← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1942–1981 · переход к 1947.

стр. 1942

في صِحَّتهِ، ولو كانَ غيرَ صحيحٍ لردَّه معاويةُ، وإنَّما قالَ معاويةُ: قتلَه مَنْ جاءَ بهِ، ولوْ كانَ فيهِ شكٌّ لأنكره وردَّه حتَّى أجابَ عمرُو بنُ العاص على معاويةَ قالَ: فرسولُ اللهِ ﷺ قتلَ حمزةَ؟ وأما ما نقلَهُ المصنفُ [ابن حجر] (١) في "التلخيص" (٢): وتَبعَهُ الشارحُ في نقلِه منْ أنهُ نقلَ ابنُ الجوزيِّ عنْ [الخلال] (٣) في "العِلَلِ" أنهُ حُكِيَ عنْ أحمدَ [بن

стр. 1943

حنبل] (١) أنهُ قالَ: رُوِيَ هذا الحديثُ منْ ثمانيةٍ وعشرينَ طريقًا ليسَ فيها طريقٌ صحيحٌ. وحُكِيَ أيضًا عنْ أحمدَ وابنِ معين وابنِ أبي خيثمةَ أنَّهم قالُوا: لم يصحَّ. فقدْ أجابَ السيِّدُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ (٢) ﵀ عنْ هذا بقولِه: الاسترواحُ إلى ذِكْرِ هذا الخلافِ الساقطِ [بالمرة والمطَّرح بالأصالة] (٣) منْ غيرِ بيانٍ لبطْلانِهِ منْ مثلِ ابنِ حجرٍ عصبيةً شنيعةً [ومسقطة قبيحة] (٤)، فأما ابنُ الجوزيِّ فلمْ يعرفْ هذا الشأنَ [ولا هو من أهل فرسان هذا الميدان] (٥)، وقدْ ذكرَ الذهبيُّ في ترجمتِه في "التذكرةِ" (٦) كثرةَ خَطَئِهِ في مصنفاتِه، فهوَ أجهلُ وأحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه وحفَّاظِه كابنِ عبدِ البرِّ والبخاريِّ ومسلمٍ والحميديِّ. وقدْ رواهُ كاملًا أبو داودَ والترمذيُّ والذهبيُّ والحاكمُ وابنُ خزيمةَ والقرطبيُّ والإسماعيليُّ والبرقانيُّ وأمثالُهم، وقدْ ذكرَ جملةٌ منْهم تواترَه، وصِحَّتَهُ وجماعةٌ منهم إجماعَ أهلِ السنةِ وأهلِ الفقهِ وأهلِ العلمِ على تواتره، وذكَرَهُ القرطبيُّ في آخرِ تَذْكِرَتهِ (٧)، والحاكمُ في "علوم الحديثِ" (٨) لهُ، وحكاهُ عنِ ابنِ خزيمةَ المعروفِ بإمامِ الأئمةِ ولم يحكِ أحدٌ عنْهم خِلافًا في ذلكَ. وأما الذهبيُّ فإنَّهُ حقَّقَ صِحَّةَ دَعْواهُ بما أوردَهُ منَ الطُّرقِ الصحيحةِ الجمَّةِ. والمنعُ منَ [صحتهِ] (٩) بمجرَّدِ العصبيةِ منْ غيرِ حُجَّةٍ صنع مَنْ لا علمَ لهُ بلْ منْ لا عقلَ له ولا حياءَ له، انتَهى. [كلام السيد محمد بن إبراهيم] (١٠). قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ ابنَ الجوزي نقلَ عنْ أحمدَ عدمَ صِحَّتِه، وليسَ هوَ قدحٌ في صحتهِ حتَّى يُقَالَ إنهُ أحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه

стр. 1944

[وحفَّاظهِ] (١)، فالأَوْلَى في الجوابِ عنْ نقلِ ابنِ الجوزيِّ ما قالَه السيِّدُ محمدٌ [أيضًا] (٢)، إنهُ قدْ رَوَى يعقوبُ بنُ شيبةَ الإمامُ الثقةُ الحافظُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنهُ قالَ فيهِ: إنهُ حديثٌ صحيحٌ سَمِعَهُ عنهُ يعقوبُ وقدْ سُئِلَ عنهُ. ذكرهُ الذهبيُّ في ترجمةِ عمارِ في "النبلاءِ" (٣)، ويؤيدُه أنهُ رواهُ أحمدُ عنْ جماعةٍ [كثيرةٍ] (٤) منَ الصحابةِ وكانَ يَرَى الضَّربَ عن [رواية الضعفاء] (٥) والمنكراتِ. وهذَا يدلُّ على بُطْلانِ ما حكاهُ ابنُ الجوزيِّ، وإلَّا فغايتُه أنهُ قدْ تعرضَ عنْ أحمدَ القولانِ فيطرحُ، وفي تصحيحِ غيرِه ما يغني عنهُ كما لا يخْفَى. وأما الحكايةِ عنِ ابنِ مَعِيْنٍ وابنِ أبي خيثمةَ فإنهُ رَوَاها المصنفُ بصيغةِ التمريضِ ولم ينسبْها إلى راوٍ فيتكلَّمُ عليها. والحديثُ دليلٌ على أنَّ الفئةَ الباغية معاويةُ ومَنْ في حِزْبهِ، والفئةُ المحقَّةُ عليٌّ كرم اللهُ وجهه ومَنْ في صُحْبَتِهِ، وقدْ نَقَلَ الإجماعَ منْ أهلِ السنةِ بهذا القولِ جماعةٌ مِنْ أئمتِهِمْ كالعامريِّ وغيرِه وأوضحْناه في "الروضةِ النديَّةِ" (٦). قتال البغاه والأحكام المتعلقة به ٤/ ١١٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغى مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ؟ "، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيؤُهَا". رَوَاهُ الْبَزَّارُ (٧) وَالْحَاكِمُ (٨)، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ، لأَنَّ في إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ (٩). [ضعيف]

стр. 1945

- وَصَحَّ عَنْ عَليٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (١) وَالْحَاكِمُ (٢). [ضعيف] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : هلْ تدري يا ابنَ أمِّ عَبْدٍ) هوَ عبد اللهِ بنُ مسعودٍ لأنهُ المعروفُ بذلكَ وكأنهُ رواهُ عنهُ ابنُ عمرَ ﵄ أو سمعَ النبيَّ ﷺ يحدِّثُه (كيفَ حُكمُ اللهِ فيمَنْ بَغَى منْ هذهِ الأمةِ؟ قالَ: اللهُ ورسولُه أعلمْ، قالَ: لا يُجْهَزُ علي جريحِها) أي لا يتمّمُ قتل مَنْ كانَ جريحًا منَ البغاةِ (ولا يُقْتَلُ أسيرُها ولا يُطْلَبُ هاربُها ولا يقسمُ فَيْئُها. رواهُ البزَّارُ والحاكمُ وصحَّحَهُ فوهِمَ لأنَّ في إسنادهِ كوثرَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الواوِ ومثلثةٍ مفتوحةٍ فراءٍ (ابنَ حكيمٍ، وهوَ متروكٌ، وصحَّ عنْ عليٍّ ﵁ نحوُه منْ طرقٍ نحوه موقوفًا. أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ والحاكمُ)، في "الميزان" (٣) كوثرُ بنُ حكيمٍ عنْ عطاءٍ ومكحولٍ وهوَ كوفيٌّ نزلَ حلبَ، قالَ ابنُ معينٍ: ليسَ بشيءٍ، قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: أحاديثُه بواطيلُ، انتَهى. قالَ ابنُ عديٍّ (٤): هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. وأما الروايةُ عنْ عليٍّ ﵇ فَرَوَاها البيهقيُّ (٥) وغيرُه. وفي الحديثِ مسائلُ: الأولى: جوازُ قتالِ البغاةِ وهوَ إجماعٌ لقولهِ تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٦). قلتُ: والآيةُ دالُّةٌ على الوجوبِ وبهِ قالتِ الهادويةُ، ولكنْ شَرَطُوا ظنَّ الغلبةِ. وعندَ جماعةٍ منَ العلماء أنَّ قتالَهم أفضلُ منْ قتالِ الكفارِ، قالُوا: لِمَا يلحقُ المسلمينَ منَ الضررِ منْهم. واعلمْ أنهُ يتعيَّنُ أَوَّلًا قبلَ قتالِهمْ دعاؤُهم إلى الرجوعِ عنِ البغي وتكريرُ الدعاءِ كما فعلَ علي ﵇ في الخوارجِ فإنَّهم لما فارقُوه أرسلَ إليهمُ ابنَ عباسٍ

стр. 1946

فناظرَهُم فرجعَ منْهم أربعةُ [آلاف] (١) وكانُوا ثمانيةَ آلافٍ [فبقي] (٢) أربعةٌ أَبَوْا أنْ يرجعُوا وأصرُّوا على فراقِه فأرسلَ إليهمْ: "كونُوا حيثُ شِئْتُم وبينَنَا وبينَكم أنْ لا تسفكُوا دمًا حَرَامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تَظْلِمُوا أَحَدًا"، فقتلُوا عبدَ اللهِ بنَ خبابٍ صاحبَ رسولِ اللهِ ﷺ ثمَّ بقَرُوا بطنَ [سُرِّيته] (٣) وهيَ حُبْلَى وأخرجُوا ما في بَطْنِها، فبلغَ عليًا كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ فكتبَ إليهمْ أقيدُونا بقاتلِ عبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ فقالُوا: كلُّنا قتلَه، فَأَذِنَ حينئذٍ في قِتَالِهمْ، وهيَ رواياتٌ ثابتةٌ ساقَها المصنفُ في [الفتح] (٤). المسالةُ الثانيةُ: أنهُ لا يجهزُ على جريحِهَا، وهوَ مِنْ أَجْهَزَ علَى الجريحِ، وجَهَزَ أيْ بتت قتلَه [وأسرعَهُ] (٥) وتمَّمَ عليهِ، ودليلُه قولُه: ولا يجهزُ على جريْحِها. وأخرجَ البيهقيُّ (٦) أنَّ عليًا ﵇ قالَ لأصحابهِ يوم الجملِ: "إذا ظهرتُم على القومِ فلا تطلبُوا مُدْبِرًا ولا تُجْهِزُوا على جريحٍ وانظُروا ما حضرتْ بهِ الحربُ منْ آلتِه فاقبضُوه وما سِوَى ذلكَ فهوَ لِوَرَثَتِهِ". قالَ البيهقيُّ (٦): هذَا منقطعٌ والصحيحُ أنهُ لم يأخذْ شيئًا ولم يسلبْ قتيلًا. ودلَّ الحديث أيضًا على أنه لا يقتلُ أسيرُ البغاةِ، قالوا: وهذا خاصٌ بالبغاة لأنَّ قتالَهم إنَّما هوَ لِدَفْعِهِمْ عنِ المحاربةِ. ودلَّ الحديثُ أيضًا على أنهُ لا يطلبُ هاربُها، وظاهرُه ولوْ كانَ متحيِّزًا إلى فئةٍ، وإلى هذَا ذهبَ الشافعيُّ قالَ: لأنَّ القصْدَ دفْعَهُم في تلكَ الحالِ وقدْ وقعَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّ الهاربَ إلى فئةٍ يُقْتَلُ إذْ لا يُؤْمَنُ عَوْدُهُ، والحديثُ يردُّ هذا القولَ وكَذَا ما تقدَّمَ منْ كلامِ عليٍّ ﵇. المسالةُ الثالثةُ: قولُه: (ولا يُقْسَمُ فيئُها) أي لا يُغْنَمُ فيقسمُ، دالٌّ على أنَّ أموالَ البغاةِ لا تغنمُ وإنْ أجْلَبُوا بها إلى دارِ الحربِ، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ

