← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2117–2156 · переход к 2122.

стр. 2117

الإسلامِ منْ جزيرةِ العربِ قالَ مالكٌ والشافعي وغيرُهما، إلا أنَّ الشافعيَّ والهادويةَ خصُّوا ذلكَ بالحجازِ قالَ الشافعيُّ: وإنْ سألَ مَنْ يعطي الجزيةَ أنْ يعطيَها ويجري عليهِ الحكمَ على أنْ يسكنَ الحجازَ لم يكنْ له ذلكَ، والمرادُ بالحجازِ: مكةُ والمدينةُ واليمامةُ ومخاليفُها كلُّها، وفي "القاموسِ" (١): الحجازُ مكةُ والمدينةُ والطائفُ ومخاليفُها، لكأنها حجزتْ بينَ نجدٍ وتهامةَ أوْ بينَ نجدٍ وتهامة السراةِ، أو لأنَّها احتجزتْ بالحرارِ الخمسِ، حرَّةِ بني سليمٍ، وواقمٍ، وليلَى، وشورانَ، والنارِ. قالَ الشافعيُّ: ولا أعلمُ أحدًا أَجْلَى أحدًا منْ أهلِ الذمةِ من اليمنِ وقدْ كانتْ لها ذمةٌ، وليسَ اليمنُ بحجاز فلا يجلِيهم أحدٌ منَ اليمنِ ولا بأسَ أنْ يصالحَهُم على مُقَامِهم باليمنِ. قلتُ: لا يخْفَى أن الأحاديثَ الماضيةَ فيها الأمرُ بإخراجِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الأديانِ غيرِ دينِ الإسلام منْ جزيرةِ العربِ، والحجازُ بعضُ جزيرةِ العربِ. ووردَ في حديثِ أبي عبيدةَ (٢) الأمرُ بإخراجِهم منَ الحجازِ وهوَ بعضُ مسمَّى جزيرةِ العربِ، والحكمُ على بعضِ مسمَّياتِها بحكمِ موافق للحكم عليها لا يعارِضُ الحكمَ عليها كلِّها بذلكَ الحكمِ، كما قرَّرَ في الأصولِ أنَّ الحكمَ على بعضِ أفرادِ العامِّ لا يخصِّصُ العامَّ وهذا نظيرُه، وليستْ جزيرةُ العربِ منْ ألفاظِ العمومِ كما وهمَ فيهِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وغايةُ ما أفادَه حديثُ أبي عبيدةَ زيادةُ التأكيدِ في إخراجِهم منَ الحجازِ لأنهُ دخلَ إخراجُهم منَ الحجازِ تحتَ الأمرِ بإخراجِهم منْ جزيرةِ العربِ، ثمَّ أفردَ بالأمرِ زيادة في التأكيدِ لا أنهُ تخصيصٌ أوْ نسخ، وكيفَ وقدْ كانَ آخرَ كلامِه ﷺ : "أخرجُوا المشركينَ منْ جزيرةِ العربِ" (٣) كما قالَ ابنُ عباسٍ: أَوْصَى عندَ موتِه.

стр. 2118

وأخرجَ البيهقي (١) منْ حديثِ مالكٍ عنْ إسماعيلَ بن أبي حكيمٍ أنهُ سمعَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ: بلغني أنهُ كانَ منْ آخِرِ ما تكلَّم بهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنهُ قالَ: "قاتلَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، لا يبقينَّ دينانِ بأرضِ العربِ". وأما قولُ الشافعيِّ: ولم أعلم أحدًا أجلاهم منَ اليمنِ، فليسَ تركُ إجلائِهم بدليلٍ، فإنَّ أعذارَ مَنْ تَرَكَ ذلكَ كثيرةٌ، وقدْ تركَ أبو بكرٍ ﵁ إجلاءَ أهلِ الحجازِ معَ الاتفاقِ على وجوبِ إجلائِهم لشغلته بجهادِ أهلِ الرِدَّةِ ولم يكنْ ذلكَ دليلًا على أنَّهم لا يجلونَ بلْ أجلاهُم عمرُ ﵁، وأما القولُ بأنهُ ﷺ أقرَّهم في اليمنِ بقولِه لمعاذٍ: "خذْ منْ كلِّ حالمٍ دينارًا أو عَدْلُه معافريًا" (٢)، فهذَا كانَ قبلَ أمرِه ﷺ بإخراجِهم فإنهُ كانَ عندَ وفاتِه كما عرفتَ. فالحقُّ وجوبُ إجلائِهم منَ اليمنِ لوضوحِ دليلِه، وكذلك القولُ بأنَّ تقريرَهم في اليمنِ قدْ صارَ إجْماعًا سكوتيًا كلام لا ينهضُ على دَفْعِ الأحاديثِ، فإنَّ السكوتَ منَ العلماءِ على أمرٍ وقعَ منَ الآحادِ مِنْ خليفةٍ أو غيرِه مِنْ فعلٍ محظورٍ أوْ تركِ واجب لا يدلُّ على جوازِ ما وقعَ ولا علَى جوازِ ما تركَ، فإنهُ إنْ كان الواقعُ فعلًا أو تَرْكًا منكرًا وسكتُوا لم يدلَّ سكوتُهم على أنهُ ليسَ بمنكرٍ لما عُلِمَ

стр. 2119

منْ أن مراتبَ [الإنكار] (١) ثلاثٌ: باليدِ أو اللسانِ أو بالقلبِ، وانتفاءُ الإنكارِ باليدِ واللسانِ لا يدلُّ على انتفائِه بالقلبِ، فلعل الساكت أنكر بقلبه لعذر عن التغيير باليد واللسان، وحينئد فلا يدل سكوته علة تقريرِه لما وقعَ حتَّى يُقَالَ قد [أجمعت الأمة عليه] (٢) إِجْمَاعًا سكوتيًا، إذْ لا يثبتُ أنهُ قدْ أجمعَ الساكت إلا إذا عُلِمَ رضاهُ بالواقعِ، ولا يَعْلمُ ذلكَ إلَّا علَّامُ الغيوبَ. بهذَا [يُعْرَفُ] (٣) بطلان القولِ بأن الإجماعَ السكوتيَّ حجةٌ ولا أعلمُ أحدًا قدْ حرَّرَ هذا في ردِّ الإجماعِ السكوتيِّ معَ وضوحِه، والحمدِ للَّهِ المنعمِ المتفضلِ، وقد أوضحْناهُ في رسالةٍ مستقلةٍ، فالعجبُ ممن قالَ: ومثلُه قدْ يفيدُ القطعَ، وكذلكَ قولُ مَنْ قالَ: إنهُ يحتمل أن حديثَ الأمرِ بالإخراجِ كانَ عندَ سكوتِهم بغير جزيةٍ باطلٌ لأنَّ الأمرَ بإخراجهم عندَ وفاته ﷺ والجزيةُ فُرِضَتْ في التاسعة منَ الهجرةِ عندَ نزولِ براءةَ فكيفَ يتمُّ هذَا، ثمَّ إنَّ عمرَ أَجْلَى أهلَ نجرانَ وقدْ كانَ صالَحَهُمْ على مالٍ واسعٍ كما هوَ معروفٌ وهوَ جزيةٌ. والتكلفُ [بتقويم] (٤) ما عليهِ الناسُ وردُّ ما وردَ من [النصوصُ] (٥) بمثل هذهِ التأويلاتِ مما يطيلُ تعجبَ الناظرِ المنصفِ. قالَ النوويُّ: قالَ العلماءُ رحمَهم اللَّهُ تعالَى: ولا يُمْنعُ الكفارُ منَ الترددِ مسافرينَ إلى الحجازِ ولا يمكثونَ فيهِ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ، قالَ الشافعيُّ ومَنْ وافقَهُ: إلَّا مكة وحَرَمَها فلا يجوزُ تمكينُ كافر منْ دخولِها بحالٍ. فإنْ دخل في خفيةٍ وجبَ إخراجُه، فإنْ ماتَ ودُفِنَ فيهِ نُبشَ وأُخْرِجَ [ما لم يتغيرْ] (٦)، وحجَّتُه قولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٧). قلتُ: ولا يخفَى أن [البانيان] (٨) همُ المجوسُ، والمجوس حكْمُهم منْ حكمِ أهلَ الكتابِ لحديثِ: "سُنُّوا بهمْ سُنَّةَ أهلِ الكتاب" (٩)، فيجبُ إخراجُهم منْ

стр. 2120

أرضِ اليمنِ ومِنْ كلِّ محلٍّ منْ جزيرةِ العربِ، وعلَى فَرَضِ أنَّهم ليسُوا بمجوسٍ فالدليلُ علَى إخراجِهم دخولهُم تحتَ: "لا يجتمعُ دينانِ في أرضِ العربِ" (١). إجلاء بني النضير من المدينة ٤٤/ ١٢٢٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ خَاصّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّة في سَبِيلِ اللَّهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي عمرَ ﵁ (قالَ: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ) بفتحِ النونِ وكسرِ الضادِ المعجمةِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ (مما أفاءَ الله علَى رسولِه مما لم يوجِفْ) الإيجافُ منَ الوجيف وهوَ السيرُ السريعُ (عليهِ المسلمونَ بخيلٍ ولا رِكابٍ) الرِّكابُ بكسرِ الراءِ الإبلُ (وكانت للنبيِّ ﷺ خاصةً، وكان ينفق على أهلهِ نفقة سنةٍ وما بقيَ [يجعلُه] (٣) في الكُرَاعِ) بالراءِ والعينِ المهملةِ بزنةِ غُرابٍ اسمٌ لجميعِ الخيلِ (والسلاحِ عدةً في سبيلِ اللهِ تعالَى. متفقٌ عليهِ). بنو النَّضيرِ قبيلةٌ كبيرة منَ اليهودِ وادَعَهم النبيُّ ﷺ بعدَ قدومِه إلى المدينةِ علَى أنْ لا يحاربُوا وأنْ لا يعينُوا عليهِ عدوَّهُ وكانتْ أموالُهم ونخيلُهم ومنَازِلُهمْ بناحيةِ المدينةِ فنكثُوا العهدَ وسارَ معهُم كعبُ بنُ الأشرفِ في أربعينَ راكبًا إلى قريشٍ فحالفَهم وكانَ ذلكَ على رأسِ ستةِ أشهرٍ منْ واقعةِ بدرٍ كما ذكرهُ الزهريُّ،

