← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 227–266 · переход к 232.

стр. 227

والحديثُ دليلٌ على عدمِ جوازِ الاقتصارِ على مسح الناصيةِ. وقالَ زيدُ بنُ عليّ ﵇ وأبو حنيفةَ: يجوزُ الاقتصارُ. وقالَ ابنُ القيِّم (١): (ولمْ يصِحّ عنه ﷺ في حديثٍ واحدٍ أنهُ اقتصرَ على مسحِ بعضِ رأسهِ ألبتَّةَ، لكنْ كانَ إذا مسحَ بناصيتهِ كمَّلَ على العِمَامَةِ) كما في حديث المغيرةِ هذا. وقدْ ذكرَ الدارقطنيُّ أنهُ رواهُ عنْ ستينَ رجلًا، وأما الاقتصارُ على العِمَامَةِ بالمسحِ، فلمْ يقلْ بهِ الجمهورُ. وقالَ ابنُ القيمِ (٢): (إنهُ ﷺ كانَ يمسحَ على رأسهِ تارةً، وعلى العِمَامَةِ تارةً، وعلى الناصيةِ والعِمَامَةِ تارةً). والمسحُ على الخفينِ يأتي له بابٌ مستقلٌ، ويأتي حديثُ المسحِ على العصائبِ. ١٦/ ٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قال: (ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ). [صحيح] أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٣) هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٤) بِلَفْظِ الخَبَرِ. ترجمة جابر بن عبد الله (وعَنْ جَابرٍ) (٥) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ جَابرُ (ابنُ عبدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ،

стр. 228

بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، الأنصاريُّ السلميُّ، منْ مشاهيرِ الصحابةِ، ذكرَ البخاريُّ أنهُ شهدَ بدرًا، وكانَ ينقلُ الماءَ يومئذٍ، ثمَّ شهدَ بعدَها معَ النبيِّ ﷺ ثماني عشْرةَ غزوةً، ذكرَ ذلكَ الحاكمُ أبو أحمدَ، وشهدَ صفينِ معَ عليّ ﵇ وكانَ منْ المكثرينَ الحفاظِ، وكُفَّ بصرهُ في آخرِ عمرهِ، وتوفي سنةَ أربعٍ أو سبعٍ [وتسعين] (١) بالمدينةِ، وعمرهُ أربعٌ وتسعونَ سنةً، وهوَ آخَرُ مَنْ ماتَ بالمدينةِ مِنَ الصحابةِ. (في صفةِ حجِّ النبيِّ ﷺ ) يشيرُ إلى حديثٍ جليلٍ شريفٍ [في صفة الحج، و] (٢) سيأتي - إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى - في الحجِّ. (قال) [أي النبيُّ] (٣) ﷺ : (ابْدؤُا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بهِ. أخرجهُ النسائيُّ هكذَا بلفظِ الأمرِ، وهوَ عندَ مسلمٍ بلفظِ الخبر) أيْ بلفظِ: (أبدأُ). ولفظُ الحديث: (قالَ: ثم خرجَ - أي النبيُّ ﷺ منَ الباب - أي [بابَ الحرم] (٤) - إلى الصفَا، فلمَا دَنَا منَ الصفَا قرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِر اللَّهِ﴾ (٥) أبدأ بما بدأَ اللَّهُ بهِ)، بلفظِ الخبرِ فِعلًا مضارِعًا؛ فبدأ بالصَّفَا لبداءةِ اللَّهِ بهِ في الآيةِ. وذكرَ المصنفُ هذهِ القطعةَ مِنْ حديثِ جابرٍ هُنَا؛ لأنهُ أفادَ أن ما بدَأَ اللَّهُ بهِ ذكْرًا نبتدئُ بهِ فعْلًا، فإنَّ كلامهُ كلامُ حكيمٍ لا يبدأُ ذكرًا إلَّا بما يستحقُّ البداءةَ بهِ فعلًا، فإنهُ مقتضَى البلاغةِ، ولذَا قالَ سيبويه: إنَّهمْ - أيْ العربُ - يقدمونَ ما همْ بشأنِه أهمُّ وهمْ به أعْنى، فإنَّ اللفظَ عامٌّ، والعامُّ لا يقصرُ على سببهِ - أعني بما بدأَ اللَّهُ بهِ - لأنَّ كلمةَ (ما) موصولةٌ، والموصولاتُ منْ ألفاظ العمومِ، وآيةُ الوضوءِ - وهي - قولُهُ تعالى: ﴿فَاغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٦) داخلةٌ تحتَ الأمرِ بقوله ﷺ : (ابْدؤُا بما

стр. 229

بَدأَ اللَّهُ بهِ). فيجبُ البداءةُ بغسلِ الوجهِ، ثمَّ ما بعدَهُ على الترتيبِ، وإنْ كانتِ الآيةُ لم تُفِدْ تقديمَ اليُمنى على اليُسرى من اليدينِ والرجلينِ. وتقدَّمَ القولُ فيهِ قريبًا. وذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إِلى أن الترتيبَ بينَ أعضاءِ الوضوءِ غيرُ واجبٍ، واستدلَّ لهمْ بحديثِ ابن عباس (١): (أنه ﷺ توضأَ فغسلَ وجههُ ويديهِ، ثمَّ رجليهِ، ثمَّ مسحَ رأسهُ بفضلِ وضوئِهِ)، وأجيبَ بأنَّهُ لا يعرف له طريقٌ صحيحةٌ حتى يتم بهِ الاستدلالُ. ثمَّ لا يخفَى أنهُ كان الأوْلَى تقديمَ حديثِ جابرٍ هَذَا على حديثِ المغيرةِ، وجعلهُ متصلًا بحديثِ أبي هريرةَ؛ لتقاربِهمَا في الدلالةِ. ١٧/ ٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: (كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ). [ضعيف جدًّا] أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ (٢). (وَعَنْهُ) أيْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أدار الماءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أخرجه الدارقطنيُّ) (٣). ترجمة الدارقطني هوَ الحافظُ الإمامُ الكبيرُ العديمُ النظيرِ في حفظهِ. قالَ الذهبيُّ في حقِّهِ: هوَ حافظُ الزمانِ، أبو [الحسين] (٤) عليُّ بنُ عمرَ بن أحمدَ البغداديُّ، الحافظُ الشهيرُ، صاحبُ (السننِ). مولدهُ سنةَ ستٍّ وثلثمائةٍ، سمعَ منْ عوالمَ، وبرعَ في

стр. 230

هذا الشأنِ. قالَ الحاكمُ: صار الدارقطنيُّ أوحدَ عصرهِ في الحفظِ والفهِمِ والورعِ، وإمَامًا في القراءةِ والنحوِ، ولهُ مصنفاتٌ يطولُ ذكرُها، وأشهدُ أنهُ لمْ يُخْلَقْ على أديمِ الأرضِ مثلُهُ. وقالَ الخطيبُ: كانَ فريدَ عصرهِ وإمامَ وقتهِ، وانتهى إليهِ علمُ الأثرِ والمعرفةِ بالعللِ وأسماءِ الرجالِ، معَ الصدقِ والثقةِ وصحةِ الاعتقادِ. وقدْ أطالَ أئمةُ الحديثِ الثناءَ على هذا الرجلِ، وكانتْ وفاتُهُ في ثامنِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثلثمائةٍ. (بإسنادٍ ضعيفٍ)، وأخرجهُ البيهقيُّ (١) أيضًا بإسنادِ الدارقطنيِّ وفي الإسنادين معًا القاسمُ بنُ محمدِ بن عقيل، وهوَ متروكٌ، وضعَّفَهُ أحمدُ وابنُ معينٍ وغيرُهما (٢)، وعدَّهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ (٣)، لكنَّ الجارحَ أولى [وإنْ كثر المعدِّلُ] (٤)، وهنا الجارحُ أكثرُ. وصرَّحَ بضعفِ الحديثِ جماعةٌ من الحفاظِ كالمنذريِّ، وابن الصلاح، والنوويِّ، وغيرهِم (٥). قالَ المصنفُ: ويُغني عنهُ حديثُ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (٦): (أنه توضأ حتى أشرعَ في العضدِ، وقالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأ) [الحديث] (٧). قلتُ: ولوْ أتى بهِ هنا لكانَ أوْلى. حكم التسمية على الوضوء ١٨/ ٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [حسن بشواهده]

стр. 231

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاودَ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، بإسنادٍ ضَعيفٍ. - وللتْرمِذيِّ عَنْ سَعيدِ بْنِ زَيْدٍ (٤). [حديث سعيد ضعيف جدًّا] وَأَبِي سَعِيدٍ (٥) نَحْوَهُ. قَالَ

