← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2012–2051 · переход к 2017.

стр. 2012

والحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ القطعُ على جاحد العاريةِ، وهوَ مذهبُ أحمدَ وإسحاقَ والظاهريةِ (١)، ووجْهُ دلالةِ الحديثِ علَى ذلكَ واضحةٌ، فإنهُ ﷺ رتَّبَ القطْعَ علَى جَحْدِ العاريةِ. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٢): إنهُ لا يثبتُ الحكمُ المرتَّبُ على الجحُودِ حتَّى يتبيَّنَ ترجيحُ روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ جاحدَةً على روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ سارقةً، وذهبَ الجماهيرُ (٣) أنهُ لا يجبُ القطعُ في جحْدِ العاريةِ. قالُوا: لأنَّ الآيةَ في السارقِ، والجاحدُ لا يُسَمَّى سارِقًا. وردَّ هذَا ابنُ القيِّم (٤) وقالَ: إنَّ الجحْدَ داخلٌ في اسمِ السرقةِ. قلتُ: أما دخولُ الجاحدِ تحتَ لفظِ السارقِ لغةً فلا تساعدُ عليهِ اللغةُ، وأما الدليلُ فثبوتُ قَطْعِ الجاحدِ بهذَا الحديثِ. قالَ الجمهورُ (٥): وحديثُ المخزوميةِ قدْ وردَ بلفظِ أنَّها سرقتْ منْ طريقِ عائشةَ وجابرٍ وعروةَ بنِ الزبيرِ ومسعودِ بنِ الأسودِ، أخرجَهُ البخاريُّ ومسلم والبيهقي وغيرُهُمْ (٦) مصرِّحًا بذكرِ السرقةِ، قالُوا: فقدْ تقرَّرَ أنَّها سرقتْ، وروايةُ جَحْدِ العاريةِ لا تدلُّ علَى أنَّ القطْعَ كانَ لها، بلْ إنَّما ذكرَ جَحْدَها العاريةَ [لأنه] (٧) قدْ صارَ خُلُقًا لها معرُوفًا، فَعُرِفَتِ المرأةُ بهِ، والقطعُ كانَ للسرقةِ، وهذَا خلاصةُ ما أجابَ بهِ الخطابيُّ (٨) ولا يخْفَى تكلُّفُه، ثمَّ هوَ مبنيٌّ على أنَّ المعبَّرَ عنهُ امرأةٌ واحدةٌ، وليسَ في الحديثِ ما يدلُّ على ذلكَ، لكنْ في عبارةِ المصنفِ (٩) ما يُشعِرُ بذلكَ، فإنهُ جعلَ الذي ذكرهُ ثانيًا روايةً وهوَ يقتضي منْ حيثُ الإشعارُ العاديُّ

стр. 2013

أنَّهما حديثٌ واحدٌ، أشارَ إليهِ ابنُ دقيقِ العيدِ (١) في "شرح العُمْدَةِ"، والمصنفُ هُنَا صنَعَ ما صنَعَهُ صاحبُ العمدَةِ في سياقِ الحديثِ ثمَّ قالَ الجمهورُ (٢): ويؤيدُ ما ذهبنَا إليهِ الحديثُ الآتي: عقاب الخائن والمختلِس والمنتهِب ٦/ ١١٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ (٣). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعنْ جابرٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ : لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ ولا منتهبٍ ولا مختلِس قَطْعٌ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ)، قالُوا: وجاحدُ العاريةِ خائِنٌ ولا يخْفَى أنَّ هذَا عامٌّ لكلِّ خائنٍ ولكنَّه [مخصوص] (٤) بجاحدِ العاريةِ، ويكون القطعُ فيمَنْ جحدَ العاريةَ لا غيرِه منَ الخونةِ. وقدْ ذهبَ بعضُ العلماءِ (٥) إلى أنهُ يُخَصُّ القطعُ بمَنِ استعارَ على لسانِ غيرِهِ

стр. 2014

مخادِعًا للمستعَارِ منهُ ثمَّ تصرَّفَ في العاريةِ وأنكرَها لمَّا طُولِبَ بها، قالَ: فإنَّ هذا لا يُقْطَعُ بمجرَّدِ الخيانةِ بَلْ لمشاركةِ السارقِ في أخذِ المالِ خِفْيَةً. والحديثُ فيهِ كلامٌ كثيرٌ للعلماءِ [الحديثِ] (١) وقد صحَّحَهُ مَنْ سمعتَ، وهذا [دل] (٢) على أنَّ الخائنَ لا قطعَ عليهِ. والمرادُ (بالخائنِ) الذي يضمرُ ما لا يظهرهُ في نفسِه، والخائنُ هنا هوَ الذي يأخذُ المالَ خِفْيةً منْ مالكِهِ معَ إظهارهِ لهُ النصيحةَ والحِفْظَ. والخائنُ أعمُّ، فإنَّها قدْ تكونُ الخيانةُ في غيرِ المالِ ومنهُ خائنةُ الأعينِ وهيَ مسارقَةُ [النظر] (٣) بِطَرْفِهِ ما لا يحلُّ لهُ [النظر إليه] (٤). (والمنتهِبُ) المغيرُ، منَ النهبةِ وهي الغارةُ والسلبُ، وكأنَّ المرادَ هنَا ما كانَ على جهةِ الغلَبةِ والقهرِ. (والمختلِس) السالبُ، من اختلَسهُ إذا سلَبهُ. واعلمْ أنَّ العلماءَ اختلفُوا في شرطيةِ أنْ تكونَ السرقةُ في حِرْزٍ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ وهوَ قولٌ للناصرِ والخوارجُ (٥) إلى أنهُ لا يشترطُ لعدمِ ورودِ الدليلِ باشتراطهِ منَ السنَّةِ لإطلاقِ الآيةِ، وذهبَ غيرُهم (٦) إلى اشتراطهِ مستدلِّينَ بهذَا الحديثِ، إذْ مفهومُه لزومُ القطعِ فيما أُخِذَ بغيرِ ما ذُكِرَ وهوَ ما كانَ عنْ خفيةٍ، وأُجِيْبَ بأنَّ هذا مفهومٌ ولا تثبُتُ بهِ قاعدةٌ يقيدُ بها القرآنُ، ويؤيدُ عدمَ إعتبارِه أنهُ ﷺ قطعَ يدَ مَنْ أخذَ رداءَ صفوانَ (٧) منْ تحتِ رأسِه منَ المسجدِ الحرامِ وبأنهُ ﷺ قطعَ يدَ المخزوميةِ (٨)، وإنَّما كانتْ تجحدُ ما تستعيرُه. وقالَ ابنُ بطَّالٍ (٩): الحِرْزُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ لغةً، فإنْ صحَّ فلا بدَّ منَ التوفيقِ بينَه وبينَ ما ذُكِرَ مما لا يدلُّ على اعتبار الحرزِ، فالمسألةُ كما تَرى والأصلُ عدمُ الشرطِ، وأنا أستخيرُ اللهَ تعالى وأتوقفُ حتَّى يفتحَ اللهُ.

стр. 2015

سرقة الثمر والكثر ٧/ ١١٥٥ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَديج ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كثَرٍ"، رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١). [صحيح] (وعنْ رافعِ بنِ خديجٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا قطعَ في ثمرٍ) - في النهاية: الثمر هو الرطب ما دام على رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، قال: ويقع على كل الثمار - (ولا كَثَرٍ) بفتحِ الكافِ وفتحِ المثلثةِ: جُمَّارُ النخلِ وهوَ شحمُه الذي في وسطِ النخلةِ كما في "النهايةِ"، (رواهُ المذكورونَ) وهمْ أحمدُ والأربعةُ (وصحَّحَه أيضًا الترمذيُّ وابن حِبَّانَ) كما صحَّحَا ما قبلَه. قالَ الطحاويُّ (٢): الحديثُ تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ. والثمرُ المرادُ بهِ ما كانَ معلَّقاً في النخلِ قبلَ أنْ يُجَذَّ ويُحْرَزَ، وعلى هذَا تأوَّلَهُ الشافعيُّ وقالَ (٣): وحوائطُ المدينةِ ليستْ بحرزٍ وأكثرُها تُدْخَلُ منْ جوانِبها. والثمرُ اسمٌ جامعٌ للرطبِ واليابسِ منَ الرطبِ والعنبِ وغيرِهما كما في "البدرِ المنير" (٤). وأما الكَثَرُ فوقَعَ تفسيرُه في روايةٍ النسائيِّ (٥) بالجُمَّارِ، والجُمَّارُ بالجيمِ آخرَه راءٌ بِزِنَةِ رُمَّانٍ، وهوَ شحْمُ النخلِ الذي في وسطِ النخلةِ كما في "النهاية" (٦).

стр. 2016

والحديثُ فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجب القطع في سرقة الثَّمرِ والكثَرِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ على ظهرِ المنبتِ لهُ أوْ قدْ جُذَّ، وإلى هذَا ذهبَ أبو حنيفةَ. قالَ في "نهاية المجتهدِ" (١): قالَ أبو حنيفةَ (٢): لا قطعَ في طعامٍ ولا فيما أصلُهُ مباحٌ كالصيدِ والحطبِ والحشيشِ، وعمدتُه في [منع] (٣) القطع في الطعامِ الرطبِ قولُه ﷺ : "لا قطعِ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ"، وعندَ الجمهورِ (٤) [أنهُ] (٥) يقطعُ في كلِّ [محرَزٍ] (٦) سواءٌ كان على أصْلهِ باقيًا أو قدْ جُذَّ، وسواء كان أصلُه مباحًا كالحشيشِ ونحوِه أوْ لَا، قالُوا: لعمومِ الآيةِ والأحاديثِ الواردةِ في اشتراطِ النصابِ. وأما حديثُ: (لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرَ) فقالَ الشافعيُّ (٧): إنهُ أخرج على ما كانَ عليهِ عادةُ أهلِ المدينةِ منْ عدمِ إحرازِ حوائطِها فتركَ القطعَ لعدمِ الحرزِ، فإذا أُحْرِزَتِ الحوائطُ كانتْ كغيرِهَا. اعتراف السارق ٨/ ١١٥٦ - وَعَنْ أَبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ: أُتيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلصِّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ"؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَأَمَرَ بهِ، فَقُطِعَ. وَجيءَ بِهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِر اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٨). [ضعيف]