стр. 2121

وذكرَ ابنُ إسحاقَ في "المغازي" أن ذلكَ كانَ بعدَ [وقعة] (١) أُحُدٍ وبئرِ معونةَ (٢) "وخرجَ النبيَّ يستعينُهم في ديةِ رجلينِ قتلَهما عمرُو بنُ أميةَ الضميريُّ منْ بني عامر قد أمَّنهم النبي ﷺ ولم يشعر عمرو بذلك، فجلسَ النبيُّ ﷺ إلى جنب جدارٍ لهم فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدارِ وقامَ بذلكَ عمرُو بنُ جِحَاشِ بن كعبٍ، فأتاهُ الخبرُ منَ السماءِ فقامَ مظهرًا أنهُ يقضي حاجةً وقالَ لأصحابِه: لا تبرحُوا، ورجعَ مسرِعًا إلى المدينةِ، فاستبطأَهُ أصحابُه فأُخبرُوا أنهُ رجعَ إلى المدينةِ فلحقُوا بهِ فأمرَ بحربِهم والمسيرِ إليهم، فتحصَّنُوا فأمرَ بقطعِ النخلِ والتحريقِ وحاصرَهم ستَ ليالٍ، وكانَ ناسٌ منَ المنافقينَ (٣) بعثُوا إليهم أنِ اثْبُتُوا وتمنَّعُوا فإنْ قُوتِلْتُم قاتلْنا معَكم، فتربَّصُوا فقذفَ اللَّهُ الرعبَ في قلوبِهم فلمْ ينصُروهُم، فسألُوا أنْ يجلُوا عن أَرْضِهم على أنَّ لهمْ ما حملتِ الإبلُ، فصُولِحُوا على ذلكَ إلا الحَلَقَة - بفتحِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ اللامِ فقافٍ - وهيَ السلاحُ، فخرجُوا إلى أذرعاتٍ (٤) وأريحاءٍ منَ الشامِ وآخرونَ إلى الحيرةِ، ولحقَ آلُ أبي الحقيقِ وآلُ حييِّ بن أخطبَ بخيبرَ وكانوا أولَ مَنْ أُجْلِيَ منَ اليهودِ كما قالَ تعالَى: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ (٥)، والحشرُ الثاني مِنْ خيبرَ في أيامِ عمرَ ﵁. [وقولُه] (٦): ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الفيءُ ما أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، قالَ في "نهايةِ المجتهدِ" (٧): إنهُ لا خُمُسَ فيهِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وإنما لم يوجَفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ لأنَّ بني النضيرِ كانتْ على ميلينِ منَ المدينةِ فَمَشَوْا إليها مشاةً غيرَ رسولِ الله ﷺ فإنهُ ركبَ جملًا أو حمارًا ولم تنلْ أصحابَهُ ﷺ مشقةٌ في ذلكَ. وقولُه: "كانَ ينفقُ علَى أَهْلِهِ أي مما استبقاهُ لنفسهِ، والمرادُ أنهُ يعزلُ لهمْ نفقةَ سنةٍ ولكنَّه كانَ ينفقُه قبلَ انقضاءِ السنةِ في وجوهِ الخيرِ ولا يتم عليهِ السنةُ،

стр. 2122

ولهذَا تُوُفِّيَ ﷺ ودرعُه [مرهون] (١) على شعيرٍ استدانَه لأهلِه (٢). وفيهِ دلالةٌ على جوازِ ادِّخارِ قوتِ سنةٍ وأنهُ لا ينافي التوكلَ. وأجمعَ العلماءُ على جوازِ [الادخار] (٣) مما يستغله الإنسانُ منْ أَرْضِهِ، وأما إذا أرادَ أنْ يشتريَهُ منَ السوقِ ويدَّخره فإنْ كانَ في وقتِ ضيقِ الطعامِ لم يجزْ بلْ يشتري ما لا يحصلُ بهِ تضييقٌ على المسلمينَ كقوتِ أيامٍ أو شهرٍ، وإنْ كانَ في وقتِ سَعَةٍ اشتَرى قوتَ السنةِ، وهذا التفصيلُ نقلُه القاضي عياض عنْ أكثرِ العلماءِ (٤). دليل على تنفيل الجيش ٤٥/ ١٢٢٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا في الْمَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. [حسن] (وعنْ معاذِ بن جبلٍ ﵁ قالَ: غزْونا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ خيبرَ فأصبْنا فيها غنمًا، فقسمَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ طائفةً وجعلَ بقيَّتَها في المغنمِ: رواهُ أبو داودَ ورجالُه لا بأسَ بهمْ). الحديثُ مِنْ أدلةِ التنفيلِ، وقدْ سلفَ الكلامُ فيهِ، ولو ضمَّه المصنف ﵀ إليها لكانَ أَوْلَى. لا يحبس الرسول ولا ينقض العهد ٤٦/ ١٢٢٥ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبيّ ﷺ : "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) وَالنَّسَائيُّ (٧)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٨). [صحيح]

стр. 2123

(وعنْ أبي رافعٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إني لا أَخِيسُ) بالخاءِ المعجمةِ فمثناةِ تحتيةِ فسينٍ مهملةٍ، في "النهايةِ": لا أنقضُه (بالعهدِ، ولا أحبِسُ الرسلَ، رواهُ أبو داودَ والنسائي وصحَّحَه ابن حِبَّانَ). في الحديثِ دليلٌ على حفظِ العهدِ والوفاءِ بهِ ولوْ لكافرٍ، وعلَى أنهُ لا يُحْبَسُ الرسولُ بلْ يُرَدُّ جوابُه، فكأنَّ وصولَه أمان لهُ لا يجوزُ أنْ يُحْبَسَ بلْ يُرَدَّ. حكم الأرض المفتوحة ٤٧/ ١٢٢٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتيتُمُوهَا فَأَقَمْتمْ فِيهَا فَسَهْمُكمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أيُّما قريةٍ أتيتمُوها فأقمتم فيها فسهمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عصتِ اللَّهِ ورسولَه فإن خُمُسَها للَّهِ ورسولِه ثمَّ هيَ لكمْ. رواهُ مسلمٌ). قالَ القاضي عياضٌ في "شرح مسلم" (٢): "يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المرادُ بالقريةِ الأُولى هي التي لم يوجِفْ عليها المسلمون بخيلٍ ولا رِكَابٍ بلْ أُجْلِيَ عنْها أهلُها أو صالَحُوا فيكونُ سهمُهم فيها أي حقُّهم منَ العطاءِ كما تقررَ في الفيءِ، ويكونُ المرادُ بالثانيةِ ما أُخِذَتْ عُنْوةً فيكونُ غنيمةً يخرجُ منْها الخمسَ والباقي للغانمينَ، [وهوَ] (٣) معنَى قولِه: "هي لكمْ"، أي باقيْهَا. وقدِ احتجَّ بهِ مَنْ لم يوجبِ الخمسَ في الفيءِ، قالَ ابنُ المنذرِ: لا نعلمُ أحدًا قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمس في الفيءِ" اهـ. * * *

стр. 2124

[الباب الثاني] باب الجزية والهدنة الأظهرُ [في الجزيةِ] أنَّها مأخوذةٌ منَ الإجزاءِ لأنَّها تكفي مَنْ تُوضَعُ عليهِ في عصمةِ دمهِ، (والهدنةُ): هي متاركةُ أهلِ الحربِ مدةً معلومةً لمصلحةٍ، ومشروعيةُ (١) الجزيةِ سَنةَ تسعٍ على الأظهرِ وقيلَ: سنةَ ثمانٍ. أخذ الجزية من المَجوس ١/ ١٢٢٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا يَعْني الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] وَلَهُ طَرِيقٌ في "الْمُوَطَّإ" (٣) فِيها انْقِطَاعٌ. [مرسل منقطع] (عنْ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ أن النبيّ ﷺ أخذَها - يعني الجزيةَ - منْ مَجوسِ هَجَرَ. رواة البخاريُّ ولهُ طريق في "الموطأ" فيها انقطاعٌ)، وهيَ ما أخرجَهُ الشافعيُّ (٤) عن ابن شهابٍ أنهُ بلغَهُ "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أخذ الجزيةَ منْ مجوسِ

стр. 2125

البحرينِ". قالَ البيهقيُّ (١): وابنُ شهاب إنَّما أخذَ حديثَه عن ابن المسيِّبِ وابن المسيِّب حسنُ المرسلِ، فهذا هوَ الانقطاعُ الذي أشارَ إليهِ المصنفُ. وأخرجَ الشافعيُّ (٢) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ [بن عوف] (٣) أن عمرَ بنَ الخطابِ ذكرَ المجوسَ فقالَ: لا أدري كيفَ أصنعُ في أمرِهم، فقالَ عبدُ الرحمنِ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "سنُّوا بهمْ سنَّةُ أهلِ الكتابِ". وأخرجَ أبو داودَ (٤) والبيهقي (٥) عن ابن عباسٍ قالَ: جاءَ رجلٌ منْ مجوسِ هَجَرَ (٦) إلى النبيّ ﷺ ، فلما خرجَ قلتُ لهُ: ما قضَى اللَّهُ ورسولُه فيكمْ؟ قالَ: شرًا، قلتُ: مهْ، قالَ: الإسلامُ أوِ القتلُ. قالَ: وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: قَبِلَ منهمُ الجزيةَ. قالَ ابنُ عباسٍ: وأخذَ الناسُ بقولِ عبدِ الرحمنِ وتركُوا ما سمعتُ أنا. قلتُ: لأنَّ روايةَ عبدِ الرحمنِ موصولة صحيحة وروايةُ ابن عباسٍ هيَ عنْ مجوسيٍّ لا تُقْبَلُ اتفاقًا. وأخرجَ الطبراني (٧) عنْ مسلمِ بن العلاءِ الحضرميِّ في آخرِ حديثِه بلفظِ: "سنُّوا بالمجوس سنةَ أهلِ الكتابِ". وأخرجَ البيهقيُّ (٨) عن المغيرةِ في حديثٍ طويلٍ معَ فارسَ وقالَ فيهِ: "فأمرَنا نبيُّنا ﷺ أنْ نقاتَلكم حتَّى تعبدُوا اللَّهَ وحدَهُ أوْ تؤدُّوا الجزيةَ". وكانَ أهلُ هجرَ خصُوصًا كما دلتِ الآيةُ على أخْذِها منْ أهلِ الكتابِ اليهودِ والنَّصارى، قالَ الخطابيُّ (٩): وفي امتناعِ