стр. 232

أَحْمَدُ (١): لا يثبتُ فيه شيءٌ. [حديث أبي سعيد حسن]. (وَعَن أبِي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسُول اللَّهِ ﷺ : لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ). هذا قطعةٌ منَ الحديثِ الذي أخرجهُ المذكورونَ، فإنهمْ أخرجوهُ بلفظِ: (لَا صلاةَ لِمَنْ لَا وضوءَ لهُ، ولا وضوءَ لمنْ [لَمْ] (٢) يَذْكُرِ اسمَ اللَّهِ عليهِ). والحديثُ مرويٌّ منْ طريقِ يعقوبَ بن سلمة عنْ أبيه عن أبي هريرةَ، وهو يعقوبُ بن سلمةَ الليثيُّ، قالَ البخاريُّ (٣): لا يعرفُ له سماعٌ من أبيهِ، ولا لأبيهِ من أبِي هريرةَ. ولهُ طريقٌ أخرى عندَ الدارقطنيِّ (٤)، والبيهقيِّ (٥)، ولكنَّها [كلها] (٦) ضعيفةٌ أيضًا، وعندَ الطبرانيِّ (٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ الأمر: (إذا توضأتَ فقلْ:

стр. 233

باسمِ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ، فإنَّ حَفَظَتَكَ لا تزالُ تكتبُ لكَ الحسناتِ حتى تُحدِثَ منْ ذلكَ الوضوءِ)، ولكنَّ سندَهُ واهٍ. (وللترمذيِّ) لم يقل: والترمذي (عنْ سعيدِ بن زيدٍ). ترجمة سعيد بن زيد - وسعيد بن زيد هوَ ابنُ عمروُ بن نُفيلٍ (١) أحدُ العشرةِ المشهود لهمْ بالجنةِ، صحابيٌّ جليلُ القدرِ - لأنهُ لمْ يروه في (السننِ) بلْ رواه في (العللِ)، فغايرَ المصنفُ في العبارةِ لهذه الإشارةِ (٢)، ولأنهُ لمْ يروهِ عنْ أبي هريرةَ. (وأبي سعيدٍ نحوهُ. وقالَ أحمدُ: لا يثبت فيه شيءٌ). [وأخرجه] (٣) البزارُ، وأحمدُ، وابنُ ماجَهْ، والدارقطنيُّ، وغيرُهمْ. قال الترمذيُّ (٤): إنه قال محمد - يعني البخاريَّ - إنهُ أحسنُ شيء في هذا الباب، لكنهُ ضعيفٌ؛ لأنَّ في رواتهِ مجهولينَ. وروايةُ أبي سعيدٍ الخدريِّ [التي] (٥) أَخرجَهَا الترمذيُّ وغيرهُ منْ روايةِ كثيرِ بن زيدٍ، عنْ ربيح، [عنْ] (٦) عبدِ الرحمن، [عنْ] (٦) أبي سعيدٍ، ولكنَّهُ قدحَ في كثير بن زيدٍ وفي ربيحٍ أيضًا. وقد روى الحديثُ في التسميةِ من حديثِ عائشةَ (٧)، وسهلِ بن سعدٍ (٨)،

стр. 234

وأبي سَبْرَةَ (١)، وأمِّ سَبْرَةَ (٢)، وعليٍّ (٣)، وأنسٍ (٤) وفي الجميعِ مقالٌ، إلَّا أن هذه الرواياتِ يُقَوِّي بعضُها، فلا تخلُو عنْ قوةٍ (٥). ولذا قالَ ابنُ أبي شيبةَ: ثبتَ لنا أن النَّبيَّ ﷺ قالهُ. وإذا عرفتَ هذا، فالحديثُ قدْ دلَّ على مشروعيةِ التسميةِ في الوضوءِ. وظاهرُ قولِهِ: (لا وضوءَ) أنهُ لا يصحُّ، ولا يُوجدُ منْ دونِها إذ الأصلُ في النفيِ الحقيقةُ. أقوال العلماء في التسمية وقدْ اختلف العلماءُ في ذلك: فذهبت الهادويةُ إلى أنَّها فرضٌ على الذاكرِ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ والظاهريةُ: بلْ وعلى الناسِي، وفي أحد قولَيِ الهادي أنَّها سنَّةٌ، وإليهِ ذهبتِ الحنفيةُ والشافعيةُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: (منْ ذكرَ اللَّهَ في أول وضوئِه طَهُرَ جَسَدُهُ كلُّهُ، وإذا لم يذكرِ اسم اللَّهِ لم يطهرْ منه إلا موضعَ الوضوء)، أخرجهُ الدارقطنيُّ (٦) وغيرُهُ، وهو ضعيفٌ.

стр. 235

قال البيهقيُّ - في (السنن) (١) بعد إخراجه -: وهذا - أيضًا - ضعيفٌ، أبو بكر الدَّاهري - يريدُ أحد رواته - غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. وبهِ استدلَّ من فرَّقَ بينَ الذاكرِ والناسِي قائلًا: إنَّ الأولَ في حقِّ العامدِ وهذا في حقِّ الناسِي. وحديث أبي هريرةَ هذا الأخيرُ - وإن كانَ ضعيفًا - فقد عضدهُ في الدلالة على عدمِ الفرضيةِ حديثُ: (توضأ كما أمرك اللَّهُ)، وقد تقدَّمَ، وهوَ الدليل على تأويلِ النفيِ في حديث الباب بأنَّ المرادَ لا وضوءَ كاملًا. على أنهُ قدْ رُوي هذا الحديث بلفظِ: (لا وضوءَ كاملٌ)، إلَّا أَنهُ قال المصنفُ: إنهُ لم نره بهذا اللفظ. وأما القول بأنَّ هذا مثبتٌ ودال على الإيجاب فيرجحُ، ففيهِ أنهُ لم يثبتْ ثبوتًا يقضي بالإيجابِ، بلْ طرقُهُ كما عرفتَ. وقدْ دلَّ على السُنِّيةِ حديثُ: (كلُّ أمرٍ ذي بالٍ) (٢)؛ فيتعاضدُ هوَ وحديثُ البابِ على مطلقِ الشرعيةِ وأقلُّها النُدبية. الفصل بين المضمضة والاستنشاق ١٩/ ٤٧ - وَعَنْ طَلْحَةَ بن مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُدَ (٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] ترجمة طلحة بن مصرِّف (وَعَنْ طلحةَ) (٤) هوَ أبو محمدٍ، أو أبو عبد اللَّهِ طلحةُ (ابن مصرِّف) بضم

стр. 236

الميم وفتحِ الصادِ المهملةِ، وكسرِ الراءِ المشدَّدةِ وفاءٍ. وطلحةُ أحد الأعلامِ الأثباتِ من التابعينَ، ماتَ سنةَ اثنتي عشرةَ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ) مصرِّفٍ، (عنْ جدِّهِ) كعبِ بن عمرو الهمداني، ومنهم منْ يقولُ: ابنُ عُمرَ بضمِ العينِ المهملةِ. قالَ ابنُ عبد البرِّ: والأشهرُ ابنُ عَمرٍو لهُ صحبةٌ، ومنهم منْ ينكرُهَا، ولا وجه لإنكارِ من أنكر ذلكَ. ثمَّ ذكرَ هذا الحديثَ: (قالَ: رَأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يفصلُ بين المَضمضةِ والاستنشاقِ. أخرجه أبو داودَ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنهُ منْ روايةِ ليثِ بن أبي سليمٍ وهو ضعيفٌ. قالَ النوويُّ (١): اتفق العلماء على ضعفهِ؛ ولأنَّ مصرِّفًا والدَ طلحةَ مجهولَ الحال. قالَ أبو داودَ: وسمعتُ أحمدَ يقولُ: ابنُ عيينةَ زعموا أنهُ كانَ ينكرهُ يقولُ: إيشْ هذا طلحةُ بنُ مصرِّفٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ؟ والحديثُ دليلٌ على الفصل بين المضمضة والاستنشاقِ، بأنْ يؤخذَ لكلِّ واحدٍ ماءٌ جديدٌ. وقدْ دلَّ لهُ - أيضًا - حديثُ عليٍّ ﵇ وعثمانَ أنهما أفردَا المضمضة والاستنشاقَ ثمَّ قالا: هكذا رأينا رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأَ. أخرجه أبو عليٍّ ابنُ السكنِ في صحاحهِ (٢). وذهبَ إلى هذا جماعةٌ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن السنةَ الجمعُ بينَهما بغَرفةٍ؛ لما أخرجهُ ابنُ ماجه (٣) منْ حديثِ عليّ ﵇: (أنه تمضمضَ فاستنشقَ ثلاثًا من كفٍّ واحدةٍ)، وأخرجهُ أبو داودَ (٤). والجمع بينهما وردَ منْ حديث عليٍّ منْ ستّ طرقٍ (٥)، [وتأتي إحدَاها

стр. 237

قريبةً] (١)، وكذلكَ منْ حديثِ عثمانَ عندَ أبي داودَ (٢) وغيرِهِ، وفي لفظٍ لابنِ حبَّانِ (٣): (ثَلاثَ مَرَّاتٍ منْ ثَلاثِ حَفَنَاتٍ)، وفي لفظ للبخاريِّ (٤): (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ منْ غَرْفَةٍ وَاحدةٍ). ومعَ ورود الروايتينِ - الجمعُ وعدمُهُ - فالأقربُ التخييرُ، وأن الكلَّ سُنَةٌ، وإنْ كان رواية الجمع أكثرَ وأصحَّ. وقدْ اختار في الشرحِ التخييرَ، وقالَ: إنهُ قولُ الإمام يحيى.

