← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2082–2121 · переход к 2087.

стр. 2082

وهذَا الحديثُ أخرجَه ابنُ حبانَ (١) منْ حديثِ الصعبِ بن جثامة وزادَ فيهِ: ثمَّ نَهَى عنْهم يومَ حُنَيْنٍ، وهيَ مدرجةٌ في حديثٍ الصعبِ. وفي سننِ أبي داودَ (٢) زيادةٌ في آخرِه: قالَ سفيانُ. قالَ الزهريُّ: ثمَّ نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلكَ عنْ قَتْلِ النساءِ والصبيانِ، "ويؤيدُ أنَّ النَّهْيَ في حنينٍ ما في البخاريِّ: فقال النبيُّ ﷺ لأحدِهم: "الحقْ خالدًا فقلْ لهُ: لا [تقتل] (٣) ذريةً ولا عَسِيْفًا"، وأولُ مشاهدِ خالدٍ مَعَهُ ﷺ غزوةَ حنينٍ، كذا قيلَ: ولا يخْفَى أنهُ قدْ شهدَ معهُ ﷺ فتحَ مكةَ قبلَ ذلكَ" (٤). وأخرجَ الطبرانيُّ في "الأوسطِ" (٥) منْ حديثِ ابنِ عمرَ قالَ: لما دخلَ النبيُّ ﷺ مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: "ما كانتْ هذهِ تقاتلُ ونَهَى عنْ قتلِ النساءِ". وقد اختلفَ العلماءُ في هذا، فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ والجمهورُ إلى جوازِ قتلِ النساءِ والصبيانِ في البيانِ عملًا بروايةِ الصحيحينِ، وقولُه: همْ منْهم، أي في إباحةِ القتلِ تِبْعًا لا قَصْدًا إذا لم يمكنِ انفصالُهم عمنْ يستحقُّ القتلَ. وذهبَ مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنهُ لا يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ بحالٍ حتَّى إذا تترَّسَ أهلُ الحربِ بالنساءِ والصبيانِ أوْ تحصَّنُوا بحصنٍ أو سفينةٍ هُما فيهما معَهُم لم يجزْ قتالُهم ولا تحريقُهم، وإليهِ ذهبَ الهادويةُ إلَّا أنَّهم قالُوا في التَّتَرُّسِ: يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ حيثُ جُعِلُوا تِرْسًا ولا يجوزُ إذا تترَّسُوا [بالمسلمين] (٦) إلَّا معَ خشية [الاستئصال] (٧)، ونقلَ ابنُ بطالٍ وغيرُه اتفاقَ الجميعِ على عدمِ جوازِ القصدِ إلى قتلِ النساءِ والصبيانِ للنَّهْي عنْ ذلكَ. وفي قولِه: همْ منْهم، دليلٌ بإطلاقِهِ لمنْ قالَ: همْ منْ أهلِ النارِ، وهوَ ثالثُ الأقوالِ في المسألةِ، والثاني أنَّهم منْ أهلِ الجنةِ وهوَ الراجحُ في الصبيانِ، والأَوْلَى الوقْفُ.

стр. 2083

لا نستعين بمشرك في الحرب ١٥/ ١١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ: "ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ) أي مشركٍ (تَبِعَهُ يومَ بدرٍ: ارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ. رواهُ مسلمٌ). ولفظُه عنْ عائشةَ قالتْ: "خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كانَ بحرَّةِ الوَبَرَةِ (٢) أدركَهُ رجلٌ قدْ كانَ تُذْكَرُ فيهِ جرأةٌ ونَجْدةٌ، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ حينَ رَأَوْهُ، فلمَّا أدركَهُ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : جئتُ لأَتَّبِعَكَ وأصيبَ معكَ، قالَ: أتؤمنُ باللهِ، قالَ: لا، قالَ: فارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ، فلمَّا أسلمَ أذنَ لهُ". والحديثُ منْ أدلةِ مَنْ قالَ: لا يجوزُ الاستعانةُ بالمشركينَ في القتالِ وهوَ قولُ طائفةٍ منْ أهلِ العلمِ، وذهبَ الهادويةُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى جوازِ ذلكَ قالُوا: لأنهُ ﷺ استعانَ بصفوانَ بنِ أَميةَ يومَ حنينٍ (٣) واستعانَ بيهودِ بني قينقاعٍ

стр. 2084

ورضخَ لهم، أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيلِ" (١)، وأخرجَهُ الترمذيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ مرسلًا (٢) ومراسيلُ الزهريِّ ضعيفةٌ. قالَ الذهبيُّ: لأنهُ كانَ خطَّاءً، ففي إرسالهِ شبهةُ تدليسٍ وصحَّحَ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ أنهُ ردَّهمْ، قالَ المصنفُ: ويجمعُ بينَ الرواياتِ بأنَّ الذي ردَّه يومَ بَدْرٍ تفرَّسَ فيهِ الرغبةَ في الإسلامِ فردَّه رجاءَ أنْ يسلمَ فصدَقَ ظنُّه، أوْ أنَّ الاستعانةَ كانتْ ممنوعةً فرخَّصَ فيها وهذا أقربُ، وقد استعانَ يومَ حنينٍ بجماعةٍ منَ المشركينَ تالَّفَهُم بالغنائمِ، اشترطَ الهادويةُ أنْ يكونَ معهُ مسلمونَ يستقلُّ بهمْ في إمضاءِ الأحكامِ. وفي "شرحِ مسلمٍ" (٤) أنَّ الشافعيَّ قالَ: إنْ كانَ الكافرُ حسنَ الرأي في المسلمينَ ودعتِ حاجة إلى الاستعانةِ استُعِيْنَ بهِ وإلا فَيُكْرَهُ. ويجوزُ الاستعانةُ بالمنافقِ إِجْماعًا لاستعانتهِ ﷺ [بعبدِ] (٥) اللهِ بنِ أُبيٍّ وأصحابِه. النهي عن قتل النساء في الحرب ١٦/ ١١٩٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولةً في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 2085

(وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى امرأةً مقتولةً في بعضِ مغازيهِ فأنكرَ قَتْلَ النساءِ والصبيانِ. متفقٌ عليهِ). وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (١) أنهُ ﷺ لمَّا دخلَ مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: "ما كانتْ هذهِ لتقاتل"، أخرجهُ عنِ ابنِ عمر فيحتملُ أنَّها هذهِ. وأخرجَ أبو داودَ في "المراسيلِ" (٢) عنْ عكرمةَ أنهُ ﷺ : "رأى امرأةً مقتولةً بالطائفِ فقالَ: ألم أَنْهَ عنْ قتلِ النساءِ، مَنْ صاحبُها؟ فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ أردفْتُها فأرادتْ أنْ تصرعَني فتقتلَني، فقتْلتُها، فأمرَ بها أنْ توارَى"، ومفهومُ قولِه: "لتقاتل" وتقريرُه لهذا القاتل يدلُّ على أنَّها إذا قاتلتْ قُتِلَتْ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ. واستدلَّ أيضًا بما أخرجَهُ أبو داودَ (٣) والنسائيُّ (٤) وابنُ حبَّانَ (٥) منْ حديثِ رباحِ بنِ الربيع التميميِّ قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في غزوةٍ فرأَى النَّاسَ مجتمعينَ فرأَى امرأةً مقتولةً فقالَ: "ما كانت هذه لتقاتل". قتل شيوخ المشركين وترك شبابهم ١٧/ ١١٩٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٧). [ضعيف] (وعنْ سَمُرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : اقتلُوا شيوخَ المشركينَ واستبقُوا شرْخَهُم) بالشينِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ والخاءِ المعجمةِ، وهمُ الصغارُ الذينَ لم يُدْرِكُوا، ذَكَرهُ في "النهايةِ" (٨).

стр. 2086

(رواهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ) وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وفي نسخةٍ صحيحٌ وهوَ منْ روايةٍ الحسنِ عنْ سَمُرةَ وفيها ما قدَّمْنا. والشيخُ مَنِ استبانتْ فيهِ السنُّ أوْ مَنْ بلغَ خمسينَ سنةً أو إحدى وخمسينَ كما في "القاموسِ" (١)، والمرادُ هنا الرجالُ الشبان أهلُ الْجَلَدِ والقوةِ على القتالِ ولم يردِ الهرْمَى، ويُحْتَمَلُ أنهُ أُرِيدَ بالشيوخِ مَنْ كانُوا بِالِغِيْنَ مطْلقًا فَيُقْتَلُ، ومَنْ كانَ صغيرًا فلا يُقْتَلُ، فيوافقُ ما تقدَّمَ منَ النَّهْي عنْ قَتْلِ الصبيانِ، ويحتملُ أنهُ أُرِيْدَ بالشرخِ مَنْ كانَ في أولِ الشبابِ فإنهُ يُطْلَقُ عليهِ كما قالَ حسَّانٌ (٢): إنَّ شَرْخَ الشبابِ والشَّعْرِ الأَسْـ … ــوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونا فإنهُ يستبقى رجاءَ إسلامِهِ كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: الشيخُ لا يكادُ يسلمُ، والشبابُ أقربُ إلى الإسلامِ، فيكونُ الحديثُ مخصوصًا بِمَنْ يجوزُ تقريرُه على الكفرِ بالجزيةِ. المبارزة في الحرب ١٨/ ١١٩٧ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁، أَنَّهُمْ تَبَارَزوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا (٤). [صحيح] (وعنْ عليٍّ كرمَ اللهُ وجْهَهُ أنَّهم تبارزوا يومَ بدرٍ. رواهُ البخاريُّ وأخرجَهُ أبو داودَ مُطَوَّلًا). وفي المغازي منَ البخاري عنْ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ أنهُ قالَ: أنا أولُ مَنْ يجثُو للخصومةِ يومَ القيامةِ، قالَ قيسٌ الراوي. وفيهمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٥)، قالَ: همُ الذينَ تبارزُوا [يوم] (٦) بدرٍ حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بنُ الحارثِ ﵃ وشيبةُ بنُ ربيعةَ وعتبةُ بنُ ربيعةَ والوليدُ بنُ عتبةَ [لعنهم اللهُ] (٧)،

стр. 2087

وتفصيلُه ما ذكرَهُ ابنُ إسحاقَ أنهُ برزَ عبيدةُ لعتبةَ وحمزةُ لشيبةَ وعليٌّ للوليدِ. وعندَ موسى بنِ عقبةَ: فَقَتَلَ عليٌّ وحمزةُ مَنْ بارزَاهُما، واختلفَ عبيدةُ ومَنْ بارزَهُ بضربتينِ فوقعتِ الضربةُ في ركبةِ عبيدةَ فماتَ منها لما رجعُوا بالصفراءِ. ومالَ عليٌّ وحمزةُ علَى مَنْ بارزَ عبيدةَ فَأَعَانَاهُ على قَتْلِه. والحديثُ دليلٌ على جوازِ المبارزةِ وإلى [ذلكَ] (١) ذهبَ الجمهورُ. وذهبَ الحسنُ البصريُّ إلى عدمِ جوازِها وشرطَ الأوزاعيُّ والثوريُّ وأحمدُ وإسحاقُ إِذْنَ الأميرِ كما في هذهِ الروايةِ (٢). الحمل على صفوف الكفار ١٩/ ١١٩٨ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، يَعْني قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥) وَابْنُ حِبَّانَ (٦) والحاكِمُ (٧). [صحيح] (وعنْ أبي أيوبَ ﵁ قالَ: إنَّما أُنْزِلتْ هذهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ يعني: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) قَالَهُ ردًّا علي مَنْ) أنكرَ على مَنْ (حملَ على صفِّ الرومِ حتَّى دخلَ فيهمْ. رواهُ الثلاثة وصحَّحَه الترمذيُّ) وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، (وابنُ

