أحمدُ والترمذيُّ وابن ماجهْ، وصحَّحَهُ ابن الجارودِ والبيهقي، وقالَ الترمذيُّ: إنه مضْطَّرِبٌ). قالَ الترمذيُّ (٨): ورُوِيَ عنْ عمرِو بن شعيبٍ مرسلًا، وهذا حديثٌ فيهِ اضْطِّرابٌ والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، انتَهى. وفي إسنادِهِ عندَه الحجاجُ بنُ أرطأةَ (٩)، ووجْهُ الاضطرابِ أنهُ اختُلِفَ على عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ فقيلَ: عنْ عمرَ وهيَ روايةُ الكتابِ، وقيلَ: عنْ

стр. 1882

سُراقةَ، وقيلَ بلَا واسطةٍ [وفيها المثنَّى بنُ الصباحِ (١) وهوَ ضعيفٌ] (٢)، قالَ الشافعيُّ: طُرُقُ هذَا الحديثِ كلُّها منقطعةٌ. وقالَ عبدُ الحقِّ: هذهِ الأحاديثُ كلُّها معلولةٌ لا يصحُّ فيها شيءٌ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يُقْتَلُ الوالدُ بالولدِ، قالَ الشافعيُّ: حفظتُ عنْ عددٍ منْ أَهْلِ العلمِ لقيتُهم أنه لا يُقْتَلَ الوالدُ بالولدِ وبذلكَ أقولُ. وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ منَ الصحابةِ وغيرُهم كالهادويةِ والحنفيةِ والشافعيةِ وأحمدَ وإسحاقَ مطلقًا للحديثِ (٣)، قالُوا: لأنَّ الأبَ سببٌ لوجودِ الولدِ فلا يكونُ الولدُ سببًا لإِعْدَامِهِ. وذهبَ البتيُّ إلى أنهُ يقادُ الوالدُ بالولدِ مطلقًا لعمومِ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤) وأُجِيْبَ بأنهُ مخصصٌ بالخبرِ وكأنهُ لم يصحَّ عندَه، وذهبَ مالكٌ (١) إلى أنهُ يقادُ بالولدِ إذا أَضْجَعَهُ وذبحهُ. قالَ: لأنَّ ذلكَ عمدٌ حقيقةً لا يحتملُ غيرَه، فإنَّ الظاهرَ في مثلِ استعمالِ الجارحِ في المقتَلِ هوَ قصدُ العمْدِ، والعمديةُ أمر خفيٌّ لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الأحوال. وأما إذا كان على غير هذه الصِّفةِ فيما يحتملُ عدمَ إزهاقِ الروحِ بلْ قَصْدَ التأديبِ منَ الأبِ وإنْ كانَ في حقِّ غيرِه حكم فيهِ [بالعمدية] (٥)، وإنَّما فُرِّقَ بينَ الأبِ وغيرِه لما للأبِ منَ الشفقةِ على ولدهِ وغلبةِ قصد التأديبِ عندَ فعلِه ما يغضبُ الأبَ، فَيُحْمَلُ على عدمِ قَصْدِ القتلِ، وهذا رأيٌ [من مالك] (٦). وإنْ ثبتَ بالنصِّ لم يقاومهُ شيءٌ، وقدْ قَضَى بهِ عمرُ في قصةِ المدلجي وألزمَ الأبَ الديةَ ولم يعطِه منْها شيئًا، وقالَ: ليسَ لقاتلٍ شيءٌ فلا يرثُ منَ الديةِ إجماعًا ولا مِنْ غيرِها عندَ الجمهورِ. والجدُّ والأمُّ كالأبِ عندَهم في سقوطِ القَوَدِ. لم يخص النبي ﷺ عليًا ولا غيره بشيء من الدين ٦/ ١٠٩٢ - وَعَنْ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَليٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ

стр. 1883

الْوَحْيِ غَيْرُ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا في الْقُرْآنِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا في هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: "الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: "الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِماؤُهُمْ، وَيَسْعَ بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ"، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٥). [صحيح بشواهده] (وعنْ أبي جحيفةَ قالَ: قلتُ لعليٍّ ﵁ هلْ عندَكم شيءٌ منَ الوحْي غيرُ القرآنِ؟ قالَ: لا والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النسمةَ إلَّا فهمًا) استثناءٌ منْ لفظِ شيءٍ [مرفوعًا] (٦) على البدليةِ (يعطيهِ اللَّهُ تعالَى رجلًا في القرآن، وما في هذهِ الصحيفةِ) أي الورقةِ المكتوبةِ (قلتُ: وما في هذهِ الصحيفةِ؟ قالَ العقل) أي الديةُ، وسُمِّيَتْ عَقْلًا لأنَّهم كانُوا يعقلونَ الإبلَ التي هيَ ديةٌ بفناءِ دارِ المقتولِ (وفكاكُ) بكسرِ الفاءِ وفتحِها (الأسيرِ، ولا يُقْتَلَ مسلمٌ بكافرٍ. رواهُ البخاريُّ وأخرجه أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ منْ وَجْهٍ آخرَ عنْ عليٍّ ﵁ وقالَ فيهِ: المؤمنونَ تتكافأ) أي تَتَسَاوَى في الديةِ والقصاصِ [دماؤهم] (٧) (ويسعى بِذِمَّتِهِمْ أدناهمُ، وهمْ يَدٌ على مَنْ سوَاهُم، ولا يُقْتَل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذوْ عهدٍ في عهدهِ. وصحَّحَه الحاكمُ). قال المصنفُ (٨): إنما سألَ أبو جحيفةَ عليًا ﵁ عنْ ذلكَ لأنَّ جماعةً منَ

стр. 1884

الشيعةِ كانُوا يزعمونَ أن لأَهْلِ البيتِ ﵈ لا سيِّما عليًا [اختصاصًا] (١) بشيءٍ منَ الوحْي لم يطَّلعْ عليهِ غيرُه، وقدْ سألَ عليًا ﵁ عنْ هذهِ المسألةِ غيرُ أبي جحيفةَ [أيضًا] (٢). ثمَّ الظاهرُ أن المسؤولَ عنهُ هوَ ما يتعلَّقُ بالأحكامِ الشرعيةِ منَ الوحْي الشاملِ لكتابِ الله المعجزِ وسُنَّةِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّ اللَّهَ تعالَى سمَّاهَا وَحْيًا إذْ فسَّرَ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) بما هوَ أعمُّ منَ القرآنِ، ويدلُّ عليهِ قولُه: (وما في هذهِ الصحيفةِ)، فلا يلزمُ منهُ نفيُ ما نُسِبَ إلى عليٍّ ﵇ منَ الجفْر وغيرِه (٤). وقدْ يقالُ: إنَّ هذَا داخلٌ تحتَ قولِه: (أو فهم يعطيهِ اللهُ تعالَى رجلًا في القرآن)، فإنهُ كما نُسِبَ إلى كثيرٍ ممنْ فتحَ اللَّهُ عليهِ بأنواعِ العلومِ ونوَّرَ بصيرتَه أنهُ يستنبطُ ذلكَ منَ القرآن. [ومن لم يكن كذلك فهو حابط في ظلمات الجهل] (٥). والحديثُ قدِ اشتملَ على مسائلَ: الأولَى: العقلُ وهوَ الديةُ ويأتي تحقيقُها [في بابها] (٦). والثانيةُ: فِكاكُ الأسيرِ أي حكمُ تخليصِ الأسيرِ منْ يدِ العدوِّ، وقدْ وردَ الترغيبُ في ذلكَ. والثالثةُ: عدمُ قتلِ المسلمِ بالكافرِ قَوَدًا، وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ وأنهُ لا يُقْتَلُ ذو عَهْدٍ في عَهْدِهِ. فَذُو العهدِ الرجلُ مِنْ أهلِ دارِ الحربِ يدخلُ علينا بأمانٍ، فإنَّ قَتْلَهُ [حرام] (٧) علَى المسلمِ حتَّى يرجعَ إلى مَأمَنِهِ، فلوْ قَتَلَهُ مسلمٌ فقالتِ الحنفيةُ: يُقْتَلُ المسلمُ بالذِّميِّ إذا قتلَه بغيرِ استحقاقٍ ولا يُقْتَلُ بالمستَأمَنِ، واحتجُّوا بقولِه في الحديثِ: (ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ) فإنهُ معطوفٌ على قولهِ: مؤمنٌ، فلا بدَّ منْ تقييدٍ في الثاني كما في الطرفِ الأوَّلِ فيقدَّرُ ولا ذُو عهدٍ في