стр. 2017

(وعنْ أبي أميةَ المخزوميِّ ﵁) لا يُعْرَفُ لهُ اسمٌ، عِدادُه في أهلِ الحجازِ، ورَوَى عنهُ أبو المنذرِ مولَى أبي ذرٍّ هذَا الحديثَ (قالَ: أُتيَ رسولُ اللهِ ﷺ بِلِصٍّ قدِ اعترفَ اعترافًا ولم يوجَدْ معَة متاعٌ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : ما إخالكَ) بكسر الهمزة فخاء معجمة، أي أظنك (سرقتَ، قالَ: بلى، فأعادَ عليهِ مرتيْنِ أوْ ثلاثًا فأَمرَ بهِ فقُطِعَ، وجيءَ بهِ فقالَ: استغفرِ اللهِ وتبْ إليهِ، فقالَ: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ: اللهمَّ تبْ عليهِ، ثلاثًا. أخرجَه أبو داودَ واللفظُ لهُ، وأحمد والنسائيُّ ورجالُه ثِقَاتٌ). قالَ الخطابيُّ (١): في إسنادِه مقالٌ، والحديثُ إذا رواهُ مجهولٌ لم يكنْ حجَّةً [ولم] (٢) يجبِ الحكمُ بهِ. قالَ عبدُ الحق: أبو المنذرِ المذكورُ في إسنادهِ لم [يروه] (٣) عنهُ إلَّا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ (٤). وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي للإمامِ تلقينُ السارقِ الإنكارَ. وقدْ رُوِيَ أنهُ ﷺ قالَ لسارقٍ: "أسرقْتَ؟ قلْ: لا" (٥)، قال الرافعيُّ (٦): لم يصحِّحُوا هذا الحديثَ، قالَ الغزاليُّ (٧): قولُه: قلْ لا، لم يصحِّحْه الأئمةُ. ورَوَى البيهقيُّ (٨) موقُوفًا على أبي الدرداءِ أنهُ أتيَ بجاريةٍ سرقتْ فقالَ لها: أسرقتِ؟ قولي: لا، فقالتْ: لا، فخلَّى سبيلَها، ورَوَى عبدُ الرزاقِ (٩) عنْ عمرَ أنهُ أُتيَ برجل سرقَ فسألَه: أسرقتَ؟ قلْ: لا، فقالَ: لا، فتركَه. وساقَ رواياتٍ عنِ الصحابةِ دالةٍ على التلقينِ. واختُلِفَ في إقرارِ السارقِ، فذهبتِ الهادويةُ وأحمدُ وإسحاقُ (١٠) إلى أنهُ لا

стр. 2018

بدَّ في ثبوتِ السرقةِ بالإقرارِ منْ إقرارِه مرتينِ، وكأنَّ هذَا [الحديث] (١) دليلُهم، ولا دلالةَ فيهِ لأنهُ خرجَ مَخْرَجَ الاستثباتِ وتلقينُ المسقطِ، ولأنهُ تردَّدَ الراوي هلْ مرتيْنِ أو [ثلاث] (٢)، وكانَ طريقُ الاحتياطِ لهمْ أنْ يشرطوا الإقرارَ ثلاثًا ولم يقولُوا بهِ. وذهبَ الفريقانِ وغيرُهم (٣) إلى أنهُ يكفي الإقرارُ مرة واحدةً كسائرِ الأقاريرِ، ولأنَّها قدْ وردتْ عِدَّةُ رواياتٍ لم يُذْكرْ فيها اشتراطُ عددِ الإقرارِ. حسم القطع ٩/ ١١٥٧ - وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، فَسَاقَهُ بمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: "اذْهَبُوا بهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ". وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بإِسْنَادِهِ (٤). [ضعيف] (وأخرجَهُ) أي حديثَ أبي أميةَ (الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ فساقَهُ بمعناهُ وقالَ فيهِ: اذهبُوا بهِ فاقطعُوه ثمَّ احسِمُوهُ) بالمهملتينِ (وأخرجَهُ البزارُ أيضًا) منْ حديثِ أبي هريرةَ (وقالَ: لا بأسَ بإسنادِهِ). الحديثُ دليل على وجوب حسمٍ ما قُطِعَ، والحسمُ الكيُّ بالنارِ، أي يكونُ محلَّ القطْعِ لينقطعَ الدمُ، لأنَّ منافِذ الدمِ تنسدُّ وإذا تُرِكَ فربَّما استرسلَ الدمَ فيؤدي إلى التلفِ.

стр. 2019

وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ يأمرُ بالقطعِ والحسمِ الإمامُ وأجرةُ القاطعِ والحاسمِ منْ بيتِ المالِ، وقيمةُ الدواءِ الذي يحسمُ بهِ منهُ لأنَّ ذلكَ واجبٌ على غيرِه. فائدةٌ: منَ السنَّةِ أنْ تُعلَّقَ يدُ السارقِ في عُنُقِهِ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (١) بسندهِ منْ حديثٍ فضالةَ بنِ عبيدٍ: "أنهُ سُئِلَ: أرأيتَ تعليقَ يدِ السارقِ في عنقهِ منَ السنَّةِ! قالَ: نعمْ رأيتُ النبيَّ ﷺ قطعَ سارِقًا ثم أمرَ بيدِه فَعُلِّقتْ في عنقهِ". وأخرجَ بسندهِ أنَّ عليًا (٢) ﵇ قطعَ سارِقًا فمرَّ بهِ ويدُه معلَّقةٌ في عنقهِ، وأخرجَ عنهُ أيضًا (٣) أنهُ أقرَّ عندَه سارقٌ مرتيْنِ فقطعَ يدَهُ وعلَّقَها في عنقهِ، قالَ الراوي: فكأني أنظرُ إلى يدِه تَضْربُ صدْرَهُ. لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد ١٠/ ١١٥٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يَغْرَمُ السارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَبَيّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ (٤). [ضعيف]

стр. 2020

(وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: لا يُغْرَمُ السارقُ إذا أُقِيمَ عليهِ الحدُّ. رواهُ النسائيُّ وبيَّنَ أنهُ منقطعٌ، وقالَ أبو حاتمٍ: هوَ مُنْكَرٌ)، رواهُ النسائيُّ منْ حديثِ المسورِ بنِ إبراهيمَ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ والمسورُ لم يدركْ جدَّه عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ. قالَ النسائيُّ (١): هذا مرسلٌ وليسَ بثابتٍ، وكذَا أخرجَهُ البيهقيُّ (٢) وذكرَ له علةً أخْرَى. وفي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ العينَ المسروقةَ إذا تلفتْ في يدِ السارقِ لم يغرمْها بعدَ أنْ وجبَ عليهِ القطعُ سواءٌ أتلفَها قبلَ القطعِ أو بعدَهُ، وإلى هذا ذهبت الهادويةُ ورواهُ أبو يوسفَ عنْ أبي حنيفةَ (٣). وفي "شرح الكنز" (٤) علَى مذهبهِ تعليلُ ذلكَ بأنَّ اجتماعَ حقَّيْنِ في حقٍّ واحدٍ مخالِفٌ للأصولِ، فصارَ القطعُ [عوضًا] (٥) منَ الغُرمِ ولِذلكَ إذا ثنَّى [السرقة فيما] (٦) قُطِعَ بهِ لم يُقْطَعْ. وذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ وآخرونَ وروايةٌ عنْ أبي حنيفةَ (٧) إلى أنهُ يُغْرَمُ لقولِه ﷺ : "على اليدِ ما أخذتْ حتَى تؤدِّيَهُ" (٨)، وحديثُ عبدِ الرحمنِ هذَا لا تقومُ بهِ حُجَّةٌ معَ ما قيلَ فيهِ، ولقولهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٩)،

стр. 2021

"ولا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بطيبةٍ منْ نفسهِ" (١)، ولأنهُ اجتمعَ في السرقةِ حقَّانِ حقٌّ للهِ تعالَى وحقٌّ للآدميِّ فاقتضَى كلُّ [واحد] (٢) موجِبَه، ولأنهُ قام الإجماعُ أنهُ إذا كانَ [المال] (٣) موجُودًا بِعَيْنِهِ أُخِذَ منهُ فيكونُ إذا لم يوجْد في ضمانهِ قياسًا علَى سائرِ الأموالِ الواجبةِ. وقولُه: اجتماعُ الحقَّيْنِ مخالِفٌ للأصولِ، دعْوى غيرُ صحيحةٍ، لأن الحقَّيْنِ مختلفانِ، فالقطِع لحكمة الزجرِ، والتغريمُ [تفويت] (٤) حقِّ الآدميِّ كما في الغصْبِ، ولا يَخْفى قوةُ هذا القولِ. اشتراط الحرز ١١/ ١١٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَن التَّمْرِ الْمُعَلَّق، فَقَالَ: "مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيءٍ مِنْهُ

стр. 2022

بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). [حسن] (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ سُئِلَ عنِ الثمرِ المعلَّقِ فقالَ: من أصاب بِفِيْهِ منْ ذي حاجةٍ غير متَّخِذٍ خُبْنَةً) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الموحدةِ فنونٍ، وهو معطفُ الإزارِ وطرفُ الثوبِ (فلا شيءَ عليهِ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فعليهِ الغرامةُ والعقوبةُ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ بعدَ أنْ يؤويَهُ الجرينُ) هوَ موضعُ التمرِ الذي يُجَفَّفُ فيهِ (فبلغَ ثمنَ المجنِّ فعليهِ القطعُ. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَه الحاكمُ). قالَ المنذريُّ (٢): والمرادُ بالتمرِ المعلَّقِ ما كانَ معلَّقًا في النخلِ قبلَ أنْ يُجَذَّ وُيجْرَنَ، والثمرُ اسمٌ جامعٌ للرطْبِ واليابسِ منَ التمرِ والعنبِ وغيرِهِما. وفي الحديثِ مسائلُ: الأُولَى: أنهُ إذا أخذَ المحتاجُ بفيهِ لسدِّ فاقتِهِ فإنهُ مباحٌ لهُ. الثانيةُ: أنهُ يحرمُ عليه الخروجُ بشيءٍ منهُ، فإنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فلا يخلُو أنْ يكونَ قبلَ أنْ يُجَذَّ ويؤويهِ الجرينُ أو بعدَه. إن كانَ قبلَ الجذِّ فعليهِ الغرامةُ والعقوبةُ، وإنْ كانَ بعدَ القطعِ وإيواءِ الجرينِ فعليه القطعُ معَ بلوغِ المأخوذِ النصابَ لقولِه ﷺ : "فبلغَ ثمنَ المجنِّ"، وهذا مبني على أنَّ الجرينَ حِرْزٌ كما هوَ الغالبُ، إذْ لا قَطْعَ إلَّا منْ حِرزٍ كما يأتي.

стр. 2023

الثالثةُ: أنهُ أجملَ في الحديثِ الغرامةَ والعقوبةَ، ولكنَّه أخرجَ البيهقيُّ (١) تفسيرَها بأنَّها غرامةُ مِثْلَيْهِ وبأنَّ العقوبةَ جلداتٌ نكالًا. وقدِ استُدِلَّ بحديثِ البيهقيِّ هذَا (٢) على جوازِ العقوبةِ بالمالِ فإنَّ غرامة مِثْلَيْهِ منَ العقوبةِ بالمالِ، وقدْ أجازَهُ الشافعيُّ في القديمِ ثمَّ رجعَ عنهُ وقالَ: لا تُضَاعَفُ الغرامةُ على أحدٍ في شيءٍ إنَّما العقوبةُ في الأبدانِ لا في الأموالِ، وقالَ: هذَا منسوخٌ والناسخُ لهُ قضاءُ رسولِ اللهِ ﷺ على أهلِ الماشيةِ بالليلِ ما أتلفتْ فهوَ ضامنٌ أي مضمونٌ على أَهْلِها، قالَ: وإنَّما يضمنُونَهُ بالقيمةِ. وقدْ قدَّمنا الكلامَ في ذلكَ في حديثِ بهزٍ في الزكاةِ. الرابعةُ: أُخِذَ منهُ اشتراطُ الحرزِ في وجوبِ القطعِ لقولِه ﷺ : (بعدَ أن يؤويَهُ الجرينُ)، وقولُه في الحديثِ الآخَرِ: "لا قطْع في ثمرٍ [ولا كثر] (٣) ولا في حريسة الجبلِ، فإذا آواهُ الجرينُ أوِ المِراحُ فالقطعُ فيما بلغَ ثَمَنَ المِجَنِّ"، أخرجَهُ النسائيُّ (٤). قالُوا: والإحرازُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ، فإنَّ السرقةَ والاستراقَ هوَ المجيءُ مُستَتِرًا في خفيةٍ لأَخْذِ مالِ غيرِه منْ حِرْزٍ كما في "القاموس" وغيرِه. فالحرزُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ لغةً ولِذَا لا يُقَالُ لِمَنْ خانَ أمانَتهُ سارقٌ، وهذا مذهبُ الجمهورِ (٥). وذهبتِ الظاهريةُ وآخرونَ (٦) إلى عدمِ اشتراطهِ عملًا بإطلاقِ الآيةِ الكريمةِ (٧) إلَّا أنهُ لا يخْفَى أنهُ إذا كانَ الحرزُ مأخوذًا في مفهومِ السرقةِ فلا إطلاقَ في الآيةِ. واعلمْ أنَّ حريسةَ الجبلِ بالحاءِ المهملةِ مفتوحةً فراءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ فسينٍ مهملةٍ، والجبلُ بالجيمِ فموحدةٍ قيلَ هيَ المحروسةُ، أي ليسَ فيما يحرسُ بالجبلِ إذا سُرقَ قَطْعٌ لأنهُ ليسَ بموضعِ حرزٍ، وقيلَ حريسةُ الجبلِ الشاةُ التي يدركُها الليلُ

