← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1977–2016 · переход к 1982.

стр. 1977

اعترافٍ لأنَّ الحدودَ تسقطُ بالشبهاتِ. واستدلَّ الأوَّلونَ بأنهُ قالَه عمرُ على المنبرِ ولمْ ينْكَرْ عليهِ فينزلُ منزلةَ الإجماعِ. قلتُ: لا يخْفَى أنَّ الدليلَ هوَ الإجماعُ لا ما ينزلُ منزلتَهُ. حدُّ الأَمة إذا زنت ٦/ ١١٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيّنَ زنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إذ زنتْ أَمَةُ أحدِكم فتبيَّنَ زناها فليجْلدِها الحدَّ ولا يثرِّبْ [عليها]) (٢) بمثناةٍ تحتيةٍ فمثلَّثةٍ فراءٍ فموحَّدةٍ، التعنيفُ لفظًا ومعنَىً (ثمَّ إذا زنتْ فلْيجْلِدْها الحدَّ ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا، ثمَّ إذا زنتِ الثالثةَ فتبيَّنَ زنَاهَا فليبعْها ولو بحبلٍ منْ شَعرٍ. متفقٌ عليهِ (وهذا لفظُ مسلمٍ)، فيهِ مسائلُ: الأُولى: دلَّ قولُه: "فتبيَّنَ زِنَاها"، أنهُ إذا علمَ السيِّدُ بِزنَى أَمَتِهِ جَلَدَها وإنْ لم تقمْ شهادةٌ، وذهبَ إليهِ بعضُ العلماءِ، وقيلَ: المرادُ إذا تبيَّنَ زِنَاهَا بما يتبيَّنُ بهِ في حقِّ الحرَّةِ وهوَ الشهادةُ أوِ الإقرارُ، والشهادةُ تُقَامُ عندَ الحاكمِ عندَ الأكثرِ، وقالَ بعضُ الشافعيةِ: تُقَامُ عندَ السيِّدِ. وفي قولِه: "فليجلِدْها"، دليلٌ علَى أنَّ ولايةَ جلدِ الأَمَةِ إلى سيِّدِها وإليه ذهبَ الشافعيُّ (٣)، وعندَ الهادويةِ (٤) أنَّ ذلكَ إذا لم يكنْ في الزمانِ إمامٌ وإلَّا فالحدودُ إليهِ، والأولُ أَقْوَى، والمرادُ بالجلدِ الحدُّ المعروفُ في قولِه تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥).

стр. 1978

المسألةُ الثانيةُ: قولُه: "ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا"، وَرَدَ في لفظِ النسائيِّ (١): ولا يعنِّفْها، وهوَ بمعنَى ما هُنَا، وهوَ نَهْيٌ عنِ الجمعِ لها بينَ العقوبةِ بالتعنيفِ والجلدِ، ومَنْ قالَ: المرادُ أنهُ لا يقنعُ بالتعنيفِ دونَ الجلدِ، فقدْ أبعدَ. قالَ ابنُ بطالٍ (٢): يؤخذُ منهُ أنَّ كلَّ مَنْ أُقِيْمَ عليهِ الحدُّ لا يعزَّرُ بالتعنيفِ واللَّومِ، وإنما يليقُ ذلكَ بمنْ صدرَ منهُ قبلَ أنْ يُرْفَعَ إلى الإمامِ للتحذيرِ والتخويفِ، فإذا رُفِعَ وأقيمَ عليهِ الحدُّ كفاهُ. ويؤيدُ هذا نهيُه ﷺ عنْ سبِّ الذي أقيمَ عليهِ [حدُّ الخمرِ] (٣) وقالَ: "لا تكونُوا عَوْنًا للشيطانِ على أخيْكم" (٤). وفي قولِه: "ثمَّ إذا زنتْ" إلى آخرِهِ، دليلٌ على أنَّ الزَّاني إذا تكررَ منهُ الزِّنى بعدَ إقامةِ الحدِّ عليهِ تكررَ عليهِ الحدُّ، وأما إذا زَنَى مِرَارًا منْ دونِ تَخَلُّلِ إقامةِ الحدِّ لم يجبْ عليهِ إلا حدٌّ واحدٌ، ويُؤْخَذُ منْ ظاهرِ قولِه: "فليبعْها"، أنهُ لا يقيم عليها الحدُّ. قالَ المصنفُ في "الفتح" (٥): الأرجحُ أنهُ يجلدُها قبلَ البيعِ ثمَّ يبيعُها، والسكوتُ عنهُ للعلمِ بأنَّ الحدَّ لا يُتْرَكُ ولا يقومُ البيعُ مقامَهُ. المسألةُ الثالثةُ: ظاهرُ الأمرِ وجوبُ بيعِ السيِّدِ للأَمَةِ، وأنَّ إمساكَ مَنْ تكرَّرتْ منهُ الفاحشةُ محرَّمٌ وهذَا قولُ داودُ وأصحابهِ (٦)، وذهبَ الجمهورُ (٧) إلى أنهُ مستحبٌّ لا واجبٌ. وقالَ ابنُ بطالٍ (٨): حملَ الفقهاءُ الأمرَ بالبيعِ على الحضِّ على مباعدةِ مَنْ تكرَّرَ منهُ الزِّنَى لِئَلَّا يُظَنَّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيكون ديُّوثًا، وقدْ ثبتَ الوعيدُ على منِ اتصفَ بالدِّياثةِ. وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ فراقُ الزانيةِ، لأنَّ لفظَ أَمَةِ أَحدِكم عامٌّ لمنْ

стр. 1979

يطؤُها مالكُها ومَنْ لا يطؤُها، ولم يجعلِ الشارعُ مجرَّدَ الزِّنَى موجِبًا للفراقِ، إذْ لوْ كانَ موجبًا لهُ لوجبَ فراقُها في أولِ مرةٍ، بلْ لم يوجبَهُ إِلَّا في الثالثةِ على القولِ بوجوب فراقِها بالبيعِ كما قالَهُ داودُ وأتباعُه (١). وهذا الإيجابُ لا لمجردِ الزِّنَى بلْ لتكرُّره لِئَلا يظنُّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيتصفُ بالصفةِ القبيحةِ، ويجري هذا الحكمُ في الزوجةِ أنهُ لا يجبُ طلاقُها وفراقها لأَجْلِ الزِّنَى بلْ إنَّ تكرَّرَ منْها وجبَ لما عرفتَ. قالُوا: وإنَّما أمرَ بَبْيعِها في الثالثةِ لِمَا ذكرْنا قريبًا ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنى. قالَ وحملَه بعضُهم علَى الوجوب ولا سلفَ لهُ منَ الأمةِ فلا [نشتغل] (٢) بهِ وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ فكيفَ يجبُ بيعُ ما لَهُ قيمةٌ خطيرةٌ بالحقيرِ، انتَهى. قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ الظاهرَ معَ مَنْ قالَ بالوجوبِ ولم يأتِ القائلُ بالاستحبابِ بدليلٍ على عدمِ الإيجابِ. وقولُه: وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ، قلْنا: وثبثَ هُنَا مخصِّصٌ لِذلِكَ النَّهْي وهوَ هذَا الأمرُ، وقدْ وقعَ الإجماعُ (٣) على جوازِ بيعِ الشيءِ الثمينِ بالشيءِ الحقيرِ إذا كانَ البائعُ عالمًا بهِ [وكذا] (٤) إذا كانَ جاهلًا عندَ الجمهورِ (٥). وقولُه: ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنَى، فقالَ ليسَ في الأمرِ ببيعِها قطعٌ لذلكَ إذ لا ينقطعُ إلَّا بِتَرْكِهَا، وليسَ في بيعِها ما يصيِّرُها تاركةً لهُ، وقدْ قيلَ في وجْهِ الحكمِ في الأمرِ ببيعِها معَ أنهُ ليسَ منْ موانعِ الزِّنَى إنهُ جوازُ أنْ يستغني عندَ المشتري وتعلمَ بأنَّ إخراجَها منْ مُلْكِ السِّيدِ الأوَّلِ بسببِ الزِّنَى فتتركُه خشيةً منْ تنقُّلِهَا عندَ [المالك] (٦)، أوْ لأنهُ قدْ يعفُّها بالتسرِّي بها أو بتزويجها. المسألةُ الرابعةُ: هلْ يجبُ على البائعِ أنْ يعرِّفَ المشتريَ بسببِ بَيْعِها لِئَلَّا

стр. 1980

يدخلَ تحتَ قولِه: "مَنْ غشَّنَا فليسَ مِنَّا" (١)، فإنَّ الزِّنَى عيبٌ ولِذَا أمرَ بالحطِّ منَ القيمةِ، يحتملُ أن لا يجبُ عليهِ ذلكَ، لأنَّ الشارعَ قدْ أمرَهُ ببيعهَا ولمْ يأمرْه ببيانِ عَيْبِها. ثمَّ هذا العيبُ ليسَ معلومًا ثبوتُه في الاستقبالِ فقدْ يتوبُ الفاجرُ ويفجُرُ البارُّ، وكونُه قَدْ وقعَ منْها وأُقِيْمَ عليها الحدُّ قدْ صيَّرهُ كغيرِ الواقعِ، ولهَذَا نَهَى عنِ التعنيفِ لها، وبيانُ عيبها قدْ يكونُ منَ التعنيفِ. وأما أنه يندبُ لهُ ذِكْرُ سببِ بيعِها فلعلَّه يندبُ ويدخلُ تحتَ عمومِ المناصحةِ. المسألة الخامسةُ: في إطلاقِ الحديثِ دليلٌ على إقامةِ الحدِّ على الأَمَةِ مطْلقًا سواءٌ قد أحصنتْ أَوْ لا، وفي قولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢)، دليلٌ علَى شرطيةِ الإحصانِ، ولكنْ يحتملُ أنهُ شرطٌ للتنصيفِ في جَلْدِ المحصنةِ منَ الإماءِ وأنَّ عليها نصفَ الجلْدِ لا [نصف] (٣) الرجم إذْ لا يتنصفُ، فيكونُ فائدةُ التقييدِ في الآيةِ. وصرَّحَ بتفصيلِ الإطلاقِ قولُ عليٍّ ﵇ في خُطْبَتِهِ: "يا أيُّها النَّاسُ أقيمُوا على أَرِقَّائِكم الحدَّ مَن أُحْصِنَ [منهم] (٤) ومَنْ لم يُحْصَنْ" (٥)، رواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ ويحيى بنُ سعيدٍ عنِ ابن شهابٍ كما قالَ مالكٌ وهذا مذهبُ الجمهورِ (٦). وذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا يحدُّ منَ العبيدِ إلَّا مَنْ أُحْصِنَ وهوَ مذهبُ ابنِ عباسٍ (٧) ولكنَّه يؤيدُ كلامَ الجمهورِ إطلاقُ الحديثِ الآتي. من يقيم الحد على المماليك ٧/ ١١٣٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى

стр. 1981

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ في مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ (١). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أقيمُوا الحدودَ علَى ما ملكتْ أيمانُكم. رواهُ أبو داودَ وهوَ في مسلمٍ موقوفٌ) على عليٍّ ﵁. وأخرجَهُ البيهقيُّ (٢) مرفُوعًا، وقدْ غفلَ الحاكمُ (٣) فظنَّ أنهُ لم يذكرْه أحدُ الشيخينِ واستدركَهُ عليهِمَا. قلتُ: يمكنُ أنهُ استدركَهُ لكونِ مسلمٍ لمْ يرفعْه وقدْ ثبتَ عندَ الحاكمِ رفْعُهُ. والحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ منْ إقامة الملَّاكِ الحدَّ على المماليكِ، إلَّا أنَّ هذا يعمُّ ذكورَهمِ وإناثَهم فهوَ أعمُّ منَ الأوَّلِ. ودلَّ على إقامةِ الحدِّ عليهمْ مطلقًا أُحْصِنُوا [أم لا] (٤)، وعلَى أنَّ إقامَته إلى المالكِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى. واختُلِفَ في الأَمَةِ المزوَّجَةِ، فالجمهورُ (٥) يقولون: إنَّ حدَّها إلى سيِّدِها، وقالَ مالكٌ (٦): حدُّها إلى الإمامِ إلَّا أنْ يكونَ زوجُها عَبْدًا لمالِكِهَا فَأَمْرُهَا إلى السيِّدِ، وظاهرُه أنهُ لا يُشْتَرَطُ في السيِّد [شرطُ] (٧) صلاحيةٍ ولا غيرِها. قالَ ابنُ حزمٍ (٨): يقيمُه السيِّدُ إلَّا أنْ يكونَ كافِرًا، قالَ لأنَّهم لا يقرُّونَ إلَّا بالصَّغارِ وفي تسليطهِ على إقامةِ الحدِّ على مماليكِه منافاةٌ لذلكَ. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنَّ إلى السيد إقامةَ حدِّ السرقةِ والشُّرْبِ، وقدْ خالفَ في ذلكَ جماعةٌ بلا دليلٍ ناهضٍ. وقدْ أخرجَ عبدُ الرزاقِ عنْ معمَّرٍ عنْ أيوبَ عنْ

стр. 1982

نافعٍ: "أنَّ ابنَ عمرَ قطعَ يدَ غلامٍ لهُ سرقَ، وجَلَدَ عبدًا لهُ زَنَى، منْ غيرِ أنْ يرفعَهما إلى الوالي" (١). وأخرجَ مالكٌ في "الموطأ" (٢) بسندِه: "أن عبْدًا لبني عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ سرقَ واعترفَ [بالسرقةِ] (٣)، فأَمَرَتْ عائشةُ به فَقُطِعَتْ يدُهُ". وأخرجَ الشافعيُّ وعبدُ الرزاقِ بسندِهِما إلى الحسينِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ: "أنَّ فاطمةَ ﵂ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ حدَّتْ جاريةً لها زنتْ" (٤). ورواهُ ابنُ وهبٍ عنِ أبنِ جُرَيْجٍ عنِ عمرِو بنِ دينارٍ: "أنَّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ كانتْ تجلدُ وليدتَها خمسينَ إذا زنتْ" (٥). وذهبتِ الهادويةُ (٦) إلى أنهُ لا يقيمُ عليهِ الحدَّ إلا الإمامُ، إلَّا أنْ لا يوجدَ إمامٌ أقامهُ السيِّدُ. وذهبتِ الحنفيةُ (٧) إلى أنهُ لا يقيمُ عليه الحد مطلقًا إلا الإمامُ أو مَنْ أَذِنَ لهُ. وقدِ استدلَّ الطحاويُّ (٨) بما أخرجَهُ منْ طريقِ مسلمِ بنِ يسارٍ قالَ: كانَ أبو عبدِ اللهِ رجلٌ منَ الصحابةِ يقولُ: الزكاةُ والحدودُ والفيءُ والجمعةُ إلى السلطانِ. قالَ الطحاويُّ: ولا نعلمُ [أحدًا] (٩) مخالِفًا منَ الصحابةِ، وقدْ تعقَّبَهُ ابنُ حزمٍ (١٠) فقالَ: بلْ خالفَه اثْنَا عشرَ نَفْسًا منَ الصحابةِ. وقدْ سمعتَ ما رُوِيَ عنِ الصحابةِ وكفَى بهِ ردًّا على الطحاوي، ومنْ ذلكَ ما أخرجَهُ البيهقيُّ (١١) عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ وفيهِ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى قالَ: أدركتُ بَقَايا الأنصارِ وهمْ يضربونَ

стр. 1983

الوليدةَ منْ ولائِدِهم في مجالسهِم إذا زنتْ، قالَ الشافعيُّ (١): كانَ ابنُ مسعودٍ يأمرُ بهِ وأبو برزةَ يحدُّ وليدتَهُ. متى تُحد الحامل؟ ٨/ ١١٣٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبيَ ﷺ وَهيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نبيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: "أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بهَا" فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمّ أَمَرَ بهَا فَرُجمَتْ، ثُمّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى؟ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنِ عمرانَ بنِ حصينٍ أنَّ امرأةً منْ جُهَيْنَةَ) هي المعروفةُ بالغامديةِ (٣) (أتتِ النبيَّ ﷺ وهيَ حُبْلَى منَ الزِّنَى فقالتْ: يا نبيَّ اللهِ أصبتُ حدّاً فأقمْهُ عليَّ، فدعا نبيُّ اللهِ ﷺ وليَّها فقالَ: أحسنْ إليها فإذا وضعتْ فائْتِني بها، ففعلَ، فَأَمَر بها، فَشُكَّتْ) مبنيٌّ للمجهولِ أي شُدَّتْ ووردَ في روايةٍ (عليْها ثيابُها ثمَّ أمرَ بها فرُجِمَتْ ثمَّ صلَّى عليْها، فقالَ عمرَ: تصلي عليْها يا رسولَ اللهِ وقدْ زنتْ؟ فقالَ: لقدْ تابتْ توبةً لو قُسِّمَتْ بينَ سبعينَ منْ أهلِ المدينةِ لوسعتْهم، وهلْ وجدْتَ أفضلَ مِنْ أنْ جادتْ بِنَفْسِها للهِ تعالى. رواهُ مسلمٌ).

стр. 1984

ظاهرُ قولِه: "فإذا وضعتْ فائتني بها ففعلَ"، أنهُ وقعَ الرَّجْمُ عَقيبَ الوضْعِ، إلَّا أنهُ ثبتَ في روايةٍ أُخْرَى لمسلم (١) أنَّها رُجِمَتْ بعدَ أن فَطَمَتْ ولدَها وأتتْ بهِ وفي يدهِ كِسْرةُ خُبْزٍ. ففي روايةِ الكتابِ طيٌّ واختصارٌ. قالَ النوويُّ (٢) بعدَ ذِكْرِ الروايَتَينِ: وهُمَا في صحيحِ مسلمٍ ظاهرُهما الاختلافُ، فإنَّ الثانيةَ صريحةٌ في أنَّ رجْمَها كانَ بعدَ فطامِهِ وأكلِهِ الخبزَ، والأُوْلَى [أن] (٣) رجمَها عقيبَ الولادةِ، فيجبُ تأوبلُ الأُوْلَى وحمْلُها على وفْقِ الثانيةِ، فيكونُ قولُه في الروايةِ الأُوْلَى: "قامَ رجلٌ منَ الأنصارِ فقالَ - إلى - رضاعِهِ"، إنَّما قالَه بعدَ الفطامِ. وأرادَ برضاعِهِ كفالتَه وتربيتَه، وسمَّاهُ رضَاعًا مجازًا. انتَهى [باختصارٍ] (٤). والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الرَّجْمِ وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، وأما شدُّ ثيابها عليها فِلأَجْلِ أنْ لا تُكْشَفَ عندَ اضطرابِها منْ مسِّ الحجارةِ. واتفقَ العلماءُ (٥) أنَّ المرأةَ تُرْجَمُ قاعدةً والرجلُ قائمًا، إلَّا عندَ مالكٍ (٦) فقالَ: قاعِدًا، وقيلَ: يتخيَّرُ الإمامُ بينَهما. وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّهُ ﷺ صلَّى على المرأةِ بنفسِه إنْ صحَّتِ الروايةُ، فصلَّى [للبناء] (٧) للمعلومِ، إلَّا أنهُ قالَ الطبراني (٨): إنَّها بضمِّ الضادِ وكسرِ اللامِ، قالَ: وكذَا هوَ في روايةِ ابنِ أبي شيبةَ وأبي داودَ. وفي روايةٍ لأبي داودَ (٩): فأمرَهُم أنْ يصلُّوا، ولكنَّ أكثرَ الرواةِ لمسلمٍ بفتحِ الصادِ وفتحِ اللامِ. وظاهرُ قولِ عمرَ: تصلي عليْها، أنهُ ﷺ باشرَ الصلاةَ بنفسِه، فيؤيد روايةَ الأكثرِ لمسلم. والقولُ بأنَّ المرادَ منْ صلَّى ويُصلِّي أي تأمروا وأنهُ أُسْنِدَ إليهِ ﷺ [لأنه] (١٠) الآمرَ خلافُ

стр. 1985

الظاهرِ، فإنَّ الأصلَ الحقيقةُ، وعلَى كلِّ تقديرٍ فقد صلَّى ﷺ عليْها أوْ أمرَ بالصلاةِ، فالقولُ بكراهةِ الصلاةِ على المرجومِ يصادمُ النصَّ إلَّا أنْ تُخَصَّ الكراهةُ بمنْ رُجِمَ بغيرِ الإقرارِ لجوازِ أنهُ لم يتبْ، فهذَا يتنزَّل على الخلافِ في الصلاةِ على الفسَّاقِ. [والجمهور (١)] (٢) أنهُ يُصَلَّى عليهمْ ولا دليلَ معَ المانعِ عنِ الصلاةِ عليهمْ. وفي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ التوبةَ لا تُسْقِطُ الحدَّ، وهوَ أصحُّ القولَيْنِ عندَ الشافعيةِ والجمهورِ (٣). والخلافُ في حدِّ المحارِبِ إذا تابَ قبلَ القدْرَةِ عليهِ فإنهُ يسقطُ بالتوبةِ عندَ الجمهورِ (٤) لقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥). إقامة الحدِّ على الكافر إذا زنى ٩/ ١١٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رَجَمَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] - وَقِصّةُ الْيَهُودِيّيْن في الصَّحِيحَيْن مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر (٧). [صحيح] (وعنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: رَجَم رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا منْ أَسْلَمَ) يريدُ ماعزَ بنَ مالكٍ (٨) (ورجلًا منَ اليهودِ وامرأةً) يريدُ الجُهَنيَّةَ (٩) (رواهُ مسلمُ. وقصهُ اليهوديينِ في الصحيحينِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ)، أما حديثُ ماعزٍ والجهنيةِ فتقدَّما.