стр. 1947

والحنفيةُ وأيَّدَ هذَا بقولِه ﷺ : "لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بطيبةٍ منْ نفسهِ" (١)، وقدْ صحَّحَ البيهقي أنَّ عليًا ﵇ لم يأخذْ سَلْبًا. فأخرجَهُ (٢) عنِ الدَّرَاوَرْدِي عنْ جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيه أن عليًا ﵇ كان لا يأخذ سلبًا. وأخرج (٣) أيضًا عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي شيبةَ عنْ جعفرِ بن محمدٍ عنْ أبيهِ أنَّ عليًا ﵇ يومَ البصرةِ لم يأخذْ منْ متاعِهم شَيْئًا. وأخرجَ (٤) عنْ أبي أمامةَ قالَ: شهدتُ يومَ صِفِّينَ، وكانُوا لا يُجْهِزُونَ على جريحٍ ولا يقتلونَ مُولِّيًا ولا يسلبونَ قتيلًا. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يُغْنَمُ ما أجلبُوا به منْ مالٍ وآلةِ حَرْبٍ ويخمسُ لقولِ عليٍّ ﵇: لكمُ المعسكرُ وما حَوَى، وأُجِيْبَ بأنَّ الحديثَ مصرِّحٌ بأنَّها لا تغنَمُ وبأنَّ ما ذكرْنَاهُ عنْ عليٍّ ﵇ مما يوافقُ الحديثَ أكثرَ وأقْوى طريقًا. المسالةُ الرابعةُ: يُؤخَذُ منْ [إطلاقِ] (٥) قولِه: (ولا يُجْهَزُ على جرِيْحها) أنهُ لا يضمنُ البغاةُ ما أتلفُوه في القتالِ منَ الدماءِ والأموالِ، وإليهِ ذهبَ الإمامُ يحيى والحنفيةُ، واستدلَّ أيضًا بقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (٦) ولم يذكرْ ضمانًا، وبما أخرجَهُ البيهقيُّ (٧) عنِ ابنِ شهابٍ قالَ: هاجتِ الفتنةُ الأُولى فأدركتِ - أي الفتنةُ - رجالًا ذوي عدد منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ممنْ شهدَ معَهُ بدْراً، وبَلَغَنَا أنَّهم كانُوا يرونَ أنْ يهدرَ أمرُ الفتنةِ ولا يقامَ فيها على رجلٍ قاتلٍ في تأويلِ القرآنِ قصاصٌ فيمنْ قتلَ ولا حدَّ [فيمن] (٨) سبا امرأةٍ سُبِيَتْ، ولا يُرَى عليها حدٌّ، ولا بينَها وبينَ زَوْجِها ملاعنةٌ ولا يَرَى أنْ يقذفَها أحدٌ إلَا جُلِدَ الحدَّ، وَيرَى أنْ تردَّ إلى زَوْجِها الأولِ بعدَ أن تعتدَّ فتنقضي عدَّتُها منْ زوجِها الآخرِ، ويَرَى أنْ يرثَها زوجُها الأولُ. قلتُ: وهذا وإنْ لم يكنْ إجماعًا فإنهُ مقوِّ للبراءةِ الأصليةِ، إذِ الأصلُ أنَّ أموالَ المسلمينَ ودماءَهم معصومةٌ. وذهبَ الشافعيُّ وحُكِيَ عنِ الهادويةِ إلى أنهُ

стр. 1948

يُقْتَصُّ ممنْ قتلَ مِنَ البغاةِ واستدَلُّوا [بعمومِ] (١) الآياتِ والأحاديثِ نحو: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢)، وحديثِ: "منِ اعتبطَ مسلمًا بقتلٍ عنْ بيِّنة فهوَ قَوَدٌ" (٣)، وأجيبَ بأنَّها عموماتٌ خُصَّتْ بما ذُكِرَ منْ أدلةٍ أَهْلِ القولِ الأَوَّلِ. من خرج علَى من اجتمعت عليه الكلمة حلَّ دمه ٥/ ١١٢٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُم جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقْتُلُوهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعنْ عَرْفَجَةَ) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وضمِّ الفاءِ وجيمٍ (ابنِ شريحٍ) بالشينِ المعجمةِ مصغَّرُ شَرْحٍ، وقيلَ بالمهملةِ، ([قال]: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: منْ أَتَاكُم وأمْرُكُم جميعٌ يريدُ أنْ يفرِّقَ جماعتكم فاقْتُلوه. أخرجَهُ مسلم). ورواهُ مسلمٌ (٥) بلفظِ: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ستكونُ هِنَاتٌ وهِنَاتٌ فمنْ أرادَ أنْ يفرِّقَ أمرَ هذِه الأمةِ وهيَ جميعٌ فاضرِبُوه بالسيفِ كائِنًا مَنْ كانَ"، وفي لفظٍ (٦): "فاقتلُوه"، وفي لفظٍ (٧): "مَنْ أَتَاكُم وأَمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريدُ أنْ يشقَّ عَصَاكُم أو يفرِّقَ جماعتَكُم فاقتلُوه". وأخرجَ الشيخانِ (٨) واللفظُ للبخاريِّ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: "منْ رأَى مِنْ أميرِهِ شيئًا يكرهُه فيلصبرْ عليهِ فإنهُ مَنْ فارقَ الجماعةَ شِبْرًا فماتَ ماتَ

стр. 1949

مِيْتَةً جاهليةً"، وفي لفظٍ (١): "مَنْ خرجَ عنِ السلطانِ شبرًا ماتَ ميتةً جاهليةً". دلَّتْ هذهِ الألفاظُ على أنَّ مَنْ خرجَ علَى إمامٍ قدِ [أجمعت] (٢) عليهِ كلمةُ المسلمينَ - والمرادُ أهلُ قُطْرٍ كما قلْناهُ - فإنهُ قدِ استحقَّ القتلَ لإدخالِه الضَّرَرَ على العبادِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ جائرًا أو عادلًا. وقدْ جاءَ في أحاديث تقييدِ ذلكَ بما أقامُوا الصلاةَ (٣)، وفي لفظٍ (٤): "ما لمْ تَرَوْا كفرًا بُواحًا"، وقدْ حقَّقْنَا هذهِ المباحثَ في "منحةِ الغفارِ حاشيةِ ضوءِ النهارِ" (٥) تحقيقاً تُضْرَبُ إليهِ آباطُ الإبلِ، والحمدُ للهِ المنعمِ المتفضِّلِ. * * *

стр. 1950

[الباب الرابع] باب قتال الجاني، وقتل المرتَدِّ من قاتل دون ماله فقُتل فهو شهيد ١/ ١١٢٣ - عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). [صحيح]

стр. 1951

(عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : من قُتِلَ دونَ مالِه فهوَ شهيدٌ. رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحَهُ)، وأخرجَهُ البخاريُّ (١) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ. وأخرجَهُ أصحابُ السُّنَنِ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ منْ حديثِ سعيدٍ بنِ زيدٍ (٢). وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ المقاتلةِ لمنْ قَصَدَ أخذَ مالِ غيرِه بغيرِ حقٍّ قليلًا كانَ أو كثيرًا، وهذا قولُ الجماهيرِ. وقالَ بعضُ المالكيةِ: لا يجوزُ القتالُ على أَخْذِ القليلِ منَ المالِ. قالَ القرطبيُّ: سببُ الخلافِ في ذلكَ هلْ القتالُ لدفعِ المنكرِ فلا [يفرق] (٣) الحالُ بينَ القليلِ والكثيرِ، أوْ مِنْ بابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فيختلفُ الحالُ في ذلكَ؟ وحَكَى أبنُ المنذرِ عنِ الشافعيِّ ﵁ أنَّ مَنْ أريدَ مالُه أو نفسهُ أو حريْمُهُ ولم يكن الدفعُ إلا بالقتلِ فلهُ ذلك وليسَ عليهِ قَوَدٌ ولا دِيَةٌ ولا كفارةٌ لكنْ ليسَ لهُ أنْ يقصدَ القتلَ منْ غيرِ تفصيلٍ. قالَ ابن المنذرِ: والذي عليهِ أهلُ العلمِ أنَّ للرجلِ أنْ يدفعَ عما ذُكِرَ إذا أُرِيْدَ ظلمًا بغيرِ تفصيل، إلَّا أنَّ كلَّ مَنْ يُحْفَظُ عنهُ [العلم] (٤) منْ علماءِ الحديثِ كالمجمعينَ على استثناءِ السلطانِ للآثارِ الواردةِ بالأمرِ بالصبرِ على جَوْرِه وتركِ

стр. 1952

القيامِ عليهِ، وفرَّقَ الأوزاعيُّ بينَ الحالِ التي للناسِ فيها جماعةٌ وإمامٌ فحملَ الحديثَ علَيْها، وأما في [حالة] (١) الفرقةِ والخلافِ فيستسلم ولا يقاتلْ أحدًا. قلتُ: ويؤيدُ ما قالَه ابنُ المنذرِ عنْ أهلِ العلمِ ما أخرجَهُ مسلمٌ (٢) منْ حديثِ أبي هريرةِ مرفُوعًا بلفظِ: "أرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: لا تُعْطِهِ، قالَ: أرأيتَ إنْ قاتلَني؟ قالَ: قاتلْه، قالَ: أرأيتَ إنْ قَتَلَني؟ قالَ: فأنتَ شهيدٌ، قالَ: أرأيتَ إن قتلْتُه؟ قالَ: فهوَ في النارِ"، وظاهرُ الحديثِ إطلاقُ الأحوالِ. قلتُ: هذا في جوازِ قتالِ مَنْ يأخذُ المالَ، فهلْ يجوزُ [ذلك] (٣) أي لمنْ يرادُ أخذَ مالِه ظُلْمًا الاستسلامُ وتركُ المنعِ بالقتالِ، الظاهرُ جوازُه. ويدلُّ له حديثُ: "فكنْ عبدَ اللهِ المقتولِ" (٤)، فإنهُ دالٌّ على جوازِ الاستسلامِ في النفسِ والمالِ بالأَوْلَى، فيحملُ قولُه هُنَا ولا تعطِه على أنهُ نَهْيٌ لغيرِ التحريمِ. الجناية التي تقع لدفع الضرر ٢/ ١١٢٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُم أخاه كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ قالَ: قاتلَ يعلى بنُ أميةَ رجلًا فعضَّ أحدُهما صاحبَه فانتزعَ يدَه منْ فمهِ فنزعَ ثنيَّتَهُ فاختصَما إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يعضُّ أحدُكم) بفتحِ حرفِ المضارعةِ والعينِ المهملةِ ماضيْه عَضِضَ بكسرِ الضادِ الأُولَى يعضَضُ