стр. 2088

حبانَ والحاكمُ) أخرجَه المذكورونَ منْ حديثِ أسلمَ بنِ يزيدَ أبي عمرَانَ قالَ: "كنَّا بالقسطنطينيةِ فخرجَ صفٌّ عظيمٌ منَ الرومِ فحملَ رجلٌ منَ المسلمينَ علَى صفِّ الرومِ حتَّى حصلَ فيهمْ ثمَّ رجعَ مقبلًا فصاحَ النَّاسُ، سبحانَ اللهِ أَلْقَى بيدهِ إلى التهلُكَةِ، فقالَ أبو أيوبَ: أيُّها النَّاسُ إنَّكم تُؤَوِّلُونَ هذهِ الآيةَ على هذا التأويلِ وإنَّما [أنزلت] (١) هذهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ [الإسلام] (٢) وكَثُرَ ناصِرُوهُ قلْنا بينَنا سرًا: إنَّ أموالَنا قدْ ضاعتْ فلوْ أنا قمنا فيها وأصلحْنا ما ضاعَ منْها، فأنزلَ اللهُ تعالَى هذهِ الآيةَ، فكانتِ التهلُكةُ الإقامةَ التي أردْنا". وصحَّ عنِ ابنِ عباسٍ ﵁ وغيرِه نحوُ [هذَا في تأويلِ] (٢) الآيةِ. قيلَ: وفيهِ دليلٌ على جوازِ دخولِ الواحدِ في صفِّ القتالِ ولوْ ظنَّ الهلاكَ. قلتُ: أما ظنُّ الهلاكِ فلا دليلَ فيهِ إذْ لا يعرفُ ما كانَ ظنُّ مَنْ حملَ هنا، وكأنَّ القائلَ يقولُ إنَّ الغالبَ في واحدٍ يُحْمَلُ على صفٍّ كثير أنهُ يظنُّ الهلاكَ. قالَ المصنفُ ﵀ في مسألةِ حَمل الواحدِ على العددِ الكثيرِ منَ العدوِّ. إنهُ صرَّحَ الجمهورُ أنهُ إذا كانَ لفرطِ شجاعتِه وظنِّه أنهُ يرهبُ العدوَّ بذلكَ أوْ يجزئُ المسلمينَ عليهمِ أوُ نحوَ ذلكَ منَ المقاصدِ الصحيحةِ فهوَ حسنٌ، ومَتى كانَ مجرَّدَ تهوُّرٍ فممنوعٌ لا سيَّما [إذا] (٣) ترتَّبَ على ذلكَ وَهْنُ المسلمينَ. قلتُ: وأخرجَ أبو داودَ (٤) منْ حديثِ عطاءِ بنِ السائبِ - قالَ ابنُ كثيرٍ ولا بأسَ بهِ - عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "عَجِبَ ربُّنَا مِنْ رجلٍ غَزَا في سبيلِ اللهِ فانهزمَ أصحابُه فعلمَ ما عليهِ فرجعَ رغبةً فيما عندي [وشفقةً مما عندي] (٥) حتَّى أُهْرِيْقَ دمُه". قالَ ابنُ كثيرٍ: والأحاديثُ والآثارُ في هذا كثيرةٌ تدلُّ

стр. 2089

على جوازِ المبارزةِ لمنْ عرفَ مِنْ نفسهِ بلاءً في الحروبِ وشدةً وسَطْوةً. إتلاف أموال المحاربين ٢٠/ ١١٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: حرَّقَ رسولُ اللهِ ﷺ نخلَ بني النضيرِ وقطَعَ. متفقٌ عليهِ)، يدلُّ علَى جوازِ إفسادِ أموالِ أهلِ الحربِ بالتحريقِ والقطعِ لمصلحةٍ في ذلكَ، ونزلتِ الآيةُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (٢) الآيةَ، قالَ المشركونَ: إنكَ تَنْهَى عن الفسادِ في الأرضِ فما بالُ قطعِ الأشجارِ وتحريقِها؟ قالَ في "معالمِ التنزيلِ" (٣): اللِّيْنَةُ فِعلةٌ منَ اللونِ ويُجْمَعُ على أَلوانٍ، وقيلَ منَ اللِّيْنِ ومعناهُ النخلةُ الكريمةُ وجَمْعُها لِيْنٌ، وقدْ ذهبَ الجماهيرُ إلى جوازِ التحريقِ والتخريبِ في بلادِ العدوِّ وكَرهَهُ الأوزاعيُّ وأبو ثورٍ واحتجَّا بأنَّ أبا بكرٍ ﵁ وصَّى جيوشَهُ أنْ لا [يفعلُوا] (٤) ذلكَ. وأُجِيْبَ بأنهُ رأَى المصلحةَ في بقائِها؛ لأنهُ قدْ علمَ أنَّها تصيرُ للمسلمينَ، فأرادَ بقاءَها لهم وذلكَ يدورُ على ملاحظةِ المصلحةِ. النهي عن الغلول ٢١/ ١٢٠٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَالنَّسَائِيُّ (٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٧). [حسن]

стр. 2090

(وعنْ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تغلُّوا فإنَّ الغُلُولَ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ وضمِّ اللامِ (نارٌ وعارٌ على أصحابهِ في الدنيا والآخرةِ. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ). تقدَّم أنَّ الغُلولَ الخيانةُ في الغنيمة. قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (١): سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ صاحبَه يغلُّه في متاعِهِ أي يُخْفيهِ، وهوَ منَ الكبائرِ بالإجماعِ كما نقلَه النوويُّ (٢)، والعارُ الفضيحةُ، ففي الدُّنيا إذا ظهرَ افتضحَ بهِ صاحبُه، وأما في الآخرةِ فلعلَّ العارَ يفيدُه ما أخرجَه البخاريُّ (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: "قامَ فينا رسولُ اللهِ ﷺ وذكرَ الغلولَ وعظَّم أمرَه فقالَ: لا ألفينَّ أحدَكم يومَ القيامةِ علَى رقبتهِ شاةٌ لها ثغاءٌ، على رقبتِه فرسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ يقولُ: يا رسولَ اللهِ أغثْني فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قدْ أبلغْتُكَ - الحديثُ"، وذكرَ فيهِ البعيرَ وغيره. فإنهُ دلَّ الحديثُ علَى أنهُ يأتي الغالُّ بهذهِ الصفةِ الشنيعةِ يومَ القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ، فلعلَّ هذا هوَ العارُ يوم القيامة، ويحتملُ أنهُ شيءٌ أعظمُ منْ هذَا. ويُؤْخَذُ منْ هذا الحديثِ أنَّ هذا ذَنْبٌ لا يُغْفَرُ بالشفاعةِ لقولِه ﷺ "لا أملكُ لكَ منَ اللهِ شيئًا"، ويحتملُ أنهُ أوردَه في محلِّ التغليظِ والتشديدِ، ويُحْتَمَلُ [أنهُ] (٤) يُغْفَرُ لهُ بعدَ تشهيرهِ في ذلكَ الموقفِ. والحديثُ الذي سُقْنَاهُ وردَ في خطابِ العاملينَ على الصدقاتِ، فدلَّ على أنَّ الغلولَ عامٌّ لكلِّ ما فيهِ حقٌّ للعبادِ وهوَ مشتركٌ بينَ الغالِّ وغيرِه. فإنْ قلتَ: فهل يجبُ على الغالِّ ردُّ ما أخذَ. قلتُ: قالَ ابنُ المنذرِ: إنَّهم أجمعُوا على أنَّ الغالَّ يعيدُ ما غلَّ قبلَ القسمةِ،

стр. 2091

وأمَّا بعدَها فقالَ الأوزاعيُّ والليثُ ومالكٌ؛ يدفعُ إلى الإمامِ خمُسَهُ ويتصدقُ بالباقي، وكانَ الشافعيُّ لا يَرَى في ذلكَ، وقالَ: إنْ كانَ ملكَه فليسَ عليهِ أنْ يتصدَّق بهِ وإنْ لم يكن [ملكه] (١) فليسَ لهُ التَّصدقُ بمالِ [الغير] (٢)، والواجبُ أنْ يدفَعَهُ إلى الإمامِ كالأموالِ الضائعةِ. من قتل قتيلًا فله سلبه ٢٢/ ١٢٠١ - وَعَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ قَضَى بالسَّلبِ لِلقَاتلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَأَصْلُهُ عِندَ مُسْلِمٍ (٤). [صحيح] (وعنْ عوفِ بن مالكٍ أن النَّبيَّ ﷺ قَضَي بالسلبِ للقاتلِ، رواهُ أَبو داودَ، وأصلُه عندَ مسلمٍ). فيهِ دليلٌ على أن السلبَ الذي يُؤْخَذُ منَ العدوِّ الكافرِ يستحقّه قاتلُه سواءٌ قالَ الإمامُ قبلَ القتالِ: مَن قتلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ، أَوْ لا، وسواءٌ كانَ القاتل مُقْبِلًا أو مُنْهَزِمًا، وسواءٌ كانَ ممنْ يستحِقُّ السهمَ في المغنَمٍ أَوْ لا (٥)، إذْ قولُه: "قَضَى بالسلبِ للقاتلِ" حُكْمٌ مُطْلَقٌ غيرُ مقيَّدٍ بشيءِ منَ الأشياءِ، قالَ الشافعيُّ: وقدْ حُفِظَ هذا الحكمُ عنْ رسولِ الله ﷺ في مواطنَ كثيرة منْها يومَ بدرٍ، فإنه ﷺ حكمَ بسلبِ أبي جهلٍ لمعاذِ بني الجموحِ لما كانَ هو المؤثِرُ في قتلِ أبي جهل، وكَذا في قَتْلِ حاطبِ بن أبي بلتعةَ لرجلٍ يومَ أُحُدٍ أعطاهُ النبيُّ ﷺ سَلَبَهُ. رواهُ الحاكمُ (٦). والأَحاديثُ في هذا الحكمِ كثيرةٌ.