стр. 1986

وفي الحديثِ دليلٌ على إقامةِ الحدِّ على الكافر الذميِّ إذا زَنَى وهو قولُ الجمهورِ (١). وذهبت المالكيةُ (٢) ومعظمُ الحنفيةُ (٣) إلى اشتراطِ الإسلامِ وأنهُ شرطٌ للإحصانِ الموجب للرجمِ، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (٤) الاتفاقَ عليهِ وَرُدَّ قولُه بأنَّ الشافعيَّ وأحمد (٥) لا يشترطانِ ذلكَ، ودليلُهمَا وقوعُ التصريحِ بأنَّ اليهوديينِ اللَّذينِ زَنَيَا كانَا قدْ أُحْصِنَا. وقدْ أجابَ منِ اشترط الإسلام عنِ هذا الحديثِ بأنهُ ﷺ إنَّما [رجَمَهُمَا] (٦) بحكمِ التوراةِ وليسَ منْ حُكْمِ الإسلامِ في شيءٍ، وإنَّما هوَ منْ بابِ تنفيذِ الحكمِ عليْهِمَا بما في كتابِهِمَا، فإنَّ في التوراةِ الرَّجْمَ علَى المحصَنِ وعلى غيرِهِ. قالَ ابنُ العربيِّ (٧): إنَّما رجَمَهُما لإقامةِ الحجَّةِ عليْهِمَا بما لا يراهُ في شَرْعِهِ معَ قولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٨)، ومِنْ [ثَمَّ] (٩) استدعى شهودهم لتقومَ الحجَّةُ عليهم منْهم، وردَّه الخطابيُّ (١٠) بأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٨) وإنَّما جاءَهُ القومُ سائلينَ الحكمَ عندَه كما دلتْ عليهِ الروايةُ فنَّبَههُم علَى ما كتمُوه منْ حكمِ التوراةِ ولا جائزَ أنْ يكونَ حكمُ الإسلامِ عندَه مخالِفًا لذلكَ لأنهُ لا يجوزُ الحكمُ بالمنسوخِ، فدلَّ على أنهُ إنَّما حكمَ بالناسخِ، انتَهى. قلْتُ: ولا يخْفَى احتمالُ القصةِ للأمريْنِ: والقولُ الأولُ: مبنيٌّ علَى عدَمِ صِحَّةِ شهادةِ أهلِ الذِّمَّةِ بعضِهم على بعضٍ. والثاني: مبنيٌّ علَى جوازِه وفيهِ خلافٌ معروفٌ. وقدْ دلَّتِ القصةُ على صحةِ نكاح أهلِ الكتابِ، لأنَّ ثبوتَ الإحصانِ فرعُ ثبوتِ صِحَّتِهِ وأنَّ الكفارَ مخاطبونَ بفروعِ [الشريعةِ] (١١) كَذَا قيلَ.

стр. 1987

قلتُ: أما الخطابُ بفروع [الشريعةِ] (١) ففيهِ نظرٌ لتوقفِه على أنهُ حَكمَ ﷺ بشرْعِهِ لا بما في التوراةِ على أحَد الاحتمالَيْنِ. إقامة حدِّ الزنى على الضعيف ١٠/ ١١٣٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْن سَعْدِ بْن عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ بين أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهمْ، فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "اضْرِبُوهُ حَدَّهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ: "خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً"، فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِن اخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. [صحيح] (وعنْ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ) هوَ أنصاريٌّ قالَ الواقديُّ: صحبتُه صحيحةٌ، كانَ واليًا لعليِّ بنِ أبي طالبٍ على اليمنِ (قالَ: كانَ بينَ أبياتِنا) جَمْعُ بَيْتٍ (رُوَيْجِلٌ) تصغيرُ رجلٍ (ضعيفٌ فَخَبَثَ) بالخاءِ المعجمةِ فموحدةِ فمثلثةٍ، أي فَجَرَ (بأَمَةٍ منْ إمائِهم فذكرَ ذلكَ سعد لرسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: اضربوه حدَّه، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ إنهُ أضعفُ منْ ذلكَ، قالَ: خذُوا عِثْكالًا) [بكسرِ العينِ فمثلثةِ] (٣) بِزِنَةِ قِرْطَاسٍ وهوَ العِذْقُ (فيهِ مائةُ شِمراخٍ) بالشينِ المعجمةِ أوَّلَهُ وراءٍ آخرَه خاءٌ معجمةٌ بِزَنَةِ عِثْكَالٍ وهوَ غصنٌ دقيقٌ في أعلى العثكالِ (ثمَّ اضربوة بهِ ضربةً واحدةً ففعلُوا. رواهُ أحمدُ [والنسائيُّ] (٤) وابنُ ماجْه وإسنادُه حسنٌ لكنِ اختلفُوا في وصْلهِ وإرسالِه)، قالَ البيهقيُّ (٥): المحفوظُ عَنْ أبي أمامةَ، أي ابنِ سهلِ بنِ حنيفٍ

стр. 1988

مرسلًا، وأخرجَهُ أحمدُ وابنُ ماجْه (١) منْ حديثِ أبى أمامةَ عنْ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ موصلًا. وقد أَسْلَفْنا لكَ غيرَ مرةٍ أنَّ هذا ليسَ بِعِلَّةٍ قادِحةٍ بلْ روايتُه موصولةٌ زيادةً منْ ثقةٍ مقبولةً. والمرادُ بالعِثْكَالِ الغصنُ الكبيرُ الذي يكونُ عليهِ أغصانٌ صغارٌ وهو للنخلِ كالعنقودِ للعنبِ وكلُّ واحدٍ منْ تلكَ الأغصانِ يُسَمَّى شِمْراخًا. وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ منْ كانَ ضعيفًا لمرضٍ ونحوِه ولا يُطيقُ إقامةَ الحدِّ عليهِ بالسياط أُقِيْمَ عليهِ بما يحتملُه مجمُوعًا دُفعةً واحدةً منْ غيرِ تكرارٍ للضربِ مثلَ العثكولِ ونحوِه، وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ (٢) قالُوا: ولا بدَّ أنْ يباشرَ المحدودَ جميعُ الشماريخِ ليقعَ المقصودُ منَ الحدِّ، وقيلَ يجزئُ وإنْ لم يباشرْ جميعُه وهوَ الحقُّ، فإنهُ لم يخلقِ اللهُ تعالَى العثاكيلَ مصفوفةً كلُّ واحدٍ إلى جَنْبِ الآخرِ عِرَضًا منتشرةً إلى تمامِ مائةٍ فقط، ومعَ عدمِ الانتشارِ يمتنعُ مباشرةُ كلِّ واحد منْها، فإنْ كانَ المريضُ يُرْجَى زوالُ مرضِهِ أو خِيْفَ عليهِ شدةُ حرٍّ أو بَرْدٍ أُخِّرَ الحدُّ عليهِ إلى زوالِ ما يُخَافُ. حكم اللواط ١١/ ١١٤٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والْمَفْعُولَ بهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوا الْبَهيمَةَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلافًا (٣). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ وجدتُموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ

стр. 1989

فاقتلُوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ، ومَنْ وجدتمُوهُ وقعَ علَى بهيمةٍ فاقتلُوه واقتلُوا البهيمةَ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ ورجالُه موثَّقُونَ إلا أنَّ فيهِ اختلافًا). ظاهرُه أنَّ الاختلافَ في الحديثِ جميعِه لا في قولِه ومَنْ وجدتموهُ إلخ فقطْ، وذلكَ أنَّ الحديثَ قدْ رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ مفرَّقًا وهوَ مختلفٌ في ثبوتِ كلِّ واحدٍ منَ الأمريْنِ. أما الحكمُ الأولُ: فإنهُ قدْ أخرجَ البيهقيُّ (١) منْ حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ: "في البكرِ يوجَدُ علَى اللوطيةِ قالَ: يُرْجَمُ". وأخرجَ عنهُ (٢) أنهُ قالَ: يُنْظَرُ أَعْلَى بناءٍ في القريةِ فيُرْمَى بهِ مُنَكَّسًا ثمَّ يُتْبَعُ الحجارةَ. وأما [الحكم] (٣) الثاني: فإنهُ أخرجَ [البيهقي (٤) أيضًا] (٥) عنْ عاصمِ بنِ بهدلةَ عنْ أبي رزين عنِ ابنِ عباسٍ ﵁ أنهُ سُئِلَ عنِ الذي يأتي البهيمةَ قالَ: لا حدَّ عليهِ، فهذَا الاختلافُ عنهُ دلَّ على أنهُ ليسَ عندَ ابن عباس سُنَّةٌ فيهما عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّما تَكَلَّمَ باجتهادِه، [كذا قيلَ في بيانِ وجْهِ قولِ المصنفِ: إنَّ فيهِ اخْتلافًا] (٦). والحديثُ فيهِ مسألتانِ: الأُولى: فيمنْ عمِلَ عَمَل قومِ لوطٍ، ولَا ريبَ أنهُ ارتكبَ كبيرةً وفي حُكْمِها أقوالٌ [أربعة] (٧): الأوَّلُ: أنهُ يُحَدُّ حدَّ الزَّاني قياسًا عليهِ بجامعِ إيلاجِ محرَّمٍ في فرجٍ محرَّمٍ وهذَا قولُ الهادويةِ (٨) وجماعةٍ منَ السلفِ والخلفِ، وإليهِ رجعَ الشافعيُّ (٩). واعتذرُوا عنِ الحديثِ بأنَّ فيهِ مقَالًا فلا ينتهضُ على إباحةِ دمِ المسلمِ، إلَّا أنَّهُ لا يخْفَى أنَّ هذهِ الأوصافَ التي جمعُوها وجعلوها عِلَّةً لإلحاقِ اللواطِ بالزِّنَى لا دليلَ علَى عِلِّيتِها. والثاني: يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ بهِ محصنَيْن كانَا أوْ غيرَ محصنَيْنِ للحديثِ