стр. 2024

قبلَ أنْ تصِلَ إلى مأْوَاها. والمراحُ الذي تأوي إليه الماشيةُ ليلًا، كذا في "جامعِ الأصولِ" (١)، وهذَا الأخيرُ أقربُ بمرادِ الحديثِ، واللهُ أعلمُ. ١٢/ ١١٦٠ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - لَمّا أَمَرَ بقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ ردَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ - "هَلَّا كَانَ ذلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأَتِيَنِي بهِ؟ ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وعنْ صفوانَ بنِ أميةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ له لما أمرَ بقطعِ الذي سرقَ رداءَه فشفعَ فيهِ: "هلَّا كانَ ذلكَ قبلَ أنْ تأتيني بهِ". أخرجَه أحمدُ والأربعةَ وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ والحاكمُ)، الحديثُ أخرجُوه منْ طُرُقٍ منْها عنْ طاوسٍ عنْ صفوانَ ورجَّحَها ابنُ عبدِ البرِّ (٣) وقالَ: إنَّ سماعَ طاوسٍ منْ صفوانَ ممكنٌ لأنهُ أدركَ عثمانَ وقالَ: أدركتُ سبعينَ شيخًا منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . وللحديثِ قصةٌ. أخرجَ البيهقيُّ (٤) عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قالَ: "بينَما صفوانُ بنُ أميةَ مضّطَجِعٌ بالبطحاءِ إذْ جاءَ إنسانٌ فأخذَ بردةً منْ تحتِ رأْسِهِ فأتَى بهِ النبيَّ ﷺ فأمرَ بقطعِه فقالَ: إني أعفُو وأتجاوزُ، فقالَ: فهلَّا قبلَ أنْ تأتيَنِي بهِ"، ولهُ ألفاظٌ في بعضِها: "أنهُ كانَ في المسجدِ الحرامِ" (٥)، وفي أُخْرَى: "في مسجدِ المدينةِ نائمًا" (٦). وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّها تُقْطَعُ يدُ السارقِ فيما كانَ مالكُه حافِظًا لهُ وإنْ لم يكنْ مُغْلقًا عليهِ في مكان.

стр. 2025

قالَ الشافعيُّ (١): رداءُ صفوانَ كانَ مُحْرَزًا باضِّطِجَاعهِ عليهِ. وإلى هذَا ذهبَ الشافعيُّ والحنفيةُ والمالكيةُ (٢)، قالَ في "نهايةِ المجتهد" (٣): وإذا توسَّدَ النائمُ شيئًا فتوسُّدُه حرْزٌ له على ما جاءَ في رداءِ صفوانَ، قالَ في "الكنز" (٤) للحنفيةِ: ومَنْ سرقَ منَ المسجدِ متاعًا وربُّه [ومالكه] (٥) عندَه يُقْطَعُ؛ لأنه وإنْ كانَ غيرَ مُحْرَزٍ بالحائِطِ لأنَّ المسجدَ ما بني لإحرازِ الأموالِ فلمْ يكنِ المالُ مُحْرَزًا بالمكانِ، انتَهى. وتقدَّمَ الخلافُ في الحرزِ واختلَفَ القَائلونَ بشرْطِيَّتِهِ، فقالَ الشافعي ومالكٌ والإمامُ يَحْيى (٦): إنَّ لكلِّ مالٍ حِرْزًا يخصُّه، فَحِرْزُ الماشيةِ ليسَ حرزُ الذهبِ والفضةِ. وقالَ الهادويةُ والحنفيةُ (٧): ما أُحْرِزَ فيهِ مالٌ فهوَ حِرْز لغيرِه، إذِ الْحِرزُ ما وُضِعَ لمنعِ الداخلِ والخارجِ ألَّا يخرجَ، وما كانَ ليسَ كذلكَ فليسَ بحرزٍ لا لغةً ولا شَرْعًا، وكذلكَ قالُوا: المسجدُ والكعبةُ حرزانِ لآلاتِهِمَا ولكسوتِهِمَا. واختلفَوا في القبرِ هلْ هوَ حرزٌ للكفنِ فيقطعُ آخذُه أو ليسَ بحرزٍ؟ فَذَهَبَ إلى أنَّ النباشَ سارقٌ جماعةٌ منَ السلفِ والهادي والشافعيُّ ومالكٌ (٨) وقالُوا: يُقْطَعُ؛ لأنَّهُ أَخَذَ المالَ خُفْيَةً منْ حرزٍ لهُ، وقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ ﵇ وعائشةَ (٩) وقالَ الثوريُّ وأبو حنيفةَ (١٠): لا يقطعُ النباشَ لأنَّ القبرَ ليسَ بحرزٍ.

стр. 2026

وفي "المنارِ" (١): هذهِ المسألةُ فيها صعوبةٌ لأنَّ حرمةَ الميتِ كحرمةِ الحيِّ، لكنَّ حرمةَ يدِ السارقِ كذلكَ الأصلُ مَنْعُها، ولم يدخلِ النباشُ تحتَ السارقِ لغةً والقياسُ الشرعيُّ غيرُ واضحٍ، وإذا توقَّفْنَا امتنعَ القطعُ، انتَهى. واختُلِفَ في السارقِ منْ بيتِ المالِ، فذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (٢) إلى أنهُ لا يُقْطَعُ مَنْ سرقَ منْ بيتِ المالِ [ومروي] (٣) عنْ عمرَ (٤)، وذهبَ مالكٌ (٥) إلى أنهُ يقطعُ، واتفقُوا على أنهُ لا يقطعُ مَنْ سرقَ منَ الغنيمةِ والخُمسِ وإنْ لم يكنْ منْ أَهْلِها قالُوا: لأنهُ قدْ يشاركُ فيها بالرضخِ أوْ منَ الخُمسِ. قتل من تكرَّرت سرقته ١٣/ ١١٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جِيءَ بِسَارق إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَقَالُوا: إِنَّما سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "اقْطَعُوهُ" فَقُطِعَ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الرّابعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ (٦). [حسن] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: جيء بسارقِ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: اقتلُوه، فقالُوا: يا رسول اللهِ إنَّما سرق، فقالَ: اقطعوهُ، فَقُطِعَ، ثمَّ جيءَ بهِ الثانيةَ فقالَ: اقتلُوه، فذَكَرَ مثلَهُ، ثمَّ جيءِ بهِ الثالثةَ فذكرَ مثلَهُ، ثمَّ جيءَ بهِ الرابعةَ كذلكَ، ثمَّ جيءَ بهِ الخامسةَ فقالَ: اقتلُوه. أخرجَه أبو داودَ والنسائيُّ)، تمامُه عندَهُما: قال جابرٌ: فانطلقْنَا بهِ

стр. 2027

فقتلْناهُ ثمَّ اجتررْناهُ فألقيناهُ في بِئْرٍ ورميْنَا عليهِ الحجارةَ (واستنكرَهُ) أي النسائيُّ فإنهُ قالَ: الحديثُ منكَرٌ ومصعبُ بنُ ثابتٍ ليسَ بقويٍّ في الحديثِ، قيلَ: لكنْ يشهدُ لهُ الحديثُ الآتي: ١٤/ ١١٦٢ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْن حَاطِبٍ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الشَّافِعيُّ أَنَّ الْقَتْلَ في الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ (١). [منكر]. وهو قولُه: (وأخرجَ) أي النسائيُّ (٢) (منْ حديثٍ الحارثِ بنِ حاطبٍ نحوَهُ)، وأخرجَ حديثَ الحارثِ الحاكمُ (٣). وأخرجَ [أبو نعيم] (٤) في "الحليةِ" (٥) عنْ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الجهنيِّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦): حديثُ القتل منكرٌ لا أصْلَ لهُ (وذكرَ الشافعيُّ أنَّ القتلَ في الخامسةِ منسوخٌ) وزادَ ابنُ عبدِ البرِّ في كلامِ الشافعيِّ: لا خلافَ فيهِ بينَ أهلِ العلمِ، وفي النجمِ الوهَّاجِ: أنَّ ناسخَهُ حديثُ: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بإِحْدى ثلاثٍ" (٧) تقدَّمَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وهذَا يدلُّ على أنَّ حكايةَ أبي مُصْعَبِ عَنْ عثمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنهُ يُقْتَلُ لا أصْلَ لهُ، وجاءَ في روايةِ النسائيِّ (٨): "بعدَ قطعِ قوائمِهِ الأربعِ ثمَّ سرقَ الخامسةَ في عهدِ أبي بكرٍ ﵁ فقالَ أبو بكرٍ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أَعلمَ بهذَا حينَ قالَ اقتلُوه، ثمَّ دفعَهُ إلى فِتْيَةٍ منْ قريشٍ فقالَ: اقتلُوه، فقتلُوه". قالَ النسائيُّ (٩): لا أعلمُ في هذا البابِ حديثًا صحيحًا. والحديثُ دليلٌ على قتْلِ السارقِ في الخامسةِ وأنَّ قوائِمَهُ الأربعَ تُقْطَعُ في