стр. 1885

عهدِه بكافرٍ، ولا بدَّ منْ تقييدِ الكافرِ في المعطوفِ بلفظِ الحربيِّ لأنَّ الذميَّ يُقْتَلُ بالذميِّ ويقتلُ بالمسلمِ، وإذا كانَ التقييدُ لا بدَّ منهُ في المعطوفِ وهوَ مطابقٌ للمعطوفِ عليهِ فلا بدَّ منْ تقديرِ مثلِ ذلكَ في المعطوفِ عليهِ فيكونُ التقديرُ: ولا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ حربيٍّ، ومفهومُ حربيٍّ أنهُ يقتلُ بالذمي بدليلِ مفهومِ المخالفَةِ، وإنْ كانتِ الحنفيةُ لا تعملُ بالمفهومِ فهمْ يقولونَ إنَّ الحديثَ يدلُّ على أنهُ لا يُقْتَلُ بالحربيِّ صريحًا، وأما قتلُه بالذميِّ فبعمومِ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)، ولما أخرجَهُ البيهقي (٢) منْ "أنهُ ﷺ قَتَلَ مسلمًا بمعاهِدٍ وقالَ: أنا أكرمُ مَنْ وفَّى بِذِمَّتِه"، وهوَ حديثٌ مرسَلٌ منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن البيلماني. وقدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، قالَ البيهقي (٣): وهوَ خطأٌ. وقالَ الدارقطنيُّ (٤): ابنُ البيلماني ضعيفٌ لا تقومُ بهِ حُجَّة إذا وصلَ الحديثَ فكيفَ بما يرسلُه؟ وقالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ: هذا حديث ليسَ بمُسْنَدٍ ولا يجعلُ مثلُه إمامًا تسفكُ بهِ دماءُ المسلمينَ. وذكرَ الشافعي في الأمِّ أنّ حديثَ ابن البيلماني كانَ في قصةِ المستأمَنِ الذي قَتَلَهُ عمرُو بنُ أميةَ الضمري، قالَ: فَعَلَى هذا لو ثبتَ لكانَ منسوخًا، لأنَّ حديثَ: "لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافرٍ" خطبَ بهِ النبي ﷺ يومَ الفتحِ كَمَا في روايةِ عمروِ بن شعيبٍ (٥)، وقصةُ عمروِ بن أميةً متقدمةٌ قبلَ ذلكَ بزمانٍ.

стр. 1886

هذَا ما ذكرتْهُ الحنفيةُ منَ التقديرِ، فقدْ أُجيْبَ عنهُ بأنهُ لا يجبُ التقديرُ لأنَّ قولَه: (ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ)، كلامٌ تامُّ [لا] (١) يحتاجُ إلى إضمارٍ، لأنَّ الإضمارَ خلافُ الأصْلِ فلا يُصَارُ إليهِ إلَّا لضرورةٍ فيكون نَهْيًا عنْ قتلِ المعاهِدِ. وقولُهم: إنَّ قتلَ المعاهدِ معلومٌ وإلا لم يكنْ للعهدِ فائدةٌ فلا حاجةَ إلى الإخبارِ بهِ. جوابُه: أنهُ محتاجٌ إلى ذلكَ، إذْ لا يُعْرَفُ إلَّا من طريق الشارعِ، وإلَّا فإنَّ ظاهرَ العموماتِ يقضي بجوازِ قَتْلِهِ، ولوْ سَلِمَ تقديرُ الكافرِ في الثاني فلا يسلمُ استلزامُ تخصِيصِ الأولِ بالحربيِّ، لأنَّ مقتضى العطفِ مُطْلَقُ الاشتراكِ [لا الاشتراك] منْ كلِّ وَجْهٍ. ومعنَى قولِه: (ويسعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهم)، أنهُ إذا أمَّنَ المسلمُ حربيًا كانَ أمانُه أمانًا منْ جميعِ المسلمينَ ولوْ كانَ ذلكَ المسلمُ امرأةً كما في قصةِ أم هانئٍ (٢)، ويُشْتَرَطُ [أن يكون] (٣) المؤمن مُكَلَّفًا، فإنهُ يكونُ أمانًا منَ الجميعِ فلا يجوزُ نَكثُ ذلكَ. وقولُه: (وهمْ يدٌ على مَنْ سِوَاهم)، أي همْ مجتمعونَ على أعدائِهم، لا يحلُّ لهمُ التخاذلُ، بلْ يُعِيْنُ بعضُهم بعضًا على جميعِ مَنْ عادَاهُمْ منْ أهلِ المِلَلِ، كأنهُ جعلَ أيديَهُم يدًا واحدةً وفعلَهم فعلًا واحدًا. القَوَد بمثل ما قتلَ به إلا إذا كان بفعل محرَّم ٧/ ١٠٩٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ جَارِيَةً وُجدَ رَأسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَألُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هذَا؟ فُلَان، فُلَان، حَتى ذَكَرُوا يَهُودِيًا، فَأَوْمَتْ بِرَأسِهَا. فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]

стр. 1887

(وعنْ أَنسِ بن مالكٍ ﵁ أن جاريةً وُجِدَ رأسُها قدْ رُضَّ بينَ حجريْنِ فسألُوها مَنْ صنعَ بكِ هذَا؟ فلانٌ، فلانٌ حتَّى ذكرُوا يهوديًا، فأومتْ برأسِها فأُخِذَ اليهوديُّ فَأَقَرَّ، فأمرَ رسولُ الله ﷺ أنْ يُرَضَّ رأسُه بينَ حجريْنِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ القصاصُ بالمثقلِ كالمحدَّدِ، وأنهُ يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ وأنهُ يقتلُ بما قَتَلَ بهِ، فهذِه ثلاثُ مسائلَ: الأولَى: وجوبُ القصاصِ بالمثقلِ وإليهِ ذهبت الهادويةُ والشافعيُّ ومالكٌ ومحمدُ بنُ الحسنِ، عملًا بهذَا الحديثِ. والمعنَى المناسبُ ظاهرٌ قويٌّ وهوَ صيانةُ الدماءِ منَ الإِهْدارِ، ولأنَّ القتلَ بالمِثْقلِ كالقتلِ بالمُحَدَّدِ في إزهاقِ الروح. وذهبَ أبو حنيفةَ والشعبيُّ والنخعيُّ إلى أنه لا قصاصَ في القتل بالمثقلِ واحتجُّوا بما أخرجَهُ البيهقيُّ (١) منْ حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ مرفُوعًا: "كلُّ شيءٍ خطأٌ إلَّا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أرشٌ"، وفي لفظٍ (١): "كلُّ شيءٍ سوَى الحديدةِ خَطَأٌ ولكل خطإ أرشٌ". وأُجِيْبَ بأنَّ الحديثَ مدارُه على جابرٍ الجعْفيِّ (٢) وقيسِ بن الربيعِ (٣) ولا يُحْتَجُّ بِهمَا فَلَا يُقَاوِمُ حديثَ أنس هذَا، وجوابُ الحنفيةِ عنْ حديثِ أنسٍ بأنهُ حصلَ في الرضِّ الجرحُ، أوْ بأنّ اليهوديَّ كانَ عادتُه قتلَ الصبيانِ فهوَ منَ الساعينَ في الأرضِ فَسَادًا، تكلُّفٌ. وأمَّا إذَا كانَ القتلُ بآلةٍ لا يقصدُ بمثلِها القتلُ غالبًا كالعصَا والمسوطِ واللطْمةِ ونحوِ ذلكَ، فعندَ الهادويةِ والليثِ ومالكٍ يجبُ فيها القَوَدُ؛ وقالَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وجماهيرُ العلماءِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم لا قصاصَ فيهِ؛ وهوَ شِبْهُ العمدِ، وفيهِ الديةُ مائةٌ منَ الإبلِ مغلَّظةً فيها أربعون في بطونِها أولادُها؛ لما أخرجَهُ أحمدُ (٤) وأهلُ السُّنَنِ إلَّا الترمذيَّ (٥) منْ حديثِ

стр. 1888

عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "أَلَا وإنَّ في قَتْلِ الخطأ شبْهِ العمدِ ما كانَ بالسوطِ والعَصَا مائةٌ مِنَ الإبلِ فيها أربعونَ في بطونها أولادها". قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: في إسنادهِ اختلافٌ كثيرٌ ليس هذَا موضِعَ بَسْطِهِ، قلتُ: إذا صحَّ الحديثُ فقدِ اتَّضَحَ الوجْهُ، وإلَّا فالأصلُ عدمُ اعتبارِ الآلةِ في إزهاقِ الروحِ بلْ ما أزهقَ الروحَ أوجبَ القصاصَ. المسألةُ الثانيةُ: قتلُ الرجلِ بالمرأةِ، وفيهِ خلافٌ. ذهبَ إلى قَتْلِهِ بها أكثرُ أهلِ العلمِ وحَكَى ابنُ المنذرِ الإجماعَ (١) على ذلكَ لهذا الحديثِ. وعنِ الحسنِ البصريِّ أنهُ لا يُقْتَلُ الرجلُ بالأنثَى، وكأنهُ [استدل] (٢) بقولِه تعالَى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٣). وردَّ بأنهُ ثبتَ في كتابِ عمروِ بن حزمٍ (٤) الذي تلقَّاه الناسُ بالقَبولِ