стр. 2092

وقولُه ﷺ في يومِ حُنَيْنٍ: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا فلهُ سلبُه" (١)، بعدَ القتالِ لا ينافي هذا بلْ هوَ مقرِّرٌ للحكمِ السابِقِ، فإنَّ هذا كانَ معلومًا عندَ الصحابةِ منْ قبلِ حُنَيْنٍ ولِذَا قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ جحشٍ: اللهمَّ ارزُقني رجلًا شديدًا - إلى قولِه - أقتلُه وآخذُ سَلَبَهُ كما قدَّمناهُ قريبًا، وأما قولُ أبي حنيفةَ والهادويةِ إنهُ لا يكونُ السلبُ للقاتلِ إلا إذا قالَ الإمامُ قبلَ القتالِ مثلًا: مَنْ قتلَ قتيلًا فلهُ سلبُهُ، وإلَّا كانَ السَّلَبُ منْ جملةِ الغنيمةِ بينَ الغانمينَ فإنهُ قولٌ لا توافقُه الأدلةُ، قالَ الطحاويُّ: ذلكَ موكولٌ إلى رَأي الإمامِ فإنهُ ﷺ أعطَى سَلَبَ أبي جهلٍ لمعاذِ بن الجموحِ بعدَ قولِه لهُ ولمشاركهِ في قَتْلهِ كِلَاكُما قَتَلَهُ لما أَرَيَاهُ سَيْفَيْهِمَا. وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ ﷺ إنَّمَا أعطاهُ معاذًا؛ لأنهُ الذي أَثَّر في قتلِه لمَّا رأَى عُمْقَ الجنايةِ في سيفهِ، وأما قولُه: كِلَاكُما قتلَه، فإنهُ قالَه تَطْيِيْبًا لنفسِ صاحبِهِ. وأما تخميسُ السَّلَبِ الذي يُعْطَاهُ القاتلُ فعمومُ الأدلةِ منَ الأحاديثِ قاضيةٌ بعدمِ تخميسهِ. وبهِ قالَ أحمدُ وابنُ المنذرِ وابنُ جريرٍ، وآخرونَ كأنَّهم يخصِّصُونَ عمومَ الآيةِ بالأحاديث، فإنهُ أخرجَ حديثَ عوفِ بن مالكٍ أبو داودَ (٢) وابنُ حِبَّانَ (٣) بزيادةِ: "ولم يخمِّسِ السلبَ"، وكذلكَ أخرجَهُ الطبرانيُّ (٤). واختلفُوا هل تلزمُ القاتلَ البيِّنَةُ على أنهُ قَتَلَ مَنْ يريدُ أَخذَ سَلَبه؟ فقالَ الليثُ والشافعيُّ وجماعةٌ منَ المالكيةِ إنهُ لا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بالبينةِ لورودِ ذلكَ في بعضِ الرواياتِ بلفظِ: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا لهُ عليهِ بيِّنةٌ فلهُ سَلَبَهُ" (٥)، وقالَ مالك والأوزاعيُّ:

стр. 2093

يُقْبَلُ قولُه بلا بَيِّنَةٍ، قالُوا: لأنهُ ﷺ قدْ قبلَ قولَ واحدٍ ولم يحلِّفْهُ بلِ اكْتَفَى بقولِه، وذلكَ في قصةِ معاذِ بن الجموحِ وغيرِها فيكونُ مخصِّصًا لحديثِ الدَّعْوى والبينةِ. للإمام أن يعطي السلب لمن يشاء ٢٣/ ١٢٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ في - قِصَّةِ قَتْلِ أَبي جَهْلِ - قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتى قَتَلَاهُ، ثمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: "أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيفَيكُمَا؟ " قَالَا: لَا، قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا فَقَالَ: "كِلاكُمَا قَتَلَهُ"، فَقَضَى ﷺ بِسَلْبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ ﵁ في قِصَّةِ قَتْلِ أبي جهلٍ) يومَ بدرٍ (قالَ فابْتَدَرَاهُ) أي تسابقا إليهِ (بسيْفَيْهِمَا) أي ابني عفراءَ - (حتَّى قَتَلَاهُ ثمَّ انْصَرَفَا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخبراهُ. فقالَ: أيُّكُمَا قتلَه؟ هلْ مسحْتُما سيفَكُما؟ قَالَا: لا، فنظرَ فيهِمَا) أي في سَيْفَيْهِمَا (فقالَ: كِلَاكما قتلَه فقضَى ﷺ بِسَلَبِهِ لمعاذِ بن الجَموحِ) بفتحِ الجيمِ آخرَه حاءٌ مهملةٌ بِزِنَةِ فَعُولٍ (متفقٌ عليهِ). استدلَّ بهِ على أن للإمامِ أنْ يعطيَ السَّلَبَ لِمَنْ شاءَ وأنهُ مفوَّضٌ إلى رأيهِ؛ لأنهُ ﷺ أخبرَ أن ابني عفراءَ قَتلا أبا جهلٍ ثمَ جعلَ سَلَبَهُ لغيرِهِما، وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ إنَّما حكمَ بهِ ﷺ لمعاذِ بن عمرِو بن الجموحِ؛ لأنهُ رأَى أثرَ ضربتِه بسيفهِ هيَ المؤثرةُ في قَتْلِهِ لِعُمْقِها فأعطاهُ السلبَ، وطَيَّبَ قلبَ ابني عفراءَ بقولِه: كِلَاكُما قتلَه وإِلَّا فالجنايةُ القاتلةُ ضربةُ معاذِ بن عمرِو ونسبةُ القتلِ إليهما مجازٌ أيّ كِلَاكُما أرادَ قَتْلَه، وقرينةُ المجازِ إعطاءُ سَلَبِ المقتولِ [لأحدهما] (٢)، وقدْ يُقَالُ هذا محلُّ النزاعِ. يجوز قتل الكفار إذا تحصَّنوا بالمنجنيق ٢٤/ ١٢٠٣ - وَعَنْ مَكْحُولٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ

стр. 2094

الطَّائِفِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). [موقوف] وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيف (٢) عَنْ عَلِيٍّ ﵁. [موضوع] ترجمة مكحول (وعنْ مكحولٍ) (٣) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مكحولُ بنُ عبدِ اللَّهِ الشامي كانَ منْ سَبْي كابُلٍ (٤)، وكانَ مَوْلَى لامرأةٍ منْ قيسٍ وكانَ سنديا لا يفصحُ، وهوَ عالمُ الشامِ ولم يكنْ أبصرَ منهُ بالفُتْيَا في زمانِه، سمعَ مِنْ أنسِ بن مالك وواثلةَ وغيرِهمَا، ويرْوِي عنهُ الزهريُّ وغيرُه وربيعةُ الرأْي وعطاءُ الخراساني، ماتَ سنةَ ثمانِ عشرةَ ومائةٍ. (أن النبيَّ ﷺ نصبَ المنجنيقَ على أهلِ الطائفِ. أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيل" ورجالُه ثِقاتٌ، ووصلَه العقيليُّ بإسنادِ ضعيفِ عنْ عليٍّ ﵇، وأخرجَهُ الترمذيُّ عنْ ثورٍ روايةِ عن مكحولٍ ولمْ يذكرْ مكحولًا فكانَ مِنْ قِسْمِ المعضلِ (٥)، قالَ السُّهَيْليُّ: ذكرَ الرمي بالمنجنيقِ الواقديُّ كما ذكرهُ مكحولٌ، وذكرَ أن الذي أشارَ بهِ سلمانُ الفارسي ﵁. وَرَوَى ابنُ أبي شيبةَ منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن سنانٍ ومنَ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ أنهُ ﷺ حاصرَهم خمسًا وعشرينَ ليلة ولم يذكرْ أشياءَ منْ ذلكَ. وفي الصحيحينِ (٦) منْ حديثِ ابن عمرَ حاصرَ أهلَ الطائفِ شَهْرًا. وفي

стр. 2095

مسلمٍ (١) منْ حديثِ أنسٍ أن المدَّةَ كانتْ أربعينَ ليلةً. وفي الحديثِ دليل [على] (٢) أنهُ يجوزُ قَتْلُ الكفَّارِ إذا تحصَّنُوا بالمنجنيقِ، ويُقَاسُ عليهِ غيرُه منَ المدافعِ وغيرها. إقامة الحدود بالحرَم ٢٥/ ١٢٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِه الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ دخلَ مكَّةَ وعلى رأسهِ المِغْفَرُ) بالغينِ المعجمةِ ففاءٍ، في "القامَّوَسِ" (٤): المغفرُ كمِنْبَرٍ وبهاءٍ وككتابةٍ، زَرَدٌ منَ الدرعِ يُلْبَسُ تحتَ الْقَلَنْسُوَةِ، أوْ حِلَقٌ يتقنَّعُ بها المسلَّحُ، (فلما نزعَ المغفرَ جاءهُ رجلٌ فقالَ: ابن خَطَلٍ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وفتحِ الطاءِ المهملةِ (متعلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ، فقالَ: اقتلُوه. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ علَى أنهُ ﷺ دخلَ مكّةَ غيرَ مُحرِم يومَ الفتحِ؛ لأنهُ دخلَ مقاتلًا، ولكنه يختصُّ بهِ ذلكَ، فإنهُ محرَّمٌ القتالُ فيها كما قالَ ﷺ : "وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ" الحديثَ، وهوَ متفقٌ عليهِ (٥). وأما أمرُهُ ﷺ بِقتلِ ابن خَطَلٍ، وهوَ أحدُ جماعةٍ تسعةٍ أمرَ ﷺ بِقَتْلِهِمْ ولوْ