стр. 1990

المذكورِ، وهوَ للناصرِ (١) وقديمِ قولَيْ الشافعي (٢) وكانَ طريقةُ الفقهاءِ أن يقولُوا في القتل فُعِلَ ولم يُنْكَرْ فكانَ إجماعَا سِيَّما معَ تكرره منْ أبي بكرٍ وعليٍّ وغيرِهِما (٣)، وتعجَّبَ في "المنار" (٤) منْ قِلَّةِ الذاهبِ إلى هذا معَ وضوحِ دليلهِ لفْظًا وبلوغِه إلى حدٍّ يُعْمَلُ بهِ سَنَدًا. الثالثُ: أنهُ يُحْرَقُ بالنارِ، فأخرَجَ البيهقيُّ (٥) أنهُ اجتمعَ رأيُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على تحريقِ الفاعلِ والمفعولِ بهِ، وفيهِ قصةٌ وفي إسنادِه إرسالٌ. قالَ الحافظُ المنذريُّ (٦): حرَّقَ اللوطيةَ بالنارِ أربعةٌ منَ الخلفاءِ: أبو بكرٍ [الصدِّيقُ] (٧)، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، وهشام بنُ عبدِ الملكِ. والرابعُ: أنهُ يُرْمَى بهِ منْ أَعْلَى بناءٍ في القريةِ مُنكَّسًا ثمَّ يُتْبَعُ الحجارةَ. رواهُ البيهقيُّ (٨) عنْ عليٍّ ﵇ وتقدَّمَ عنِ ابنِ عباسٍ (٩) ﵄. المسألةُ الثانيةُ: فيمنْ أَتَى بهيمةً، دلَّ الحديثُ على تحريمِ ذلكَ وأنَّ حدَّ مَنْ يأتيْها قَتْلُهُ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (١٠) في [آخرِ قولَيْهِ] (١١) وقالَ: إنْ صحَّ الحديثُ قلتُ بهِ - ورُوِيَ عنِ القاسم - وذهبَ الشافعيُّ (١٢) في [القديم] (١٣) أنهُ يوجب حدُّ الزِّنَى قياسًا على الزَّاني. وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ والمؤيَّدُ والناصرُ وغيرُهم (١٤) إلى أنهُ يُعَزَّرَ فقطْ إذْ ليسَ بِزِنَى، والحديثُ قدْ تُكلِّم فيهِ بما عرفْتَ ودلَّ علَى وجوبِ قَتْلِ البهيمةِ مأكولهً كانتْ أوْ لا، وإلَى ذلكَ ذهبَ عليٌّ ﵁[والشافعي (١٥) في قول] (١٦).

стр. 1991

وقيلَ لابنِ عباسِ (١): ما شأْنُ البهيمةِ؟ قالَ: ما سمعتُ منْ رسولِ اللهِ ﷺ في ذلكَ شيئًا، ولكنْ [أراه] (٢) أنهُ كَرِهَ أنْ يُؤْكَلَ منْ لحمِها أو يُنْتَفَعُ بها بعدَ ذلكَ العملِ، ويُرْوَى أنهُ قالَ في الجوابِ: إنَّها تُرَى فيقالُ هذهِ التي فُعِلَ بها ما فُعِلَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ (٣) إلى أنهُ يُكْرَهُ أكلُها، فظاهرُه أنهُ لا يجبُ قتلُها. قالَ الخطابيُّ (٤): الحديثُ هذا مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ ﷺ عنْ قتلِ الحيوانِ إلَّا لمأْكَلِه، قالَ [الإمام] (٥) المهدي (٦): فيحتملُ أنهُ أرادَ عقوبَته بِقَتْلِها إنْ كانتْ لهُ وهيَ مأكولةٌ جَمْعًا بينَ الأدلَّةِ. الحديث رد على من زعم نسخ التغريب ١٢/ ١١٤١ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ (٧). [صحيح] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضَرَبَ وغرَّبَ، [وأنَّ عمرَ ضربَ وغرَّبَ] (٨). رواهُ الترمذيُّ ورجالُه ثقاتٌ إلَّا أنهُ اختُلِفَ في رفْعهِ ووقْفِهِ). وأخرجَ البيهقيُّ (٩) أنَّ عليًا ﵇ جلدَ ونفَى منَ البصرةِ إلى الكوفةِ ومنَ الكوفةِ إلى البصرةِ وتقدَّم تحقيقُ ذلكَ في التغريبِ وكأنهُ ساقهُ المصنفُ ردًّا على مَنْ زَعَمَ نسخَ التغريبِ.

стр. 1992

تخنُّث الرجال وترجُّل النساء ١٣/ ١١٤٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْمُخَنَّثِينَ من الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ. وَقَالَ: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكِمْ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ المخنَّثينَ) جَمْعُ مخنَّثِ بالخاءِ المعجمةِ فنونٍ فمثلثةٍ، اسمُ مفعولٍ أو اسمُ فاعلٍ رُوِيَ بهِمَا (منَ الرجالِ والمترجِّلاتِ منَ النساء، وقالَ: أخرجُوهُم منْ بيوتِكم. رواهُ البخاريُّ). اللعنُ منهُ ﷺ على مرتكبِ المعصيةِ [دليل] (٢) على كِبَرِهَا، وهوَ يَحْتَمِلُ الإخبارَ والإنشاءَ كما قدَّمْنا. والمخنَّثُ منَ الرِّجالِ المرادُ بهِ منْ تشبَّهَ بالنساءِ في حركاتِهِ وكلامِهِ وغيرِ ذلكَ منَ الأُمورِ المختصَّةِ بالنساءِ، والمرادُ مَنْ تخلَّق بذلكَ لا مَنْ كانَ منْ خِلْقَتِهِ وجِبِلَّتهِ، والمرادُ بالمترجِّلَاتِ منَ النساءِ المتشبهاتُ بالرجالِ، هكَذَا وردَ تفسيرُه في حديثٍ آخرَ أخرجَهُ أبو داودَ (٣)، وهذا دليل على تحريمِ [التشبه] (٤) بالنساءِ وبالعكسِ. وقيلَ لا دلالةَ [في اللعن] (٥) على التحريم لأنهُ ﷺ كانَ يأذنُ للمتخنثين بالدخولِ علَى النساءِ، وإنَّما نَفَى مَنْ سمعَ منهُ وصفَ المرأةِ بما لا يفطنُ لهُ إلَّا مَن كانَ لهُ إِرْبةٌ، فهوَ لأجلِ تتبعِ أوصافِ الأجنبيةِ. قلتُ: يحتملُ أنَّ مَنْ أَذِنَ لهُ كانَ ذلكَ صفةً لهُ خِلْقَةً لا تخلُّقًا، هذَا وقالَ ابنُ التِّينِ (٦): أما منِ انتَهى في التشبُّهِ بالنساءِ منَ الرجالِ إلَى أنْ يُؤْتَى في دُبُرِهِ، وبالرجالِ منَ النساءِ إلى أنْ يَتَعاطَى السحقَ، فإنَّ لهذيْن الوصفين منَ اللَّوْمِ والعقوبةِ أشدَّ ممنْ لم يصلْ إلى ذلكَ.

стр. 1993

قلتُ: أما مَنْ يُؤْتَى منَ الرجالِ في دُبُرِهِ فهوَ الذي سلفَ حُكْمُه قريْبًا. درءُ الحدود بالشبهات ١٤/ ١١٤٣ - وَعَنْ أَبى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بإِسْنَادٍ ضعِيفٍ (١). [ضعيف] - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بلَفْظِ: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَن الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (٢). [ضعيف] - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ بلَفْظِ: ادْرَءُوأ الْحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ (٣). [ضعيف] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ادفعُوا الحدودَ ما وجدتُم لها مَدْفعًا. أخرجَهُ ابنُ ماجهْ وسنده ضعيفٍ. وأخرجَهُ الترمذيُّ والحاكمُ منْ حديثٍ عائشةَ بلقظِ: ادرؤُا الحدودَ عنِ المسلمينَ ما استطعتُم. وهوَ ضعيفٌ أيضًا، ورواهُ البيهقيُّ عنْ عليٍّ ﵇ منْ قولِه بلفظِ: ادرؤُوا الحدودَ بالشُّبهاتِ). وذكَرهُ المصنفُ في "التلخيصِ" (٤) عنْ عليٍّ ﵇ مرفُوعًا وتمامُه: "ولا ينبغي

стр. 1994

للإمامِ أن يعطِّلَ الحدودَ"، قالَ: وفيهِ المختارُ بنُ نافعٍ مُنْكَرُ الحديثِ، قالَه البخاريُّ (١)، إلا أنهُ ساقَ المصنفُ في "التلخيصِ" (٢) عِدَّة رواياتٍ موقوفةٍ صحَّحَ بعضَها وهيَ تعاضدُ المرفوعَ، وتدلُّ أنَّ لهُ أصْلًا في الجملةِ. وفيهِ دليلٌ على أنهُ يدفعُ الحدَّ بالشبهةِ التي يجوزُ وقوعُها كدعْوى الإكراهِ، أوْ أنَّها أُتِيَتِ المرأةُ وهيَ نائمةٌ فَيُقْبَلُ قولُها ويُدْفَعُ عنها الحدُّ ولا تكلَّفُ البيِّنةَ على [ما ادَّعاه] (٣). من ألمَّ بمعصية عليه أن يستتر ١٥/ ١١٤٤ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْتَنِبُوا هذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتي نَهى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بهَا فَلْيَسْتَتِرْ بسَتْر اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (٤)، وَهُوَ في الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (٥). [ضعيف] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اجتنبُوا هذهِ القاذوراتِ) جمعُ قاذورةٍ، والمرادُ بها الفعلُ القبيحُ والقولُ السيءُ مما نَهَى اللهُ تعالَى عنهُ (التي نَهَى اللهُ تعالَى عنْها، فمنْ ألمَّ بها فليستترْ بسترِ اللهِ وليتبْ إلى اللهِ، فإنهُ منْ يُبدي لنا صفحتَهُ نُقِمْ عليهِ كتابَ اللهِ . رواهُ الحاكمُ) وقالَ على شرطِهمَا، (وهوَ في الموطإِ منْ مراسيلِ زيدِ بن أسلمَ) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦): لا أعلمُ هذا الحديثَ أُسْنِدَ بوجهٍ منَ الوجُوهِ، ومرادُه

стр. 1995

بذلكَ حديثُ مالكٍ، وأما حديثُ الحاكمُ فهوَ مسندٌ معَ أنهُ قالَ إمامُ الحرمينِ في "النهايةِ": إنهُ صحيحٌ متفقٌ على صِحَّتِه. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهذا مما يتعجبُ منهُ العارفُ بالحديثِ، ولهُ أشباهٌ [لذلك] (١) كثيرةٌ أوقَعُه فيها اطِّراحُه صناعةَ الحديثِ التي يَفتَقِرُ إليها كلُّ فقيهٍ وعالمٍ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ أَلمَّ بمعصيةٍ أنْ يستترَ، ولا يفضحُ نفسَهُ بالإقرارِ ويبادرُ إلى التوبةِ، فإنْ أبدَى صفحَتهُ للإمامِ - والمرادُ بها هُنَا حقيقةُ أمرِه - وجبَ على الإمامِ إقامةُ الحدِّ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٢) مرفُوعًا: "تعافُوا الحدودَ فيما بينَكم، فما بلغني منْ حدِّ فقَدْ وجبَ". * * *

стр. 1996

[الباب الثاني] باب حد القدف القذْفُ لغةً: الرميُ بالشيءِ، [وهو شرعًا] (١): الرميُ بوطءٍ [محرَّم] (٢) يُوجِبُ الحدَّ على المقذوفِ. ثبوت حد القذف ١/ ١١٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَة فَضُرِبُوا الْحَدَّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (٣). [حسن] (عنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: لما نَزَلَ عذْري قامَ رسولُ اللهِ ﷺ علَى المنبرِ فذكرَ ذلكَ وتَلَا القرآنَ) منْ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٤) إلى آخرِ ثماني عَشْرَةَ آيةً على إحْدَى الرواياتِ في العددِ، (فلمَّا نزلَ أمرَ برجلَيْنِ) هُمَا حسَّانُ ومسطِّحٌ (وامرأةٍ) هي حمنةُ بنتُ جحشٍ (فضُربُوا الحدَّ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةِ وأشارَ إليهِ البخاريُّ).