стр. 2126

عمرَ ﵁ عن أَخْذِ الجزيةِ منَ المجوسَ حتَّى شهدَ عبدُ الرحمنِ أن النبيَّ ﷺ أخذَها منْ مجوسِ هجرَ، دليل علَى أن رأي الصحابةِ أنْ لا تُوخَذَ الجزيةُ منْ كلِّ مشركٍ كما ذهبَ إليهِ الأوزاعيُّ وإنَّما تُقْبَلُ منْ أهلِ الكتابِ. وقد اختلفَ العلماءُ في المعنَى الذي [منْ أجلِه] (١) أُخِذَتِ الجزيةُ [مِنْهم] (٢)، فذهبَ الشافعيُّ في أغلبِ قولَيْهِ إلى أنَّها إنَّما قُبِلتْ منْهم لأنَّهم منْ أهلِ الكتابِ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وقال أكثر أهل العلمِ: إنَّهم ليسُوا منْ أهلِ الكتابِ وإنَّما أُخِذَتِ الجزيةُ منَ اليهودِ والنَّصارى بالكتابِ ومنَ المجوسِ بالسنة، انتَهى. قلتُ: قد قدَّمْنا لكَ أن الحقَّ أخْذُ الجزيةِ منْ كلِّ مشركٍ كما دلَّ لهُ حديثُ بُريدةُ، ولا يخْفَى أن في قولِه: "سنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب" ما يُشْعِرُ أنهم ليسُوا بأهلِ كتابٍ. ويدلُّ لما قدَّمْنَاهُ قولُه: أخذ الجزية من العرب ٢/ ١٢٢٨ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵃ أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ. فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). [حسن] ترجمة عاصم بن عمر (وعنْ عاصمِ بن عمرَ) (٤) هوَ أبو عمروٍ عاصمُ بنُ عمرَ بن الخطابِ ﵁ العدويُّ القرشيُّ. وُلدَ قبلَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بسنتيْنِ وكانَ وسيمًا جسيمًا خيِّرًا

стр. 2127

فاضلًا شاعرًا، ماتَ سنةَ سبعينَ قبلَ موتِ أخيهِ عبدِ اللَّهِ بأربعِ سنينَ، وهوَ جدُّ عمرَ بن عبدِ العزيزِ لأُمِّهِ. رَوَى عنهُ أبو أمامةَ بنُ سهلِ بن حنيفٍ وعروةُ بنُ الزبيرِ. (عنْ أنسٍ) أي ابن مالكٍ (وعنْ عثمانَ بن أبي سليمانَ) أي ابن جبيرِ بن مطعمٍ القرشيِّ المكيِّ، سمعَ [أبا] (١) أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمن وعامرَ بن عبد اللَّهِ بن الزبيرِ وغيرَهم (أن النبيَّ ﷺ بعثَ خالدَ بنَ الوليدَ إلى أُكيْدِرِ) بضمِّ الهمزةِ بعدَ الكافِ مثناةٌ تحتيةٌ فدالٌ مهملةٌ فراءٌ (ذومةِ) بضمِّ الدالِ المهملةِ وسكونِ الواوِ، وهي دُومةُ الجندلِ اسمُ محلٍّ (فأخذُوه فحقنَ دمَة وصالحَه على الجزيةِ. رواهُ أبو داودَ) قالَ الخطابيُّ (٢): أكيدرُ دومةُ رجلٍ منَ العربِ يقالُ منْ غسَّانَ. ففي هذا دليلٌ على أَخْذِ الجزيةِ منَ العربِ كجوازهِ منَ العجَم، انتَهى. قلتُ: فهوَ منْ أدلةِ ما قدَّمناهُ، وكانَ ﷺ بعثَ خالدًا منْ تبوكَ والنبيُّ ﷺ بها في آخرِ غزاةٍ غَزَاها وقالَ لخالدٍ: "إنكَ تجدُه يصيدُ البقرَ" (٣)، فمضَى خالدٌ حتَّى إذا كانَ منْ حصنِه بمبصَرِ العينِ في ليلةٍ مقمرةٍ أقامَ وجاءتْ بقرُ الوحشِ حتَّى حكَّتْ قرونَها بباب القصرِ فخرجَ إليها أكيدرُ في جماعةٍ منْ خاصَّتِهِ فتلقتْهم خيل رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأخذُوا أكيدرَ وقتلُوا أخاهُ حسانَ، فحقنَ رسولُ اللَّهِ دمَهُ وكانَ نصرانيًا واستلبَ خالدُ [منْ] حسانَ قباءَ ديباجٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ وبعثَ بهِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأجارَ خالدٌ أكيدرَ منَ القتلِ حتَّى يأتيَ بهِ رسولَ اللَّهِ ﷺ على أن يفتحَ لهُ دومةَ الجندلِ، ففعلَ، وصالحهُ على ألفيْ بعيرٍ وثمانمائةِ رأسٍ وألفي درعٍ وأربعمائةِ رمحٍ، فعزلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيُّهُ (٤) خَالصًا ثم قسمَ الغنيمةَ -

стр. 2128

الحديثَ"، وفيهِ أنهُ قدِمَ خالدٌ بأكيدرَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فدعاهُ إلى الإسلامِ فأبَى فأقرَّه على الجزيةِ. مقدار الجزية على كل حالم ٣/ ١٢٢٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ. فَأَمَرَنِي "أَنْ آخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ معَافِريًّا". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثةُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) وَالْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ معاذِ بن جبلٍ ﵁ قالَ: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليمنِ وأمرني أنْ آخذَ منْ كلِّ حالِمٍ دينارًا أو عِدْلَه) بالعينِ المهملةِ مفتوحةً وتُكْسَرُ، المثلُ، وقيلَ بالفتحِ ما عادلَه منْ جِنْسهِ، [وبالكسرِ ما ليسَ منْ جنسه] (٤)، وقيلَ بالعكس كما في "النهايةِ" (٥) ثمَّ دالٌ مهملةٌ. (معافريًا) بفتحِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ [بعدها ألفٌ] (٦) ففاءٌ وراءٌ بعدَها ياءُ النسبةِ إلى معافرٍ وهيَ بلدٌ باليمنِ تُصْنَعُ فيها الثيابُ فنسبتْ إليها، فالمرادُ أو عدلَه ثوبًا معافريًا.

стр. 2129

(أخرجَهُ الثلاثةُ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ) وقالَ الترمذيُّ (١): حديثٌ حسنٌ. وذكرَ أن بعضَهم رواهُ مرسلًا وأنهُ أصحُّ وأعلَّه ابنُ حزمٍ (٢) بالانقطاعِ وأنَّ مسروقًا لم يلقَ معاذًا، وفيهِ نظرٌ. وقالَ أبو داودَ (٣): إنهُ منكرٌ، قالَ: وبلغني عنْ أحمدَ أنهُ كانَ ينكرُ هذا الحديثَ إنكارًا شديدًا، قالَ البيهقيُّ (٤): إنَّما المنكرُ روايةُ أبي معاويةَ عن الأعمشِ عنْ إبراهيمَ عنْ مسروقٍ عنْ معاذٍ، فأما روايةُ الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ فإنَّها محفوظةً قدْ رواها عن الأعمشِ جماعةٌ منْهم سفيانُ الثوريُّ وشعبةُ ومعمرٌ وجرير وأبو عوانةَ ويحيى بنُ سعيد وحفصُ بنُ غياثِ، قالَ بعضُهم عنْ معاذٍ، وقالَ بعضُهم: إنَّ النبيَّ ﷺ لما بعثَ معاذًا إلى اليمنِ أو معناهُ. والحديثُ دليلٌ على تقديرِ الجزيةِ بالدينارِ منَ الذهبِ علي كلِّ حالِمٍ أي بالغٍ، وفي روايةٍ محتلِم. وظاهرُ إطلاقِه سواءٌ كانَ غنيًا أو فقيرًا، والمرادُ أنهُ يُوخَذُ الدينارُ ممنْ ذكرَ في السنةِ، وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ فقالَ: أقل ما يؤخذُ منْ أهلِ الذِمَّةِ دينارٌ على كلِّ حالمٍ، وبهِ قالَ أحمدُ فقالَ: الجزيةُ دينارٌ أو عَدْلُه منَ المعافريِّ لا يزادُ عليهِ ولا يُنْقَصُ، إلا أن الشافعيَّ جعلَ ذلكَ حدًّا في جانبِ القلَّةِ، وأما الزيادةُ فتجوزُ لما أخرجَه أبو داودَ (٥) منْ حديثِ ابن عباسٍ: "أن النبيَّ ﷺ صالحَ أهل نجرانَ على ألفي حُلَّةٍ النصفُ في محرَّمٍ والنصفُ في رجبٍ يؤدُّونَها إلى المسلمينَ وعاريةً ثلاثينَ دِرْعًا وثلاثينَ فرسًا، وثلاثينَ بعيرًا وثلاثينَ منْ كلِّ صِنْفٍ منْ أصنافِ السلاحِ يغْزو بها المسلمونَ ضامنينَ لها حتَّى يردُّوها عليهمْ إنْ كانَ باليمنِ كيدٌ". قالَ الشافعي: قدْ سمعتُ بعضَ أهلِ العلمِ منَ المسلمينَ ومنْ أهلِ الذمةِ منْ أهلِ نجرانَ يذكر أن قيمةَ ما أخذُوا منْ كلِّ واحدٍ أكثرُ منْ دينارٍ، وإلى هذا