стр. 1953

بفتحِها في المضارعِ فأدغمتْ ونقلتْ حركتُها إلى ما [قبله] (١) (أخاهُ كما يعضُّ الفحلُ) أي الذكرُ منَ الإبلِ (لا ديةَ لهُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ). اختُلِفَ في العاضِّ والمعضوضِ منْهما، فقالَ الحافظُ (٢): الصحيحُ المعروفُ أنَّ المعضوضَ أجيرُ يَعْلى لا يَعْلى، قيلَ فيتعيَّنُ أنْ يكونَ يَعْلى هوَ العاضُّ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ هذهِ الجنايةَ التي وقعتْ لأَجْلِ الدفعِ عنِ الضررِ تهدرُ ولا ديةَ على الجاني وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ، قالُوا: لا يلزمُه شيءٌ لأنهُ في حكمِ الصائلِ واحتجُّوا أيضًا بالإجماعِ على أنَّ مَنْ شهرَ على آخر سلاحًا ليقتلَه فدفعَ عنْ نفسِه فَقَتَلَ الشاهرَ أنهُ لا شيءَ عليهِ، قالُوا: ولو جرحَهُ المعضوضُ في محلٍّ آخرَ منْ بَدَنِه لم يلزمْه شيءٌ. وشرطُ الإهدارِ أنْ يتألَّمَ المعضوضُ وأن لا يمكنَه تخليصُ يدهِ بغيرِ ذلكَ منْ ضربِ شدقهِ أو فكِّ لِحْيَيْهِ ليرسلَهما، ومهْما أمكنَ التخلصُ [بغير] (٣) ذلكَ فعدلَ عنهُ إلى الأثقلِ لم يهدرْ، وللشافعيةِ وجْهٌ أنهُ يهدرُ علَى الإطلاقِ، ودليلُ شرطِ الإِهْدَارِ بما ذُكِرَ مأخوذٌ منَ القواعدِ الكليةِ في الشرعِ، وإلَّا فلا يفيدُه الحديثُ، فإنْ كانَ العضُّ في موضعٍ آخرَ منَ البدَنِ جَرَى فيهِ هذا الحكمُ قياسًا. عقاب من اطَّلع على أحد بغير إذنه ٣/ ١١٢٥ - وَعَن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح]

стр. 1954

وَفي لَفْظٍ (١) لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: "بِلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قَصَاصَ". [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ أبو القاسم ﷺ : لوْ أنَّ امرأً اطَّلعَ عليكَ بغيرِ إذنٍ فحذفْتَه بحصاةٍ ففقأتْ عينَه لم يكنْ عليكَ جُنَاحٌ، متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على تحريم الاطلاعِ على الغيرِ بغيرِ إِذْنِه، وعلى أنَّ مَنِ اطَّلَع قاصِدًا للنظرِ إلى محلِّ غيرِه مما لا يجوزُ الدخولُ إليهِ إلَا بإذنِ مالكِه فإنهُ يجوزُ للمطَّلعِ عليهِ دفعُه بما ذُكِرَ وإنْ فقأَ عينَه فإنهُ لا ضمانَ عليهِ. (وفي لفظٍ لأحمدَ والنسائيِّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ: فلا ديةَ لهُ ولا قصاصَ)، وأما إذا كانَ مأذُونًا بالنظرِ فالجناحُ غيرُ مرفوعٍ على مَنْ جَنَى على الناظرِ، وكَذَا لو كانَ المنظورُ إليهِ في محلٍّ لا يحتاجُ إلى [إذن] (٢) ولوْ نظرَ منه ما لا يحلُّ النظرُ إليهِ لأنَّ التقصيرَ منَ المنظورِ إليهِ وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ وغيره، والخلافُ فيهِ للمالكيةِ، قالَ يَحْيَى بنُ يعمرِ منَ المالكيةِ: لعلَّ مالِكًا لم يبلغْه الخبرُ، [فقال] (٣) ابنُ دقيقِ العيدِ: تصرَّفَ الفقهاءُ في هذا الحكم بأنواعٍ منَ التصرفاتِ منْها أنهُ يفرَّقُ بينَ أنْ يكونَ هذا الناظرُ واقِفًا في الشارعِ أَوْ في خالصِ مُلْكِ المنظورِ إليهِ أو في سكةٍ منشدَّةِ الأسفلِ اختلفُوا فيهِ والأشهرُ أن لا فَرْقَ، ولا يجوزُ مدُّ العينِ إلى حرمِ الناسِ بحالٍ، وفي وجْهٍ للشافعيةِ أنها لا تُفْقَأُ إلَّا عينُ مَنْ وقفَ في مُلْكِ المنظورِ إليهِ والحديثُ مطلَقٌ. ومنْها: أنهُ هلْ يجوزُ رَمْيُ الناظرِ قبلَ الإنذارِ، والنَّهْي فيهِ وجهانِ للشافعيةِ: أحدُهما: لا، والثاني: نعمْ. قلتُ: وهوَ الذي يدلُّ لهُ الحديثُ ويؤيدُه دلالة الحديثِ الآخرِ: "أنهُ ﷺ جعلَ يختل المطَّلِعَ عليهِ لِيَطْعَنَهُ" (٤)، والختلُ فسَّرهُ في

стр. 1955

"النهاية" (١) بقولِه: [يراودُه] (٢) ويطلبُه منْ حيثُ لا يشعرُ. وفي الحديثِ دليلٌ أنهُ إنَّما يُبَاحُ لهُ قصدُ العَيْنِ بشيءٍ خفيفِ كالمِدْرَى والبندقةِ والحصاةِ لقولِه: فحذفْتَهُ. قالَ الفقهاءُ: فأمَّا لو رَمَاهُ بالنشَّابِ أو بحجرٍ فقتلَه فهذَا [قتيلٌ] (٣) يتعلقُ بهِ القصاصُ أو الدِّيةُ. ومما تصرَّفَ فيهِ الفقهاءُ أنَّ هذا الناظرَ إذا كانَ لهُ مَحْرَمٌ في الدارِ أوْ زوجةٌ أو متاعٌ لم يجزْ قصدُ عَيْنِهِ لأنَّ لهُ في النظرِ شبهةً، وقيلَ: لا يكْفي إذا كانَ لهُ في الدارِ مَحْرَمٌ، بلْ إنَّما يمتنعُ قصدُ عَيْنِهِ إذا لم يكنْ في الدارِ إلَّا محارمُه. ومنْها: إذا لم يكنْ في الدارِ إلَّا صاحبُها فلهُ الرميُ إذا كانَ مكشوفَ العورةِ ولا ضمانَ، وإلَّا فوجهانِ أظهرُهما لا يجوزُ رَمْيُه. ومنْها: أنَّ الحريْمَ إذا كُنَّ في الدارِ مستتراتٍ أوْ في بيتٍ، ففي وجْهٍ لا يجوزُ قصدُ عَيْنِهِ لأنهُ لا يطَّلِعُ علَى شيءٍ، وقالَ بعضُ الفقهاءِ: الأظهرُ الجوازُ لإطلاقِ [الخبر] (٤) وأنهُ لا تنضبطُ أوقاتُ السِّتْرِ والتكشفِ، والاحتياطُ حَسْمُ البابِ. ومنْها: أنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ إذا لم يقصِّرْ صاحبُ الدارِ، فإنْ كانَ بابُه مفتوحًا أوْ ثَمَّ كوةٌ واسعةٌ أو ثَلْمَةٌ مفتوحةٌ فينظرُ فانْ كانَ مجتازًا لم يجزْ قصدُه، وإنْ كانَ وقَفَ وتعمَّدَ فقيلَ: لا يجوزُ قصدُه لتفريطِ صاحبِ الدارِ بفتحِ البابِ وتوسيعِ الكوَّةِ، وقيلَ: يجوزُ لتعديهِ بالنظرِ، وأُجْرِيَ هذا الخلافُ فيما إذا نظرَ منْ سطحِ بيتِه أو نظرَ المؤذِّنُ منَ المِئْذَنَةِ، لكنَّ الأظهرَ [هنا] (٥) عندهم جوازُ الرمي لأنهُ لا تقصيرَ منْ صاحبِ الدارِ. ثمَّ قالَ: واعلمْ أنَّ ما كانَ منْ هذهِ التصرفاتِ الفقهيةِ داخلًا تحتَ إطلاقِ الأخبار فهوَ مأخوذٌ منْها، وما لا فبعضُه مأخوذٌ مِنْ فَهْمِ المعنَى المقصودِ بالحديثِ، وبعضُه مأخوذٌ [بالقياس] (٦) وهوَ قليلٌ فيما ذُكِرَ، انتَهى كلامُه.

стр. 1956

واعلمْ أنهُ يُؤْخَذُ منْ الحديثِ هذا صحةُ قولِ الفقهاءِ إنَّها تُهْدَمُ الصوامعُ المحْدَثَةُ المعورةُ وكَذَا تعليةُ الملكِ إذا كانتْ معورةً، وهوَ مَحْكِيٌّ عنِ القاسمِ الرسيِّ وهوَ رأيُ عمرَ، فإنهُ أخرجَ عنهُ ابنُ عبدِ الحكمِ في "فتوح مصرَ" عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ قالَ: أولُ مَنْ بَنَى غُرْفَةً بمصرَ خارجةُ بنُ حذافةَ، فبلغَ ذلكَ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ فكتبَ إلى عمرِو بنِ العاصِ: "سلامٌ عليكَ، أما بعدُ فإنهُ بلغني أنَّ خارجةَ بنَ حذافةَ بنَى غرفةً ولقدْ أرادَ أن يطَّلِعَ على عوراتِ جيرانِه فإذا أتاكَ كتابي هذَا فاهدمْها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى والسلامُ". ضمان ما أتلفته الماشية على أهلها ٤/ ١١٢٦ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ باللَّيْلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣)، وَفي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ. [صحيح] (وعنِ البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ قالَ: قضَى رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ حِفْظَ الحوائِطِ بالنهارِ

стр. 1957

علي أَهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشيةِ بالليلِ علي أَهْلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابتْ ماشيتُهم بالليل. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلا الترمذيَّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وفي إسنادِه اختلافٌ) ومدارُه على الزُّهريِّ، وقد اختُلِفَ عليهِ، فإنهُ رُويَ منْ طرقٍ كلُّها عنِ الزهريِّ عنْ حرامٍ عنِ البراءِ، وحرامٌ لم يسمعْ منَ البراءِ قالَه عبدُ الحقِّ تَبَعًا لابنِ حزمٍ (١). وأخرجَه البيهقيُّ (٢) منْ طُرقٍ وفيها الاختلافُ إلَّا أنهُ قالَ الشافعيُّ ﵀: أخذْنا بهِ لثبوتِه واتصالِه ومعرفةِ رجالِه. قالَ البيهقيُّ (٣): ورُوّينَاه عنِ الشعبيِّ عنْ شُرَيْحٍ أنهُ كانَ يضمنُ ما أفسدت الغَنَمُ بالليلِ ولا يضمنُ ما أفسدت بالنهارِ ويتأولُ هذهِ الآيةِ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (٤)، وكانَ يقولُ: النَّفْشُ بالليلِ. وَرُوِيَ مرةً عنْ مسروقٍ إذْ نفشتْ فيهِ غنمُ القومِ قالَ: كانَ كَرْمًا فدخلتْ فيهِ ليلًا فما تركتْ فيهِ [خُضَرًا، فدلَّ] (٥) الحديثُ أنهُ لا يضمنُ مالكُ البهيمةِ ما جنتْه في النهارِ لأنهُ يعتادُ إرسالَها بالنهارِ ويضمنُ ما جنتْه بالليلِ لأنهُ يعتادُ حفظَها بالليلِ وإلى هذا ذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ والشافعيُّ، ودليلُهم الحديثُ والآيةُ. وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ لا ضمانَ على أهلِ الماشيةِ مطلقًا وحجَّتُه حديثُ: "العجماءِ جَرحَها جبارٌ" أخرجَهُ أحمدُ (٦) والشيخانِ (٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ،

