← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2047–2086 · переход к 2052.

стр. 2047

بالفاءِ والضادِ المعجمةِ والخاءِ المعجمةِ، ما افتضخَ منَ البُسْرِ منْ غيرِ أنْ تمسَّه نارٌ، وسمَّاهُ ابنُ عمرَ (١) الفضوخُ، قالَ أبو عبيدٍ (١): فإنْ كانَ معَ البسرِ تمرٌ فهوَ الذي يُسَمَّى الخليطينِ، قالَ أبو عبيدٍ (١): بعضُ العربِ [يسمي] (٢) الخمرَ بِعَيْنِها [الطلي] (٣)، (قالَ) عبيدُ بنُ الأبرصِ (٤): هي الخمرُ تُكْنَى [الطلي] (٥) … كما الذئبُ يُكْنَى أبا جعدةِ قالَ: وكذلكَ الخمرُ تسمَّى الباذقَ. إذا عرفتَ فهذهِ آثارٌ تؤيدُ العملَ بالعمومِ، ومعَ التعارضِ فالترجيحُ للمحرِّمِ على المبيحِ، ومنْ أدلةِ الجمهورِ الحديثُ الآتي: ما أسكر كثيره فقليله حرام ٩/ ١١٧١ - وَعَنْ جَابرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: ما أسكرَ كثيرُه فقليلةُ حرامٌ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ الترمذيُّ (٧) وحسَّنهُ ورجالُه ثِقَاتٌ. وأخرجَ النسائيُّ والدارقطنىُّ وابنُ حِبَّانَ (٨) منْ طَريقِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ عنْ أبيهِ بلفظِ: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عنْ قليلِ ما أسكرَ كثيرُه"، وفي البابِ عنْ

стр. 2048

عليٍّ ﵇ (١) وعائشةَ (٢) ﵂ وعنْ خواتٍ (٣) وعنْ سعيدِ (٤) وعنِ ابنِ عمرَ (٥) وزيدِ بنِ ثابتٍ (٦) كلُّها مخرَّجةٌ في كتبِ الحديثِ، والكلُّ تقومُ به الحجةُ، وتقدَّمَ تحقيقُه. فائدةٌ: ويحرمُ ما أسكرَ مِنْ أيِّ شيءٍ وإنْ لم يكنْ مشرُوبًا كالحشيشةِ، قالَ المصنفُ: مَنْ قالَ إنها لا تسكرُ وإنما تُخدِّرُ فهيَ مكابرةٌ، فإنَّها تُحدثُ ما تُحدثُ الخمرَ منَ الطربِ والنشاة، قالَ: وإذا سُلِّمَ عدمُ الإسكارِ فهيَ مُفَتِّرَةٌ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٧) أنهُ: "نَهَى رسولُ اللهِ عنْ كلِّ مسكرٍ ومفتِّرٍ". قالَ الخطابيُّ (٨): المفتِّرُ كلُّ شرابٍ يورِثُ الثبور والخَوَرَ في الأعضاءِ، وحَكَى العراقيُّ [وشيخ الإسلام] (٩) ابنُ تيميةَ (١٠) الإجماعَ على تحريمِ الحشيشةِ وأنَّ مَنِ استحلَّها كفرَ، قالَ ابنُ تيميةَ (١١): إنَّ الحشيشةَ أولُ ما ظهرتْ في آخرِ المائةِ السادسةِ منَ الهجرةِ حينَ ظهرتْ دولةُ التتارِ، وهيَ منْ أعظمِ المنكراتِ

стр. 2049

وهيَ شرٌّ منَ الخمرِ منْ بعضِ الوجوهِ، لأنَّها تورِثُ نشاة ولذةً وطَرَبًا كالخمرِ ويصعبُ الطعامُ عليها أعظمَ منَ الخمرِ، وقدْ أخطأَ (القائلُ): حرَّمُوها منْ غيرِ عقلٍ ونقلٍ … وحرامٌ تحريمُ غيرِ الحرامِ وأمَّا البنجُ فإنهُ حرامٌ. قالَ ابنُ تيميةَ (١): إنَّ الحدَّ في الحشيشةِ واجبٌ، قالَ ابنُ البَيطارِ: إنَّ الحشيشةَ وتُسَمَّى القنبُ توجدُ في مصرَ مسكرةٌ جِدًا إذا تناولَ الإنسانُ منْها قَدْرَ دِرْهَمٍ أوْ درهميْنِ، وقبائحُ خصالِها كثيرةٌ، وعدَّ منْها بعضُ العلماءِ مائةً وعشرينَ مضرةً دينيةً ودنيويةً، وقبائحُ خصالِها موجودةٌ في الأفيونِ وفيهِ زيادةُ مضارٍّ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في الجوزةِ إنَّها مسكرةٌ، ونقلَه عنهُ متأخِّرُو علماءِ الفريقينِ (٢) واعتمدُوهُ. جواز شرب النبيذ إذا اشتد ١٠/ ١١٧٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لهُ الزبيبُ في السِّقَاءِ فيشربُه يومَه والغدَ وبعدَ الغدِ، فإذَا كانَ مساءُ الثالثةِ شربَه وسقاهُ، فإنْ فضلَ) بفتحِ الضادِ وكسرِهَا (شيءٌ أهْراقَهُ. أخرجَه مسلمٌ)، هذهِ الروايةُ إحدَى رواياتِ مسلمٍ ولهُ ألفاظٌ [أُخَرُ] (٤) قريبةٌ منْ هذهِ في المعنَى. وفيهِ دليلٌ على جوازِ الانتباذِ ولا كلامَ في جوازِه، وقدْ احتجَّ مَنْ يقولُ بجوازِ شُرْبِ النبيذِ إذا اشتَدَّ بقولِه في روايةٍ أُخْرَى: "سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ

стр. 2050

بصبِّهِ" (١)، فإنَّ سَقْيَهُ الخادمَ دليلٌ على جوازِ شربهِ وإنَّما تركَهُ ﷺ تَنَزُّهًا عنهُ، وأُجِيْبَ بأنهُ لا دليلَ علَى أنهُ بلغَ حدَّ الإسكارِ وإنَّما بدا فيهِ بعضُ تَغَيُّرٍ في طَعْمِهِ منْ حموضةٍ أوْ نحوِها فسقاهُ الخادمَ مبادرةً لخشيةِ الفسادِ، ويحتملُ أنْ تكونَ أوْ للتنويعِ كأنهُ قالَ سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ بهِ فَأُهْرِيْقَ، أي إنْ كانَ بدَا في طعمهِ بعضُ تغيرٍ ولم يشتدَّ سقاهُ الخادمَ وإنِ اشتدَّ أمرَ بإهراقِه، وبهذَا جزمَ النوويُّ (٢) في [تفسير] (٣) معنَى الحديثِ. التداوي بالخمر حرام ١١/ ١١٧٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ"، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [حسن] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: إنَّ اللهَ لم يجعلْ شِفَاءَكُم فيما حرَّمَ عليكمْ. أخرجَه البيهقيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ أحمدُ (٥) وذكرَهُ البخاريُّ (٦) تعليقًا عنِ ابنِ مسعودٍ، ويأتي ما أخرجَهُ مسلمٌ (٧) عنْ وائلِ بنِ حجرٍ. والحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يحرُمُ التداوي بالخمرِ؛ لأنهُ إذا لم يكنْ فيهِ شفاءٌ فتحريمُ شُرْبِها باقٍ لا يرفعُه تجويزُ أنهُ يُدْفَعُ بها الضررُ عنِ النفسِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ (٨)، وقالتِ الهادويةُ (٩) إلا إذا غصَّ بلقمةٍ ولم يجدْ ما يسوِّغُها بهِ إلا الخمرَ جازَ. وادَّعى في "البحرِ" (٩) الإجماعَ على هذَا وفيهِ خلافٌ.

стр. 2051

وقالَ أبو حنيفةَ (١): يجوزُ التداوي بها كما يجوزُ شربُ البولِ والدمِ وسائرِ النجاساتِ للتداوي، قلْنا: القياسُ باطلٌ، فإنَّ المقيسَ عليهِ محرَّمٌ بالنصِّ المذكورِ لعمومِه لكلِّ محرَّمٍ. فائدةٌ: في "النجمِ الوهاج" قالَ الشيخُ: كلُّ ما يقولُ الأطباءُ منَ المنافعِ في الخمرِ وشُرْبِها كانَ عندَ شهادةِ القرآنِ (٢) أنَّ فيها منافعَ للناسِ قبلُ، وأما بعدَ نزولِ آيةِ المائدةِ (٣) فإنَّ اللهَ تعالَى الخالقَ [لكلِّ شيءٍ] (٤) سلبَها المنافعَ جُمْلَةً، فليسَ فيها شيءٌ منَ المنافعِ، وبهذَا [تسقطُ] (٥) مسألةُ التداوي بالخمرِ. والذي قالَه منقولٌ عنِ الربيعِ والضحاكِ، وفيهِ حديثٌ أسندهُ الثعلبيُّ وغيرُه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ اللهَ تعالَى لما حرَّمَ الخمرَ سلَبها المنافعَ" (٦). ١٢/ ١١٧٤ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ أنَّ طَارقَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵁ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَن الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا (٧). [صحيح] (وعنْ وائلٍ) هوَ ابنُ حُجرٍ بضمِّ الحاءِ وسكونِ الجيمِ (الحضرميِّ أنَّ طارقَ بنَ سويدٍ سألَ النبيَّ ﷺ عنِ الخمرِ يصنعُها [للتداوي] (٨) فقالَ: إنَّها ليستْ بدواءٍ ولكنَّها داءٌ. أخرجَهُ مسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهما). أفادَ الحكمُ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ وهوَ تحريمُ التداوي بالخمرِ وزيادةُ الأخبارِ بأنَّها داءٌ، وقدْ عُلِمَ منْ حالِ مَنْ يستعملُها أنهُ يتولَّدُ عنْ شُرْبها أدواءٌ كثيرةٌ، وكيفَ لا يكونُ ذلكَ بعدَ [الإخبار من] (٩) الشارعِ أنَّها داءٌ، فقبَّحَ اللهُ وُصَّافَها مِنَ الشعراءِ الخلعاءِ ووصَّافَ شُرْبِهَا وتشويقَ الناسِ إلى شربِها والعكوفَ عليها، كأنَّهم يضادونَ اللهَ تعالَى ورسولَه فيما حرَّمهُ، ولا شكَّ أنَهم يقولونَ تلكَ الأشعارَ بلسانٍ شيطانيٍّ يدعونَ إلى ما حرَّمهُ اللهُ ورسولُه.