стр. 2130

ذهبَ عمرُ فإنهُ أخذَ زائدًا على الدينارِ، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى أنه لا توقيفَ في [قدرِ] (١) الجزيةِ في القلةِ ولا في الكثرةِ وأنَّ ذلكَ موكولٌ إلى نظرِ الإمامِ، ويجعل هذهِ الأحاديثَ محمولةً على التخييرِ والنظرِ في المصلحةِ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنها لا تُوخَذُ الجزيةَ منَ الأُنْثَى لقولِه: "حالمٍ"، قالَ في "نهاية المجتهدِ" (٢): اتفقُوا على أنها لا تجبُ الجزيةُ إلا بثلاثة أوصافٍ: الذكورية والبلوغِ والحريةِ. واختلفُوا في المجنونِ المقعدِ والشيخِ وأهلِ الصوامعِ، [والكبير] (٣)، والفقيرِ، قالَ: وكلُّ هذهِ مسائلُ اجتهاديةٌ ليسَ فيها توقيفٌ شرعيٌّ، قالَ: وسببُ اختلَافِهم هلْ يقتلونَ أمْ لا. اهـ. هذا وأما روايةُ البيهقيُّ (٤) عن الحكمِ بن عتيبةَ أن النبيَّ ﷺ كتبَ إلى معاذٍ باليمنِ "على كلِّ حالمٍ أوْ حالمةٍ دينارًا أو قيمتُه"، فإسنادُها منقطعٌ، وقدْ وصَلَه أبو شيبةَ عن الحكمِ بن عتيبةَ عنْ مقسم عن ابن عباسٍ بلفظِ: "فعلَى كلِّ حالمٍ [دينارٌ] (٥) أو عَدْلُه منَ المعافِرِ ذكرٍ أوْ أُنْثَى، حرٍّ أو عبدٍ، دينارٌ أو عِوَضُه منَ الثيابِ"، لكنَّه قالَ البيهقيُّ (٤): أبو شيبةَ ضعيفٌ، وفي البابِ عنْ عمرِو بن حزمٍ (٦) ولكنَّه منقطعٌ وعنْ عروةَ (٧) وفيهِ انقطاعٌ. وعنْ معمرٍ عن الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ عنْ معاذٍ وفيهِ: "وحالمةٍ"، لكنْ قالَ أئمةُ الحديثِ: إن معمرًا إذا رَوَى عنْ غيرِ الزهريِّ يغلط كثيرًا. وبهِ يُعْرَفُ أنهُ لم يثبتْ في أَخْذِ الجزيةِ منَ الأُنْثَى حديثٌ يُعْمَلُ بهِ. وقالَ الشافعيُّ: سألتُ محمدَ بنَ خالدٍ وعبدِ اللَّهِ بنَ عمرِو بن مسلمٍ وعددًا منْ علماءِ أهلِ المدينةِ وكلُّهم حَكَوْا عنْ عددٍ مضُوا قَبْلَهم يحكونَ عنْ عددٍ مَضَوْا قَبلَهم كلُّهم ثقةٌ أن صلحَ النبيّ ﷺ كانَ لأهلِ الذمةِ باليمنِ على دينارٍ كلَّ سنةٍ ولا

стр. 2131

يثبتونَ أن النساءَ كُنَّ ممنْ يؤخذُ منهُ الجزيةُ، وقالَ عامتُهم: ولم يؤخذْ مِنْ زروعِهم وقدْ كانَ لهم زروعٌ، ولا منْ مواشيْهم شيئًا علمْناهُ. قالَ: وسألتُ عددًا كثيرًا منْ ذمةِ أهلِ اليمنِ متفرقينَ في بلدانِ اليمنِ فكلهم أثبتَ لي لا يختلفُ قولُهم أنَّ معاذًا أخذَ منْهم دينارًا عنْ كلِّ بالغٍ منْهم وسموا البالغَ حالِمًا، قالُوا: وكانَ [ذلك] (١) في كتابِ النبيِّ ﷺ معَ معاذٍ "إنَّ علَى كلِّ حالمٍ دينارًا". واعلمْ أنهُ يُفْهَمُ منْ حديثِ معاذٍ هذَا، وحديثِ بريدةَ المتقدمِ (٢) أنهُ يجبُ قبولُ الجزية ممنْ بذلَها ويحرمُ قتلُه وهوَ المفهومُ منْ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ [عَن يَدٍ] (٣)﴾ (٤) الآيةَ، أنهُ ينقطعُ القتالُ المأمورُ بهِ في صدرِ الآيةِ منْ قولِه تعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) بإعطاءِ الجزيةِ، وأما جوازُه وعدمُ قَبولِ الجزيةِ فتدلُّ الآيةُ علَى النَّهْي عن القتالِ عندَ حصولِ الغايةِ وهوَ إعطاءُ الجزيةِ، فيحرمُ قتالُهم بعدَ إعطائِها. علو الإسلام بالوقوف عند العمل به ٤/ ١٢٣٠ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرو المُزنيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٥). [حسن]

стр. 2132

(وعنْ عائذِ بن عمرٍو المزني عن النبيِّ ﷺ قالَ: الإسلامُ يعلُو ولا يُعْلَى. أخرجَهُ الدارقطنيُّ)، فيهِ دليلٌ على عُلُوِّ أهلِ الإسلامِ على أهلِ الأديانِ في كلِّ أمرٍ لإطلاقِه، فالحقُّ لأهلِ الإيمانِ إذا عارضَهم غيرُهم منْ أهلِ المللِ كما أُشِيْرَ إليهِ في إلجائِهم إلى مضايقِ الطرقِ، ولا يزالُ الدينُ الحق يزدادُ عُلُوًا والداخلونَ فيهِ أكثرُ في كلِّ عصرٍ منَ الأعصارِ (١). السلام على الكفار وحكمه ٥/ ١٢٣١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيّ ﷺ قالَ: لا تبدأوا اليهودَ والنَّصارى بالسلامِ، وإذا لقيتُم أحدَهم في طريقِ فاضْطَرُّوه إلى أضْيَقِهِ. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دليل على تحريمِ

стр. 2133

ابتداءِ المسلمِ لليهودي والنصراني بالسلامِ لأنَّ ذلكَ أصلُ النَّهي، وحَمْلُهُ علَى الكراهةِ خلافُ أصلِه وعليهِ حملَه الأقل. وإلى التحريمِ ذهبَ الجمهورُ منَ السلفِ والخلفِ، وذهبَ طائفةٌ منهم ابنُ عباسٍ إلى جوازِ الابتداءِ لهم بالسلامِ وهوَ وجهٌ لبعضِ الشافعيةِ إلا أنهُ قالَ المازريُّ إنهُ يُقَالُ: السلامُ عليكَ بالإفرادِ، ولا يقالُ [السلامُ] عليكمْ، واحتجَّ له بعمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْنًا﴾ (١)، وأحاديثُ الأمرِ بإفشاءِ السلامِ. والجوابُ أنَّ هذهِ العموماتِ مخصوصةٌ بحديثِ البابِ، وهذا إذا كانَ الذميُّ [منفردًا] (٢)، وأما إذا كانَ معهُ مسلمٌ جازَ الابتداءُ بالسلامِ ينوي بهِ المسلمَ؛ لأنهُ قدْ ثبتَ أنهُ ﷺ سلمَ علَى مجلسٍ فيهِ أخلاطٌ منَ المشركينَ والمسلمينَ. ومفهومُ قولِه: لا تبدءُوا، أن لا نهي عن الجوابِ عليهمْ إن سلَّموا، ويدلُّ لهُ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣)، وأحاديثُ: "إذا سلَّمَ عليكمْ أهلُ الكتابِ فقولُوا: وعليكمْ" (٤)، وفي روايةٍ: "إنَّ اليهودَ إذا سلَّموا عليكمْ [يقولُ أحدُهم السَّامُ عليكمْ] (٥) فقولُوا: وعليكَ" (٦)، وفي روايةٍ: "قلْ: وعليكَ" (٧)، أخرجَها مسلمٌ. واتفقَ العلماءُ علَى أنهُ يُرَدُّ على أهلِ الكتابِ ولكنَّه يقتصرُ على قولِه وعليكم وهوَ هكذَا بالواوِ عندَ مسلمٍ في رواياتٍ (٨). قالَ الخطابيُّ: عامةُ المحدِّثينَ يَرْوُوْن هذا الحرفَ بالواوِ، قالُوا: وكانَ ابنُ عيينةَ يرويهِ بغيرِ الواوِ، وقالَ الخطابي: هذا هوَ الصوابُ لأنهُ إذا حَذَفَ الواو صارَ كلامُه بعينِه مردودًا عليهمْ خاصةً، وإذا

стр. 2134

أثبتَ الواوَ اقتضَى المشاركةَ معَهُم فيما [قالُوه] (١)، قالَ النوويُّ (٢): إثباتُ الواوِ وحذفُها جائزٌ إنْ صحَّتْ الرواية به، فإنَّ الواوَ وإن اقتضتِ المشاركةَ فالموتُ هوَ علينا وعليهم ولا امتناعَ. وفي الحديثِ دليلٌ على إلجائِهم إلى مضايقِ الطُّرقِ إذا اشتركُوا همْ [والمسلمونَ] (٣) في الطريقِ، فيكونُ [طريقهم الضيق، والأوسع] (٤) للمسلمينَ، فإنْ خلتِ الطريقُ عن المسلمينَ فلا حرجَ عليهم، وأما ما يفعلُه اليهودُ في هذهِ الأزمنةِ منْ تعمدِ جَعْلِ [المسلم] (٥) على يسارِهِم إذا لاقاهُم في الطريقِ، فشيءٌ ابتدعُوه لم يُرْوَ فيهِ شيءٌ، وكأنَّهَم يريدونَ التفاؤلَ بأنَّهم أصحابِ اليمينِ فينبغي مَنْعهُم مما يتعمَّدونَه منْ ذلكَ لشدةِ محافَظَتِهِمْ عليهِ ومضادةِ [المسلمينِ] (٦). وثيقة صلح الحديبية ٦/ ١٢٣٢ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عامَ الْحُدَيْبِيَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: "هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأمَنُ فِيهَا الناسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٧)، وَأَصْلُهُ في الْبخارِيِّ (٨). [صحيح] (وعنِ المسور بن مخرمةَ ومروانَ أن النبيَّ ﷺ خرجَ عامَ الحديبية وذكر الحديثِ)، هكذَا في نُسَخِ بلوغِ المرامِ بفرادِ [ضمير] (٩) ذِكْرٍ، وكانَ الظاهرُ فَذَكَرا بضمير التثنيةِ يعودَ إلى [المسورِ] (١٠) ومروانَ، وكأنهُ أرادَ فذكرَ أي الراوي (بطولِه وفيهِ: هذَا ما صَالَحَ عليهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ سهيلَ بنَ عمرٍو على وضْعِ الحربِ عَشْرَ سنينَ يأمنُ فيها الناسُ ويكفُّ بعضُهم عنْ بعضٍ. أخرجَهُ أبو داودَ وأصلهُ في البخاريِّ).