стр. 238

واعلم أنَّ الجمعَ قدْ يكونُ بغَرفةٍ واحدةٍ، وبثلاثٍ منها كما أرشد إليه ظاهرُ قولهِ في الحديثِ: (مِنْ كفٍّ واحدٍ ومن غرفةٍ واحدةٍ)، وقدْ يكون الجمعُ بثلاثِ غرفاتٍ، لكلِّ واحدةٍ من الثلاثِ المرَّاتِ غَرفةٌ - كما هوَ صريحٌ - ثلاثُ مراتٍ من ثلاثِ حَفَنَاتٍ. قالَ البيهقيُّ في السنن (١) بعد ذكرهِ الحديثَ: يعني - واللَّهُ أعلمُ - أنهُ مضمضَ واستنثرَ كلَّ مرةٍ منْ غرفةٍ واحدةٍ، ثمَّ فعلَ ذلكَ ثلاثًا منْ ثلاث غرفاتٍ. قالَ: ويدلُّ لهُ حديثُ عبد الله بن زيدٍ، ثمَّ ساقهُ بسندهِ (٢) وفيهِ: (ثمَّ أدخلَ يدهُ في الإناءِ [فمضمض] (٣)، واستنشقَ واستنثرَ ثلاثَ مَرَّاتٍ من ثلاثِ [غَرفَاتٍ] (٤) منْ [مَاءٍ]) (٥) ثمَّ قالَ: رواهُ البخاريُّ في الصحيح، وبه يتضحُ أنهُ يتعينُ هذا الاحتمالُ. الجمع بين المضمضة والاستنشاق ٢٠/ ٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ في صِفَةِ الْوُضُوءِ - ثُمَّ تمَضْمَضَ ﷺ واسْتَنْثَرَ ثَلاثًا: يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ منَ الكفِّ الَّذِي يأخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) والنَّسائيُّ (٧) [صحيح] (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ في صِفَةِ الوُضُوءِ - ثُمَّ تَمَضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ [ثلَاثةً] (٨) يُمَضْمِضُ ويَنثرُ مِنَ الكَفِّ الذيْ يأخُذُ مِنْهُ الماءَ. أَخْرَجَهُ أبو دَاؤدَ والنسائيُّ). هذا مِنْ أدلةِ الجمعِ، ويُحْتَمَلُ أنهُ من غَرْفَةٍ واحدةٍ أو من ثلاثِ غَرْفَاتٍ. ٢١/ ٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - (ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلاثًا)، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح]

стр. 239

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيدٍ ﵁ في صفةِ الوضوءِ) أي وضوئهُ ﷺ (ثمَّ أدخلَ ﷺ يدَهُ) أيْ في الماءِ، (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ). لمْ يَذكرِ الاستنثارَ؛ لأنَّ المرادَ إنَّما هوَ ذكرُ اكتفائِهِ بكفٍّ [واحدةٍ (١) منَ الماءِ لما يدخلُ في الفم والأنفِ، وأما دفعُ الماءِ فليسَ من مقصودِ الحديثِ، (من كَفٍّ واحِدةٍ) الكفُّ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. (يفعلُ ذلكَ ثلاثًا. متفقٌ عليهِ). هوَ ظاهرٌ في أنهُ كفاهُ كفٌّ واحدٌ للثلاثِ المراتِ، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ أرادَ بهِ فعلَ كلٍّ منهما منْ كفٍّ [واحدٍ] (٢): يغترفُ في كلِّ [مرة] (٣) واحدةً منَ الثلاثِ. والحديثُ كالأول [منْ أدلة] (٤) الجمع، وهذا الحديثُ والأولُ مقتطَعانِ منَ الحديثين الطويلين فِي صفةِ الوضوءِ، وقدْ تقدمَ مثلُ هذَا، [إلَّا أن] (٥) المصنفَ إنَّما يقتصرُ على موضعِ الحُجَّةِ الذي يريدُه، كالجمعِ هُنَا. إعادة الوضوء من مثل الظفر لم يصبه الماء ٢٢/ ٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأى النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَقَالَ: (ارْجعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَالنَّسَائيُّ (٧). [صحيح] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النبيُّ ﷺ رَجلًا وفي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ)، بضمِّ الظاء المعجمةِ والفاء، وفيهِ لغاتٌ أخرُ أجودُها ما ذكرَ، وجمعُهُ أظفارٌ، وجمعُ الجمعِ أظافير (لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ) أي ماءُ [وضوئه] (٨)، (فَقَالَ) لَهُ: (ارْجِعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ.

стр. 240

أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ والنَّسائيَّ). وقدْ أخرجَ مثلَهُ مسلمٌ (١) منْ حديثِ جابرٍ عنْ عمرَ إلَّا أنهُ قيلَ: إنهُ موقوفٌ على عمرَ. وقد أخرجَ أبو داودَ (٢) من طريقِ خالدِ بن مِعدانَ، عنْ بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ : (أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي - وفي ظهرِ قدمِهِ لُمْعَةٌ قدر الدِّرهمِ لمْ يصبْها الماءُ - فأمرهُ النبيُّ ﷺ أنْ يعيدَ الوضوءَ والصلاةَ). قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ لما سُئِلَ عنْ إسنادِهِ: جيدٌ. نعمْ وهو دليلٌ على وجوبِ استيعابِ أعضاءِ الوضوءِ بالماءِ، نصًا في الرِّجْلِ، وقياسًا في غيرهَا. وقد ثبتَ حديثُ: (ويلٌ للأعقابِ منَ النارِ) (٣)، قالهُ ﷺ في جماعةٍ لم يمسَّ أعقابهَم الماءُ. وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. ورُوِيَ عنْ أبي حنيفةَ إنهُ قالَ: يُعْفَى عنْ نصفِ العضوِ، أو ربعِهِ، أو أقلَّ منَ الدِّرهمِ، رواياتٌ حكيتْ عنهُ، [هكذا في كتب المقالات، وأنكرها عنه

стр. 241

أصحابه الموجودون في هذه الأعصار، وقالوا: إنه ليس بقول أبي حنيفة، ولا أحد من أتباعه] (١). وقد استدلَّ بالحديثِ - أيضًا - على وجوبِ الموالاةِ، حيثُ أمرَهُ أن يعيدَ الوضوءَ، ولم يقتصرْ على أمرهِ [بِغَسْلِ] (٢) ما تركهُ. قيلَ: ولا دليلَ فيهِ؛ لأنهُ أرادَ التشديدَ عليه في الإنكارِ، والإشارةَ إلى أن مَنْ تركَ شيئًا فكأنَّهُ تركَ الكلَّ، ولا يخفَى ضعفُ هذا القولِ، فالأحسنُ أنْ يُقَالَ: إنَّ قولَ الراوي: أَمَرَهُ أنْ يعيدَ الوضوءَ، أي: غَسْلَ ما تركَهُ. وسمَّاهُ إعادةً باعتبارِ ظنِّ المتوضئَ، فإنهُ صلَّى ظانًا بأنهُ قدْ توضَّأَ وضوءًا مجزئًا، وسمَّاهُ وضُوءًا في قولِهِ: يعيدُ الوضوءَ؛ لأنهُ وضوءٌ لغةً. وفي الحديثِ دليلٌ على أن الجاهلَ والناسيَ حُكْمُهُمَا في التركِ حكمُ العامِدِ. الاقتصاد في ماء الوضوء ٢٣/ ٥١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي [عن] (٤) أنس بن مالكٍ ([قال] (٥): كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يتوضأُ بالمدِّ)، تقدَّمَ تحقيق قدرهِ، (ويغتسلُ بالصاعِ)؛ وهوَ أربعةُ أمدادٍ، ولِذَا قال: (إلى خمسةِ أمدادٍ) كأنهُ قال: بأربعةِ أمدادٍ إلى خمسة [أمداد] (٦) (متفقٌ عليهِ). وتقدَّمَ أنهُ ﷺ توضأَ بثلثي مدٍّ. وقَدَّمْنَا أنهُ أقلُّ ما قُدِّرَ بهِ ماءُ وضوئِه (٧) ﷺ ، ولو أَخَّرَ المصنفَ ذلكَ الحديثَ إلى هُنَا، أوْ قدَّمَ هذَا لكانَ أَوْفَقَ لحسنِ الترتيبِ.

стр. 242

وظاهرُ هذا الحديثِ أن هذا غَايةُ ما كانَ ينتهي إليهِ وضوؤهُ ﷺ وغسلُهُ، ولا ينافيهِ حديثُ عائشةَ الذي أخرجهُ البخاريُّ (١): (أنهُ ﷺ توضأَ مِنْ إِناءٍ واحدٍ يقالُ لهُ: الفَرَقُ) بفتحِ الفاءِ والراءِ، وهوَ إناءٌ يسعُ تسعةَ عشرَ رِطْلًا؛ لأنهُ ليسَ في حديثِهَا أنهُ كانَ ملآنًا ماءً، بلْ قولُها: (منْ إناءٍ)، يدلُّ على تبعيضِ ما توضأَ منهُ. وحديثُ أنسٍ هَذا، [والحديث] (٢) الذي سلفَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ، يرشدانِ إلى تقليلِ ماءِ الوضوءِ، والاكتفاءِ باليسيرِ منهُ. وقدْ قالَ البخاريُّ (٣): وَكَرِهَ أَهْلُ العِلمِ فيهِ - أي [في] (٤) ماءِ الوضوءِ - أنْ يتجاوزَ فعلَ النبيّ ﷺ . ما يُقال بعد الوضوء ٢٤/ ٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ). [صحيح] أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥)، وَالتِّرْمِذِي (٦) وَزَادَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ).