стр. 2028

الأربعِ المراتِ، والواجبُ قطعُ اليمينِ في السرقةِ الأُولى إجماعًا، وقراءةُ ابنِ مسعودٍ (١) مبيِّنةٌ لإجمالِ الآيةِ، فإنهُ قرأَ: فاقطَعُوا أيمانَهما، وفي الثانيةِ الرِّجلُ اليسرى عندَ الأكثرِ لفعلِ الصحابةِ (١) وعندَ طاوسٍ (٢) اليدُ اليسرى لِقُرْبِها منَ اليمنَى، وفي الثالثةِ يدُهُ اليُسرى، وفي الرابعةِ رجلُه [اليسرى] (٣). وهذَا عندَ الشافعيِّ ومالكٍ (٤) لما أخرجَهُ الدارقطنيُّ (٥) منْ حديثٍ أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في السارقِ: "إنْ سرقَ فاقطعُوا يدَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا رِجْلَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا يدَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا رِجْلَه"، وفي إسنادِهِ الواقديُّ. وأخرجَهُ الشافعيُّ (٦) منْ وَجْهٍ آخرَ عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا، وأخرجَ الطبرانيُّ والدارقطنيُّ (٧) نحوَه عنْ عصمةَ بنِ مالكٍ وإسنادُه ضعيفٌ. وخالفتِ الهادويةُ والحنفيةُ (٨) فقالُوا: يُحْبَسُ في الثالثةِ لما رواهُ البيهقيُّ (٩) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ بعدَ أنْ قطعَ رِجْلَه وأُتِيَ بهِ في الثالثةِ: "بأيِّ شيءٍ يتمسَّح وبأي شيء يأكلُ" لَمَّا قيلَ لهُ تقطعُ يدَه اليُسرى، ثمَّ قالَ: "أقطعُ رجلَه؟ على أيِّ شيءٍ يمشي؟ إني لأَسْتَحِي منَ اللهِ، ثمَّ ضربَهُ وخلدَ في السجنِ". وأجابَ الأولونَ بأنَّ هذَا رأيٌ لا [يقاوِمُ] (١٠) النصوصَ، وإنْ كانَ المنصوصُ فيهِ ضعيفٌ فقدْ عاضدتَهْ الرواياتُ الأُخَرْ. وأما محلُّ القطعِ فيكونُ منْ مفصلِ الكفِّ إذْ هوَ أقلُّ ما يُسَمَّى يَدًا، ولِفِعْلِهِ ﷺ فيما أخرجَه الدارقطنيُّ (١١) منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ: "أُتِيَ النبيُّ ﷺ

стр. 2029

بسارقٍ فقطعَ يدَهُ منْ مفصلِ الكفِّ" وفي إسنادِه مجهولٌ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (١) منْ مُرْسَلِ رجاءِ بنِ حَيْوَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قطعَ منَ المفصَلِ، وأخرجَهُ أبو الشيخِ (٢) منْ وجْهٍ آخرِ عنْ رجاءِ عنْ عديٍّ رفعَهُ وعنْ جابرٍ رفعَه أخرج سعيدُ بنُ منصورٍ (٣) عنْ عمرَ. وقالتِ الإماميةُ (٤): ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ يقطعُ منْ أصولِ الأصابعِ إذْ هوَ أقلُّ ما يُسَمَّى يَدًا. وَرُدَّ ذلكَ بأنهُ لا يُقَالُ لِمَنْ قُطِعَتْ أصابِعُهُ مقطوعُ اليدِ لا لغةً ولا عُرْفًا، وإنَّما يقالُ مقطوعُ الأصابعِ. وقدِ اختلفَت الروايةُ عنْ عليٍّ (٥) ﵇ فَرُوِيَ أنهُ كانَ يقطعُ منْ يدِ السارقِ الخُنْصُرَ والبُنْصُرَ والوسْطَى، وقالَ الزهريُّ والخوارجُ (٦): إنهُ يقطعُ منَ الإبْطِ إذْ هوَ اليدُ [الحقيقية] (٧)، والأقْوى الأولُ لدليلهِ المأثورِ. وأما محلُّ قطعِ الرِّجْلِ فتُقْطَعُ منْ مفصلِ القدمِ. ورُوِيَ عنْ عليٍّ (٨) ﵇ أنهُ كانَ يقطعُ الرِّجْلَ منَ الكعبِ. ورُوِيَ عنهُ وهوَ للإماميةِ (٩) أنهُ منْ معتقدِ الشراكِ. خاتمةٌ: أخرجَ [أحمدُ] (١٠) وأبو داودَ (١١) عنْ عطاءٍ عنْ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لها - وقدْ دَعَتْ علَى سارق سرق لها مِلْحَفَةً -: لا تسبخي عنهُ بدعائِكِ عليهِ"، ومعناهُ لا تُخفِّفي [عليه] (١٢) الإثمَ الذي يستحقُّه بالسرقةِ، وهذا يدلُّ على أنَّ الظالمَ يخفَّفُ عنهُ بدعاءِ المظلومِ عليهِ. ورَوَى أحمدُ (١٣) في "كتاب الزهدِ" عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنهُ قالَ: بلغني

стр. 2030

أنَّ الرجلَ ليظلمَ مظلمةً فلا يزالُ المظلومُ يشتمُ الظالمَ [وينتقصُه] (١) حتَّى يستوفيَ حقَّه ويكونُ للظالمِ الفضلُ عليهِ. وفي الترمذيِّ (٢) عنْ عائشةَ أنَّ النبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ دَعَا على مَنْ ظلمَهُ فقدِ انتصَر"، فإنْ قيلَ: [فقد] (٣) مدحَ اللهُ المنتصرَ مِنَ البغي ومدحَ العافي عنِ الجرمِ، قالَ ابنُ العربيِّ: فالجوابُ على أنَّ الأولَ محمولٌ على ما إذَا كانَ الباغي وَقِحًا ذا جُرْأَةٍ وفُجُورٍ، والثاني: على مَنْ وقعَ منهُ ذلكَ نادِرًا [فتُقَالُ] (٤) عثرتُه بالعفوِ عنهُ. وقالَ الواحديُّ: إنْ كانَ الانتصارُ لأجلِ الدِّيْنِ فهوَ محمودٌ، وإنْ كانَ لأجلِ النَّفْسِ فهوَ مباحٌ لا محمود عليه. واختلفَ العلماءُ في التحليلِ منَ الظلامة على ثلاثةِ أقوالٍ: كانَ ابنُ المسيِّبِ لا يحلِّلُ أحدًا منْ عِرْضٍ ولا مالٍ، وكانَ سليمانُ بنُ يسارٍ وابنُ سيرينَ يحلِّلانِ منْهما، ورأَى مالكٌ التحليلَ منَ العِرْضِ دونَ المالِ. * * *

стр. 2031

[الباب الرابع] باب حد الشارب، وبيان المسكر ١/ ١١٦٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بجَرِيدَتَيْن نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمن بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قدْ شربَ الخمرَ فجلدهُ بجريدتَيْنِ نحوَ أربعينَ قالَ) أنسٌ (وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ استشارَ النَّاسَ فقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: [أخفُّ الحدودِ ثمانونَ فأمرَ بهِ عمرُ. متفقٌ عليهِ)] (٢). الخمرُ مصدرُ خَمِرَ - كضربَ ونصرَ - خمْرًا، يسمَّى بهِ الشرابُ المعتصَرُ منَ العِنَبِ إذا غَلَى وقذَفَ بالزَّبَدِ وهيَ مؤنثةٌ وتُذَكَّرُ. ويقالُ: خمرةٌ. وفي الحديثِ مسائلُ: الأُولى: أنَّ الخمرَ [يُطلق] (٣) على ما ذُكِرَ حقيقةً إجماعًا، ويُطْلَقُ على ما هوَ أعمُّ منْ ذلكَ، وهوَ ما أسكرَ منَ العصيرِ أو منَ النبيذِ أوْ غيرِ ذلكَ. وإنَّما اختلفَ العلماءُ هلْ هذَا الإطلاقُ حقيقةً أَوْ لا؟ قالَ صاحبُ "القاموسِ" (٤):

стр. 2032

العمومُ أصحُّ لأنَّها حُرِّمتْ وما بالمدينةِ خمرُ عنبٍ، ما كانَ إلَّا البسرُ والتمرُ، انتَهى. وكأنهُ يريدُ أنَّ العمومَ حقيقةٌ. وسُمِّيَتْ خمرًا، قيلَ: لأنَّها تخمرُ العقلَ أي تسترُهُ فيكونُ بمعنَى اسمِ الفاعلِ أي الساتر للعقلِ، وقيلَ: لأنَّها تُغَطَّى حتَّى تشتدَّ، يقالُ: خَمَّرهُ أي غطَّاه فيكونُ بمعنَى اسمِ المفعولِ، وقيلَ: لأنَّها تخالطُ العقلَ، مِنْ خامرَهُ إذا خالطَه، ومنهُ: هَنِيْئًا مَرِيْئًا غيرَ داءٍ مخامِرٍ، أي مخالِطٍ. وقيلَ: لأنَّها تُتْرَكُ حتَّى تُدْرَكَ، ومنهُ اختَمر العجينُ أي بلَغَ إدراكَهُ، وقيلَ: إنها مأخوذةٌ منَ الكلِّ لاجتماعِ المعاني هذهِ فيهَا. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١): الأوجهُ كلَّها موجودةٌ في الخمرِ لأنَّها تُرِكَتْ حتَّى أدركَتْ وسَكَنتْ، فإذا شُرِبَتْ خالطتِ العقلَ حتَّى تغلبَ عليهِ وتغطيهِ. قلتُ: فالخمرُ تُطْلَقُ على عصيرِ العِنَبِ المشتدِّ حقيقةً إجماعًا، وفي "النجمِ الوهَّاجِ": الخمرُ بالإجماعِ المسكرُ منْ عصيرِ العنبِ وإن لم يقذفْ بالزَّبَدِ. واشترطَ أبو حنيفةَ (٢) أنْ يقذِفَ وحينئذٍ لا يكونُ مُجْمَعًا عليهِ. واختلفَ أصحابُنا في وقوعِ الخمرِ على الأنبذةِ حقيقة، فقالَ المزنيُّ وجماعةٌ بذلكَ لأنَّ الاشتراكَ في الصفةِ يقتضي الاشتراكَ في الاسمِ، وهوَ قياسٌ في اللغةِ وهوَ جائِزٌ عندَ الأكثرِ، وهوَ ظاهرُ الأحاديثِ، ونسبَ الرافعيُّ (٣) إلى الأَكثريْنَ أنهُ لا يقعُ علَيْها إلَّا مَجَازًا. قلتُ: وبه جزمَ ابنُ سَيْدَهْ في المحكمِ (٤) وجزمَ بهِ صاحبُ "الهدايةِ" (٥) منَ الحنفيةِ حيثُ قالَ: الخمرُ عندَنا ما اعتُصرَ منْ ماءِ العنبِ إذا اشتدَّ، وهوَ المعروفُ عندَ أهلِ اللغةِ وأهلِ العلمِ. وَرَدَّ ذلكَ الخطابيِّ (٦) [حيث] (٧) قالَ: زعمَ قومٌ أنَّ العربَ لا تعرفُ الخمرَ إلَّا منَ العنبِ، فيقَالُ لهمْ: إنَّ الصحابةَ الذينَ سمُّوا غيرَ المتَّخَذِ منَ العنبِ خمرًا عربٌ فصحاءُ، فلوْ لمْ يكنِ هذا الاسمُ صحيحًا لما أطلقُوهُ.