стр. 2135

الحديثُ دليلٌ علَى جوازِ المهادنةِ بينَ المسلمينَ وأعدائِهم المشركينَ مدةً معلومةً لمصلحةٍ يراها الإمامُ وإن كرهَ ذلكَ أصحابُه، فإنهُ ذكرَ في المهادنةِ ما يفيدُه الحديثُ الآتي وهوَ قولُه: ٧/ ١٢٣٣ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ (١) بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَفِيهِ: "أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَينَا"، فَقَالوا: أَتَكْتُبُ هذَا يَا رسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". [صحيح] (وأخرجَ مسلمٌ بعضَه منْ حديثِ أنسٍ وفيهِ: أن مَنْ جاءَ منكمْ لم نردُّه عليكمْ ومَنْ جاءَكم منَّا رددتُموه علينَا)، أي مَنْ جاءَ منَ المسلمينَ إلى كفارِ مكةِ لم يردُّوهُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ومَنْ جاءَ منْ أهلِ مكةَ إليهِ ﷺ ردَّه إليهمْ، فكرهَ المسلمونَ ذلكَ: (فقالُوا: أتكتبُ هذا يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: نعمْ إنهُ مَنْ ذهبَ منَّا إليهمْ فابعدَهُ اللَّهُ، ومنْ جاءَنا منْهم فسيجعلُ اللَّهُ لهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا)، فإنهُ ﷺ كتبَ هذا الشرطَ معَ ما فيهِ منْ كراهةِ أصحابِه لهُ. والحديثُ طويلٌ ساقَه أئمةُ السِّيرِ في قصةِ الحديبيةِ واستوفاهُ ابنُ القيمِ في "زادِ المعادِ" (٢) وذكرَ فيهِ كثيرًا منَ الفوائدِ، وفيهِ أنهُ ﷺ ردَّ إليهم أبا جندلٍ بنَ سهيلٍ وقدْ جاءَ مسلمًا قبلَ تمامِ كتابِ الصلحِ، وأنهُ بعدَ ردِّهِ إليهمْ جعلَ اللَّهُ لهُ فرجًا ومخرجًا، ففر من المشركين إلى أبي بصير عند سيف البحر حين أقام به على طريقهم يقطعها عليهم، وانضاف إليه جماعةٌ منَ المسلمينَ حتَّى ضيَّقَ على أهلِ مكةَ مسالكَهم، والقصةُ مبسوطةٌ في كتبِ السِّيَرِ. وقدْ ثبتَ أنهُ ﷺ يردَّ النساءَ الخارجاتِ إليهِ، فقيلَ لأنَّ الصلحَ إنما وقعَ في حقِّ الرجالِ فقط دونَ النساءِ، وأرادتْ قريشٌ تعميمَ ذلكَ في الفريقينِ، فإنَّها لما خرجتْ أمُّ كُلثومٍ بنتُ أبي معيطٍ مهاجرةً طلبَ المشركونَ رجوعَها فمنعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ ذلكَ وأنزلَ اللَّهُ تعالَى الآيةَ.

стр. 2136

وفيها: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) الآيةَ. والحديثُ دليلٌ على جوازِ الصُّلحِ على ردِّ مَنْ وصلَ إلينا منَ العدوِّ كما [فعلَه] (٢) ﷺ ، وعلَى ألا يردُّوا مَنْ وصلَ إليهمْ منَّا. النهي عن قتل المعاهد ٨/ ١٢٣٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنةِ، وَإِنَّ رِبحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ ﵄ عن النبيّ ﷺ قالَ: مَنْ قتلَ معاهدًا لم يَرِحْ) بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وفتحِ الراءِ، أصلُه يَرَاح (٤) أي لم يجدْ (رائحةَ الجنةِ، وإنَّ رِيْحَها ليوجدُ منْ مسيرةِ أربعينَ عامًا. أخرجَهُ البخاريُّ). وفي لفظٍ للبخاريِّ (٥): "مَنْ قتلَ نفسًا معاهدًا لهُ ذمةُ اللَّهِ وذمةُ رسولِه - الحديثَ"، وفي لفظٍ لهُ تقييدُ ذلكَ "بغيرِ جرْمٍ"، وفي لفظٍ: بغيرِ حقٍّ، وعندَ أبي داودَ (٦) والنسائيِّ (٧): بغيرِ حلِّها، والتقييدُ معلوم منْ قواعدِ الشرعِ. وقولُه: (مسيرة أربعينَ عامًا) وقعَ عندَ الإسماعيليِّ (٨) سبعينَ عامًا، ووقعَ

стр. 2137

عندَ الترمذي (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ وعندَ البيهقيِّ (٢) منْ [روايةِ] (٣) صفوانِ بن سليمٍ عنْ ثلاثينَ منْ أبناءِ الصحابةِ بلفظِ: "سبعينَ خريفًا"، وعندَ الطبرانيِّ (٤) منْ حديثِ أبي هريرة مائةَ عامٍ، وفيهِ (٥) منْ حديثِ أبي بكرةَ خمسمائةِ عامٍ، وهوَ في "الموطأ"، منْ حديثٍ آخرَ في "مسندِ الفردوسِ" (٦) عنْ جابرٍ: "إنَّ ريحَ الجنةِ ليدرَكُ منْ مسيرةِ ألفِ عامٍ". وقدْ جمعَ العلماءُ بينَ هذهِ الرواياتِ المختلفةِ. قالَ المصنفُ (٧) ما حاصلُه: إنَّ ذلكَ الإدراكَ في موقفِ القيامةِ، وأنهُ يتفاوتُ بتفاوتِ مراتبِ الأشخاصِ، فالذي يدركُه منْ مسيرةِ خمسمائةِ عامِ أفضلُ منْ صاحبِ السبعينَ إلى آخرِ ذلكَ، وقدْ أشارَ إلى ذلكَ شيخُنا في "شرحِ الترمذيِّ" رأيتُ نحوَه في كلام ابن العربيِّ (٨). وفي الحديثِ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ المُعَاهِدِ. وتقدَّمَ الخلافُ في الاقتصاص منْ قاتلِه، وقالَ المهلَّبُ: هذا فيهِ دليلٌ على أن المسلمَ إذا قتلَ الْمُعَاهِدَ أوِ الذِّمِّيَّ لا يُقْتَصُّ منهُ، قالَ: لأنهُ اقتصرَ فيهِ على ذِكْرِ الوعيدِ الأُخْرويِّ دونَ الدنيويِّ، هذا كلامُهُ. * * *

стр. 2138

[الباب الثالث] باب السبقِ والرمي السَّبْقُ بفتحِ السينِ المهملةِ وسكونِ الموحدةِ، مصدرٌ، وهوَ المرادُ هنا. ويُقَالُ بتحريكِ الموحدةِ، وهوَ الرهنُ الذي يوضعُ لذلكَ. والرمي: مصدرُ رَمَى، والمرادُ هُنَا المناضلةُ بالسهام، وهي المراماة بالسهام للسبق. سباق الخيل المضمرة وغيرها ١/ ١٢٣٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَابَقَ النَّبي ﷺ بِالْخَيْلِ الَّتي قَدْ ضُمِّرَتْ، مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنيّةَ الْوداعِ، وَسَبَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتي لَمْ تُضمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُريقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). زَادَ الْبُخَارِيُّ (٢)، قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْودَاع خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقِ مِيلٌ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: سابقَ النبيّ ﷺ بالخيلِ التي قدْ ضُمِّرَتْ) منَ التضميرِ، وهوَ كما في "النهايةِ" (٤): أنْ [يظاهرَ] (٥) عليها بالعلفِ حتَّى تسمنَ ثمَّ لا تُعلفُ إلَّا قوتَها لتخفَّ، زادَ في الصحاحِ، وذلكَ في أربعينَ يومًا، وهذهِ المدةُ

стр. 2139

تسمَّى المضمارَ، والموضعُ الذي تضمر فيهِ الخيلُ [أيضًا] (١) مِضْمارٌ، وقيلَ: تُشَدُّ عليها سروجُها وتُجَلَّلُ بالأَجِلَّةِ حتَّى تَعْرَفَ فيذهبَ رَهَلهَا ويشتدُّ لحمُها. (منَ الحَفياءِ) بفتحِ [الحاءِ] (٢) المهملةِ وسكونِ الفاءِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ ممدودةٌ وقد تُقْصَرُ، مكانٌ خارجَ المدينةِ (وكانَ أمدُها) بالدالِ المهملةِ أي غايتُها (ثنيةَ الوداعِ)، محلٌّ قريبٌ منَ المدينةِ سُمِّيَتْ بذلكَ لأنَّ الخارجَ منَ المدينةِ يمشي معهُ المودعونَ إليها. (وسابقَ بينَ الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ منَ الثنيةِ إلى مسجدِ بني زُرَيْقٍ، وكانَ ابنُ عمرَ فيمنْ سابقَ. متفق عليهِ. زادَ البخاريُّ) منْ حديثِ ابن عمرَ (قالَ سفيانُ: منَ الحفياءِ إلى ثنيةِ الوداعِ خمسةُ أميالٍ أو ستةٌ، ومِنَ الثنيةِ إلي مسجدِ بني زُرَيْقٍ ميلٌ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ المسابقة وأنهُ ليسَ منَ العبثِ بلْ منَ الرياضةِ المحمودةِ الموصلَةِ إلى تحصيلِ المقاصدِ في الغزوِ والانتفاعِ بها في الجهادِ، وهي دائرة بينَ الاستحبابِ والإباحةِ بحسبِ الباعثِ علَى ذلكَ. قالَ القرطبي: لا خلافَ في جوازِ المسابقةِ على الخيلِ وغيرِها منَ الدوابِّ وعلَى الأقدام، وكَذَا [الترامِي] (٣) بالسهامِ واستعمالِ الأسلحةِ، لما في ذلكَ منَ [التدرب] (٤) على الحربِ. وفيهِ دليلٌ على جوازِ تضميرِ الخيلِ المعدَّةِ للجهادِ، [وقيلَ] (٥) إنهُ يستحبُّ. ٢/ ١٢٣٦ - وَعَنْهُ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ في الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَأَبُو دَاوُدَ (٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٨). [صحيح] (وعنهُ) أي ابن عمرَ ﵄ (أن النبيّ ﷺ سابَقَ بينَ الخيلِ وفضَّل القُرَّحَ) جمعُ

стр. 2140

قارحٍ، والقارحُ ما كملتْ سِنُّه كالبازِلِ في الإبلِ، (في الغايةِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). فيهِ مثلُ الذي قبلَه دليلٌ على شرعية السِّباقِ بينَ الخيلِ وأنهُ يجعلُ غايةَ القُرَّحِ أبعدَ منْ غايةِ ما دونَها لِقُوَّتِها وجَلادتِها، وهوَ المرادُ منْ قولِه: وفضَّل القُرَّحَ. السباق على الخُف والحافر والنصل ٣/ ١٢٣٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا سَبَقَ إِلَّا في خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) والثَّلَاثَةُ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا سَبَقَ) بفتحِ السينِ المهملةِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ، هوَ ما يُجْعَلُ للسابِقِ [على السَّبْقِ] (٤) منْ جُعَلٍ، (إلَّا في خفٍّ أو نصلٍ أو حافرٍ. رواهُ أحمدُ والثلاثةُ وصحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ)، ورواه الشافعي (٥) والحاكمُ (٦) منْ طُرقٍ، وصحَّحَهُ ابنُ القطَّانِ وابنُ دقيقِ العيدِ، وأعلَّ الدارقطني بعضَها بالوقْفِ (٧)، ورواه الطبراني (٨) وأبو الشيخ من حديث ابن عباس. وقولُه: (إلا في خفٍّ) المرادُ بهِ الإبلُ، والحافرُ: الخيلُ، والنصلُ: السهمُ، أي ذي خُفٍّ أو ذي حافرٍ أو ذي نصلٍ، على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مقامَهُ.