стр. 1997

في الحديثِ ثبوتُ حدِّ القذفِ وهوَ ثابتٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١) الآيةَ. وظاهرُه أنهُ لم يثبتِ القذفُ لعائشةَ إلَّا مِنَ الثلاثةِ المذكورينَ، وقد ثبتَ أنَّ الذي تولَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أُبيِّ بنِ سلولٍ ولكنه لم يثبتْ أنهُ جلَدَهُ ﷺ حدَّ القذْفِ. وقدْ ذكرَ ذلكَ ابنُ القيّمِ (٢) وعدَّ أعذارًا في تركهِ ﷺ [لحدِّهِ] (٣)، ولكنهُ قدْ أخرجَ الحاكمُ في الإكليلِ أنهُ ﷺ حدَّه منْ جملةِ القَذَفَةِ. وأما قولُ الماورديِّ أنهُ ﷺ لم يجلدْ أحدًا منَ القَذَفَةِ لعائشةَ، وعلَّلَهُ بأنَّ الحدَّ إنَّما يثبتُ بِبَيِّنَةٍ أوْ إقرارٍ، فقدْ ردَّ قولُه بأنهُ ثبتَ ما يوجبُه بنصِّ القرآنِ، وحدُّ القاذفِ يثبتُ بعدمِ ثبوتِ ما قذفوا بهِ ولا يحتاجُ في إثباتِه إلى بَيِّنَةٍ. قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ القرآنَ لم يعينْ أحدًا من القَذَفَةِ وكأنَّهُ يريدُ ما ثبتَ في تفسيرِ الآياتِ، فإنهُ ثبتَ أنَّ الذي تولَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي [ابن سلولٍ] (٤) وأنَّ مُسَطِّحًا منَ القَذَفةِ وهوَ المرادُ بنزولِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (٥) الآيةَ. ٢/ ١١٤٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوّلُ لِعَانٍ كَانَ في الإسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ"، الحديثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٦). [صحيح]

стр. 1998

وهو في البخاري نحوه مِن حديثٍ ابن عباسٍ ﵄ (١). [صحيح] (وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ: قالَ: أوَّلُ لِعَانٍ كانَ في الإسلامِ أنَّ شَرِيْكَ بنَ سحماءَ قذفَهُ هلالُ بنُ أميةَ بامرأتِه، فقال لهُ النبيُّ ﷺ : البيِّنَةُ وإلَّا فحدٌّ في ظَهْرِكَ. الحديثُ أخرجَهُ أبو يَعْلَى ورجالُه ثِقَاتٌ وهو في البخاريِّ نحوَهُ منْ حديثٍ ابنِ عباسٍ). قولُه: أولُ لِعَانٍ، قدِ اختلفتِ الرواياتُ في سببِ نزولِ آيةِ اللِّعانِ (٢)، ففي روايةٍ أنسٍ هذهِ أَنَّها نزلتْ في قِصَّةِ هلال، وفي أُخْرَى أنَّها نزلتْ في قصةِ عُوَيْمِرٍ العجلانيِّ (٣). ولا ريبَ أنَّ أوَّلَ لعانٍ كانَ بِنُزُولِها لبيانِ الحكمِ وجُمِعَ بينَهما بأنَّها نزلتْ في شأنِ هلالٍ وصادفَ مجيءُ عويمرٍ العجلانيِّ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. والحديثُ دليلٌ على أنَّ الزوجَ إذا عجزَ عنِ البيّنةِ علَى ما ادَّعاهُ [على] (٤) ذلكَ الأمرِ وجبَ عليهِ الحدُّ إلَّا أنهُ نُسِخَ وجوبُ الحدِّ عليهِ بالملاعنةِ، وهذا منِ نَسْخِ السُّنةِ بالقرآنِ وإنْ كانتْ آيةُ جلدِ القذفِ وهيَ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥) الآيةُ سابقةٌ نزولًا على آيةِ اللِّعانِ، فآيةُ اللِّعانِ إمَّا ناسخةٌ على تقديرِ تراخي النزولِ عندَ مَنْ يشترطُه لقذفِ الزَّوْجِ، أو مخصصةٌ إنْ لم يتراخَ النزولُ، أوْ يكون آيةُ اللعانِ قرينةٌ على أنهُ أُرِيدَ بالعمومِ في قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥) الخصوصُ وهوَ منْ عدَا القاذفِ لزوجتِه منْ بابِ استعمالِ العامِّ في الخاصِّ بخصوصِه، كذا قيلَ. والتحقيقُ أنَّ الأزواجَ القاذفينَ لأزواجِهم باقونَ في عمومِ الآيةِ، وإنَّما جعلَ اللهُ تعالَى شهادةَ الزَّوْج أربعَ شهاداتٍ باللهِ قائمةً مقامَ الأربعةِ الشهداءِ،

стр. 1999

ولِذَا سمَى الله تعالى أيْمانَهُ شهادةً فقالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ (١) فإذا نكلَ عنِ الأَيْمانِ وجبَ جلْدُه جَلْدَ القذفِ، كما أنهُ إذا رمَى أجنبيٌّ أجنبيةً ولم يأتِ بأربعةِ شهداءَ جُلِدَ للقذفِ، فالأزواجُ باقونَ في عمومِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) داخلونَ في حُكْمهِ، ولِذَا قالَ ﷺ : "البينةُ وإلَّا فحدٌّ في ظَهْرِكَ". وإنَّما أنزلَ اللهُ آيةَ اللِّعانِ لإفادةِ أنهُ إذا فقدَ الزوجُ البيِّنةَ وهمْ الأربعةُ الشهداءِ فقدْ جعلَ اللهُ تعالَى عِوضَهم الأربعَ الأيمانِ، وزادَ الخامسةَ للتأكيدِ والتشديدِ، وجلْدُ الزوجِ بالنكولِ قولُ الجمهورِ (٣)، فكأنهُ قيلَ في الآيةِ [الأُولَى] (٤) ثمَّ لم يأتُوا بأربعةِ شهداءَ ولم يحلفُوا إنْ كانُوا أزواجًا لمنْ رمَوْا، وغايتُه أنَّها قيَّدتِ الآيةُ الثانيةُ بعضَ أفرادِ عمومِ الأُولَى بقيدٍ زائدٍ عِوَضًا عنِ القيدِ الأولِ إذا فُقِدَ الأولُ، واللهُ أعلمُ. ٣/ ١١٤٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ في الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ (٥) وَالثَّوْرِيُّ في جَامِعِهِ. [مرسل] ترجمة عبد الله بن عامر (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ) (٦) هوَ أبو عمرانَ (٧) عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ

стр. 2000

القارئُ الشاميُّ، كانَ عالمًا ثقةً حافِظًا لما رواهُ، في الطبقةِ الثانيةِ منَ التابعينَ، أحدُ القراءِ السبعةِ. رَوى عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ وغيرِه، وقرأَ القرآنَ على المغيرةِ بنِ شهابٍ المخزوميِّ عنْ عثمانَ بنِ عفَّانَ، وُلِدَ سنةَ إحْدَى وعشرينَ منَ الهجرةِ وماتَ سنةَ ثماني عشرةَ ومائةٍ. (قالَ: لقدْ أدركتُ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ومَنْ بعدَهم فلمْ أرَهُم يضربونَ المملوكَ) ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى (في القذفِ إلَّا أربعينَ. رواهُ مالكٌ والثوري في جامِعِهِ). دَلَّ على أنَّ رأيَ من ذكرَ تنصيفَ حدِّ القذفِ على المملوكِ، ولا يخْفَى أنَّ النصَّ وردَ في تنصيفِ حدِّ الزِّنَى في الإماءِ لقوله تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) فكأنَّهم قاسُوا عليهِ حدَّ القذفِ في الأَمَةِ إنْ كانتْ قاذفةً، وخصَّصُوا بالقياسِ عمومَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢)، ثمَّ قاسُوا العبدَ على الأَمَةِ في تنصيفِ الحدِّ في الزِّنَى والقذفِ بجامعِ الملْكِ [وهو] (٣) علَى رأْي مَنْ يقولُ بعدمِ دخولِ المماليكِ في العموماتِ لا تخصيصَ، إلَّا أنهُ مذهبٌ مردودٌ في الأصولِ، وهذَا مذهبُ الجماهيرِ (٤) منْ علماءِ الأمصارِ. وذهبَ ابنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (٥) إلى أنهُ لا ينصَّف حد القذف على العبد لعموم الآية، وكأنهم لا يرون العمل بالقياس كما رأْيُ الظاهريةِ (٦). والتحقيقُ أنَّ القياسَ غيرُ تامٍّ هُنَا لأنَّهم جعلُوا العِلَّةَ في إلحاقِ العبدِ بالأَمَةِ المُلْكَ، ولا دليلَ على أنهُ العلَّةُ إلَّا ما يدَّعونَهُ منَ السَّبرِ والتقسيمِ، والحقُّ أنهُ ليسَ منْ مسالكِ العلَّةِ، وأيُّ مانعٍ منْ كونِ الأنوثةِ جزءَ العلَّة لنقصِ حدُّ الأَمَةِ لأنَّ الإمَاءَ يُمْتَهَنَّ ويُغْلَبْنَ، ولِذَا قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ

стр. 2001

غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، أي لهنَّ، ولم يأتِ مثلُ ذلكَ في الذكورِ إذْ لا يغلَبُونَ على أنفسِهمْ، وحينئذٍ نقولُ إنهُ لا يُلْحَقُ العبدُ بالأَمَةِ في تنصيفِ حدِّ الزِّنَى ولا القذفِ وكذلكَ الأَمَةُ لا يُنَصَّفُ لها حدُّ القذفِ بلْ تحد له كالحرة ثمانينَ جلدةً، ودَعْوى الإجماعِ علَى تنصيفِه في حدِّ الزِّنى غيرُ صحيحةٍ لخلافِ داودَ [وغيره (٢)] (٣)، وأما في القذفِ فقدْ سمعتَ الخلافَ منهُ ومنْ غيرِهِ. لا يُحد المالك إذا قذف مملوكه ٤/ ١١٤٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كمَا قَالَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قذفَ مملوكَهُ يُقَامُ عليهِ الحدُّ يومَ القيامةِ إلَّا أنْ يكونَ كما قالَ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ علَى أنهُ لا يُحَدُّ المالكُ في الدُّنيا إذا قذفَ مملوكَه وإنْ كانَ داخلًا تحت عمومِ آيةِ القذفِ (٥) بناءً على أنهُ لم يردْ بالإحصانِ الحريةَ ولا التزوُّجَ، وهو لفظٌ مشتركٌ يطلَقُ على الحرِّ والمحصَنِ والمسلمِ لأنهُ ﷺ أخبرَ أنهُ يحدُّ لِقذْفِه [مملوكَه] (٦) يومَ القيامةِ، ولو وجبَ حدُّه في الدنيا لم يجَبْ عليه الحد يومَ القيامةِ، إذْ قدْ وردَ أنَّ هذهِ الحدودَ كفاراتٌ لِمَنْ أقيمتْ عليهِ وهذا إجماعٌ. وأما إذا قذفَ العبدُ غيرَ مالكِه فإنهُ [أيضًا] (٧) أجمعَ العلماءُ (٨) علَى أنهُ لا يحدُّ قاذفُه إلَّا أمُّ الولدِ ففيها خلافٌ، فذهبَ الهادويةُ والشافعيةُ وأبو حنيفةَ (٩)

стр. 2002

[إلى] (١) أنهُ لا حدَّ أيضًا على قاذفِها لأنَّها أيضًا مملوكةٌ قبلَ موتِ سيِّدِهَا، وذهبَ مالكٌ والظاهريةُ (٢) إلى أنهُ يحدُّ وصحَّ ذلكَ عنِ ابنِ عمرَ (٣). * * *

стр. 2003

[الباب الثالث] باب حد السرقة نصاب حدِّ السرقة ١/ ١١٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا في رُبع دِينَار فَصَاعِدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). [صحيح] (عنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لا تقْطَعُ يدُ السارقِ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فصاعِدًا) نُصِبَ على الحالِ ويستعملُ بالفاءِ وبثمَّ ولا يُأْتى بالواوِ، وقيلَ معناهُ ولو زادَ لم يكنْ إلَّا صاعِدًا فهوَ حالٌ مؤكِّدةٌ (متفقٌ عليهِ، واللفظ لمسلم)، ولفظُ البخاريِّ: [تُقْطَعُ] (٢) يدُ السارقِ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدًا، وفي روايةٍ لأحمدَ، أي عنْ عائشةَ وهوَ: ٢/ ١١٥٠ - وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ:، تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا"، وَفي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ: "اقْطَعُوا في رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيما هُوَ أَدْنَى مِنْ ذلِكَ" (٣). [صحيح] (اقطَعُوا في رُبْعِ دينارٍ ولا تقطعُوا فيما هوَ أَدْنَى منْ ذلكَ)، إيجابُ حدِّ السرقةِ

стр. 2004

ثابتٌ بالقرآنِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) الآيةَ، ولم يذكرْ في القرآنِ نصابُ ما يقطعُ فيهِ، فاختلفَ العلماءُ في مسائلَ: الأُولَى: هلْ يُشْتَرَطُ النصابُ أَوْ لا؟ ذهبَ الجمهورُ (٢) إلى اشتراطِه مستدلِّينَ بهذِه الأحاديثِ الثابتةِ، وذهبَ الحسنُ والظاهريةُ والخوارجُ (٣) إلى أنهُ لا يشترطُ بلْ يُقْطَعُ في القليلِ والكثيرِ لإطلاقِ الآيةِ، ولمَا أخرجَهُ البخاريُّ منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قالَ ﷺ : "لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ البيضةَ فتقطعُ يدُه، وَيَسْرِقُ الحبلَ فَتُقْطَعُ يدُه" (٤). وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ مطلقةٌ في جنسِ المسروقِ وقَدْرِهِ والحديثُ بيانٌ لها، وبأنَّ المرادَ منْ حديثِ البيضةِ غيرُ القطعِ بِسَرِقَتِها بلْ الإخْبَارُ بتحقيرِ شأنِ السارقِ وخسارةِ ما ربحَه منَ السرقةِ وهوَ أنهُ إذا تعاطَى هذهِ الأشياءَ الحقيرةَ وصارَ ذلكَ خُلُقًا لهُ جَرَّأَهُ علَى سرقةِ ما هوَ أكثرُ منْ ذلكَ مما يبلغُ قدرُه ما يقطعُ بهِ، فليحذرْ هذا القليلَ قبلَ أنْ تملكَه العادةُ فيتعاطَى سرقةَ ما هوَ أكثرُ منْ ذلكَ، ذكرَ هذا الخطابيُّ (٥) وسبقَه ابنُ قتيبةَ (٦) إليهِ، ونظيرُه حديثُ: "مَنْ بَنَى للهِ مسجِدًا ولو كَمفْحَصِ (٧) قطاةٍ" (٨)، وحديثُ: "تصدَّقي ولو بظلِفِ (٩) محرقٍ" (١٠). ومنَ المعلومِ أنَّ مِفْحَصَ القطاةِ لا يصحُّ تسبيلُه ولا التصدقُ بالظلفِ المحرقِ لعدمِ الانتفاعِ بهمَا، فما قصدَ ﷺ إلَّا المبالغةَ في الترهيبِ من السرقة. الثانيةُ: اختلفَ الجمهور (١١) في قَدْرِ النصابِ بعدَ اشتراطِهم لهُ على أقوالٍ بلغتْ إلى عشرينَ قولًا، والذي قامَ الدليلُ عليهِ منْها قولانِ:

стр. 2005

الأولُ: أنَّ النصابَ الذي تُقْطَعُ بهِ ربعُ دينارٍ منَ الذهبِ وثلاثةُ دراهمَ منَ الفضةِ، وهذَا مذهبُ فقهاءِ الحجازِ والشافعيُّ وغيرِهم (١) مستدلِّينَ بحديثِ عائشةَ المذكورِ (٢)، فإنهُ بيانٌ لإطلاقِ الآيةِ. وقدْ أخرجَهُ الشيخانِ كما سمعتَ وهوَ نصٌّ في رُبعِ الدينارِ، قالُوا: والثلاثةُ الدراهمِ قيمتُها ربعُ دينارٍ، ولما يأتي مِنْ أنهُ ﷺ قطعَ في مجنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ قالَ الشافعيُّ (٣): إنَّ الثلاثةَ الدراهمِ إذا لم تكنْ قيمتُها ربعَ دينارٍ لم توجب القَطْعَ. واحْتُجَّ لهُ أيضًا بما أخرجَه ابنُ المنذرِ (٤) أنَهُ أُتِيَ عثمانُ بسارقٍ سرقَ أُتْرُجَّةَ قُوِّمَتْ بثلاثةِ دراهمَ منْ حسابِ الدينارِ باثْني عشرَ فقطعَ. وأخرجَ أيضًا (٥) أنَّ عليًا ﵇ قطعَ في ربعِ دينارٍ كانتْ قيمتُه [درهميْنِ] (٦) ونِصْفًا. وقالَ الشافعيُّ (٧): ربعُ الدينارِ موافقٌ الثلاثةَ الدراهمِ، وذلكَ أنَّ الصَّرْفَ علَى عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ اثنا عشرَ دِرْهمًا بدينارٍ، وكانَ كذلكَ بعدَهُ، ولِهَذَا قُوِّمَتِ الديةُ اثني عشرَ ألفًا منَ الورِقِ وألفَ دينارٍ منَ الذهبِ. القولُ الثاني: للهادويةِ وأكثرِ فقهاءِ العراقِ (٨) أنهُ لا يوجبُ القطعَ إلَّا سرقةُ عشَرَةِ دراهمَ، ولا يجبُ في أقلَّ مِنْ ذلكَ. واستدلُّوا لذلكَ بما أخرجَه البيهقيُّ والطحاويُّ منْ طريقِ محمدِ بنِ إسحاقَ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ (٩) أنهُ كانَ ثمنُ المِجَنِّ علَى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ عشَرةَ دراهمَ.

стр. 2006

ورَوَى أيضًا محمدُ بنُ إسحاقَ منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه مِثْلَه (١)، قالُوا: وقدْ ثبتَ في الصحيحينِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (٢): "أنهُ ﷺ قطعَ في مجنٍّ"، وإنْ كانَ فيهمَا أنَّ قيمتَه ثلاثةُ دراهمَ، لكنَّ هذهِ الروايةَ قدْ عارضتْ روايةَ الصحيحينِ والواجبُ الاحتياطُ فيما يُسْتَبَاحُ بهِ العضوُ المحرَّمُ قطْعُه إلَّا بحقِّه، فيجبُ الأخذُ بالمتيقَّنِ وهوَ الأكثرُ، قالَ ابنُ العربي (٣): ذهبَ سفيانُ الثوريُّ معَ جلالتِه في الحديثِ إلى أنَّ القطْعَ لا يكونُ إلَّا في عشرةِ دراهمَ، وذلكَ أنَّ اليدَ محرَّمةٌ بالإجماعِ فلا تستباحُ إلَّا بما أجمعَ عليهِ، والعشرةُ متفقٌ على القطعِ بها عندَ الجميعِ فيتمسكُ بها ما لم يقعِ الاتفاقُ على دونِ ذلكَ. قلتُ: قدِ استُفيدَ منْ هذهِ الرواياتِ الاضطرابُ في قَدْرِ قيمةِ المجنِّ منْ ثلاثةِ دراهمَ أو عَشْرةٍ أوْ غيرِ ذلكَ مما وردَ في قدْرِ قيمتِه، وروايةُ رُبْعِ دينارِ في حديثِ عائشةَ (٤) صريحةٌ في المقدارِ فلا يقدِمُ عليها ما فيهِ اضطرابٌ، على أنَّ الراجحَ أنَّ قيمةَ المجنِّ ثلاثةُ دراهمَ لما يأتي منْ حديثِ ابنِ عمرَ (٥) المتفقِ عليهِ وباقي الأحاديثِ المخالفةِ لا تقاومُه سَنَداً. وأما الاحتياطُ بعدَ ثبوتِ الدليلِ فهوَ في اتباعِ الدليلِ لا فيما عدَاهُ، علَى أنَّ روايةَ التقديرِ لقِيْمَةِ المجنِّ بالعشرةِ جاءتْ منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ (٦) ومنْ طريقِ عمروِ بنْ شُعَيْبٍ (٧) وفيهمَا كلامٌ معروفٌ، وإنْ كُنَّا لا نَرى القدْحَ في ابنِ إسحاقَ بما ذكرُوْهُ كما قرَّرْنَاهُ في مواضعَ أُخَرَ. المسألةُ الثالثةُ: اختلفَ القائلونَ بشرطيةِ النِّصابِ فيما يقدَّرُ بهِ غيرُ الذهبِ والفضةِ، فقالَ مالكٌ (٨) في المشهورِ: يَقوَّمُ بالدراهمِ لا بُربْعِ الدينارِ، يعني إذا