стр. 2033

قالَ القرطبيُّ (١): الأحاديثُ الواردةُ عنْ أنسٍ وغيرِه على صِحَّتِها وكثرتِها تبطلُ مذهبَ الكوفيينَ القائلينَ بأنَّ الخمرَ لا تكونُ إلا منَ العنب، وما كانَ منْ غيرِه لا يُسمَّى خمرًا ولا يتناولُه اسمُ الخمرِ، وهوَ قولٌ مخالِف للغةِ العربِ وللسنَّةِ الصحيحةِ ولفَهمِ الصحابةِ، لأنَّهم لما نزلَ تحريمُ الخمرِ فهمُوا منَ الأمرِ [باجتنابها] (٢) تحريمَ كلِّ مسكرٍ ولم يفرِّقُوا بينَ ما يُتَّخَذُ منَ العنبِ وبينَ ما يتخذُ منْ غيرِه، بلْ سوَّوْا بينَهما وحرَّمُوا ما كانَ منْ عصيرِ غيرِ العنبِ وهمْ أهلُ اللسانِ وبِلُغَتِهِم نزلَ القرآنُ، فلو كانَ عندَهم فيهِ تردُّدٌ لتوقَّفُوا عنِ الإراقةِ حتَّى يستفصلُوا ويتحقَّقُوا التحريمَ، ويأتي حديثُ عمرَ: "أنهُ نزلَ تحريمُ الخمرِ وهي منْ خمسةٍ" (٣) الحديثَ، وعمرُ منْ أهلِ اللغةِ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنهُ أرادَ بيانَ ما تعلَّقَ بهِ التحريمُ لا أنهُ المسمَّى في اللغةِ لأنهُ بصددِ بيانِ الأحكامِ الشرعيةِ، ولعلَّ ذلكَ صارَ اسمًا شرعياً لهذا النوعِ فيكونُ حقيقةً شرعيةً، ويدلُّ لهُ حديثُ مسلمٍ عن ابنِ عمرَ (٤) أنَّ النبيَّ (٤) ﷺ قالَ: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ خمرٍ حرامٌ". قالَ الخطابيُّ: إنَّ الآيةَ لما نزلتْ في تحريمِ الخمرِ وكانَ مسمَّاها مجهولًا للمخاطَبيْنَ، بَيَّنَ أنَّ مسمَّاها هوَ ما أسكرَ فيكونُ مثلَ لفظِ الصلاةِ والزكاةِ وغيرِهما منَ الحقائقِ الشرعيةِ. انتَهى. قلتُ: هذا يخالفُ ما سلفَ عنهُ قريبًا، ولا يخْفَى ضعفُ هذا الكلامِ، فإنَّ الخمرَ كانتْ منْ أشهرِ أشْرِبَةِ العربِ واسمُها أشهر منْ كلِّ شيءٍ عندَهم وليستْ كالصلاةِ والزكاةِ، وأشعارُهم فيها لا تُحْصَى، فكأنهُ يريدُ أنهُ ما كانَ تعميمُ الاسمِ بلفظِ الخمرِ لكلِّ مُسْكِرٍ مَعْرُوفًا عندَهم فعرَّفَهُم بهِ الشرعُ، فإنَّهم كانُوا يسمُّونَ بعضَ المسكر بغيرِ لفظِ الخمرِ كالأمزارِ يضيفونَها إلى ما يُتَّخَذُ منهُ منْ ذرةٍ وشعيرٍ ونحوِهِما، ولا يطلقونَ عليهِ لفظَ الخمرِ [في] (٥) الشرع بتعميمِ الاسمِ لكلِّ مسكرٍ.

стр. 2034

فيتحصل مما ذكرَ جميعًا أنَّ الخمرَ حقيقةٌ لغويةٌ في عصيرِ العنبِ المشتدِّ الذي يقذفُ بالزبدِ وفي غيرِه مما يسكرُ، حقيقةٌ شرعيةٌ أو قياسٌ في اللغةِ أوْ مجازٌ، فقدْ حصلَ المقصودُ منْ تحريمِ ما أسكرَ منْ ماءِ العنبِ أوْ غيرِه إمَّا بنقلِ اللفظِ إلى الحقيقةِ الشرعيةِ أو بغيرِه. وقدْ علمتَ أنهُ أطلقَ عمرُ وغيرُه منَ الصحابةِ (١) الخمرَ على كلِّ ما أسكرَ، وهمْ أهلُ اللسانِ والأصلُ الحقيقةُ وقد أحسنَ صاحبُ "القاموس" (٢) بقولِه والعمومُ أصحُّ. وأما الدَّعاوَى التي تقدَّمتْ علَى اللغةِ كما قالَه ابنُ سَيْدَهْ (٣) وشارحُ "الكنزِ" (٤) فما أظنُّها إلَّا بعدَ تقرُّرِ هذهِ المذاهبِ، [فكلٌ] (٥) تكلَّمَ على ما يعتقدُه ونزلَ في قلبهِ منْ مذهبِه ثمَّ جعلَه لأهلِ اللغةِ. المسألةُ الثانيةُ: وقولُه: (فجلدَ بجريدتيْنِ نحوَ أربعينَ) فيهِ دليلٌ على ثبوتِ الحدِّ على شاربِ الخمرِ، وادعَّى فيهِ الإجماعَ ونُوزِعَ في دعْواهُ لأنهُ قدْ نقلَ عنْ طائفةٍ منْ أهلِ العلمِ أنهُ لا يجبُ فيهِ إلَّا التعزيرُ لأنهُ ﷺ لم ينصَّ على حدٍّ معيَّنٍ وإنَّما ثبتَ عنهُ الضربُ المطْلَقُ. وفيهِ دليلٌ علَى أنهُ يكونُ الجلدُ بالجريدِ وهوَ سَعَفُ النخلِ. وقد اختلفَ العلماءُ هلْ يتعيَّنُ الجلْدُ بالجريدِ علَى ثلاثةِ أقوالٍ، أقربُها جوازُ الجلدِ بالعودِ غيرِ الجريدِ، ويجوزُ الاقتصارُ على الضربِ باليديْنِ والنعالِ. قالَ في "شرح مسلمٍ" (٦): أجمعُوا علَى الاكتفاءِ بالجريدِ والنعالِ وأطرافِ الثيابِ، ثمَّ قالَ: والأصحُّ جوازُه بالسوطِ. وقالَ المصنفُ: توسَّطَ بعضُ المتأخرينَ فعيَّنَ السوطَ للمتمردينَ، وأطرافَ الثيابِ والنعالَ للضعفاءِ ومَنْ عدَاهم بحسبِ ما يليقُ بهِمْ، وقدْ عيَّن قولُه في الحديثِ (نحوَ أربعينَ)، ما أخرجَهُ البيهقيُّ وأحمدُ بلفظِ (٧): "فأمرَ قريبًا منْ

стр. 2035

عشريْنَ رجُلًا فجلَدَهُ كلُّ واحدٍ جلدتيْنِ بالجريدِ والنعالَ". قالَ المصنفُ: وهذا يجمعُ ما اختلِفَ فيهِ على تشعُّبِه وأنَّ جملةَ الضرب كانتْ أربعينَ لا أنهُ جلدهُ بجريدتيْنِ أربعينَ. المسألةُ الثالثةُ: قولُه: (فلمَّا كانَ عمرُ استشار النَّاس - إلى آخرِه) سببُ استشارتهِ ما أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ (١): "أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ كتبَ إلى عمرَ: إنَّ النَّاسَ قدِ انهمَكُوا في الخمرِ وتحاقَروا العقوبةَ، قالَ: وعندَه المهاجرونَ والأنصارُ فسألهم فأجمعُوا علَى أنْ يُضْرَبَ ثمانينَ". وأخرجَ مالكٌ في "الموطأ" (٢) عنْ ثورِ بنِ يزيدَ: "أنَّ عمرَ استشارَ في الخمْرِ فقالَ لهُ عليُّ (ابنُ أبي طالبٍ) ﵇: نَرَى أنْ تَجلِدَهُ ثمانينَ، فإنهُ إذا شربَ سَكِرَ، وإذَا سكرَ هذَى، وإذا هَذَى افترَى، فَجَلَدَ عمرُ في الخمرِ ثمانينَ". وهذا حديثُ معضَلٌ، ولِهذَا الأثرِ طُرُقٌ عنْ عليٍّ وقدْ أنكرهُ ابنُ حزمٍ كما سلفَ، وفي معناهُ نكارةٌ لأنهُ قالَ: وإذا هذَى افتَرى، والهاذي لا يُعَدُّ قولُه فريةً لأنهُ لا عَمْدَ لهُ، ولا فِرْيَةَ إلا عنْ عمدٍ. وقدْ أخرجَ عبدُ الرزاقِ (٣) قالَ: جاءتِ الأخبارُ متواترةً عنْ عليٍّ ﵇ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يسنَّ في الخمرِ شيئًا، ولا يخْفَى أنَّ الحديثَ الآتي يؤيِّدُهُ. مقدارُ حدِّ الشارب ٢/ ١١٦٤ - وَلِمُسْلِم عَنْ عَلِيٍّ ﵁ في قِصّةِ الْوَلِيدِ بْنُ عُقْبَةَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرَ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهذَا

стр. 2036

أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا (١). [صحيح] (ولمسلمٍ عنْ عليٍّ في قصةِ الوليدِ بنِ عقبةَ) حقَّقْنَاها في "منحةِ الغفارِ حاشية ضوءِ النهارِ" وفيها أنَّ عثمانَ أمرَ عليًّا بجلدِ الوليدِ بنِ عقبةَ في الخمرِ، فقالَ لعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ: اجْلِدْهُ، فجلَدَهُ، فلمَّا بلغَ أربعينَ قالَ: أَمْسِكْ (جلدَ رسولُ اللهِ ﷺ أربعينَ، وجلدَ أبو بكرٍ أربعينَ، وجلدَ عمرُ ثمانينَ، وكلٌّ سُنَّةٍ، وهذا أحبُّ إليَّ) يعارضه وهو يريدُ أنهُ أحبُّ [إليه] (٢) معَ جُرْأَةِ الشاربينَ لا أنهُ أحبُّ إليهِ مُطْلَقًا، فلا يُرَدُّ أنهُ كيفَ يجعلُ فعلَ عمرَ أحبَّ إليهِ منْ فعلِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّ ظاهرَ الإشارةِ إلى فعلِ عمرَ وهوَ الثمانونَ، ولكنَّه يقالُ إنَّ ظاهرَ قولِه أمسكْ بعدَ الأربعينَ دالٌّ على أنهُ لم يفعلِ [إلا] (٣) الأحبَّ إليهِ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ في صحيحِ البخاريِّ (٤) منْ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عديِّ بنِ الخيارِ: "أنَّ عليًا جلدَ الوليدَ ثمانينَ"، والقصةُ واحدةٌ، والذي في البخاريِّ أرجحُ، وكأنهُ بعدَ أنْ قالَ وهذا أحبُّ إليَّ أمرَ عبدِ اللهِ بتمامِ الثمانينَ، وهذهِ أَوْلَى منَ الجوابِ الآخَرِ وهوَ أنهُ جلدهُ بسوطٍ له رأسانِ فضرَبَهُ أَربعينَ فكانتِ الجملةُ ثمانينَ، فإنَّ هذَا ضعيفٌ لعدمِ مناسبةِ سياقهِ لهُ. والرواياتُ عنهُ ﷺ أنهُ جلدَ في الخمرِ أربعينَ كثيرةٌ إلَّا أنَّ في ألفاظِها نحوَ أربعينَ وفي بعضِها بالنعالِ، فكأنهُ فهمَ الصحابةُ أنَّ ذلكَ يتقدَّرُ بنحو [أربعينَ جلدةً] (٥). واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ وأحدُ قولَيْ الشافعيِّ (٦) أنهُ يجبُ الحدُّ علَى السكرانِ ثمانينَ جلدةً، قالُوا: لقيامِ الإجماعِ عليهِ في عهدِ عمرَ (٧) فإنَهُ لم ينكرْ عليهِ أحدٌ. وذهبَ الشافعيُّ في المشهورِ عنهُ