стр. 2141

والحديثُ دليلٌ علَى جوازِ السباقِ على جُعَلٍ، فإنْ كانَ الْجُعَلُ منْ غيرِ المتسابقينِ كالإمام يجعلُه للسابِقِ حلَّ ذلكَ بلا خلافٍ، وإنْ كانَ منْ أحدِ المتسابقينَ لم يحلَّ لأَنهُ منَ القمارِ. وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يشرعُ السَّبَقُ إلَّا فيما ذُكِرَ منَ الثلاثةِ، وعلى الثلاثةِ قَصَرَهُ مالكٌ والشافعي، وأجازَهُ عطاءٌ في كلِّ شيءٍ، وللفقهاءِ خلافٌ في جوازِه على عِوَضٍ أو لا، ومَنْ أجازَه عليهِ فلَهُ شرائطُ مستوفاةٌ وقد ذكرها في الشرح (١). محلِّل السباق ٤/ ١٢٣٨ - وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ - وَهُوَ لَا يَأمَنَ أَنْ يُسْبَقَ - فَلَا بَأسَ بِهِ، فَإنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف] (وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ ﵁ (عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أَدخلَ فَرسًا بينَ فَرسَيْنِ وهوَ لا يأمن أن يُسْبَقَ) مغيَّر الصيغةِ أي يسبقُه غيرُه (فلا بأسَ بهِ، فإنْ أَمِنَ فهوَ قمارٌ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وإسنادُه ضعيفٌ). ولأئمةِ الحديثِ في صحتِه إلى أبي هريرةَ كلامٌ كثيرٌ حتَّى قالَ أبو حاتمٍ (٤): أحسنُ أحوالِه أنْ يكونَ موقوفًا على سعيدِ بن المسيبِ، فقدْ رواهُ يحيى بنُ سعيدٍ عنْ سعيدٍ منْ قولِه. انتَهى. وهوَ كذلكَ في "الموطأِ" (٥) عن الزُّهريِّ عنْ سعيدٍ قالَ ابنُ أبي خيثمةَ: سألتُ ابنَ معينٍ عنهُ فقالَ: هذَا باطلٌ وضَرْبٌ على أبي هريرةَ، وقدْ غلَّطَ الشافعيُّ سعيد بن حسين في روايته عن الزهري عنْ سعيدٍ عنْ أبي هريرةَ.

стр. 2142

وفي قولهِ: (وهوَ لا يَأْمَنُ أنْ يُسْبَقَ) دلالةٌ على أن المحلِّلَ وهوَ الفرسُ الثالثُ في الرهانِ يُشْتَرَطُ فيه أنْ لا يكونَ متحققَ السبقِ وإلا كانَ قمارًا. وإلى هذا الشرطِ ذهبَ البعضُ، وبهذَا الشرطِ يخرجُ عن القمارِ، ولعلَّ الوجْهَ أن المقصودَ إنَّما هوَ الاختبارُ للخيلِ، فإِذَا كانَ معلوم السبقِ فاتَ الغرضُ الذي يُشْرَعُ لأجلِه، وأما المسابقةُ بغيرِ جُعَلٍ فمباحةٌ إجماعًا. شرعية التدرب على القوة ٥/ ١٢٣٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (١)، "أَلَا إِن الْقُوّةَ الرّمْيُ، أَلَا إِن الْقُوّةَ الرّمْي، أَلَا إِن الْقُوَّةَ الرّمْيُ"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ عقبةَ بن عامر قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وهوَ على المنبرِ يقرأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلَا إنَّ القوةَ الرميُ، ألا إنَّ القوةَ الرميُ ألا إنَّ القوةَ الرميُ، رواهُ مسلمٌ). أفادَ الحديثُ تفسيرَ القوةِ في الآيةِ بالرمي بالسهامِ لأنهُ المعتادُ في عصرِ النبوةِ، ويشملُ الرميَ بالبنادقِ للمشركينَ والبغاةِ، ويُؤخَذُ منْ ذلكَ شرعيةُ التدرب فيهِ لأنَّ الإعدادَ إنَّما يكونُ معَ الاعتيادِ، [لأن] (٣) مَنْ لم يحسنِ الرميَ لا يُسَمَّى مُعِدًّا للقوة، والله أعلم. * * *

стр. 2143

[الكتاب الرابع عشر] كتاب الأطعمَة تحريم ما له ناب من السباع ١/ ١٢٤٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "كُل ذِي نَابِ مِنَ السباع فَأكْلُهُ حَرَامٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيّ ﷺ قالَ: كلُّ ذي نابٍ منَ السباعِ فكلُه حرام. رواهُ مسلم). الحديثُ دليل على تحريمِ ما لَهُ نابٌ منْ سباعِ الحيواناتِ، والنابُ السنُّ خلفَ الرباعيةِ كما في "القاموس" (٢)، والسبعُ هوَ المفترِسُ منَ الحيوانِ كما في

стр. 2144

"القاموسِ" (١) أيضًا، وفيهِ الافتراسُ الاصطيادُ، وفي "النهايةِ" (٢): نَهَى عنْ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ، هوَ ما يفترسُ الحيوانَ ويأكل قَهْرًا وقسرًا كالأسدِ والذئبِ والنمرِ ونحوِها. واختلفَ العلماءُ في المحرَّمِ منْها، فذهبَ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ وداودُ إلى ما أفادهُ الحديثُ، ولكنَّهم اختلفُوا في جنسِ السباعِ المحرَّمةِ. فقال أبو حنيفةَ: كلُّ ما أكلَ اللحمَ فهوَ سَبُعٌ حتَّى الفيلُ [والضبعُ] (٣) واليربوعُ والسِّنَّوْرُ. وقالَ الشافعيُّ: يحرمُ مِنَ السباعِ ما يعدُو على الناسِ كالأسدِ والذئبِ والنمرِ [ونحوها] (٤) دونَ الضبُعِ والثعلبِ لأنَّهما لا يعدوانِ على الناسِ. وذهبَ ابنُ عباسٍ فيما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِ (٥) عنهُ وعائشةُ وابنُ عمرَ على روايةٍ عنهُ فيها ضعفٌ، والشعبيُّ [وسعيدُ] (٦) بنُ جبيرٍ، إلى حلِّ لحومِ السباعِ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٧) الآيةَ. فالمحرَّمُ هوَ ما ذُكِرَ [في الآيةِ] (٨) وما عدا حلالٌ. (وأُجِيْبَ) بأنَّ الآيةَ مكيةٌ (٩) وحديثُ أبي هريرةَ بعدَ الهجرةِ فهو ناسخ للآيةِ عندَ مَنْ يَرى نسخَ القرآنِ بالسنةِ، وبأنَّ الآيةَ خاصةٌ بثمانيةِ الأزواجِ منَ الأنعام ردًّا علَى مَنْ حرَّم بعضَها كما ذكرَ اللَّهُ تعالى قبلَها منْ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٠) إلى آخرِ الآياتِ. فقيلَ في الردِّ عليهم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٦) الآيةَ، أي أن الذي أحللتُموهُ هوَ المحرَّمُ، والذي حرَّمْتُمُوهُ هوَ الحلالُ وأنَّ ذلكَ افتراءٌ على اللَّهِ، وقرنَ بها لحمَ الخنزيرِ لكونِه مشارِكًا لها في علةِ التحريمِ وهوَ كونُه رجسًا.

стр. 2145

فالآيةُ وردتْ في الكفارِ الذينَ يحلونَ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ الله بهِ ويحرِّمونَ كثيرًا مما أباحه الشرعُ، وكانَ الغرضُ منَ الآيةِ بيانَ حالِهم وأنَّهم يضادونَ الحقَّ، فكأنهُ قيلَ: ما حرَّم إلَّا ما أحلَلْتُمُوهُ مبالغةً في الردِّ عليهم. قلتُ: ويحتملُ أن المرادَ قلْ لا أجدُ - الآيةَ - محرَّمًا إلا ما ذُكِرَ في الآيةِ، ثمَّ حرَّمَ الله منْ بعدُ كلَّ ذي نابٍ منَ السباع (١)، ويُرْوَى عنْ مالكٍ (٢) أنهُ إنَّما يُكْرَهُ أكلُ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ لا أنهُ [يحرمَ] (٣). تحريم ذي المخلب من الطير ٢/ ١٢٤١ - وأَخْرَجَهُ (٤) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: نَهَى. وَزَادَ: "وَكُلِّ ذِي مخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ". [صحيح] (وأخرجَهُ) أي أخرجَ معنَى حديثِ أبي هريرةَ مسلم (منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظِ: نَهَى) أي نهى عنْ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ (وزادَ) أي ابنُ عباسٍ: (وكلِّ ذي

стр. 2146

مِخْلَبٍ) بكسرِ الميمِ وسكونِ الخاءِ [المعجمةِ] (١) وفتحِ اللامِ آخرَه موحدةٌ (منَ الطيرِ). وأخرجَ الترمذيُّ (٢) منْ حديثِ جابرٍ تحريمُ كل ذي مخلبِ منَ الطيرِ، وأخرجَهُ (٣) أيضًا منْ حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ وزادَ فيهِ: يومَ خيبرَ. في "القاموس" (٤): المخلبُ ظُفرُ كلِّ سَبُعٍ منَ الماشي والطائرِ أو لما يصيدُ منَ الطيرِ. والظفرُ لما لا يَصيدُ. وإلى تحريمِ كلِّ ذي مخْلَبٍ منَ الطير ذهبتِ الهادويةُ ونسبهُ النوويُّ (٥) إلى الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ وداود والجمهورِ. وفي "نهاية المجتهدِ" (٦) نسبَ إلى الجمهورِ [القولَ] (٧) بحلِّ كلِّ ذي مخلبٍ منَ الطيرِ وقالَ: وحرَّمها قومٌ، ونَقْلُ النوويِّ أثبتُ لأنهُ المذكورُ في كتبِ الفريقينِ وأحمدَ، فإنَّ في دليلِ الطالبِ على مذهبِ أحمدَ ما لفظُه: ويحرمُ منَ الطيرِ ما يصيدُ بمخلبهِ كعُقابِ وبازٍ وصقرٍ وباشقٍ وشاهينٍ، وعدَّ كثيرًا منْ ذلكَ، ومثلُه في "المنهاج" (٨) للشافعيةِ، ومثلُه للحنفيةِ (٩). وقالَ مالكٌ: يُكْرَهُ كلُّ ذي مخلبٍ منَ الطيرِ ولا يحرمُ. وأما النسرُ فقالُوا: ليسَ بذي مخلبٍ ولكن يحرم لاستخباثهِ. وقالتِ الشافعيةُ: يحرمُ ما ندبَ قتلُه كحيةٍ وعقربٍ وغرابٍ أبقعَ وحدأةٍ وفأرةٍ وكلّ سَبُعٍ ضارٍ، واستدلُّوا بقولِه ﷺ : "خمسٌ فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحل والحرَمِ" (١٠)، تقدَّمَ في كتاب الحجّ، قالُوا: ولأنَّ هذهِ مستخبثاتٌ شرعًا وطبعًا.