стр. 1958

وأحمدَ (١) والنسائيِّ (٢) وابنِ ماجهْ (٣) عنْ عمرَ وابنِ عوفٍ وفيهِ زيادةٌ ولكنَّهُ قالَ الطحاويُّ: مذهبُ أبي حنيفةَ أنهُ لا ضمانَ إذا أرسلَها معَ حافظٍ، وأما إذا أرسلَها منْ دونِ حافظٍ فإنهُ يضمنُ، وكذَا المالكيةُ يقيِّدون ذلكَ بما إذا سرحتِ الدوابُّ في مسارحِها المعتادةِ للرَّعْي، وأما إذا كانتْ في أرضٍ مزروعةٍ لا مسرحَ فيها فإنَّهم يضمنونَ ليلًا أوْ نهارًا. وفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ لا تناسبُ هذا النصَّ ولا دليلَ لها [تقاومه، فالعمل بما أفادته الآية والنص متعين الحديث] (٤). هل يستتاب المرتد أم لا ٥/ ١١٢٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁ في رَجُلٍ أَسْلَمَ ثمّ تَهَوَّدَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). وفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (٦): وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذلِكَ. [صحيح] (وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁ في رجلٍ أَسْلَمَ ثمَّ تهوَّدَ: لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ قضاءُ اللهِ

стр. 1959

ورسولِه)، [جاز] (١) في قضاءٍ رفْعُه على أنهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ونصْبُه على أنهُ مصدرٌ حُذِفَ فعلُه، وهُوَ [يريد] (٢) حديثَ: "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلُوه"، سيأتي مَنْ [أخرجه (٣)] (٤)، (فَأمِرَ بهِ فَقُتِلَ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةِ لأبي داودَ كانَ قدِ استُتِيْبَ قبلَ ذلكَ). الحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ قتلُ المرتدِّ وهوَ إجماعٌ، وإنَّما وقعَ الخلافُ هلْ تجبُ استتابتُه قبلَ قَتْلِهِ أَوْ لا؟ ذهبَ الجمهورُ إلى وجوبِ الاستتابةِ لما [ورد] (٥) في رواية أبي داودَ (٦) هذهِ، ولهُ في روايةٍ أُخرى فدعاهُ أبو موسَى عشرينَ ليلةً أوْ قَرِيبًا منْها وجاءَ معاذٌ فدعاهُ فأَبَى فضرَبَ عنقَه. وذهبَ الحسنُ وطاوسُ وأهلُ الظاهرِ وآخرونَ إلى عدمِ وجوبِ استتابةِ المرتدِ وأنهُ يُقْتَلُ في الحالِ مستدلِّينَ بقولِه ﷺ : "منْ بدَّلَ دِيْنَهُ فاقتلُوه" (٧)، يعني والفاءُ تفيد التعقيبَ كما لا يخْفَى، ولأنَّ حكمَ المرتدِّ حكمُ الحربيِّ الذي بلغتْهُ الدعوةُ فإنهُ يُقَاتَلُ مِنْ دونِ أنْ يُدْعَى، قالُوا: وإنما شُرِعَتِ الدعوةُ لمنْ خرجَ عنِ الإسلامِ لا عنْ بصيرةٍ، وأما مَنْ خرجَ عنْ بصيرةٍ فلا. وعنِ ابنِ عباسٍ وعطاءٍ إنْ كانَ أصلُه مُسْلِمًا لم يُسْتَتَبْ وإلَّا اسْتُتِيْبَ، نَقَلَه عنْهما الطحاويُّ. ثمَّ للقائلينَ بالاستتابةِ خلافٌ آخَرُ وهوَ أنهُ هلْ يكفي مرةً أو لا بدَّ منْ ثلاثٍ في مجلسٍ، أوْ في يومٍ أوْ في ثلاثةِ أيامٍ؟ ويُرْوَى عنْ عليٍّ يستتابُ شَهْرًا. ٦/ ١١٢٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٨). [صحيح]

стр. 1960

(وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ بدَّلَ دِيْنَهُ فاقتلُوه. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ قَتْلِ مَنْ بدَّلَ دينَه كما تقدَّم وهوَ عامٌّ للرجلِ والمرأةِ، والأَوَّلُ إجماعٌ وفي الثاني خلافٌ. ذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها تُقْتَلُ المرأةُ المرتدَّةُ لأنَّ كلمةَ "مِنْ" هُنَا تعمُّ الذَّكَرَ والأُنْثَى (١)، ولأنهُ أخرجَ ابنُ المنذرِ عنِ ابنِ عباسٍ راوي الحديثِ أنهُ قالَ: "تُقْتَلُ المرأةُ المرتدَّةُ"، ولمَا أخْرَجَهُ هوَ والدارقطنيُّ: "أنَّ أبا بكرٍ ﵁ قَتَلَ امرأةً مرتدَّةً في خلافتِه والصحابةُ متوافرونَ ولم ينكرْ عليهِ أحدٌ" (٢) وهوَ حديثٌ حسنٌ. وأخرجَ أيضًا (٣) حديثًا مرفُوعًا في قَتْلِ المرأةِ ولكنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وقدْ وقعَ في حديثِ معاذٍ (٤) حينَ بعثَه النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ أنهُ قالَ لهُ: "أيُّما رجلٍ ارتدَّ عنِ الإسلامِ فادْعُه فإنْ عادَ وإلا فاضربْ عُنُقَهُ، وأيُّما امرأةٍ ارتدَّتْ عن الإسلامِ فادعُها فإنْ عادتْ وإلا فاضربْ عُنُقَها"، وإسنادُه حَسَنٌ وهوَ نصٌّ في محلِّ النِّزاعِ. وذهبَ الحنفيةُ إلى أنَّها لا تقتلُ المرأةُ إذا ارتدتْ، قالُوا لأنهُ قدْ وردَ عنْهُ ﷺ

стр. 1961

النهيُ عنْ قتلِ النساءِ لما رأَى امرأةً مقتولةً وقالَ: ما كانتْ هذهِ لِتُقَاتِلَ. رواهُ أحمدُ (١). وأجابَ الجمهورُ بأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ عنْ قتلِ [المرأةِ] (٢) الكافرةِ الأصْلِيَّةِ كما وقعَ في سياقِ قصةِ النَّهْي فيكونُ النَّهْيُ مخصُوصًا بما فُهِمَ منَ العلَّةِ وهوَ لما كانتْ لا تقاتلُ، فالنَّهْيُ عنْ قَتْلِهَا إنَّما هوَ لِتَرْكِهَا المقاتلةَ فكانَ ذلكَ في دينِ الكفارِ الأصليينَ المتحزبينَ للقتالِ وبقيَ عمومُ قولِه مَنْ بدَّلَ دينَه [فاقتلوه] (٣) سالمًا عنِ المعارضِ وأيَّدَتْهُ الأدلةُ التي سلَفتْ. واعلمْ أنَّ ظاهرَ الحديثِ إطلاقُ التبديلِ فيشملُ [من كان نصرانيًا ثم تهوَّد والعكس وكذا غيره] (٤) منَ الأديانِ الكفريةِ، وإلى هذَا ذهبتِ الشافعيةُ، وسواءٌ كانَ مِنَ الأديانِ التي تقرَّرت بالجزيةِ أمْ لا لإطلاقِ هذَا اللفظِ، وخالفتِ الحنفيةُ في ذلكَ وقالُوا: ليسَ المرادُ إلَّا تبديلَ الكفرِ بعدَ الإسلامِ، قالُوا: وإطلاقُ الحديثِ متروكٌ اتفاقًا في حقِّ الكافرِ إذا أسلمَ معَ تناولِ الإطلاقِ وبأنَّ الكفرَ ملةٌ واحدةٌ، فالمرادُ مَنْ بدَّلَ دينَ الإسلامِ بدينٍ آخرَ، فإنهُ قدْ أخرجَ الطبرانيُّ (٥) منْ حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "مَنْ خالَفَ دينَه دينَ الإسلامِ فاضربُوا عنقه"، فصرَّحَ بدينِ الإسلامِ. حكم من سب النبيَ ﷺ - ٧/ ١١٢٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ أَعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ الْمِعْوَلَ،

стр. 1962

فَجَعَلَهُ في بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "أَلَا اشْهَدُوا فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ أعْمى كانتْ لهُ أمُّ ولدٍ تشتمُ النبيَّ ﷺ وتقعُ فيهِ فينْهاها فلا تنتهي فلمَّا كانَ ذاتَ ليلةٍ أخذَ المِعْوَلَ) بكسرِ الميمِ وعينٍ مهملةٍ وفتحِ الواو [الحديدة ينقر بها الجبال] (٢) (فجعلَه في بطْنِها واتَّكأَ عليهِ فقتلَها فبلغَ ذلك النبيَّ ﷺ فقالَ: ألا اشْهَدُوا أن دَمها هَدَرٌ. رواهُ أبو داودَ ورواتُه ثِقَاتٌ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يُقْتَلُ منْ سبَّ النبيَّ ﷺ ويُهْدَرُ دمُه، [فإنْ] كانَ مُسْلِمًا كان سبُّه لهُ ﷺ رِدَّةً فيقتلُ، قالَ ابنُ بطَّالٍ من غيرِ استتابةٍ. ونقلَ ابنُ المنذرِ عن الأوزاعيِّ والليثِ أنهُ يستتابُ، وإنْ كانَ منْ أهلِ العهدِ فإنهُ يقتلُ إلَّا أنْ يُسْلِمُ. ونقلَ ابنُ المنذرِ عنِ الليثِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ أنهُ يُقْتَلُ أيضًا من غيرِ استتابةٍ، وعنِ الحنفيةِ أنهُ يُعَزَّرُ المعاهِدُ ولا يُقْتَلُ، واحتجَّ الطحاويُّ بأنهُ ﷺ لم يقتلِ اليهودَ الذينَ قالُوا السَّامُ عليكَ (٣) ولوْ كانَ هذا مِنْ مسلمٍ لكانَ رِدَّةً ولأنَّ ما همْ عليهِ منَ الكفرِ أشدُّ منَ السبِّ. قلتُ: يؤيدُه أنَّ كفرَهم بهِ ﷺ معناهُ أنهُ كذابٌ وأيُّ سبٍّ أفحشُ منْ هذَا وقدْ أُقرُّوا عليهِ، إلا أنْ يُقَالَ: إنَّ هذا النصَّ في حديثِ الأَمةِ يقاسُ عليهِ أهلُ الذِّمةِ. وأما القولُ بأنَّ دماءَهمْ إنما حُقِنَتْ بالعهدِ وليسَ في العهدِ أنَّهم لا يسبُّونَ النبيَّ ﷺ فمنْ سبَّهُ منْهم انتقضَ عهدُه فيصيرُ كافرًا بلا عهدٍ فَيُهْدَرُ دمُه، فقدْ يُجَابُ عنهُ أنَّ عهدَهم تضمَّنَ إقرارَهم على تكذيبِهم لهُ ﷺ وهوَ أعظمُ سبٍّ إلَّا أنْ يقالَ يُخَصُّ منْ بينِ غيرِهِ منَ السبِّ، واللهُ أعلمُ.

