← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1907–1946 · переход к 1912.

стр. 1907

[الباب الأول] باب الديات الدِّيَاتُ بتخفيفِ الياء المثناةِ التحتيةِ جمعُ دِيَةٍ، كعِدَاتٍ جمعُ عِدَةٍ. أصلُ ديةٍ وِدْيَةٌ بكسرِ الواوِ مصدرُ وَدَى القتيلُ يدِيْهِ إذا أعْطِيَ وليُّه دِيَتَهُ، حذفتْ فاءُ الكلمةِ وعُوِّضَتْ عنْها [تاءُ] (١) التأنيثِ كما في عِدَةٍ، وهيَ اسمٌ لأعمَّ مما فيهِ القصاصُ وما لا قصاصَ فيهِ. ١/ ١١٠٤ - عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفي اللِّسان الدِّيَةُ، وَفي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفي الْبَيْضَتين الدِّيَةُ، وَفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيةِ، وَفي الْمَأَمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابع الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل، وَفي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل (٢)،

стр. 1908

وَالنَّسَائيُّ (١) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٢) وَابْنُ الْجَارُودِ (٣) وَابْنِ حِبَّانَ (٤) وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا في صِحّتِهِ. [صحيح] (عنْ أبي بكرِ بن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ) بالحاءِ المهملةِ مفتوحةً وسكونِ الزاي، وهوَ تابعيٌّ وَليَ القضاءَ في المدينةِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، اسمُه كنيتُه (عنْ أبيهِ عنْ جدِّه) عمرِو بنِ حزمٍ (أنَّ النبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليمنِ فذكرَ الحديثَ) أولُه: "منْ محمدٍ النبيِّ إلى شرحبيلَ بنِ عبدِ كلالٍ ونعيمِ بنِ عبدِ كلالٍ والحرثِ بنِ عبدِ كلالٍ قِيَلَ ذي رعينٍ، أما بعدُ" إلى آخرِ ما هُنَا. (وفيهِ أنَّ منِ اعتبطَ) بالعينِ المهملةِ بعدَها مثناةٌ فوقيةٌ ثمَّ موحَّدةٌ آخرَها طاءٌ مهملةٌ، أي مَنْ قَتَلَ قتيلًا بِلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ توجبُ قَتْلَهُ (مؤمنًا قتلًا عنْ بَيِّنَةٍ فإنهُ قَوَدٌ إلَّا أنْ يَرْضَى أولياءُ المقتولِ) فيهِ دليلٌ على أنَّهم مخيَّرونَ كما قرَّرْنَاهُ. (وإنَّ في النفس الديةَ مائةٌ منَ الإِبِلِ) بدلٌ منَ الديةِ (وفي الأنفِ إذا أُوْعِبَ) [بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الواوِ وكسرِ العينِ المهملة فموحدةٍ (جَدْعُهُ)] (٥) أي قطعَ جميعُهُ (الديةُ، وفي اللسانِ الديةُ) [إذا قُطِعَ منْ أصلِهِ أو ما يمنعُ منهُ الكلامُ] (٦) (وفي الشَّفتين الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الديةُ) إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ، (وفي البيضتينِ الديةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العينينِ الديةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ) إذا قُطِعَتْ منْ مفصلِ الساقِ (وفي المأمومةِ) هي الجنايةُ التي بلغتْ أمَّ الرأسِ وهي الدماغُ أو الجلدةُ الرقيقةُ عليها (ثلثُ الدية، وفي الجائفة) قال في "القاموس" (٧): هي الطعنةُ

стр. 1909

تبلغُ الجوفَ ومثلُه في غيره (ثلثُ الديةِ، وفي المنقِّلَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ نقَّل - مشدَّدُ القافِ - وهيَ التي تخرجُ منْها صغارُ العظامِ وتنتقلُ منْ أماكِنها، وقيلَ التي تنقلُ العَظْمَ أي تَكْسِرُهُ (خمسَ عَشْرَةَ منَ الإبلِ، وفي كلِّ أُصْبُعٍ منْ أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ منَ الإبلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ مِنَ الإبلِ، وفي الموضحَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ أوضحَ وهي التي توضِحُ العظْمَ وتَكْشِفُهُ (خمسٌ منَ الإِبِلِ، وإنَّ الرجلَ يقْتَلُ بالمرأةِ، وعلَى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ. أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيلِ" والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ وابنُ حِبَّانَ وأحمدُ واختلفوا في صِحَّتِهِ)، قالَ أبو داودَ في "المراسيل" (١): قدْ أسندَ هذَا ولا يصحُّ والذي قالَ في إسنادِه سليمانُ بنُ داودَ وَهْمٌ إنَّما هوَ ابنُ أَرْقَمَ (٢). قالَ أبو زرعةَ: عرضْتُه على أحمدَ فقالَ: سليمانُ بنُ داودَ هذا ليسَ بشيءٍ. وقالَ ابنُ حبانَ (٣): سليمانُ بنُ داودَ اليمانيِّ ضعيفٌ، وسليمانُ بنُ داودَ الخولانيُّ ثقةٌ، وكلاهُما يرويانِ عنِ الزهريِّ، والذي يروي حديثَ الصدقاتِ هوَ الخولانيُّ، فَمَنْ ضعَّفهُ ظَنَّ أنَّ الراويَ هو اليمانيُّ. وقالَ الشافعيُّ (٤): لم ينقلُوا هذا الحديثَ حتَّى ثبتَ عندَهم أنهُ كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ . قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهلِ السِّيرِ معروفٌ ما فيهِ عندَ أهلِ العلمِ معرفةٍ يستغنى شهرتُها عنِ الإسنادِ (٦)، لأنهُ أشبهَ المتواترَ لتلقي الناسِ [له] (٧) بالقَبولِ والمعرفةِ. قالَ العقيليُّ (٨): حديثُ ثابتٍ محفوظ إلَّا أنَّا نَرَى أنهُ كتابٌ غيرُ مسموعٍ عمَّنْ فوقَ الزهريِّ.

стр. 1910

وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلمُ في الكتبِ المثقولةِ كتابًا أصحَّ منْ كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ، فإنَّ الصحابة والتابعينَ يرجعونَ إليهِ ويدَعُونَ رأْيَهم. قالَ ابنُ شهابٍ: قرأتُ في كتابِ رسولِ اللهِ ﷺ لعمرِو بنِ حزمٍ حينَ بعثَهُ إلى نجرانَ وكانَ الكتابُ عندَ أبي بكرِ بنِ حزمٍ، وصحَّحَهُ الحاكمُ (١) وابنُ حِبَّانَ (٢) والبيهقيُّ (٣)، وقالَ أحمدُ: أرجُو أنْ يكونَ صحيحًا. وقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ" (٤) بعدَ نَقْلِهِ كلام أئمةِ الحديثِ فيهِ ما لفظُه: قلتُ: وعلَى كلِّ تقديرٍ فهذَا الكتابُ متدَاوَلٌ بينَ أئمةِ الإسلامِ قديمًا وحديثًا يعتمدونَ عليهِ ويفزعُونَ في مهماتِ هذا البابِ إليهِ، ثمَّ ذكرَ كلامَ يعقوبَ بنِ سفيانَ. إذا عرفتَ كلامَ العلماءِ هذا، عرفتَ [أن الحديث] (٥) معمولٌ بهِ وأنهُ أَوْلَى منَ الرأْي المَحْضِ. المسائل الفقهية التي اشتمل عليها الحديث وقدِ اشتملَ على مسائلَ فقهيةٍ: الأُولى: فيمنَ قَتَلَ مؤمنًا اعتباطًا أي بلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ تُوْجِبُ قتلُه كما قدَّمْناهُ، وقالَ الخطابيُّ: اعتبطَ بقتلِه أي قتلَه ظُلْمًا لا عنْ قصاصٍ. وقدْ رُوِيَ الاغتباط بالغينِ المعجمةِ كما يفيدُه تفسيرُه في "سننِ أبي داودَ" فإنهُ قالَ: إنهُ سُئِلَ يَحْيَى بن يَحْيَى الغسانيِّ عنِ الاغتباطِ فقال: القاتلُ الذي يقتلُ في الفتنةِ فَيَرى أنهُ في هُدَى لا يستغفرُ اللهَ تعالَى منهُ. فهذَا يدلُّ أنهُ منَ الغبطةِ بالغينِ المعجمة الفرحُ والسرورُ وحسنُ الحالِ، فإذا كانَ المقتولُ مؤمنًا وفرحَ بقتلِه فإنهُ داخلٌ في هذا الوعيدِ. ودلَّ على أنهُ يجبُ القَوَدُ إلَّا أنْ يرضَى أولياءُ المقتولِ فإنَّهم يخيِّرون بينَه وبينَ الديةِ كما سلفَ. [المسألة] (٦) الثانيةُ: دلَّ الحديث أنَّ قدْرَ الديةِ مائةٌ منَ الإبلِ، وفيهِ دليلٌ أيضًا علَى أنَّ الإبلَ هيَ الواجبةُ وأنَّ بقية الأصنافِ ليستْ بتقديرٍ شرعيٍّ بلْ هيَ

стр. 1911

مصالحةٌ، وإلى هذا ذهبَ القاسمُ والشافعيُّ، وأما أسنانُها فسيأتي الحديث بعدَ هذَا، إلَّا أنَّ قولَه في هذا الحديثِ: (وعلى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ) ظاهرُه أنهُ أيضًا أصلٌ على أهلِ الذَّهبِ، والإبلُ أصلٌ على أهلِ الإبلِ، ويحتملُ أنَّ ذلكَ معَ عدمِ الإبلِ، وأنَّ قيمةَ المائةِ منْها ألفُ دينارٍ في ذلكَ العصرِ. ويدلُّ لهذا ما أخرجَه أبو داودَ (١)، والنسائيُّ (٢) عنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: "أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقوِّمُ ديةَ الخطأِ على أهلِ القُرى أربعُمائةِ دينارٍ أو عدْلُها منَ الورِقِ، ويقوِّمُها علَى أثمانِ الإبلِ إذا غلتْ رفعَ منْ قيمتِها وإذا هاجتْ ورخصتْ نَقَّصَ منْ قيمتِها. وبلغتْ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ما بينَ أربعِمائةِ إلى ثمانمائةِ وعِدْلُها منَ الورِقِ ثمانيةُ آلافِ درهمٍ، قالَ: وقضَى على أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ ومنْ كانَ ديةُ عَقْلِهِ في الشاء بِأَلْفَي شاةٍ". وأخرجَ أبو داودَ (٣) عنِ ابنِ عباس ﵄ أنَّ رجلًا منْ بني عديٍّ قُتِلَ فجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ [دِيَتَهُ] (٤) اثني عَشَرَ ألفًا ومثلُه عندَ الشافعيِّ (٥) وعندَ الترمذيِّ (٦)، وصرَّحَ بأنَّها اثنا عشرَ ألفِ درهمٍ وعندَ أهلِ العراقِ أنَّها مِنَ الورِقِ عشرةُ آلافِ درهمٍ، ومثلُه عنْ عمرَ (٧) ﵁ وذلكَ بتقويمِ الدينارِ بعشرةِ دراهمَ واتفقُوا على تقويمِ المثقالِ بها في الزكاةِ. وأخرجَ أبو داودَ (٨) عنْ عطاءٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ : "قَضَى في الديةِ على أَهْلِ الإبلِ مائةً منَ الإبلِ، وعلى أهلِ البقَرِ مائتيْ بقرةٍ، وعلَى أهلِ الشَّاءِ ألفيْ شاةٍ،