стр. 2037

وداودُ (١) أنهُ [أربعونَ] (٢) لأنهُ الذي رُوِيَ عنهُ ﷺ فعلُه، ولأنهُ الذي استقرَّ عليهِ الأمرُ في خلافةِ أبي بكرٍ (٣) ﵁، ومَنْ تَتَبَّعَ ما في الرواياتِ واختلافِها علمَ أنَّ الأحْوطَ [الأربعونَ] (٤) ولا يُزَادُ عليها. وفي هذَا الحديثِ: "أنَّ رجلًا شهدَ عليه أي على الوليدِ أنهُ رآهُ يتقيأُ الخمرَ، فقالَ عثمانُ: إنهُ لم يتقيأْها حتَّى شربَها"، في مسلم (٥): "أنهُ شهدَ عليهِ رجلانِ أحدُهما حمرانُ أنهُ شربَ الخمرَ، وشهدَ عليهِ آخَرُ أنهُ رآهُ يتقيؤُها … الحديث". قالَ النوويُّ في "شرح مسلمٍ" (٦): هذَا دليلٌ لمالكٍ وموافقيْهِ في أنَّ منْ تَقَيَّأَ الخمرَ يُحَدُّ حدَّ شاربِ الخمرِ، ومذهبُنا أنهُ لا يُحَدُّ بمجردِ ذلكَ لاحتمالِ أنهُ شربَها جاهلًا كونَها خمرًا أوْ مكرَهًا عليها وغيرَ ذلكَ منَ الأعذارِ المسقِطةِ للحدودِ، ودليلُ مالكٍ قويٌّ لأنَّ الصحابةَ اتفقُوا على جلدِ الوليدِ بنِ عقبةَ المذكورِ فى هذا الحديثِ اهـ. قلتُ: بمثلِ ما قالَهُ مالكٌ قالته الهادويةُ (٧)، ثمَّ لا يخْفَى أنَّ اقتصارَ المصنفِ على الشاهدِ [على القيء] وحدَه تقصيرٌ لإيهامِهِ أنهُ جُلِدَ الوليدُ بشهادةِ واحدٍ على القيء [وليس كذلك كما عرفنا، لا بما ذكره مسلم من الرواية فلا يتم الدليل على أن الشهادة على القيء كافية في ثبوت الحد إلا أن يقوم دليل غير ما هنا] (٨). قتل من شرب الخمر أربع مرات ٣/ ١١٦٥ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ في شَارب الْخَمْر:

стр. 2038

"إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابعَةَ فَاضْرِبوا عُنُقَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَريحًا عَن الزُّهْريِّ (١). [إسناده حسن] (وعنْ معاويةَ عنِ النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ في شاربِ الخمرِ إذا شربَ فاجلِدُوهُ، ثم إذا شربَ فاجلدُوه، ثمَّ إذا شربَ الثالثةَ فاجلدُوه، ثمَّ إذا شربَ الرابعةَ فاضرِبُوا عُنُقَهُ. أخرجَهُ أحمد - وهذا لفظُه -[وأخرجه] (٢) الأربعةُ). اختلفتِ الرواياتُ في قتلِه، هلْ يُقْتَلُ [إن] (٣) شربَ الرابعةَ أوْ [إنْ شربَ] (٤) الخامسةَ؟ فأخرجَ أبو داودَ منْ روايةٍ أبانَ [العطار] (٥) (٦) وذكرَ الجلدَ ثلاثَ مراتٍ بعدَ

стр. 2039

الأُولى ثمَّ قال: "فإنْ شربُوا فاقتلُوهم"، وأخرجَ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (١) منْ روايةِ نافعٍ عنهُ أنهُ قالَ: وأحسبُه قالَ في الخامسةِ: "فإنْ شَرِبَها فاقتلُوه". وإلى قتلِه ذهبَ الظاهريةُ واستمرَّ عليهِ ابنُ حزمٍ (٢) واحتجَّ لهُ وادَّعى عدمَ الإجماعِ علَى نَسْخِهِ والجمهورُ (٣) على أنهُ منسوخٌ ولم يذكُروا له ناسِخًا صريحًا إلَّا ما يأتي منْ روايةِ أبي داودَ عنِ الزهريِّ (٤) أنهُ ﷺ تركَ القتلَ في الرابعةِ وقدْ يُقَالُ القولُ أقْوى منَ التركِ فلعلَّه ﷺ تركهُ لِعُذْرٍ، واللهُ أعلم. (وذكرَ الترمذيُّ ما يدلُّ علَى أنهُ منسوخٌ وأخرجَ ذلكَ أبو داودَ صريحًا عنِ الزهريِّ)، يريدُ ما أخرجَهُ منْ روايةِ الزُّهْرِيِّ عنْ قُبَيْصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شربَ الخمرَ فاجلِدُوهُ - إلى أنْ قالَ: ثمَّ إذا شربَ في الرابعةِ فاقتلُوه. قالَ: فَأُتِيَ برجُلٍ قدْ شربَ فجلدَه، ثمَّ أُتيَ بهِ قدْ شربَ فجلدَهُ ثمَّ أُتِيَ بهِ قدْ شربَ فجلَدَهُ، ثمَّ أُتِيَ بهِ الرابعةَ فجلدَه فَرُفِعَ القتلُ عنِ الناسِ فكانتْ رخصةً" (٥)، قالَ الشافعيُّ (٦): هذا (يريدُ نسخَ القتلِ) مما لا [خلاف] (٧) فيهِ بينَ أهلِ العلمِ، ومثلَه قالَ الترمذي (٨). لا يحل ضرب الوجه ٤/ ١١٦٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا ضربَ أحدُكم فليتقِ الوجهَ. متفقٌ عليهِ).

стр. 2040

الحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يحلُّ ضربُ الوجهِ في حدٍّ ولا غيرِه، وكذلكَ لا يُضْرَبُ المحدودُ في المراقِ والمذاكيرِ، لما أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ للجلَّادِ: "اضربْ في أعضائِه، وأعطِ كلَّ عُضْوٍ حقَّه، واتقِ وجْهَهُ ومذاكيرَهُ"، وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ وسعيدُ بنُ منصورٍ والبيهقيُّ (٢) منْ طُرُقٍ عنْ عليٍّ ﵇. وإنَّما نَهَى عنِ المذاكيرِ والمراقِ؛ لأنهُ لا يُؤْمَنُ عليهِ معَ ضرْبِها، [واختُلِفَ] (٣) في ضَرْبهِ في الرأسِ فذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا يُضْرَبُ فيهِ إذْ هوَ غيرُ مأمونٍ (٤). وذهبتِ الهادويةُ وغيرُهم (٥) إلى جوازِ ضَرْبهِ فيهِ، قالُوا: لقولِ عليٍّ ﵇ (٦) للجلادِ "اضربِ الرأسَ"، ولقولِ أبي بكرٍ (٧) ﵁: "اضربِ الرأسَ فإنَّ الشيطانَ فيهِ"، أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ وفيهِ ضعفٌ وانقطاعٌ. وذهبَ مالكٌ (٨) إلى أنهُ لا يُضْرَبُ إلَّا في رَأْسِهِ. فائدةٌ: في الحديثِ أنهُ ﷺ (٩) أمرَ أنْ يُحْثَى عليهِ الترابُ ويبكتَ، فلمَّا ولَّى شرعَ القومُ يسبُّونه ويدعونَ عليهِ ويقولُ القائلُ: اللهمَّ العنْهُ، فقالَ ﷺ : "لا تقولُوا هذَا ولكنْ قولُوا: اللهمَّ اغفرْ لهُ، اللهمَّ ارحمْهُ". وأوجبَ المازريّ التبكيتَ والتثريبَ. وأمَّا صفةُ سوطِ الضربِ فأخرجَ مالكٌ في "الموطأِ" عنْ زيدِ بنِ أسلمَ مرسلًا: "أنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ أنْ يجلدَ رجلًا فأُتِيَ بسوطٍ خَلِقٍ، فقالَ: فوقَ هذَا،

стр. 2041

فَأُتِيَ بسوطٍ جديدٍ فقالَ: دونَ هذَا"، فيكونُ بينَ الجديدِ والخلِقِ. وذكرَ الرافعيُّ عنْ عليٍّ (١) ﵇: "سوطُ الحدِّ بينَ سوطينِ، وضَرْبُه بينَ ضَرْبَيْنِ"، قالَ ابنُ الصلاحِ: والسوطُ هوَ المتَّخَذُ منْ سُيُورٍ تُلْوَى وتُلَفُّ. عدم إقامة الحد في المسجد ٥/ ١١٦٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تُقَامُ الْحُدُودُ في الْمَسَاجِدِ"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (٢). [حسن لغيره] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تُقَامُ الحدودُ في المساجدِ. رواهُ الترمذيُّ والحاكمُ). وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٣)، وفي إسنادِه إسماعيلُ بنُ مسلمٍ المكيِّ ضعيفٌ منْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وأخرجَهُ أبو داودَ والحاكمُ وإبنُ السَّكَنِ والدارقطنيُّ والبيهقيُّ منْ حديثٍ حكيمِ بنِ حزامٍ (٤)، ولا بأسَ بإسنادِه. ولهُ طُرُقٌ أُخَرُ والكلُّ متعاضِدَةٌ وقدْ عمِلَ بهِ الصحابةِ، فَأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٥) عنْ طارقِ بنِ شهابٍ قالَ: "أُتِيَ عمرُ بنُ الخطابِ برجلٍ في حدٍّ، فقالَ: أخرجَاهُ منَ المسجدِ ثمَّ اضرِبَاهُ"، وأسندَهُ على شرطِ الشيخينِ. وأخرجَ (٦) عنْ عليٍّ ﵇: "أنَّ رجلًا جاءَ إليهِ فسارَّهُ، فقالَ: يا قنبرُ أخرِجْهُ منَ المسجدِ فأقمْ عليهِ الحدَّ"، وفي [إسناده] (٧) مقالٌ. وإلى عدمِ جوازِ إقامةِ الحدِّ في المسجَدِ ذهبَ أحمدُ وإسحاقُ والكوفيونَ (٨) لما ذُكِرَ منَ الدليلِ.