стр. 2096

تعلَّقُوا بأستارِ الكعبةِ فأسلَم منهمْ ستةٌ وقتلَ ثلاثةً منْهم ابنُ خَطَلٍ. وكانَ ابنُ خَطَلٍ قدْ أسلَم فبعثَه النبي ﷺ مصدِّقًا وبعثَ معهُ رجلًا منَ الأنصارِ وكانَ معهُ مولَى يخدمُهُ مسلِمًا فنزلَ منزلًا وأمرَ مولاهُ أنْ يذبحَ لهُ تَيْسًا ويصنعَ لهُ طعامًا، فنامَ فاستيقظَ ولمْ يصنعْ لهُ شيئًا فعدَا عليهِ فقتلَه ثمَّ ارتدَّ مشرِكًا، وكانتْ له قينتانِ [تغنيانِه] (١) بهجاءِ النبيِّ ﷺ فأمرَ بِقَتْلِهِمَا معهُ فَقُتِلَتْ إحدَاهُما واستُؤْمِنَ للأُخْرَى فأمَّنَها، قالَ الخطابيُّ (٢): قتلَه ﷺ بحقِّ ما جَنَاهُ في الإسلامِ، فدلَّ على أن الحرمَ لا يعصمُ مِنْ إقامةِ واجبٍ ولا يؤخِّرُهُ عنْ وقْتِهِ، انتَهى. وقدِ اختلفَ الناسُ في هذا، فذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنهُ يستوفي الحدودَ والقصاصَ بكلِّ مكانٍ وزمانٍ لعمومِ الأدلةِ ولهذِه القصةِ، وذهبَ الجمهورُ منَ السلفِ والخلَفِ وهوَ قولُ الهادويةِ إلى أنهُ لا يستوفى [في مكة] (٣) حدٌّ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٤) ولقولِهِ ﷺ : "لا يُسْفَكُ بها دمٌ" (٥)، [وأجيب] (٦) عما احتجَّ بهِ الأولونَ بأنهُ لا عمومَ للأدلةِ في الزمانِ والمكانِ بلْ هيَ مطلقاتٌ مقيدةٌ بما ذكرْنَا منَ الحديثِ وهوَ متأخّرٌ، فإنهُ في يومِ الفتحِ بعدَ شرعيةِ الحدودِ، وأما قتلُ ابنُ خَطَلٍ ومَنْ ذكرَ معهُ فإنهُ كانَ في الساعةِ التي أُحِلَّتْ فيها مكةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ واستمرتْ منْ صبيحةِ يومِ الفتحِ إلى العصرِ، وقدْ قُتِلَ ابنُ خَطَلٍ وَقْتَ الضّحَى بينَ زمزمٍ والمقامِ. وهذا الكلامُ فيمنِ ارتكبَ في غيرِ الحرمِ ثمَّ التجأَ إليهِ، وأما إذا ارتكبَ إنسانٌ في الحرم ما يوجبُ الحدَّ فاختلفَ القائلونَ بأنهُ لا يُقَامُ فيهِ حدٌّ، فذهبَ بعضُ الهادويةِ أَنهُ يُخْرَجُ منَ الحرمِ ولا يُقَامُ عليهِ الحدُّ وهوَ فيهِ، وخالفَ ابنُ عباسٍ فقالَ: مَنْ سرقَ أوْ قَتَلَ في الحرمِ أُقِيمَ عليهِ الحد في الحرمِ. رواهُ أحمدُ (٧) عنْ طاوسٍ عن ابن عباسٍ وذكرَ الأثرمُ عن ابن عباسٍ أيضًا: "مَنْ أحدثَ حَدَثًا

стр. 2097

في الحرمِ أُقيْمَ عليهِ ما أحدثَ فيهِ منْ شيء"، واللَّهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١)، وفرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الملتجئِ إليهِ بأنَّ الجاني فيهِ هاتكٌ لِحُرْمَتِهِ والملتجئُ معظّمٌ لها، ولأنهُ لو لم يقمِ الحدَّ علَى مَنْ جَنَى فيهِ منْ أهلهِ لعظُمَ الفسادُ في الحرم وأدَّى إلى أن مَنْ أرادَ الفسادَ قصدَ الحرمَ ليسكُنه وفعلَ فيهِ ما [تتقاضاهُ] (٢) شهوتُه. وأما الحدُّ بغيرِ القتلِ فيما دونَ النفسِ منَ القصاصِ ففيهِ خلافٌ أيضًا، فَذَهَبَ أحمدُ في روايةٍ عنه أنهُ يستوفى لأنَّ الأدلةَ إنَّما وردتْ فيمَنْ سفكَ الدمَ وإنَّما ينصرفُ إلى القتلِ ولا يلزمُ مِنْ تحريْمِهِ في الحرمِ تحريمُ ما دونَه لأنَّ حُرْمَةَ النفسِ أعظمُ والانتهاكُ بالقتلِ أشدُّ، ولأنَّ الحدَّ فيما دونَ النفسِ جارٍ مَجْرَى تأديبِ السيِّدِ عبدَه فلا يمنعْ منهُ. وعنهُ روايةٌ [أخرى] (٣) بعدمِ الاستيفاءِ لشيء عملًا بعمومِ الأدلةِ. ولا يخْفَى أن الحكمَ للأخصِّ حيثُ صحَّ أن سفْكَ الدَّمِ لا ينصرفُ إلَّا إلى القتلِ. قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ الدليلَ قاض بالقتلِ، والكلامُ مِنْ أَولهِ في الحدودِ فلا بدَّ منْ حَمْلِها على القتلِ، إذْ حدُّ الزِّنَى غيرُ الرجمِ وحدُّ الشُّربِ والقذفِ يُقَامُ عليهِ. القتل صبرًا ٢٦/ ١٢٠٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَة صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَات (٤). [سنده صحيح] ترجمة سعيد بن جبير (وعنْ سعيدِ بن جبير ﵁) (٥) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ بضمِّ الجيمِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ فمثناةٍ فراءٍ، الأسديُّ مولَى بني والبةَ بطنٌ منْ بني أسدِ بن

стр. 2098

خزيمةَ، كوفيٌّ أحدُ أعلام التابعينَ. سمعَ ابنَ مسعودٍ وابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ وأنسًا وأخذَ عنهُ عمرُو بنُ دينارٍ وأيوبُ. قتلَه الحجاجُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ في شعبانَ منْها، وماتَ الحجاجُ في رمضانَ منَ السنةِ المذكورةِ. (أن النبيَّ ﷺ قتلَ ثلاثة يوم بدر صبرًا) في "القاموس" (١): صَبْرُ الإنسانِ وغيرِه على القتلِ أنْ يُحْبَسَ ويُرْمَى حتَّى يموتَ، وقدْ قتلَه صَبْرا وصبَّره عليهِ، ورجلُ صبورةٌ مصبورٌ للقتلِ، انتَهى. (أخرجَه أبو داودَ في "المراسيل" ورجالُه ثِقَاتٌ)، والثلاثةُ همْ: طُعَيْمَةُ بنُ عديّ، والنضرُ بنُ الحارثِ، وعقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، ومَنْ قالَ بدلَ طعيمةَ المطعِمَ بنَ عديّ فقدْ صحَّفَ كما قالَه المصنفُ. وهذا دليلٌ علَى جوازِ قَتْلِ الصبْرِ، إلَّا أنهُ قدْ رُوِيَ عنهُ ﷺ برجالٍ ثقاتٍ وفي بعضِهم مقالٌ: "لا يُقْتَلَنَّ قرشيٌّ بعدَ هذا صبْرًا" (٢)، قالَه ﷺ بعدَ قَتْلِ ابن خَطَلٍ يومَ الفتحِ. جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين ٢٧/ ١٢٠٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلِ مُشْرِكٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (٣)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٤). [صحيح]

стр. 2099

(وعنْ عِمرانَ بن حصينٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ منَ المسلمينَ برجلٍ مشركٍ. أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ وأصلُه عندَ مسلمٍ)، فيهِ دليلٌ علَى جوازِ مُفَاداةِ المسلمِ الأسيرِ بأسيرٍ منَ المشركينَ، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. وقالَ أبو حنيفةَ: [لا تجوزُ] (١) المفاداةُ ويتعيَّنُ إما قتلُ الأسيرِ أوِ اسْتِرْقَاقُهُ. وزادَ مالكٌ أو مفاداتُهُ بأسيرٍ. وقالَ صاحِبا أبي حنيفةَ: تجوزُ المفاداةُ بغيرِ، أو بمالٍ أو قتلِ الأسيرِ أو استرقاقِهِ، وقدْ وقعَ منهُ ﷺ قَتْلُ الأسيرِ كما في قصةِ عقبةَ بن أبي معيطٍ (٢)، وفداؤُه بالمالِ كما في أَسَارَى بدرٍ (٣)، والمنُّ عليهِ كما مَنَّ على أبي غرةَ يومَ بدرٍ على أنْ لا يقاتِلَ فعادَ إلى القتالِ يومَ أُحُدٍ فأسرَهُ وقتلَه وقالَ في حقِّه: "لا يُلْدَغُ المؤمنُ منْ جُحْرٍ مرتينِ" (٤)، والاسترقاقُ وقعَ منهُ ﷺ لأهلِ مكةَ ثمَّ أعتقَهم (٥). من أسلم من الكفار حرم دمه وماله ٢٨/ ١٢٠٧ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِن الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (٦). [سنده ضعيف]

стр. 2100

ترجمة صخر بن أبي العيلة (وعنْ صخرِ) (١) بالصادِ المهملةِ فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ فراءٍ (ابن العيلةِ) بالعينِ المهملةِ مفتوحةً وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، ويُقَالُ ابنُ أبي العيلةِ، عِدادُه في أهلِ الكوفةِ وحديثُه عندَهم، رَوَى عنهُ عثمانُ بنُ أبي حازمٍ وهوَ ابنُ ابنِه (أن النبيّ ﷺ قالَ: إن القومَ إذا أسلمُوا أحرزُوا دماءَهم وأموالَهم. أخرجَه أبو داودَ ورجالُه موثقونَ). وفي معناهُ الحديثُ المتفقُ عليهِ: "أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتَّى يقولُوا: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فإذا قالُوها أحرزُوا دماءَهم وأموالَهم" (٢)، الحديثَ.

стр. 2101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2102

وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَنْ أسلمَ مِنَ الكفارِ حَرُمَ دمُهُ ومالُه وللعلماءِ تفصيلٌ في ذلكَ، قالُوا: مَنْ أسلمَ طَوْعًا مِنْ غير قتالٍ مَلَكَ مالَه وأرضَه وذلكَ كأرضِ اليمنِ، وإنْ أسلمُوا بعدَ القتالِ فالإسلامُ قدْ عصَمَ دماءَهم، وأما أموالُهم فالمنقولُ غنيمةٌ وغيرُ المنقولِ فيءٌ. ثمَّ اختلفَ العلماءُ في هذهِ الأرضِ التي صارتْ فيئًا للمسلمينَ على أقوالٍ: الأولُ: لمالكٍ (١) ونصرَهُ ابنُ القيمِ أنَّها تكونُ وقْفًا يُقْسَمُ خراجُها في مصالحِ المسلمينَ وأرزاقِ المقاتِلَةِ وبناءِ القناطرِ والمساجدِ وغيرِ ذلكَ منْ سُبُلِ الخيرات، إلَّا أنْ يَرَى الإمامُ في وقْتٍ منَ الأوقاتِ أنَّ المصلحةَ في قِسْمَتِها كانَ لهُ ذلكَ، قالَ ابنُ القيمِ (٢): وبهِ قالَ جمهورُ العلماءِ وكانتْ عليهِ سيرةُ الخلفاءِ الراشدينَ ونازعَ في ذلكَ بلالٌ وأصحابُه وقالُوا لعمرَ: اِقسمِ الأرضَ التي فتحُوها في الشامِ، وقالُوا لهُ: خذْ خُمُسَها واقْسِمْها. فقالَ عمرُ: هذا غيرُ المالِ ولكنْ أحبِسُه فيئًا يجري عليكمْ وعلى المسلمينَ، ثمَّ وافقَ سائرُ الصحابةِ عمرَ ﵁.