стр. 1912

وعلى أهلِ الحُللِ مائتي حُلَّةٍ، وعلَى أهلِ القمحِ شيئًا لم يحفظْه محمدُ ابنُ إسحاقَ". وهذا يدلُّ على تسهيلِ الأمرِ وأنهُ ليسَ يجبُ على مَنْ لزمتْه الديةُ إلَّا منَ النوعِ الذي يجدُه ويعتادُ التعاملَ بهِ في ناحيتِه، وللعلماءِ هُنا أقاويلُ مختلفةٌ، وما دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ أولى بالاتباعِ، وهذهِ التقديراتُ الشرعيةُ كما عرفتَ. وقدِ استبدلَ النَّاسُ عُرْفًا في الدِّياتِ وهوَ تقديرُها بسبعمائةِ قرشٍ. ثمَّ إنَّهم يجمعونَ عرُوضًا يقطعُ فيها بزيادةٍ كثيرةٍ في أثمانِها فتكونُ الديةُ حقيقةً نصفَ الديةِ الشرعية، ولا أعرفُ لهذا وجْهًا شرعيًا فإنهُ أمرٌ صارَ مأنوسًا، ومَنْ لهُ الديةُ لا يعذرُ عنْ قبولِ ذلكَ حتَّى أنهُ صارَ منَ الأمثالِ: "قطعُ ديةٍ"، إذا قطعَ شيءٌ بثمنٍ لا يبلغُه. المسألةُ الثالثةُ: قولُه: (وفي الأنفِ إذا أُوْعِبَ جدعُه)، أي استؤصلَ، وهوَ أنْ يقطعَ منَ العظمِ المنحدِرِ منْ مَجْمَعِ الحاجبينِ، فإنَّ فيها الديةَ، وهذَا حكمٌ مُجْمَعٌ عليهِ. واعلم أنَّ الأنفَ مُرَكَّبٌ منْ أربعةِ أشياءَ: منْ قصبةٍ ومارنٍ وأرنبةٍ ورَوْثةٍ. فالقصبةُ هيَ العظْمُ المنحدرُ منْ مَجْمَعِ الحاجبينِ، والمارنُ هوَ الغضروفُ الذي يجمعُ المنخريْنِ، والرَّوْثةُ بالراءِ وبالمثلثةِ طرفُ الأنفِ. وفي "القاموسِ" (١): المارنُ الأنفُ أو طرفُه أوْ ما لانَ منهُ. واختُلِفَ إذا جَنَى على أحد هذهِ، فقيلَ: تلزمُ حكومةٌ عندَ الهادي، وذهبَ الناصرُ والفقهاءُ إلى أنَّ في المارِنِ ديةً لما رواهُ الشافعيُّ (٢) عنْ طاوسَ قالَ: عندَنا في كتابِ رسولِ اللهِ ﷺ : "في الأنفِ إذا قُطِعَ مارِنُه مائةٌ منَ الإبلِ"، قالَ الشافعيُّ: وهذَا أَبْيَنُ منْ حديثِ آلِ حزمٍ، وفي الرَّوْثةِ نصفُ دِية لما أخرجَهُ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ عمرِو بنِ [شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ] (٤): "قَضَى النبيُّ ﷺ إذا قُطِعَتْ ثُنْدُوةُ الأنفِ بنصفِ العقلِ خمسونَ منَ الإبلِ أوْ عَدْلُها منَ الورِقِ أوِ الذهبِ"، قالَ في "النهايةِ" (٥): الثُّنْدُوةُ هنَا روثةُ الأنفِ، وهيَ طرفُه [ومقَدَّمُه] (٦).

стр. 1913

المسألةُ الرابعةُ: قولُه: (وفي اللِّسانِ الديةُ)، أي إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ كما هوَ ظاهرُ الإطلاقِ وهذَا مُجْمَعٌ عليهِ، وهذا إذا قُطِعَ منهُ ما يمنعُ الكلامَ، وأما إذا قُطِعَ ما يبطلُ به بعضَ الحروفِ فحِصَّتُه معتبرةٌ بعَدَدِ الحروفِ، وقيلَ بحروفِ اللسانِ فقطْ وهيَ ثمانيةَ عَشَرَ حَرْفًا، لا حروفَ الحلقِ وهي ستةٌ، ولا حروفَ الشَّفةِ وهيَ أربعةٌ، والأولُ أَوْلَى لأنَّ النُّطْقَ لا يتأتَّى إلَّا باللسانِ. المسألةُ الخامسةُ: قولُه: (وفي الشفتينِ الديةُ)، واحدتها شَفةٌ بفتحِ الشينِ وتكسرُ كما في "القاموس" (١). وحدُّ الشفتينِ منْ تحتِ المنْخَرَيْنِ إلى مُنَتَهَى الشِّدْقَيْنِ في عرضِ الوجْهِ، وفي طولِه منْ أَعْلَى الذَّقْنِ إلى أسفلِ الخدَّيْنِ، وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ. واخْتُلِفَ إذا قُطِعَ إحداهُمَا فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّ في كلِّ واحدةٍ نصفُ الديةِ على سواء، ورُوِيَ عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ في العُلْيَا ثلثًا وفي السُّفْلَى ثلثينِ، إذْ منافعُها أكثرُ لحفظِها للطعامِ والشرابِ. السادسةُ: قولُه: (وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ)، هذَا إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ، فإنْ قَطَعَ الحشفَةَ ففيها الديةُ عندَ مالكٍ وبعضِ الشافعيةِ، واختارَه المهديُّ لمذهب الهادوية. وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا فرقَ بينَ العِنِّيْنِ وغيرِه والكبيرِ والصغيرِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ، وعند الأَكثرِ أنَّ في ذَكَرِ الخصيِّ والعِنِّيْنِ الحكومة. [المسألةُ] (٢) السابعةُ: قولُه: (وفي البيضتينِ الديةُ)، وهوَ حُكْمٌ مُجْمَعٌ عليهِ وفي كلِّ واحدةٍ نصفُ الديةِ. وفي "البحر" (٣) عنْ عليٍّ ﵁ وابنِ المسيِّبِ ﵁ أنَّ في البيضةِ اليُسْرَى ثلثي الديةِ لأنَّ الولدَ يكونُ منْها، وفي اليمنَى ثلثُ الديةِ. المسألة الثامنةُ: أنَّ في الصُّلْبِ الديةَ وهوَ إجماعٌ. والصُّلبُ بالضمِ والتحريك عَظْمٌ منْ لدن الكاهلِ إلى العَجْب، بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الجيمِ، أصلُ الذنَبِ، كالصَّالبة، قالَ تعالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ (٤)، فإنْ ذهبَ المنيُّ معَ الكسْرِ فَدِيَتَانِ. التاسعةُ: أفادَ أنَّ في العينيْنِ الديةَ وهوَ مجمعٌ عليهِ (٥)، وفي إحدَاهما

стр. 1914

نصفُ الديةِ وهذَا في العينِ الصحيحةِ. واختُلِفَ في الأعورِ إذا ذهبتْ عينُه بالجناية فذهبَ الهادي والحنفية والشافعية إلى أنهُ يجبُ فيها نصفُ الديةِ إذْ لم يفصِّلِ الدليلُ، وهوَ هذَا الحديثُ، وقياسًا على مَنْ له يدٌ واحدةٌ فإنهُ ليسَ لهُ إلَّا نصفَ الديةِ وهو مجمعٌ عليهِ. وذهبَ جماعةٌ منَ الصحابةِ ومالكٌ وأحمدُ إلى أنَّ الواجبَ فيها ديةٌ كاملةٌ لأنَّها في معنَى العينَيْنِ. واختلفُوا إذا جَنَى على عينٍ واحدةٍ، فالجمهورُ على ثبوتِ القَوَدِ لقولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (١) وعنْ أحمدَ أنهُ لا قَوَدَ فيها. العاشرةُ: قولُه: (وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ)، وحدُّ الرِّجْلِ [الذي تجبُ] (٢) فيها الديةُ منْ مَفْصِلِ الساقِ، فإنْ قطعَ منَ الركبةِ لزمَ الديةَ وحكومةً في الزائدِ. واعلمْ أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (٣) عنِ الزُّهْريِّ أنهُ قرأَ في كتابِ عمروِ بنِ حزمٍ: وفي الأُذُنِ خمسونَ منَ الإبلِ، قالَ: ورُوِّينَا (٤) عنْ عليٍّ وعمرَ أَنَّهما قَضَيَا بذلكَ. وَرَوى البيهقيُّ (٥) منْ حديثِ معاذِ أنهُ قالَ: وفي السَّمْعِ مائةٌ منَ الإبلِ وفي العَقْلِ مائةٌ منَ الإبلِ، وقالَ البيهقيُّ: إسنادُه ليسَ بقويٍّ. قالَ ابنُ كثيرٍ: لأنهُ منْ روايةِ رِشْدينَ بنِ سَعْدٍ المصريِّ وهوَ ضعيفٌ (٦)، قالَ زيدُ بنُ أسلمَ: مضتِ السُّنةُ أنَّ في العقْلِ إذا ذهبَ الديةَ، رواهُ البيهقيُّ (٧). الحاديةَ عَشْرةَ: [الحديث] (٨) أنَّ في المأمومةِ (٩) والجائفةِ (١٠) وتقدَّم تفسيرُهما

стр. 1915

في كلِّ واحدةٍ [ثلثُ الديةِ] (١)، قالَ الشافعيُّ: لا أعلمُ خِلَافًا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: في الجائفةِ ثلثُ الديةِ، ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ". وقالَ في "نهاية المجتهدِ" (٢): اتفقُوا علَى أنَّ الجائفةَ منْ جراحِ الجسدِ لا منْ جراحِ الرأسِ وأنهُ لا يقادُ منْها وأنَّ فيها ثلثَ الديةِ وأنَّها جائفةٌ متَى وقعتْ في الظَّهْرِ والبْطَنِ. واختلفُوا إذا وقعتْ في غيرِ ذلكَ منَ الأعضاءِ فنفذتْ إلى تجويفِه، فحكَى مالكٌ عنْ سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّ في كلِّ جراحةٍ نافذةٍ إلى تجويفِ عُضْوٍ منَ الأعضاءِ أيِّ عُضوٍ كانَ ثلثُ دِيَةِ ذلكَ العضوِ، واختارَهُ مالكٌ، وأما سعيدٌ فإنهُ قاسَ ذلكَ على الجائفةِ نحوِ ما رُوِيَ عنْ عمرَ ﵁ في موضِحَةِ الجسدِ. المسألة الثانيةَ عشْرةَ: في المنقِّلةِ خمسَ عَشْرَةَ منَ الإبلِ وتقدَّم تفسيرُها. الثالثةَ عشْرةَ: أفادَ أنَّ في كلِّ أصْبُعٍ عشر منَ الإبلِ سواءٌ كانتْ منَ اليدينِ أو الرِّجْلَيْنِ فإنَّ فيها عَشْرًا، وهوَ رأيُ الجمهورِ. وفي حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ مرفوعًا بلفظِ: "والأصابعُ سواءٌ"، أخرجَهُ أحمدُ (٣)، وأبو داودَ (٤). وقدْ كانَ لعمَرَ في ذلكَ [رأيٌ] (٥) آخرُ ثمَّ رجعَ إلى الحديثِ لما رُوِيَ لهُ. الرابعةَ عَشْرةَ: أنهُ يجبُ في كلِّ سِنٍّ خمسٌ منَ الإبلِ وعليهِ الجمهورُ، وفيهِ خلافٌ ليسَ لهُ دليلٌ يقاوِمُ الحديثَ. الخامسةَ عَشْرةَ: أنهُ يلزمُ في الموضِحَةِ خمسٌ منَ الإبلِ وإليهِ ذهبَ الهادويةُ والفريقانِ، وفيهِ خلافٌ، وليسَ لهُ ما يقاوِمُ النصَّ. فائدةٌ: رَوَى البيهقيُّ (٦) عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ في الهاشِمَةِ عَشْرًا منَ الإبلِ، وحكاهُ البيهقيُّ عنْ عددٍ منْ أهلِ العلمِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أنَّ عمرَ بنَ

стр. 1916

الخطابِ ﵁ "قَضَى في رجلٍ ضُرِبَ فذهبَ سمعُه وبصرُه وعقلُه ونِكاحُه بأربعِ دياتٍ"، رواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ. ورَوَى النسائيُّ (١) منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ : "قَضَى في العينِ العوراءِ السادَّةِ لمكانِها إذا طُمِسَتْ بثُلُثِ ديتها، وفي اليد الشلَّاء إذا قُطعت بثلث ديتها، وفي السِّنِّ السوداء إذا نُزِعَت بِثُلُثِ دِيتَها"، ذكرَه ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ، وأما قولُه: (وإنَّ الرجلَ يُقْتَلَ بالمرأةِ)، فتقدَّمَ الكلامُ فيهِ. اعتبار أسنان الإبل في الدية ٢/ ١١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "دِيَةُ الْخَطَإِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُون، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٣) بلَفْظِ: "وَعِشْرُونَ بنِي مَخَاضٍ" بَدَلَ لَبُونٍ. وَإِسْنَادُ الأَوَّلِ أَقْوَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوع. [ضعيف] (وعنْ ابنِ مسعودٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: ديةُ الخطأِ أخماسًا) أي تُؤْخَذُ أو