стр. 2147

قلتُ: وفي دلالةِ الأمرِ بقتلِها على تحريمِ أكْلِها نظرٌ، ويأتي لهمْ أن الأمرَ بعدمِ القتلِ دليلٌ على التحريم، وقدْ قالَ الشافعي: إنَّ الآدميَّ إذا وطئَ بهيمةً منْ بهائمِ الأنعامِ فقدْ أمرَ الشارع بقتلِها (١) قالُوا: ولا يحرمُ أكلُها، فدلَّ على أنهُ لا ملازمةَ بينَ الأمرِ بالقتلِ والتحريمِ. حكم أكل الحُمُر الأهلية ٣/ ١٢٤٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيّةِ، وأذِنَ في لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢)، وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَرَخَّصَ. [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: نَهَى رسول الله ﷺ يومَ خيبرَ عنْ لحومِ الحُمُرِ الأهليةِ وأنَّ في لحومِ الخيلِ. متفقٌ عليهِ، وفي لفظ للبخاريّ) [لروايةِ جابرٍ هذهِ] (٣): (ورخص) عوضُ أَذِنَ. وقدْ ثبتَ في رواياتٍ (٤) أنهُ ﷺ القدورَ تغلي بلحمِها

стр. 2148

فأمرَ بإراقتِها وقالَ: لا تأكلُوا منْ لحومِها شيئًا، والأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ. وفي روايةٍ: إنَّها رجسٌ أو نجسٌ، وفي لفظٍ: إنَّها رجسٌ منْ عملِ الشيطانِ. وفي الحديثِ مسألتانِ: الأُولى: أنهُ دلَّ منطوقُه على تحريمِ أَكْلِ لحومِ الحمرِ الأهليةِ إذ النَّهْيُ أَصْلُه التحريمُ، وإلى تحريمِ أَكْلِ لحومِها ذهبَ [الجماهير من علماء] (١) الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهمِ إلَّا ابنَ عباسٍ فقالَ: ليستْ بحرامٍ. وفي روايةِ ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ: وأَبَى ذلكَ "البحرُ" (٢) وتلا قولَه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٣) الآيةَ، ورُوِيَ عنْ عائشةَ، وعنْ مالكٍ برواياتٍ أنَّها مكروهةٌ أوْ حرامٌ أوْ مباحةُ (٤). وأما ما أخرجَ أبو داودَ (٥) عنْ غالبِ بن أبجرَ قالَ: "أصابتْنا سَنَةٌ فلمْ يكنْ في مالي ما أطعمُ أهلي إلا سمانَ حُمُرٍ، فأتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقلتُ: إنكَ حرَّمتَ لحومَ الحمُرِ الأهليةِ وقدْ أصابتْنا سَنَةٌ، فقالَ: أطعمْ أهلكَ منْ سمينِ حُمُركَ فإنَّما حرَّمتُها منْ جهةِ جوَّالِ القريةِ - يعني الجلَّالَةَ. فقدْ قالَ الخطابيُّ: أما حديثُ ابن أبجرَ فقدِ اختُلِفَ في إسنادِه، قالَ أبو داودَ (٦): "رواهُ شعب عنْ عبيدِ بن الحسنِ، عنْ عبدِ الرحمن بن معقلٍ، عنْ عبدِ الرحمنِ بن بشرٍ، عنْ ناسٍ منْ مُزْينَةَ، أن سيدَ مُزينةَ أبجر أوْ ابنُ أبي أبجر سألَ النبيَّ ﷺ "، ورواهُ مسعرُ فقالَ: عن ابن عبيد عنْ ابن معقلٍ عنْ رجلَيْنِ منْ

стр. 2149

مزينةَ، أحدُهما عن الآخرِ (١). وقدْ ثبتَ التحريمُ منْ حديثِ جابرِ يريدُ هذا، وساقَهُ منْ طريقِ أبي داودَ متصلًا ثمَّ قالَ: وأما قولُه، وإنما حرَّمْتُها منْ أَجْلِ جوَّالِ القريةِ فإنَّ الجوَّالَ هي التي تأكلُ [العذرةَ] (٢) وهي الجلَّةُ، إلا أنَّ هذا لا يثبتُ، وقدْ ثبتَ أنهُ إنَّما نَهَى عنْ لحومِها لأنَّها رجسٌ وساقَ سندَه إلى محمدِ بن سيرينَ عنْ أنسِ بن مالكٍ (٣) قالَ: "لما افتتحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ خيبرَ أصبْنا حُمُرًا خارجةٌ منَ القريةِ فنحرْنا وطبخْنا منْها، فنادى منادي رسولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ ورسولَه ينهيانِكم عنْها، وإنَها رجسٌ منْ عملِ الشيطانِ، فَأُكْفِئَتِ القدورُ"، انتَهى. وبهذا يبطلُ القولُ بأنَّها إنَّما حرِّمتْ مخافةَ قلةِ الظَّهْرِ كما أخرجَه الطبرانيّ (٤) وابنُ ماجهْ (٥) عن ابن عباسٍ: إنَّما حرَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ الحمُرَ الأهليةَ مخافةَ قلةِ الظَّهْرِ. وفي روايةِ البخاريِّ (٦) عن ابن عباسٍ في المغازي منْ روايةِ الشعبيِّ أنهُ قالَ ابنُ عباسٍ: لا أدري أنَهى عنها رسول اللَّهِ ﷺ منْ أَجْل أنَّها حمولةُ الناسِ فكرهَ أنْ تَذْهبَ حمولتُهم أو حرَّمها البتةَ [يومَ خيبرَ، فإنهُ] (٧) قدْ عُلِمَ بالنصِّ أنهُ حرَّمها [لأنَّها] (٨) رجسٌ، وكأنَّ ابنَ عباسٍ لم يعلمْ بالحديثِ فتردَّدَ في علة النَّهْي، وإذْ قدْ ثبتَ النَّهيُ وأصلُه التحريمُ عُمِلَ بهِ وإنْ جهلْنا عِلَّتَهُ. وأما ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (٩) منْ حديثِ أمّ نصرٍ المحاربيةِ: "أنَّ رجلًا سألَ النبيّ ﷺ عن الحُمُرِ الأهليةِ فقالَ: أليسَ ترعَى الكلأَ وتأكلُ الشجرَ؟ قالَ: فأصِبْ منْ لحومِها"، فهيَ روايةٌ غيرُ صحيحةٍ لا تعارَضُ بها الأحاديثُ الصحيحةُ.

стр. 2150

حل أكل لحوم الخيل المسالةُ الثانيةُ: دلَّ الحديثُ علَى حِلّ أكْلِ [لحومِ] (١) الخيلِ، وإلى حِلّها ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ والشافعي وصاحِبا أبي حنيفةَ وأحمدُ وإسحاقُ وجماهيرُ السلفِ والخلَفِ لهذا الحديثِ (٢) ولما في معناهُ منَ الأحاديثِ الصحيحةِ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ بسندِهِ (٣) على شرطِ الشيخينِ عنْ عطاءٍ أنهُ قالَ لابنِ جُرَيْجٍ: لم يزلْ سلفُك يأكلونَه، قالَ ابنُ جريجٍ: قلتُ لهُ: أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: نعمْ. ويأتي حديثُ أسماء (٤): نحرْنا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فرسًا [أفأكلنا] (٥). وذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ وهوَ المشهورُ عندَ الحنفيةِ إلى تحريمِ [أكلها] (٦)، واستدلُّوا بحديثِ خالدِ بن الوليد (٧): "نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ لحومِ الخيلِ والبغالِ والحميرِ وكلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ"، وفي روايةٍ (٨) بزيادةِ: "يومَ خيبرَ".

стр. 2151

وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ قالَ البيهقيُّ فيهِ: هذا إسنادٌ مضَّطَرِبٌ مخالِفٌ لروايةِ الثقاتِ، وقالَ البخاريُّ: يُرْوَى عنْ [أبي صالحٍ] (١) ثورِ بن يزيدَ وسليمانِ بن سليمٍ وفيهِ نظرٌ. وضعَّفَ الحديثَ أحمدُ والدارقطنيُّ والخطابيُّ وابنُ عبدِ البرِّ وعبدُ الحقِّ (٢) واستدلُّوا بقولِه تعالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٣)، وتقريرُ الاستدلالِ بالآيةِ بوجوهٍ: الأولُ: أن العلةَ المنصوصةَ تقتضي الحصْرَ، فإباحةُ أكلها خلاف ظاهر الآية. وأجيب عنه بأن كون العلة منصوصةً لا تقتضي الحصر فيها. فلا تفيد الحصرَ في الركوبِ والزينةِ فإنهُ يُنْتَفَعُ بها في غيرِهما اتفاقًا، وإنَّما نصَّ عليهما لكونِهما أغلبَ ما يُطْلَبُ، ولو سلمَ الحصرُ لامتنعَ حملُ الأثقالِ على الخيلِ والبغالِ والحميرِ ولا قائلَ بهِ. الثاني: منْ وجوهٍ دلالةِ الآيةِ على تحريم الآكلِ عطفُ البغالِ والحميرِ فإنهُ دالٌّ على اشتراكها معَها في حُكْمِ التحريمِ، فَمَنْ أفردَ حكمَهُما عنْ حكمِ ما عطفَ عليهِ احتاجَ إلى دليلٍ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ هذا منْ دلالةِ الاقترانِ وهيَ ضعيفةٌ. الثالثُ: منْ وجوهِ دلالةِ الآيةِ أنَّها سيقَتْ للامتنانِ، فلوْ كانتْ مما يُؤْكَلُ لكانَ الامتنانُ بهِ أكثرَ لأنهُ يتعلَّقُ ببقاءِ البنيةِ، والحكيمُ لا يمتنُّ بأدْنَى النِّعمِ ويتركُ أعلاها سِيَّما وقدِ امتنَّ بالآكلِ فيما ذكرَ قبلَها. وأُجِيْبَ: بأنهُ تعالَى خصَّ الامتنانَ بالركوبِ لأنهُ غالبُ ما يُنْتَفَعُ بالخيلِ فيهِ عندَ العربِ فخُوطِبُوا بما عرفوهُ وألِفُوه كما خُوطِبوا في الأنعامِ بالأكلِ وحَمْلِ الأثقالِ لأنهُ كانَ أكثرُ انتفاعِهم بها لذلكَ، فاقتصرَ في كلّ منَ الصنفين بأغلبِ ما يُنْتَفَعُ بهِ [عليهِ] (٤). الرابعُ: منْ وجوهِ دلالةِ الآيةِ أنه لو أُبيحَ أكْلُها لفاتتِ المنفعةُ التي امتنَّ بها وهيَ الركوبُ والزينةُ، وأجيبَ عنهُ: بأنهُ لو لزمَ منَ الإِذْنِ في أَكْلِها أَنْ تَفْنَى لَلَزِمَ