стр. 1963

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [الكتاب الثاني عشر] كتاب الحدود الحدودُ جَمْعُ حدٍّ، [والحدُّ أصْلُه] (١) ما يُحْجَزُ بين [الشيئين] (٢) فَيَمْنَعُ اختلاطَهما، سُمِّيَتْ هذهِ العقوباتُ حدودًا لكونِها تمنعُ عنِ المعاودةِ، ويُطْلَقُ الحدُّ على التقديرِ. وهذهِ الحدودُ مقدَّرةٌ منَ الشارع، ويُطْلَقُ الحدُّ على نفسِ المعاصي نحوَ قوله تعالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣) وعلى فعلٍ فيهِ شيءٌ مقدَّرٌ نحوَ قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤). [الباب الأول] باب حد الزاني حدُّ الزاني غير المحصَن ١/ ١١٣٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ اللهَ إِلا قَضَيْتَ لي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقالَ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لي، فَقَالَ: "قُلْ"، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا،

стр. 1964

فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُوني أَنَّ عَلَى ابْني جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِينَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةِ وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ أنَّ رجلًا منَ الأَعْرَابِ أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أَنْشُدُكَ) قالَ في "الفتح" (٢): ضمَّنَ أنشدكَ أذكركَ فحذفَ الباءَ أي أذكِّرُكَ اللهَ رافعًا نشدتي أي صوتي، وهوَ بفتحِ أوله ونون ساكنةٍ وضمِّ الشِّينِ المعجمةِ أي أسألُك (اللهَ إلَّا قضيتَ لي بكتابِ اللهِ تعالَي) استثناءٌ مفرَّغٌ إذِ المعنَى لا أنشدكَ إلَّا القضاءَ بكتاب اللهِ (فقالَ الآخَرُ وهوَ أفقهُ منهُ) كأنَّ الراوي يعرفُ أنهُ أفقهُ أوْ منْ كونهِ سألَ أهَلَ الفقهِ (نعمْ فاقضْ بينَنا بكتابِ اللهِ وائذنْ لي فقالَ: قلْ، فقال: إنَّ ابْني كانَ عَسِيْفًا) بالعينِ المهملةِ والسينِ المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ بزنة أجير ومعناه، (على هذَا: فَزَنَى بامرأتِه. وإني أُخْبرتُ أنَّ على ابْني الرَّجْمَ فافتديتُ منهُ بمائةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهلَ العلمِ فأخبروني أنَّ على ابْني جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ وأنَّ على امرأةِ هذَا الرَّجْمَ، فقالَ رسولُ اللهِ: والذي نفسي بيدِه لأقضينَّ بينَكُما بكتابِ اللهِ: الوليدةُ والغنمُ رد عليك) أي مردود عليك،

стр. 1965

ومعناه يجب ردها لأن الحدود لا تقبل الفداء (وعلى ابنِكَ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ) كأنهُ ﷺ قدْ علمَ أنهُ غيرُ محصَنٍ وقدْ كانَ اعترفَ بالزِّنَى (واغدُ يا أُنَيْسُ) تصغيرُ أَنَسٍ (١) رجلٌ منَ الصحابةِ لا ذِكْرَ لهُ إلَّا في هذا الحديثِ [وهو عبد أنس بن مالك] (٢) (إلى امرأةِ هذَا فإنِ اعترفتْ فارجُمْها. متفقٌ عليهِ وهذا اللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ الحدِّ على الزاني غيرِ المحصَنِ مائةِ جلدةٍ وعليهِ دلَّ القرآنُ، وأنهُ يجبُ عليهِ تغريبُ عامٍ وهوَ زيادةٌ على ما دلَّ عليهِ القرآنُ، ودليلٌ علَى أنهُ يجبُ الرَّجْمُ على الزَّاني المحصَنِ وعلَى أنهُ [يكتفي] (٣) في الاعترافِ بالزِّنَى مرةً واحدةً كغيرِه منْ سائرِ الأحكامِ، وإلى هذَا ذهبَ الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وداودُ وآخرونَ (٤) وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والحنابلةُ وآخرونَ (٥) إلى أنهُ يُعْتَبَرُ في الإقرارِ بالزِّنَى أربعُ مراتٍ مستدلِّينَ بما يأْتي منْ قصةِ ماعِز ويأتي الجوابُ عنهُ في [شرحه] (٦). وأمْرُهُ ﷺ أُنَيْسًا بِرَجْمِها بعدَ اعترافِها دليلٌ لِمَنْ قالَ بجوازِ حُكْمِ الحاكمِ في الحدودِ ونحوِها بما أقرَّ بهِ الخصمُ عندَه وهوَ أحدُ قولَيْ الشافعيِّ وبهِ قالَ أبو ثورٍ كما نقلَه [القاضي] (٧) عياضٌ. وقالَ الجمهورُ: لا يصحُّ ذلكَ، قالُوا: وقصةُ أُنَيْسٍ [يتطرقها] (٨) احتمالُ الأَعذَارِ وأنَّ قولَه فارجمْها بعدَ إعلامي أوْ أنهُ فوَّضَ الأمرَ إليهِ، والمعنَى فإذا اعترفتْ بحضرةِ مَنْ يثبتُ ذلكَ بقولهم حَكَمْتَ. قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ هذهِ تكلَّفاتٌ، واعلمْ أنهُ ﷺ لم يبعثْ إلى المرأةِ لأَجْلِ

стр. 1966

إثباتِ الحدِّ عليْها فإنهُ ﷺ قدْ أمرَ باستتارِ مَنْ أَتَى بفاحشةٍ وبالسترِ عليهِ ونَهَى عنِ التجسسِ، وإنَّما [بعثَ إليها] (١) لأنَّها لما قُذِفَتِ المرأةُ بالزنى بعثَ إليها ﷺ لتنكرَ [أو تطالب] (٢) بحدِّ القذفِ أوْ تقرَّ بالزِّنى فيسقطَ عنهُ، فكانَ منْها الإقرارُ فأوجبتْ على نفسِها الحدَّ. ويؤيدُ ما أخرجَهُ أبو داودَ (٣) والنسائي (٤) عنِ ابنِ عباسٍ: "أنَّ رجلًا [أقرَّ أنهُ] (٥) زَنَى بامرأةٍ فجلدَهُ النبيُّ ﷺ مائةً ثمَّ سألَ المرأةَ فقالتْ: كذبَ، فجلدَه جَلْدَ الفِرْيَةِ ثمانينَ". وقدْ سكتَ عليهِ أبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ (٦) واستنكرَهُ النسائيُّ. تغريب الزاني ٢/ ١١٣١ - وَعَنْ عُبَادَةُ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُدُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَة وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبِ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). [صحيح] (وعنْ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : خُذُوا عنِّي خذُوا عنِّي فقد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مائةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثيِّبُ بالثَّيبِ جلدُ مائةٍ والرَّجْمُ. رواهُ مسلمٌ)، إشارةٌ إلى قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٨)، بَيَّنَ [فيه] أنهُ قدْ جعلَ اللهُ تعالَى لهنَّ السبيلَ بما ذكرَهُ [منَ الحكْمِ] (٩).

стр. 1967

وفي الحديثِ [فيه] مسألتانِ: الأُولَى: حكمُ البِكْرِ إذا زَنَى، والمرادُ بالبكرِ عندَ الفقهاءِ الحرُّ البالغُ الذي لم يجامعْ في نكاحٍ صحيحٍ. وقولُه (بالبِكْرِ) هذا خرجَ مَخْرَجَ الغالبِ لا أنهُ يرادُ بهِ مفهومَهُ فإنهُ يجبُ علَى البِكْرِ الجلدُ سواءٌ كانَ معَ بِكْرٍ أو ثَيِّبٍ كما في قصةِ العسيفِ. وقولُه: (ونَفْيُ سنةٍ) فيهِ دليلٌ على وجوبِ التغريبِ للزاني البِكْرِ عامًا وأنهُ منْ تمامِ الحدِّ، وإليهِ ذهبَ الخلفاءُ الأربعةُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (١) وغيرُهُم وادَّعَى فيهِ الإجماعَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ (٢) إلَى أنهُ لا يجبُ التغريبُ، واستدلَّ الحنفيةُ بأنهُ لم يذكرْ في آيةِ النُّورِ، فالتغريبُ زيادةٌ علَى النصِّ وهوَ ثابتٌ بخبرِ الواحدِ فلا يُعْمَلُ بهِ فلا يكونُ ناسِخًا. وجوابُه أنَّ الحديثَ مشهورٌ لكثرةِ طُرقِهِ وَكثرةِ مَنْ عَمِلَ بهِ منَ الصحابةِ، وقدْ عملتِ الحنفيةُ بِمِثْلِهِ بلْ بدونِهِ كنقضِ الوضوءِ منَ القهقهةِ (٣) وجوازِ الوضوءِ بالنبيذِ (٤) وغيرِ ذلكَ مما هوَ زيادةٌ على ما في القرآنِ وهذا مِنْهُ. وقالَ أبنُ المنذرِ: أقسمَ النبيُّ ﷺ في قصةِ العسيفِ أنهُ يقضي بكتابِ اللهِ ثمَّ قالَ: "إنَّ عليهِ جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ"، وهوَ المبيِّنُ لكتابِ اللهِ. وخطبَ بذلكَ عمرُ على رؤوسِ المنابرِ (٥) وكأنَّ الطحاويَّ لما رَأَى ضَعْفَ جوابِ الحنفيةِ هذا أجابَ عنْهم بأنَّ حديثَ التغريبِ منسوخٌ بحديثِ: "إذا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فليجلدْها ثمَّ قالَ في الثالثةَ فليبعْها" (٦) والبيعُ يفوِّتُ التغريبَ، قالَ: وإذا سقطَ عنِ

стр. 1968

الأَمَةِ سقطَ عنِ الحرَّةِ لأنَّها في معْنَاهَا، قالَ: ويتأكَّدُ بحديثِ: لا تسافرِ المرأةُ إلَّا معَ ذي مَحْرَمٍ (١). قالَ: وإذا انتفَى عنِ النساءِ انتَفَى عنِ الرجالِ، انتَهى (٢). وفيهِ ضَعْفٌ لأنهُ مبنيٌّ على أنَّ العامَّ إذا خُصَّ لمْ يبقَ دليلًا، وهوَ ضعيفٌ كما عُرِفَ في الأصولِ. ثمَّ نقولُ: الأَمَةُ خُصِّصَتْ منْ حُكْمِ التغريبِ، وكانَ الحديثُ عامًا في [حكم الذكر] (٣) والأُنْثَى والأَمَةِ والعبدِ، فخصِّصت منهُ الأَمَةُ وبقيَ ما عدَاها داخلًا تحتَ الحكْمِ. واستدلَّ الهادويةُ بما ذكرهُ المهدي في "البحرِ" (٤) منْ قولِه. قلتُ: التغريبُ عقوبةٌ لا حدَّ، لقولِ عليٍّ (٥): "جلدُ مائةٍ وحبسُ سَنَةٍ"، ولنفي عمرَ في الخَمرِ (٦) ولم ينكرْ، ثمَّ قالَ: لا أنفي بعدَها أحدًا والحدودُ لا تسقطُ، انتَهى؛ ولا يخْفَى ضعفُ ما قالَهُ. أمَّا كلامُ عليٍّ ﵁ فإنهُ مؤيِّدٌ لما قالَه الجماهيرُ، فإنهُ جعلَ الحبْسَ عوضًا عنِ التغريبِ فهوَ نوعٌ منهُ، وأما نفيُ عمرَ في الخمرِ فاجتهادٌ منهُ وزيادةً في العقوبةِ، ثمَّ ظهرَ لهُ أنه لا ينفيَ أحدًا باجتهادِه، والنفيُ بالزنى بالنصِّ ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇. وقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ (٧) إنَّ المرأةَ لا تُغَرَّبُ، قالُوا: لأنَّها عورةٌ وفي نَفْيهَا تضييعٌ لها وتعريضٌ للفتنةِ، ولِهذَا نُهِيَتْ [أن تسافرَ] (٨) معَ غيرِ مَحْرَمٍ، ولا يخْفَى أنهُ لا يردُّ ما ذكروه لأنهُ قدْ شرطَ مَنْ قالَ بالتغريبِ أنْ [تكون] (٩) معَ مَحْرَمِهَا