стр. 243

ترجمة عمر بن الخطاب (وَعَنْ عُمَرَ) (١) بضمِّ العينِ المهملةِ، منقولٌ من جمع عُمْرةَ. هوَ أبو حفصٍ عُمرُ بنُ الخطابِ القرشيُّ، يجتمعُ معَ النبيِّ ﷺ في كعبِ بن لؤيٍّ. أسلمَ سنةَ ستٍّ من النبوةِ، وقيلَ: سنةَ خمسٍ، بعدَ أربعينَ رجلًا. وشهدَ المشاهدَ كلَّها معَ النبيِّ ﷺ ، ولهُ مشاهدُ في الإسلامِ وفتوحاتٌ في العراق والشامِ. وتوفيَ [في] (٢) غُرَّةِ المحرمِ سنةَ أربع وعشرينَ، طعنهُ أبو لؤلؤةَ غلامُ المغيرةِ بن شعبةَ، وخلافتُهُ عشرُ سنينَ ونصفٌ. (قَالَ: قالَ رسول الله ﷺ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ) تقدَّمَ أنهُ إتمامُهُ (ثمَّ يقولُ) بعدَ [إتمامِهِ] (٣): (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ - وحدَهُ لا شريكَ لهُ - وأشهدُ أن محمدًا عَبدُهُ ورسولُهُ، إلَّا فتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ). [هو] (٤) منْ باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ عبَّرَ عن الآتي بالماضي؛ لِتَحَقُّقِ وقوعِهِ. والمرادُ: تفتحُ لهُ يومَ القيامةِ يدخلُ مِنْ أيِّها شاءَ. (أخرجهُ مسلمٌ)، وأبو داود (٥)، [وابن ماجه] (٦)، [وابن حبان] (٧)، (والترمذيُّ، وزادَ: اللهمَّ اجعلنْي منَ التوابينَ واجعلنْي منَ المتطهِّرينَ) جمعَ بينَهما؛ إلمامًا بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (٨). ولما كانتِ التوبةُ طهارةَ الباطنِ منْ أدرانِ الذنوبِ، والوضوءُ طهارةَ الظاهرِ عن الأحداثِ المانعةِ عن التقرُّبِ إليهِ تَعَالى، ناسبَ الجمعُ بينَهما [في] (٩) طلبِ ذلكَ منَ اللَّهِ تعالى غايةَ المناسبةِ في طلبِ أنْ يكونَ السائلُ محبوبًا للَّهِ، وفي زمرةِ المحبوبينَ لهُ.

стр. 244

وهذهِ الروايةُ - وإنْ قالَ الترمذيُّ - بعدَ إخراجه الحديثَ -: في إسنادهِ اضطرابٌ - فصدرُ الحديثِ ثابتٌ في مسلمٍ، وهذهِ الزيادةُ قدْ رَوَاهَا البزارُ (١)، والطبرانيُّ في "الأوسط" (٢)، منْ طريقِ ثوبانَ بلفظِ: "منْ دَعَا بوضوءٍ فتوضأَ، فساعةَ فَرَغَ منْ وضوئهِ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلَه إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ اجعلْنِي منَ التوَّابينَ، واجعلني منَ المتطهِّرينَ"، ورواهُ ابنُ ماجَه (٣) منْ حديثِ أنسٍ، وابنُ السنيِّ في "عمل اليوم والليلةِ" (٤)، والحاكمُ في "المستدرك" (٥) منْ حديثِ أبي سعيدٍ بلفظِ: "منْ توضأَ فقالَ: سبحانَكَ اللَّهم وبحمدِكَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ، كُتِبَ في رقٍّ ثمَّ طُبعَ بطابَعٍ، فلا يُكسَرُ إلى يومِ القيامة"، وصحَّحَ النسائيُّ أنهُ موقوفٌ (٦). وهذا الذكرُ عقيبَ الوضوءِ. قال النوويُّ: قالَ أصحابُنَا: ويُسْتَحَبُّ - أيضًا - عقيبَ الغسلِ. وإلى هُنا انتهى بابُ الوضوءِ. ولمْ يذكرِ المصنفُ مِنَ الأذكارِ فيه إلَّا حديثَ التسميةِ في أوَّلهِ، وهذا الذكرُ في آخرِهِ. وأمَّا حديثُ الذكرِ معَ غَسْلِ كلِّ عضوٍ، فلمْ يذكرْهُ للاتفاقِ على ضعفهِ.

стр. 245

قالَ النوويُّ: الأدعيةُ في أثناءِ الوضوءِ لا أصلَ لها، ولمْ يذكرْهَا المتقدِّمونَ. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: لم يصحَّ فيهِ حديثٌ (١). هذَا ولا يَخْفَى حسنُ خَتْمِ المصنِّفِ بابَ الوضوءِ بهذا الدعاء الذي يقالُ عندَ تمامِ الوضوءِ فعلًا، فقَالَهُ عندَ تمامِ أدلتِهِ تأليفًا. وعقَّبَ الوضوءَ بالمسحِ على الخفينِ؛ لأنهُ منْ أحكامِ الوضوءِ فقالَ: * * *

стр. 246

[الباب الخامس] باب المسح على الخُفين أيْ بابُ ذكرِ أدلة شرْعيةِ ذلكَ. والخُفُّ: نعلٌ منْ أدمٍ يغطي الكعبين، [والجُرْمُوقُ (١) خفٌّ كبيرٌ يُلْبَسُ فوقَ خُفِّ كبير، والجوربُ فوقَ الجُرْمُوقِ يغطي الكعبينِ بعض التغطيةِ دونَ النعلِ، وهي تكونُ دونَ الكعابِ] (٢). ١/ ٥٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَتَوضَّأ، فَأَهْوَيْت لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). - وَللأَرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٤): أن النَّبيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. وفي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]

стр. 247

(عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ) أيْ: في سفرٍ، كما صرَّحَ بهِ البخاريُّ. وعندَ مالكٍ (١)، وأبي داودَ تعيينُ السفرِ أنهُ في غزوةِ تبوكٍ، وتعيينَ الصلاةِ أنَّها صلاةُ الفجرِ، (فتوضأَ) أي: أخذَ في الوضوءِ، كما صرَّحتْ بهِ الأحاديثُ، ففي لفظٍ: "تمضمضَ واستنشقَ ثلاثَ مراتٍ"، وفي أخرى: "فمسحَ برأسهِ"، فالمرادُ بقولهِ: "توضأْ" أخذَ فيهِ، لا أنهُ استكملهُ، كما هوَ ظاهرٌ للفظِ، (فَأَهْوَيْتُ) أيْ: مددتُ يدي، أوْ قصدتُ الهويَّ منَ القيامِ إلى القعودِ (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ)، كأنهُ لم يكنْ قدْ علمَ برخصةِ المسحِ، أو علمَها وظنَّ أنهُ ﷺ سيفعلُ الأفضلَ، بناءً على أن الغَسْلَ أفضلُ، ويأتي فيهِ الخلافُ، أوْ جوَّزَ أنهُ لم يحصلْ شَرطُ المسحِ، وهذا الأخيرُ أقربُ لقولِهِ: (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفينِ (فإني أدخلْتُهما طاهرتينِ) حالٌ من القدمينِ، كما تبينُه روايةُ أبي داودَ: "فإني أدخلتُ القدمينِ الخفينِ، وهُما طاهرتانِ". (فمسحَ عليهمَا. متفقٌ عليه) بينَ الشيخينِ. ولفظهُ هُنَا للبخاريِّ. وذكرَ البزارُ أنهُ رُويَ عن المغيرةِ مِنْ ستينَ طريقًا، وذكرَ منها ابنُ مَنْدَهْ خمسةً وأربعينَ طريقًا" (٢). والحديثُ دليلٌ على جوازِ المسحِ على الخفينِ في السفرِ؛ لأنَّ هذا الحديثَ ظاهرٌ فيه [كما عرفت] (٣)، وأمَّا في الحَضَرِ، فسيأتي الكلامُ عليهِ في الحديثِ الثالث (٤).