стр. 1917

تجبُ. بيَّنه قوله: (عشرونَ حِقَّةً وعشرونَ جَذَعَةً وعشرونَ بناتِ مخاضٍ وعشرونَ بناتِ لبونٍ وعشرونَ بني لبونٍ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ، وأخرجَه الأربعةُ بلفظِ: وعشرونَ بني مخاضٍ بدلَ بني لبونٍ وإسنادُ الأَوَّلِ أَقْوَى) أي منْ إسنادِ، الأربعةِ فإنَّ فيهِ خِشْفَ بنَ مالكٍ الطائي، قالَ الدارقطنيُّ (١): [إنهُ رجلٌ] (٢) مجهولٌ، وفيهِ الحجَّاجُ بنُ أرطأةَ (٣). واعلمْ أنهُ اعترضَ البيهقيُّ (٤) علَى الدارقطنيِّ وقالَ: إنَّ جعْلَه لبني اللبونِ غلطٌ منهُ، ثمَّ قالَ البيهقيُّ: والصحيحُ أنهُ موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ والصحيحُ عنْ عبدِ اللهِ أنهُ جعلَ أحدَ أخماسِها بني المخاضِ لا كما توهَّم شيخُنا الدارقطنيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى. والحديثُ دليلٌ على أنَّ ديةَ الخطأِ تُؤْخَذُ أخماسًا كما ذكرَ وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ وجماعةٌ منَ العلماءِ، وإلى أنَّ الخامسَ بنو لبونٍ وعنْ أبي حنيفةَ أنهُ بنو مخاضٍ كما في روايةِ الأربعةِ، وذهبَ الهادي وآخرونَ إلى أنَّها تُؤخَذُ أرباعًا بإسقاطِ بني اللبونِ، واستدلَّ لهُ بحديثٍ لم يثبتْه الحفَّاظُ، وذهبُوا إلى أنَّها أرباعٌ مطْلقًا. وذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنَّ الديةَ تختلفُ باعتبارِ العمْدِ وشبهِ العمْدِ والخطأِ، فقالُوا: إنَّها في العمدِ وشبهِ العمدِ تكونُ أثلاثًا كما في الخطأِ، وأما التغليظُ في الديةِ فإنهُ ثبتَ عنْ عمرَ وعثمانَ ﵄ فيمنْ قُتِلَ في الحرمِ بديةٍ وثلثٍ تغليظًا، وثبتَ عنْ جماعةٍ القولُ بذلكَ ويأتي الكلامُ فيهِ. (وأخرجَهُ) أي حديثَ ابنِ مسعودٍ (ابنُ أبي شيبةَ منْ وجْهٍ آخرَ موقُوفًا) علَى ابنِ مسعودٍ (وهوَ أصحُّ منَ المرفوعِ). ٣/ ١١٠٦ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ (٦) مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ

стр. 1918

عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ: "الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاُثونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً، في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا". [حسن] (وأخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ منْ طريقِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ رَفَعَهُ) إلى النبيِّ ﷺ بلفظ: (الديةُ ثلاثونَ جَذَعَةً وثلاثونَ حِقَّةً وأربعونَ خِلفَةً في بطونِها أولادُها)، وتقدَّم تفسيرُ هذهِ الأسنانِ في الزكاةِ. الثلاثة العتاة أزيد من غيرهم في العتو ٤/ ١١٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ في حَرَم اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيّةِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ في حَدِيثٍ صَحَّحَهُ (١). [إسناده حسن] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: إنَّ أَعْتَى) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ العينِ المهملةِ فمثناةٍ فوقيةٍ فألفٍ مقصورةٍ، اسمُ تفضيلٍ منِ العتُوِّ وهوَ التجبُّرُ، (الناسِ علَى اللهِ ثلاثةٌ: مَنْ قَتَلَ في حرمِ اللهِ تعالَى، أوْ قَتَلَ غيرَ قاتلِهِ، أَو قَتَلَ لِذَحْلِ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ الثأرُ وطلبُ المكافأةِ بجنايةٍ جُنِيَتْ عليهِ منْ قَتْلٍ أوْ غيرِه (الجاهليةِ. أخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ في حديثٍ صحَّحَهُ). الحديثُ دليلٌ علَى أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ أَزْيَدُ في العُتُوِّ على غيرِهم منَ العتاةِ: الأولُ: مَنْ قَتَلَ في الحرمِ فمعصيةُ قَتْلِهِ تزيدُ على مَعْصِيَةِ مَنْ قَتَلَ في غيرِ الحرمِ، وظاهرُه العمومُ لحرمِ مكةَ والمدينةَ، ولكنَّ الحديثَ وردَ في غزاةِ الفتحِ

стр. 1919

في رجلٍ قَتَلَ بالمزدلفةِ إلَّا أنَّ السببَ لا [يخصص] (١) بهِ إلَّا أنْ يُقَالَ الإضافةُ عهديةٌ والمعهودُ حرمُ مكةَ. وقدْ ذهبَ الشافعيُّ إلى التغليظِ [بالديةِ] (٢) على مَنْ وقعَ منهُ قَتْلُ الخطأِ في الحرمِ أو قَتل محرِمًا منَ النسبِ أو قَتَلَ في الأشهرِ الحرُمِ، قالَ: لأنَّ الصحابةَ غلَّظُوا في هذهِ [الأمورِ] (٣). وأخرجَ السديُّ عنْ مُرَّةَ عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ: "ما مِنْ رجلٍ يهمُّ بسيئةٍ فتكتبُ عليهِ إلَّا أنَّ رجلًا لَوْ هَمَّ بعدنٍ أنْ يقتلَ رجلًا بالبيتِ الحرامِ إلَّا أذاقَه اللهُ تعالَى منْ عذابٍ أليمٍ" (٤)، وقدْ رَفَعَهُ في روايةٍ. قلتُ: وهذا مبنيٌّ علَى أنَّ الظرفَ في قولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) متعلِّقٌ بغيرِ الإرادةِ بلْ بالإلحادِ وإنْ كانتِ الإرادةُ في غيرِه والآيةُ محتمَلَةٌ. ووردَ في التغليظِ في الديةُ حديثُ عمروِ بنِ شعيبٍ مرفُوعًا بلفظِ: "عَقْلُ شِبْهِ العمْدِ مغلَّظٌ مِثْلُ قَتْلِ العمْدِ ولا يقتلُ صاحبُه، وذلكَ أنْ ينزوَ الشيطانُ بينَ الناسِ فتكونُ دماءٌ في غيرِ ضَغِينَةٍ ولا حَمْلِ سلاحٍ"، رواهُ أحمدُ (٦) وأبو داودَ (٧). الثاني: مَنْ قتلَ غيرَ قاتلِه، أي منْ كانَ لهُ دمٌ عندَ شخصٍ فيقتلُ رجلًا آخرَ غيرَ مَنْ عندَه لهُ الدمُ سواءٌ كانَ له مشاركةٌ في القتلِ أوْ لا. الثالثُ: قولُه: (أو قَتَلَ لِذَحْلِ الجاهليةِ)، تقدَّم تفسيرُ الذَّحْلِ وهوَ العداوةُ [أيضًا، و] (٨) قدْ فسَّرَ الحديثَ حديثُ أبي شريحٍ الخزاعيِّ أنهُ ﷺ قالَ: "أعتى الناسِ مَنْ قَتَلَ غيرَ قاتِلِه، أوْ طُلِبَ بدمٍ في الجاهليةِ منْ أهلِ الإسلامِ، أوْ بصَّرَ عينيه ما لم تبصرْ"، أخرجَهُ البيهقيُّ (٩).

стр. 1920

كيف تغلظ الدية ٥/ ١١٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ وَشبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الإِبل، مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ألا إنَّ دِيةَ الخطأِ وشِبْهِ العمْدِ) ما كانَ بالسَّوطِ والعَصَا (مائةٌ منَ الإِبلِ، منْها أربعونَ في بُطُونِها أولادُها. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ). قالَ ابنُ القطانِ (٥): هوَ صحيحٌ ولا يضرُّه الاختلافُ. وتقدَّم الكلام في الحديثِ، وإنَّما ذكرهُ المصنفُ لأنهُ تفسير للحديثِ الذي سلفَ منْ حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ وفيهِ تغليظُ [العقلِ في] (٦) الخطأِ، ولم يُبَيِّنْهُ هنالكَ فبيَّنَهُ هُنَا. مقدار دية الأعضاء ٦/ ١١٠٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "هَذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ، يعني الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٧). وَلأَبي دَاوُدَ (٨) والتِّرْمِذِيِّ (٩): "الأَصَابعِ

стр. 1921

سَوَاءٌ؛ وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ". وَلابنْ حِبَّانَ (١): "دِيَةُ أَصَابعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْن سَوَاءٌ، عَشَرَةٌ مِنَ الإِبلِ لكُلِّ إِصْبَعٍ". [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵁ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: هذهِ وهذهِ سواءٌ، يعني الخنصرَ والإبهامَ. رواهُ البخاريُّ. ولأبي داودَ والترمذيِّ) [أي منْ حديثِ] (٢) عن ابنِ عباسٍ [أيضًا] (٣): (الأصابعِ سواءٌ) هذَا أعمُّ منَ الأَوَّلَ (والأسنانُ سواءٌ) زادَهُ بيانًا بقولِه: (الثنيَّةُ والضَّرسُ سواءٌ) فلا يقالُ الديةُ على قَدْرِ النَّفْعِ والضِّرسُ أنفعُ في المضْغِ (ولابنِ حِبَّانَ) أي منْ حديثِ ابنِ عباسٍ: (ديةُ أصابعِ اليدينِ والرِّجْلَيْنِ سواءٌ عَشَرَةٌ منَ الإِبلِ لكلَّ أُصْبُعٍ)، [تقدم] (٤) الكلامَ في هذا مُسْتَوْفَى. ضمان المتطبب لما أَتلفه ٧/ ١١١٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ ﵁ رَفَعَهُ قَالَ: "مَنْ تَطَيَّبَ -وَلم بَكُنْ بالطِّبِّ مَعْرُوفًا - فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٥) وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٦)، وَهُوَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ (٧) وَالنَّسَائِيِّ (٨) وَغَيْرِهِمَا (٩)، إِلَّا أَنَّ منْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وصلَهُ. [حسن] (وعنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ رفعَهُ قالَ: مَنْ تَطَبَّبَ)، أيْ تكلَّفَ الطبَّ ولم يكنْ طبيبًا كما يدلُّ لهُ صيغةُ تَفَعَّلَ (ولمْ يكنْ بالطبِّ مَعْروفًا فأصابَ نَفْسًا فما دونَها فهوَ ضَامِنٌ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ وهوَ عندَ أبي داودَ والنسائيِّ وغيرِهما إلَّا أنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى ممنْ وَصَلَهُ).