стр. 2052

[الباب الخامس] باب التعزير وحكم الصائل التعزيرُ هو مصدرُ عزرَ منَ العَزْرِ، وهوَ الردُّ والمنعُ، وهوَ في الشرعِ: تأديبٌ على ذَنبٍ لا حدَّ فيهِ، وهوَ مخالِفٌ للحدودِ منْ ثلاثةِ أوجهٍ: الأولُ: أنهُ يختلفُ باختلافِ الناسِ، فتعزيرُ ذوي الهيئاتِ أخفُّ ويستوونَ في الحدودِ معَ الناسِ. والثاني: أنَّها تجوزُ فيهِ الشفاعةُ دونَ الحدودِ. والثالثُ: أن التالفَ بهِ مضمونٌ خلافًا لأبي حنيفةَ [والهادوية] (١) ومالكٍ، وقدْ فرَّقَ قومٌ بينَ التعزيرِ والتأديبِ ولا يتمُّ لهم الفرقُ، ويسمَّى تعزيرًا [لدفعه] (٢) وردِّهِ عنْ فعلِ القبائحِ، ويكونُ بالقولِ والفعلِ على حسبِ ما يقتضيهِ حالُ الفاعلِ، وقولُه: (وحكمُ الصائل)، الصائل اسمُ فاعلٍ منْ صالَ يصولُ على قَرْنِهِ، إذا سَطا عليهِ واستطالَ. الفرق بين الحدود والتعزيرات ١/ ١١٧٥ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح]

стр. 2053

(عنْ أبي بردةَ الأنصاريِّ ﵁ أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا يُجْلَدُ) رُوِيَ مبنيًا للمعلومِ ومبنيًا للمجهولِ ومجزومًا على النَّهي، ومرفوعًا على النفي، قوله: (عَشَرَةَ أسواطٍ إلَّا في حدٍّ منْ حدودِ اللهِ تعالَى. متفقٌ عليهِ)، وفي روايةٍ عشرَ جلداتٍ (١)، وفي روايةٍ: "لا عقوبةَ فوقَ عشرِ ضرباتٍ" (٢). والمرادُ بحدودِ اللهِ ما عيَّنَ الشارعُ [فيها] (٣) عدَدًا منَ الضربِ أوْ عقوبةً مخصوصةً كالقطعِ والرَّجْمِ، وهذانِ داخلانِ في عمومِ حدودِ اللهِ، خارجانِ عما فيهِ السياقُ، إذِ السياقُ في الضربِ. اتفقَ العلماءُ على حدِّ الزِّنى والسرقةِ وشربِ الخمرِ وحدِّ المحاربِ وحدِّ القذْفِ بالزِّنى والقتلِ في الرِدَّةِ والقصاصِ في النفسِ، واختلفُوا في القصاصِ في الأطرافِ هلْ يُسَمَّى حدًا أمْ لا؟ كما اختلفُوا في عقوبةِ جَحْدِ العاريَّةِ واللواطِ وإتْيانِ البهيمةِ، وتحميلِ المرأةِ الفحلَ منَ البهائمِ عليها والسحاقِ، وأكلِ الدَّمِ والميْتَةِ ولحمِ الخنْزِيرِ لغيرِ ضرورةٍ، والسحرِ والقذفِ بشربِ الخمرِ وتركِ الصلاة تكاسُلًا والأكلِ في رمضانَ، والتعريض بالزنى، هلْ يُسَمَّى حدًا أوْ لا؟ فمنْ قالَ يُسَمَّى حدًا أجازَ الزيادةَ في التعزيرِ عليْها على العشرةِ الأسواطِ، ومَنْ قالَ لا يُسَمَّى لم يُجِزْهُ، إلا أنهُ قدِ اختُلِفَ في العملِ بحديثِ البابِ، فذهبَ إلى الأخذِ بهِ الليثُ وأحمدَ وإسحاقُ وجماعةٌ منَ الشافعيةِ (٤). وذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وزيدُ بنُ عليٍّ وآخرونَ (٥) إلى جوازِ الزيادةِ في التعزيرِ على العشرةِ ولكنْ لا يبلغُ أدنَى الحدودِ. وذهبَ القاسمُ والهادي (٦) إلى أنهُ يكونُ التعزيرُ في كلِّ حدٍّ دونَ حدِّ جِنْسِهِ لما يأتي منْ فعلِ عليٍّ ﵇.

стр. 2054

قلتُ: ولا دليلَ لهمْ إلَّا أفعال بعضِ الصحابةِ كما رُوِيَ أنَّ عليًا (١) ﵇ جلَدَ مَنْ وُجِدَ معَ امرأةٍ منْ غيرِ زِنَى مائةَ سوطٍ إلَّا سوطيْنِ، وأنَّ عمرَ (٢) ﵁ ضربَ منْ نقشَ علَى خاتَمِهِ مائةَ سوطٍ، وكذَا رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ (٣)، ولا يَخْفَى أنَّ فعلَ بعضِ الصحابةِ ليسَ بدليلٍ ولا يُقَاوِمُ النصَّ الصحيحَ. وما نُقِلَ عنْ عمرَ لا يتمُّ لهم دليلًا ولعلَّه لم يبلغِ الحديثُ مَنْ فعلَ ذلكَ منَ الصحابة، كما أنهُ قالَ صاحبُ التقريبِ معتذِرًا لو بلغَ الخبرُ الشافعيَّ لقالَ بهِ لأنهُ قالَ: إذا صحَّ الحديثُ فهوَ مذهبي. ومثلُه قالَ الداودي (٤) معتذِرًا لمالكٍ: لمْ يبلغْ مالِكًا هذا الحديثُ فرأَى العقوبةَ بقدرِ الذَّنْبِ، ولو بلغَهُ ما عدلَ عنهُ فيجبُ علَى منْ بلَغَهُ أنْ يأخذَ بهِ. إقالة ذوي الهيئات ومن هم ٢/ ١١٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهمْ، إِلَّا الْحُدُودَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَالْبَيْهَقيُّ (٥). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: أهيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عثراتِهِمْ إلَّا الحدودَ. رواهُ [أحمدُ] (٦) وأبو داودَ والنسائيُّ [والبيهقيُّ]) (٧)، وللحديثِ طُرُقٌ كثيرةٌ لا تخلُو عنْ مقالٍ. والإقالةُ هيَ موافقةُ البائع على نقضِ البيعِ، وأقيلُوا هُنَا مأخوذٌ منها، والمرادُ هنا موافقةُ [ذوي الهيئات] (٨) على تركِ المؤاخذةِ لهُ أوْ تخفيفِها، وفسَّرَ الشافعيُّ ذوي الهيئاتِ بالذينَ لا يُعْرَفُونَ بالشرِّ فيزلُّ أحدُهم الزلةَ، والعثراتُ جمعُ عثرةٍ والمرادُ [هنَا] (٩) الزلَّةُ، وحكَى الماورديُّ (١٠) في ذلكَ وجْهَيْنِ:

стр. 2055

أحدُهما: أنَّهم أصحابُ الصغائر دونَ [أهل] (١) الكبائرِ. والثاني: مَنْ إذا أذنبَ تابَ. وفي عثراتِهِم وجهانِ: أحدُهما: الصغائرُ، والثاني: أولُ معصيةٍ يزلُّ فيها مطيعٌ. واعلمْ أنَّ الخطابَ في أقيلُوا للأَئِمَةِ لأنَّهم الذينَ إليهم التعزيرُ لعمومِ ولايتهم فيجبُ عليهمُ الاجتهادُ في اختيارِ الأصلحِ لاختلافِ ذلكَ باختلافِ مراتبِ الناسِ وباختلافِ المعاصي، وليسَ لهُ أنْ يفوِّضَه إلى مستحقِّهِ ولا إلى غيرهِ، وليسَ التعزيرُ لغيرِ الإمامِ إلَّا لِثلاثةٍ، الأبُ فإنَّ لهُ تعزيرَ ولدِه الصغيرِ للتعليمِ والزجرِ عنْ سيِّءِ الأخلاقِ، والظاهرُ أنَّ [للأم في زمن كون الصبي في كفالتها] (٢) لها ذلكَ، وللأمرِ بالصلاةِ والضربِ عليها، وليسَ للأبِ تعزيرُ البالغِ وإنْ كانَ سفيهًا. والثاني: السيدُ يعزِّرُ رقيقَه في حقٍّ نفسهِ وفي حقِّ اللهِ تعالَى على الأصحَّ. والثالثُ: الزوجُ لهُ تعزيرُ زوجتِه في أمرٍ النشوزِ كما [صرَّحَ] (٣) بهِ القرآنُ [العظيم] (٤)، وهلْ لهُ ضربُها على تركِ الصلاةِ ونحوِها؟ الظاهرُ أنَّ لهُ ذلكَ إنْ لم يكفِ فيها الزجرُ لأنهُ منْ بابِ إنكارِ المنكرِ، والزوجُ منْ جملةِ مَنْ يُكَلَّفُ بالإنكارِ باليدِ أو اللسانِ أو الجَنانِ، والمرادُ هنا الأولانِ. ليس في الخمرِ حدٌّ محدود من رسول الله ﷺ - ٣/ ١١٧٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدَ في نَفْسِي، إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ قالَ: ما كنتُ لأقيمَ على أحدٍ حدًا فيموتُ فأجدَ في نفسي إلَّا

стр. 2056

شاربَ الخمرِ فإنهُ لو ماتَ وَدَيْتُه) بتخفيفِ الدالِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، أي غرِمتُ ديتَهُ [من بيت المال] (١)، (أخرجَهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على أنَّ الخمرَ لم يكنْ فيهِ حدٌّ محدودٌ منْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فهوَ منْ بابِ التعزيراتِ، فإنْ ماتَ ضمنَه الإمامُ، وكذَا كلُّ معزَّرٍ يموتُ بالتعزيرِ يضمنُه الإمامُ، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. وذهب الهادويةُ (٢) إلى أنهُ لا شيءَ فيمنْ ماتَ بحدٍّ أو تعزيرٍ قياسًا منْهم للتعزيرِ على الحدِّ بجامعِ أنَّ الشارعَ قدْ أذنَ فيهما، قالُوا: وقولُ عليٍّ ﵇ هذا إنَّما هوَ للاحتياطِ، وتقدَّمَ الجوابُ بأنهُ إذا أعنتَ في التعزيرِ دلَّ على أنهُ غيرُ مأذونٍ فيهِ منْ أصلِهِ بخلافِ الإعناتِ في الحدِّ فإنهُ لا يُضْمَنُ لأنهُ مأذونٌ في أصلهِ، فإنْ أعنتَ فإنهُ للخطأِ في صفتِه وكأنَّهم يريدونَ أنهُ لم يكنْ مأذونًا في غيرِ ما أَذنَ بهِ بخصوصِهِ كالضربِ مثلًا، وإلَّا فهوَ مأذونٌ في مطلقِ التعزيرِ. وتأويلُهم لقولِ عليٍّ ﵇ ساقطٌ، فإنهُ صريحٌ في أنَّ ذلكَ واجبٌ لا مِنْ بابِ الاحتياطِ، ولأنَّ في تمامِ حديثِه: "لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يسنَّهُ"، وأما قولُه: "جلَدَ رسولُ اللهِ ﷺ أربعينَ - إلى قولِهِ - وكلٌّ سنَّةٌ" (٣) تقدَّمَ، فلعلَّهُ يريدُ أنهُ جلدَ جلْدًا غيرَ مقدَّرٍ ولا تقرَّرتْ صفتُه بالجريدِ والنعالِ والأيدي، ولِذَا قالَ أنسٌ نحوَ أربعينَ. قالَ النوويُّ في "شرحِ مسلمٍ" (٤) ما معناهُ: وأما مَنْ ماتَ في حدٍّ منَ الحدودِ غيرِ الشربِ فقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ إذَا جلدهُ الإمامُ أو جلَّادُه فماتَ فإنهُ لا دِيةَ ولا كفارةَ على الإمامِ ولا على جلَّادِهِ ولا [على] (٥) بيتِ المالِ، وأما مَنْ ماتَ بالتعزيرِ فمذهبُنا وجوبُ الضمانِ للديةِ والكفارةِ، [ثم] (٦) ذكرَ تفاصيلَ في ذلكَ مذهبيةً.