стр. 1889

أنَّ الذَّكَرَ يُقْتَلُ بالأُنْثَى وهوَ أقْوَى منْ مفهومِ الآيةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن الرجلَ يقادُ بالمرأةِ [وتُوَفَّى] (١) ورثَتُه نصفَ دِيَتِه، قالُوا: لتفاوتهمَا في الدِّيةِ، ولأنهُ تعالَى قالَ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢). وَرُدَّ بأنَّ التفاوتَ في الدِّيةِ لا يوجبُ التفاوتَ في النفسِ، ولذَا يُقْتَلُ عبدٌ قيمتُه ألفٌ بعبدٍ قيمتُه عشرونَ. وقد وقعتِ المساواةُ في القصاصِ لأنَّ المرادَ المساواة في الجرح أنْ لا يزيدَ المقتصُّ على ما وقعَ فيهِ منَ الجرحِ. المسألةُ الثالثةُ: أنْ يكونَ القوَدُ بمثلِ ما قَتَلَ بهِ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ وهوَ الذي يستفادُ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣)، وقولِه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤)، وبما أخرجَه البيهقيُّ (٥) [من] (٦) حديثِ البراءِ عنهُ ﷺ : "من غرَّضَ غرَّضْنا لهُ، ومَنْ حرَّقَ حرَّقناهُ، ومنْ غرَّق غرَّقْناهُ"، أي منِ اتخذهُ غرَضًا للسِّهام، وهذا يُقَيَّدُ بما إذا كانَ السببُ الذي قُتِلَ بهِ يجوزُ فعلُه، وأما إذا كانَ لا يجوزُ فعله كمنْ قُتِلَ بالسحرِ فإنهُ لا يُقْتَلُ بهِ لأنهُ محرَّمٌ وفيهِ خلافٌ، قالَ بعضُ الشافعيةِ: إذا قتلَ باللِّواطِ أوْ بإيجارِ الخمرِ إنهُ يُدَسُّ فيهِ خشبةٌ ويوجرُ الخلُّ، وقيلَ يسقطُ اعتبارُ المماثلةِ، وذهبت الهادويةُ والكوفيونَ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنهُ لا يكونُ الاقتصاصُ إلَّا بالسَّيْفِ، واحتجُّوا بما أخرجَهُ البزَّارُ (٧) وابنُ عديٍّ (٨) منْ حديثِ أبي بكرةَ عنهُ ﷺ أنهُ قالَ: "لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيفِ"، إلَّا أنهُ ضعيفٌ. قالَ ابنُ عديٍّ: طرقُه كلُّها ضعيفةٌ واحتجّوا بالنَّهْي عن المُثلةِ (٩)

стр. 1890

وبقولِه ﷺ : "إذا قتلتُم فأحسنُوا القِتْلَةَ" (١)، وأُجِيْبَ بأنهُ مخصَّصٌ بما ذُكِرَ. وفي قولِه: (فأقرَّ) دليلٌ على أنهُ يكفي الإقرارُ مرة واحدة إذ لا دليلَ على أنهُ كرَّرَ الإقرارَ. لا غرامة على الفقير في الخطأ إذا كانت عاقلته فقراء ٨/ ١٠٩٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لأُناسٍ فُقَراءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأَنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالثَّلَاثَةُ (٣) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [صحيح] وعنْ (عمرانَ بن الحصينِ ﵁ أن غُلامًا لأُناسٍ فقراءَ قطعَ أُذُنَ غلامٍ لأناسٍ أغنياءَ فَأَتَوْا النبيَّ ﷺ فلمْ يجعلْ لهم شيئًا. رواهُ أحمدُ والثلاثة بإسنادٍ صحيحٍ). الحديثُ فيهِ دليلٌ علَى أنَّهُ لا غَرامةَ على الفقيرِ، إلَّا أنهُ قالَ البيهقي: إن كانَ المرادُ بالغلامِ المملوكَ فإجماعُ أهلِ العلمِ أن جنايةَ العبدِ في رقبتِه، فهوَ يدلُّ واللَّهُ أعلمُ أن جنايتَهُ كانَتْ خطأً وأنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما لمْ يجعلْ عليهِ شيئًا لأنهُ التزمَ أَرْشَ جنايتهِ فأعطاهُ منْ عندهِ مُتَبرِّعًا بذلكَ. وقدْ حملَهُ الخطابي (٤) على أن الجاني كانَ حُرًّا وكانتِ الجنايةُ خطأً وكانتْ عاقلتُه فقراءَ فلم يجعلْ عليهمْ شيئًا إما لِفَقْرِهِمْ وإما لأنَّهم لا يعقلونَ الجنايةَ الواقعةَ علَى العبدِ إنْ كانَ المُجْنَى عليهِ مملوكًا - كما قالَ البيهقيُّ -، وقدْ يكونُ الجاني غلامًا حُرًّا غيرَ بالغٍ وكانتْ جنايتُه عَمْدًا فلم يجعلْ أرشَها على عاقلتِه

стр. 1891

وكانَ فقيرًا فلم يجعلْ عليهِ في الحالِ، أوْ رآه على عاقلتِه فوجدَهم فقراءَ فلم [يجعل عليهم لفقرهم ولا عليه] (١) لكونِ جنايتِه في حكمِ الخطأِ [لكونِهم فقراءَ، واللَّهُ أعلمُ] (٢)، انتَهى. وقولُه: (ولم يجعلْ أرشَها على عاقلتِه) هذَا مذهبُ الشافعيِّ أن عَمْدَ الصغيرِ يكونُ في مالِه ولا تحملُه العاقلةُ. وقولُه: (أوْ رآهُ على عاقلتهِ) يعني معَ احتمالِ أنهُ خطأٌ - وهذا اتفاقٌ - أو معَ احتمالِ أنهُ عَمْدٌ كما ذهبَ إليهِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ [وبالجملة فلا بد من احتمال للحديث كما لا يخفى] (٣). لا يُقتصُّ من الجراحات حتى يحصل البُرء من ذلك ٩/ ١٠٩٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فَجَاءَ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: "حَتى تَبْرَأَ"، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ، فَقَالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصْيتَني، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجَكَ"، ثُمَّ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنْ يُقْتَصّ مِنْ جُرْحٍ حَتى يَبْرَأَ صَاحِبهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَالدَّارَقُطنيُّ (٥) وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. [حسين لغيره] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن رجلًا طعنَ رجلًا بقرنٍ في ركبتهِ فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: أقدْني، [قال] (٦) حتَّى تبرأَ، ثمَّ جاءَ إليهِ فقالَ: أقدْني، فأقادَه، ثمَّ جاءَ إليهِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ عَرَجْتُ، فقالَ: قدْ نهيتُكَ فعصيتني فأبعدكَ الله وبطلَ

стр. 1892

عَرَجَكَ، ثمَّ نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُقْتَصَّ منْ جرحٍ حتَّى يبرأَ صاحبُه. رواهُ أحمدُ والدارقطنيُّ وأُعِلَّ بالإرسالِ) بناءً على أنَّ شعيبًا لم يدركْ جدَّه، وقدْ دفعَ بأنهُ ثبتَ لقاءُ شعيبٍ لجدِّهِ (١). وفي معناهُ أحاديثُ تزيدُه قوةً، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا يقتصُّ منَ الجراحاتِ حتَّى يحصلَ البرءُ منْ ذلكَ [ولو من] (٢) السرايةُ، قالَ الشافعيُّ: إنَّ الانتظارَ مندوبٌ بدليلِ تمكينِهِ ﷺ منَ الاقتصاصِ قبلَ [البرء، وذهبت] (٣) الهادويةُ وغيرُهم إلى أنهُ واجبٌ لأنَّ دفعَ المفاسِدِ واجبٌ، وإذنُهُ ﷺ بالاقتصاصِ كانَ قبلَ عِلْمِهِ بما يَؤُولُ إليهِ منَ المفسدةِ. دِيَةُ الجنين غُرَّة ١٠/ ١٠٩٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ دِيَةَ جَنِينَها غُرّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ"، وَقَضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّما هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤) [صحيح] (وعنْ أبي هريرة ﵁[قالَ] (٥): اقتتلتِ امرأتانِ منْ هُذَيْلٍ فرمتْ إحدَاهُما

стр. 1893

الأُخْرَى بحجرٍ فقتلَتْها وما في بَطْنِها، فاختصَمُوا إلي رسولِ اللهِ ﷺ فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ وتشديدِ الراءِ منوَّنٌ (عبدٌ أو وليدةٌ) هما بدلٌ منْ غُرَّةٍ، وأوْ للتقسيمِ لا للشكِّ (وقَضَى يِدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِهَا وورَّثَها ولدها ومَنْ معهُم). في سننِ أبي داودَ (١): ثمَّ أنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغرَّةِ توفِّيتْ فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ ميراثَها لبَنيهَا والعقلُ على عَصَبَتِها، ومثلُه في مسلمٍ (٢). فضميرُ ورَّثَها يعودُ إلَى القاتلةِ، وقيلَ: يعودُ إلى المقتولةِ، وذلكَ أنَّ عاقِلَتَها قالُوا: إنَّ ميراثَها لنا، فقالَ: لا، ميراثها لزوجِها وولدِها (فقالَ حَمَلُ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الميمِ (ابنُ النابغةِ) بالنونِ بعدَ الألفِ موحدةٌ فغينٌ معجمةٌ، وهوَ زوجُ المرأةِ القاتلةِ (الهذليُّ: يا رسولَ اللهِ كيفَ يُغرم مَنْ لا شربَ ولا أَكَلَ ولا نطقَ ولا استهلَّ)، الاستهلالُ رفعُ الصوتِ، يريدُ أنهُ لم يعلم حياتُه بصوتِ نُطْقٍ أبو بُكَاءٍ (فَمِثْلُ ذلكَ يُطَلُّ) بالمثناةِ التحتيةِ مضمومةٍ وتشديدِ اللامِ على أنهُ مضارعٌ مجهول مِنْ طلَّ، ومعناهُ: يُهْدَرُ ويُلْغَى ولا يضمنُ، ويُرْوَى بالموحَّدةِ وتخفيفِ اللامِ على أنهُ ماضٍ منَ البُطلانِ (فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنما هذَا منْ إخوانِ الكُهَّانِ - منْ أجلِ سَجْعِهِ الذي سَجَعَ -. متفقٌ عليهِ). في الحديثِ مسائلُ: الأُولى: فيهِ دليلٌ على أنَّ الجنينَ إذا ماتَ بسببِ الجنايةِ وجبتْ فيه الغُرَّةُ مُطْلقًا سواءٌ انفصلَ عنْ أمِّهِ وخرجَ مَيِّتًا أو ماتَ في بَطْنِها، فأما إذا خرجَ حيًا ثمَّ ماتَ ففيهِ الديةُ كاملةً، ولكنَّهُ لا بدَّ أنْ يعلمَ أنهُ جنينٌ بأنْ تخرجَ منهُ يدٌ أو رِجْلٌ، وإلا فالأصلُ براءةُ الذِّمةِ وعدمُ وجوبِ الغُرَّةِ. وقدْ فَسَّرَ الغرةَ في الحديثِ بعبدٍ أو وليدةٍ وهيَ الأَمَةُ، وقالَ الشعبيُّ: الغرَّةُ خمسمائةِ درهمٍ، وعندَ أبي داودَ (٣) والنسائيِّ (٤) منْ