стр. 1922

الحديثُ دليلٌ على تضمينِ المتطبِّبِ [بما] (١) أتلفَهُ منْ نَفْسٍ فما دونَها سواءٌ أصابَ بالسِّرايةِ أو بالمباشرةِ، وسواءٌ كانَ عَمْدًا أو خَطَأً، وقدِ ادَّعَى على هذا الإجماعَ، قال في "نهايةِ المجتهدِ" (٢): إذا أَعَنْتَ المتطببَ كان عليهِ الضربُ والسجنُ والديةُ في مالهِ، وقيلَ على العاقلةِ. اعلمْ أنَّ المتطببَ هوَ مَنْ ليسَ لهُ خبرةٌ بالعلاجِ وليسَ لهُ شيخٌ معروفٌ، والطبيبُ الحاذِقُ هوَ مَنْ لهُ شيخٌ معروفٌ وَثِقَ منْ نَفْسِهِ بجودةِ الصَّنْعَةِ وَإِحْكَامِ المعرفةِ. قالَ ابنُ القِّيم (٣) في "الهدي النبويِّ": إنَّ الطبيبَ الحاذِقَ هوَ الذي يُرَاعِي في علاجهِ عشرينَ أَمرًا وَسَرَدَهَا هنالكَ. قالَ: والطبيبُ الجاهلُ إذا تعاطَى عِلْمَ الطبِّ أو علَّمَهُ ولم يتقدمْ لهُ بهِ معرفةٌ فقدْ هَجَمَ بجهلِه على إتلافِ الأنفسِ، وأقدمَ بالتهوُّرِ على ما لا يعلمُه، فيكونُ قدْ غرَّرَ بالعليلِ فيلزمُه الضمانُ. وهذا إجماعٌ منْ أهلِ العلمِ. قالَ الخطابيُّ (٤): لا أعلمُ خِلَافًا في أنَّ المعالِجَ إذا تعدَّى فَتَلِفَ المريضُ كانَ ضامِنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفُه متعدٍّ، فإذا تولَّدَ منْ فعلهِ التلفُ ضمنَ الديةَ وسقطَ عنهُ القودُ لأنهُ لا يستبدُّ بذلكَ دونَ إذْنِ المريضِ، وجنايةُ الطبيبِ على قولِ عامةِ أهلِ العلمِ على عاقلتِه اهـ. وأما إعناتُ الطبيبِ الحاذقِ فإنْ كانَ بالسِّرايةِ لم يضمنِ اتفاقًا لأنَّها سرايةُ فعلِ مأذونِ فيهِ منْ جهةِ الشرعِ ومنْ جهةِ المعالِجِ، وهكذَا سرايةُ كلِّ مأذونٍ فيهِ لم يتعدَّ الفاعلُ في سببهِ كسرايةِ الحدِّ وسرايةِ القصاصِ عندَ الجمهورِ خلافًا لأبي حنيفةَ ﵁ فإنهُ أوجبَ الضمانَ بها. وفرَّقَ الشافعيُّ بينَ الفعلِ المقدَّرِ شَرْعًا كالحدِّ وغيرِ المقدَّرِ كالتعزيرِ، فلا يضمنُ في المقدَّرِ ويضمنُ في غيرِ المقدَّرِ لأنهُ راجعٌ إلى الاجتهادِ، فهوَ في مظنةِ العدوانِ. وإنْ كانَ الإعناتُ بالمباشرةِ فهوَ مضمونٌ عليهِ إنْ كانَ عَمْدًا، وإنْ كانَ خطأً فعلَى العاقلةِ.

стр. 1923

٨/ ١١١١ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَزَادَ أَحْمَدُ: "وَالأَصَابعُ سَوَاة، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣) وَابْنُ الْجَارُودِ (٤). [حسن] (وعنهُ) أي عنْ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (أنهُ ﷺ قالَ: في المواضحِ) جمعُ موضحةٍ (خمسٌ خمسٌ منَ الإبلِ. رواه أحمد والأربعةُ. وزادَ أحمدُ: والأصابعُ سواءٌ كلُّهنَّ عشرٌ عشرٌ مِنَ الإبلِ. وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وهوَ [موافق لما] (٥) تقدَّمَ في حديثِ كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ. وموضحةُ الوجهِ والرأسِ سواءٌ بالإجماعِ إذْ هُما كالعضوِ الواحدِ. دية أهل الذمة نصف دية المسلم ٩/ ١١١٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ أَهْلِ الذِّمّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمينَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَالأَرْبَعَةُ (٧). وَلَفْظُ أَبي دَاوُدَ (٨): "دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ"، وَلِلنَّسَائِيُّ (٩): "عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١٠). [حسن]

стр. 1924

(وعنة) أي عنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه (قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : عقلُ أهل الذمةِ نصفُ عقلِ المسلمينَ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ، ولفظُ أبي داودَ: ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ الحرِّ. وللنسائيِّ: عقلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثلثَ منْ دِيَتَها. وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ)، لكنَّه قالَ ابنُ كثيرٍ إنهُ منْ روايةِ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ وهوَ إذا رَوَى عنْ غيرِ الشاميينَ لا يُحْتَجُّ بهِ عندَ جمهورِ الأئمةِ وهذَا منهُ. قلتُ: تعنَّتُوا في إسماعيلَ بنِ عياشٍ إذا رَوَى عنْ غيرِ الشاميينَ وقَبولُه في الشاميينَ، والذي يُرَجَّحُ عندَ الظنِّ قبولُه مُطْلَقًا لثقتِه وضَبْطِه، وكأنهُ لذلكَ صحَّحَ ابنُ خزيمةَ هذهِ الروايةَ وهيَ عنْ إسماعيلَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، وابنُ جريجٍ ليسَ بشاميٍّ. واعلمْ أنهُ اشتملَ الحديثُ على مسألتينِ. الأُوْلَى: في دِيَةِ أهلِ الذمةِ وهاهُنا للعلماءِ ثلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: أنَّها نصفُ ديةِ المسلمِ كما أفادهُ الحديثُ. قالَ الخطابيُّ في "معالِمِ السُّننِ" (١): ليسَ في ديةِ أهلِ الكتابِ شيءٌ أَبْيَنُ مِنْ هذَا وإليهِ ذهبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وهوَ قولُ مالكٍ، وابنِ شِبْرَمةَ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، غيرَ أنَّ أحمدَ قالَ: إذا كانَ القتلُ خطأً، فإنْ كانَ عَمْدًا لم يُقَدْ بهِ وتُضَاعَفْ عليهِ اثني عشَرَ ألفًا. وقالَ أصحابُ الرأي وسفيانُ الثوريُّ: ديتُه ديةُ المسلمِ وهوَ قولُ الشعبيِّ والنخعيِّ ويُرْوَى ذلكَ عنْ عمرَ وابنِ مسعودٍ.

стр. 1925

وقالَ الشافعيُّ وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ: ديتُه الثلثُ منْ ديةِ المسلمِ"، انتهى. فعرفتَ أنَّ دليلَ القولِ الأولِ حديثُ [الباب] (١). واستدلَّ "للقولِ الثاني" وهوَ قولُ الحنفيةِ وإليه ذهبَ الهادويةُ بقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، قالُوا: فَذَكَرَ الديةَ والظاهرُ فيها الإكمالُ، وبما أخرجَهُ البيهقيُّ (٣) عنِ ابنِ جريجٍ عنِ الزُّهْرِيّ قالَ: كانتْ ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ في زمنِ النبيِّ ﷺ مثلَ ديةِ المسلمينَ. الحديثَ". وأُجِيْبَ بأنَّ الديةَ مجملةٌ وحديثُ الزُّهْريِّ مرسلٌ، ومراسيلُ الزهريِّ قبيحةٌ وذَكَرُوا آثارًا كلُّها ضعيفةٌ الإسنادِ. ودليلُ "القولِ الثالثِ" هوَ مفهومُ قولهِ في حديثِ عمرِو بنِ حزمٍ (٤): "وفي النَّفْسِ المؤمنةِ مائةٌ منَ الإبِلِ"، فإنهُ دلَّ على أنَّ غيرَ المؤمنةِ بخلافِها، وكأنهُ جعلَ بيانَ هذَا المفهومَ ما أخرجَهُ الشافعيُّ (٥) نفسُه عنِ ابنِ المسيِّبِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ "قَضَى في ديةِ اليهوديِّ والنصرانيِّ بأربعةِ آلافٍ، وفي ديةِ المجوسيِّ بثمانمائةٍ"، ومثلُه (٦) عنْ عثمانَ ﵁، فجعلَ قضاءَ عمرَ ﵁ مبيّنًا للقدْر الذي أَجْملَهُ مفهومَ الصفةِ، ولا يخْفَى أنَّ دليلَ القولِ الأوَّلِ أَقْوَى لا سيِّما وقدْ صحَّحَ الحديثَ إمامانِ منْ أئمةِ السُّنةِ. دية المرأة وأرش جراحها على النصف من الرجل المسألةُ الثانيةُ: ما أفادَه قولُه: (وللنسائيِّ) أي منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (عقلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثلثَ منْ ديتِها). هوَ دليلٌ على أنَّ أَرْشَ جراحاتِ المرأةِ يكونُ كأرشِ جراحاتِ الرَّجلِ إلى

стр. 1926

الثُّلثِ، وما زادَ عليهِ كانَ جراحتُها مخالفةً لجراحاتِه، والمخالفةُ بأنْ يلزمَ فيها نصفُ ما يلزمُ في الرجلِ وذلكَ لأنَّ ديةَ المرأةِ علَى النصفِ منْ ديةِ الرجلِ لقولِه ﷺ في حديثِ معاذٍ (١): "ديةُ المرأةِ على النصفِ منْ ديةِ الرجلِ"، وهوَ إجماعٌ فيقاسُ عليه ما دلَّ عليه مفهومُ المخالفةِ منْ أرشِ جراحةِ المرأةِ على الديةِ الكاملةِ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ منَ الفقهاءِ وهوَ قولُ عمرَ وجماعةٍ منَ الصحابةِ. وذهبَ عليٌّ ﵁ والهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى أنَّ دِيَةَ المرأةِ وجراحاتِها على النِّصْفِ مِنْ ديةِ الرَّجُلِ. وأخرجَ البيهقيُّ (٢) عنْ عليٍّ أنهُ كانَ يقولُ: "جراحاتُ النساءِ على النصفِ مِنْ ديةِ الرجلِ فيما قلَّ وكَثُرَ". ولا يخْفَى أنهُ قدْ صحَّحَ ابنُ خزيمةَ (٣) حديثَ: "إنَّ عَقْلَ المرأةِ كَعقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثُّلُثَ"، فالعملُ بهِ متعيِّنٌ والظنُّ بهِ أَقْوى، وبهِ قالَ فقهاءُ المدينةِ السبعةِ وجمهورُ أهلِ المدينةِ، وهوَ مذهبُ مالكٍ وأحمدَ ونقلَه أبو محمدٍ المقدسيِّ عنْ عمرَ وابنِه [عبد اللهِ] (٤) قالَ: ولا نعلمُ لهما مخالفًا منَ الصحابةِ إلَّا عنْ عليٍّ ﵁، ولا نعلمُ ثبوتَه عنهُ. قالَ ابنُ كثيرٍ: قلتُ هوَ ثابتٌ عن علي ﵇، وفي المسألةِ أقوالٌ أخرُ بلا دليلٍ ناهضٍ. إذا وقعت الجراح بحجر ونحوه من غير قصد فهي شبه عمد ١٠/ ١١١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ

стр. 1927

مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتلُ صَاحِبُهُ، وَذَلكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَينَ النَّاسِ في غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سلَاح"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ (١). [حسن] (وعنهُ) أي عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : عَقْلُ شِبْهِ العمْدِ مغلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العمْدِ)، بَيَّنَهُ في حديثِ أبي داودَ بلفظِ: "مائةٌ منَ الإبلِ منْها أربعونَ في بطونِها أولادُها"، وتقدَّم (٢). (ولا يُقْتَلُ صاحبُه) وبيَّنَ شِبْهَ العمدِ بقولِه: (وذلكَ أنْ ينزوَ) النَّزْوُ بفتحِ النونِ فزايٍ فواوٍ، أي يثبُ (الشيطانُ فتكونُ دماءٌ بينَ الناسِ في غيرِ ضغينة ولا حَمْلِ سلاحٍ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وضعَّفهُ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ (٣) بإسناد لم يضعِّفْهُ. والحديثُ دليلٌ أنهُ إذا وقعَ الجراحُ منْ غيرِ قَصْدٍ إليهِ ولم يكنْ بسلاحٍ بلْ بحجرٍ أو عَصَا أو نحوِهما فإنهُ لا قَوَدَ فيهِ وأنهُ شِبْهُ العمدِ فيلزمُ فيهِ الديةُ مغلَّظةً كما تقدَّم في ديةِ العمدِ. وقدْ تقدَّمَ أنَّ الديةَ في العمْدِ وشِبْهِ العمْدِ تكونُ أثْلاثًا عندَ الشافعيِّ ومالكٍ، وأنَّها أرباعٌ عندَ الهادويةِ، وتقدَّم ذلكَ. وأما أنَّها تكونُ أخماسًا كما أفادَه حديثُ ابنِ مسعودٍ الماضي في الخطأِ (٤) فتقدَّم أنهُ قالَ بهِ أصحابُ الرأْي وغيرُهم. وفيهِ دليلٌ علَى إثْباتِ شِبْهِ العمْدِ وقدَّمْنَا أنهُ الحقُّ. ١١/ ١١١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَي عَشَرَ أَلْفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (٥) وَرَجّحَ