стр. 2057

وجوب الدفاع عن العرض والمال ٤/ ١١٧٨ - وَعَنْ سَعِيدٍ بْن زيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ انظر: ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [صحيح] في قتال الصائل - (وعنْ سعيدٍ بنِ زيدٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قُتِلَ دونَ مالهِ فهوَ شهيدٌ. رواهُ الأربعةُ وصحَّحَه التِّرمذيُّ). في الحديثِ دليلٌ على جوازِ الدفاعِ عنِ المالِ وهوَ قولُ الجمهورِ وشذَّ مَنْ أوجَبَهُ، فإذا قُتِلَ فهوَ شهيدٌ كما صرَّحَ بهِ هذَا الحديثُ وحديثُ مسلمٍ عنْ أبي هريرةَ: "أنهُ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ اللهِ: أرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يريدُ أَخْذَ مالي؟ قالَ: فلا تعطِهِ، قالَ: فإنْ قاتلَني؟ قالَ: فاقتلْهُ، قالَ: أرأيتَ إن قتلَني؟ قالَ: فأنتَ شهيدٌ، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلْتُهُ؟ قالَ: فهوَ في النارِ"، قالُوا: فإنْ قتلَه فلا ضمان عليهِ لعدمِ التعدي منهُ، والحديثُ عامٌّ لقليلِ المالِ وكثيرِه. وقدْ أخرجَ أبو داودَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ عنهُ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دونَ دينِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ دمِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ مالِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ أهلِه فهوَ شهيدٌ"، وفي الصحيحينِ ذكرَ المالَ فقطْ. ووجْهُ الدلالةِ أنهُ لما جعلَهُ ﷺ شهيدًا دلَّ على أنَّ لهُ القتلَ والقتالَ. قالَ في "النجمِ الوهَّاجِ": ومحلُّ ذلكَ إذا لم يجدْ ملجأ كحصنٍ ونحوِه أو استطاع الهربَ وجبَ عليهِ. قلتُ: ولا أدري ما وجْهُ وجوبِ الهربِ عليهِ، قالُوا: ولا يجبُ الدفعُ عنِ المالِ بلْ يجوزُ لهُ أنْ يتظلَّمَ، إلَّا أنهُ قدْ تقدَّمَ أنَّ علماءَ الحديثِ كالمجمعينَ على استثناءِ السلطانِ للآثارِ الواردةِ بالأمرِ بالصبرِ على جَوْرِهِ فلا يجوزُ دفاعُه عنْ أخذِ المالِ ويجبُ الدفعُ عنِ البِضْعِ لأنهُ لا سبيلَ إلى إباحتِه. قالُوا: وكذلكَ يجبُ [الدفع عن] (٢) النفسِ إنْ قَصَدَها كافرٌ لا إذا قصدَها

стр. 2058

مسلمٌ فلا يجبُ [لما تقدَّمَ قريبًا في شرحِ الحديثِ الأولِ] (١)، وصحَّ [حديث] (٢) أنَّ عثمانَ ﵁ منعَ عبيدَهُ أنْ يدفعُوا عنهُ وكانُوا أربعَ مائةٍ وقالَ: مَنْ ألقَى سلاحَه فهوَ حرٌّ، قالُوا: وخالفَ المضطرَ فإنَّ في القتلِ شهادةً بخلافِ تركِ الأكلِ، وهلْ تركُ الدفاعِ عنْ قتلِ النفسِ مباحٌ أوْ مندوبٌ؟ فيهِ خلافٌ. ما الذي ينبغي سلوكه في الفتنة ٥/ ١١٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَكُونُ فِتَنٌ، فكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ" أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنيُّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (٣) نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. [حسن لغيره] [في قتالِ الصائلِ الذي ذكرَه في الترجمةِ] (٤) (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ خبابٍ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ فموحَّدةِ مشددةٍ فألفٍ فموحدةٍ، وهوَ خبابُ بنُ الأرتِّ صحابيُّ تقدَّمتْ ترجمتُه في الصلاة في الجزء الأول (سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: تكونُ فِتَنٌ فكنْ فيها عبدَ اللهِ المقتولَ ولا تكنِ القاتلَ. أخرجَهُ ابنُ أبي خيثمةَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فمثلثةٍ (والدارقطنيُّ. وأخرجَ أحمدُ نحوَه عنْ خالدِ بنِ عُرفطةَ) (٥) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وضمِّ الفاءِ وبالطاءِ

стр. 2059

المهملةِ، وخالدٌ صحابيٌّ عِدَادُه في أهلِ الكوفةِ، رَوَى عنهُ أبو عثمانَ النهديُّ وعبدُ اللهِ بنُ يسارٍ ومسلمٌ مولاهُ، ولَّاهُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ القتالَ يومَ القادسيةِ وماتَ بالكوفةِ سنةَ ستينَ. والحديثُ قدْ أُخرجَ منْ طُرُقٍ كثيرةٍ وفيها كلُّها راوٍ لم يُسَمَّ، وهوَ رجلٌ منْ عبدِ القيسِ كانَ معَ الخوارجِ ثمَّ فارقَهم. وسببُ الحديثِ أنهُ قالَ ذلكَ الرجلُ إنَّ الخوارجَ دخلُوا قريةً فخرجَ عبدُ اللهِ بنُ خبابٍ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ ذُعْرًا يجرُّ رداءَه فقالَ: واللهِ رعبتُموني، قال ذلك مرتيْنِ، قالُوا: أنتَ عبدُ اللهِ بنُ خبابٍ صاحب رسول اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعمْ، قالُوا: هلْ سمعتَ منْ أبيكَ شيئًا تُحدِّثُنا بهِ، قالَ: سمعتُه يحدِّثُ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ : "أنهُ ذكرَ فتنةً القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ منَ الماشي، والماشي فيها خيرٌ منَ الساعي، فإنْ أدركَكَ ذلكَ فكنْ عبدَ اللهِ المقتولَ" (١)، قالُوا: أنتَ سمعتَ هذَا منْ أبيكَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعمْ، فقدَّموهُ علَى ضفةِ النهرِ فضربُوا عنقَه وبَقَرُوا أمَّ ولدِه عما في بَطْنِها. والحديثُ قدْ أخرجَهُ أحمدُ والطبرانيُّ وابنُ قانعٍ منْ غيرِ طريقِ المجهولِ إلَّا أنَّ فيهِ عليَّ بنَ زيدِ بنِ جدعانَ (٢) وفيهِ مقالٌ، ولفظُه عنْ خالدِ بنِ عُرفُطَةَ: "ستكونُ فِتْنَةٌ بعدي وأحداثٌ [واختلافٌ] (٣)، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ عبدَ اللهِ المقتولَ لا القاتلَ فافعلْ" (٤). وأخرجَ أحمدُ (٥) والترمذيُّ (٦) منْ حديثٍ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ﵁ قالَ: "فإنْ دخلَ علي بيتي وبسطَ يدَه ليقتلَني"؟ قالَ: "كنْ كابنِ آدمَ".

стр. 2060

وأخرجَ أحمدُ (١) [عن] (٢) ابنِ عمرَ بلفظِ: "ما يمنعُ أحدَكم إذا جاءَ أحدٌ يريدُ قَتْلَهُ أنْ يكونَ مِثلَ ابني آدمَ القاتلُ في النارِ والمقتولُ في الجنةِ". وأخرجَ أحمدُ (٣) وأبو داودَ (٤) وابنُ حبانَ (٥) منْ حديثٍ أبي موسَى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ في الفتنةِ: "كَسِّرُوا فيها قِسِيَّكم وأوتارَكمِ واضْرِبُوا سيوفَكم بالحجارةِ، فإنْ دُخِلَ على أحدِكم بيتَه فليكنْ كخيرِ ابنَيْ آدمَ"، وصحَّحَهُ القشيريُّ في الاقتراحِ على شرطِ الشيخينِ. والحديثُ [وما في معناه من الأحاديث التي سقناها دالة] (٦) علَى تركِ القتالِ عندَ ظهورِ الفتنِ والتحذيرِ منَ الدخولِ فيها، قالَ القرطبيُّ: اختلفَ السلفُ في ذلكَ، فذهبَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ ومحمدُ بنُ مسلمةَ وغيرُهم إلى أنهُ يجبُ الكفُّ عنِ المقاتلةِ، فمنْهم مَنْ قالَ: إنهُ يجبُ عليهِ أنْ يلزمَ بيتَه، وقالتْ طائفةٌ: يجبُ عليهِ التحولُ منْ بلدِ الفتنةِ أصلًا، ومنْهم مَنْ قالَ: يتركُ المقاتلةَ وهوَ قولُ الجمهورِ وشذَّ مَنْ أوجَبَهُ حتَّى لو أرادَ أحدُهم قتلَه لم [يدفعْهُ] (٧) عنْ نفسهِ، ومنْهم مَنْ قالَ: يدافعُ عنْ نفسهِ وعنْ أهلِه وعنْ مالِهِ وهوَ معذورٌ [سواء] (٨) قَتَلَ أو قُتِلَ (٩) [وهو الحق] (١٠). وذهبَ جمهورُ الصحابةِ والتابعينَ إلى وجوبِ نصرِ الحقِّ وقتالِ الباغينَ وحملُوا هذهِ الأحاديثَ علَى مَنْ ضَعُفَ عنِ القتالِ أو قصرَ نظرُه عنْ معرفةِ الحقِّ، وقالَ بعضُهم بالتفصيلِ، وهوَ أنهُ إذا كانَ القتالُ بينَ طائفتينِ لا إمامَ لهمْ فالقتالُ حينئذٍ ممنوعٌ، وتنزَّلُ الأحاديثُ على هذَا وهو قولُ الأوزاعيِّ.