стр. 1894

حديثِ بُرَيْدَةَ مائةُ شاةٍ، وقيلَ خمسٌ منَ الإبلِ إذْ هيَ الأصلُ في الدِّيَاتِ وهذا في جَنِيْنِ الحرَّةِ. وأما جنينُ الأَمَةِ فقيلَ: يُخَصَّصُ بالقياسِ على دِيَتها، فَكَما أنَّ الواجبَ قيمتُها في ضمانِها فيكونُ الواجبُ في جنينِها الأرشُ منسوبًا إلى القيمةِ، وقياسُه على جنينِ الحرَّةِ فإنَّ اللازمَ فيهِ نصفُ عُشْرِ الدِّيةِ فيكونُ اللازمُ فيهِ نصفَ عُشْرِ قيمتِها. [المسألة] (١) الثانية: قولُه: وقَضى بِدَيةِ المرأةِ علَى عاقلتِها، يدلُّ على أنهُ لا يجبُ القصاصُ في مِثْلِ هذَا، وهوَ منْ أدلَّةِ مَنْ يثبتُ شِبْهَ العَمدِ وهوَ الحقُّ، فإنَّ ذلكَ القتلَ كانَ بحجرٍ صغيرٍ أو عُودٍ صغيرٍ لا يُقْصَدُ [بمثله] (٢) القتلُ بحسبِ الأغلبِ فيجب فيهِ الديةُ على العاقلةِ ولا قصاصَ فيهِ، والحنفيةُ تجعلُه مِنْ أدلةِ عدمِ وجوبِ القصاصِ بالمِثْقَلِ. الثالثةُ: في قولِه: على عاقلتِها، دليلٌ على أنَّها تجبُ الدِّيةُ على العاقلةِ، والعاقلةُ همُ العصبةُ، وقدْ فُسِّرَتْ بِمَنْ عَدَا الولدِ وذوي الأرحامِ كما أخرجَهُ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ أسامةَ بنِ عميرٍ. فقالَ أبُوهَا: إنَّما يعقلُها بَنُوها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: "الديةُ على العَصَبَةِ وفي الجنينِ غُرَّةٌ". ولهذا بوَّبَ البخاريُّ (٤) (بابُ جنينِ المرأةِ وأنَّ العقلَ على الوالدِ وعَصَبةِ الوالدِ لا عَلَى الولدِ)، قالَ الشافعيُّ: ولا أعلمُ خِلَافًا في أنَّ العاقِلَةَ العصبةُ وهمُ القرابةُ منْ قِبَلِ الأبِ، وفُسِّرَ بالأقربِ فالأقربِ منْ عصبةِ الذَّكَرِ الحرِّ المكلَّفِ، وفي ذلكَ خلافٌ يأتي في القسَامَةِ. وظاهرُ الحديثِ وجوبُ الدِّيةِ على العاقلةِ وبهِ قالَ الجمهورُ، وخالفَ جماعةٌ في وجوبِها عليهم فقالُوا: لا يعقلُ أحدٌ عنْ أحدٍ، مُسْتَدِلِّينَ بما عندَ أحمدَ (٥) وأبي داودَ (٦) والنسائيِّ (٧) والحاكمِ (٨) أنَّ رجلًا أَتَى إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ

стр. 1895

لهُ النبيُّ ﷺ : "مَنْ هَذَا؟ "، فقال: ابني، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لا تجني عليكَ ولا تجني عليهِ"، وعندَ أحمد (١) وأبي داودَ (٢) والترمذيِّ (٣) منْ حديثِ عمرِو بنِ الأحوصِ أنهُ ﷺ قال: "لا يجني جانٍ إلَّا علَى نفسهِ، ولا يجني جانٍ علَى ولدِه"، وجُمِعَ بينَهما وبينَ وجوبِ الديةِ على العاقلةِ بأنَّ المرادَ بهِ الجزاءُ الأخرويُّ، أي لا يجني عليهِ جنايةً يُعاقَبُ بها في الآخرةِ، وعلى القولِ بأنَّ الوالدَ والولدَ ليسا منَ العاقلةِ كما قالَهُ الخطابيّ (٤)، [فلا إشكال ولا يتم الحديث دليلًا] (٥). الرابعة: قولُه ﷺ : إنَّما هوَ منْ إخوانِ [الكهنة] (٦)، منْ أجلِ سَجْعِهِ الذي سجعه، يظهرُ أنَّ قولَه: منْ أجلِ سَجْعِه الذي سجعه، مدرجٌ فهمَه الراوي، ففيهِ دليلٌ على كراهةِ السجعِ. قال العلماءُ: إنَّما كَرِهَهُ منْ هذَا الشخصِ لوجهيْنِ، أحدِهِمَا: أنهُ عارضَ بهِ حكمَ الشرعِ [وأراد] (٧) إبطالَه، الثاني: أنهُ [تكلف] (٨) في مخاطبتهِ. وهذانِ الوجْهانِ منَ السجعِ مذمومانِ، فأما السجعُ الذي وردَ منهُ ﷺ في بعضِ الأوقاتِ وهوَ كثيرٌ في الحديثِ فليسَ منْ هذَا لأنهُ لا يعارضُ حكمَ الشرعِ ولا يتكلَّفهُ فلَا نَهْيَ عنهُ. الجنين غرة ذكرًا كان أم أنثى ١١/ ١٠٩٧ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٩) وَالنَّسَائيُّ (١٠) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الْجَنِينِ؟ قَال: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ

стр. 1896

النَّابِغَةِ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى - فَذَكَرَهُ مُخْتَصرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١) وَالْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وأخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ ﵁ أن عمرَ سألَ: مَنْ شهدَ قضاءَ رسولِ اللهِ ﷺ في الجنينِ؟ قالَ: فقامَ حملُ بن النابغةِ) المذكورُ في الحديثِ قَبْلَهُ (فقالَ: كنتُ بينَ امرأتينِ فضربتْ إحداهُما الأُخْرى فذكرَة مختصرًا، وصحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ والحاكمُ)، وأخرجَهُ أبو داودَ (٣) بلفظِ: "أنَّ عمرَ سألَ النَّاسَ عنْ إملاصِ المرأةِ، فقالَ المغيرة: شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى فيها بِغُرَّةِ عبدٍ أو أَمَةٍ، فقالَ: ائتني بمَنْ يشهدُ مَعَكَ، قالَ: فأتاهُ محمدُ بنُ مسلمة فشهدَ لهُ". ثمَّ قالَ أبو داودَ (٤): قالَ أبو عبيدٍ: إملاصُ المرأةِ إنَّما سُمِّيَ إملاصًا لأنَّ المرأةَ تُزْلِقُهُ قبلَ وقْتِ الولادةِ وكذلكَ كلُّ ما زلقَ منَ اليدِ وغيرِها فقدْ مَلَصَ، انتَهى. ولا بدَّ منْ أنْ يعلمَ أنَّ الجنينَ قدْ تخلَّق وجَرَى فيهِ الروحُ ليتصفَ بأنها قَتَلَتْهُ الجنايةُ. والشافعيةُ فسَّروهُ بما ظهرَ فيهِ صورةُ الآدميِّ منْ يدٍ وأُصْبُعٍ وغيرِهِما وإن لم تظهرْ فيهِ الصورةُ وشهد أهلُ الخبرةِ بأنَّ ذلكَ أصلُ الآدميِّ فحكمهُ كذلكَ [إن] (٥) كانتِ الصورةُ خفيةً، وإنْ شكَّ أهلُ الخبرةِ لم يجبْ فيهِ شيءٌ اتفاقًا. [وفي الحديث] (٦) دليلٌ على أنَّ في الجنينِ غُرَّةً ذَكَرًا كانَ أو أُنثَى لإطلاقِ الحديثِ. الاقتصاص في السن ١٢/ ١٠٩٨ - وَعَنْ أَنسٍ أَنَّ الرُّبَيّعَ بِنْتَ النَّضْرِ - عَمَّتَهُ - كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ،