стр. 2007

اختلفَ صرفُهما مثلُ أنْ يكونَ رُبْعَ دينارٍ صرفَ درهمينِ مثلًا. وقالَ الشافعيُّ (١): الأصلُ في تقويمِ الأشياءِ هوَ الذهبُ لأنهُ [أصل الجواهر] (٢) في الأرضِ كلِّها، قالَ الخطابيُّ (٣): ولِذلكَ فإنَّ الصِّكاكَ القديمةَ كانَ يُكْتَبُ فيها عشرةُ دراهمَ وزنُ سبعةِ مثاقيلَ، فعُرِفَت الدراهمُ بالدنانيرِ وحُصِرتْ بها حتَّى قالَ الشافعيُّ (٤): إنَّ الثلاثةَ الدراهمِ إذا لم تكن قيمتُها رُبْعَ دينارٍ لم توجبِ القطعَ كما قدَّمنا. وقالَ بقولِ الشافعي في التقويمِ أبو ثورٍ والأوزاعيُّ وداودُ (٥)، وقالَ أحمدُ (٦) بقولِ مالكٍ (٧) في التقويمِ بالدراهمِ، وهذانِ القولانِ في قدْرِ النصابِ تفرُّعًا عنِ الدليلِ كما عرفتَ. وفي البابِ أقوالٌ كما قدَّمنَا لم ينهضْ لها دليلٌ فلا حاجةَ إلى شغلِ الأوراقِ [بها] (٨) والأوقاتِ [بالقالِ والقيلِ] (٩). ٣/ ١١٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٠). [صحيح] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قطعَ في ثمن مجنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ. متفقٌ عليهِ). المِجَنُّ بكسرِ الميمِ وبالجيمِ: الترسُ، مِفْعَلٌ منَ الاجتنانِ وهوَ الاستتارُ والاختفاءُ، كُسِرَتْ ميمُه لأنهُ آلةٌ في الاستتارِ قالَ: وكانَ مِجنِّي دونَ مَنْ كنتُ أتَّقِي … ثلاثَ شخوصٍ كاعِبانِ [ومعصيرِ] (١١) وقد عرفتَ مما مضى أنَّ الثلاثةَ الدراهمِ ربْعُ دينارٍ، ويدلُّ لهُ قولُه: وفي روايةٍ لأحمدَ (١٢): "ولا تقطعُوا فيما هوَ أَدْنَى منْ ذلكَ" بعدَ أنْ ذكرَ القطعَ في ربْعِ

стр. 2008

دينار، ثمَّ أخبرَ الراوي هُنَا أنهُ ﷺ قطعَ في ثلاثةِ دراهمَ، ما ذاكَ إلَّا [أنَّها] (١) ربْعُ دينارٍ إلَّا لنا في قولِه: "ولا تقطعُوا فيما هوَ أدنَى منْ ذلكَ"، وقولُه هُنَا: "قيمتُه" هذا هوَ المعتَبَرُ، أعني القيمةَ. ووردَ في بعضِ ألفاظِ هذا الحديثِ عند الشيخَيْنِ (٢) بلفظِ: "ثمنهُ ثلاثةُ دراهمَ"، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٣): المعتَبَرُ القيمةُ، وما وردَ في بعضِ الرواياتِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمنِ فكأنهُ لتساوْيهِمَا عندَ الناسِ في ذلكَ الوقتِ أوْ في عُرْفِ الراوي أوْ باعتبارِ الغلَبَةِ، وإلَّا فلوِ اختلفتِ القيمةُ والثمنُ الذي شَرَاهُ بهِ مالِكُه لم [تعتبر] (٤) إلا القيمةُ. ٤/ ١١٥٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لعنَ الله السارقَ يسرقُ البيضةَ فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحبلَ فتقطعُ يدُه. متفقٌ عليهِ). تقدَّم أنهُ منْ أدلَّةِ الظاهريةِ (٦)، ولكنه مُؤَوَّلٌ بما ذكرَ قريبًا، والموجبُ تأويلهِ ما عرفْتَهُ منْ قولِه في المتَّفَقِ عليهِ: "لا تُقْطَعُ يدُ السارقِ إلَّا في ربْعِ دينارٍ" (٧)، وقولِه فيما أخرجَهُ أحمدُ (٨): "ولا تقطعُوا فيما هوَ أدنَى منْ ذلكَ، فتعيَّنَ تأويلُه بما ذكرنَاهُ. وأما تأويلُ الأعمشِ (٩) لهُ بأنهُ أُرِيْدَ بالبيضةِ بيضةُ الحديدِ وبالحبْلِ حبلُ السفنِ، فغيرُ صحيحٍ، لأنَّ الحديثَ ظاهرٌ في التهجينِ علَى السارقِ لتفويتِه العظيمِ بالحقيرِ. قيلَ: فالوجْهُ في تأويلِه أنَّ قولَه: فتقطعُ، خَبَرٌ، لا أمرٌ ولا فِعْلٌ، وذلكَ

стр. 2009

ليسَ بدليلٍ [على القطع] (١) لجوازِ أن يريدَ ﷺ أنهُ يقطعُه مَنْ لا يراعي النصابَ أو بشهادةٍ على النصابِ، ولا يصحُّ إلا دونَه أو نحوَ ذلكَ. الشفاعة في الحدود ٥/ ١١٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ "، ثُمّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَ سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ" مُتُّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفظُ لِمُسْلِم، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (٢). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:) مخاطِبًا لأسامةَ (أتشفعُ في حدٍّ منْ حدودِ اللهِ، ثمَّ قامَ فاختطبَ فقالَ: أيُّها النَّاسُ إنَّما أهلكَ الذينَ منْ قبلِكُم أنَّهم كانُوا إذا سرقَ فيهمُ الشريفُ تركُوه، وإذا سرقَ فيهمُ الضعيفُ أقامُوا عليهِ الحدَّ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ، ولهُ) [أي لمسلمٍ] (٣) (منْ وجْهٍ آخرَ عنْ عائشةَ: كانتِ امرأةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه فأمرَ النبيُّ ﷺ بِقَطْعِ يدِها). الخطابُ في قولِه: أتشفعُ، لأسامةَ بنِ زيدٍ كما يدلُّ لهُ ما في البخاري (٤): "أنَّ قريشًا أهمَّتْهم المرأةُ المخزوميةُ التي سرقتْ، قالُوا: منْ يكلِّمُ رسولَ اللهِ ﷺ ومَنْ يجترئُ عليهِ إلَّا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكلَّمَ رسولَ اللهِ ﷺ فقال له: أتشفعُ، الحديثَ". وهذا استفهامُ إنكارٍ وكأنهُ قدْ سبقَ علمُ أسامةَ بأنهُ لا شفاعةَ في حدٍّ. وفي الحديثِ مسألتانِ:

стр. 2010

الأُولى: النَّهْيُ عنِ الشفاعةِ في الحدودِ. وترجمَ البخاريُّ كراهة الشفاعةِ في الحدِّ إذا رُفِعَ إلى السلطانِ، وقدْ دلَّ لما قيَّدَهُ منْ أنَّ الكراهةَ بعدَ الرفعِ ما في بعضِ رواياتِ هذَا الحديثِ، فإنهُ ﷺ قالَ لأسامةَ لما تشفَّعَ: "لا تشفعْ في حدٍّ فإنَّ الحدودَ إذا انتهتْ إليَّ فليستْ بمتروكةٍ" (١). وأخرجَ أبو داودَ (٢) منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ يرفعُه: "تعافُّوا الحدودَ فيما بينَكم، فما بلغني منْ حدٍّ فقدْ وجبَ"، وصحَّحَهُ الحاكمُ (٣). وأخرجَ أبو داودَ والحاكمُ وصحَّحَهُ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (٤) قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "منْ حالتْ شفاعتُه دونَ حدٍّ منْ حدودِ اللهِ فقدْ ضادَّ اللهَ في أمْرِه". وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٥) منْ وجْهٍ أصحَّ عنِ ابنِ عمرَ موقُوفًا، وفي الطبرانيِّ (٦) منْ حديثِ أبي هريرة مرفُوعًا بلفظِ: "فقدْ ضادَّ اللهَ في مُلْكِهِ". وأخرجَ الدارقطنيُّ (٧) منْ حديثِ الزبيرِ موصولًا بلفظِ: "اشفعُوا ما لم يصلْ إلى الوالي، فإذا وصلَ إلى الوالي فعفَا فلا عفَا اللهُ عنهُ". وأخرجَ الطبرانيُّ (٨) عنْ عروةَ بنِ الزبيرِ قالَ: "لقي الزبيرُ سارقًا فشفعَ فيهِ، فقيلَ: حتَّى يبلغَ الإمامَ، فقالَ: إذا بلغَ الإمامَ فلعنَ اللهُ الشافعَ والمشفِّعَ"، قيلَ: وهذا الموقوفُ هوَ المعتمدُ. [وتأتي] (٩) قصةُ الذي سرقَ رداءَ صفوانَ ورفعَه إليه ﷺ ثمَّ أرادَ

стр. 2011

[صفوان] (١) أنْ لا يقطعَه فقالَ ﷺ : "هلَّا قَبْلَ أنْ تأتِيني بهِ" (٢)؟ يأتي منْ أخرجَهُ. وهذهِ الأحاديثُ متعاضدةٌ على تحريمِ الشفاعةِ بعدَ البلوغِ إلى الإمام وأنهُ يجبُ على الإمام إقامةُ الحدِّ، وادَّعى ابنُ عبدِ البرِّ (٣) الإجماعَ على ذلكَ ومثلُه في "البحر" (٤)، ونقلَ الخطابيُّ (٥) عنْ مالكٍ أنهُ فرَّقَ بينَ مَنْ عُرِفَ بأذيةِ الناسِ وغيرِه فقالَ: لا يشفعُ في الأولِ مطْلقًا وفي الثاني تحسنُ الشفاعةُ قبلَ الرفعِ، وفي حديثٍ عنْ عائشةَ: "أقيلُوا ذوي الهيئاتِ زلَّاتهم إلَّا في الحدودِ" (٦)، ما يدلُّ على جوازِ الشفاعةِ في التعزيراتِ لا في الحدودِ، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧) الاتفاقَ على ذلكَ. المسألةُ الثانيةُ: في قولهِ: "كانتِ امرأةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه"، وأخرجَهُ النسائي (٨) بلفظٍ: استعارتِ امرأةٌ على ألسنةِ ناسٍ يُعرفونَ وهي لا تُعرفُ، فباعتْه وأخذتْ ثمَنهُ. [وأخرجَهُ] (٩) عبدُ الرزاقِ (١٠) بسندٍ صحيحٍ إلى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ امرأةً جاءتْ فقالتْ: "إنَّ فلانةَ تستعيرُ حُلِيًّا فأعارتْها إياه فمكثتْ لا تراهُ فجاءتْ إلى التي [استعارتها تسألها] (١١) فقالتْ: ما [استعرت منها] (١٢) شيْئًا، فرجعتْ إلى الأُخْرى فأنكرتْ، فجاءتْ إلى النبيِّ ﷺ فدعَاها فسألَها فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما استعرتُ منْها شيْئًا، فقالَ: اذهبُوا إلى بَيْتِها تجدُوه تحتَ فِرَاشِها فأتوهُ وأخذُوه فأمرَ بها فَقُطِعَتُ.