стр. 1969

وتكون أُجْرَتُه منْها إذْ وجبتْ بجنايتِها، وقيلَ في بيتِ المالِ كَأُجْرَةِ الجلَّادِ. وأما الرق فإنهُ ذهبَ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما (١) إلى [أن] (٢) لا يُنْفَى قالُوا: لأنَّ نَفْيَهُ عقوبةٌ لمالكِه لمنعهِ نفعَه مُدَّةَ [تغريبه] (٣) وقواعدُ الشرعِ قاضيةٌ أنهُ لا يُعَاقَبَ إلا الجاني ومِنْ ثم سقطَ فرضُ الجهادِ والحجِّ على المملوكِ. وقالَ الثوريُّ وداودُ (٤): يُنْفَى لعمومِ أدلةِ التغريبِ وبقوله تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) وينصفُ في حقِّ المملوكِ لعمومِ الآيةِ. وأما مسافةُ التغريبِ فقالُوا أقلُّها مسافةُ القصرِ لتحصلَ الغربةُ. وغرَّبَ عمرُ منَ المدينةِ إلى الشامِ (٦)، وغرَّبَ عثمانُ إلى مصرَ (٧). ومَنْ كانَ غريبًا لا وطنَ لهُ غُرِّبَ إلى غيرِ البلدِ التي واقعَ فيها المعَصيةَ. المسالةُ الثانيةُ: في قولِه: "والثيِّبُ بالثيِّبِ"، المرادُ بالثيِّبِ مَنْ قدْ وَطِئَ في نكاحٍ صحيحٍ وهوَ حرٌّ بالغٌ عاقلٌ، والمرأةُ مثلُهُ. وهذا الحكمُ يستوي فيهِ المسلمُ والكافرُ، والحكمُ هوَ ما دلَّ لهُ قولُه جلدُ مائةٍ والرجمُ فإنهُ أفادَ أنهُ يجمعُ للثيِّبِ بينَ الجلدِ والرجمِ وهوَ قولُ عليٍّ ﵇ كما أخرجَهُ البخاريُّ (٨): "أنهُ جلدَ شراحةَ يومَ الخميسِ ورجمَها يومَ الجمعةِ وقالَ: جلدتُها بكتابِ اللهِ، ورجمتُها بسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ ". قالَ الشعبيُّ (٩): قيلَ لعليٍّ ﵇ جمعتَ بينَ حدَّيْنِ، فأجابَ بما ذكرَ.

стр. 1970

قالَ الحازميُّ (١): وذهبَ إلى هذا أحمدُ وإسحاقُ وداودُ وابنُ المنذرِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ (٢) وذهبَ غيرُهمُ إلى أنهُ لا يُجْمَعُ بينَ الجلدِ والرَّجْمِ، قالُوا: وحديثُ عبادةَ منسوخٌ بقصةِ ماعزٍ والغامدية والجهنية واليهوديين، فإنهُ ﷺ رجمهُم ولم يُرْوَ أنهُ جلَدَهُم. قالَ الشافعيُّ (٣): فدلتِ السُّنَّةُ على أنَّ الجلدَ ثابتٌ على البِكْرِ ساقِطٌ عنِ الثيِّبِ، قالُوا: وحديثُ عبادةَ مقدَّمٌ. وأُجِيْبَ بأنهُ ليسَ في قصةِ ماعزٍ ومنْ ذكرَ معهُ على تقديرِ تأخُّرِها تصريحٌ بسقوطِ الجلْدِ عنِ المرجومِ لاحتمالِ أنْ يكونَ تركَ روايتِه لوضوحِه ولكونِه الأصلَ. واحتجَّ الشافعيُّ بنظيرِ هذَا حينَ عُورِضَ في إيجابِ العمرةِ (٤) بأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ مَنْ سأَلُه أنْ يحجَّ عنْ أبيهِ ولم يذكرِ العمرةَ، فأجابَ بأنَّ السكوتَ عنْ ذلكَ لا يدلُّ على سقوطِه، إلَّا أنهُ قدْ يُقَالُ إنَّ جَلْدَ مَنْ ذكرَ مِنَ الخمسةِ الذينَ رجمَهُم النبي ﷺ لو وقعَ معَ كثرةِ مَنْ يحضرُ عذابَهما منْ طوائفِ المؤمنينَ لبعد أنهُ لا يرويْهِ أحدٌ ممنْ حضرَ، فعدمُ [إثباتِه] (٥) في روايةٍ منَ الرواياتِ معَ تنوُّعِها واختلاف ألفاظِها دليلٌ أنهُ لم يقعِ الجلدُ فيقْوَى معهُ الظنُّ بعدمِ [وقوعه] (٦). وفِعلُ عليٍّ ﵇ ظاهرٌ أنهُ اجتهادٌ منهُ لقولِه جلدتُها بكتابِ اللهِ ورجمتُها بسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ . فإنهُ ظاهرٌ أنهُ عَمِلَ [برأيه في الجمع] (٧) بينَ الدليليْنِ فلا يتمُّ القولُ بأنهُ توقيفٌ، وإن كان في قوله بسنةِ رسول الله ﷺ ما يشعر بأنهُ توقيفٌ. قلتُ: ولا يخْفَى قوةُ دلالةِ حديثِ عبادةَ علَى إثباتِ جلدِ الثيِّبِ ثمَّ رجْمِه، ولا يخْفَى ظهورُ أنهُ ﷺ لمْ يجلدْ مَنْ رَجمَهُ، فأنا أتوقَّفُ في الحكمِ حتَّى يفتحَ اللهُ وهوَ خيرُ الفاتحينَ. وكنتُ قدْ جزمْتُ في "منحةِ الغفَّارِ" (٨) بقوةِ القولِ بالجمعِ بينَ الجلدِ والرَّجْمِ ثمَّ حصلَ لي التوقفُ هاهنا.

стр. 1971

الإقرار المعتبر في الزنى ٣/ ١١٣٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ في الْمَسْجدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّى تِلْقَاءَ وَجْههِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِني زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمَّا شَهدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: النَّبيُّ ﷺ : "اذْهَبُوا بهِ فَارْجُمُوهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ رجلٌ وهو في المسجد فناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني زنيتُ، فأعرضَ عنهُ فتنحَّى تلقاءَ وجْهِهِ) أي انتقلَ منْ الناحيةِ التي كانَ فيها إلى الناحيةِ التي يَسْتَقْبِلُ بها وجْهَهُ (فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زنيتُ، فأعرضَ عنهُ حتَّى ثنَّى ذلكَ عليهِ أربعَ مراتٍ، فلمَّا شهدَ على نفسه أربعَ شهاداتٍ دعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: أَبِكَ جنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أَحْصَنْتَ) بفتحِ الهمزةِ فحاءٍ مهملةٍ فصادٍ مهملةٍ أي تزوَّجْتَ (قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اذهبُوا بهِ فارجمُوه. متفقٌ عليهِ). الحديثُ [اشتملَ على] (٢) مسائلَ: الأُولى: أنهُ وقعَ منهُ إقرارٌ أربعَ مراتٍ، [واختلف] (٣) العلماءُ هلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الإقرارِ بالزِّنَى أربعًا أم لا؟ ذهبَ مَنْ [قدَّمناه وهو] (٤) الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وداودُ وآخرونَ (٥) إلى عدمِ اشتراطِ التكرارِ مستدلِّينَ بأنَّ الأصْلَ عدمُ

стр. 1972

اشتراطهِ في سائرِ الأقاريرِ كالقتلِ والسرقةِ، وبأنهُ ﷺ قالَ لأُنَيْسٍ: "فإنِ اعترفتْ فارجمْها" (١)، ولم يذكرْ تكرارَ الاعترافِ، ولو كانَ شَرْطًا معتَبَرًا لَذَكَرهُ ﷺ لأنهُ في مقامِ البيانِ ولا يؤخِّرُ عنْ وقتِ الحاجةِ. وذهبَ الجماهيرُ إلى [اشتراط التكرار بالإقرار] (٢) بالزِّنَى أربعَ مراتٍ مستدلينَ بحديثِ ماعزٍ (٣) هذَا. وأُجِيْبَ عليهم بأنَّ حديثَ ماعزٍ اضطربتْ الرواياتُ في عددِ الإقراراتِ، فجاءَ هنا أربعُ مراتٍ ومثلُه في حديثِ جابرٍ بنِ سَمُرَةَ عندَ مسلمٍ (٤) ووقعَ في [طريقه] (٥) أُخْرَى عندَ مسلمٍ أيضًا مرتينِ أوْ ثلاثًا (٦)، ووقعَ في حديثٍ عندَه أيضًا من طريقٍ أُخْرَى فاعترفَ بالزِّنَى ثلاثَ مراتٍ. وقولُه ﷺ في بعضِ الرواياتِ: "قدْ شهدتَ على نفسِكَ أربعَ مراتٍ"، حكايةٌ لما وقعَ منهُ. فالمفهومُ غيرُ معتبرَ، وما كانَ ذلكَ إلَّا زيادةً في الاستثباتِ والتبيُّنِ، ولِذلكَ سألَ ﷺ هلْ به جنونٌ، وأَمَرَ مَنْ يشمُّ رائحتَه أو هو شارب خمر وجعلَ يستفسرُه عنِ الزِّنى كما سيأتي بألفاظٍ عديدةٍ، كلُّ ذلكَ لأَجْلِ الشبهةِ التي عرضتْ في أمرِه، ولأنَّها قالتِ الجُهَنِيَّةُ (٧): أتريدُ أنْ تردَّني كما ردَدْتَ ماعِزًا؟ فَعُلِمَ أنَّ الترديدَ ليسَ بشرطٍ في الإقرارِ. وبعدُ فلوْ سلَّمْنَا أنهُ لا اضطرابَ وأنهُ أقرَّ أربعَ مراتٍ فهذَا فعلٌ منهُ منْ غيرِ أَمْرِهِ ﷺ ولا طَلَبِه لتكرارِ إقرارهِ بلْ فعلَه منْ تلقاءِ نفسهِ وتقريرُهُ عليهِ دليلٌ على جوازِه لا شرْطِيَّتِهِ. واستدلَّ الجمهورُ (٨) بالقياسِ علَى أنهُ قدِ اعتُبِرَ في الشهادةِ على الزِّنى أربعةٌ وَرُدَّ بأنهُ استدلالٌ واضحُ البُطْلانِ لأنهُ قدِ اعتُبِرَ في المالِ عدلانِ والإقرارُ بهِ يكفي مرةً واحدةً اتفاقًا. المسألةُ الثانيةُ: دلَّتْ ألفاظُ الحديثِ على أنهُ يجبُ على الإمام الاستفصالُ عنِ الأمورِ التي يجبُ معَها الحدُّ، فإنهُ رُوِيَ في هذَا الحديثِ ألفاظٌ كثيرةٌ دالةٌ [عليها] (٩).