стр. 1897

فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُول اللهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، واللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ. [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الراءِ والباءِ الموحدةِ المفتوحةِ فمثناةٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، أختَ أنسٍ (بنتَ النضرِ عَمَّتَهُ) أي عمَة أنسِ بنِ مالكٍ وهي غيرُ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ، ووقعَ في سننِ البيهقيِّ بنتُ معوِّذٍ، قال المصنفُ: [وهو] (٢) غلطٌ، (كَسَرتْ ثنيةَ جاريةٍ) أي شابَّةٍ منَ الأنصارِ كما في روايةٍ (فطلبُوا) أي قرابةُ الرُّبَيِّعَ (إليها) أي [إلى] (٣) الجاريةِ (العفوَ فَأَبَوْا، فعرضُوا الأرْشَ فَأَبَوْا، فأتوا رسولَ اللهِ ﷺ فَأَبَوْا إلَّا القصاصَ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقصاصِ، فقالَ أنس بنُ النَّضْرِ: يا رسولَ اللهِ أتُكْسَرُ ثنيةُ الربيِّعِ؟ لا، والذي بعثكَ بالحقِّ لا تُكْسَرُ ثنيتُها، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : يا أنسُ كتابُ اللهِ القصاصُ، فرضيَ القومُ فَعَفَوْا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ منْ عبادِ اللهِ مَنْ لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ) فيهِ مسائلُ: الأُوْلَى: أنه دليل على وجوبِ الاقتصاصِ في السنِّ، فإنْ كانتْ بكمالِها فهوَ مأخوذٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٤) وقدْ ثبتَ الإجماعُ (٥) على قَلْعِ السنِّ بالسنِّ [بالعمد] (٦)، وأما كسرُ السنِّ فقدْ دلَّ هذا الحديثُ على القصاصِ فيهِ أيضًا، قالَ العلماءُ: وذلكَ إذا عرفتَ المماثلةَ وأمكنَ ذلكَ منْ دونِ سرايةٍ إلى غيرِ الواجبِ. قالَ أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ - يريدُ ابنَ حنبلٍ - كيفَ في السنِّ؟ قالَ:

стр. 1898

تُبردُ، أي يُبردُ منْ سنِّ الجاني بقدْرِ ما كُسِرَ منْ سنِّ المجني عليهِ، وقالَ بعضُهم: الحديثُ محمولٌ على القلْعِ وأنهُ أرادَ بقولِه كُسِرتْ قُلِعَتْ وهوَ بعيدٌ. لا قصاص في العظم دون السن لعدم إمكان المماثلة وأما العظمُ غيرُ السنِّ فقدْ قامَ الإجماعُ على أنهُ لا قصاصَ في العظْمِ الذي يخافُ منهُ ذهابُ النَّفْسِ، إذ لم تتأتَ فيهِ المماثلةُ بأنْ لا يوقفَ على قدرِ الذاهبِ. وقالَ الليثُ والشافعيُّ والحنفيةُ: لا قصاصَ في العظْمِ غيرِ السنِّ لأنَّ دونَ العظمِ حائلًا منْ جلدٍ ولحمٍ وعَصَبٍ فيتعذرُ معهُ المماثلةُ، فلوْ أمكنتْ لحكْمنَا بالقصاصِ، ولكنْ لا نَصِلُ إلى العظمِ حتَّى يناله ما دونَه مما لا يعرفُ قدرُه. [المسألة] (١) الثانية: قولُه: (أَتُكْسَرُ ثنيةُ الربيِّعِ) ظاهرُ الاستفهامِ الإنكارُ وقدْ تؤول بأنهُ لم يردْ به رد الحكمَ والمعارضةَ وإنَّما أرادَ أنْ يؤكِّدَ النبيُّ ﷺ طلبَ الشفاعةِ منْهم وأكَّدَ طلبَهُ منَ النبيِّ ﷺ بالقَسَمِ، وقيلَ: بلْ قالَه قبلَ أنْ يعلمَ أنَّ القصاصَ حَتْمٌ وظنَّ أنهُ يُخَيَّرُ بينَه وبينَ الديةِ أوِ العفوِ، ويرشدُ إليهِ قولُه في جوابهِ: (يا أنسُ كتابُ اللهِ القصاصُ)، وقيلَ: إنهُ لم يردِ الإنكارَ بلْ قالَه توقُّعًا ورجاءَ منْ فضلِ اللهِ أنْ يلهمَ الخصومَ الرضاءَ حتَّى يعفُوا أو يقبلُوا الأرشَ، وقدْ وقعَ الأمرُ على ما أرادَ. وفي إلهامِهِمُ العفوَ وفي تقريرِه ﷺ على الحلفِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ الحلفُ فيما يُظَنُّ وقوعَهُ. المسألة الثالثة: قولُه ﷺ : (كتابُ اللهِ القصاصُ) المشهورُ فيه الرفعُ على أنهُ مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوزُ النصبُ في الأولِ على المصدرِ وفعلُه محذوفٌ، أي كتبَ [الله ذلك كتابًا] (٢)، وفي الثاني على أنهُ مفعولٌ للكتابِ أو الفعل المقدَّرِ، وَيحْتَمِلُ وجُوهًا أُخَرَ. قيلَ: أرادَ بالكتابِ الحكمَ، أي حكمَ اللهِ القصاصَ، وقيلَ: أشارَ إلى قولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣)، أوْ إلى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤)، أوْ إلى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٣). وفي قولِه ﷺ : (إنَّ منْ عبادِ اللهِ مَنْ لوْ أقْسَمَ، إلى آخرِهِ) تعجُّبٌ منهُ ﷺ

стр. 1899

بوقوعِ مثلِ هذَا منْ حَلِفِ أنسٍ على نفي فعلِ الغيرِ وإصرارِ الغير على إيقاعِ ذلكَ الفعلِ. وكانَ قضيةُ ذلكَ العادةِ في أنْ يحنثَ في يمينِه، فألهمَ اللهُ تعالَى الغيرَ العفوَ فبرَّ قسمُ أنسٍ، وأنَّ هذَا الاتفاقَ واقعٌ إكرامًا منَ اللهِ تعالَى لأنسٍ ليبرَّ في يمينِه، وأنهُ منْ جملةِ عبادِ اللهِ الذينَ يعطيهمُ اللهُ ﷻ أَرَبَهَمْ ويجيبُ دعاءَهم، وفيهِ جوازُ الثناءِ على مَنْ وقعَ له مثلُ ذلك عندَ أَمْنِ الفتنةِ عليهِ. على من تكون الدية لمن لم يعرف قاتله ١٣/ ١٠٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا أَوْ رِمِّيًّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيِ (٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣) بِإِسْنَاد قَوِيٍّ. [صحيح لغيره] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا) بكسرِ العينِ المهملةِ وتشديدِ الميمِ والياءِ المثناةِ منْ تحت بالقصرِ فِعِّيلى من العماءِ، وقولُه: (أو رِمِّيًا) بِزِنَتِه مصدرٌ يرادُ بهِ المبالغةُ (بحجرٍ أو سوطٍ أو عصًا فعليهِ عَقْلُ الخطأِ، ومَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهوَ قَوَدٌ، ومَنْ حالَ دونَه فعليهِ لعنةُ اللهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ بإسنادٍ قويٍّ). قالَ في "النهايةِ" (٤) في تفسيرِ اللفظيْنِ: المعنَى أنْ يوجدَ بينَهم قتيلٌ يُعَمَّى أمرُه ولا يتبينُ قاتلُه فحكمُه حكمُ قتيلِ الخطأِ تجبُ فيهِ الديةُ. الحديثُ فيهِ مسألتانِ: الأُولى: أنهُ دليلٌ علَى أنَّ مَنْ لم يُعْرَفْ قاتلُه فإنَّها تجبُ فيهِ الديةُ وتكونُ على العَاقِلَةِ، وظاهِرُه منْ غيرِ أيمانِ قَسَامةٍ. وقد اختُلِفَ في ذلكَ، فقالتِ