стр. 248

وقدِ اختلفَ العلماءُ في جوازِ ذلكَ، فالأكثرُ على جوازِهِ سفرًا لهذا الحديثِ، وحضرًا لغيرهِ منَ الأحاديثِ. "قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: فيهِ أربعونَ حديثًا عن الصحابةِ مرفوعةٌ [وموقوفة]. وقال ابنُ أبي حاتمٍ: فيهِ عنْ أحدٍ وأربعينَ صحابيًا. وقال ابنُ عبد البرِّ في "الاستذكارِ": رَوى عن النبيِّ ﷺ المسحَ على الخفينِ نحوٌ منْ أربعينَ مِنَ الصحابةِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ عن الحسنِ البصريِّ قالَ: حدثني سبعونَ منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهُ كانَ يمسحُ على الخفينِ. وذكرَ أبو القاسِمِ ابنُ مَنْدَهْ أسماءَ مَنْ رواهُ في تذكرتِهِ، فبلغُوا ثمانينَ صحابيًا" (١). والقولُ بالمسحِ قولُ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ ﵇، وسعدِ بن أبي وقاصٍ، وبلالٍ، وحذيفَة، وبُريدَة، وخزيمةَ بن ثابتٍ، وسلمانَ، وجريرٍ البجليِّ، وغيرِهمْ. قالَ ابنُ المباركِ: ليسَ في المسحِ على الخفَّينِ بينَ الصحابةِ اختلافٌ، لأنَّ كلَّ مَنْ رُوِيَ عنهُ إنكارُهُ فقدْ رُوِيَ عنهُ إثباتُهُ. وقال ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُ أنهُ رُوِيَ عَنْ أحدٍ منَ السلفِ إنكارُهُ إلَّا عنْ مالكٍ، معَ أن الروايةَ الصحيحةَ عنهُ مصرِّحةٌ بثباتِهِ. قالَ المصنفُ: قدْ صرَّحَ جمعٌ منَ الحفاظِ بأنَّ المسحَ متواترٌ. وقالَ بهِ أبو حنيفَةَ والشافعيُّ وغيرُهُما، مستدلينَ بما سمعت (٢). وروي عن

стр. 249

الهادويةِ والإماميةِ والخوارجِ القولُ بعدمِ جوازِهِ، واستدلُّوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١)، قالوا: فعيَّنتِ الآيةُ مباشرةَ الرجلينِ بالماءِ، واستدلُّوا - أيضًا - بما سلفَ في بابِ الوضوءِ منْ أحاديثِ التعليمِ، وكلُّها عيَّنتْ غَسْلَ الرجلينِ. قالوا: والأحاديثُ التي ذكرتُم في المسحِ منسوخةٌ بآيةِ المائدةِ، والدليلُ على النسخِ قولُ عليٍّ ﵇: سبقَ الكتابُ الخُفينِ (٢)، وقولُ ابن عباسٍ: ما مسحَ رسولُ الله ﷺ بعد المائدةِ (٣). وأُجِيْبَ (أوَّلًا): بأنَّ آيةَ الوضوءِ نزلتْ في غزوة المُرَيْسيعِ (٤)، ومسحهُ ﷺ في

стр. 250

غزوة تبوك (١) كما عرفت - والمريسيع قبلها اتفاقًا، فكيف ينسخ المتقدِّم المتأخِّر؟ (وثانيًا): بأنه لو سُلِّم تأخر آية المائدةِ، فلا منافاةَ بينَ المسح والآيةِ؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢) مطلقٌ، وقيَّدتهُ أحاديثُ المسحِ على الخفِّ، أوْ عامٌّ وخصَّصتْهُ تلكَ الأحاديثُ. وأمَّا ما رُوي عنْ عليٍّ ﵇ فهوَ حديثٌ منقطعٌ، وكذا ما رُوِيَ عن ابن عباسٍ، معَ أنهُ يخالفُ ما ثبتَ عنهمَا منَ القولِ بالمسحِ. وقد عارضَ حديثَهما ما هوَ أصحُّ منهما، وهو حديثُ جريرٍ البجليِّ (٣)؛ فإنهُ لما رُوِيَ أنهُ رأى رسولَ اللَّهِ يمسحُ على خُفَّيهِ، قيلَ لهُ: هلْ كانَ ذلكَ قبلَ المائدةِ أوْ بعدَها؟ قالَ: وهلْ أسلمتُ إلَّا بعدَ المائدةِ؟ وهوَ حديثٌ صحيحٌ. وأمَّا أحاديثُ التعليم فليسَ فيها ما ينافي جوازَ المسحِ على الخفينِ، فإنَّها كلَّها فيمنْ ليسَ عليهِ خُفَّانِ، فأيُّ دلالةٍ على نفي ذلكَ، على أنهُ قدْ يقالُ: قد ثبتَ في آيةِ المائدةِ القراءةُ بالجرِّ لأرجلِكمْ عطفًا على الممسوحِ وهوَ الرأسُ، فيحملُ على مسحِ الخفينِ كما بيَّنَتْهُ السنةُ، ويتمُّ ثبوتُ المسحِ بالسنَّةِ والكتابِ، وهوَ أحسنُ الوجوهِ التي تُوَجَّهُ بها قراءةُ الجرِّ. [ما يشترط للمسح على الخفَّين] إذا عرفتَ هذا، فللمسحِ [عند القائلينَ به] (٤) شرطانِ:

стр. 251

الأول: ما أشارَ إليهِ الحديثُ - وهوَ لبسُ الخفَّينِ - معَ كمالِ طهارةِ القدمينِ، وذلكَ بأنْ يلبسهما وهوَ على طهارةٍ تامةٍ: بأن يتوضأَ حتَّى يكملَ وضوءَه ثمَّ يلبسُهما، فإذا أحدثَ بعدَ ذلك حدثًا أصغرَ جاز المسحُ عليهما، بناءً على أنهُ أريدَ "بطاهرتينِ" الطهارةُ الكاملةُ، وقدْ قيلَ: بلْ يُحْتَمَلُ أنهمَا طاهرتانِ عن النجاسةِ، يُروَى عنْ داودَ. ويأتي منَ الأحاديثِ ما يقويِّ القولَ الأولَ. والثاني: مستفادٌ منْ مُسَمَّى الخفِّ؛ فإنَّ المرادَ بهِ الكاملُ؛ لأنهُ المتبادرُ عندَ الإطلاقِ، وذلكَ بأنْ يكونَ ساترًا قويًا، مانعًا نفوذَ الماءِ، غيرَ مخرَّقٍ، فلا يُمْسَحُ على ما لا يسترُ العقِبينِ، ولا على مخرَّقٍ يبدو منهُ محلُّ الفرْضِ، ولا على منسوجٍ؛ إذْ لا يمنعُ نفوذَ الماءِ، ولا مغصوبٍ؛ لوجوبِ نزعهِ. هذَا وحديثُ المغيرةِ لم يبيِّنْ كيفيةَ المسحِ، ولا كميتَهُ ولا محلَّهُ، ولكنَّ الحديث الثاني الذي أفادهُ قولُ المصنفِ (وللأربعةِ عنهُ إلا النسائيَّ أن النبيَّ ﷺ مسحَ أعلى الخفِّ وأسفَلهُ، وفي إسنادِهِ ضعفٌ) بَيَّنَ أن محلَّ المسحِ أعلَى الخفِّ وأسفَلَهُ، ويأتي مَنْ ذهبَ إليهِ، ولكنهُ قدْ أشارَ إلى ضعفهِ، وقد بَيَّنَ وجهَ ضعفِهِ في "التلخيص" (١)، وأنَّ أئمةَ الحديثِ ضعَّفوهُ بكاتبِ المغيرةِ هذا، وكذلكَ بَيَّنَ محلَّ المسحِ وعارضَ حديثَ المغيرةِ هذَا. كيفية المسح على الخفين ٢/ ٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرأيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ). [حسن] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٢). قولُه: (وَعَنْ عَليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: لو كَانَ الدِّينُ بالرأي) أيْ: بالقياسِ،

стр. 252

وملاحظةِ المعاني (لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَي بالمَسْحِ مِنْ أَعْلاه) أي: ما تحتَ القدَمينِ [أولى] (١) بالمسحِ منَ الذي هوَ [على] (٢) أعلاهُما؛ لأنهُ الذي يباشرُ المشيَ، ويقعُ على ما ينبغي إزالتُهُ، بخلافِ أعلاهُ، وهوَ ما [غطى] ظهْرَ القدمِ. (وَقَدْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يمسحُ عَلى ظاهِرِ خُفَّيْهِ. أخرجهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ)، وقالَ المصنفُ في "التلخيص" (٣): إنهُ حديثٌ صحيحٌ. والحديثُ فيهِ إبانةٌ لمحلِّ المسحِ على الخفينِ، وأنهُ ظاهرُهُما لا غيرُ، ولا يُمسحُ أسفلُهُما. وللعلماءِ في ذلك قولانِ: أحدُهُما: أن يغمسَ يديهِ في الماءِ، ثمَّ يضعُ باطنَ كفِّهِ اليسرَى تحتَ عقِب الخُفِّ، وكفَّهُ اليُمنى عَلَى أطرافِ أصابعِهِ، ثمَّ يُمِرُّ اليُمنى إلى ساقِهِ، واليُسرَى إلىَ أطرافِ أصابعهِ، وهذا للشافعيِّ. واستدلَّ لهذهِ الكيفيةِ بما وردَ في حديثِ المغيرةِ: "أنهُ ﷺ مسحَ على خفَّيهِ، ووضعَ يدَهُ اليمنى على خُفِّهِ الأيمنِ، ويدَهُ اليسرى على خفهِ الأيسرِ، ثمَّ مسحَ أعلاهُما مسحةً واحدةً، كأنِّي أنظرُ أصابَعهُ على الخفينِ"، رواه البيهقيُّ (٤)، وهوَ منقطعٌ، على أنهُ لا يفي بتلكَ الصفةِ. وثانيهمَا: مسحُ أعلى الخُفِّ دونَ أسفلِهِ، وهي التي أفادَها حديثُ عليٍّ ﵇ هذا، وأمَّا القدرُ المجزئُ منْ ذلكَ فقيلَ: لا يُجزئُ إلَّا قدرَ ثلاثِ أصابعَ بثلاثِ أصابعَ، وقيل: ثلاث ولوْ بأصبعٍ، وقيلَ: لا يجزئُ إلَّا إذا مسحَ أكثرِهِ، وحديثُ عليٍّ، وحديثُ المغيرةِ المذكورانِ في الأصلِ ليسَ فيهما تعرضٌ لذلكَ. نعمْ قد رُوِي عنْ عليٍّ ﵇: "أنهُ رأى رسولَ اللَّهِ ﷺ يمسحُ على ظهرِ الخُفِّ خطوطًا بالأصابعِ". قالَ النوويُّ (٥): إنهُ حديثٌ ضعيفٌ. ورُوي عنْ