стр. 2103

وكذلكَ جَرَى في فتوحِ مصرَ والعراقِ وأرضِ فارسَ وسائرِ البلادِ التي فتحُوها عُنْوَةً، فلمْ يقسمْ منها الخلفاءُ الراشدونَ قريةً واحدةً: ثمَّ قالَ: ووافقَهُ على ذلكَ جمهورُ الأئمةِ وإن اختلفُوا في كيفيةِ بقائِها بلا قسمةٍ، فظاهرُ مذهبِ [الإمامِ] (١) أحمدَ وأكثرُ نصوصِه أن الإمامَ مخيَّرٌ فيها تخييرَ مصلحةٍ لا تخييرَ شهوةٍ، فإنْ كانَ الأصلحُ للمسلمينَ قسمتُها قسمَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ أنْ يقفَها على المسلمينَ وقَفَها عليهمْ، وإنْ كانَ الأصلحُ [ترك] البعضِ ووقْفَ البعضِ فَعَلَه. فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعلَ الأقسامَ الثلاثةَ، فإنهُ قسمَ أرضَ قريظةَ والنضيرِ وتركَ قسمةَ مكةَ وقسمَ بعضَ خيبرَ وتركَ بعضَها لما ينوبُه منْ مصالحِ المسلمينَ. وذهبَ الهادويةُ إلى أن الإمامَ مخيَّرٌ فيها بينَ الأصْلحِ منَ الأربعةِ الأشياءِ: إما القسمُ بينَ الغانمينَ، أو يتركُها لأهلِها على خراجٍ، أو يتركُها على معاملةٍ منْ غِلَّتها، أو يمنُّ بها عليهم. قالُوا: وقدْ فعلَ مثلَ ذلكَ النبي ﷺ . معرفة الجميل لأهله ٢٩/ ١٢٠٨ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في أُسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] ترجمة جبير بن مطعم (وعنْ جبيرٍ) (٣) بالجيمِ والموحدةِ والراءِ مصغَّرًا (ابن مطعمٍ) بِزِنَةِ اسمِ الفاعلِ أي ابن عديٍّ. وجبيرٌ صحابيٌّ [كان عارفًا] (٤) بالأنسابِ. [قيل إنه أخذ ذلك عن أبي بكر، وكانت وفاته] (٥) سنةَ ثمانٍ أو تسع وخمسينَ (أن النبيَّ ﷺ قالَ في

стр. 2104

أُسَارى بدرٍ: لوْ كانَ المطعمُ بنُ عديٍّ) هوَ والدُ جبيرٍ [المذكور هنا حيًا] (١) (ثمَّ كلَّمَني في هؤلاءِ النَّتْنَى) جمعُ نتنِ (٢) بالنونِ والمثناةِ الفوقيةِ (لتركتُهم لهُ. رواهُ البخاريُّ). المرادُ بهم أُسَارَى بدرٍ وصفَهم بالنتنِ لما همْ عليهِ منَ الشركِ كما وصفَ اللَّهُ تعالَى المشركينَ بالنجسِ (٣)، والمرادُ: لو طلبَ مني تَرْكَهم وإطلاقَهم منَ الأسرِ بغيرِ فداءٍ لفعلتُ ذلكَ مكافأةً لهُ على يدٍ لهُ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وذلكَ أنهُ ﷺ لما رجعَ منَ الطائفِ دخلَ ﷺ في جوارِ المطعمِ بن عديٍّ إلى مكةَ، فإنَّ المطعِمَ بنَ عديٍّ (٤) أمرَ أولادَه الأربعةَ فلبسُوا السلاحَ وقامَ كل واحدٍ منْهم عندَ ركن منَ الكعبةِ، فبلغَ ذلكَ قريشًا فقالُوا لهُ: أنتَ الرجلُ الذي لا تُخْفَرُ ذِمَّتُكَ، وقيلَ: إنَّ اليدَ التي كانتْ لهُ أنهُ أعظمُ مَنْ سَعَى في نقضِ الصحيفةِ (٥) التي كتبتْها قريش في قطيعةِ بني هاشمٍ ومَنْ مَعَهُم منَ المسلمينَ حينَ حَصَرُوهم في الشِّعْبِ. وكانَ المطعِمُ قدْ ماتَ قبلَ وقعةِ بدر كما رواهُ الطبراني. وفيهِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ تركُ أَخْذِ الفداءِ منَ الأسيرِ والسماحةِ بهِ لشفاعةِ رجلٍ عظيمٍ وأنهُ يُكَافَأُ المحسنُ وإنْ كانَ كافِرًا. لا توطأ مسبية حتى تستبرأ أو تضع ٣٠/ ١٢٠٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرّجُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٧). [صحيح]

стр. 2105

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: أصبْنَا سبايا يومَ أوطاسٍ لهن أزواجٌ فتحرَّجُوا، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) الآيةَ. أخرجَهُ مسلمٌ قالَ أبو عبيدٍ البكريِّ أوطاسٌ وادٍ في ديارِ هوازنَ. والحديثُ دليلٌ على انفساخِ نكاحِ المسبيةِ، فالاستثناءُ في الآية على هذا متصلٌ. وإلى هذا ذهبتَ الهادويةُ والشافعيُّ، وظاهرُ الآية الإطلاقُ سواءٌ سُبِيَ معَها زوجُها أم لا. ودل أيضًا على جوازِ الوطْءِ ولو قبلَ إسلامِ المسبيةِ سواءٌ كانت كتابيةً أو وثنيةً، إذِ الآيةُ عامةٌ ولم يعلمْ أنهُ ﷺ عرضَ على سَبَايا أوطاسٍ (٢) الإسلامَ ولا أخبرَ أصحابَهُ أنَّها لا تُوطَأُ مسبيةٌ حتَّى تُسْلِمَ، معَ أنهُ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ. ويدلُّ لِهَذَا ما أخرجَهُ الترمذيُّ (٣) منْ حديثِ العرباضِ بن ساريةَ أن النبيَّ ﷺ : "حرَّمَ وطءَ السبايا حتَّى يضعْنَ ما في بطونِهِنَّ"، فجعلَ للتحريمِ غايةً واحدةً وهيَ وضعَ الحمْلِ، ولمْ يذكرِ الإسلامَ، وما أخرجَهُ في "السنن" (٤) مرفُوعًا: "لا يحل لامرئٍ يؤمنُ باللَّهِ واليوم الآخرِ أنْ يقعَ على امرأةٍ منَ السَّبْي حتَّى يستبرئَها"، ولمْ يذكرِ الإسلامَ، أخرجَه أَحمدُ (٥). وأخرجَ أحمدُ (٦) أيضًا: "مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ [فلا ينكحُ] (٧) شيئًا منَ السبايا حتَّى تحيضَ حيضةً"، ولم يذكرِ الإسلامَ، ولا يعرفُ اشتراطُ الإسلامِ في المسبيَّةِ في حديثٍ واحدٍ. وقدْ ذهبَ إلى هذَا طاوسُ وغيرُه. وذهبَ الشافعيُّ وغيرُهُ منَ الأئمةِ إلى أنهُ لا يجوزُ وَطْءُ المسبيةِ بالملْكِ حتَّى تُسْلِمَ إذا لم تكنْ كتابيةً، وسَبَايا أوطاسٍ هنَّ

стр. 2106

وثنياتٌ فلا بدَّ عندَهم منَ التأويلِ بأنَّ حِلَّهُنَّ بعدَ الإسلامِ، ولا يتم ذلكَ إلا لمجردِ الدعْوى وقد عرفتَ أنهُ لم يأتِ دليلُ شَرطيهِ الإسلامِ. تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء ٣١/ ١٢١٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيّةً وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُم اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفلوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سريةً) بفتحِ السينِ المهملةِ وكسرِ الراءِ وتشديدِ الياءِ (وأنا فيهمْ قِبَلَ) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ أي جهةَ (نَجْدٍ، فغنمُوا إبلًا كثيرة وكانتْ سُهْمَائهم) بضمِّ السينِ المهملةِ جَمْعُ سَهْمٍ وهوَ النصيبُ (اثني عشرَ بعيرًا ونُفِلُوا بعيرًا بعيرًا. متفقٌ عليهِ). السريةُ قطعةٌ منَ الجيشِ تخرجُ منهُ وتعودُ إليهِ وهيَ منْ مائةِ إلى خمسمائةِ، والسريةُ التي تخرجُ بالليلِ والساريةُ التي تخرجُ بالنهارِ، والمرادُ منْ قولِه سُهْمَانِهم أي أنصبَاؤُهم، أي أنهُ بلغَ نصيبُ كلِّ واحدٍ منْهم هذا القدرَ، أعني اثني عشرَ بعيرًا، والنفلُ زيادةٌ يُزَادُها الغازي على نصيبِه منَ المغنَمِ. وقولُه: (نُفِلُوا) مبنيٌّ للمجهولِ فيحتَمَلُ أنهُ نفلَهم أميرُهم وهوَ أبو قتادةَ، ويُحْتَمَلُ أنهُ النبي ﷺ ، وظاهرُ روايةِ الليثِ عنْ نافعٍ عندَ مسلمٍ (٢) أن القسمَ والتنفيلَ كانَ منْ أميرِ الجيشِ وقرَّرَ النبي ﷺ ذلكَ؛ لأنَّه قالَ: ولم يغيرْهُ النبيّ ﷺ ، وأما روايةُ ابن عمرَ عندَ مسلمٍ بلفظِ: "ونفلَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ بعيرًا بعيرًا"، فقدْ قالَ النوويُّ (٣): نسبَ إلى النبيِّ ﷺ لما كانَ مقررًا لذلكَ، ولكنَّ الحديثَ عندَ أبي داودَ (٤) بلفظِ: "فأصبْنا نعمًا كثيرًا وأعطانا أميرُنا بعيرًا بعيرًا لكلِّ إنسانٍ، ثمَّ قدِمْنَا على النبيِّ ﷺ فقسمَ بينَنا غنيمتَنا، فأصابَ كل رجلٍ اثنى عشرَ بعيرًا بعدَ

стр. 2107

الخمسِ"، فدلَّ علَى أنَّ التنفيلَ منَ الأميرِ والقسمةَ منهُ ﷺ . وقدْ جمعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ التنفيلَ كانَ منَ الأميرِ قبل الوصول إلى النبي ﷺ ، ثم بعد الوصولِ قسَم النبي ﷺ [بين] (١) الجيشِ وتولى الأمير قبض ما هوَ للسريةِ جُمْلَةً ثمَّ قسمَ ذلكَ على أصحابِه، فمنْ نسبَ ذلكَ إلى النبيِّ ﷺ فَلِكَوْنِه الذي قسمَ أولَا، ومَنْ نسبَ ذلكَ إلى الأميرِ فباعتبارِ أنهُ الذي أعطَى ذلكَ أصحابَه آخِرًا. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ التنفيلِ للجيشِ ودَعْوَى أنهُ يختصُّ [ذلكَ] (٢) بالنبيِّ ﷺ دليلَ عليهِ، بلْ تنفيلُ الأميرِ قبلَ الوصولِ إليهِ ﷺ في هذهِ القصةِ دليلٌ على عدمِ الاختصاصِ، وقولُ مالكٍ إنهُ يُكْرَهُ أنْ يكونَ التنفيلُ بشرطٍ منَ الأميرِ بأنْ يقولَ مَنْ فعلَ كَذَا، فَلَهُ نفل كَذَا قالَ: لأنهُ يكونُ القتالُ للدنيا فلا يجوزُ، يردُّهُ قولُه ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ" (٣) سواءٌ قالَه ﷺ قبلَ القتالِ أو بعدَه؛ لأنهُ تشريعٌ عامٌّ إلى يوم القيامةِ، وأما لزومُ كونِ القتالِ للدنيا فالعمدةُ الباعثُ عليهِ فإنهُ لا يصيرُه قولُ الإمامِ: مَنْ فعلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا، قتالًا للدُّنيا بعدَ الإعلام أنَّ المجاهدَ في سبيلِ اللهِ مَنْ جاهدَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العُلْيَا. فمَنْ كانَ قصْدُه إعلاءَ كلمةِ اللهِ لم يضرَّهُ أنْ يريدَ معَ ذلكَ المغْنَم والاسترزاقَ كما قالَ ﷺ : "واجعلْ رزقي تحتَ ظلِّ رُمْحِي" (٤). واختلفَ العلماءُ هلْ يكونُ التنفيلُ منْ أصلِ الغنيمةِ، أوْ منَ الخمسِ، أوْ