стр. 1900

الهادويةُ: إنْ كانَ الحاضرونَ الذينَ وقعَ بينَهم القتلُ منحصرينَ لزمتِ القَسَامةُ وجَرَى فيها حُكْمُها منَ الأيمانِ والديةِ، وإنْ كانُوا غيرَ منحصرينَ لزمتِ الديةُ في بيتِ المالِ، قالَ الخطابيُّ (١): اختُلِفَ هلْ تجبُ الديةُ في بيتِ المالِ أوْ لا، قالَ إسحاقُ بالوجوبِ وتوجيهُهُ منْ حيثُ المعنَى أنهُ مسلمٌ ماتَ بفعلِ قومٍ منَ المسلمينَ فوجبتْ دِيَتُهُ في بيتِ مالِ المسلمينَ، وذهبَ الحسنُ إلى أنَّ دِيَتَهُ تجبُ على جميعِ مَنْ حَضَر وذلكَ لأنهُ ماتَ بفعلِهمْ فلا يتعداهم إلى غيرِهِمْ. وقالَ مالكٌ: إنهُ يُهْدَرُ لأنهُ إذا لم يوجدْ قاتلُه بِعَيْنِهِ استحالَ أنْ يُؤْخَذَ بهِ أحدٌ، وللشافعيِّ قولٌ إنهُ يقالُ لوليِّهِ: ادعُ عَلَى مَنْ شِئْتَ واحلفْ فإنْ حَلَفَ استحقَّ الديةَ، وإنْ نكلَ حلفَ المدَّعَى عليهِ على النفي وسقطتِ المطالبةُ وذلكَ لأنَّ الدَّمَ لا يجبُ إلَّا بالطلبِ، وإذا عرفتَ هذَا الاختلافَ وعدمَ المستَنَدِ القويِّ في أيّ هذِه الأقوالِ، وقدْ عرفتَ أنَّ سندَ الحديثِ قويٌّ كما قالَه المصنفُ، علمتَ أنَّ القولَ بهِ [أقوى] (٢) الأقوالِ. المسألةُ الثانيةُ: في قولهِ: ومَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهوَ قَوَدٌ، دليلٌ على أنَّ الذي يوجِبُهُ القتلُ عمدًا هوَ القَودُ عَيْنًا، وفي المسألةِ قولانِ: الأولُ: أنهُ يجبُ القَوَدُ عَيْنًا وإليهِ ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وجماعةٌ، ويدلُّ لهمْ قولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (٣)، وحديثُ: (كتابُ اللهِ القصاصُ)، قالُوا: وأما الديةُ فلا تجبُ إلَّا إذا رضيَ الجاني ولا يُجْبَرُ الجاني على تسليمِها. والقولُ الثاني: للهادويةِ وأحمدَ ومالكٍ وغيرِهم، وقولِ للشافعيِّ أنهُ يجبُ بالقتلِ عَمْدًا أحدُ أمريْنِ: القصاصِ أوِ الديةِ، لقولِه ﷺ : "منْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النَّظَرَيْنِ: إما أنْ يقيَّدَ، وإما أن يَدِي"، أخرجَهُ أحمدُ (٤) والشيخانِ (٥) وغيرُهم. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ المرادَ منَ الحديثِ أنَّ وليَّ المقتولِ مخيَّرُ بشرطِ أنْ يرضَى

стр. 1901

الجاني أنْ يغرمَ الديةَ، قالُوا: وفي هذَا التأويلِ جمعٌ بينَ الدليلَيْنِ، قُلْنا: الاقتصارُ في الآيةِ وفي بَعْضِ الأحاديثِ على بعضِ ما يجبُ لا يدلُّ على أنهُ لا يجبُ غيرُه مما قامَ الدليلُ على وجوبِه. وقدْ أخرجَ أحمدُ (١) وأبو داودَ (٢) عنْ أبي شريحٍ الخزاعيِّ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ أصيبَ بدم خَبَلٍ - والخَبَلُ [الجرح] (٣) - فهوَ بالخيارِ بينَ إحدى ثلاثٍ: إما أن يقتصَّ، أو يأخذَ العقلَ، أو يعفوَ، فإنْ أرادَ الرابعةَ فخذُوا على يديْهِ، فإنْ قَبِلَ من ذلكَ شيئًا ثمَّ عَدَا بعدَ ذلكَ فإنَّ لهُ النارَ". عقوبة من أعان على القتل ١٤/ ١١٠٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذي أَمْسَكَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ مَوْصُولًا (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ الْمُرْسَلَ (٥). [مرسل] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: إذا أمسكَ الرجلُ الرجلَ وقتلَه الآخرُ يُقْتَل الذي قَتَلَ ويُحْبَسُ الذي أمسكَ. رواه الدارقطنيُّ موصولًا ومرسلًا، وصحَّحَهُ ابن القطَّانِ ورجالُه ثقاتٌ إلَّا أنَّ البيهقيَّ رجَّحَ المرسلَ). قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشاد": وهذا الإسنادُ على شرطِ مسلمٍ، قلتُ: إشارةً إلى إسنادِ الدارقطنيِّ فإنهُ رواهُ منْ حديثِ أبي داودُ الحفريِّ عنِ الثوريِّ عنْ إسماعيلَ بنِ أميةَ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، الحديثَ، ثمَّ قالَ

стр. 1902

الحافظُ البيهقيُّ: ما رواهُ غيرُ أبي داودَ الحفريِّ عنِ الثَّوْريِّ وغيرِهِ عنْ إسماعيلَ بنِ أميةَ مرسلًا وهذَا هوَ الصحيحُ، [ثم قال ابن كثير: وهو كما قال] (١). الحديثُ دليلٌ علَى أنهُ ليسَ على المُمسكِ سوَى حَبْسِهِ ولم يذكرْ قَدْرَ مُدَّتِهِ فهيَ راجعةٌ إلى نظرِ الحاكمِ، وأنَّ القودَ أو الدِّيةَ على القاتلِ، وإلى هذَا ذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ للحديثِ ولقولِه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وذهبَ مالكٌ والنَّخَعيُّ وابنُ أبي لَيْلَى إلى أنَّهما يقتلانِ جَمِيْعًا إذْ هُما مشتركانِ في قتلهِ فإنهُ لولا الإمساكُ ما انقتل. وأُجِيْبَ بأنَّ النصَّ منَع الإلحاقَ، فإنَّ حُكْمَ ذلكَ حكمُ الحافرِ للبئرِ والمردي إليها فإنَّ الضمانَ على المردي دونَ الحافرِ اتِّفاقًا، ولكنَّ الحديثَ الآتي دليلٌ للأولينَ (٣). ١٥/ ١١٠١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْبَيْلَمَانيِّ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ. وَقَالَ: "أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمّتِهِ". أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسلًا (٤)، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ (٥)، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ. [مرسل] (وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ البيلمانيِّ) (٦) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ

стр. 1903

وفتحِ اللامِ، ضعَّفهُ جماعةٌ فلا يُحْتَجُّ بما انفردَ به إذا وصلَ، فكيفَ إذا أرسلَ؟ فكيفَ إذا خالفَ؟ وفيهِ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي لَيْلَى ضعيفٌ (١)، (أنَّ النبيَّ ﷺ قَتَلَ مسلمًا بمعاهَدٍ وقالَ: أنا أولى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ. أخرجَهُ عبدُ الرزاقِ هكَذا مرسلًا ووصلَه الدارقطنيُّ بذكرِ ابنِ عمرَ فيهِ وإسنادُ الموصولِ واهٍ)، تقدَّم الكلامُ في الحديثِ قريبًا. ١٦/ ١١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُتِلَ غُلَامٌ غيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: قُتِلَ غلامٌ غِيْلَةً) بكسرِ الغينِ المعجمةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، أي سرًّا، (فقالَ عمرُ ﵁: لو اشْتركَ فيهِ أهل صنعاءَ لقتلتُهم بهِ. أخرجَهُ البخاريُّ)، وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٣) منْ وجْهٍ آخرَ عنْ نافعِ أنَّ عمرَ "قتلَ سبعةً منْ أهلِ صنعاءَ برجلٍ"، وأخرجَهُ في "الموطأ" (٤) بسندٍ آخرَ منْ حديثِ ابنِ المسيِّبِ: "أنَّ عمرَ قتلَ خمسةً أو ستةً برجلٍ قتلُوه غيلةً وقالَ: لو تَمَالأَ عليهِ أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم بهِ جميعًا". وللحديثِ قصةٌ أخرجَها الطحاويُّ (٥) والبيهقيُّ (٦) عنِ ابنِ وهْبٍ قالَ: حدَّثني جريرُ بنُ حازمٍ أنَّ المغيرةَ بنَ حكيمٍ الصنعانيِّ حدَّثهُ عنْ أبيهِ: "أنَّ امرأةً بصنعاءَ غابَ عنْها زوجُها وتركَ في حجرِها ابنًا لهُ منْ غيرِها غُلامًا يُقَالُ لهُ أصيلٌ، فاتخذتِ المرأةُ بعدَ زوجِها خليلًا فقالتْ لهُ: إنَّ هذا الغلامَ يفضحُنا فاقتلْه، فأَبَى فامتنعتْ منهُ فطاوعَها، فاجتمعَ على قتلِ الغلامِ الرجلُ ورجلٌ آخرُ والمرأةُ وخادمُها فقتلُوه ثمَّ قطَّعوهُ أعضاءَ وجعلُوه في عَيْبَةٍ (٧) وطرحُوه في رَكِيَّةٍ (٨) في ناحيةِ القريةِ ليسَ فيها ماءٌ - وذكرَ القصةَ وفيها - فَأُخِذَ خليلُها فاعترفَ ثم اعترفَ