стр. 2061

وقالَ الطبريُّ: إنكارُ المنكرِ واجبٌ على مَنْ يقدرُ عليهِ، فمنْ أعانَ المحقَّ أصابَ، ومَنْ أعانَ المبطلَ أخطأَ، وإنْ أشكلَ الأمرُ فهيَ الحالةُ التي وردَ النَّهيُ عنِ القتالِ فيها، وقيلَ: إنَّ النهيَ إنَّما هوَ في آخرِ الزمانِ حيثُ تكونُ المقاتلةُ [لغيرِ الدين] (١). وفيهِ دليلٌ علَى أنهُ لا يجبُ الدفاعُ عنِ النفسِ، وقولُه: إنِ استطعتَ، يدلُّ على أنَّها لا تحرمُ المدافعةُ وأنَّ النَّهْيَ للتنزيهِ لا للتحريمِ. * * *

стр. 2062

[الكتاب الثالث عشر] كتابُ الجهَادِ الجهادُ مصدرُ جاهدتُ جهادًا، أي بلغتُ المشقةَ، هذا معناهُ لغةً، و [شرعًا] (١): بذلُ الجهدِ في قتالِ الكفارِ أو البغاةِ. وجوب العزم على الجهاد ١/ ١١٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفسَهُ بهِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ مِنْ نِفَاقِ"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (٢). [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ ماتَ ولم يغزُ ولم يحدِّثْ نفسَهُ بهِ) - أي بالغزو (ماتَ على شعبةٍ منْ نفاقٍ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على وجوبِ العزمِ على الجهادِ، وألحقُوا بهِ فعلَ كلِّ واجبٍ، قالُوا: فإنْ كانَ منَ الواجباتِ المطلقةِ كالجهادِ وجبَ العزمُ على فِعْلِهِ عندَ إمكانِه، وإنْ كانَ منَ الواجباتَ المؤقتةِ وجبَ العزمُ على فعلهِ عندَ دخولِ وقتهِ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الأصولِ (٣). وفي المسألةِ خلافٌ معروفٌ، ولا يخْفَى أنَّ

стр. 2063

المرادَ منَ الحديثِ هُنَا أنَّ مَنْ لم يغزُ بالفعلِ ولمْ يحدِّثْ نفسَه بالغزوِ ماتَ على خصلةٍ منْ خصالِ النفاقِ. فقولُه: ولمْ يحدِّثْ نفسَه لا يدلُّ على العزمِ الذي معناهُ عقدُ النيةِ على الفعلِ بلْ معناهُ هُنَا لم يخطرْ ببالِه حينًا من الأحيان أنْ يغزوَ ولا حدَّثَ بهِ نفسَه ولو ساعةً منْ عُمُرِهِ، فلو حدَّثَها بهِ وأخطرَ الخروجَ للغزوِ ببالهِ حينًا منَ الأحيانِ خرجَ عن الاتصافِ بخصلةٍ منْ خصالِ النفاقِ، وهوَ نظيرُ قولِه ﷺ : "ثمَّ صلَّى ركعتينِ لا يحدِّثُ فيهمَا نفسَه" (١)، أي لم يخطرْ ببالِه شيءٌ منَ الأمورِ، وحديثُ النفسِ غيرُ العزمِ وعقدِ النيةِ. ودلَّ على أنَّ مَنْ حدَّثَ نفسَه بفعلِ طاعةٍ ثمَّ ماتَ قبلَ فِعْلِها أنهُ لا يتوجَّهُ عليهِ عقوبةُ مَنْ لمْ يحدِّثْ نَفسَه بها أصلًا. وجوب الجهاد بالنفس ٢/ ١١٨١ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكينَ بأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: جاهِدُوا المشركينَ بأموالِكُم وأنفسِكم وألسنتِكم. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ).

стр. 2064

الحديثُ دليلٌ على وجوبِ الجهادِ بالنفسِ وهوَ بالخروجِ والمباشرة للكفارِ، وبالمالِ وهوَ بَذْلُه لما يقومُ بهِ منَ النفقةِ في الجهادِ والسلاح ونحوهِ، وهذا هو [المراد] (١) منْ عِدَّةِ آياتٍ في القرآنِ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). والجهادُ باللسانِ بإقامةِ الحجةِ عليهمْ ودعائِهم إلى اللهِ تعالَى، وبالأصواتِ عندَ اللقاءِ والزجرِ ونحوِه منْ كلِّ ما فيه نكايةٌ للعدوِّ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٣)، وقالَ ﷺ لحسانَ: "إنَّ هجْوَ الكفارِ أشدُّ عليهمْ منْ وقعِ النبلِ". ٣/ ١١٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، هُوَ الْحَجُّ والْعُمْرَةُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (٥). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالَتْ: قلتُ يا رسولَ اللهِ علَى النساءِ جهادٌ؟) هوَ خَبَرٌ في معنَى الاستفهامِ، وفي روايةٍ: أَعَلَى النساءِ؟ (قالَ: نعمْ جهادٌ لا قتالَ فيهِ الحجُّ والعمرةُ. رواهُ ابنُ ماجهْ وأصلُه في البخاريِّ) بلفظِ: "قالتْ عائشةُ: استأذنتُ النبيَّ ﷺ في الجهادِ فقالَ: جهادكنَّ الحجُّ"، وفي لفظٍ لهُ آخرَ: "سأله نساؤه فقالَ: نعمْ الجهادُ الحجُّ"، وأخرجَ النسائيُّ عنْ أبي هريرةَ: جهادُ الكبيرِ - أي العاجزِ - والمرأةِ والضعيفِ الحجُّ (٦). دلَّ ما ذكرَ [من الروايات] (٧) علَى أنهُ لا يجبُ الجهادُ على المرأةِ، وعلَى أنّ الثوابَ الذي يقومُ مقامَ ثوابِ جهادِ الرجالِ حجُّ المرأةِ وعمرتُها، ذلكَ لأنَّ النساءَ مأموراتٌ بالسترِ والسكونِ، والجهادُ ينافي ذلكَ، إذْ فيهِ مخالطةُ الأقرانِ والمبارزةُ ورفعُ الأصواتِ، وأما جوازُ الجهادِ لهنَّ فلا دليلَ في الحديثِ على عدمِ

стр. 2065

الجوازِ، وقدْ أردفَ البخاريُّ هذَا البابَ ببابِ خروجِ النساءِ للغزوِ وقتالهِنَّ وغيرِ ذلكَ (١). وأخرجَ مسلمٌ منْ حديثِ أنسٍ: "أنَّ أمَّ سليمٍ اتخذتْ خِنْجَرًا يومَ حُنَيْنٍ وقالتْ للنبيِّ ﷺ : اتخذتُه إنْ دنا منِّي أحدٌ منَ المشركينَ بقرتُ بَطْنَهُ" (٢)، فهوَ يدلُّ على جوازِ القتالِ وإنْ كانَ فيهِ ما يدلُّ على أنَّها لا تقاتلُ إلَّا مُدَافَعَةً، وليسَ فيها أنَّها تقصدُ العدوَّ إلى صفِّهِ وطلبِ مبارزتِه، وفي البخاريِّ ما يدلُّ على أنَّ جهادَهُنَّ إذا حَضَرْنَ مواقفَ الجهادِ سقيُ الماءِ، ومداواةُ الجرحى ومناولةُ السِّهامِ (٣). بر الوالدين أفضل من الجهَاد ٤/ ١١٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵂ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ في الْجِهَادِ. فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمر ﵄ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ يستأذنُ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والدَاكَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: ففيهمَا فجاهدْ. متفقٌ عليهِ). سمَّى إتعابَ النفسِ في القيامِ بمصالحِ الأبويْنِ [وإرغام النفس] (٥) في طلبِ ما يرضيْهمَا وبذلَ المال في قضاءِ حوائِجهماجهادًا منْ بابِ المشاكَلَةِ لما أستأذَنَهُ في الجهادِ منْ بابِ قولِه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٦)، ويحتملُ أنْ يكونَ مجازًا بعلاقةِ الضديةِ لأنَّ الجهادَ فيهِ إنزالُ الضررِ بالأعداءِ فاسْتُعْمِلَ في إنزالِ النفعِ بالوالديْنِ.

стр. 2066

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يسقطُ فرضُ الجهادِ معَ وجودِ الأبويْنِ أو أحدِهما لما أخرجَهُ أحمدُ (١) والنسائيُّ (٢) منْ طريقِ معاويةَ بنِ جاهمةَ أنَّ أباهُ جاهمةَ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أردتُ الغزوَ وجئتُ لأستشيركَ، فقالَ: "هلْ لكَ منْ أمِّ؟ " قالَ: نعمْ، قالَ: "الزمْها". وظاهرُه سواءٌ كانَ الجهادُ فرضَ عينٍ أوْ فرضَ كفايةٍ، وسواءٌ تضررَ الأبوانِ بخروجِه أَوْ لا. وذهبَ الجماهيرُ منَ العلماءِ إلى أنهُ يحرمُ الجهادُ على الولدِ إذا منعهُ الأبوانِ أو أحدُهما بشرطِ أنْ يكونا مسلميْنِ، لأنَّ برَّهُما فرضُ عينٍ والجهادُ فرضُ كفايةٍ، فإذا تعيَّنَ الجهادُ فلا يشترط إذنهما، (فإن قيلَ): برُّ الوالدينِ فرضُ عينٍ والجهادُ عندَ تعيينِه فرضُ عينٍ فَهُمَا مستويانِ فما وجْهُ تقديمِ الجهادِ؟ قلتُ: لأنَّ مصلحتَهُ أعمُّ، إذْ هيَ لحفظِ الدينِ والدفاعِ عنِ المسلمينَ فمصلحتُه عامةٌ مقدَّمةٌ على غيرِها، وهوَ يقدَّمُ على مصلحةِ حفظِ البدنِ. وفيهِ دلالةٌ على عِظَمِ برِّ الوالدينِ فإنهُ أفضلُ منَ الجهادِ، وأنَّ المستشارَ يشيرُ بالنصيحةِ المحضةِ، وأنهُ ينبغي لهُ أنْ يستفصلَ من يستشير ليدله على ما هوَ الأفضلُ. ٥/ ١١٨٤ - وَلأَحْمَدَ (٣) وَأَبي دَاوُدَ (٤) مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ نحوُهُ، وَزَادَ: "ارْجِع فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا". [حسن] (ولأحمدَ وأبي داودَ منْ حديثٍ أبي سعيدٍ نحوُهُ) في الدلالةِ على أنهُ لا يجبُ عليهِ الجهادُ ووالداهُ في الحياةِ إلَّا بإذنِهمَا كما دلَّ لهُ قولُه: (وزادَ) أي أبو سعيدٍ

стр. 2067

في روايةٍ: (ارجعْ فاستأْذنْهما فإنْ أَذِنا لكَ) بالخروجِ للجهادِ (وإلا فبرَّهُما) بعدمِ الخروجِ للجهادِ وطاعتِهما. وجوب الهجره من ديار المشركين ٦/ ١١٨٥ - وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِم يُقِيمُ بَينَ الْمُشْرِكينَ". رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجّحَ الْبُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ (١). [صحيح بشواهده] (وعنْ جريرِ البجلي ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : أنا بريءٌ منْ كلِّ مسلمٍ يقيمُ بينَ المشركينَ: رواهُ الثلاثةُ وإسنادُه صحيحٌ ورجَّحَ البخاريُّ إرسالَهُ)، وكذلك رجّحَ أبو حاتمٍ وأبو داودَ والترمذيُّ والدارقطنيُّ إرسالَهُ إلى قيسِ بنِ حازمٍ. ورواهُ الطبرانيُّ موصُولًا (٢). والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الهجرةِ منْ ديارِ المشركينَ منْ غيرِ مكةَ وهوَ مذهبُ الجمهورِ لحديثِ جريرٍ، ولما أخرجَهُ النسائيُّ (٣) منْ طريقِ بهزِ بنِ حكيمٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ مرفُوعًا [بلفظ] (٤): "لا يقبلُ اللهُ منْ مشركٍ عملًا بعدَ ما أسلمَ