стр. 2108

منَ خمسِ الخمسِ؟ قالَ الخطابيُّ (١): أكثرُ ما رُوِيَ منَ الأخبارِ يدلُّ على أن التنفيل منْ أصلِ الغنيمةِ. سهم الفارس والفرس والراجل ٣٢/ ١٢١١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). [صحيح] - وَلأَبِي دَاوُدَ (٣): أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُم: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ. (وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: قسمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ خيبرَ للفرَسِ سهمينِ وللراجلِ سَهْمًا. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ. ولأبي داودَ) أي عن ابن عمرَ (أسهمَ للرجلِ ولفرسِه ثلاثةَ أَسْهُمٍ سهمينِ لفرسِه وسهمًا لهُ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يسهمُ لصاحبِ الفرسِ ثلاثةَ سهامٍ منَ الغنيمةِ لهُ سهمٌ ولفرسهِ سهمانِ. وإليهِ ذهبَ الناصرُ والقاسمُ ومالكٌ والشافعيُّ لهذا الحديثِ، ولما أخرجَه أبو داودَ (٤) منْ حديثِ أبي عمرةَ أن النبيَّ ﷺ : "أَعْطَى للفرسِ سهمينِ ولكلِّ إنسانِ سهمًا، فكانَ للفارسِ ثلاثةُ أَسهمٍ"، ولما أخرجه النَّسَائِيُّ (٥) من حديث الزبير أن النبيَّ ﷺ : "ضربَ له أربعة أسهم: سهمينِ لفرسِهِ وسَهْمًا لهُ وسَهْمًا لقرابتِه"، يعني منَ النبيِّ ﷺ . وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أن الفرسَ لهُ سهمٌ واحدٌ لما في بعض

стр. 2109

الروايات بلفظِ: "فأعطَى للفارسِ سهمينِ وللراجلِ سَهْمًا"، وهوَ منْ حديثٍ مجمعِ بن جاريةَ، ولا يقاوِمُ حديثَ الصحيحينِ. واختلفُوا إذا حضرَ بفرسينِ، فقالَ الجمهورُ: لا يُسْهَمُ إلا لفرسٍ واحدٍ ولا يُسْهَمُ لها إلا إذا حضرَ بها القتالَ. ٣٣/ ١٢١٢ - وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ (٣). [صحيح] (وعنْ معنِ) بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ، هوَ أبو يزيدَ معنُ بنُ يزيدَ السُّلَميِّ بضمِّ السينِ المهملةِ وفتح اللام، لهُ ولأبيهِ ولجدِّهِ صحبةٌ، شهدُوا بَدرًا كما قيلَ ولا يعلمُ مَنْ شهدَ بدْرًا هوَ وأبوهُ وجدُّه غيرُهم، وقيلَ لا يصح شهودُه بَدْرًا. يُعَدُّ في الكوفيينَ (ابن يزيدَ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: لا نَفَلَ) بفتحِ النونِ وفتحِ الفاءِ هوَ الغنيمةُ (إلَّا بعدَ الخُمُسِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحَه الطحاويّ). المرادُ بالنَّفَلِ هوَ ما يزيدُه الإمامُ لأحدِ الغانمينَ على نصيبهِ. وقدِ اتفقَ العلماءُ على جوازِه، واختلفُوا هل يكونُ من أصل الغنيمة أوْ منَ الخمُس، وحديثُ معنٍ هذا ليسَ فيهِ دليلٌ على أحدِ الأمرينِ بلْ غايةُ ما دل عليهِ [أنَّها] تُخَمَّسُ الغنيمةُ قبلَ التنفيلِ منْها. وتقدَّمَ ما قالَه الخطابيُّ منْ أنَّ أكثرَ الأخبارِ دالَّةٌ على أن التنفيلَ منْ أصلِ الغنيمةِ. واختلفوا في مقدارِ التنفيلِ، فقالَ بعضُهم: لا يجوزُ أنْ ينفلَ أكثرُ منَ الثلثِ أو منَ الربعِ كما يدلُّ عليهِ قولُه. تفويض مقدار ما يتنفل به إلى الإمام ٣٤/ ١٢١٣ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ في الْبَدْءَةِ، وَالثلُثَ في الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ

стр. 2110

الْجَارُودِ (١) وَابْنُ حِبّانَ (٢) وَالْحَاكِمُ (٣). [حسن] ترجمة حبيب بن مسلمة (وعنْ حبيبِ بن مسلمةَ) (٤) بالحاءِ المهملةِ المفتوحةِ وموحدتيْنِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ، هوَ عبدُ الرحمنِ حبيبُ بنُ مسلمةَ القرشي الفهري وكانَ يُقَالُ لهُ حبيبُ الرومِ لكثرةِ مجاهدتِه لهمْ، ولَّاهُ عمرُ ﵁ أعمالَ الجزيرةِ وضمَّ إليهِ أرمينيةَ وأذربيجانَ، وكانَ فاضلًا مجابَ الدعوةِ. ماتَ بالشامِ أوْ بأرمينيةَ سنةَ اثنتينِ وأربعينَ ﵁ وأرضاه. (قالَ: شهدتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ نفَّلَ الربعَ في البدْأَةِ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ وسكونِ الدالِ المهملةِ (والثلثَ في الرجعةِ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحه ابنُ الجارودِ وابن حِبَّانَ والحاكمُ). دلَّ الحديثُ على أنهُ ﷺ لم يجاوزِ الثلثَ في التنفيلِ، وقالَ آخرونَ: للإمام أنْ ينفلَ السريةَ جميعَ ما غنمتْ لقولِه تعالَى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥)، ففوَّضَها إليهِ ﷺ . والحديثُ لا دليلَ فيهِ على أنهُ لا يُنْفَلُ أكثرُ منَ الثلثِ. واعلمْ أنهُ اختُلِفَ في تفسيرِ الحديثِ فقالَ الخطابيُّ روايةً عن ابن المنذرِ: إنهُ ﷺ إنما فرق بينَ البدأةَ [والقفولَ] (٦) حينَ فضلَ [إحدى] (٧) العطيَّتينِ على الأخرى لقوةِ الظهرِ عندَ دخولِهم وضعْفِه عندَ خروجِهم، ولأنَّهم وهمْ داخلونَ

стр. 2111

أنشطُ وأشْهى للسيرِ والإمعانِ في بلادِ العدوِّ وأجمُّ، وهمْ عندَ القفولِ تضعف دوابِّهم وأبدانِهم وهمْ أشْهَى للرجوعِ إلى أوطانِهم وأهاليهم لطولِ عهدِهم بهمْ وحبِّهم للرجوعِ فيرَى أنهُ زادَهم في القفولِ لهذِه العلةِ، واللَّهُ أعلمُ. قالَ الخطابيُّ بعدَ نقلِه كلامَ ابن المنذرِ: هذا ليسَ بالبيِّنِ لأنَّ فحواهُ يوهمُ أن الرجعةَ هي القفولُ إلى أوطانِهم وليسَ هوَ معنَى الحديثِ، والبدأةُ إنَّما هيَ ابتداءُ السفرِ للغزوِ إذا نهضتْ سريةٌ منْ جملةِ العسكرِ، فإذا وقعتْ بطائفةِ منَ العدوِّ كانَ لهمْ فيهِ الربعُ ويشركُهم سائرُ العسكرِ في ثلاثةِ أرباعِه، فإنْ قفلُوا منَ الغزوةِ ثمَّ رجعُوا فأوقعُوا بالعدوِّ ثانيةً كانَ لهم مما غنمُوا الثلثُ لأنَّ نهوضَهم بعدَ القفولِ أشدُّ لكونِ العدوِّ علَى حَذَرٍ وحَزْمِ انتَهى، وما قالَه هوَ الأقربُ. واللَّهُ سبحانه أعلم. ٣٥/ ١٢١٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّل بعضَ مَنْ يبعثُ منَ السَّرايا لأنفسِهم خاصة سوى قسمةِ عامةِ الجيشِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ أنهُ ﷺ لمْ يكنْ ينفلُ كلَّ مَنْ [يبعثُه] (٢) بلْ بحسبِ ما يراهُ منَ المصلحةِ في التنفيلِ. الأخذ من طعام العدو قبل القسمة ٣٦/ ١٢١٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ في مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنأْكُلُهُ ولَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَلأَبي دَاودَ (٤): فَلَمْ يُؤخَذْ مِنْهُ الْخُمُسُ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٥). [صحيح]

стр. 2112

(وعنهُ قالَ: كنَّا نصيبُ في مغازيْنَا العسلَ والعنبَ فنأكلُه ولا نرفعُه. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ) أي عن ابن عمرَ (فلمْ يُؤْخَذْ [منه] (١) الخمسُ، وصحَّحَهما ابنُ حبانَ). لا نرفعُه: لا نحملُه على سبيلِ الادِّخارِ، أوْ لا نرفعُه إلى مَنْ يتولَّى أمرَ الغنيمةِ ونستأذنُه في أكْلِهِ اكتفاءً بما عُلِمَ منَ الإذْنِ في ذلكَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجوزُ للغانمينَ أَخْذُ القوتِ وما يصلحُ بهِ وكلُّ طعامٍ اعْتِيْدَ أَكلُه عمومًا، وكذلكَ علفُ الدوابِّ قبلَ القسمةِ سواءٌ كانَ بإذنِ الإمامِ أو [بغيرِ إذنِه] (٢). ودليلُهم هذا الحديثُ وما أخرجَهُ الشيخانِ (٣) منْ حديثِ ابن مغفلٍ قالَ: "أصبتُ جرابَ شحمٍ يوم خيبرَ فقلتُ: لا أُعطي منهُ أحدًا، فالتفتُّ فإذا رسولُ اللَّهِ ﷺ يبتسمُ". وهذهِ الأحاديثُ مخصِّصَةٌ لأحاديثِ النَّهْي عن الغُلولِ، ويدلُّ له أيضًا الحديثُ الآتي وهوَ قولُه: المحافظة على الفيء ٣٧/ ١٢١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أَوْفَى ﵁ قالَ: أصَبْنَا طعامًا يومَ خيبرَ فكانَ الرجلُ يجيءُ فيأخذُ منهُ مقدار ما يكفيه ثمَّ ينصرفُ. أخرجَهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ والحاكمُ)، فإنهُ واضحٌ في الدلالةِ على أخْذِ الطعامِ قبلَ القسمةِ وقَبْلَ التخميسِ، قالَه الخطابي (٧). وأما سلاحُ العدوِّ ودوابُّهم فلا أعلمُ بينَ المسلمينَ خلافًا في جوازِ