стр. 1904

الباقونَ، فكتبَ يَعْلَى - وهوَ يومئذٍ أميرٌ - بشأنِهم إلى عمرَ ﵁ فكتبَ عمرَ بقتلِهم جميعًا وقالَ: واللهِ لو أنَّ أهلَ صنعاءَ اشتركُوا في قَتْلِه لقتلتُهم أجمعينَ". وفي هذَا دليلٌ أنَّ رَأْيَ عمرَ ﵁ أنهُ تقتلُ الجماعةُ بالواحدِ، وظاهرُه ولوْ لم يباشرْه كلُّ واحدٍ، ولِذَا قلْنا [سابقًا] (١) إنَّ فيهِ دليلًا لقولِ مالكِ والنخعيِّ، وقولُ عمرَ: لوْ تمالأَ - أي توافقَ - دليلٌ على ذلكَ. وفي قَتْلِ الجماعةِ بالواحدِ مذاهبُ: الأولُ: هذَا، وإليهِ ذهبَ جماهيرُ فقهاءِ الأمصارِ وهوَ مرويٌّ عنْ عليٍّ ﵁ وغيرِه. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٢) "عنْ عليٍّ ﵁ في رجليْنِ شَهِدَا على رجلٍ بالسَّرقةِ فَقَطَعَهُ عليٌّ ﵁ ثمَّ أتياهُ بآخرَ فَقَالا: هذَا الذي سَرَقَ وأخطأْنا على الأوَّلِ فلم يجزْ شهادتَهما على الآخرِ وأغرمَهما ديةَ الأوَّلِ وقالَ: لو أعلمُ أَنَّكُما تعمَّدْتُما لقطعتُكما"، ولا فَرْقَ بينَ القصاص في النَّفْسِ والأطرافِ. والثاني: للناصرِ والشافعيِّ وجماعةٍ وروايةٍ عنْ مالكٍ أنهُ يختارُ الورثةُ واحِدًا منَ الجماعةِ، وفي روايةٍ عنْ مالكٍ يُقْرَعُ بينَهم فمنْ خرجتْ عليهِ القرعةُ قُتِلَ، ويلزمُ الباقونَ الحصةَ منَ الديةِ، وحجَّتُهم أنَّ الكفاءة مُعْتَبَرَةٌ ولا تُقْتَلُ الجماعةُ بالواحدِ كما لا يُقْتَلُ الحرُّ بالعبدِ، وأُجِيْبَ بأنَّهم لم يقتلُوا لصفةٍ زائدةٍ في المقتولِ بلْ لأنَّ كلَّ واحدٍ منْهم قاتلٌ. والثالثُ: لربيعةَ وداودَ أنهُ لا قصاصَ علَى الجماعةِ بل الديةَ رعايةً للمماثلةِ ولا وجْهَ لتخصيصِ بعضِهم. [فهذه] (٣) أقوالُ العلماءِ في المسألةِ، والظاهرُ قولُ داودَ لأنهُ تعالَى أوجبَ القصاصَ وهوَ المماثلةُ وقدِ انتفتْ هنا، ثمَّ موجبُ القصاصِ هوَ الجنايةُ التي

стр. 1905

تُزْهِقُ الروح فإنْ زُهِقَتْ بمجموعِ فِعْلِهِمْ فكلُّ فردٍ ليسَ بقاتلٍ فكيفَ يُقْتَلُ عندَ الجمهورِ؟ وإنَّما يصحُّ على قولِ النَّخعي. وإنْ كانَ كلُّ واحدٍ [قاتلًا] (١) بانفرادهِ لزمَ تواردُ المؤثراتِ على أثرٍ واحدٍ والجمهورُ يمنعونَهُ، علَى أنهُ لا سبيلَ إلى معرفةِ أنهُ ماتَ بفعلِهم جميعًا أوْ بفعلِ بعضهم، فإنْ فُرِضَ معرفتُنا بأنَّ كلَّ جنايةٍ قاتلةٌ بانفرادِها لم يلزمُ أنهُ ماتَ بكلِّ منْها، فلا عبرةَ بالأسبقِ كما قيلَ. وأما حُكْمُ عمرَ ﵁ فَفِعْلُ صحابيٍّ لا [يقوم به حجة] (٢)، ودَعْوَى أنهُ إجماعٌ غيرُ [مقبول] (٣)، وإذا لم يجبْ قتلُ الجماعةِ بالواحدِ فإنَّها تلزمُهم ديةٌ واحدةٌ لأنَّها عوضٌ عنْ دمِ المقتولِ، وقيلَ [يلزم] (٤) كلَّ واحدٍ، ونُسِبَ قائلُه إلى خلافِ الإجماعِ، هذَا ما قرَّرْنَاهُ هنا ثمَّ قوِيَ لنا قتلُ الجماعةِ بالواحدِ وحرَّرْنا دليلَه في حواشي "ضوء النهارِ" (٥) وفي ذيلِنَا على الأبحاثِ المسدَّدةِ. من قتل له قتيل فهو مخيَّر بين العقل والقود ١٧/ ١١٠٣ - وَعَنْ أَبي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتي هذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) وَالنَّسَائِيُّ (٧). [صحيح] - وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (٨) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ. (وعنْ أبي شُريحٍ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ المثناةِ فحاءٍ مهملةٍ (الخُزاعيِّ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ فزاي، بعدَ الألفِ عينٌ مهملةٌ، اسمهُ عمرُو بنُ خويلدٍ وقيلَ غيرُه، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: فمنْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ بعدَ مقالتي هذهِ فأهلُه

стр. 1906

بينَ خِيرَتَيْنِ) بالخاءِ المعجمة فراءٍ، تثنيةُ خِيْرةٍ، بيَّنَهما بقولِه: (إمَّا أنْ يأخُذوا العقلَ أو يقتلُوا. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وأصلُه في الصحيحينِ بمعناهُ منْ حديثِ أبي هريرةَ). أصلُ الحديثِ أنهُ قالَ ﷺ في أثناءِ كلامِهِ: "ثمَّ إنكمْ معشرَ خزاعةَ قتلتُم هذَا الرجلَ منْ هُذَيْلٍ وإني عاقلُه فمنْ قُتِلَ لهُ - الحديثَ". وتقدَّمَ حديثُ أبي شريحٍ فيهِ التخييرَ بينَ إحْدَى ثلاثٍ (١) ولا منافاةَ. قالَ في "الهدي النبويِّ": إنَّ الواجبَ أحدُ الشيْئَيْنِ، إما القصاصُ أو الديةُ، والخِيَرةُ في ذلكَ إلى الوليِّ بينَ أربعةِ أشياءٍ: العفوُ مجانًا، أو العفوُ إلى الديةِ، أو القصاصُ، ولا خلافَ في تخييرهِ بينَ هذهِ الثلاثةِ، والرابعةُ المصالحةُ إلى أكثرَ منَ الديةِ فيهِ وجهانِ: أحدُهما: أشهرُهما مذهبًا أي للحنابلة جوازُه. والثاني: ليسَ له العفوُ على مالٍ إلَّا الديةَ أو دونَها، وهذا أرجحُ دليلًا، فإنِ اختارَ الديةَ سقطَ القَوَدُ ولم يملكْ طَلَبَهُ بعدُ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ وإحْدَى الروايتينِ عنْ مالكٍ، وتقدَّم القولُ الثاني أنَّ موجِبَهُ القَوَدُ عينًا وليسَ لهُ العفوُ إلى الديةِ إلَّا برضَا الجاني وتقدَّم المختارُ. * * *

стр. 1907

[الباب الأول] باب الديات الدِّيَاتُ بتخفيفِ الياء المثناةِ التحتيةِ جمعُ دِيَةٍ، كعِدَاتٍ جمعُ عِدَةٍ. أصلُ ديةٍ وِدْيَةٌ بكسرِ الواوِ مصدرُ وَدَى القتيلُ يدِيْهِ إذا أعْطِيَ وليُّه دِيَتَهُ، حذفتْ فاءُ الكلمةِ وعُوِّضَتْ عنْها [تاءُ] (١) التأنيثِ كما في عِدَةٍ، وهيَ اسمٌ لأعمَّ مما فيهِ القصاصُ وما لا قصاصَ فيهِ. ١/ ١١٠٤ - عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفي اللِّسان الدِّيَةُ، وَفي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفي الْبَيْضَتين الدِّيَةُ، وَفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيةِ، وَفي الْمَأَمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابع الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل، وَفي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل (٢)،

стр. 1908

وَالنَّسَائيُّ (١) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٢) وَابْنُ الْجَارُودِ (٣) وَابْنِ حِبَّانَ (٤) وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا في صِحّتِهِ. [صحيح] (عنْ أبي بكرِ بن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ) بالحاءِ المهملةِ مفتوحةً وسكونِ الزاي، وهوَ تابعيٌّ وَليَ القضاءَ في المدينةِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، اسمُه كنيتُه (عنْ أبيهِ عنْ جدِّه) عمرِو بنِ حزمٍ (أنَّ النبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليمنِ فذكرَ الحديثَ) أولُه: "منْ محمدٍ النبيِّ إلى شرحبيلَ بنِ عبدِ كلالٍ ونعيمِ بنِ عبدِ كلالٍ والحرثِ بنِ عبدِ كلالٍ قِيَلَ ذي رعينٍ، أما بعدُ" إلى آخرِ ما هُنَا. (وفيهِ أنَّ منِ اعتبطَ) بالعينِ المهملةِ بعدَها مثناةٌ فوقيةٌ ثمَّ موحَّدةٌ آخرَها طاءٌ مهملةٌ، أي مَنْ قَتَلَ قتيلًا بِلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ توجبُ قَتْلَهُ (مؤمنًا قتلًا عنْ بَيِّنَةٍ فإنهُ قَوَدٌ إلَّا أنْ يَرْضَى أولياءُ المقتولِ) فيهِ دليلٌ على أنَّهم مخيَّرونَ كما قرَّرْنَاهُ. (وإنَّ في النفس الديةَ مائةٌ منَ الإِبِلِ) بدلٌ منَ الديةِ (وفي الأنفِ إذا أُوْعِبَ) [بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الواوِ وكسرِ العينِ المهملة فموحدةٍ (جَدْعُهُ)] (٥) أي قطعَ جميعُهُ (الديةُ، وفي اللسانِ الديةُ) [إذا قُطِعَ منْ أصلِهِ أو ما يمنعُ منهُ الكلامُ] (٦) (وفي الشَّفتين الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الديةُ) إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ، (وفي البيضتينِ الديةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العينينِ الديةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ) إذا قُطِعَتْ منْ مفصلِ الساقِ (وفي المأمومةِ) هي الجنايةُ التي بلغتْ أمَّ الرأسِ وهي الدماغُ أو الجلدةُ الرقيقةُ عليها (ثلثُ الدية، وفي الجائفة) قال في "القاموس" (٧): هي الطعنةُ