стр. 2068

أوْ يفارقُ المشركينَ"، ولعمومِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) الآيةَ، وذهبَ الأقلُّ إلى أنَّها لا تجبُ الهجرةُ وأنَّ الأحاديثَ والآيةَ منسوخةٌ للحديثِ الآتي وهوَ قولُه: ٧/ ١١٨٦ - وَعَنْ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيةٌ. متفقٌ عليهِ). قالُوا: فإنهُ عامٌّ ناسخٌ لوجودِ الهجرةِ الدالِّ عليهِ ما سبقَ، وبأنهُ ﷺ لم يأمرْ مَنْ أسلمَ منَ العربِ بالمهاجرةِ إليهِ ولمْ ينكرْ عليهمْ مقامَهم ببلدِهمْ، ولأنهُ ﷺ كانَ إذا بعثَ سريةً قالَ لأميرِهمْ: "إذا لقيتَ عدوَّكَ منَ المشركينَ فادْعُهم إلى ثلاثِ خلالٍ فأيتُهُنَّ أجابوكَ فاقبلْ منْهم وكُفَّ عنْهم، ثمَّ ادْعُهُمْ إلى التحولِ عنْ دارِهِم إلى دارِ المهاجرينَ، وأعلمْهُم أنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ أنَّ لهمْ ما للمهاجرينَ وعليهمْ ما على المهاجرينَ، فإنْ أَبَوْا واختارُوا دارَهم فأعلمْهُم أنَّهم يكونونَ كأعرابِ المسلمينَ يجري عليهمْ حكمُ اللهِ تعالَى الذي يجري على المؤمنينَ"، الحديثُ [سيأتي] (٣) بطولِه (٤) فلم يوجبْ عليهمْ الهجرةَ. والأحاديثُ غيرَ حديثِ ابنِ عباسٍ محمولةٌ على مَنْ لم يأمنْ على دينِه، قالُوا: وفي هذا جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ. وأجابَ مَنْ أوجبَ الهجرةَ بأنَّ حديثَ لا هجرةَ مراد بهِ نفيُها عنْ مكةَ كما يدلُّ لهُ قولُه بعدَ الفتحِ، فإنَّ الهجرةَ كانتْ واجبةً منْ مكةَ قبلَه، وقالَ ابنُ العربيِّ (٥): الهجرةُ هي الخروجُ منْ دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ وكانتْ فرضًا في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ واستمرتْ بعدَه لمنْ خافَ على نفسِه، والتي انقطعتْ بالأصالةِ هيَ القصدُ إلى النبيِّ ﷺ حيثُ كانَ.

стр. 2069

وقولُه: "ولكنْ جهادٌ ونيةٌ"، قالَ الطيبيُّ (١) وغيرُه: "هذا الاستدراكُ يقتضي مخالفةَ حكمِ ما بعدَه لما قبلَه، والمعنَى أنَّ الهجرةَ التي هيَ مفارقةُ الوطنِ التي كانتْ مطلوبةً على الأعيانِ إلى المدينةِ قدِ انقطعتْ، إلَّا أنَّ المفارقةَ بسببِ الجهادِ باقيةٌ، وكذلكَ المفارقةُ بسببِ نيةٍ صالحةٍ كالفرارِ منْ دارِ الكفرِ والخروجِ في طلبِ العلمِ والفرارِ منَ الفتنِ، والنيةُ في جميعِ ذلكَ مُعْتَبَرةٌ. وقالَ النوويُّ (٢): المعنَى أنَّ الخيرَ الذي انقطعَ بانقطاع الهجرةِ يمكنُ تحصيلُه بالجهادِ والنيةِ الصالحةِ. وجهادٌ معطوفٌ بالرفعِ على محلِّ اسمِ لا. الإخلاص في الجهاد واجب ٨/ ١١٨٧ - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي مَوسَى الأشعريِّ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : مَنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا فهوَ في سبيلِ اللهِ، متفقٌ عليهِ). وفي الحديثِ هُنَا اختصارٌ، ولفظُه: "عنْ أبي موسَى أنهُ قالَ أعرابيٌّ للنبيِّ ﷺ : الرجلُ يقاتلُ للمغنَم، والرجلُ يقاتلُ ليُذكر، والرجلُ يقاتلُ لِيُرَى مكانَه، فمنْ في سبيلِ اللهِ؟ قَالَ مَنْ قاتلَ" الحديثَ. والحديثُ دليلٌ علَى أنَّ القتالَ في سبيلِ اللهِ يكتبُ أجرُه لمنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا، ومفهومُه أنَّ مَنْ خَلَا عنْ هذهِ الخصلةِ فليسَ في سبيلِ اللهِ وهوَ مِنْ مفهومِ الشرطِ، [ويبقى] (٤) الكلامُ فيما إذا انضمَّ إليها قصدُ غيرِها وهوَ المغنَمُ مَثَلًا، هلْ هوَ في سبيلِ اللهِ أَوْ لَا؟. قالَ الطبريُّ: إنهُ إذا كانَ أصلُ المقصدِ إعلاء كلمةِ اللهِ لم يضرَّ ما حصلَ

стр. 2070

منْ غيرِه ضِمْنًا، وبذلكَ قالَ الجمهورُ. والحديثُ يحتملُ أنهُ لا يخرجُ عنْ كونهِ في سبيلِ اللهِ معَ قصدِ التشريكِ؛ لأنهُ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العُلْيا ويتأيدُ بقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، فإنَّ ذلكَ لا ينافي فضيلةَ الحجِّ، فكذلكَ في غيرِه، فَعَلَى هذَا العمدةُ [الباعثُ] (٢) على الفعلِ، فإنْ كانَ هوَ إعلاءَ كلمةِ اللهِ لم يضرَّهُ ما انضافَ إليهِ ضمنًا، وبقيَ الكلامُ فيما [لو] (٣) اسْتَوى القصْدانِ فظاهرُ الحديثِ والآيةِ أنهُ لا يضرُّ، إلَّا أنهُ أخرجَ أبو داودَ (٤) والنسائيُّ (٥) منْ حديثِ أبي أمامةَ ﵁ بإسنادٍ جيدٍ قالَ: "جاءَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجلًا غَزَا يلتمسُ الأجْرَ والذِّكْرَ، ما لَهُ؟ قالَ: لا شيءَ لهُ فأعادَها ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ: لا شيءَ لهُ، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ اللهَ (تعالى) لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ خالِصًا وابتُغي بهِ وجْهَهُ". قلتُ: فيكونُ هذا دليلًا علَى أنهُ إذا اسْتَوى الباعثانِ الأجرُ والذكرُ مثلًا بطلَ الأجْرُ، ولعلَّ بُطْلَانَهُ هنا لخصوصيةِ طلبِ الذِّكر، لأنه انقلب عملُه للرياء، والرياءُ مبطلٌ لما يشاركُه بخلافِ طلبِ المغنَمِ فإنهُ لا ينافي الجهادَ، بلْ إذا قصدَ بأخذِ المغنم إغاظةَ المشركينَ والانتفاعَ بهِ على الطاعةِ كانَ لهُ أجرٌ، فإنهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٦)، والمرادُ النيلُ المأذونُ فيهِ شَرْعًا، وفي قولِه ﷺ : "مَنْ قَتلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ" (٧) قبلَ القتالِ دليلٌ علَى أنهُ لا ينافي [قصدُ المغنمِ] (٨) القتالَ، بلْ ما قالَه إلَّا ليجتهدَ السامعُ في قتالِ المشركينَ.

стр. 2071

وفي البخاريِّ (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ: قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "انتدبَ اللهُ لمَنْ خرجَ في سبيلهِ لا يُخْرجُهُ إلَّا إيمانٌ بي وتصديقٌ برسولي أنْ أُرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أوْ غنيمةٍ أوْ أُدْخِلَهُ الجنةَ"، ولا يَخْفَى أنَّ هذهِ الأخبارَ دليلٌ على جوازِ تشريكِ النيةِ، إذِ الإخبارُ بهِ يقتضي ذلكَ غالبًا، ثمَّ إنهُ قدْ يقصدُ المشركونَ لمجردِ نَهْبِ أموالِهم كما خرج رسولُ اللهِ ﷺ بمنْ معهُ في غزاةِ بدرِ لأَخْذِ عيرِ المشركينَ، ولا ينافي ذلكَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا بلْ ذلكَ منْ إعلاءِ كلمةِ اللهِ تعالَى وأقرَّهم اللهُ تعالَى علَى ذلكَ، بلْ قالَ تعالَى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٢)، ولم يذمَّهُم بذلكَ معَ أنَّ في [هذا] (٣) الإخبارِ إخبارًا لهمْ بمحبَّتِهِمْ للمالِ دونَ القتالِ، فإعلاءُ كلمةِ اللهِ يدخلُ فيهِ إخافةُ المشركينَ وأَخْذُ أموالِهم وقَطْعُ أشجارِهم ونحوُهُ. وأما حديثُ أبي هريرةَ عندَ أبي داودَ (٤): "أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ يريدُ الجهادَ في [سبيلِ اللهِ] (٥) وهوَ يبتغي عَرَضًا منَ الدنيا، فقالَ: لا أَجْرَ لهُ، فأعادَ عليهِ ثلاثًا كلُّ ذلكَ يقولُ: لا أَجْرَ لهُ"، فكأنهُ فهمَ ﷺ أنَّ الحامِلَ هوَ الغَرَضُ منَ الدنيا فأجابَهُ بما أجابَ، وإلَّا فإنهُ قدْ كانَ تشريكُ الجهادِ [بطلبه] (٦) الغنيمةِ أمرًا معروفًا في الصحابةِ، فإنهُ أخرجَ الحاكمُ (٧) والبيهقيُّ (٨) بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جحشٍ يومَ أُحُدٍ قالَ: اللهمَّ ارزقْني رَجُلًا شديدًا أقاتلُه ويقاتلُني ثمَّ ارزُقْني عليهِ الصبرَ حتَّى أقتلَه وآخذَ سَلَبَهُ. فهذَا يدلُّ على أنَّ طلبَ العَرَضِ منَ الدنيا معَ الجهادِ كانَ أمرًا معلومًا جوازُهُ للصحابةِ فيدعونَ اللهَ بِنَيْلِهِ. ثبوت حكم الهجرة ٩/ ١١٨٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا

стр. 2072

تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). [صحيح] ترجمة عبدالله بن السعدي (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ السعدي ﵁) (٣) هوَ أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ السعديِّ وفي اسمِ السعدي أقوالٌ، وإنَّما قيلَ لهُ السعديُّ لأنهُ كانَ مسترضعَاً في بني سعدٍ. سكنَ عبدُ اللهِ الأردنَّ ومات بالشامِ سنةَ خمسينَ على قولٍ. لهُ صُحْبَةٌ وروايةٌ [قالَهُ] (٤) ابنُ الأثيرِ، ويقالُ فيهِ: ابنُ السعدي المالكي نسبةً إلى جدِّهِ، ويُقَالُ فيهِ: الساعديِّ كما في أبي داودَ. (قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تنقطعُ الهجرةُ ما قوتلَ العدوُّ. رواهُ النسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، دلَّ الحديثُ على ثبوتِ حكمِ الهجرةِ وأنهُ باقٍ إلى يومِ القيامةِ، فإنَّ قتالَ العدوِّ مستمرٌّ إلى يومِ القيامةِ، ولكنَّهُ لا يدلُّ على وجوبِها ولا كلامَ في ثوابِها معَ حصولِ مقتضيها، وأما وجوبُها ففيهِ ما عرفْتَ. الإغاره على العدو بلا إنذار ١٠/ ١١٨٩ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيْهم، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، وَفِيهِ: وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. [صحيح]

стр. 2073

ترجمة نافع مولى ابن عمر (وعنْ نافعٍ) (١) هوَ مَوْلَى ابنِ عمرَ، يُقَالُ لهُ: أبو عبدِ اللهِ نافعُ بنُ سَرْجِسٍ بفتحِ السينِ وسكونِ الراءِ وكسرِ الجيمِ، كانَ منْ كبارِ التابعينَ مِنْ أهل المدينة، سمعَ ابنَ عمرَ وأبا سعيدٍ، وهوَ منَ الثقاتِ المشهورينَ [بالحديثِ] (٢) المأخوذِ عَنْهم، ماتَ سنةَ سبعَ عَشْرَةَ ومائةٍ وقيلَ عشرينَ. (قالَ: أغارَ رسولُ اللهِ ﷺ على بني المصطلق) بضمِّ الميمِ وسكونِ المهملةِ وفتحِ الطاءِ وكسر اللامِ بعدَها قافٌ، بطنٌ شهيرٌ منْ خُزَاعَةَ (وهمْ غارُّونَ) بالغينِ المعجمةِ وتشديدِ الراءِ جَمْعُ غارٍ، أي غافلونَ، فأخذَهم على غرَّةٍ (فقتلَ مقاتلَتهم وسَبَى ذراريْهم. حدثني بذلكَ عبدُ اللهِ بنِ عمرَ: متفقٌ عليهِ، وفيهِ: وأصابَ يومئذٍ جويريةَ) فيهِ مسألتانِ: الأولَى: الحديثُ دليلٌ على جوازِ المقاتلةِ قبلَ الدعاءِ إلى الإسلامِ في حقِّ الكفَّارِ الذينِ قدْ بلغتْهمْ الدعوةُ منْ غيرِ إنذارٍ، وهذا أصحُّ الأقوالِ الثلاثةِ في المسألةِ وهيَ عدمُ وجوبِ الإنذارِ مُطْلَقًا، ويردُّ عليهِ حديثُ بريدةَ الآتي (٣)، الثاني: وجوبُه مطلقًا، ويردُّ عليهِ [هذا] (٤) الحديثُ. الثالثُ: يجبُ إنْ لم تبلغْهُمُ الدعوةُ ولا يجبُ إنْ بلغتْهم ولكنْ يُسْتَحَبُّ، قالَ ابنُ المنذرِ: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وعلَى معناهُ تضافرت الأحاديثُ الصحيحةُ وهذا أحدُها. وحديثُ كعبِ بنِ الأشرفِ (٥)، وَقَتْلُ ابنِ أبي الحقيقِ (٦) وغيرُ ذلكَ. وادَّعى في "البحر" (٧) الإجماعَ علَى وجوبِ دعوةِ مَنْ لم تبلغْهُ دعوةُ الإسلامِ. [المسألة] (٨) الثانيةُ: في قولِه: "وسبى ذراريْهم"، دليلٌ على جوازِ استرقاقِ

стр. 2074

العربِ، لأنَّ بني المصطلقِ عَرَبٌ من خزاعة وإليه ذهب جمهور العلماء، وقال به مالك وأصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ جوازِ استرقاقِهم وليسَ لهم دليلٌ ناهضٌ، ومَنْ طالعَ كتبَ السِّيَرِ والمغازي علمَ يقينًا استرقاقَهُ ﷺ للعربِ غيرِ الكتابيينَ كهوازن وبني المصطلقِ، وقالَ لأَهْلِ مكةَ: اذهبُوا فأنتُم الطلقاءُ (١)، وفادَى أهلَ بدرٍ، والظاهرُ أنهُ لا فرقَ بينَ الفداءِ والقتلِ والاسترقاقِ لثبوتِها في غيرِ العربِ قطعًا، وقدْ ثبت فيهمْ ولم يصحَّ تخصيصٌ ولا نَسْخٌ، قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا أذهبُ إلى قولِ عمرَ ليسَ علَى عربيٍّ مُلْكٌ، وقدْ سَبَى النبيُّ ﷺ مِنَ العربِ كما وردَ في غيرِ حديثٍ (٢). وأبو بكرٍ (٣) وعليٌّ (٤) ﵄ سَبَيَا بني [حنيفة] (٥) ويدلُّ له الحديثُ الآتي:

стр. 2075

وصايا النبي ﷺ لأمراء الجيوش ١١/ ١١٩٠ - وَعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمّ قَالَ: "اغْزُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرينَ، فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ في الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيهِمْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُم. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذمَّةَ اللهِ وَذِمّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفُرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفُرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ سليمانَ بنِ بريدةَ عنْ أبيهِ قالَ: كانَ رسول اللهِ إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ) همُ الجندُ أو السائرونَ إلى الحربِ أو غيرِه (أوْ سريةٍ) هي القطعةُ منَ الجيشِ تخرجُ منهُ تغيرُ على العدوِّ وترجعُ إليهِ (أوصاهُ بتقْوى اللهِ، وأوصاه بمنْ معة منَ المسلمينَ خيرًا، ثمَّ قالَ: اغزُوا على اسمِ اللهِ تعالَى في سبيلِ اللهِ تعالى، قاتِلُوا مَنْ كفرَ باللهِ، اغزُوا ولا تغُلُّوا) بالغينِ المعجمةِ، والغلولُ الخيانةُ في المغنَمِ مُطْلَقًا (ولا تغدُروا) الغدرُ ضدُّ الوفاءِ (ولا تمثِّلُوا) منَ الْمُثْلَةِ، يقالُ: مُثِّلَ بالقتيلِ إذا قُطِعَ أنفُه أو أُذُنُهُ أو مذاكيرُه أوْ شيئًا منْ أطْرافِهِ، (ولا تقتلُوا وليدًا)، المرادُ غيرُ البالغِ سنَّ

стр. 2076

التكليفِ (وإذا لقيتَ عدوَّكَ منَ المشركينَ فادْعُهم إلى ثلاثِ خصالٍ) أي إلى إحْدَى ثلاث [كما يدل له قوله]: (فَأَيَّتُهُنَّ أجابُوكَ إليها فاقبلْ منْهم وكُفَّ عنْهم) أي القتالَ. [وبيَّنَ الثلاث الخصال] (١) بقولِه: (ادْعُهم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منْهم، ثمَّ [ادْعُهم] (٢) إلى التحوُّلِ منْ دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ فإنْ أَبَوْا فأخبرَهُم بأنَّهم يكونونَ كأعرابِ المسلمينَ) وبيانُ حكمِ أعرابِ المسلمينَ قولُه: (ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ) الغنيمةُ ما أُصِيبَ منْ مالِ أهلِ الحربِ وأوجفَ عليهِ المسلمونَ بالخيلِ والرِّكَابِ (والفيءِ) هوَ ما حصلَ للمسلمينَ منْ أموالِ الكفار منْ غيرِ حربٍ ولا جهادٍ (شيءٌ إلَّا أنْ يجاهدُوا معَ المسلمينَ، فإنْ هُمْ أَبَوْا) أي الإسلامَ (فاسألْهمُ الجزيةَ) هيَ الخصلةُ الثانيةُ منَ الثلاثِ (فإنْ همْ أجابوكَ فاقْبَلْ منْهم، وإنْ هُمْ أَبَوْا فاستعنْ عليهمْ باللهِ وقاتِلْهم) وهذهِ هيَ الخصلةُ الثالثةُ. (وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوكَ أنْ تجعلَ لهمْ ذِمَّةَ اللهِ وذمةَ نبِّيهِ فلا تفعلْ ولكنِ اجعلْ لهم ذِمَّتَكَ) علَّلَ النَّهيَ بقولِه: (فإنكُمْ إن تَخْفُرُوا) بالخاءِ المعجمةِ والفاءِ والراءِ من أَخْفَرْتَ الرجلَ إذا نَقَضْتَ عَهْدَهُ وذِمَامَهُ (ذِمَمَكم أهونُ مِنْ أن تخفُروا ذمةَ اللهِ، وإذا أرادوكَ أنْ تنزلَهم على حكمِ اللهِ فلا تفعلْ بلْ على حُكْمِكَ) علَّلَ النَّهْيَ بقولِه: (فإنكَ لا تدري أتصيبُ فيهمْ حكمَ اللهِ أمْ لا. أخرجَهُ مسلمٌ). في الحديثِ مسائلُ: الأُولَى: دلَّ على أنهُ إذا بعثَ الأميرُ مَنْ يغزُو أَوْصَاهُ بتقْوى اللهِ وبمنْ يصحَبُهُ مِنَ المجاهدينَ خَيْرًا، ثمَّ يخبرهُ بتحريمِ الغُلولِ منَ الغنيمةِ وتحريمِ الغدْرٍ وتحريمِ المُثْلَةِ وتحريمِ قتلِ صبيانِ المشركينَ، وهذهِ محرماتٌ بالإجماعِ، [ويدل] (٣) علَى أنهُ يدعُو الأميرُ المشركينَ إلى الإسلام قبلَ قتالِهم وظاهرُه وإنْ كانَ قدْ بلغتْهمُ الدعوةُ [لكنها] (٤) معَ بلوغِها [تحمل] (٥) علَى الاستحبابِ كما دلَّ لهُ إغارتُه ﷺ على بني المصطلقِ وهمْ غارّونَ وإلا وجبَ دعاؤُهم. وفيهِ دليلٌ على دعائِهم إلى الهجرةِ بعدَ إسلامِهم وهوَ مشروعٌ نَدْبًا بدليلٍ ما