стр. 253

جابرٍ (١): "أنهُ ﷺ أرَى بعضَ مَنْ علَّمَهُ المسحَ أنْ يمسحَ بيدِه منْ مُقدَّمِ الخفَّينِ إلى أصلِ الساقِ مرةً، وفرَّجَ بينَ أصابعهِ". قالَ المصنفُ (٢): إسنادُهُ ضعيف جدًّا، فعرفتَ أنهُ لمْ يَردْ في الكيفيةِ ولا الكميةِ حديثٌ يُعْتَمَدُ عليهِ إلا حديثٌ عليٍّ في بيانِ محلِّ المسحِ. والظاهرُ أنهُ إذا فعلَ المكلَّفُ ما يُسَمَّى مسحًا على الخفِّ لغةً أجزأهُ. وأمَّا مقدارُ زمانِ جوازِ المسحِ فقدْ أفادَهُ: توقيت المسح على الخفين ٣/ ٥٥ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأَمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، ولَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ". [حسن] أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٤)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٥) وَصَحّحَاهُ. ترجمة صفوان بن عسَّال (وَعَنْ صَفْوَانَ) (٦) بفتحِ الصَّادِ المهملةِ، وسكونِ الفاءِ (ابن عَسَّالٍ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ السينِ المهملةِ وباللامِ، المراديِّ، سكنَ الكوفةَ. (قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يأمُرنَا إذَا كنَّا سَفْرًا) جمعُ سافِرَ كتَجْرَ جمعُ تاجِر (ألَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أيامٍ وليالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أي: فَنَنْزَعُها، ولو قبلَ مرورِ

стр. 254

الثلاثِ، (وَلَكِنْ) لا ننزعهنَّ (منْ غائطٍ وبولٍ ونومٍ)، أي: لأجلِ هذه الأحداثِ، إلَّا إذا مرَّتِ المدةُ المقدَّرةُ، (أخرجه النسائيُّ، والترمذيُّ، واللفظُ لهُ، وابنُ خزيمةَ، وصحَّحاهُ) أي: الترمذيُّ وابنُ خزيمة. ورواهُ الشافعيُّ (١)، وابنُ ماجه (٢)، وابنُ حبانَ (٣)، والدَّارقطني (٤)، والبيهقيُّ (٥). وقالَ الترمذيَّ (٦) عن البخاريِّ: إنهُ حديثٌ حسنٌ. بلْ قالَ البخاريُّ: ليسَ في التوقيت شيءٌ أصحَّ منْ حديمثِ صفوانَ بن عسَّالٍ المرادِيِّ. وصححهُ الترمذيُّ والخطابيُّ. والحديثُ دليلٌ على توقيتِ إباحةِ المسحِ على الخفينِ للمسافرِ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ. وفيهِ دلالةٌ على اختصاصهِ بالوضوءِ دونَ الغسلِ وهو مجمعٌ عليهِ. وظاهرُ قولهِ: "يأمرُنا" الوجوبُ، ولكنَّ الإجماعَ (٧) صرفَهُ عنْ ظاهرهِ فبقيَ للإباحة [أو الندب] (٨). وقدْ اختلفَ العلماءُ: هلِ الأفضلُ المسحُ على الخفينِ أو خلعُهما وغسلُ القدمينِ؟ قال المصنفُ (٩) عن ابن المنذرِ: والذي اختاره أن المسحَ أفضلُ، وقال النوويُّ (١٠): صرَّحَ أصحابُنا بأنَّ الغُسْلَ أفضلُ بشرطِ أنْ لا يتركَ المسحَ رغبةً عن السنةِ، كما قالُوا في تفضيلِ القصرِ على الإتمامِ.

стр. 255

٤/ ٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ: جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً للْمُقيمِ - يَعْنِي في الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ -. [صحيح] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). (وَعَنْ عليٍّ ﵇ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ - يعني في المسحِ على الخفين -)، هذَا مُدْرَجٌ مِنْ كَلامِ عليٍّ ﵁ أو منْ غيرِهِ منَ الرواةِ. (أخرجهُ مسلمٌ). وكذلكَ أخرجهُ أبو داودَ (٢)، والترمذيُّ (٣)، وابنُ حبانَ (٤). والحديثُ دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر كما سلف في الحديث قبله، ودليلٌ على مشروعيةِ المسحِ للمقيمِ - أيضًا -، وعلى تقديرِ زمانِ إباحتِهِ بيومٍ وليلةٍ [للمقيم] (٥). وإنَّما زادَ [النبي ﷺ ] (٥) في المدَّة للمسافرِ؛ لأنهُ أحقُّ بالرخصةِ منَ المقيمِ؛ لمشقةِ السفر. المسح على العصائب والتساخين ٥/ ٥٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ - يَعْنِي الْعَمَائِمَ - وَالتّسَاخِينَ - يَعْنِي الخِفَافَ. [حسن]

стр. 256

رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). ترجمة ثوبان (وَعَنْ ثَوْبَانَ) (٤) بفتحِ المثلثةِ تثنيةُ ثوبٍ، وهوَ أبو عبدِ اللَّهِ أو أبو عبدِ الرحمنِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: والأولُ أصحُّ. ابنُ بُجْدُدٍ - بضم الموحدةِ وسكونِ الجيمِ وضمِّ الدالِ المهملةِ الأولَى - وقيلَ: ابنُ جُحْدَرٍ - بفتحِ الجيمِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ فدالٍ مهملةٍ فراءٍ - وهوَ منْ أهلِ السَّرَاةِ، موضعٌ بينَ مكةَ والمدينةِ. وقيلَ: منْ حِمْيَرٍ، أصابهُ سَبيٌ فشراهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ولمْ يزلْ ملازمًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ سفرًا وحضرًا، إلى أنْ تُوُفِيَ ﷺ ، فنزلَ الشامَ، ثمَّ انتقلَ إلى حِمصَ، فتوفيَ بها سنةَ أربعٍ وخمسينَ. (قَالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سريةً" فأمرهُم أن يمسحُوا على العصائبِ - يعني العمائم)، [فسمِّيتْ عصابةً] (٥)، لأنهُ يعصبُ بها الرأسُ، (والتَّسَاخِينُ) بفتح المثناة، بعدَها سينٌ مهملةٌ، وبعدَ الألفِ

стр. 257

خاءٌ معجمةٌ، فمثناةٌ تحتيةٌ، فنونٌ. جمعُ تَسْخَانٍ. قالَ في القاموس (١): التَّسَاخِينُ المراجِلُ والخِفَافُ. وفسَّرَهَا الراوي بقولهِ: (يعني الخِفَافَ) جمعُ خُفٍّ. والظاهرُ أنهُ وما قبلَهُ فِي قولهِ: - يعني العمائمِ - مدرجٌ في الحديثِ منْ كلامِ الراوي. (رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصححهُ الحاكمُ). ظاهرُ [الحديثِ] (٢) أنهُ يجوزُ المسحُ على العمائمِ كالمسحِ على الخفَّينِ. وهلْ يشترطُ فيها الطهارةُ للرأسِ والتوقيتُ كالخفينِ؟ لم نجدْ فيهِ كلامًا للعلماء. ثمَّ رأيتُ بعدَ ذلكَ في حواشي القاضي عبدِ الرحمنِ على بلوغِ المرامِ، أنهُ يشترطُ في جوازِ المسحِ على العمائم أنْ يعتمَّ الماسحُ بعدَ كمالِ الطهارةِ كما يفعلُ الماسحُ على [الخُفِّ أيضًا] (٣). وقالَ: وذهبَ إلى المسحِ على العمائمِ بعضُ العلماءِ، ولم يذكرْ لما ادَّعاهُ دليلًا. وظاهرهُ - أيضًا - أنهُ لا يشترطُ للمسحِ عليها عُذْرٌ، وأنهُ يجزئُ مسحُها وإنْ لم يمسَّ الرأسَ ماءٌ أصلًا. وقالَ ابنُ القيم (٤): إنهُ ﷺ مسحَ علَى العِمامةِ فقطْ، ومسحَ على الناصيةِ وكمَّلَ [على العِمامةِ] (٥)، وقيلَ: لا يكونُ ذلكَ إلَّا للعذرِ؛ لأنَّ في الحديثِ هذا عندَ أبي داودَ (٦): "أنهُ ﷺ بعث سرية فأصابَهُم البردُ، فلما قَدِمُوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ أمرَهُم أنْ يمسحُوا على العصائب والتَّسَاخِينِ"؛ فيُحملُ ذلكَ على العذرِ، وفي هذَا الحملِ بُعد، وإن جنحَ إلى الَقولِ بهِ في الشرح، لأنهُ قد ثبتَ المسحُ على الخفينِ والعِمامةِ منْ غيرِ عذرٍ في غير هذا [الحديث] (٧). ٦/ ٥٨ - وَعَنْ عُمَرَ (٨) ﵁ مَوْقُوفًا. [أثر عمر إسناده قوي]