стр. 1928

النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١). [مرسل] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قَتَلَ رجلٌ رجلًا علَي عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ فجعلَ النبيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا) بَيَّنَ البيهقيُّ (٢) أنَّ المرادَ دِرْهمًا (رواه الأربعةُ ورجَّحَ النسائيُّ وأبو حاتمٍ إرسالَه). وقدْ أخرجَ البيهقيُّ عنْ عليٍّ ﵁ وعائشةَ وأبي هريرةَ (٣) وعمرَ بنِ الخطابِ (٤) ﵃ مثلَ هذا. وإنَّما رجَّحَ النسائي وأبو حاتمٍ إرسالَه لما قالَه البيهقيُّ (٥) إنَّ محمدَ بنَ ميمونٍ راويهِ عنْ سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ عنْ عمرِو بنِ دينارٍ عنْ عكرمةَ عنِ ابنِ عباسٍ إنَّما قالَ لنا فيهِ عنِ ابنِ عباسٍ مرةً واحدةً وأكثرُ ما كانَ يقولُ عنْ عكرمةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، انتَهى. قلتُ: وزيادةُ العدْلِ مقبولةٌ، وكونُه قالَها مرةً واحدةً كافٍ في الرفعِ فإنهُ لو اقتصَرَ عليها لحكمَ برفعِ الحديثِ، فإرسالُه مرارًا لا يقدَحُ في رفْعِهِ مرةً واحدةً. وإلى هذَا ذهبَ أكثرُ [أهل العلم، وذهبت] (٦) الهادويةُ وأهلُ العراقِ أنَّها عَشْرةُ آلافِ درهمٍ، واستدلَّ لهُ في "البحرِ" (٧) بقولِه: لقولِ عليٍّ ﵇ وهوَ توقيفٌ، انتَهى. إلَّا أنهُ لم يطَّرِدْ له هذَا المعنَى فيما ينقلُه عنْ عليٍّ ﵁ بلْ تارةً يقولُ مثلَ هذَا وتارةً يقولُ: إنَّ قولَ عليٍّ اجتهادٌ ﵁ ولا يلزمُنا، ودَعْوى التوقيفِ غيرُ [صحيح] (٨) إذْ مثلُ هذا فيهِ للاجتهادِ مَسْرحٌ. لا يطالب أحد بجناية غيره ١٢/ ١١١٥ - وَعَنْ أَبي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، فَقُلْتُ: ابْنِىِ وَأَشْهَدُ بِهِ. فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ".

стр. 1929

رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي رِمْثَةَ) (٤) بكسرِ الراءِ وسكونِ الميمِ وبالمثلثةِ، اسمُه رفاعةُ بنُ يثربيٍّ بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وسكونِ المثلثةِ فراءٍ فموحدةٍ فياءِ النسبةِ. قَدِمَ على النبيِّ ﷺ وعدادُه في أهلِ الكوفةِ. (قالَ: أتيتُ النبيَّ ﷺ ومعي ابني فقالَ: مَنْ هذَا؟ فقلتُ: ابني وأشهدُ بهِ، قالَ: أما إنهُ لا يجني عليكَ ولا تجني عليهِ. رواهُ النسائيُّ وأبو داودَ وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وأخرجَهُ أحمد (٥) وأبو داودَ (٦) والترمذيُّ (٧) وابنُ ماجهْ (٨) منْ حديثِ عمرِو بنِ الأحوصِ أنهُ شهدَ حَجَّةَ الوداعِ معَ النبيِّ ﷺ فقالَ: "لا يجني جانٍ إلَّا علَى نفسِه، ولا يجني جانٍ علَى ولدِه"، وفي البابِ رواياتٌ أخرُ تعضِّدُهُ. والجنايةُ الذَّنْبُ أو ما يفعلُه الإنسانُ مما يوجبُ عليهِ العقابَ أوِ القصاصِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يُطَالبُ أحدٌ بجنايةِ غيرِه سواءٌ كانَ قريبًا كالأبِ والولدِ وغيرِهما أوْ أجنبيًا، فالجاني يُطْلَبُ وحدَه بجنايتهِ ولا يطالبُ بجنايتِه غيرُه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٩). فإنْ قلتَ: قدَ أمرَ الشارعُ بِتَحَمُّلِ العاقلةِ الديةَ في جنايةِ الخطأِ والقسامةِ. قلتُ: هذا مخصَّصٌ منَ الحكْمِ العامِّ، وقيلَ إنَّ ذلكَ ليسَ منْ تَحمُّلِ الجنايةِ بلْ مِنْ بابِ التعاضدِ والتناصرِ فيما بينَ المسلمينَ.

стр. 1930

[الباب الثاني] باب دعوى الدم والقَسامة القَسامةُ بفتحِ القافِ وتخفيفِ المهملةِ، مصدرُ أقسمَ قَسمًا وقَسَامةً. وهيَ الأَيْمانُ تُقسمُ علَى أولياءِ القتيلِ إذا ادَّعَوُا الدَّمَ، أو على المدَّعَى عليهمُ الدَّمَ. وخصَّ القسمُ على الدَّمِ بالقسامةِ، قالَ إمامُ الحرميْنِ: القسامةُ عندَ أهلِ اللغةِ اسمٌ للقومِ الذينَ يقسمون، وعندَ الفقهاءِ اسمٌ للأَيْمانِ، وفي "القاموسِ" (١): القسامةُ الجماعةُ يقسمونَ على الشيءِ ويأخذونَهُ أو يشهدونَ، وفي الضياءِ: القسامةُ الأيمانُ تُقَسَمُ على خمسينَ رجلًا منْ أهلِ البلدِ أوِ القريةِ التي يوجدُ فيها القتيلُ لا يُعْلَمُ قاتلُه ولا يدَّعي أولياؤُه قَتْلَهُ على أحدٍ بِعَيْنِه. لا تثبت دعوى القسامة من دون ما تستند عليه من اللَّوث ونحوه ١/ ١١١٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ" فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ في ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا

стр. 1931

قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَيَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي منْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عنْ سهلِ بنِ أبي حَثْمةَ) بفتحِ المهملةِ وسكونِ المثلثةِ، واسمُ أبي حثمةَ عبدُ اللهِ بن ساعدةَ بنُ عامرَ أوسيٌّ أنصاريٌّ (عنْ رجالٍ منْ كُبرَاءِ قومِهِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهلَ ومُحَيِّصَة) بضمِّ الميمِ فحاءٍ مهملةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ مشددةٍ، فصادٍ مهملةٍ (ابن مسعودٍ خَرَجَا إلى خيبرَ مِنْ جَهْدٍ) بضمِّ الجيمِ وفتحِها المشقَّةِ هُنَا (أصابَهُم، فأُتي مُحيِّصَةَ) مغيَّرُ الصيغةِ (فأخبرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهلِ قد قُتِلَ وطُرِحَ) مغيَّرانِ أيضًا (في عَيْنٍ، فأَتَى) أي محيصةُ (يهودَ) اسمَ جِنْسٍ يُجْمَعُ على يهدانَ (فقالَ: أنتُم واللهِ قتلتمُوه قالُوا: واللهِ ما قتلْناهُ فأقبلَ هوَ وأَخوهُ حويِّصةُ) بضمِّ المهملةِ وفتح الواوِ فمثناةٍ تحتيةٍ فصادٍ مهملةٍ مشدَّدَةٍ (وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ فذهبَ محيِّصةُ ليتكلَّمَ) وكانَ أصغرَ منْ حويِّصةَ، وفي روايةٍ فبدأَ عبدُ الرحمنِ يتكلَّمُ وكانَ أصغرَ القومِ (فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كبِّرْ كبِّرْ) بلفظِ الأمرِ فيهمَا الثاني تأكيدٌ للأَوَّلِ، (يريدُ السنَّ) مُدْرَجٌ تفسيرٌ لقولِه كَبِّرْ أي يتكلَّمُ مَنْ كانَ أكبرُ سِنًا (فتكلَّمَ حويِّصةُ ثمَّ تكلَّمَ محيِّصةُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إمَّا أنْ يدُوا) أي اليهودُ (صاحِبَكم) أي عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ: (وإمَّا أنْ يأْذنُوا بحربٍ، فكتبَ) أي رسولُ اللهِ ﷺ (إليهم في ذلكَ) أي فيما ذُكِرَ مِنْ أَنَّهم قتلُوا عبدَ اللهِ (فكتبُوا) أي اليهودُ (إنا واللهِ ما قتلْناهُ، فقالَ) أي النبيُّ ﷺ (لحويِّصةَ ومحيِّصةَ وعبدِ الرحمنِ بنِ سهلٍ: أتحلفونَ وتستحقُّونَ دمَ صاحبِكم؟ قالُوا: لا) وفي روايةٍ [لمسلم (٢)] (٣) قالُوا: لم نحضرْ ولم نشهدْ. وفي بعضِ ألفاظِ البخاريِّ (٤) أنهُ قالَ لهم: تأتونَ بالبينةِ، قالُوا: ما لنا بَيِّنَةٌ، فقالَ:

стр. 1932

أتحلفُونَ؟ (قالَ: فتحلفُ لكمْ يهودُ؟ قالُوا: ليسُوا مسلمينَ)، وفي لفظٍ قالُوا: لا نرضَى بأيمانِ اليهودِ. وفي لفظٍ (١): كيفَ نأخذُ بأيمانِ [قومٍ] (٢) كُفَّارٍ؟ (فَوَدَاهُ رسولُ اللهِ ﷺ منْ عندِهِ فبعثَ إليهمْ مائةً ناقةٍ، قالَ سهلٌ: فلقدْ ركضتْني منْها ناقةٌ حمراءُ. متفقٌ عليهِ). اعلمْ أنَّ هذا الحديثَ أصلٌ كبيرٌ في ثُبُوتِ القَسَامةِ عندَ القائلينَ بها وهم [الجمهور (٣)] (٤)، فإنَّهم أثبتُوها وبيَّنُوا أحكامَها؛ ونتكلَّمُ علَى مسائلَ: الأُولَى: أنَّها لا تثبتُ القسامةُ بمجرَّدِ دَعوى القتلِ على المدَّعَى عليهمْ منْ دونِ شُبهةٍ إجْماعًا. وقدْ رُوِيَ عنِ الأوزاعيِّ وداودَ ثبوتُها منْ غيرِ شُبْهَةٍ ولا دليلَ لهمَا، وإنما اختلفَ العلماءُ في الشبهةِ التي [تثبتُ] (٥) بها [دعوى] (٦) القسامةُ، فمنْهم مَن جعلَ الشُّبهةَ اللَّوْثَ وهوَ كما في "النهايةِ" (٧) أنْ يشهدَ شاهدٌ واحدٌ علَى إقرارِ المقتولِ قبلَ أنْ يموتَ أنَّ فلانًا قَتَلَني، أو يَشْهَدَ شاهدانِ على عداوةٍ بينَهما أو تهديدٍ منهُ لهُ أو نحوِ ذلكَ، وهو منَ اللَّوثِ التلطُّخُ. ومنْهم مَنْ لم يشترطْ كالهادويةِ والحنفيةِ فإنَّهم قالُوا: وجودُ الميتِ وبهِ أثرُ القتلِ في محلٍّ يختصُّ بمحصورِيْنَ تثبتُ بهِ القسامةُ عندَهم، إذا لم يدَّع المدعِّي على غيرِهِم قالُوا: لأنَّ الأحاديثَ وردتْ في مِثْلِ هذهِ الحالة، وَرُدَّ بأَنَّ حديثَ البابِ أصحُّ ما وردَ، وفيهِ دليلٌ على اللَّوْثِ، وحقيقتُه شبهةٌ يغلبُ الظنُّ الحكمَ بها كما فصَّلَهُ في "النهاية" (٨)، وهي هُنَا العداوةُ، فلذا ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنهُ لا يثبتُ بَهذَا قَسَامةٌ إلَّا إذا كانَ بينَ المقتولِ والمدَّعَى عليهمْ عداوةٌ كما كانَ في قصةِ خيبرَ، قالُوا: فإنهُ قد يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ويلقيهِ في محلِّ طائفةٍ لِيُنْسبَ إليهمْ. وقدْ عدُّوا منْ صورِ اللَّوْثِ قولُ المقتولِ قبلَ وفاتهِ: قَتَلَنِي فلانٌ. قالَ مالكٌ: إنهُ يقبلُ قولُه، وإنْ لم يكنْ بهِ أثرٌ يقولُ جَرَحَني ويذكرُ العمدَ،