стр. 2077

في الحديثِ منَ الإذنِ لهمْ في البقاءِ، وفيهِ دليلٌ على أنَّ الغنيمةَ والفيءَ لا يستحقها إلَّا المهاجرونَ وأنَّ الأعرابَ لا حقَّ لهم فيها إلَّا أنْ يحضُروا الجهادَ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ وذهبَ غيرُه إلى خلافِه وادَّعُوا نسخَ الحديثِ ولم يأتُوا ببرهانٍ على نسخِه. المسألةُ الثانيةُ: في الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجزيةَ تؤخذُ منْ كلِّ كافرٍ كتابيٍّ وغيرِ كتابيٍّ، عربي وغيرِ عربيٍّ، لقولِه: "عدوَّكَ" وهوَ عامٌّ، وإلى هذا ذهبَ مالكٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما، وذهبَ الشافعيُّ إلى أَنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أهلِ الكتابِ والمجوسِ عَرَبًا كانُوا أو عجمًا لقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ (١) بعدَ ذكرِ أهلِ الكتابِ، ولقولِه ﷺ : "سنُّوا بهمْ سُنَّةَ أهلِ الكتاب" (٢)، وما عدَاهُم داخلونَ في عموم قولِه تعالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣)، وقولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤)، [وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٥)] (٦)، واعتَذَرُوا عنِ الحديثِ بأنهُ واردٌ قبلَ فتحِ مكةَ بدليلٍ الأمرِ بالتحولِ والهجرةِ، والآياتُ بعدَ الهجرةِ، فحديثُ بريدةَ منسوخٌ أوْ [مؤوَّل] (٧) بأنَّ المرادَ [من عدوك] (٨) مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الكتابِ. قلتُ: الذي يظهرُ عمومُ أَخْذِ الجزيةِ منْ كلِّ كافرٍ لعمومِ حديثِ بريدةَ هذا،

стр. 2078

وأما الآيةُ فأفادتْ أَخْذَ الجزيةِ منْ أهلِ الكتابِ ولم تتعرضْ لأخْذِها منْ غيرِهِم ولا لعدمِ أَخْذِها، والحديثُ بيَّنَ أَخذَها منْ غيرِهم، وحَمْلُ عدوِّكَ علَى أهلِ الكتابِ في غايةِ البعدِ وإنْ قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: إنْ آيةَ الجزيةِ إنما نزلتْ بعدَ انقضاءِ حربِ المشركينَ وَعَبَدَةِ الأوثانِ ولم يبقَ بعدَ نُزُولِها إلَّا أهلُ الكتابِ، قالَه تقويةً لمذهبِ إمامِه الشافعيِّ، ولا يَخْفَى بطلانُ دعواهُ بأنهُ لم يبقَ بعدَ نزولِ آيةِ الجزيةِ إلَّا أهلُ الكتابِ، بلْ بقيَ عُبَّادُ النيرانِ منْ أهلِ فارسَ وغيرِهم، وعُبَّادُ الأصنامِ منْ أهلِ الهندِ. وأما عدمُ أخذِها منَ العربِ فإنَّها لم تُشْرَعْ إلَّا بعدَ الفتحِ وقدْ دخلَ العربُ في الإسلامِ ولم يبقَ منْهم عدو يحارب فلم يبقَ [منهم] (١) بعدَ الفتح مَنْ يُسْبَى ولا مَنْ تضربُ عليهِ الجزيةُ، بلْ مَنْ خرجَ بعدَ ذلكَ عنِ الإسلامِ منهم فليسَ إلَّا السيفُ أوِ الإسلامُ كما ذلكَ الحكمُ في أهلِ الرِدَّةِ، وقدْ سَبَى ﷺ قبلَ ذلكَ منَ العربِ بني المصطلقِ وهوازنَ، وهلْ حديثُ ألاستبراءِ إلَّا في سبايا أوطاسٍ (٢)، واستمرَّ هذا الحكمُ بعدَ عَصْرِهِ ﷺ ففتحتِ الصحابةُ ﵃ بلادَ فارسَ والرومِ وفي رعاياهُم العربُ خصوصًا الشامُ والعراقُ ولم يبحثُوا عنْ عربيٍّ منْ عجميٍّ بلْ عمَّمُوا حُكْمَ السبي والجزيةِ على جميعِ مَنِ استَوْلَوْا عليهِ. وبِهذَا يعرفُ أنَّ حديثَ بريدةَ كانَ بعدَ نزولِ فرضِ الجزيةِ وفرضُها كانَ بعدَ الفتحِ، فكانَ فرضُها في السنةِ الثانيةِ من الفتح عندَ نزولِ سورةِ براءةِ، ولهذا نَهى فيهِ عن الْمُثْلَة، ولم ينزلِ النَّهْيُ عنْها إلَّا بعدَ أُحُدٍ، وإلى هذا المعنَى جنحَ ابنُ القيِّمِ في الهدي (٣) ولا يخْفَى [قُوَّتُهُ] (٤).

стр. 2079

المسألةُ الثالثةُ: يتضمن الحديثُ النَّهْيَ عنْ إجابةِ العدوِّ إلى أنْ يجعلَ لهمْ الأميرُ ذِمَّةَ اللهِ وذمةَ رسولِه، بلْ يجعلُ لهم ذمتَه، وقدْ علَّلَهُ بأنَّ الأميرَ ومَنْ معَهُ إذأ أخْفَر ذمَّتهم أي نقضُوا [عهودهم] (١) فهوَ أهونُ عندَ اللهِ من أنْ يخفُروا ذمَته تعالَى، وإنْ كانَ نقضُ الذمةِ محرَّمًا مُطْلقًا. قيلَ: وهذا النَّهْيُ للتنزيهِ لا للتحريمِ، ولكنّ الأصلَ فيهِ التحريمُ ودَعْوى الإجماعِ على أنهُ للتنزيهِ لا تتمُّ، وكذلكَ تضمنَ النَّهْيُ عنْ إنزالِهم على حكمِ اللهِ تعالى، وعلَّلَهُ بأنهُ لا يدري أيصيبُ فيهمُ حكمَ اللهِ أمْ لا فَلَا ينزلُهم على شيءٍ لا يدري أيقعُ أمْ لا، بلْ ينزلُهم على حُكْمِهِ، وهوَ دليلٌ على أنَّ الحقَّ في مسائلِ الاجتهادِ معَ واحدٍ وليسَ كلُّ مجتهدٍ مصيبًا للحقِّ، وقدْ أقمنا أدلةَ حقيَّة هذا القولِ في محلٍّ آخرَ. التورية عند الغزو ١٢/ ١١٩١ - وَعَنْ كَعْبِ بْن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ كعبِ بنِ مالكٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا أرادَ غزوةً ورَّى) بفتحِ الواوِ وتشديد الراءِ أي سَتَرَها (بغيرِها. متفقٌ عليهِ). وقدْ جاءَ الاستثناءُ في ذلكَ بلفظِ: "إلَّا في غزوةِ تبوكَ فإنهُ أظهرَ لهمْ مرادَه". وأخرجَهُ أبو داودَ (٣) وزادَ فيهِ: ويقولُ: "الحربُ خدعةٌ"، وكانتْ توريتُه أنهُ إذا أرادَ قَصْدَ جهةٍ سألَ عنْ طريقِ جهةٍ أُخْرَى إيهامًا أنهُ يريدُها وإنَّما يفعلُ ذلكَ، لأنهُ أتمَّ فيما يريدُه منْ إصابةِ العدوِّ وإتيانِهم علَى غفلةٍ منْ غيرِ تأهُّبِهم لهُ. وفيهِ دليلٌ على جوازِ مثلِ هذَا، وقدْ قالَ ﷺ : "الحربُ خدعةٌ". القتال أول النهار وآخره ١٣/ ١١٩٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرَّنٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ

стр. 2080

رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالثَّلَاثَةُ (٢)، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (٤). [صحيح] ترجمة معقل بن النعمان بن مقرَّن (وعنْ معقلِ بنِ النعمانِ بنِ مُقَرَّنٍ) (٥) بضمِّ الميمِ وفتحِ القافِ وتشديدِ الراءِ فنونٍ، لم يذكرِ ابنُ الأثيرِ معقلَ بنَ مقرَّنٍ في الصحابةِ (٦) إنَّما ذكرَ النعمانَ بنَ مقرَّنٍ وعزَا هذا الحديثَ إليهِ (٧)، وكذلكَ البخاريُّ وأبو داودَ والترمذيُّ أخرجُوه عنِ النعمانِ بنِ مُقرَّنٍ فيُنْظَرُ فما أظنُّ لفظَ معقلٍ إلَّا سبقَ قلمٍ والشارحُ وقعَ لهُ أنهُ قالَ: هوَ معقلُ بنُ النعمانِ بنِ مقرَّنٍ المزنيِّ، ولا يخْفَى أنَّ النعمانَ، هو ابن مقرن، فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا ابن النعمان، قال ابن الأثير: إن النعمان هاجرَ ومعهُ سبعةُ إخوةٍ لهُ، يريدُ أنَّهم هاجَرُوا كلُّهم معهُ، فراجعتُ التقريبَ للمصنفِ فلمْ أجدْ فيهِ صحابيًا يُقَالُ لهُ معقلُ بنُ النعمانِ ولا ابنُ مقرَّن بلْ فيهِ النعمانُ بنُ مقرَّنٍ، فتعيَّنَ أنَّ لفظَ معقلٍ في نُسَخِ "بلوغِ المرامِ" سبقُ قلمٍ وهوَ ثابتٌ فيما رأَيْنَاهُ منْ نُسَخِهِ. (قالَ: شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا لم يقاتلْ أولَ النهارِ أخَّرَ القتالَ حتَّي تزولَ الشمسُ وتهبَّ الرياحُ وينزلَ النصرُ. رواهُ أحمدُ والثلاثةُ وصحَّحَهُ الحاكمُ وأصلُه في

стр. 2081

البخاريِّ)، فإنهُ أخرجَهُ عنِ النعمانِ بنِ مقرّنٍ بلفظِ: "إذا لم يقاتلْ في أولِ النهارِ انتظرَ حتَّى تهبَّ الأرواحُ (١) وتحضرَ الصلوات"، قالُوا: والحكمةُ في التأخيرِ إلى وقتِ الصلاةِ أنهُ مظنةُ إجابةِ الدعاءِ وأما هبوبُ الرياحِ فقدْ وقعَ بهِ النصرُ في الأحزابِ كما قالَ تعالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢) فكانَ تَوَخِي هبوبها مظنةً للنصرِ، وقدْ عُلِّلَ بأنَّ الرياحَ تهبُّ غالبًا بعدَ الزوالِ فيحصلُ بها تبريدُ حدِّ السلاحِ للحربِ والزيادةُ للنشاطِ، ولا يعارضُ هذَا ما وردَ منْ أنهُ ﷺ كانَ يغيرُ صباحًا؛ لأنَّ هذَا في الإغارةِ وذلكَ عندَ المصادفةِ للقتالِ. النهي عن قتل النساء والصبيان ١٤/ ١١٩٣ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ قَالَ: سُئِل رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وذَرَاريْهم، فَقَالَ: "هُمْ مِنْهُم"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنِ الصعبِ بنِ جثامةَ) تقدَّم ضبطهما في الحجِّ (قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ ) ووقعَ في صحيحِ ابنِ حبَّانَ السائلُ هوَ الصعبُ، ولفظُه: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، وساقَهُ [بمعنى ما هنا] (٤) (عنِ أهل الدارِ منَ المشركينَ يُبَيِّتُونَ) بصيغةِ المضارعِ من بيَّتَه مبنيٌّ للمجهولِ (فيصيبونَ منْ نسائِهم وذراريْهم، قال: همْ منْهم. متفقٌ عليهِ). وفي لفظٍ للبخاري عنْ أهلِ الدارِ وهوَ تصريحٌ بالمضافِ المحذوفِ، والتبييتُ الإغارةُ عليهمْ في الليلِ على غفلةٍ معَ اختلاطِهم لصبيانهم ونسائِهم فيصابُ النساءُ والصبيانُ منْ غيرِ قصدٍ لقتلِهم ابتداءً.