стр. 2113

استعمالِها، [فإذا] (١) انقضتِ الحربُ فالواجبُ ردُّها في المغنَمِ. وأما الثيابُ والحرْثُ والأدواتُ فلا يجوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ، شيءٌ منْها إلا أنْ يقولَ قائل إنهُ إذا احتاجَ إلى شيءٍ مِنْها لحاجةٍ ضروريةٍ كانَ لهُ أنْ يستعملَهُ مثلَ أنْ يشتدَّ البردُ [فيستدفئِ] (٢) بثوبٍ ويتقوَّى بهِ على المقامِ [بأرض] (٣) العدوِّ ومرصدًا لقتالِهم. وسُئِلَ الأوزاعي عنْ ذلكَ فقالَ: لا يَلْبَسُ الثوبَ إلا أنْ يخافَ الموتَ. قلتُ: الحديثُ الآتي: ٣٨/ ١٢١٧ - وَعَنْ رُويفِعِ بْن ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالدَّارِمِيُّ (٥)، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. [إسناده حسن] (وعنْ رويفعِ بن ثابتٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فلا يركبْ دابةً منْ فيءِ المسلمينَ حتَّى إذا أَعْجَفَها ردَّها فيهِ، ولا يلبسْ ثوبًا منْ فيءِ المسلمينَ حتَّى إذا أخْلَقَهُ ردَّهُ فيهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والدارميُّ ورجالُه لا بأسَ بهمْ). يُوخَذُ منهُ جوازُ الركوبِ ولبسُ الثوبِ، وإنَّما يتوجهُ النَّهيُ إلى الإعجافِ والإخْلاقِ للثوبِ، ولو ركبَ منْ غيرِ إعجافٍ ولبسَ منْ غيرِ إخلاقٍ وإتلافٍ جازَ. يجير على المسلمين أدناهم ٣٩/ ١٢١٨ - وَعَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَاحِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٦) وَأَحْمَدُ (٧)، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [صحيح لغيره]

стр. 2114

(وعنْ أبي عبيدةَ بن الجراحِ) [بالجيمِ والراءِ والحاءِ المهملةِ] (١) (قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: يُجيْرُ) بالجيمِ والراءِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ، منَ الإجارَةِ وهيَ الأمانُ (على المسلمينَ بعضهم. أخرجَهُ ابن أبي شيبةَ وأحمدُ وفي إسنادِه ضعفٌ) لأنَّ في إسنادِه الحجَّاجَ بنَ أرطأةَ ولكنَّه يَجْبُرُ ضَعْفَهُ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه: ٤٠/ ١٢١٩ - وَللطَّيَالِسِيِّ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ". [صحيح لغيره] (وللطيالسي منْ حديثِ عمروِ بن العاصِ: يجيرُ علَى المسلمينَ أَدْنَاهُمْ)، وما في الصحيحينِ وهوَ: ٤١/ ١٢٢٠ - وَفي الصَّحِيحَيْنِ (٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵁: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ"، زَادَ ابنُ مَاجَهْ (٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: "وَيُجِيرُ عَلَيهِمْ أَقْصَاهُمْ". [صحيح] (عنْ عليٍّ ﵁ ذمةُ المسلمينَ واحدةٌ يسعَى بها أدناهُم. زادَ ابن ماجهْ) منْ حديثِ عليٍّ أيضًا (منْ وجْهٍ آخرَ: ويجيرُ عليهم أَقْصَاهم) كالدفعِ لتوهُّمِ أنهُ لا يجيرُ إلا أدناهم فتدخلُ المرأةُ في جوازِ إجارتها على المسلمينَ كما أفادَه الحديثُ الآتي:

стр. 2115

٤٢/ ١٢٢١ - وَفي الصَّحِيحَيْنِ (١) مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئِ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ". [صحيح] ترجمة أم هانئ (وفي الصحيحينِ منْ حديثِ أمِّ هانئ) (٢) بنتِ أبي طالبٍ، قيلَ اسمُها هندُ وقيلَ فاطمةُ وهيَ أختُ علي بن أبي طالبٍ كرم اللَّهُ وجهه (قدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) وذلكَ أنَّها أجارتْ رجلينِ منْ أحْمَائِها، وجاءتْ إلى النبيِّ ﷺ تخبرُهُ أن عليًا أخاها لم يُجِزْ إجارتَها فقالَ ﷺ : (قدْ أَجَرْنا) الحديثَ. والأحاديثُ دالةٌ على صحةِ أمانِ الكافرِ منْ كل مسلم ذكرٍ أو أُنْثَى، حرٍّ أمْ عبدٍ، مأذونٍ أوْ غيرِ مأذونٍ، لقولِه: "أدناهُم" فإنهُ شاملٌ لكلّ وضيعٍ، وتُعْلَمُ صحةُ أمانِ الشريفِ بالأَوْلَى، وعلَى هذا جمهورُ العلماءِ إلَّا عندَ جماعةٍ منْ أصحابِ مالكٍ فإنَّهم قالُوا: لا يصحُّ أمانُ المرأةِ إلا بإذنِ الإمامِ وذلكَ لأنَّهم حملُوا قولَه ﷺ لأمِّ هانئٍ: "قدْ أجرْنا مَنْ أَجَرْتِ" على أنهُ إجازةٌ منهُ، قالُوا: [ولو] (٣) لم يجزْ لم يصحَّ أمانُها، وحملَه الجمهورُ على أنهُ ﷺ أمضَى ما وقعَ منْها وأنهُ قدْ انعقدَ أمانُها لأنهُ ﷺ سمَّاها مجيرةً ولأنَّها داخلةٌ في عمومِ المسلمينَ في الحديثِ علَى ما يقولُه بعضُ أئمةِ الأصولِ، أوْ منْ بابِ التغليبِ بقرينةِ الحديثِ الآتي: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ٤٣/ ١٢٢٢ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لأخرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 2116

(وعنْ عمرَ ﵁ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى منْ جزيرةِ العربِ حتَّى لا أدعَ إلا مسلمًا. رواة مسلمٌ). وأخرجَهُ أحمدُ (١) بزيادة: "لئنْ عشتُ إلى قابلٍ". وأخرجَ الشيخانِ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵄ أَنهُ ﷺ أوصَى عندَ موتِه بثلاثٍ: "أخرجُوا المشركينَ منْ جزيرةِ العربِ"، وأخرجَ البيهقي (٣) منْ حديثِ مالكٍ عن ابن شهابٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ"، قالَ مالكٌ (٤): قالَ ابنُ شهابٍ ففحصَ عمرُ عنْ ذلكَ حتَّى أتاهُ الثَّلَجُ واليقيَنُ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ"، فأجْلَى يهودَ خيبرَ، قالَ مالكٌ (٥): وقدْ أَجْلَى يهودَ نجرانَ وفدكَ أيضًا. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ إخراجِ اليهودِ والنَّصارى والمجوسِ منْ جزيرةِ العربِ لعمومِ قولِه: "لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ"، وهوَ عامٌّ لكلِّ دينٍ، والمجوسُ بخصوصِهم حُكْمُهم حكمُ أهلِ الكتابِ كما عرف. وأما حقيقةُ جزيرةِ العربِ، فقالَ مجدُ الدينِ في "القاموسِ" (٦): جزيرةُ العرب ما أحاطَ بهِ بَحرُ الهِندِ وبحرُ الشام ثمَّ دِجْلَةُ والفُراتُ، أو ما بينَ عَدَنِ أَبْيَنَ إلى أطَرافِ الشامِ طولًا، ومَنْ جُدَّةَ إلى [أَطرافِ] ريفِ العراقِ عرْضًا. انتَهى. وأضيفتْ إلى العربِ لأنَّها كانتْ أوطانَهم قبلَ الإسلامِ وأوطانَ أسلافِهم وهي تحتَ أيديْهم. وبما تضمنتْه الأحاديثُ منْ وجوبِ إخراجِ مَنْ له دينٌ غيرُ دينِ

стр. 2117

الإسلامِ منْ جزيرةِ العربِ قالَ مالكٌ والشافعي وغيرُهما، إلا أنَّ الشافعيَّ والهادويةَ خصُّوا ذلكَ بالحجازِ قالَ الشافعيُّ: وإنْ سألَ مَنْ يعطي الجزيةَ أنْ يعطيَها ويجري عليهِ الحكمَ على أنْ يسكنَ الحجازَ لم يكنْ له ذلكَ، والمرادُ بالحجازِ: مكةُ والمدينةُ واليمامةُ ومخاليفُها كلُّها، وفي "القاموسِ" (١): الحجازُ مكةُ والمدينةُ والطائفُ ومخاليفُها، لكأنها حجزتْ بينَ نجدٍ وتهامةَ أوْ بينَ نجدٍ وتهامة السراةِ، أو لأنَّها احتجزتْ بالحرارِ الخمسِ، حرَّةِ بني سليمٍ، وواقمٍ، وليلَى، وشورانَ، والنارِ. قالَ الشافعيُّ: ولا أعلمُ أحدًا أَجْلَى أحدًا منْ أهلِ الذمةِ من اليمنِ وقدْ كانتْ لها ذمةٌ، وليسَ اليمنُ بحجاز فلا يجلِيهم أحدٌ منَ اليمنِ ولا بأسَ أنْ يصالحَهُم على مُقَامِهم باليمنِ. قلتُ: لا يخْفَى أن الأحاديثَ الماضيةَ فيها الأمرُ بإخراجِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الأديانِ غيرِ دينِ الإسلام منْ جزيرةِ العربِ، والحجازُ بعضُ جزيرةِ العربِ. ووردَ في حديثِ أبي عبيدةَ (٢) الأمرُ بإخراجِهم منَ الحجازِ وهوَ بعضُ مسمَّى جزيرةِ العربِ، والحكمُ على بعضِ مسمَّياتِها بحكمِ موافق للحكم عليها لا يعارِضُ الحكمَ عليها كلِّها بذلكَ الحكمِ، كما قرَّرَ في الأصولِ أنَّ الحكمَ على بعضِ أفرادِ العامِّ لا يخصِّصُ العامَّ وهذا نظيرُه، وليستْ جزيرةُ العربِ منْ ألفاظِ العمومِ كما وهمَ فيهِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وغايةُ ما أفادَه حديثُ أبي عبيدةَ زيادةُ التأكيدِ في إخراجِهم منَ الحجازِ لأنهُ دخلَ إخراجُهم منَ الحجازِ تحتَ الأمرِ بإخراجِهم منْ جزيرةِ العربِ، ثمَّ أفردَ بالأمرِ زيادة في التأكيدِ لا أنهُ تخصيصٌ أوْ نسخ، وكيفَ وقدْ كانَ آخرَ كلامِه ﷺ : "أخرجُوا المشركينَ منْ جزيرةِ العربِ" (٣) كما قالَ ابنُ عباسٍ: أَوْصَى عندَ موتِه.