стр. 1933

وادَّعى مالكٌ أنهُ مما أجمعَ عليهِ الأئمةُ قديمًا وحديثًا، [وتعقبه] (١) ابنُ العربي بأنهُ لم [يقل به] (٢) منْ فقهاءِ الأمصارِ غيرُه وتبعَهُ عليهِ الليثُ. واحتجَّ مالكٌ بقصةِ بقرةِ بني إسرائيلَ فإنهُ أُحْيِيَ الرجلُ وأَخْبَرَ بقاتلِه (٣) وأُجِيْبَ بأنَّ ذلكَ معجزةٌ لِنَبيِّ وتصديقُها قطعيٌّ. قلتُ: ولأنهُ أحياهُ اللهُ تعالى بعدَ موتِه [فعيَّنَ] (٤) قاتلَه فإذا أَحْيَا اللهُ مقتولًا بعدَ مَوْتِه وعيَّنَ قاتلَه قلْنا بهِ ولا يكونُ ذلكَ أبدًا. واحتجَّ أصحابُه بأنَّ القاتلَ يطلبُ غفلةَ الناسِ فلوْ لم يُقْبَلْ خبرُ المجروحِ أدَّى ذلكَ إلى [بطلانِ] (٥) الدماءِ غالبًا ولأنَّها حالةٌ يتحرَّى فيها المجروحُ الصدقَ ويتجنبُ الكذبَ والمعاصي ويتحرَّى التَّقْوَى والبرَّ فوجبَ قَبولُ قولِه، ولا يخْفَى ضعفُ هذهِ الاستدلالاتِ. وقدْ عدُّوا صورَ اللَّوْثِ مبسوطةً في كُتُبِهِمْ. المسألةُ الثانيةُ: أنهُ بعدَ ثبوتِ ما ذكرَ مِنَ القتلِ وكلٌّ على أصْلِه تثبتُ دَعْوَى أولياءِ القتيلِ القسامةَ، فتثبتُ أحكامُه ومنها القصاصُ عندَ كمالِ شروطِها لقولِه في الحديثِ: "تستحقونَ قتيلَكم أو صاحبَكم بأيمانِ خمسينَ منْكمْ علَى رجلٍ منْهم فيدفعُ بِذِمَّتِه". وقولُه: (دمَ صاحبِكم) في لفظِ مسلمٍ (٦): يُقْسِمُ خمسونَ منكمْ على رجلٍ منهم فيدفع بِذِمّتِهِ، وإنْ كانَ قولُه: "إما أنَّ يدُوا صاحبكم [الحديث] (٧) " يشعرُ بعدمِ القصاصِ، إلَّا أنَّ هذا التصريحَ في روايةِ مسلمٍ أَقْوى في القولِ بالقصاصِ وهذَا مذهبُ أهلِ المدينةِ، فإنْ كانتِ الدَّعْوى على واحدٍ معيَّنٍ ثبتَ القَوَدُ عليهِ وإن كانتْ على جماعةٍ حلفُوا وثبتتْ عليهمُ الديةُ عندَ الشافعيةِ، وفي قولٍ يجبُ عليهمُ القصاصُ والأولُ هو الصحيحُ عنهُ، فإنْ كانَ الوارثُ واحِدًا حلفَ خمسينَ يمينًا فإنَّ الأيمانَ لازمةٌ للورثةِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إِنَاثًا عمْدًا كانَ [القتل] (٨) أو خَطأً، هذا مذهبُ الشافعيِّ.

стр. 1934

ومنْها: أنه يبدأَ بأيمانِ المدعينَ في القسامةِ بخلافِ غيرِهِا منَ الدَّعَاوَى كما في هذهِ الروايةِ، ويدلُّ لهُ حديثُ أبي هريرةَ (١): "البيِّنَةُ على المدعِّي واليمينُ على المدَّعَى عليهِ إلَّا في القسامةِ" وفي إسنادهِ لِيْنٌ، إلَّا أنهُ قدْ أخرجَهُ البيهقيُّ (٢) منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ ولم يتكلمْ فيهِ، قالُوا: ولأنَّ جنبةَ المدعِّي إذا قويتْ بشهادةٍ أو شُبْهَةٍ صارت اليمين له، وهنا الشبهة قوية فصارَ المدَّعِي في القسامةِ مشابهًا للمدَّعَى عليهِ المتأيدِ بالبراءةِ الأصليةِ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ وآخرونَ إلى أنهُ يحلفُ المدَّعَى عليهِ ولا يمينَ على المدعينَ، فيحلفُ خمسونَ رجلًا مِنْ أهلِ القريةِ ما قتلْناهُ ولا علمْنَا، قاتلَه، وإلى هذا جنحَ البخاريُّ، وذلكَ لأنَّ الرواياتِ اختلفتْ في ذلكَ في قصةِ الأنصارِ ويهودِ خيبرَ، فيردُّ المختلفُ إلى المتفَّقِ عليهِ منْ أنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليهِ، فإنْ حلفُوا فهلْ تلزمُهم الديةُ أم لا؟ ذهبتِ الهادويةُ إلى أنَّها [تلزم] (٣) الديةُ بعدَ الأيمانِ وذهبَ آخرونَ إلى أنَّهم إذا حلفُوا خمسينَ يمينًا برِئُوا ولا ديةَ عليهمْ، [ويدل له] (٤) قصةُ أبي طالبٍ الآتيةُ (٥). واستدلَّ الهادوية ومَنْ معَهُم في إيجابِ الديةِ بأحاديثَ لا تقومُ بها حجَّةٌ لعدمِ صحةِ رفْعِها عندَ أئمةِ هذا الشأنِ. وقولُه: (فَوَدَاهُ رسولُ اللهِ ﷺ منْ عندهِ)، وفي لفظٍ: (أنهُ وداهُ منْ إبلِ الصدقةِ) فقيلَ المرادُ أنهُ اقترضَها منْها وأنهُ لما تحمَّلَها ﷺ للإصلاحِ بينَ الطائفتينِ كانَ حُكْمُهَا حكمَ القضاءِ عنِ الغارمِ لما غَرِمَهُ لإصلاحِ ذاتِ البيْنِ ولم يأخذْها ﷺ لنفسهِ فإنَّ الصدقةَ لا تحلُّ لهُ، ولكنْ [أجرى] (٦) إعطاءَ الديةِ منها مَجْرَى إعطائِها من الغرمِ لإصلاحِ ذاتِ البينِ، وأما مَنْ قالَ إنهُ ﷺ أَعْطَى ذلكَ منْ سهمِ الغارمينَ فلا يصحُّ فإنَّ غارِمَ أهلِ الذمةِ لا يُعْطَى منَ الزكاةِ كذَا قيلَ.

стр. 1935

قلتُ: وفيهِ نظرٌ، فإنَّ اليهودَ لم تلزمْهُم الديةُ لأنهُ لم يحلفِ المدعونَ كما عرفتَ، فما ودَاهُ ﷺ إلَّا تبرُّعًا منهُ لِئَلَّا يهدرَ دمُهُ. وأمَّا روايةُ النسائيِّ أنهُ ﷺ قَسَّمَها على اليهودِ وأعانَهم ببعضِها، فقالَ ابنُ القيِّم (١): إنَّ هذا ليسَ بمحفوظٍ، فإنَّ الديةَ لا تلزمُ المدَّعى عليهمْ بمجردِ دَعوى القتيلِ بلْ لا بدَّ منْ إقرارٍ أو بيِّنةٍ أوْ أيمانِ المدَّعينَ، ولم يوجدْ هُنَا شيءٌ منْ ذلكَ. وقدْ عرضَ رسولُ اللهِ ﷺ على المدَّعينَ أنْ يحلفُوا فأَبَوْا فكيفَ يُلْزِمُ اليهودَ [الدية] (٢) بمجرَّدِ الدَّعْوَى، انتَهى. قلتُ: ويظهرُ لي أنهُ ليسَ في هذَا الحديثِ حكمٌ منهُ ﷺ بالقسامةِ أصْلًا كما أفادَه الحديثُ وإنَّما دلَّ الحديثُ، على حكايةِ [الواقع فقط] (٣) وذكرَ لهمْ ﷺ قصةَ الحكْمِ على التقديريْنِ، فمن ثَمَّةَ كتبَ إلى اليهود بعدَ أنْ دارَ بينَهم الكلامُ المذكورُ وسيأتي تحقيقُه. وقولُه: (فكتَبَوُا واللهِ ما قتلْناه) فيهِ دليلٌ على الاكتفاءِ بالمكاتبةِ وبخبرِ الواحدِ معَ إمكانِ المشافهةِ. فائدةٌ: اختارَ مالكٌ إجراءَ هذهِ الدَّعوى في الأموالِ فأجازَ شهادةَ المسلوبينَ على السالِبيْنَ وإنْ كانُوا مدَّعِيْنَ قالَ: لأنَّ قاطِعَ الطريقِ إنَّما يفعلُ ذلك معَ الغفْلَةِ والانفرادِ عنِ الناسِ، انتَهى. ولا يخْفَى أنهُ لا يتمُّ هذا إلَّا بعدَ ثبوتِ أنهُ ﷺ حَكَمَ بالقسامةِ، وعرَّفْناكَ هُنَا عدمَ نهوضِ ذلكَ وسنزيدُه بيانًا عنْ قريبٍ. وإذا ثبتَ [هذا فقياس] (٤) مالكٍ مصادِمٌ لنصِّ: "البينةُ على المدعِّي واليمينُ على المنكرِ"، إلَّا أنْ يكونَ مذهبُه جوازَ تخصيصِ عموم النصِّ بالقياسِ، وللعلماءِ كلامٌ في حُجِّيةِ العامِّ بعدَ تخصيصِهِ. ٢/ ١١١٧ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ ناسٍ مِنَ الأَنْصَارِ في قَتِيلٍ ادّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعنْ رجلٍ منَ الأنصارِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقرَّ القسامةَ على ما كانتْ عليهِ في

стр. 1936

الجاهليةِ وقضَى بها رسولُ اللهِ ﷺ بينَ ناسٍ منَ الأنصارِ في قتيلٍ ادَّعوه علَى يهود. رواهُ مسلمٌ). قولُه: على ما كانتْ عليهِ في الجاهليةِ، هو إشارة إلى ما أخرجَهُ البخاريُّ (١) في قصةِ الهاشميِّ في الجاهليةِ وفيها: "أنَّ أبا طالبٍ قالَ للقاتلِ: اخترْ مِنَّا إحدَى ثلاثٍ: إنْ شِئتَ أنْ تؤدِّيَ مائةً منَ الإبلِ فإنكَ قتلتَ صاحبنَا خطأً، وإنْ شئتَ حلفَ خمسونَ منْ قومِكَ أنكَ لم تقتلْه، وإنْ أَبَيْتَ قتلْناكَ بهِ"، وفيهِ دليلٌ على ثبوتِ القتلِ بالقَسَامةِ. واعلمْ أنا قدْ أشرْنا إلى أنهُ لم يثبتِ القسامةَ إلَّا الجماهيرُ كما قرَّرْناهُ عنْهم، وذهبَ سالمُ بنُ عبدِ اللهِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وأبو قلابةَ وابنُ عليةَ والناصرُ إلى عدمِ [شرعية القسامة] (٢) لمخالفتِها الأصولَ المقررة شرْعًا، فإنَّ الأصْلَ أنَّ البيِّنةَ على المدَّعي واليمينُ على المدَّعَى عليهِ، وبأنَّ الأَيْمانَ لا تأثيرَ لها في إثباتِ الدماءِ، وبأنَّ الشرعَ وردَ بأنهُ لا يجوزُ الحِلفُ إلَّا علَى ما عُلِمَ قطْعًا أو شُوهَدَ حِسًا وبأنه ﷺ لم يحكمْ بها وإنَّما كانتْ حُكْمًا جاهليًا فتلطَّفَ ﷺ بهم ليريَهم كيفَ لا يجري الحكمُ بها على أصولِ الإسلامِ. وبيانُ أنهُ لم يحكمْ بها أنَّهم لما قالُوا لهُ: وكيفَ نحلفُ ولم نحضرْ ولم نشاهدْ، لمْ يبيِّنْ لهمْ أنَّ هذا الحلِفَ في القسامة منْ شأنِه ذلكَ وأنهُ حُكْمُ اللهِ وشرعُه، بلْ عدلَ إلى قولِه: تحلف لكمْ يهودُ، فقالُوا: ليسوا بمسلمينَ، فلم يوجبْ ﷺ عليهمْ ويبيِّنْ لهمْ أنْ ليسَ لكمْ إلَّا اليمينُ منَ المدَّعَى عليهمْ مُطْلقًا مسلمينَ كانُوا أو غيرَهم، بلْ عدلَ إلَى إعطاءِ الديةِ منْ عندِه ﷺ ، ولو كانَ الحكمُ ثابتًا بها لبيَّن وجْهَهُ لهمْ، بل تقريرُه ﷺ لهمْ على أنهُ لا حَلِفَ إلَّا على شيءٍ مشاهَدٍ مَرْئِيٍّ دليلٌ على أنه لا حَلِفَ في القسامةِ، ولأنهُ لمْ يطلبْ ﷺ اليهودَ للإجابةِ عنْ خصومِهم في دعواهُم فالقصةُ مناديةٌ بأنَّها لم تخرجْ مَخْرَجَ الحكمِ الشرعيِّ إذْ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ، فهذَا أقْوى دليلٍ بأنَّها ليستْ