стр. 1909

تبلغُ الجوفَ ومثلُه في غيره (ثلثُ الديةِ، وفي المنقِّلَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ نقَّل - مشدَّدُ القافِ - وهيَ التي تخرجُ منْها صغارُ العظامِ وتنتقلُ منْ أماكِنها، وقيلَ التي تنقلُ العَظْمَ أي تَكْسِرُهُ (خمسَ عَشْرَةَ منَ الإبلِ، وفي كلِّ أُصْبُعٍ منْ أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ منَ الإبلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ مِنَ الإبلِ، وفي الموضحَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ أوضحَ وهي التي توضِحُ العظْمَ وتَكْشِفُهُ (خمسٌ منَ الإِبِلِ، وإنَّ الرجلَ يقْتَلُ بالمرأةِ، وعلَى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ. أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيلِ" والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ وابنُ حِبَّانَ وأحمدُ واختلفوا في صِحَّتِهِ)، قالَ أبو داودَ في "المراسيل" (١): قدْ أسندَ هذَا ولا يصحُّ والذي قالَ في إسنادِه سليمانُ بنُ داودَ وَهْمٌ إنَّما هوَ ابنُ أَرْقَمَ (٢). قالَ أبو زرعةَ: عرضْتُه على أحمدَ فقالَ: سليمانُ بنُ داودَ هذا ليسَ بشيءٍ. وقالَ ابنُ حبانَ (٣): سليمانُ بنُ داودَ اليمانيِّ ضعيفٌ، وسليمانُ بنُ داودَ الخولانيُّ ثقةٌ، وكلاهُما يرويانِ عنِ الزهريِّ، والذي يروي حديثَ الصدقاتِ هوَ الخولانيُّ، فَمَنْ ضعَّفهُ ظَنَّ أنَّ الراويَ هو اليمانيُّ. وقالَ الشافعيُّ (٤): لم ينقلُوا هذا الحديثَ حتَّى ثبتَ عندَهم أنهُ كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ . قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهلِ السِّيرِ معروفٌ ما فيهِ عندَ أهلِ العلمِ معرفةٍ يستغنى شهرتُها عنِ الإسنادِ (٦)، لأنهُ أشبهَ المتواترَ لتلقي الناسِ [له] (٧) بالقَبولِ والمعرفةِ. قالَ العقيليُّ (٨): حديثُ ثابتٍ محفوظ إلَّا أنَّا نَرَى أنهُ كتابٌ غيرُ مسموعٍ عمَّنْ فوقَ الزهريِّ.

стр. 1910

وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلمُ في الكتبِ المثقولةِ كتابًا أصحَّ منْ كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ، فإنَّ الصحابة والتابعينَ يرجعونَ إليهِ ويدَعُونَ رأْيَهم. قالَ ابنُ شهابٍ: قرأتُ في كتابِ رسولِ اللهِ ﷺ لعمرِو بنِ حزمٍ حينَ بعثَهُ إلى نجرانَ وكانَ الكتابُ عندَ أبي بكرِ بنِ حزمٍ، وصحَّحَهُ الحاكمُ (١) وابنُ حِبَّانَ (٢) والبيهقيُّ (٣)، وقالَ أحمدُ: أرجُو أنْ يكونَ صحيحًا. وقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ" (٤) بعدَ نَقْلِهِ كلام أئمةِ الحديثِ فيهِ ما لفظُه: قلتُ: وعلَى كلِّ تقديرٍ فهذَا الكتابُ متدَاوَلٌ بينَ أئمةِ الإسلامِ قديمًا وحديثًا يعتمدونَ عليهِ ويفزعُونَ في مهماتِ هذا البابِ إليهِ، ثمَّ ذكرَ كلامَ يعقوبَ بنِ سفيانَ. إذا عرفتَ كلامَ العلماءِ هذا، عرفتَ [أن الحديث] (٥) معمولٌ بهِ وأنهُ أَوْلَى منَ الرأْي المَحْضِ. المسائل الفقهية التي اشتمل عليها الحديث وقدِ اشتملَ على مسائلَ فقهيةٍ: الأُولى: فيمنَ قَتَلَ مؤمنًا اعتباطًا أي بلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ تُوْجِبُ قتلُه كما قدَّمْناهُ، وقالَ الخطابيُّ: اعتبطَ بقتلِه أي قتلَه ظُلْمًا لا عنْ قصاصٍ. وقدْ رُوِيَ الاغتباط بالغينِ المعجمةِ كما يفيدُه تفسيرُه في "سننِ أبي داودَ" فإنهُ قالَ: إنهُ سُئِلَ يَحْيَى بن يَحْيَى الغسانيِّ عنِ الاغتباطِ فقال: القاتلُ الذي يقتلُ في الفتنةِ فَيَرى أنهُ في هُدَى لا يستغفرُ اللهَ تعالَى منهُ. فهذَا يدلُّ أنهُ منَ الغبطةِ بالغينِ المعجمة الفرحُ والسرورُ وحسنُ الحالِ، فإذا كانَ المقتولُ مؤمنًا وفرحَ بقتلِه فإنهُ داخلٌ في هذا الوعيدِ. ودلَّ على أنهُ يجبُ القَوَدُ إلَّا أنْ يرضَى أولياءُ المقتولِ فإنَّهم يخيِّرون بينَه وبينَ الديةِ كما سلفَ. [المسألة] (٦) الثانيةُ: دلَّ الحديث أنَّ قدْرَ الديةِ مائةٌ منَ الإبلِ، وفيهِ دليلٌ أيضًا علَى أنَّ الإبلَ هيَ الواجبةُ وأنَّ بقية الأصنافِ ليستْ بتقديرٍ شرعيٍّ بلْ هيَ

стр. 1911

مصالحةٌ، وإلى هذا ذهبَ القاسمُ والشافعيُّ، وأما أسنانُها فسيأتي الحديث بعدَ هذَا، إلَّا أنَّ قولَه في هذا الحديثِ: (وعلى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ) ظاهرُه أنهُ أيضًا أصلٌ على أهلِ الذَّهبِ، والإبلُ أصلٌ على أهلِ الإبلِ، ويحتملُ أنَّ ذلكَ معَ عدمِ الإبلِ، وأنَّ قيمةَ المائةِ منْها ألفُ دينارٍ في ذلكَ العصرِ. ويدلُّ لهذا ما أخرجَه أبو داودَ (١)، والنسائيُّ (٢) عنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: "أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقوِّمُ ديةَ الخطأِ على أهلِ القُرى أربعُمائةِ دينارٍ أو عدْلُها منَ الورِقِ، ويقوِّمُها علَى أثمانِ الإبلِ إذا غلتْ رفعَ منْ قيمتِها وإذا هاجتْ ورخصتْ نَقَّصَ منْ قيمتِها. وبلغتْ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ما بينَ أربعِمائةِ إلى ثمانمائةِ وعِدْلُها منَ الورِقِ ثمانيةُ آلافِ درهمٍ، قالَ: وقضَى على أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ ومنْ كانَ ديةُ عَقْلِهِ في الشاء بِأَلْفَي شاةٍ". وأخرجَ أبو داودَ (٣) عنِ ابنِ عباس ﵄ أنَّ رجلًا منْ بني عديٍّ قُتِلَ فجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ [دِيَتَهُ] (٤) اثني عَشَرَ ألفًا ومثلُه عندَ الشافعيِّ (٥) وعندَ الترمذيِّ (٦)، وصرَّحَ بأنَّها اثنا عشرَ ألفِ درهمٍ وعندَ أهلِ العراقِ أنَّها مِنَ الورِقِ عشرةُ آلافِ درهمٍ، ومثلُه عنْ عمرَ (٧) ﵁ وذلكَ بتقويمِ الدينارِ بعشرةِ دراهمَ واتفقُوا على تقويمِ المثقالِ بها في الزكاةِ. وأخرجَ أبو داودَ (٨) عنْ عطاءٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ : "قَضَى في الديةِ على أَهْلِ الإبلِ مائةً منَ الإبلِ، وعلى أهلِ البقَرِ مائتيْ بقرةٍ، وعلَى أهلِ الشَّاءِ ألفيْ شاةٍ،
следующие страницы →