стр. 2012

والحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ القطعُ على جاحد العاريةِ، وهوَ مذهبُ أحمدَ وإسحاقَ والظاهريةِ (١)، ووجْهُ دلالةِ الحديثِ علَى ذلكَ واضحةٌ، فإنهُ ﷺ رتَّبَ القطْعَ علَى جَحْدِ العاريةِ. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٢): إنهُ لا يثبتُ الحكمُ المرتَّبُ على الجحُودِ حتَّى يتبيَّنَ ترجيحُ روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ جاحدَةً على روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ سارقةً، وذهبَ الجماهيرُ (٣) أنهُ لا يجبُ القطعُ في جحْدِ العاريةِ. قالُوا: لأنَّ الآيةَ في السارقِ، والجاحدُ لا يُسَمَّى سارِقًا. وردَّ هذَا ابنُ القيِّم (٤) وقالَ: إنَّ الجحْدَ داخلٌ في اسمِ السرقةِ. قلتُ: أما دخولُ الجاحدِ تحتَ لفظِ السارقِ لغةً فلا تساعدُ عليهِ اللغةُ، وأما الدليلُ فثبوتُ قَطْعِ الجاحدِ بهذَا الحديثِ. قالَ الجمهورُ (٥): وحديثُ المخزوميةِ قدْ وردَ بلفظِ أنَّها سرقتْ منْ طريقِ عائشةَ وجابرٍ وعروةَ بنِ الزبيرِ ومسعودِ بنِ الأسودِ، أخرجَهُ البخاريُّ ومسلم والبيهقي وغيرُهُمْ (٦) مصرِّحًا بذكرِ السرقةِ، قالُوا: فقدْ تقرَّرَ أنَّها سرقتْ، وروايةُ جَحْدِ العاريةِ لا تدلُّ علَى أنَّ القطْعَ كانَ لها، بلْ إنَّما ذكرَ جَحْدَها العاريةَ [لأنه] (٧) قدْ صارَ خُلُقًا لها معرُوفًا، فَعُرِفَتِ المرأةُ بهِ، والقطعُ كانَ للسرقةِ، وهذَا خلاصةُ ما أجابَ بهِ الخطابيُّ (٨) ولا يخْفَى تكلُّفُه، ثمَّ هوَ مبنيٌّ على أنَّ المعبَّرَ عنهُ امرأةٌ واحدةٌ، وليسَ في الحديثِ ما يدلُّ على ذلكَ، لكنْ في عبارةِ المصنفِ (٩) ما يُشعِرُ بذلكَ، فإنهُ جعلَ الذي ذكرهُ ثانيًا روايةً وهوَ يقتضي منْ حيثُ الإشعارُ العاديُّ

стр. 2013

أنَّهما حديثٌ واحدٌ، أشارَ إليهِ ابنُ دقيقِ العيدِ (١) في "شرح العُمْدَةِ"، والمصنفُ هُنَا صنَعَ ما صنَعَهُ صاحبُ العمدَةِ في سياقِ الحديثِ ثمَّ قالَ الجمهورُ (٢): ويؤيدُ ما ذهبنَا إليهِ الحديثُ الآتي: عقاب الخائن والمختلِس والمنتهِب ٦/ ١١٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ (٣). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعنْ جابرٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ : لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ ولا منتهبٍ ولا مختلِس قَطْعٌ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ)، قالُوا: وجاحدُ العاريةِ خائِنٌ ولا يخْفَى أنَّ هذَا عامٌّ لكلِّ خائنٍ ولكنَّه [مخصوص] (٤) بجاحدِ العاريةِ، ويكون القطعُ فيمَنْ جحدَ العاريةَ لا غيرِه منَ الخونةِ. وقدْ ذهبَ بعضُ العلماءِ (٥) إلى أنهُ يُخَصُّ القطعُ بمَنِ استعارَ على لسانِ غيرِهِ

стр. 2014

مخادِعًا للمستعَارِ منهُ ثمَّ تصرَّفَ في العاريةِ وأنكرَها لمَّا طُولِبَ بها، قالَ: فإنَّ هذا لا يُقْطَعُ بمجرَّدِ الخيانةِ بَلْ لمشاركةِ السارقِ في أخذِ المالِ خِفْيَةً. والحديثُ فيهِ كلامٌ كثيرٌ للعلماءِ [الحديثِ] (١) وقد صحَّحَهُ مَنْ سمعتَ، وهذا [دل] (٢) على أنَّ الخائنَ لا قطعَ عليهِ. والمرادُ (بالخائنِ) الذي يضمرُ ما لا يظهرهُ في نفسِه، والخائنُ هنا هوَ الذي يأخذُ المالَ خِفْيةً منْ مالكِهِ معَ إظهارهِ لهُ النصيحةَ والحِفْظَ. والخائنُ أعمُّ، فإنَّها قدْ تكونُ الخيانةُ في غيرِ المالِ ومنهُ خائنةُ الأعينِ وهيَ مسارقَةُ [النظر] (٣) بِطَرْفِهِ ما لا يحلُّ لهُ [النظر إليه] (٤). (والمنتهِبُ) المغيرُ، منَ النهبةِ وهي الغارةُ والسلبُ، وكأنَّ المرادَ هنَا ما كانَ على جهةِ الغلَبةِ والقهرِ. (والمختلِس) السالبُ، من اختلَسهُ إذا سلَبهُ. واعلمْ أنَّ العلماءَ اختلفُوا في شرطيةِ أنْ تكونَ السرقةُ في حِرْزٍ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ وهوَ قولٌ للناصرِ والخوارجُ (٥) إلى أنهُ لا يشترطُ لعدمِ ورودِ الدليلِ باشتراطهِ منَ السنَّةِ لإطلاقِ الآيةِ، وذهبَ غيرُهم (٦) إلى اشتراطهِ مستدلِّينَ بهذَا الحديثِ، إذْ مفهومُه لزومُ القطعِ فيما أُخِذَ بغيرِ ما ذُكِرَ وهوَ ما كانَ عنْ خفيةٍ، وأُجِيْبَ بأنَّ هذا مفهومٌ ولا تثبُتُ بهِ قاعدةٌ يقيدُ بها القرآنُ، ويؤيدُ عدمَ إعتبارِه أنهُ ﷺ قطعَ يدَ مَنْ أخذَ رداءَ صفوانَ (٧) منْ تحتِ رأسِه منَ المسجدِ الحرامِ وبأنهُ ﷺ قطعَ يدَ المخزوميةِ (٨)، وإنَّما كانتْ تجحدُ ما تستعيرُه. وقالَ ابنُ بطَّالٍ (٩): الحِرْزُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ لغةً، فإنْ صحَّ فلا بدَّ منَ التوفيقِ بينَه وبينَ ما ذُكِرَ مما لا يدلُّ على اعتبار الحرزِ، فالمسألةُ كما تَرى والأصلُ عدمُ الشرطِ، وأنا أستخيرُ اللهَ تعالى وأتوقفُ حتَّى يفتحَ اللهُ.

стр. 2015

سرقة الثمر والكثر ٧/ ١١٥٥ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَديج ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كثَرٍ"، رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١). [صحيح] (وعنْ رافعِ بنِ خديجٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا قطعَ في ثمرٍ) - في النهاية: الثمر هو الرطب ما دام على رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، قال: ويقع على كل الثمار - (ولا كَثَرٍ) بفتحِ الكافِ وفتحِ المثلثةِ: جُمَّارُ النخلِ وهوَ شحمُه الذي في وسطِ النخلةِ كما في "النهايةِ"، (رواهُ المذكورونَ) وهمْ أحمدُ والأربعةُ (وصحَّحَه أيضًا الترمذيُّ وابن حِبَّانَ) كما صحَّحَا ما قبلَه. قالَ الطحاويُّ (٢): الحديثُ تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ. والثمرُ المرادُ بهِ ما كانَ معلَّقاً في النخلِ قبلَ أنْ يُجَذَّ ويُحْرَزَ، وعلى هذَا تأوَّلَهُ الشافعيُّ وقالَ (٣): وحوائطُ المدينةِ ليستْ بحرزٍ وأكثرُها تُدْخَلُ منْ جوانِبها. والثمرُ اسمٌ جامعٌ للرطبِ واليابسِ منَ الرطبِ والعنبِ وغيرِهما كما في "البدرِ المنير" (٤). وأما الكَثَرُ فوقَعَ تفسيرُه في روايةٍ النسائيِّ (٥) بالجُمَّارِ، والجُمَّارُ بالجيمِ آخرَه راءٌ بِزِنَةِ رُمَّانٍ، وهوَ شحْمُ النخلِ الذي في وسطِ النخلةِ كما في "النهاية" (٦).

стр. 2016

والحديثُ فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجب القطع في سرقة الثَّمرِ والكثَرِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ على ظهرِ المنبتِ لهُ أوْ قدْ جُذَّ، وإلى هذَا ذهبَ أبو حنيفةَ. قالَ في "نهاية المجتهدِ" (١): قالَ أبو حنيفةَ (٢): لا قطعَ في طعامٍ ولا فيما أصلُهُ مباحٌ كالصيدِ والحطبِ والحشيشِ، وعمدتُه في [منع] (٣) القطع في الطعامِ الرطبِ قولُه ﷺ : "لا قطعِ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ"، وعندَ الجمهورِ (٤) [أنهُ] (٥) يقطعُ في كلِّ [محرَزٍ] (٦) سواءٌ كان على أصْلهِ باقيًا أو قدْ جُذَّ، وسواء كان أصلُه مباحًا كالحشيشِ ونحوِه أوْ لَا، قالُوا: لعمومِ الآيةِ والأحاديثِ الواردةِ في اشتراطِ النصابِ. وأما حديثُ: (لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرَ) فقالَ الشافعيُّ (٧): إنهُ أخرج على ما كانَ عليهِ عادةُ أهلِ المدينةِ منْ عدمِ إحرازِ حوائطِها فتركَ القطعَ لعدمِ الحرزِ، فإذا أُحْرِزَتِ الحوائطُ كانتْ كغيرِهَا. اعتراف السارق ٨/ ١١٥٦ - وَعَنْ أَبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ: أُتيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلصِّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ"؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَأَمَرَ بهِ، فَقُطِعَ. وَجيءَ بِهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِر اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٨). [ضعيف]
следующие страницы →