стр. 2152

مثلُه في البقرِ [ونحوِها] (١) مما أُبيحَ أكْلُه ووقعَ الامتنانُ بهِ لمنفعةٍ أُخْرى. وأجيبَ [عن الاستدلالِ بالآيةِ] (٢) بجواب إجماليٍّ وهوَ أن آيةَ النحلِ مكيةٌ اتفاقًا، والإِذْنُ في أَكْلِ الخيلِ كانَ بعدَ الهجرَةِ منْ مكةَ بأكثرَ منْ ستِ سنينَ، وأيضًا فإنَّ آيةَ النحلِ ليستْ نصًا في تحريم الأكلِ والحديثُ صريحٌ في جوازِه، وأيضًا لو سَلِمَ ما ذكرَ كانَ غايتُه الدلالةَ على تركِ الأكلِ وهوَ أعمُّ منْ أنْ يكونَ للتحريمِ أو للتنزيهِ أو [لخلاف] (٣) الأوْلَى، وحيثُ لم يتعينْ هُنَا واحدٌ منها لا يتمَّ التمسكُ، فالتمسك بالأدلةِ المصرِّحَةِ بالجوازِ أَوْلَى. وأما زَعْمُ البعضِ أن حديثَ جابرٍ دالٌّ على التحريمِ لكونِه وردَ بلفظِ الرخصةِ والرخصةُ استباحةُ المحظورِ معَ قيامِ [المانعِ] (٤)، فدلَّ أنهُ رخَّصَ لهمْ فيها بسببِ المخمصةِ، فلا يدل على الحِلَّ المطلقِ، فهوَ ضعيفٌ لأنهُ وردَ بلفظِ أَذِنَ لنا، [وبلفظ] (٥) أطعَمَنا، فعبّرَ الراوي بقولِه رخَّصَ عنْ أَذِنَ لا أنهُ أرادَ الرخصةَ الاصطلاحيةَ الحادثةَ بعدَ زمنِ الصحابةِ، فلا فَرْقَ بينَ العبارتينِ (أَذِنَ) ورخَّص في لسانِ الصحابةِ. أكل الجراد ٤/ ١٢٤٣ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن أبي أَوْفَى قالَ: غزوْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غزواتٍ نأْكلُ الجرادَ) هوَ جنسٌ والواحدةُ جرادةٌ يقعُ على الذكرِ والأُنثَى كحَمَامةٍ، متفقٌ عليهِ، هوَ دليل على حِلِّ الجرادِ، قالَ النوويُّ (٧): هوَ إجماعٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٨) عنْ أنسٍ قالَ: "كانَ أزواجُ النبيِّ ﷺ يتهادينَ الجرادَ في الأطباقِ.

стр. 2153

وقالَ ابنُ العربيِّ في شرح الترمذي (١): إنَّ جرادَ الأندلسِ لا يُؤْكَلُ لأنهُ ضررٌ محضٌ. فإذا ثبتَ [ذلك] (٢) فتحريْمُها لأجلِ الضررِ كما تحرَّمُ السمومُ ونحوُها. واختلفُوا هلْ أَكَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الجرادَ أم لا؟ وحديثُ الكتاب يحتملُ أنهُ كانَ [يأكلُ] (٣) معهُم إلَّا أن في روايةِ البخاريِّ (٤) زياد: "نأكلُ الجرَادَ معهُ"، قيلَ: وهيَ محتملةٌ أن المرادَ غزوْنا معهُ فيكونُ تأكيدًا لقولِه معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويحتملُ أن المرادَ نأكلُ معهُ. قلتُ: وهذا الأخيرُ هوَ الذي يحسنُ حَمْلُ الحديثِ عليهِ، إذِ التأسيسُ أبلغُ منَ التأكيدِ، ويؤيدُه ما وقعَ في الطبِّ عندَ أبي نعيمٍ بزيادةِ: ويأكلُ معَنا. وأما ما أخرجَه أبو داودَ (٥) منْ حديثِ سَلمانَ: "أنهُ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ الجرادِ فقالَ: "لا آكلُه ولا أحرِّمُه"، فقدْ أعلَّه المنذريُّ بالإرسالِ (٦)، وكذلكَ ما أخرجَهُ ابنُ عديٍّ (٧) في ترجمةِ ثابتِ بن زهيرٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ سُئِلَ عن الضبِّ فقال: "لا آكلهُ ولا أحرِّمه"، وسُئِلَ عن الجرادِ "فقالَ مثلَ ذلكَ"، فإنهُ قالَ النَّسَائِي (٨): ثابتُ ليسَ بثقةٍ. ويؤكلُ عندَ الجماهيرِ على كلِّ حالٍ، ولو ماتَ بغيرِ

стр. 2154

سببٍ (١) لحديثِ: "أُحلَّ لنا ميتتانِ ودمانِ: السمكُ والجرادُ، والكبدُ والطحالُ"، أخرجهُ أحمدُ (٢) والدارقطني (٣) مرفوعًا من حديثِ ابن عمرَ وقالَ: إنَّ الموقوفَ أصحُّ، ورجَّحَ البيهقيُّ (٤) الموقوفَ وقالَ: لهُ حكمُ الرفعِ، واختُلِفَ فيهِ هلْ هوَ منْ صَيْدِ البحرِ أمْ منْ صَيْدِ البرِّ، ووردَ حديثانِ ضعيفانِ أنهُ منْ صيدِ البحرِ (٥).

стр. 2155

ووردَ عنْ بعضِ الصحابةِ أنهُ يلزمُ المحرِمَ فيهِ الجزاءُ فدلَّ أنهُ عندَهُ منْ صيدِ البرِّ، والأصلُ فيهِ أنهُ بريٌّ حتَّى يقومَ دليل على أنهُ بحريٌّ. أكل الأرنب ٥/ ١٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ في قصَّةِ الأَرْنَبِ - قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرَكِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ في قصةِ الأرنب قالَ: فذبَحها فبعثَ بِوَرَكِها إلي رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَه. متفقٌ عليهِ). وفي القصةِ أنَّهُ قال أنسٌ: "أَنْفَجْنا أرنَبًا [ونحنُ] (٢) بمرِّ الظهرانِ، فسعَى القومُ ولغبوا (٣) فأخذْتُها فجئتُ بها إلى أبي طلحةَ فبعثَ بورَكِها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَها"، وهوَ لا يدَلُّ أنهُ أكلَ منْها، لكنْ في روايةِ البخاريِّ (٤) في كتابِ الهِبَةِ قالَ الراوي - وهوَ هشامُ بنُ زيدٍ -: قلتُ لأنسٍ: وأكلَ منه؟ قالَ: وأكلَ منْه، ثمَّ [قالَ: فَقَبِلَهُ] (٥). والإجماعُ واقعٌ على حِلِّ أكْلِها، إلَّا أن الهادويةَ وعبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ وعكرمةَ وابنَ أبي ليلَى قالُوا: يُكْرَهُ أكْلُها لما أخرجَهُ أبو داودَ (٦) والبيهقي (٧) منْ حديثِ ابن عمرَ أنَّها جِيءَ بها إلى النبيّ ﷺ فلمْ يأكلْها ولم يَنْهَ عنْها، وزعمَ ابنُ عمرَ أنَّها تحيضُ. وأخرجَ البيهقيُّ (٨) عنْ عمرَ وعمارٍ مثلَ ذلكَ وأنهُ أمرَ بأكْلِها ولم يأكلْ منْها، قلتُ: لكنَّهُ لا يَخْفى أن عدمَ أَكْلِهِ ﷺ لا يدلُّ على كراهتها، وحَكَى الرافعيُّ عنْ أبي حُلَيْفَةَ تحريمَها. فائدةٌ: ذكرَ الدُّمَيْرِي في حياةِ الحيوانِ أن الذي تحيضُ منَ الحيوانِ المرأةُ والضبعُ والخفاشُ والأرنبُ، ويُقَالُ إنَّ الكلْبَةَ كذلكَ.

стр. 2156

حكم النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد ٦/ ١٢٤٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢). وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: نَهَي رسول اللَّهِ ﷺ عنْ قَتْلِ أربع منَ الدوابِّ: النملةِ والنحلةِ والهدهدِ والصُّرَدِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ). قالَ البيهقيُّ: رجالُه رجالُ الصحيحِ، قالَ البيهقيُّ: هوَ أَقْوَى ما وردَ في هذا البابِ، وفيهِ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ ما ذُكِرَ، ويؤخَذُ منهُ تحريمُ أكْلِها؛ لأنهُ لو حل لما نَهَى عن القتلِ وتقدَّمَ لنا في هذا الاستدلالِ بَحْثٌ. وتحريمُ أكْلِها رَاُيُ الجماهيرِ وفي كلِّ واحدةٍ خلافٌ إلا النملةَ فالظاهرُ أنَّ تحريْمَهَا إجماعٌ. حِل أكل الضبع ٧/ ١٢٤٦ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ ﵁: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. روَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَالأَرْبَعَةُ (٥) وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ (٦) وَابْنُ حِبَّانَ (٧). [صحيح]
следующие страницы →