стр. 258

- وَعَنْ أَنَسٍ (١) مَرْفُوعًا -: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلا يَخْلَعْهُمَا - إِنْ شَاءَ - إِلَّا مِن الْجَنَابَةِ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. [حديث أنس شاذ] تعريف الموقوف (وَعَنْ عُمَرَ مَوْقوفًا) الموقوفُ (٢): هوَ ما كانَ منْ كلامِ الصحابيِّ ولمْ ينسبْهُ إلى النبيِّ ﷺ . (وعنْ أنسٍ مرفُوعًا) إليه ﷺ (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فلبسَ خفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا). تقييدُ اللبسِ والمسح ببعدِ الوضوءِ دليلٌ على أنهُ أريدَ بطاهرتين فِي حديثِ المغيرةِ، وما في معناهُ الطهارةُ المحقَّقةُ منَ الحدثِ الأصغرِ، (وَلْيُصَلِّ فيهمَا وَلا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ)، قيَّدَهُما بالمشيئةِ دَفْعًا لما يفيدُه ظاهرُ الأمرِ منَ الوجوبِ، وظاهرُ النهيِ منَ التحريمِ، (إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ)، فقدْ عرفتَ أنهُ يجبُ خلعُهما. (أخرجه الدارقطنيُّ، والحاكمُ وصحَّحهُ). والحديثُ قد أفادَ شرطيَّةَ الطهارةِ، وأطلقَهُ عن التوقيتِ، فهوَ مقيدٌ بهِ، كما يفيدُهُ حديثُ صفوانَ [بن عسَّالٍ ﵁] (٣)، وحديثُ عليٍّ ﵇. ٧/ ٥٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا). [حسن]

стр. 259

أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ (٢). ترجمة أبي بكرة (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) (٣) بفتحِ الموحدةِ، وسكونِ الكافِ، وراءٍ - اسمُهُ نُفيعُ - بضمِّ النونِ، وفتحِ الفاءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، آخرُه عيْنٌ مهملةٌ - بنُ مَسْرُوحٍ [بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وضم الراء وآخره حاء مهملة، كما في "جامع الأصول"] (٤). وقيلَ: ابنُ الحارث. وكانَ أبو بَكْرَةَ يقولُ: أنا مولى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويأبى أنْ ينتسب، وكان نزل من حصن الطائف عند حصاره ﷺ لهُ في جماعةٍ مِنْ غلمانِ أهلِ الطائفِ وأسلمَ وأعتقَهُ ﷺ وكانَ من فضلاءِ الصحابةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: كان [مثلَ النضرِ بن عبادةَ] (٥)، ماتَ بالبصرةِ سنةَ إِحدَى أو اثنتينِ وخمسينَ، وكانَ أولادُهُ أشرافًا بالبصرةِ بالعلمِ والولاياتِ، ولهُ عَقبٌ كثيرٌ. (عن النبيِّ ﷺ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أيامٍ ولَيَالِيَهُنَّ) أي: في المسحِ على الخُفينِ، (وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ) أي: كلٌّ منَ المقيمِ والمسافرِ إذا تَطهَّر مِنَ الحدثِ الأصغرِ، (فلبسَ خُفَّيْهِ)، ليسَ المرادُ منَ الفاءِ التعقيبَ بلْ مجرَّدَ العطفِ، لأنهُ معلومٌ أنهُ ليسَ شرطًا في المسحِ، (أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أخرجه الدارقطنيُّ، وصحَّحة ابنُ خزيمةَ)، وصحَّحهُ الخطابيُّ أيضًا. ونقلَ البيهقيُّ أن الشافعيَّ صحَّحهُ (٦). وأخرجهُ ابنُ حبانَ (٧)، وابنُ الجارودِ (٨)، وابنُ

стр. 260

أبي شيبة (١)، والبيهقيُّ (٢)، والترمذيُّ في العللِ (٣). والحديثُ مثلُ حديثِ عليٍّ ﵇ في [إفادةِ] (٤) مقدارِ المدةِ للمسافرِ والمقيمِ، ومثلُ حديثِ عمرَ وأنسٍ في شرطيةِ الطهارةِ، وفيهِ إبانةُ [أن] (٥) المسحَ رُخصةٌ لتسميةِ الصحابيِّ لهُ بذلك. دليل عدم توقيت المسح ضعيف ٨/ ٦٠ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦). [ضعيف] وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. ترجمة أُبي بن عمارة (وَعَن أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزةِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، (ابْنِ عِمَارَةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وهوَ المشهورُ، وقدْ تضمُّ. قالَ المصنفُ في "التقريب" (٧): "مدنيٌّ سكنَ

стр. 261

مصرَ له صُحبةٌ، في إسنادِ حديثهِ اضطرابٌ"، يريدُ هذَا الحديثَ ومثلَهُ. قَالَ ابنُ عبدِ البرِّ في "الاستيعابِ" (١): (أنهُ قَالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أمسحُ على الخفينِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: يومًا؟ قَالَ: نعمْ، قالَ: ويومينِ؟ قالَ: نعمَ، قالَ: وثلاثةَ أيامٍ؟ قالَ: نعمْ وما شئتَ. أخرجهُ أبو داودَ وقالَ: ليسَ بالقويِّ). قالَ الحافظُ المنذريُّ في "مختصرِ السننِ" (٢): وبمعناهُ - أي بمعنى ما قالهُ أبو داودَ - قالَ البخاريُّ: وقالَ الإمامُ أحمدُ: رجالُهُ لا يُعرَفُونَ. وقال الدارقطنيُّ (٣): هذا إسنادٌ لا يثبتُ اهـ. وقالَ ابنُ حبَّانَ: لستُ أعتمدُ على إسنادِ خبرهِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لا يثبتُ، وليسَ لهُ إسنادٌ قائمٌ. وبالغَ ابنُ الجوزيِّ (٤) فعدَّهُ في الموضوعاتِ (٥). وهوَ دليلٌ على عدمِ توقيتِ المسحِ في حضرٍ ولا سفرٍ، وهوَ مرويٌّ عنْ مالكٍ وقديمِ قولَيِ الشافعيِّ، ولكنَّ الحديثَ لا يقاوِمُ مفاهيمَ الأحاديثِ التي سلفتْ ولا يُدَانيها، ولو ثبتَ لكانَ إطلاقُهُ مقيَّدًا بتلكَ الأحاديثِ، كما يقيدُ هذا بشرطيةِ الطهارةِ التي [أفادتْها] (٦). هذَا وأحاديثُ بابِ المسحِ تسعةٌ، وعدَّها في الشرحِ ثمانيةً، وَلا وجهَ لهُ. * * *

стр. 262

[الباب السادس] بابُ نواقضِ الوضوءِ النواقضُ جمعُ ناقضٍ، والنقضُ في الأصلِ حلُّ المُبرَمٍ، استُعمِلَ في إبطالِ الوضوءِ بما عيَّنهُ الشارعُ مُبطلًا مجازًا، ثمَّ صارَ حقيقةً عُرفيَّةً. وناقضُ الوضوءِ ناقضٌ للتيمم فإنهُ بدلٌ عنهُ. ما النوم الناقض للوضوء؟ ١/ ٦١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ، يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّأُونَ. [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ (٣). (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ عَلَي عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حتى تَخْقِقَ) منْ بابِ ضربَ يضربُ، أي: تميلَ (رُؤُوسُهُمْ)، أي: مِنَ النومِ (ثمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. أخرجه أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الدارقُطنيُّ، وأصلُهُ في مسلم). وأخرجهُ الترمذيُّ (٤) وفيهِ: "يوقظَونَ للصلاةِ"، وفيهِ: "حتى إنِي لأسمعُ