стр. 1937

حُكْمًا شَرْعيًا وإنما تلَطَّفَ ﷺ في بيانِ أنَّها ليستْ حكمًا شرعيًا بهذا التدريجِ النادي بعدم ثبوتِها شَرْعًا، وأقرَّهم ﷺ بأنَّهم [لم يحلفوا على ما لم يعلموا ولا يشاهدوا] (١) ولا حضروهُ ولم يبيِّنْ لهمْ بحرفٍ واحدٍ أنَّ أيمانَ القسامةِ منْ شأْنِها أنْ تكونَ على ما لم يعلمُ. وبهذا تعرفُ بطلانَ القولِ أنَّ في القصةِ دليلًا على الحكمِ على الغائبِ إذْ لا حُكْمَ فيها أصلًا، وبطلانُ الجوابِ عنْ كونِها مخالِفةً للأصولِ بأنَّها مخصصةٌ منَ الأصولِ، لأنَّ القَسَامَةَ [شرعت] (٢) سُنَّةٌ مستقلَّةٌ بنفسِها منفردةٌ مخصَّصةٌ للأصولِ كسائرِ المخصَّصاتِ للحاجةِ إلَى شرعيَّتها حياطةً لحفظِ الدماءِ وردْعِ المعتدينَ، ووجْهُ بطلانِه أنهُ فرعُ ثبوتِ الحكم بها عنِ الشارعِ، فلو ثبتَ الحكمُ بها لكانَ هذا جوابًا حَسَنًا، [ولكن لم يثبت الحكم بها كما عرَّفناك] (٣). وأما ما في حديثِ مسلمٍ أنهُ ﷺ : "أقرَّ القسامةَ على ما كانتْ عليهِ في الجاهليةِ وقضى بها بينَ [النَّاس] (٤) منَ الأنصارِ في قتيلٍ ادَّعوهُ على اليهودِ"، فهو إخبارٌ عن القصةِ التي في حديثِ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، وقدْ عرفْتَ أنهُ ﷺ لم يقضِ بها فيهِ كما [عرَّفناك] (٥). وقدْ عرفتَ منْ حديثِ أبي طالبِ أنَّها كانتْ في الجاهليةِ على أنْ يؤدِّيَ الديةَ القاتلُ لا العاقلةُ كما قالَ أبو طالبِ: إما أنْ تؤدِّي مائةٌ مِنَ الإِبلِ، فإنهُ ظاهرٌ أنَّها منْ مالِه لا منْ عاقلتِه، أو يحلِفَ خمسونَ منْ قومِكَ، أو تُقْتَلَ. وهُنَا في قصةِ خيبرَ لم يقعْ شيءٌ منْ ذلكَ فإنَّ المدَّعَى عليهمْ لم يحلِفُوا ولمْ يسلِّمُوا ديةً ولم يَطْلُبْ منْهم الحلِفَ. وليسَ هذا قدْحًا في روايةِ الرَّاوِي منَ الصحابةِ بلْ في استنباطِه، لأنهُ قدْ أفادَ حديثُه أنهُ استنبطَ قضاءَ رسولِ اللهِ ﷺ بالقسامةِ منْ قصةِ أهلِ خيبرَ وليسَ في تلكَ القصةِ قضاءٌ، وعدمُ صحةِ الاستنباطِ جائزٌ على الصحابيِّ وغيرِهِ اتفاقًا، وإنَّما روايتُه للحديثِ بلفْظِهِ أوْ بمعناهُ هيَ التي يتعيَّنُ قبولُها.

стр. 1938

وأما قولُ أبي الزنادِ: "قلْنا بالقسامةِ والصحابةُ متوافرونَ إني لأَرَى أنَّهم ألفُ رجلٍ فما اختلفَ منهمُ اثنانِ"، فإنهُ قالَ في "فتحِ الباري" (١): إنَّما نقل أبو الزِّنادِ عنْ خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ كما أخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ والبيهقيُّ في روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الزِّنادِ عنْ أبيهِ، وإلا فَأَبُو الزِّنادِ لا يُثْبِتُ أنهُ رأَى عشرةً منَ الصحابةِ فَضْلًا عنْ ألفٍ، انتَهى. قلتُ: لا يخْفَى أنهُ تقريرٌ لما رواهُ أبو الزنادِ لثبوتِ ما رواهُ عنْ خارجةَ بنِ زيدٍ الفقيهِ الثِّقةِ، وإنَّما دلَّسَ أبو الزنادِ بقولِه [قتلْنا] (٢) وكأنهُ يريدُ [قتلَ] (٣) معشرَ المسلمينَ وإنْ لم يحضرْهم، ثمَّ لا يخْفَى أنَّ غايتَه بعدَ ثبوتِه عنْ خارجةَ فعلُ جماعةٍ منَ الصحابةِ وليسَ بإجماعٍ حتَّى يكونَ حُجَّةً، ولا شكَّ في ثبوتِ فعلِ عمرَ بالقسامةِ وإن اختلفَ عنهُ في القتلِ بها، إنما نِزَاعُنا في ثبوتِ حُكْمِهِ ﷺ فإنهُ لم يَثبتْ (٤). * * *

стр. 1939

[الباب الثالث] باب قتال أهل البغي البغيُ مصدرُ بَغَى عليهِ، بفتحِ الغينِ المعجمةِ، بَغْيًا بفتحِ الموحدةِ وسكونِ المعجمةِ، عَلَا وظَلَم وعدلَ عنِ الحقِّ، ولهُ معانٍ كثيرةٌ. وذكرَ الشارحُ (١) ﵀ معناهُ الاصطلاحيِّ هُنَا وساقَهُ على اصطلاحِ الهادويةِ. وقدْ أبنَّا ما فيهِ في حواشي "ضوء النهارِ" (٢)، ولم نذكرْه هنا لعدم انطباقِ الأحاديثِ عليهِ. من حمل السلاح على المسلمين فليس منهم ١/ ١١١٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (عنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حملَ علينا السلاحَ فليس مِنَّا. متفقٌ عليهِ)، أي مَنْ [حمل] (٤) لقتالِ المسلمينَ بغيرِ حقٍّ، كنَّى بحملِه عنِ المقاتلةِ إذِ القتلُ لازمٌ لحملِ [السلاح] (٥) في الأغلبِ، ويحتملُ أنهُ لا كنايةَ فيهِ، وأنَّ المرادَ حملُه حقيقةً لإرادةِ القتالِ، ويدلُّ [عليهِ] (٦) قولُه: علينا. وقولُه: (فليسَ

стр. 1940

مِنَّا) تقدَّم تفسيره بأنَّ المرادَ ليسَ علَى طريقتِنا وهدْينَا، فإنَّ طريقتَهُ ﷺ نصرُ المسلمِ والقتالُ دونَه لا ترويعُه وإخافتُه [وقتالُه] (١) وهذا في غير المستحلِّ، فإنِ استحلَّ القتالَ للمسلمِ بغيرِ حقٍّ فإنهُ يكفرُ باستحلالِه المحرَّمِ القطعيِّ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ قتالِ المسلمِ والتشديدِ فيهِ، وأما قتالُ البغاةِ منْ أهلِ الإسلامِ فإنهُ خارجٌ منْ عمومِ هذا الحديثِ بدليلٍ خاصٍّ. حكم من فارق الجماعة ٢/ ١١١٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيّةُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ خرجَ عنِ الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ ومات، فميتتُه) بكسرِ الميمِ مصدرٌ نوعيٌّ (جاهليةٌ. أخرجَهُ مسلمٌ). قولُه: عن الطاعةِ، أي طاعةِ الخليفةِ الذي وقعَ الاجتماعُ عليهِ، وكأنَّ المرادَ خليفةُ أيِّ قطرٍ منَ الأقطارِ، إذْ لم يجمع النَّاسُ على خليفةٍ في جميعِ البلادِ الإسلاميةِ منْ أثناءِ الدولةِ العباسيةِ، بلِ استقلَّ أهلُ كلِّ إقليمٍ بقائمٍ بأمورِهم، إذ لوْ حُمِلَ الحديثُ على خليفةٍ اجتمعَ أهل الإسلامِ عليه لَقَلَّتْ فائدتهُ. وقولُه: (فارقَ الجماعةَ)، أي خرجَ عنِ الجماعةِ الذينَ اتفقُوا على طاعةِ إمامٍ انتظمَ بهِ شملُهم، واجتمعتْ بهِ كلمتُهم، وحاطَهم عنْ عدوِّهم. وقولُه: (فميتتة جاهليةٌ)، أي منسوبةٌ إلى أهلِ الجهلِ، والمرادُ بهِ مَنْ ماتَ علَى الكفْرِ قبلَ الإسلامِ، وهوَ تشبيهٌ لِميْتَةِ مَنْ فارقَ الجماعةَ بمنْ ماتَ على الكفرِ بجامعِ أنَّ الكلَّ لم يكنْ تحتَ حكمِ إمامٍ، فإنَّ الخارجَ عنِ الطاعةِ كأهلِ الجاهليةِ لا إمامَ لهُ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ إذا فارقَ أحدٌ الجماعةَ ولمْ يخرجْ عليهمْ ولا قاتلَهم أنَّا لا نقاتلُه لنردَّه إلى الجماعةِ ويذعنَ للإمامِ بالطاعةِ، بلْ نخلِّيهِ وشأنَه لأنهُ لم يأمرْ ﷺ بقتالِه، بل [أخبرنا] (٣) عنْ حالِ موتهِ وأنهُ كأهلِ الجاهليةِ، ولا

стр. 1941

يخرجْ بذلكَ عنِ الإسلامِ، ويدلُّ لهُ ما ثبتَ منْ قولِ عليٍّ كرم اللهُ وجهه للخوارجِ: "كونُوا حيثُ شئتُم وبينَنا وبينَكم أنْ لا تسفِكُوا دمًا حرامًا، ولا تقطعُوا سبيلًا، ولا تظلِمُوا أحدًا، فإنْ فعلتُم نفذتُ إليكمْ بالحربِ". وهذَا ثابتٌ عنهُ بألفاظٍ مختلفةٍ. أخرجَهُ أحمدُ (١) والطبرانيُّ (٢) والحاكمُ (٣) منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ، وقال عبدُ اللهِ بن شداد: فواللهِ ما قتلَهم حتَّى قطعُوا السبيلَ وسفكُوا الدمَ الحرامَ. فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ الخلافِ على الإمامِ لا يُجِب قتالَ مَنْ خالفَهُ. تحقيق الكلام في حديث تقتل عمارًا الفئة الباغية ٣/ ١١٢٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقْتُلُ عَمّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]. (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂: قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : تقتل عمارًا الفئةُ الباغيةُ. رواهُ مسلمٌ)، تمامُه في مسلمٍ: "يدعوهُم إلى الجنةِ ويدعُونَهُ إلى النارِ". قالَ ابنُ عبدِ (٥) البرِّ: تواترتِ الأخبارُ بهذَا (٦) وهوَ مِنْ أصحِّ الأحاديث، قالَ ابنُ دحيةَ: لا مطعنَ