стр. 2118

وأخرجَ البيهقي (١) منْ حديثِ مالكٍ عنْ إسماعيلَ بن أبي حكيمٍ أنهُ سمعَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ: بلغني أنهُ كانَ منْ آخِرِ ما تكلَّم بهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنهُ قالَ: "قاتلَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، لا يبقينَّ دينانِ بأرضِ العربِ". وأما قولُ الشافعيِّ: ولم أعلم أحدًا أجلاهم منَ اليمنِ، فليسَ تركُ إجلائِهم بدليلٍ، فإنَّ أعذارَ مَنْ تَرَكَ ذلكَ كثيرةٌ، وقدْ تركَ أبو بكرٍ ﵁ إجلاءَ أهلِ الحجازِ معَ الاتفاقِ على وجوبِ إجلائِهم لشغلته بجهادِ أهلِ الرِدَّةِ ولم يكنْ ذلكَ دليلًا على أنَّهم لا يجلونَ بلْ أجلاهُم عمرُ ﵁، وأما القولُ بأنهُ ﷺ أقرَّهم في اليمنِ بقولِه لمعاذٍ: "خذْ منْ كلِّ حالمٍ دينارًا أو عَدْلُه معافريًا" (٢)، فهذَا كانَ قبلَ أمرِه ﷺ بإخراجِهم فإنهُ كانَ عندَ وفاتِه كما عرفتَ. فالحقُّ وجوبُ إجلائِهم منَ اليمنِ لوضوحِ دليلِه، وكذلك القولُ بأنَّ تقريرَهم في اليمنِ قدْ صارَ إجْماعًا سكوتيًا كلام لا ينهضُ على دَفْعِ الأحاديثِ، فإنَّ السكوتَ منَ العلماءِ على أمرٍ وقعَ منَ الآحادِ مِنْ خليفةٍ أو غيرِه مِنْ فعلٍ محظورٍ أوْ تركِ واجب لا يدلُّ على جوازِ ما وقعَ ولا علَى جوازِ ما تركَ، فإنهُ إنْ كان الواقعُ فعلًا أو تَرْكًا منكرًا وسكتُوا لم يدلَّ سكوتُهم على أنهُ ليسَ بمنكرٍ لما عُلِمَ

стр. 2119

منْ أن مراتبَ [الإنكار] (١) ثلاثٌ: باليدِ أو اللسانِ أو بالقلبِ، وانتفاءُ الإنكارِ باليدِ واللسانِ لا يدلُّ على انتفائِه بالقلبِ، فلعل الساكت أنكر بقلبه لعذر عن التغيير باليد واللسان، وحينئد فلا يدل سكوته علة تقريرِه لما وقعَ حتَّى يُقَالَ قد [أجمعت الأمة عليه] (٢) إِجْمَاعًا سكوتيًا، إذْ لا يثبتُ أنهُ قدْ أجمعَ الساكت إلا إذا عُلِمَ رضاهُ بالواقعِ، ولا يَعْلمُ ذلكَ إلَّا علَّامُ الغيوبَ. بهذَا [يُعْرَفُ] (٣) بطلان القولِ بأن الإجماعَ السكوتيَّ حجةٌ ولا أعلمُ أحدًا قدْ حرَّرَ هذا في ردِّ الإجماعِ السكوتيِّ معَ وضوحِه، والحمدِ للَّهِ المنعمِ المتفضلِ، وقد أوضحْناهُ في رسالةٍ مستقلةٍ، فالعجبُ ممن قالَ: ومثلُه قدْ يفيدُ القطعَ، وكذلكَ قولُ مَنْ قالَ: إنهُ يحتمل أن حديثَ الأمرِ بالإخراجِ كانَ عندَ سكوتِهم بغير جزيةٍ باطلٌ لأنَّ الأمرَ بإخراجهم عندَ وفاته ﷺ والجزيةُ فُرِضَتْ في التاسعة منَ الهجرةِ عندَ نزولِ براءةَ فكيفَ يتمُّ هذَا، ثمَّ إنَّ عمرَ أَجْلَى أهلَ نجرانَ وقدْ كانَ صالَحَهُمْ على مالٍ واسعٍ كما هوَ معروفٌ وهوَ جزيةٌ. والتكلفُ [بتقويم] (٤) ما عليهِ الناسُ وردُّ ما وردَ من [النصوصُ] (٥) بمثل هذهِ التأويلاتِ مما يطيلُ تعجبَ الناظرِ المنصفِ. قالَ النوويُّ: قالَ العلماءُ رحمَهم اللَّهُ تعالَى: ولا يُمْنعُ الكفارُ منَ الترددِ مسافرينَ إلى الحجازِ ولا يمكثونَ فيهِ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ، قالَ الشافعيُّ ومَنْ وافقَهُ: إلَّا مكة وحَرَمَها فلا يجوزُ تمكينُ كافر منْ دخولِها بحالٍ. فإنْ دخل في خفيةٍ وجبَ إخراجُه، فإنْ ماتَ ودُفِنَ فيهِ نُبشَ وأُخْرِجَ [ما لم يتغيرْ] (٦)، وحجَّتُه قولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٧). قلتُ: ولا يخفَى أن [البانيان] (٨) همُ المجوسُ، والمجوس حكْمُهم منْ حكمِ أهلَ الكتابِ لحديثِ: "سُنُّوا بهمْ سُنَّةَ أهلِ الكتاب" (٩)، فيجبُ إخراجُهم منْ

стр. 2120

أرضِ اليمنِ ومِنْ كلِّ محلٍّ منْ جزيرةِ العربِ، وعلَى فَرَضِ أنَّهم ليسُوا بمجوسٍ فالدليلُ علَى إخراجِهم دخولهُم تحتَ: "لا يجتمعُ دينانِ في أرضِ العربِ" (١). إجلاء بني النضير من المدينة ٤٤/ ١٢٢٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ خَاصّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّة في سَبِيلِ اللَّهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي عمرَ ﵁ (قالَ: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ) بفتحِ النونِ وكسرِ الضادِ المعجمةِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ (مما أفاءَ الله علَى رسولِه مما لم يوجِفْ) الإيجافُ منَ الوجيف وهوَ السيرُ السريعُ (عليهِ المسلمونَ بخيلٍ ولا رِكابٍ) الرِّكابُ بكسرِ الراءِ الإبلُ (وكانت للنبيِّ ﷺ خاصةً، وكان ينفق على أهلهِ نفقة سنةٍ وما بقيَ [يجعلُه] (٣) في الكُرَاعِ) بالراءِ والعينِ المهملةِ بزنةِ غُرابٍ اسمٌ لجميعِ الخيلِ (والسلاحِ عدةً في سبيلِ اللهِ تعالَى. متفقٌ عليهِ). بنو النَّضيرِ قبيلةٌ كبيرة منَ اليهودِ وادَعَهم النبيُّ ﷺ بعدَ قدومِه إلى المدينةِ علَى أنْ لا يحاربُوا وأنْ لا يعينُوا عليهِ عدوَّهُ وكانتْ أموالُهم ونخيلُهم ومنَازِلُهمْ بناحيةِ المدينةِ فنكثُوا العهدَ وسارَ معهُم كعبُ بنُ الأشرفِ في أربعينَ راكبًا إلى قريشٍ فحالفَهم وكانَ ذلكَ على رأسِ ستةِ أشهرٍ منْ واقعةِ بدرٍ كما ذكرهُ الزهريُّ،

стр. 2121

وذكرَ ابنُ إسحاقَ في "المغازي" أن ذلكَ كانَ بعدَ [وقعة] (١) أُحُدٍ وبئرِ معونةَ (٢) "وخرجَ النبيَّ يستعينُهم في ديةِ رجلينِ قتلَهما عمرُو بنُ أميةَ الضميريُّ منْ بني عامر قد أمَّنهم النبي ﷺ ولم يشعر عمرو بذلك، فجلسَ النبيُّ ﷺ إلى جنب جدارٍ لهم فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدارِ وقامَ بذلكَ عمرُو بنُ جِحَاشِ بن كعبٍ، فأتاهُ الخبرُ منَ السماءِ فقامَ مظهرًا أنهُ يقضي حاجةً وقالَ لأصحابِه: لا تبرحُوا، ورجعَ مسرِعًا إلى المدينةِ، فاستبطأَهُ أصحابُه فأُخبرُوا أنهُ رجعَ إلى المدينةِ فلحقُوا بهِ فأمرَ بحربِهم والمسيرِ إليهم، فتحصَّنُوا فأمرَ بقطعِ النخلِ والتحريقِ وحاصرَهم ستَ ليالٍ، وكانَ ناسٌ منَ المنافقينَ (٣) بعثُوا إليهم أنِ اثْبُتُوا وتمنَّعُوا فإنْ قُوتِلْتُم قاتلْنا معَكم، فتربَّصُوا فقذفَ اللَّهُ الرعبَ في قلوبِهم فلمْ ينصُروهُم، فسألُوا أنْ يجلُوا عن أَرْضِهم على أنَّ لهمْ ما حملتِ الإبلُ، فصُولِحُوا على ذلكَ إلا الحَلَقَة - بفتحِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ اللامِ فقافٍ - وهيَ السلاحُ، فخرجُوا إلى أذرعاتٍ (٤) وأريحاءٍ منَ الشامِ وآخرونَ إلى الحيرةِ، ولحقَ آلُ أبي الحقيقِ وآلُ حييِّ بن أخطبَ بخيبرَ وكانوا أولَ مَنْ أُجْلِيَ منَ اليهودِ كما قالَ تعالَى: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ (٥)، والحشرُ الثاني مِنْ خيبرَ في أيامِ عمرَ ﵁. [وقولُه] (٦): ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الفيءُ ما أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، قالَ في "نهايةِ المجتهدِ" (٧): إنهُ لا خُمُسَ فيهِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وإنما لم يوجَفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ لأنَّ بني النضيرِ كانتْ على ميلينِ منَ المدينةِ فَمَشَوْا إليها مشاةً غيرَ رسولِ الله ﷺ فإنهُ ركبَ جملًا أو حمارًا ولم تنلْ أصحابَهُ ﷺ مشقةٌ في ذلكَ. وقولُه: "كانَ ينفقُ علَى أَهْلِهِ أي مما استبقاهُ لنفسهِ، والمرادُ أنهُ يعزلُ لهمْ نفقةَ سنةٍ ولكنَّه كانَ ينفقُه قبلَ انقضاءِ السنةِ في وجوهِ الخيرِ ولا يتم عليهِ السنةُ،
следующие страницы →