стр. 2082

وهذَا الحديثُ أخرجَه ابنُ حبانَ (١) منْ حديثِ الصعبِ بن جثامة وزادَ فيهِ: ثمَّ نَهَى عنْهم يومَ حُنَيْنٍ، وهيَ مدرجةٌ في حديثٍ الصعبِ. وفي سننِ أبي داودَ (٢) زيادةٌ في آخرِه: قالَ سفيانُ. قالَ الزهريُّ: ثمَّ نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلكَ عنْ قَتْلِ النساءِ والصبيانِ، "ويؤيدُ أنَّ النَّهْيَ في حنينٍ ما في البخاريِّ: فقال النبيُّ ﷺ لأحدِهم: "الحقْ خالدًا فقلْ لهُ: لا [تقتل] (٣) ذريةً ولا عَسِيْفًا"، وأولُ مشاهدِ خالدٍ مَعَهُ ﷺ غزوةَ حنينٍ، كذا قيلَ: ولا يخْفَى أنهُ قدْ شهدَ معهُ ﷺ فتحَ مكةَ قبلَ ذلكَ" (٤). وأخرجَ الطبرانيُّ في "الأوسطِ" (٥) منْ حديثِ ابنِ عمرَ قالَ: لما دخلَ النبيُّ ﷺ مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: "ما كانتْ هذهِ تقاتلُ ونَهَى عنْ قتلِ النساءِ". وقد اختلفَ العلماءُ في هذا، فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ والجمهورُ إلى جوازِ قتلِ النساءِ والصبيانِ في البيانِ عملًا بروايةِ الصحيحينِ، وقولُه: همْ منْهم، أي في إباحةِ القتلِ تِبْعًا لا قَصْدًا إذا لم يمكنِ انفصالُهم عمنْ يستحقُّ القتلَ. وذهبَ مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنهُ لا يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ بحالٍ حتَّى إذا تترَّسَ أهلُ الحربِ بالنساءِ والصبيانِ أوْ تحصَّنُوا بحصنٍ أو سفينةٍ هُما فيهما معَهُم لم يجزْ قتالُهم ولا تحريقُهم، وإليهِ ذهبَ الهادويةُ إلَّا أنَّهم قالُوا في التَّتَرُّسِ: يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ حيثُ جُعِلُوا تِرْسًا ولا يجوزُ إذا تترَّسُوا [بالمسلمين] (٦) إلَّا معَ خشية [الاستئصال] (٧)، ونقلَ ابنُ بطالٍ وغيرُه اتفاقَ الجميعِ على عدمِ جوازِ القصدِ إلى قتلِ النساءِ والصبيانِ للنَّهْي عنْ ذلكَ. وفي قولِه: همْ منْهم، دليلٌ بإطلاقِهِ لمنْ قالَ: همْ منْ أهلِ النارِ، وهوَ ثالثُ الأقوالِ في المسألةِ، والثاني أنَّهم منْ أهلِ الجنةِ وهوَ الراجحُ في الصبيانِ، والأَوْلَى الوقْفُ.

стр. 2083

لا نستعين بمشرك في الحرب ١٥/ ١١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ: "ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ) أي مشركٍ (تَبِعَهُ يومَ بدرٍ: ارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ. رواهُ مسلمٌ). ولفظُه عنْ عائشةَ قالتْ: "خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كانَ بحرَّةِ الوَبَرَةِ (٢) أدركَهُ رجلٌ قدْ كانَ تُذْكَرُ فيهِ جرأةٌ ونَجْدةٌ، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأَوْهُ، فلمَّا أدركَهُ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : جئتُ لأَتَّبِعَكَ وأصيبَ معكَ، قالَ: أتؤمنُ باللهِ، قالَ: لا، قالَ: فارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ، فلمَّا أسلمَ أذنَ لهُ". والحديثُ منْ أدلةِ مَنْ قالَ: لا يجوزُ الاستعانةُ بالمشركينَ في القتالِ وهوَ قولُ طائفةٍ منْ أهلِ العلمِ، وذهبَ الهادويةُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى جوازِ ذلكَ قالُوا: لأنهُ ﷺ استعانَ بصفوانَ بنِ أَميةَ يومَ حنينٍ (٣) واستعانَ بيهودِ بني قينقاعٍ

стр. 2084

ورضخَ لهم، أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيلِ" (١)، وأخرجَهُ الترمذيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ مرسلًا (٢) ومراسيلُ الزهريِّ ضعيفةٌ. قالَ الذهبيُّ: لأنهُ كانَ خطَّاءً، ففي إرسالهِ شبهةُ تدليسٍ وصحَّحَ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ أنهُ ردَّهمْ، قالَ المصنفُ: ويجمعُ بينَ الرواياتِ بأنَّ الذي ردَّه يومَ بَدْرٍ تفرَّسَ فيهِ الرغبةَ في الإسلامِ فردَّه رجاءَ أنْ يسلمَ فصدَقَ ظنُّه، أوْ أنَّ الاستعانةَ كانتْ ممنوعةً فرخَّصَ فيها وهذا أقربُ، وقد استعانَ يومَ حنينٍ بجماعةٍ منَ المشركينَ تالَّفَهُم بالغنائمِ، اشترطَ الهادويةُ أنْ يكونَ معهُ مسلمونَ يستقلُّ بهمْ في إمضاءِ الأحكامِ. وفي "شرحِ مسلمٍ" (٤) أنَّ الشافعيَّ قالَ: إنْ كانَ الكافرُ حسنَ الرأي في المسلمينَ ودعتِ حاجة إلى الاستعانةِ استُعِيْنَ بهِ وإلا فَيُكْرَهُ. ويجوزُ الاستعانةُ بالمنافقِ إِجْماعًا لاستعانتهِ ﷺ [بعبدِ] (٥) اللهِ بنِ أُبيٍّ وأصحابِه. النهي عن قتل النساء في الحرب ١٦/ ١١٩٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولةً في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 2085

(وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى امرأةً مقتولةً في بعضِ مغازيهِ فأنكرَ قَتْلَ النساءِ والصبيانِ. متفقٌ عليهِ). وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (١) أنهُ ﷺ لمَّا دخلَ مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: "ما كانتْ هذهِ لتقاتل"، أخرجهُ عنِ ابنِ عمر فيحتملُ أنَّها هذهِ. وأخرجَ أبو داودَ في "المراسيلِ" (٢) عنْ عكرمةَ أنهُ ﷺ : "رأى امرأةً مقتولةً بالطائفِ فقالَ: ألم أَنْهَ عنْ قتلِ النساءِ، مَنْ صاحبُها؟ فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ أردفْتُها فأرادتْ أنْ تصرعَني فتقتلَني، فقتْلتُها، فأمرَ بها أنْ توارَى"، ومفهومُ قولِه: "لتقاتل" وتقريرُه لهذا القاتل يدلُّ على أنَّها إذا قاتلتْ قُتِلَتْ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ. واستدلَّ أيضًا بما أخرجَهُ أبو داودَ (٣) والنسائيُّ (٤) وابنُ حبَّانَ (٥) منْ حديثِ رباحِ بنِ الربيع التميميِّ قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في غزوةٍ فرأَى النَّاسَ مجتمعينَ فرأَى امرأةً مقتولةً فقالَ: "ما كانت هذه لتقاتل". قتل شيوخ المشركين وترك شبابهم ١٧/ ١١٩٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٧). [ضعيف] (وعنْ سَمُرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اقتلُوا شيوخَ المشركينَ واستبقُوا شرْخَهُم) بالشينِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ والخاءِ المعجمةِ، وهمُ الصغارُ الذينَ لم يُدْرِكُوا، ذَكَرهُ في "النهايةِ" (٨).

стр. 2086

(رواهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ) وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وفي نسخةٍ صحيحٌ وهوَ منْ روايةٍ الحسنِ عنْ سَمُرةَ وفيها ما قدَّمْنا. والشيخُ مَنِ استبانتْ فيهِ السنُّ أوْ مَنْ بلغَ خمسينَ سنةً أو إحدى وخمسينَ كما في "القاموسِ" (١)، والمرادُ هنا الرجالُ الشبان أهلُ الْجَلَدِ والقوةِ على القتالِ ولم يردِ الهرْمَى، ويُحْتَمَلُ أنهُ أُرِيدَ بالشيوخِ مَنْ كانُوا بِالِغِيْنَ مطْلقًا فَيُقْتَلُ، ومَنْ كانَ صغيرًا فلا يُقْتَلُ، فيوافقُ ما تقدَّمَ منَ النَّهْي عنْ قَتْلِ الصبيانِ، ويحتملُ أنهُ أُرِيْدَ بالشرخِ مَنْ كانَ في أولِ الشبابِ فإنهُ يُطْلَقُ عليهِ كما قالَ حسَّانٌ (٢): إنَّ شَرْخَ الشبابِ والشَّعْرِ الأَسْـ … ــوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونا فإنهُ يستبقى رجاءَ إسلامِهِ كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: الشيخُ لا يكادُ يسلمُ، والشبابُ أقربُ إلى الإسلامِ، فيكونُ الحديثُ مخصوصًا بِمَنْ يجوزُ تقريرُه على الكفرِ بالجزيةِ. المبارزة في الحرب ١٨/ ١١٩٧ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁، أَنَّهُمْ تَبَارَزوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا (٤). [صحيح] (وعنْ عليٍّ كرمَ اللهُ وجْهَهُ أنَّهم تبارزوا يومَ بدرٍ. رواهُ البخاريُّ وأخرجَهُ أبو داودَ مُطَوَّلًا). وفي المغازي منَ البخاري عنْ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ أنهُ قالَ: أنا أولُ مَنْ يجثُو للخصومةِ يومَ القيامةِ، قالَ قيسٌ الراوي. وفيهمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٥)، قالَ: همُ الذينَ تبارزُوا [يوم] (٦) بدرٍ حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بنُ الحارثِ ﵃ وشيبةُ بنُ ربيعةَ وعتبةُ بنُ ربيعةَ والوليدُ بنُ عتبةَ [لعنهم اللهُ] (٧)،
следующие страницы →