стр. 263

لأحدِهم غَطيطًا، ثمَّ يقومونَ فيصلُّونَ ولا يتوضأونَ"، وحملهُ جماعةٌ منَ العلماءِ على نوم الجالسِ. ودفعَ هذا التأويلُ بأنَّ في رواية عنْ أنسٍ: (يضعونَ جنوبَهم) [رواها] (١) يحيى القطانُ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: يُحملُ على النومِ الخفيفِ. ورُدَّ بأنهُ لا يناسبهُ ذكرُ الغطيطِ والإيقاظِ، فإنهمَا لا يكونانِ إلَّا في نوم مستغرقٍ. وإذا عرفتَ هذَا، فالأحاديثُ قدِ اشتملتْ على خفقةِ الرأسِ، وعلَى الغطيطِ، وعلى الإيقاظِ، وعلى وضعِ الجنوبِ، وكلُّها وصفَتْ بأنَّهمْ كانُوا لا يتوضئونَ منْ ذلك. أقوال العلماء في نقض الوضوء بالنوم فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ على أقوالٍ ثمانيةٍ: الأولُ: أن النومَ ناقضٌ مطلقًا على كلِّ حالٍ، بدليلِ إطلاقِهِ في حديثِ صفوانَ بن عسالٍ (٢) الذي سلفَ في مسحِ الخفينِ وفيهِ: "منْ بولٍ أو غائطٍ أو نومٍ". قالُوا: فجعلَ مطلقَ النومِ كالغائطِ والبولِ في النقضِ، وحديثُ أنسٍ (٣) بأيِّ عبارةٍ رُوي ليسَ فيهِ بيانُ أنَّهُ قرَّرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ على ذلكَ، ولا رآهم، فهُوَ فعلُ صحابيٍّ لا يُدرَى كيفَ وقعَ، والحجةُ إنما هي في أفعالهِ، وأقوالهِ، وتقريراتهِ ﷺ . [القولُ] (٤) الثاني: أنهُ لا ينقضُ مطلقًا؛ لما سلفَ منْ حديثِ أنسٍ (٥) وحكايةِ نومِ الصحابةِ على تلكَ الصفاتِ، ولوْ كانَ ناقضًا لما أقرَّهُم اللَّهُ عليه، ولأوحى إلى رسولِهِ ﷺ فِي ذلكَ، كما أوحيَ إليهِ في شأنِ نجاسةِ نعلِهِ، وبالأوْلَى صحةُ صلاةِ مَنْ خلفَهُ، ولكنهُ يردُّ عليهمْ حديثُ صفوانَ [بن عسالٍ (٦). القولُ] (٧) الثالثُ: أن النومَ ناقضٌ كلَّه، إنما يُعْفَى عنْ خَفْقَتَينِ وَلَو توالتَا،

стр. 264

وعنِ الخفَقَاتِ المتفرِّقاتِ، وهو مذهبُ الهادويةِ. والْخَفْقَةُ هي ميلانُ الرأسِ منَ النُّعاسِ، وحدُّ الْخَفْقَةِ أنْ لا يستقرَّ رأسهُ منَ الميلِ حتَّى يستيقظَ، ومَنْ لمْ يُمِلْ رأسَهُ عُفِيَ لَهُ عَنْ قدرِ خَفْقَةٍ، وهي ميلُ الرأسِ فقطْ، حتى يصلَ ذقنهُ صدرَهُ، قياسًا على نومِ الخفقةِ، ويحملونَ أحاديث أَنَسٍ (١) على النُّعاسِ الذي لا يزولُ معهُ التمييزُ ولا يخفى بُعْدُهُ. القول الرابعُ: أن النومَ ليس بناقضٍ بنفسهِ بلْ هوَ مظنَّةٌ [للنقضِ] (٢) لا غيرُ، فإذا نامَ جالسًا ممكِّنًا مِقْعَدَتَهُ منَ الأرضِ لم ينتقضْ وإلَّا انتقضْ، وهوَ مذهبُ الشافعيِّ. واستدلَّ بحديثِ عليٍّ (٣) ﵇: "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمنْ نَامَ فليتوضأْ". حسَّنَهُ الترمذيُّ إلا أنَّ فيهِ مَنْ لا تقومُ بهِ حجةٌ، وهُوَ بقيةُ بنُ الوليدِ (٤) وقدْ عَنْعَنَهُ، وحملَ أحاديثَ أنسٍ على مَنْ نامَ ممكِّنًا مقعدتهُ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، وقُيِّدَ حديثُ صفوانَ (٥) بحديثِ عليٍّ ﵇ هَذا. [وقال: معنى حديث علي ﵁ أن النوم مظنة لخروج شيء من غير شعور، فالنوم ناقض لا بنفسه] (٦). الخامسُ: أنهُ إذا نامَ على هيئةٍ من هيئاتِ المصلِّي راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا فإنهُ لا ينقض وضوؤهُ، سواءٌ كانَ في الصلاةِ أو خارجَها، فإنْ نامَ مضطجعًا أو على قفاهُ نُقِضَ. واستُدلَّ لهُ بحديثِ: "إذا نامَ العبدُ في سجوده باهى اللَّهُ بهِ

стр. 265

الملائكةَ يقولُ: عبدِي روحهُ عندِي، وجسدهُ ساجدٌ بينَ يديَّ"، رواه البيهقيُّ (١) وغيرُهُ وقدْ ضُعِّفَ. قالُوا: فسمَّاهُ ساجدًا وهو نائمٌ، ولا سجودَ إلَّا بطهارةٍ. وأُجيبَ بأنهُ سمَّاهُ باعتبارِ أولِ أمرهِ أو باعتبارِ هيئتهِ. السادسُ: أنهُ ينقضُ إلا نومُ الراكعِ والساجدِ للحديثِ الذي سبقَ، وإنْ كانَ خاصًّا بالسجودِ، فقدْ قاسَ عليهِ الركوعَ، كما قاسَ الذي قبلَهُ سائرَ هيئاتِ المصلِّي. السابعُ: أنهُ لا ينقضُ النومُ في الصلاةِ على أيّ حالٍ، وينقضُ خارجَها. وحجَّتهُ الحديثُ المذكورُ؛ [فإنه] (٢) حجَّةُ الأقوالِ الثلاثةِ. الثامنُ: أنَّ كثيرَ النومِ ينقضُ على كلّ حالٍ ولا ينقضُ قليلُهُ. وهؤلاءِ يقولونَ: إنَّ النومَ ليسَ بناقضٍ بنفسهِ، بلْ مظنةُ النقضِ، والكثيرُ مظنةٌ بخلافِ القليلِ، وحملُوا أحاديثَ أنسٍ (٣) على القليلِ، إلَّا أنهمْ لم يذكرُوا قَدْرَ القليلِ ولا الكثيرِ حتى يُعْلمَ كلامُهم بحقيقتهِ، وهلْ هوَ داخلٌ تحتَ أحدِ الأقوالِ أم لا؟ فهذهِ أقوالُ العلماءِ في النومِ، اختلفتْ أنظارُهم فيهِ؛ لاختلافِ الأحاديثِ التي ذكرْناها، وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ قدْحٍ أعرضنْا عنْها. والأقربُ القولُ بأنَّ النومَ ناقضٌ؛ لحديثِ صفوانَ، وقدْ عرفتَ أنهُ صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والترمذيُّ والخطابيُّ، ولكنَّ لفظَ النومِ في حديثهِ مطلقٌ، ودلالةُ الاقترانِ ضعيفةٌ، فلا يقالُ: قدْ قُرِنَ بالبولِ والغائطِ، وهما ناقضانِ على كلِّ حالٍ.

стр. 266

ولما كانَ مطلقُ ورودِ حديثِ أنسٍ بنومِ الصحابةِ، وأنهمْ كانُوا لا يتوضئونَ ولو غطُّوا غطيطًا، وبأنهمْ كانُوا يضعونَ جنوبَهم، وبأنهمْ كانوا يُوقَظُونَ، والأصلُ جلالةُ قدرِهم، وأنهمْ لا يجهلونَ ما ينقضُ الوضوءَ، سِيَّما وقدْ حكاهُ أنسٌ عن الصحابةِ مطلقًا، ومعلومٌ أن فيهمُ العلماءَ العارفينَ بأمورِ الدينِ، خصوصًا الصلاة التي هي أعظمُ أركانِ الإسلامِ، وسِيَّما الذينَ كانُوا منهمْ ينتظرونَ الصلاةَ معهُ ﷺ ؛ فإنَّهمْ أعيانُ الصحابةِ، وإذا كانُوا كذلكَ فَيُقَيَّدُ مطلقُ حديثِ صفوانَ بالنومِ المستغرِقِ، الذي لا يبقَى معهُ إدراكٌ، وَيُؤَوَّلُ ما ذكرهُ أنسٌ منَ الغطيطِ ووضعِ الجُنوبِ والإيقاظِ بعدمِ الاستغراقِ، فقدْ يغطُّ منْ هوَ في مبادئِ نومهِ قبلَ استغراقِهِ. ووضعُ الجَنْبِ لا يستلزمُ الاستغراقَ؛ فقدْ كانَ ﷺ يضعُ جَنْبَهُ بعدَ ركعتي الفجرِ ولا ينامُ، فإنهُ كانَ يَقومُ لصلاةِ الفجرِ بعدَ وضعِ جَنْبِهِ، وإنْ كانَ قدْ قيلَ: إنهُ منْ خصائصهِ ﷺ أنهُ لا ينقضُ نومُهُ وضوءَهُ، [على أن عدم] (١) ملازمةِ النومِ لوضعِ الجنْبِ معلومةٌ، والإيقاظُ قدْ يكونُ لمنْ هوَ في مبادئِ النومِ فينبَّهُ لئلَّا يستغرقَهُ النومُ. هذَا وقدْ أُلحِقَ بالنومِ الإغماءُ والجنونُ والسُّكرُ بأيِّ مُسْكِرٍ، بجامعِ زوالِ العقلِ. وذكرَ في الشرحِ أنهمُ اتفقُوا على أن هذهِ الأمورَ ناقضةٌ، فإنْ صحَّ كانَ الدليلُ الإجماعَ (٢). المستحاضة تتوضأ لكل صلاة ٢/ ٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ
следующие страницы →