стр. 2042

وذهبَ ابنُ أبي لَيْلَى (والشعبيُّ) (١) إلى جوازِهِ ولم يذكرْ لهُ دليلًا، وكأنَّه حَمَلَ النَّهْيَ على التنزيهِ. قالَ ابنُ بطَّالٍ: وقولُ مَنْ نزَّهَ المسجدَ أَوْلَى - يريدُ قولَ الأوَّلَيْنِ. تسمية النبيذ خمرًا ٦/ ١١٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَحْريمَ الْخَمْر وَمَا بالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: لقد أنزلَ اللهُ تعالَى تحريمَ الخمْرِ، وما بالمدينةِ شرابٌ يُشْرَبُ إلَّا منْ تمرٍ. أخرجَهُ مسلمٌ)، فيهِ دليلٌ على ما سلفَ منْ تسميةِ نبيذِ التمرِ خمرًا عندَ نُزُولِ آيةِ التحريمِ. الخمر منَ خمسة أصناف ٧/ ١١٦٩ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِير. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: نزلَ تحريمُ الخمرِ وهيَ منْ خمسةٍ: منَ العنبِ والتمرِ والعسلِ والحنطةِ والشعيرِ، والخمرُ ما خامرَ العقلَ. متفقٌ عليهِ)، وأخرجَهُ الثلاثةُ أيضًا. لا يُقَالُ إنهُ مُعَارَضٌ بحديثِ أنسٍ (٤) لأنَّ حديثَ أنسٍ إخبارٌ عمَّا كانَ منَ الشرابِ في المدينةِ، وكلامُ عمرَ ليسَ فيهِ تقييدٌ بالمدينةِ وإنَّما هوَ إخبارٌ عمَّا يشربُهُ النَّاسُ مطْلقًا، وقولُه: "والخمرُ ما خامرَ العقلَ"، إشارةٌ إلى وجْهِ التسميةِ، وظاهرُه

стр. 2043

أنَّ كلَّ ما خالطَ العقلَ أو غطَّاهُ يُسمَّى خمرًا لغةً، سواءٌ كانَ مما ذُكِرَ أو غيرِه، ويدلُّ لهُ أيضًا الحديثُ الآتي: كل مسكر حرام ٨/ ١١٧٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: كلُّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ مسكرٍ حرامٌ. أخرجَهُ مسلمٌ)، فإنهُ دالٌّ على أنَّ كلَّ مسكرٍ يسمَّى خمراً. وفي قولِه: "وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" دليلٌ علَى تحريمِ كلِّ مسكرٍ، وهوَ عامٌّ لكلِّ ما كانَ منْ عصيرٍ أوْ نبيذٍ، وإنَّما اختلَفَ العلماءُ بالمرادِ بالمسْكِر هلْ يرادُ تحريمُ القدْرِ المسْكِرِ أوْ تحريمُ تناولِهِ مطْلَقًا وإنْ قلَّ ولم يسْكِرْ إذا كانَ في ذلكَ الجنسِ صلاحيةُ الإسكارِ؟ ذهبَ إلى تحريمِ القليلِ والكثيرِ مما أسكرَ جنسُه الجمهورُ منَ الصحابةِ وغيرُهم وأحمدُ وإسحاقُ والشافعيُّ ومالكٌ والهادويةُ (٢) جميعًا، مستدلِّينَ بهذا الحديثِ وحديثِ جابرٍ (٣) الآتي بعد هذا، وبما أخرجَهُ أبو داودَ (٤) منْ حديثٍ عائشةَ: "كلُّ مسكِرٍ حرامٌ، وما أسكرَ منهُ الفرقُ فَمِلءُ الكفِّ حرامٌ"، وبما أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ (٥) والطحاويُّ (٦) منْ حديثِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ أنهُ ﷺ قالَ: "أنْهَاكُمْ عنْ قليلِ ما

стр. 2044

أسكرَ كثيرُه"، وفي معناهُ رواياتٌ كثيرةٌ لا تخلُو عنْ مقالٍ في أسانيدِها لكنَّها تعتضِدُ بما سمعتَ، قالَ أبو مظفَّرٍ السمعانيِّ: الأخبارُ في ذلكَ كثيرةٌ لا مساغَ لأحدٍ في العدولِ عنْها، وذهبَ الكوفيونَ وأبو حنيفةَ وأصحابُه وأكثرُ علماءِ البصرةِ (١) إلى أنهُ يحلُّ دونَ المسكرِ منْ غيرِ عصيرِ العنبِ والرطبِ. وتحقيقُ مذهبِ الحنفيةِ قدْ بسطَهُ في "شرحِ الكنز" (٢) حيثُ قالَ: إنَّ أبا حنيفةَ قالَ: الخمرُ هوَ النِّيءُ منْ ماءِ العنبِ إذا غُلِيَ واشتدَّ وقذَفَ بالزبَدِ حُرِّمَ قليلها وكثيرها، وقال: إن الغليان من آية الشدَّة وكمالهُ بقذف الزَّبد وبسكونِه، إذْ بهِ يتميزُ الصافي منَ الكدِرِ، وأحكامُ الشرعِ قطعيةٌ فتُنَاطُ بالنهايةِ كالحدودِ وإكفارِ المستحِلِّ وحُرمةِ البيعِ والنجاسةِ. وعندَ صاحِبَيْهِ إذا اشتدَّ صارَ خمرًا ولا يشتَرَطُ القذفُ بالزبدِ لأنَّ الاسمَ يثبتُ بهِ والمعنَى المقتضي للتحريمِ وهوَ المؤثرُ في الفسادِ وإيقاع العداوةِ، وأما الطِلاءُ بكسرِ الطاءِ فهو العصيرُ منَ العنبِ إنْ طُبِخَ حتَّى يذهبَ أَقلُّ منْ ثُلُثَيْهِ، والسَّكَرُ بفتحتينِ وهوَ النيءُ منْ ماءِ الرطبِ ونقيعِ الزبيبِ، وهوَ النِّيءُ منْ ماءِ الزبيبِ، والكل حرامٌ إن غَلَى واشتدَّ، وحرمتُها دونَ الخمرِ، والحلالُ منْها أربعةٌ: نبيذُ التمرِ والزبيبِ إنْ طُبِخَ أدنَى طَبْخٍ وإنِ اشتدَّ إن شربَ ما لا يسكرُ بِلَا لَهْوٍ وطربٍ، والخليطانِ وهوَ أنْ يُخْلَطَ ماءُ التمرِ وماءُ الزبيبِ، ونبيذُ العسلِ والتينِ والبرِّ والشعيرِ والذرةِ، طُبِخَ أوْ لَا، والمثلثُ العنبيُّ. انتَهى كلامُه ببعضِ تصرُّفٍ فيهِ. فهذهِ الأنواعُ هي التي لم يقل بحرمتها استدلَّ بأنَّها لا تدخلُ تحتَ مُسَمَّى الخمرِ فلا يشملُها أدلةُ تحريمِ الخمرِ، وتأول حديثُ ابنِ عمرَ (٣) هذا بما قالَه الطحاويُّ (٤) حيثُ قالَ في تأويلِ الحديثِ: قالَ بعضُهم، المرادُ بهِ ما يقعُ للسكر عندَه، قالَ: ويؤيدُه أنَّ القاتلَ لا يُسَمَّى قاتِلًا حتَّى يَقْتُلَ، قالَ: ويدلُّ لهُ حديثُ ابنِ عباسٍ يرفعُه: "حُرِّمَتِ الخمرُ قليلُها وكثيرُها والسكرُ منْ كلِّ شرابٍ". أخرجَهُ

стр. 2045

النسائيُّ (١) ورِجالُه ثِقَاتٌ إلَّا أنهُ اختُلِفَ في وصْلِهِ وانقطاعِهِ، وفي رفْعِهِ ووقْفِهِ، علَى أنهُ على تقديرِ صِحَّتِهِ فقدْ قالَ أحمدُ وغيرُه: إنَّ الراجحَ أنَّ الروايةَ فيهِ المُسْكِرُ بضمِّ الميمِ وسكونِ السينِ لا السُّكْرُ بضمِّ السينِ أو [بفتحتين] (٢)، وعلى تقديرِ ثبوتهِ فهوَ حديثُ فردٍ لا يقاوِمُ ما عرفْتَ منَ الأحاديثِ التي ذكرنَاها، وقدْ سردَ لهم في الشرحِ أدلةً منْ آثارٍ وأحاديثَ لا يخلُو شيءٌ منْها عنْ قادحٍ فلا ينتهض على المدَّعَى. ثمَّ لفظُ الخمرِ قدْ سمعتَ أنَّ الحقَّ فيهِ لغةً عمومُه لكلِّ مُسْكِرٍ كما قالَه مجدُ الدِّينِ (٣)، فقدْ تناولَ ما ذكرَ دليلَ التحريمِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٤) عنِ ابنِ عباسٍ لما سألَه أبو جويريةَ عنِ الباذِق - بالباءِ الموحدةِ والذالِ المعجمة المفتوحةِ وقيلَ المكسورةُ، وهوَ فارسيٌّ معرَّبٌ أصلُه باذهْ - وهوَ الطلاءُ، فقالَ ابن عباسٍ: "سبقَ محمدٌ ﷺ الباذِقَ، ما أسكرَ فهوَ حرامٌ، الشرابُ الحلالُ الطيِّبُ، ليسَ بعدَ الحلالِ الطيبِ إلا الحرامُ الخبيثُ". وأخرجَ البيهقيُّ (٥) عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ أتاهُ قومٌ يسألونَ عنِ الطلاءِ، فقالَ ابنُ عباسٍ: وما طلاؤُكم [هذا] (٦)؟ إذا سألتموني فبيِّنوا لي الذي [سألتموني] (٧) عنهُ، فقالُوا: هوَ العنبُ [يُعْصَرُ] (٨) ثمَّ [يُطْبَخُ] (٩) ثمَّ [يُجْعَلُ] (١٠) في الدِّنانِ، قالَ: وما الدنانُ؟ قالُوا: دنانٌ مقيَّرةً (١١)، قالَ: مزفتةٌ؟ قالُوا: نعمْ، قالَ: أيسكر؟ قالُوا: إذا كثر منه أسكر، قالَ: فكلُّ مسكرٍ حرامٌ. وأخرجَ عنهُ (١٢) أيضًا أنهُ قالَ في الطلي: إنَّ النارَ لا تُحِلُّ شيْئًا ولا تحرِّمهُ، وأخرجَ أيضًا عنْ عائشةَ (١٣) في سؤالِ أبي مسلمٍ الخولانيِّ لها قالَ: يا أمَّ

стр. 2046

المؤمنينَ إنَّهم يشربُونَ شرابًا لهم يعني - أهلَ الشامِ - يُقَالُ لهُ الطلاءُ، قالتْ: صدقَ اللهُ وبلَّغَ حِبِّي (١)، سمعتُ حِبِّي (١) رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ أُناسًا مِنْ أُمَّتي يشربُونَ الخمرَ يسمُّونَها بغيرِ اسمِها". وأخرجَ (٢) مثلَه عنْ أبي مالكٍ الأشعريِّ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ: "ليشربَنَّ أناسٌ منْ أمتي الخمرَ يسمُّونَها بغيرِ اسمِها وتُضْرَبُ علَى رُؤوسِهِمُ المعازفُ، يخسفُ اللهُ بهمُ الأرضَ ويجعلُ منهمْ قِرَدَةً وخنازيرَ". وأخرجَ (٣) عنْ عمرَ أنهُ قالَ: "إني وجدتُ منْ فلانٍ ريحَ شرابٍ فزعمَ أنهُ يشربُ الطلاءَ وإني سائلٌ عما يشربُ فإنْ كانَ يسكرُ جلدتُه، فجلدَه الحدَّ تامًا". وأخرجَ (٣) عنْ أبي عبيدٍ أنهُ قالَ: جاءتْ في الأشربةِ آثارٌ كثيرةٌ مختلفةٌ عنِ النبيِّ ﷺ وأصحابهِ وكلٌّ لهُ تفسيرُ: فأولُها: الخمرُ وهيَ ما غلَى منْ عصيرِ العنبِ، فهذهِ مما لا اختلافَ في [تحريمِها] (٤) منَ المسلمينَ، إنَّما الاختلافُ في غيرِها، (ومنْها): السَّكَرُ - يعني بفتحتين -، وهوَ نقيعُ التمرِ الذي لم تمسَّهُ النارُ، وفيهِ يُرْوَى عنِ ابنِ مسعودٍ (٥) أنهُ قالَ: السَّكَرُ خمرٌ. (ومنْها): البَتْعُ، بكسرِ الباءِ الموحدةِ والمثناةِ أي الفوقيةِ الساكنةِ والمهملةِ وهوَ نبيذُ العسلِ، (ومنْها): الجِعةُ (٦) بكسرِ الجيمِ وهيَ نبيذُ الشعيرِ، (ومنْها): المِزْرُ (٧). وهوَ منَ الذُّرَةِ جاءَ تفسير هذهِ الأربعةِ عنِ ابنِ عمرَ (٨) ﵁، وزادَ ابنُ المنذر (٨) في الروايةِ عنهُ قالَ: والخمرُ منَ العنبِ والسَّكَرُ منَ التمرِ. (ومنْها): السُّكْرُكَةُ، يعني بضمِّ السينِ المهملةِ وسكونِ الكافِ وضمِّ الراءِ فكافٍ مفتوحةٍ، جاء عنْ أبي موسَى (٨) أنَّها منَ الذرةِ، (ومنْها): الفضيخُ، يعني