стр. 1942

في صِحَّتهِ، ولو كانَ غيرَ صحيحٍ لردَّه معاويةُ، وإنَّما قالَ معاويةُ: قتلَه مَنْ جاءَ بهِ، ولوْ كانَ فيهِ شكٌّ لأنكره وردَّه حتَّى أجابَ عمرُو بنُ العاص على معاويةَ قالَ: فرسولُ اللهِ ﷺ قتلَ حمزةَ؟ وأما ما نقلَهُ المصنفُ [ابن حجر] (١) في "التلخيص" (٢): وتَبعَهُ الشارحُ في نقلِه منْ أنهُ نقلَ ابنُ الجوزيِّ عنْ [الخلال] (٣) في "العِلَلِ" أنهُ حُكِيَ عنْ أحمدَ [بن

стр. 1943

حنبل] (١) أنهُ قالَ: رُوِيَ هذا الحديثُ منْ ثمانيةٍ وعشرينَ طريقًا ليسَ فيها طريقٌ صحيحٌ. وحُكِيَ أيضًا عنْ أحمدَ وابنِ معين وابنِ أبي خيثمةَ أنَّهم قالُوا: لم يصحَّ. فقدْ أجابَ السيِّدُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ (٢) ﵀ عنْ هذا بقولِه: الاسترواحُ إلى ذِكْرِ هذا الخلافِ الساقطِ [بالمرة والمطَّرح بالأصالة] (٣) منْ غيرِ بيانٍ لبطْلانِهِ منْ مثلِ ابنِ حجرٍ عصبيةً شنيعةً [ومسقطة قبيحة] (٤)، فأما ابنُ الجوزيِّ فلمْ يعرفْ هذا الشأنَ [ولا هو من أهل فرسان هذا الميدان] (٥)، وقدْ ذكرَ الذهبيُّ في ترجمتِه في "التذكرةِ" (٦) كثرةَ خَطَئِهِ في مصنفاتِه، فهوَ أجهلُ وأحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه وحفَّاظِه كابنِ عبدِ البرِّ والبخاريِّ ومسلمٍ والحميديِّ. وقدْ رواهُ كاملًا أبو داودَ والترمذيُّ والذهبيُّ والحاكمُ وابنُ خزيمةَ والقرطبيُّ والإسماعيليُّ والبرقانيُّ وأمثالُهم، وقدْ ذكرَ جملةٌ منْهم تواترَه، وصِحَّتَهُ وجماعةٌ منهم إجماعَ أهلِ السنةِ وأهلِ الفقهِ وأهلِ العلمِ على تواتره، وذكَرَهُ القرطبيُّ في آخرِ تَذْكِرَتهِ (٧)، والحاكمُ في "علوم الحديثِ" (٨) لهُ، وحكاهُ عنِ ابنِ خزيمةَ المعروفِ بإمامِ الأئمةِ ولم يحكِ أحدٌ عنْهم خِلافًا في ذلكَ. وأما الذهبيُّ فإنَّهُ حقَّقَ صِحَّةَ دَعْواهُ بما أوردَهُ منَ الطُّرقِ الصحيحةِ الجمَّةِ. والمنعُ منَ [صحتهِ] (٩) بمجرَّدِ العصبيةِ منْ غيرِ حُجَّةٍ صنع مَنْ لا علمَ لهُ بلْ منْ لا عقلَ له ولا حياءَ له، انتَهى. [كلام السيد محمد بن إبراهيم] (١٠). قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ ابنَ الجوزي نقلَ عنْ أحمدَ عدمَ صِحَّتِه، وليسَ هوَ قدحٌ في صحتهِ حتَّى يُقَالَ إنهُ أحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه

стр. 1944

[وحفَّاظهِ] (١)، فالأَوْلَى في الجوابِ عنْ نقلِ ابنِ الجوزيِّ ما قالَه السيِّدُ محمدٌ [أيضًا] (٢)، إنهُ قدْ رَوَى يعقوبُ بنُ شيبةَ الإمامُ الثقةُ الحافظُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنهُ قالَ فيهِ: إنهُ حديثٌ صحيحٌ سَمِعَهُ عنهُ يعقوبُ وقدْ سُئِلَ عنهُ. ذكرهُ الذهبيُّ في ترجمةِ عمارِ في "النبلاءِ" (٣)، ويؤيدُه أنهُ رواهُ أحمدُ عنْ جماعةٍ [كثيرةٍ] (٤) منَ الصحابةِ وكانَ يَرَى الضَّربَ عن [رواية الضعفاء] (٥) والمنكراتِ. وهذَا يدلُّ على بُطْلانِ ما حكاهُ ابنُ الجوزيِّ، وإلَّا فغايتُه أنهُ قدْ تعرضَ عنْ أحمدَ القولانِ فيطرحُ، وفي تصحيحِ غيرِه ما يغني عنهُ كما لا يخْفَى. وأما الحكايةِ عنِ ابنِ مَعِيْنٍ وابنِ أبي خيثمةَ فإنهُ رَوَاها المصنفُ بصيغةِ التمريضِ ولم ينسبْها إلى راوٍ فيتكلَّمُ عليها. والحديثُ دليلٌ على أنَّ الفئةَ الباغية معاويةُ ومَنْ في حِزْبهِ، والفئةُ المحقَّةُ عليٌّ كرم اللهُ وجهه ومَنْ في صُحْبَتِهِ، وقدْ نَقَلَ الإجماعَ منْ أهلِ السنةِ بهذا القولِ جماعةٌ مِنْ أئمتِهِمْ كالعامريِّ وغيرِه وأوضحْناه في "الروضةِ النديَّةِ" (٦). قتال البغاه والأحكام المتعلقة به ٤/ ١١٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغى مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيؤُهَا". رَوَاهُ الْبَزَّارُ (٧) وَالْحَاكِمُ (٨)، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ، لأَنَّ في إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ (٩). [ضعيف]

стр. 1945

- وَصَحَّ عَنْ عَليٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (١) وَالْحَاكِمُ (٢). [ضعيف] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : هلْ تدري يا ابنَ أمِّ عَبْدٍ) هوَ عبد اللهِ بنُ مسعودٍ لأنهُ المعروفُ بذلكَ وكأنهُ رواهُ عنهُ ابنُ عمرَ ﵄ أو سمعَ النبيَّ ﷺ يحدِّثُه (كيفَ حُكمُ اللهِ فيمَنْ بَغَى منْ هذهِ الأمةِ؟ قالَ: اللهُ ورسولُه أعلمْ، قالَ: لا يُجْهَزُ علي جريحِها) أي لا يتمّمُ قتل مَنْ كانَ جريحًا منَ البغاةِ (ولا يُقْتَلُ أسيرُها ولا يُطْلَبُ هاربُها ولا يقسمُ فَيْئُها. رواهُ البزَّارُ والحاكمُ وصحَّحَهُ فوهِمَ لأنَّ في إسنادهِ كوثرَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الواوِ ومثلثةٍ مفتوحةٍ فراءٍ (ابنَ حكيمٍ، وهوَ متروكٌ، وصحَّ عنْ عليٍّ ﵁ نحوُه منْ طرقٍ نحوه موقوفًا. أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ والحاكمُ)، في "الميزان" (٣) كوثرُ بنُ حكيمٍ عنْ عطاءٍ ومكحولٍ وهوَ كوفيٌّ نزلَ حلبَ، قالَ ابنُ معينٍ: ليسَ بشيءٍ، قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: أحاديثُه بواطيلُ، انتَهى. قالَ ابنُ عديٍّ (٤): هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. وأما الروايةُ عنْ عليٍّ ﵇ فَرَوَاها البيهقيُّ (٥) وغيرُه. وفي الحديثِ مسائلُ: الأولى: جوازُ قتالِ البغاةِ وهوَ إجماعٌ لقولهِ تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٦). قلتُ: والآيةُ دالُّةٌ على الوجوبِ وبهِ قالتِ الهادويةُ، ولكنْ شَرَطُوا ظنَّ الغلبةِ. وعندَ جماعةٍ منَ العلماء أنَّ قتالَهم أفضلُ منْ قتالِ الكفارِ، قالُوا: لِمَا يلحقُ المسلمينَ منَ الضررِ منْهم. واعلمْ أنهُ يتعيَّنُ أَوَّلًا قبلَ قتالِهمْ دعاؤُهم إلى الرجوعِ عنِ البغي وتكريرُ الدعاءِ كما فعلَ علي ﵇ في الخوارجِ فإنَّهم لما فارقُوه أرسلَ إليهمُ ابنَ عباسٍ

стр. 1946

فناظرَهُم فرجعَ منْهم أربعةُ [آلاف] (١) وكانُوا ثمانيةَ آلافٍ [فبقي] (٢) أربعةٌ أَبَوْا أنْ يرجعُوا وأصرُّوا على فراقِه فأرسلَ إليهمْ: "كونُوا حيثُ شِئْتُم وبينَنَا وبينَكم أنْ لا تسفكُوا دمًا حَرَامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تَظْلِمُوا أَحَدًا"، فقتلُوا عبدَ اللهِ بنَ خبابٍ صاحبَ رسولِ اللهِ ﷺ ثمَّ بقَرُوا بطنَ [سُرِّيته] (٣) وهيَ حُبْلَى وأخرجُوا ما في بَطْنِها، فبلغَ عليًا كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ فكتبَ إليهمْ أقيدُونا بقاتلِ عبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ فقالُوا: كلُّنا قتلَه، فَأَذِنَ حينئذٍ في قِتَالِهمْ، وهيَ رواياتٌ ثابتةٌ ساقَها المصنفُ في [الفتح] (٤). المسالةُ الثانيةُ: أنهُ لا يجهزُ على جريحِهَا، وهوَ مِنْ أَجْهَزَ علَى الجريحِ، وجَهَزَ أيْ بتت قتلَه [وأسرعَهُ] (٥) وتمَّمَ عليهِ، ودليلُه قولُه: ولا يجهزُ على جريْحِها. وأخرجَ البيهقيُّ (٦) أنَّ عليًا ﵇ قالَ لأصحابهِ يوم الجملِ: "إذا ظهرتُم على القومِ فلا تطلبُوا مُدْبِرًا ولا تُجْهِزُوا على جريحٍ وانظُروا ما حضرتْ بهِ الحربُ منْ آلتِه فاقبضُوه وما سِوَى ذلكَ فهوَ لِوَرَثَتِهِ". قالَ البيهقيُّ (٦): هذَا منقطعٌ والصحيحُ أنهُ لم يأخذْ شيئًا ولم يسلبْ قتيلًا. ودلَّ الحديث أيضًا على أنه لا يقتلُ أسيرُ البغاةِ، قالوا: وهذا خاصٌ بالبغاة لأنَّ قتالَهم إنَّما هوَ لِدَفْعِهِمْ عنِ المحاربةِ. ودلَّ الحديثُ أيضًا على أنهُ لا يطلبُ هاربُها، وظاهرُه ولوْ كانَ متحيِّزًا إلى فئةٍ، وإلى هذَا ذهبَ الشافعيُّ قالَ: لأنَّ القصْدَ دفْعَهُم في تلكَ الحالِ وقدْ وقعَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّ الهاربَ إلى فئةٍ يُقْتَلُ إذْ لا يُؤْمَنُ عَوْدُهُ، والحديثُ يردُّ هذا القولَ وكَذَا ما تقدَّمَ منْ كلامِ عليٍّ ﵇. المسالةُ الثالثةُ: قولُه: (ولا يُقْسَمُ فيئُها) أي لا يُغْنَمُ فيقسمُ، دالٌّ على أنَّ أموالَ البغاةِ لا تغنمُ وإنْ أجْلَبُوا بها إلى دارِ الحربِ، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ
следующие страницы →