стр. 1973

ففي حديثِ بريدةَ (١) أنهُ قالَ له: "أشربْتَ خمرًا؟ قالَ: لا، وأنهُ قامَ رجلٌ يسْتنكِهُهُ فلمْ يجدْ فيهِ ريحًا"، وفي حديثِ ابنِ عباسٍ (٢): "لعلكَ قَبَّلْتَ أو غمزْتَ"، وفي روايةٍ: "هل ضاجعْتَها؟ " قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ باشرْتَها؟ قالَ نعمْ قالَ: هلْ جامعْتَها؟ قالَ: نعمْ، وفي حديثِ أبنِ عباسٍ: "أَنِكْتَها؟ " لا يُكَنِّي. رواهُ [البخاريُّ] (٢). وفي حديثِ أبي هريرةَ (٣): "أَنِكْتَها؟، قالَ: نعمْ، قالَ: دخلَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منْها، قالَ: نعمْ، قالَ: كما يغيبُ المِرْوَدُ في المِكْحَلَةِ والرشاءُ في البئرِ، قالَ: نعمْ، قالَ: تَدْرِي ما الزِّنَى: قالَ: نعمْ، أتيتُ مِنْها حَرَامًا ما يأتي الرجلُ من امرأتِه حلَالًا. قالَ: فما تريدُ بِهذَا القولِ؟ قالَ: تطهِّرُني، فأمرَ بهِ فرُجِمَ". فدلَّ جميعُ ما ذُكِرَ على أنهُ يجبُ الاستفصَالُ والتبيُّنُ، وأنهُ يُنْدَبُ تلقينُ ما يسقطُ الحدَّ، وأنَّ الإقرارَ لا بدَّ فيهِ منَ اللفظِ الصريحِ الذي لا يحتملُ غيرَ المواقعةِ. وقدْ رُوِيَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ تلقينُ المقِرِّ كما أخرجَهُ مالكٌ (٤) عنْ أبي الدرداءِ، وعنْ عليٍّ ﵇ في قصةِ شراحةَ فإنهُ قالَ لها عليٌّ ﵇: أسْتُكْرِهْتِ؟ قالتْ: لا، قالَ: فلعلَّ رجلًا أتاكِ في [المنام] (٥)؟ الحديث. وعندَ المالكيةِ أنهُ لا يلقَّنُ من اشتهرَ بانتهاكِ الحُرماتِ. وفي قولِه: "أشربتَ خَمْرًا"، دليلٌ علَى أنهُ لا يصحُّ إقرارُ السكرانِ وفيهِ خلافٌ. وفيها دليلٌ على أنهُ يُحْفَرُ للرجلِ عندَ رجْمِهِ لأنَّ في حديثِ بريدةَ عندَ

стр. 1974

مسلمٍ (١): فَحُفِرَ له حفيرةٌ، [وفي الحديثِ] (٢) عندَ البخاريِّ (٣): "أنَّها لما أذلقتْه (٤) الحجارةُ هربَ فأدركْناهُ بالحرَّةِ (٥) فرجمْناه"، زادَ في روايةٍ: "حتَّى ماتَ". وأخرجَ أبو داودَ (٦) أنهُ قالَ ﷺ [يعني] (٧) حين أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ: "هلَّا رَدَدْتُموهُ إليَّ"، وفي روايةٍ: "تركتمُوه لعلَّه يتوبُ فيتوبُ اللهُ عليهِ". وأَخَذَ منْ هَذَا الهادويةُ والشافعيُّ وأحمدُ (٨) أنهُ يصحُّ رجوعُ المقِرِّ عنِ الإقرارِ فإذا هربَ [يُتْرَكُ] (٩) لعلَّه يرجعُ، وفي قولِه ﷺ : "لعلَّه يتوبُ" إشكالٌ لأنهُ ما جاءَ إلا تائِبًا يطلبُ تطهيرَه منَ الذنبِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (١٠) أنهُ قالَ ﷺ في قصةِ ماعز: "والذي نفس محمد بيدِه إنهُ الآنَ لفي أنهارِ الجنةِ ينغمسُ فيها". ولعلَّه يُجابُ بأنَّ المرادَ لعلَّه يرجعُ عنْ إقرارِهِ ويتوبُ بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيغفرُ لهُ، أوِ المرادُ يتوبُ [عن] (١١) إكذابِه نفسَه. واعلمْ أنَّ قولَهُ ﷺ : فأَمرَ بهِ، [وارجموه] (١٢)، يدلُّ أنهُ ﷺ لم يحضَرِ الرَّجْمَ وأنهُ لا يجبُ أنْ يكونَ أولَ مَنْ يرجمُ الإمامُ فيمنْ ثبتَ عليهِ الحدَّ بالإقرارِ، وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ والهادي (١٣)، والأَوْلَى حَمْلُ ذلكَ على النّدْبِ، وعليهِ يحملُ ما أخرجه البيهقيُّ (١٤) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: "أيُّما امرأةٍ بَغَى عليها ولدُها أوْ كانَ اعترافٌ فالإمامُ أولُ مَنْ يرجُمُ، فإنْ ثبتَ بالبيّنةِ فأول من يرجُمُ [الشهود] (١٥) ".

стр. 1975

التثبت وتلقين المسقط للحد ٤/ ١١٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعزُ بنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ "، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: لما أَتَى ماعزُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ ﷺ قالَ لهُ: لعلَّكَ قبَّلْتَ أو غمزْتَ) بفتحِ الغينِ المعجمةِ والميمِ فزايٍ، في "النهايةِ" أنهُ فَسَّرَ الغمْزَ في بعضِ الأحاديث بالإشارةِ كالرمزِ بالعينِ والحاجبِ. ولعلَّ المرادَ هُنَا الجسُّ باليدِ لأنهُ وردَ في بعضِ الرواياتِ أوْ لمسْتَ عِوَضًا عنهُ، (أوْ نظرتَ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ. رواهُ البخاريُّ). والمرادُ استفهامُه هلْ هوَ أطلقَ لفظَ الزِّنَى على أيِّ هذهِ مجازًا وأن ذلكَ كما جاءَ في: "العينُ تَزْني وزِنَاهَا النظرُ" (٢). والحديثُ دليلٌ على التثبُّتِ وتلقينِ المسقطِ للحدِّ، وأنهُ لا بدَّ منَ التَّصريحِ [بالزنى] (٣) باللفظِ الصريحِ الذي لا يحتملُ غيرَ ذلكَ. الكلام على آية الرجم ٥/ ١١٣٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا بالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجدُ الرّجْمَ في كِتَابِ اللهِ، فَيُضِلُّوا بتَرْكِ فَريضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ في كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح]

стр. 1976

(وعنْ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنهُ خطَبَ فقالَ: إنَّ اللهَ بعثَ محمَّدًا بالحقِّ وأنزلَ عليهِ الكتابَ فكانَ فيما أَنزلَ عليهِ آيةَ الرجمِ قرأْناها ووعيْناها وعقلْناهَا، فرجمَ رسولُ اللهِ ﷺ ورجمْنا بعدَه، فأخشَى إنْ طالَ بالناسِ زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ ما نجدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللهِ فيضلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها اللهُ، وإنَّ الرجمَ حقٌّ في كتابِ اللهِ علَى مَنْ زنَى إذا أُحْصِنَ منَ الرجالِ والنساءِ إذا قامتِ البيِّنةُ أوْ كانَ الحَبَلُ) بفتحِ الحاء المهملةِ [والباء] (١) الموحَّدَةِ (أوِ الاعترافُ. متفقٌ عليهِ). زادَ الإسماعيليُّ (٢) بعدَ قولِه: أو الاعترافُ، وقدْ قرأناها: "الشيخُ والشيخةُ فارجموهُما البتَّةَ". وبيَّنَ في روايةٍ عندَ النسائيِّ (٣) محلَّها في السورةِ وأنَّها كانتْ في سورةِ الأحزابِ. [وكذلكَ أخرجَ هذهِ الزيادةَ في هذا الحديثِ الموطأُ عنْ يحيى بنِ سعيدٍ عنِ ابنِ المسيِّبِ] (٤)، وفي روايةٍ زيادةُ: "إذا زَنَيا فارجمُوهُما البتةَ نكالًا منَ اللهِ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ"، وفي روايةٍ: "لولا أنْ يقولَ النَّاسُ زادَ عمرُ في كتابِ اللهِ لكتبتُها بيدي". وهذا القسمُ منْ نسخِ التلاوةِ معَ بقاءِ الحكمِ، وقدْ عدَّه الأصوليونَ قسمًا مِنْ أقسامِ النسخِ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّها إذا وُجِدَتِ المرأةُ الخاليةُ منَ الزوجِ والسيِّدِ حُبْلَى ولم تذكرْ شبهةً أنهُ يثبتُ الحدُّ بالحَبَلِ، وهوَ مذهبُ عمرَ (٥) وإليهِ ذهبَ مالكٌ وأصحابُه (٦). وقالتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (٧): إنهُ لا يثبتُ الحدُّ إلا ببيِّنَةٍ أوِ

стр. 1977

اعترافٍ لأنَّ الحدودَ تسقطُ بالشبهاتِ. واستدلَّ الأوَّلونَ بأنهُ قالَه عمرُ على المنبرِ ولمْ ينْكَرْ عليهِ فينزلُ منزلةَ الإجماعِ. قلتُ: لا يخْفَى أنَّ الدليلَ هوَ الإجماعُ لا ما ينزلُ منزلتَهُ. حدُّ الأَمة إذا زنت ٦/ ١١٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيّنَ زنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إذ زنتْ أَمَةُ أحدِكم فتبيَّنَ زناها فليجْلدِها الحدَّ ولا يثرِّبْ [عليها]) (٢) بمثناةٍ تحتيةٍ فمثلَّثةٍ فراءٍ فموحَّدةٍ، التعنيفُ لفظًا ومعنَىً (ثمَّ إذا زنتْ فلْيجْلِدْها الحدَّ ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا، ثمَّ إذا زنتِ الثالثةَ فتبيَّنَ زنَاهَا فليبعْها ولو بحبلٍ منْ شَعرٍ. متفقٌ عليهِ (وهذا لفظُ مسلمٍ)، فيهِ مسائلُ: الأُولى: دلَّ قولُه: "فتبيَّنَ زِنَاها"، أنهُ إذا علمَ السيِّدُ بِزنَى أَمَتِهِ جَلَدَها وإنْ لم تقمْ شهادةٌ، وذهبَ إليهِ بعضُ العلماءِ، وقيلَ: المرادُ إذا تبيَّنَ زِنَاهَا بما يتبيَّنُ بهِ في حقِّ الحرَّةِ وهوَ الشهادةُ أوِ الإقرارُ، والشهادةُ تُقَامُ عندَ الحاكمِ عندَ الأكثرِ، وقالَ بعضُ الشافعيةِ: تُقَامُ عندَ السيِّدِ. وفي قولِه: "فليجلِدْها"، دليلٌ علَى أنَّ ولايةَ جلدِ الأَمَةِ إلى سيِّدِها وإليه ذهبَ الشافعيُّ (٣)، وعندَ الهادويةِ (٤) أنَّ ذلكَ إذا لم يكنْ في الزمانِ إمامٌ وإلَّا فالحدودُ إليهِ، والأولُ أَقْوَى، والمرادُ بالجلدِ الحدُّ المعروفُ في قولِه تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥).