стр. 2047

بالفاءِ والضادِ المعجمةِ والخاءِ المعجمةِ، ما افتضخَ منَ البُسْرِ منْ غيرِ أنْ تمسَّه نارٌ، وسمَّاهُ ابنُ عمرَ (١) الفضوخُ، قالَ أبو عبيدٍ (١): فإنْ كانَ معَ البسرِ تمرٌ فهوَ الذي يُسَمَّى الخليطينِ، قالَ أبو عبيدٍ (١): بعضُ العربِ [يسمي] (٢) الخمرَ بِعَيْنِها [الطلي] (٣)، (قالَ) عبيدُ بنُ الأبرصِ (٤): هي الخمرُ تُكْنَى [الطلي] (٥) … كما الذئبُ يُكْنَى أبا جعدةِ قالَ: وكذلكَ الخمرُ تسمَّى الباذقَ. إذا عرفتَ فهذهِ آثارٌ تؤيدُ العملَ بالعمومِ، ومعَ التعارضِ فالترجيحُ للمحرِّمِ على المبيحِ، ومنْ أدلةِ الجمهورِ الحديثُ الآتي: ما أسكر كثيره فقليله حرام ٩/ ١١٧١ - وَعَنْ جَابرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: ما أسكرَ كثيرُه فقليلةُ حرامٌ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ الترمذيُّ (٧) وحسَّنهُ ورجالُه ثِقَاتٌ. وأخرجَ النسائيُّ والدارقطنىُّ وابنُ حِبَّانَ (٨) منْ طَريقِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ عنْ أبيهِ بلفظِ: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عنْ قليلِ ما أسكرَ كثيرُه"، وفي البابِ عنْ

стр. 2048

عليٍّ ﵇ (١) وعائشةَ (٢) ﵂ وعنْ خواتٍ (٣) وعنْ سعيدِ (٤) وعنِ ابنِ عمرَ (٥) وزيدِ بنِ ثابتٍ (٦) كلُّها مخرَّجةٌ في كتبِ الحديثِ، والكلُّ تقومُ به الحجةُ، وتقدَّمَ تحقيقُه. فائدةٌ: ويحرمُ ما أسكرَ مِنْ أيِّ شيءٍ وإنْ لم يكنْ مشرُوبًا كالحشيشةِ، قالَ المصنفُ: مَنْ قالَ إنها لا تسكرُ وإنما تُخدِّرُ فهيَ مكابرةٌ، فإنَّها تُحدثُ ما تُحدثُ الخمرَ منَ الطربِ والنشاة، قالَ: وإذا سُلِّمَ عدمُ الإسكارِ فهيَ مُفَتِّرَةٌ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٧) أنهُ: "نَهَى رسولُ اللهِ عنْ كلِّ مسكرٍ ومفتِّرٍ". قالَ الخطابيُّ (٨): المفتِّرُ كلُّ شرابٍ يورِثُ الثبور والخَوَرَ في الأعضاءِ، وحَكَى العراقيُّ [وشيخ الإسلام] (٩) ابنُ تيميةَ (١٠) الإجماعَ على تحريمِ الحشيشةِ وأنَّ مَنِ استحلَّها كفرَ، قالَ ابنُ تيميةَ (١١): إنَّ الحشيشةَ أولُ ما ظهرتْ في آخرِ المائةِ السادسةِ منَ الهجرةِ حينَ ظهرتْ دولةُ التتارِ، وهيَ منْ أعظمِ المنكراتِ

стр. 2049

وهيَ شرٌّ منَ الخمرِ منْ بعضِ الوجوهِ، لأنَّها تورِثُ نشاة ولذةً وطَرَبًا كالخمرِ ويصعبُ الطعامُ عليها أعظمَ منَ الخمرِ، وقدْ أخطأَ (القائلُ): حرَّمُوها منْ غيرِ عقلٍ ونقلٍ … وحرامٌ تحريمُ غيرِ الحرامِ وأمَّا البنجُ فإنهُ حرامٌ. قالَ ابنُ تيميةَ (١): إنَّ الحدَّ في الحشيشةِ واجبٌ، قالَ ابنُ البَيطارِ: إنَّ الحشيشةَ وتُسَمَّى القنبُ توجدُ في مصرَ مسكرةٌ جِدًا إذا تناولَ الإنسانُ منْها قَدْرَ دِرْهَمٍ أوْ درهميْنِ، وقبائحُ خصالِها كثيرةٌ، وعدَّ منْها بعضُ العلماءِ مائةً وعشرينَ مضرةً دينيةً ودنيويةً، وقبائحُ خصالِها موجودةٌ في الأفيونِ وفيهِ زيادةُ مضارٍّ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في الجوزةِ إنَّها مسكرةٌ، ونقلَه عنهُ متأخِّرُو علماءِ الفريقينِ (٢) واعتمدُوهُ. جواز شرب النبيذ إذا اشتد ١٠/ ١١٧٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لهُ الزبيبُ في السِّقَاءِ فيشربُه يومَه والغدَ وبعدَ الغدِ، فإذَا كانَ مساءُ الثالثةِ شربَه وسقاهُ، فإنْ فضلَ) بفتحِ الضادِ وكسرِهَا (شيءٌ أهْراقَهُ. أخرجَه مسلمٌ)، هذهِ الروايةُ إحدَى رواياتِ مسلمٍ ولهُ ألفاظٌ [أُخَرُ] (٤) قريبةٌ منْ هذهِ في المعنَى. وفيهِ دليلٌ على جوازِ الانتباذِ ولا كلامَ في جوازِه، وقدْ احتجَّ مَنْ يقولُ بجوازِ شُرْبِ النبيذِ إذا اشتَدَّ بقولِه في روايةٍ أُخْرَى: "سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ

стр. 2050

بصبِّهِ" (١)، فإنَّ سَقْيَهُ الخادمَ دليلٌ على جوازِ شربهِ وإنَّما تركَهُ ﷺ تَنَزُّهًا عنهُ، وأُجِيْبَ بأنهُ لا دليلَ علَى أنهُ بلغَ حدَّ الإسكارِ وإنَّما بدا فيهِ بعضُ تَغَيُّرٍ في طَعْمِهِ منْ حموضةٍ أوْ نحوِها فسقاهُ الخادمَ مبادرةً لخشيةِ الفسادِ، ويحتملُ أنْ تكونَ أوْ للتنويعِ كأنهُ قالَ سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ بهِ فَأُهْرِيْقَ، أي إنْ كانَ بدَا في طعمهِ بعضُ تغيرٍ ولم يشتدَّ سقاهُ الخادمَ وإنِ اشتدَّ أمرَ بإهراقِه، وبهذَا جزمَ النوويُّ (٢) في [تفسير] (٣) معنَى الحديثِ. التداوي بالخمر حرام ١١/ ١١٧٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ"، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [حسن] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: إنَّ اللهَ لم يجعلْ شِفَاءَكُم فيما حرَّمَ عليكمْ. أخرجَه البيهقيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ أحمدُ (٥) وذكرَهُ البخاريُّ (٦) تعليقًا عنِ ابنِ مسعودٍ، ويأتي ما أخرجَهُ مسلمٌ (٧) عنْ وائلِ بنِ حجرٍ. والحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يحرُمُ التداوي بالخمرِ؛ لأنهُ إذا لم يكنْ فيهِ شفاءٌ فتحريمُ شُرْبِها باقٍ لا يرفعُه تجويزُ أنهُ يُدْفَعُ بها الضررُ عنِ النفسِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ (٨)، وقالتِ الهادويةُ (٩) إلا إذا غصَّ بلقمةٍ ولم يجدْ ما يسوِّغُها بهِ إلا الخمرَ جازَ. وادَّعى في "البحرِ" (٩) الإجماعَ على هذَا وفيهِ خلافٌ.

стр. 2051

وقالَ أبو حنيفةَ (١): يجوزُ التداوي بها كما يجوزُ شربُ البولِ والدمِ وسائرِ النجاساتِ للتداوي، قلْنا: القياسُ باطلٌ، فإنَّ المقيسَ عليهِ محرَّمٌ بالنصِّ المذكورِ لعمومِه لكلِّ محرَّمٍ. فائدةٌ: في "النجمِ الوهاج" قالَ الشيخُ: كلُّ ما يقولُ الأطباءُ منَ المنافعِ في الخمرِ وشُرْبِها كانَ عندَ شهادةِ القرآنِ (٢) أنَّ فيها منافعَ للناسِ قبلُ، وأما بعدَ نزولِ آيةِ المائدةِ (٣) فإنَّ اللهَ تعالَى الخالقَ [لكلِّ شيءٍ] (٤) سلبَها المنافعَ جُمْلَةً، فليسَ فيها شيءٌ منَ المنافعِ، وبهذَا [تسقطُ] (٥) مسألةُ التداوي بالخمرِ. والذي قالَه منقولٌ عنِ الربيعِ والضحاكِ، وفيهِ حديثٌ أسندهُ الثعلبيُّ وغيرُه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ اللهَ تعالَى لما حرَّمَ الخمرَ سلَبها المنافعَ" (٦). ١٢/ ١١٧٤ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ أنَّ طَارقَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵁ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَن الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا (٧). [صحيح] (وعنْ وائلٍ) هوَ ابنُ حُجرٍ بضمِّ الحاءِ وسكونِ الجيمِ (الحضرميِّ أنَّ طارقَ بنَ سويدٍ سألَ النبيَّ ﷺ عنِ الخمرِ يصنعُها [للتداوي] (٨) فقالَ: إنَّها ليستْ بدواءٍ ولكنَّها داءٌ. أخرجَهُ مسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهما). أفادَ الحكمُ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ وهوَ تحريمُ التداوي بالخمرِ وزيادةُ الأخبارِ بأنَّها داءٌ، وقدْ عُلِمَ منْ حالِ مَنْ يستعملُها أنهُ يتولَّدُ عنْ شُرْبها أدواءٌ كثيرةٌ، وكيفَ لا يكونُ ذلكَ بعدَ [الإخبار من] (٩) الشارعِ أنَّها داءٌ، فقبَّحَ اللهُ وُصَّافَها مِنَ الشعراءِ الخلعاءِ ووصَّافَ شُرْبِهَا وتشويقَ الناسِ إلى شربِها والعكوفَ عليها، كأنَّهم يضادونَ اللهَ تعالَى ورسولَه فيما حرَّمهُ، ولا شكَّ أنَهم يقولونَ تلكَ الأشعارَ بلسانٍ شيطانيٍّ يدعونَ إلى ما حرَّمهُ اللهُ ورسولُه.
следующие страницы →