стр. 1978

المسألةُ الثانيةُ: قولُه: "ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا"، وَرَدَ في لفظِ النسائيِّ (١): ولا يعنِّفْها، وهوَ بمعنَى ما هُنَا، وهوَ نَهْيٌ عنِ الجمعِ لها بينَ العقوبةِ بالتعنيفِ والجلدِ، ومَنْ قالَ: المرادُ أنهُ لا يقنعُ بالتعنيفِ دونَ الجلدِ، فقدْ أبعدَ. قالَ ابنُ بطالٍ (٢): يؤخذُ منهُ أنَّ كلَّ مَنْ أُقِيْمَ عليهِ الحدُّ لا يعزَّرُ بالتعنيفِ واللَّومِ، وإنما يليقُ ذلكَ بمنْ صدرَ منهُ قبلَ أنْ يُرْفَعَ إلى الإمامِ للتحذيرِ والتخويفِ، فإذا رُفِعَ وأقيمَ عليهِ الحدُّ كفاهُ. ويؤيدُ هذا نهيُه ﷺ عنْ سبِّ الذي أقيمَ عليهِ [حدُّ الخمرِ] (٣) وقالَ: "لا تكونُوا عَوْنًا للشيطانِ على أخيْكم" (٤). وفي قولِه: "ثمَّ إذا زنتْ" إلى آخرِهِ، دليلٌ على أنَّ الزَّاني إذا تكررَ منهُ الزِّنى بعدَ إقامةِ الحدِّ عليهِ تكررَ عليهِ الحدُّ، وأما إذا زَنَى مِرَارًا منْ دونِ تَخَلُّلِ إقامةِ الحدِّ لم يجبْ عليهِ إلا حدٌّ واحدٌ، ويُؤْخَذُ منْ ظاهرِ قولِه: "فليبعْها"، أنهُ لا يقيم عليها الحدُّ. قالَ المصنفُ في "الفتح" (٥): الأرجحُ أنهُ يجلدُها قبلَ البيعِ ثمَّ يبيعُها، والسكوتُ عنهُ للعلمِ بأنَّ الحدَّ لا يُتْرَكُ ولا يقومُ البيعُ مقامَهُ. المسألةُ الثالثةُ: ظاهرُ الأمرِ وجوبُ بيعِ السيِّدِ للأَمَةِ، وأنَّ إمساكَ مَنْ تكرَّرتْ منهُ الفاحشةُ محرَّمٌ وهذَا قولُ داودُ وأصحابهِ (٦)، وذهبَ الجمهورُ (٧) إلى أنهُ مستحبٌّ لا واجبٌ. وقالَ ابنُ بطالٍ (٨): حملَ الفقهاءُ الأمرَ بالبيعِ على الحضِّ على مباعدةِ مَنْ تكرَّرَ منهُ الزِّنَى لِئَلَّا يُظَنَّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيكون ديُّوثًا، وقدْ ثبتَ الوعيدُ على منِ اتصفَ بالدِّياثةِ. وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ فراقُ الزانيةِ، لأنَّ لفظَ أَمَةِ أَحدِكم عامٌّ لمنْ

стр. 1979

يطؤُها مالكُها ومَنْ لا يطؤُها، ولم يجعلِ الشارعُ مجرَّدَ الزِّنَى موجِبًا للفراقِ، إذْ لوْ كانَ موجبًا لهُ لوجبَ فراقُها في أولِ مرةٍ، بلْ لم يوجبَهُ إِلَّا في الثالثةِ على القولِ بوجوب فراقِها بالبيعِ كما قالَهُ داودُ وأتباعُه (١). وهذا الإيجابُ لا لمجردِ الزِّنَى بلْ لتكرُّره لِئَلا يظنُّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيتصفُ بالصفةِ القبيحةِ، ويجري هذا الحكمُ في الزوجةِ أنهُ لا يجبُ طلاقُها وفراقها لأَجْلِ الزِّنَى بلْ إنَّ تكرَّرَ منْها وجبَ لما عرفتَ. قالُوا: وإنَّما أمرَ بَبْيعِها في الثالثةِ لِمَا ذكرْنا قريبًا ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنى. قالَ وحملَه بعضُهم علَى الوجوب ولا سلفَ لهُ منَ الأمةِ فلا [نشتغل] (٢) بهِ وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ فكيفَ يجبُ بيعُ ما لَهُ قيمةٌ خطيرةٌ بالحقيرِ، انتَهى. قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ الظاهرَ معَ مَنْ قالَ بالوجوبِ ولم يأتِ القائلُ بالاستحبابِ بدليلٍ على عدمِ الإيجابِ. وقولُه: وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ، قلْنا: وثبثَ هُنَا مخصِّصٌ لِذلِكَ النَّهْي وهوَ هذَا الأمرُ، وقدْ وقعَ الإجماعُ (٣) على جوازِ بيعِ الشيءِ الثمينِ بالشيءِ الحقيرِ إذا كانَ البائعُ عالمًا بهِ [وكذا] (٤) إذا كانَ جاهلًا عندَ الجمهورِ (٥). وقولُه: ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنَى، فقالَ ليسَ في الأمرِ ببيعِها قطعٌ لذلكَ إذ لا ينقطعُ إلَّا بِتَرْكِهَا، وليسَ في بيعِها ما يصيِّرُها تاركةً لهُ، وقدْ قيلَ في وجْهِ الحكمِ في الأمرِ ببيعِها معَ أنهُ ليسَ منْ موانعِ الزِّنَى إنهُ جوازُ أنْ يستغني عندَ المشتري وتعلمَ بأنَّ إخراجَها منْ مُلْكِ السِّيدِ الأوَّلِ بسببِ الزِّنَى فتتركُه خشيةً منْ تنقُّلِهَا عندَ [المالك] (٦)، أوْ لأنهُ قدْ يعفُّها بالتسرِّي بها أو بتزويجها. المسألةُ الرابعةُ: هلْ يجبُ على البائعِ أنْ يعرِّفَ المشتريَ بسببِ بَيْعِها لِئَلَّا

стр. 1980

يدخلَ تحتَ قولِه: "مَنْ غشَّنَا فليسَ مِنَّا" (١)، فإنَّ الزِّنَى عيبٌ ولِذَا أمرَ بالحطِّ منَ القيمةِ، يحتملُ أن لا يجبُ عليهِ ذلكَ، لأنَّ الشارعَ قدْ أمرَهُ ببيعهَا ولمْ يأمرْه ببيانِ عَيْبِها. ثمَّ هذا العيبُ ليسَ معلومًا ثبوتُه في الاستقبالِ فقدْ يتوبُ الفاجرُ ويفجُرُ البارُّ، وكونُه قَدْ وقعَ منْها وأُقِيْمَ عليها الحدُّ قدْ صيَّرهُ كغيرِ الواقعِ، ولهَذَا نَهَى عنِ التعنيفِ لها، وبيانُ عيبها قدْ يكونُ منَ التعنيفِ. وأما أنه يندبُ لهُ ذِكْرُ سببِ بيعِها فلعلَّه يندبُ ويدخلُ تحتَ عمومِ المناصحةِ. المسألة الخامسةُ: في إطلاقِ الحديثِ دليلٌ على إقامةِ الحدِّ على الأَمَةِ مطْلقًا سواءٌ قد أحصنتْ أَوْ لا، وفي قولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢)، دليلٌ علَى شرطيةِ الإحصانِ، ولكنْ يحتملُ أنهُ شرطٌ للتنصيفِ في جَلْدِ المحصنةِ منَ الإماءِ وأنَّ عليها نصفَ الجلْدِ لا [نصف] (٣) الرجم إذْ لا يتنصفُ، فيكونُ فائدةُ التقييدِ في الآيةِ. وصرَّحَ بتفصيلِ الإطلاقِ قولُ عليٍّ ﵇ في خُطْبَتِهِ: "يا أيُّها النَّاسُ أقيمُوا على أَرِقَّائِكم الحدَّ مَن أُحْصِنَ [منهم] (٤) ومَنْ لم يُحْصَنْ" (٥)، رواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ ويحيى بنُ سعيدٍ عنِ ابن شهابٍ كما قالَ مالكٌ وهذا مذهبُ الجمهورِ (٦). وذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا يحدُّ منَ العبيدِ إلَّا مَنْ أُحْصِنَ وهوَ مذهبُ ابنِ عباسٍ (٧) ولكنَّه يؤيدُ كلامَ الجمهورِ إطلاقُ الحديثِ الآتي. من يقيم الحد على المماليك ٧/ ١١٣٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى

стр. 1981

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ في مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ (١). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أقيمُوا الحدودَ علَى ما ملكتْ أيمانُكم. رواهُ أبو داودَ وهوَ في مسلمٍ موقوفٌ) على عليٍّ ﵁. وأخرجَهُ البيهقيُّ (٢) مرفُوعًا، وقدْ غفلَ الحاكمُ (٣) فظنَّ أنهُ لم يذكرْه أحدُ الشيخينِ واستدركَهُ عليهِمَا. قلتُ: يمكنُ أنهُ استدركَهُ لكونِ مسلمٍ لمْ يرفعْه وقدْ ثبتَ عندَ الحاكمِ رفْعُهُ. والحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ منْ إقامة الملَّاكِ الحدَّ على المماليكِ، إلَّا أنَّ هذا يعمُّ ذكورَهمِ وإناثَهم فهوَ أعمُّ منَ الأوَّلِ. ودلَّ على إقامةِ الحدِّ عليهمْ مطلقًا أُحْصِنُوا [أم لا] (٤)، وعلَى أنَّ إقامَته إلى المالكِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى. واختُلِفَ في الأَمَةِ المزوَّجَةِ، فالجمهورُ (٥) يقولون: إنَّ حدَّها إلى سيِّدِها، وقالَ مالكٌ (٦): حدُّها إلى الإمامِ إلَّا أنْ يكونَ زوجُها عَبْدًا لمالِكِهَا فَأَمْرُهَا إلى السيِّدِ، وظاهرُه أنهُ لا يُشْتَرَطُ في السيِّد [شرطُ] (٧) صلاحيةٍ ولا غيرِها. قالَ ابنُ حزمٍ (٨): يقيمُه السيِّدُ إلَّا أنْ يكونَ كافِرًا، قالَ لأنَّهم لا يقرُّونَ إلَّا بالصَّغارِ وفي تسليطهِ على إقامةِ الحدِّ على مماليكِه منافاةٌ لذلكَ. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنَّ إلى السيد إقامةَ حدِّ السرقةِ والشُّرْبِ، وقدْ خالفَ في ذلكَ جماعةٌ بلا دليلٍ ناهضٍ. وقدْ أخرجَ عبدُ الرزاقِ عنْ معمَّرٍ عنْ أيوبَ عنْ
следующие страницы →