← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2152–2191 · переход к 2157.

стр. 2152

مثلُه في البقرِ [ونحوِها] (١) مما أُبيحَ أكْلُه ووقعَ الامتنانُ بهِ لمنفعةٍ أُخْرى. وأجيبَ [عن الاستدلالِ بالآيةِ] (٢) بجواب إجماليٍّ وهوَ أن آيةَ النحلِ مكيةٌ اتفاقًا، والإِذْنُ في أَكْلِ الخيلِ كانَ بعدَ الهجرَةِ منْ مكةَ بأكثرَ منْ ستِ سنينَ، وأيضًا فإنَّ آيةَ النحلِ ليستْ نصًا في تحريم الأكلِ والحديثُ صريحٌ في جوازِه، وأيضًا لو سَلِمَ ما ذكرَ كانَ غايتُه الدلالةَ على تركِ الأكلِ وهوَ أعمُّ منْ أنْ يكونَ للتحريمِ أو للتنزيهِ أو [لخلاف] (٣) الأوْلَى، وحيثُ لم يتعينْ هُنَا واحدٌ منها لا يتمَّ التمسكُ، فالتمسك بالأدلةِ المصرِّحَةِ بالجوازِ أَوْلَى. وأما زَعْمُ البعضِ أن حديثَ جابرٍ دالٌّ على التحريمِ لكونِه وردَ بلفظِ الرخصةِ والرخصةُ استباحةُ المحظورِ معَ قيامِ [المانعِ] (٤)، فدلَّ أنهُ رخَّصَ لهمْ فيها بسببِ المخمصةِ، فلا يدل على الحِلَّ المطلقِ، فهوَ ضعيفٌ لأنهُ وردَ بلفظِ أَذِنَ لنا، [وبلفظ] (٥) أطعَمَنا، فعبّرَ الراوي بقولِه رخَّصَ عنْ أَذِنَ لا أنهُ أرادَ الرخصةَ الاصطلاحيةَ الحادثةَ بعدَ زمنِ الصحابةِ، فلا فَرْقَ بينَ العبارتينِ (أَذِنَ) ورخَّص في لسانِ الصحابةِ. أكل الجراد ٤/ ١٢٤٣ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن أبي أَوْفَى قالَ: غزوْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غزواتٍ نأْكلُ الجرادَ) هوَ جنسٌ والواحدةُ جرادةٌ يقعُ على الذكرِ والأُنثَى كحَمَامةٍ، متفقٌ عليهِ، هوَ دليل على حِلِّ الجرادِ، قالَ النوويُّ (٧): هوَ إجماعٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٨) عنْ أنسٍ قالَ: "كانَ أزواجُ النبيِّ ﷺ يتهادينَ الجرادَ في الأطباقِ.

стр. 2153

وقالَ ابنُ العربيِّ في شرح الترمذي (١): إنَّ جرادَ الأندلسِ لا يُؤْكَلُ لأنهُ ضررٌ محضٌ. فإذا ثبتَ [ذلك] (٢) فتحريْمُها لأجلِ الضررِ كما تحرَّمُ السمومُ ونحوُها. واختلفُوا هلْ أَكَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الجرادَ أم لا؟ وحديثُ الكتاب يحتملُ أنهُ كانَ [يأكلُ] (٣) معهُم إلَّا أن في روايةِ البخاريِّ (٤) زياد: "نأكلُ الجرَادَ معهُ"، قيلَ: وهيَ محتملةٌ أن المرادَ غزوْنا معهُ فيكونُ تأكيدًا لقولِه معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويحتملُ أن المرادَ نأكلُ معهُ. قلتُ: وهذا الأخيرُ هوَ الذي يحسنُ حَمْلُ الحديثِ عليهِ، إذِ التأسيسُ أبلغُ منَ التأكيدِ، ويؤيدُه ما وقعَ في الطبِّ عندَ أبي نعيمٍ بزيادةِ: ويأكلُ معَنا. وأما ما أخرجَه أبو داودَ (٥) منْ حديثِ سَلمانَ: "أنهُ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ الجرادِ فقالَ: "لا آكلُه ولا أحرِّمُه"، فقدْ أعلَّه المنذريُّ بالإرسالِ (٦)، وكذلكَ ما أخرجَهُ ابنُ عديٍّ (٧) في ترجمةِ ثابتِ بن زهيرٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ سُئِلَ عن الضبِّ فقال: "لا آكلهُ ولا أحرِّمه"، وسُئِلَ عن الجرادِ "فقالَ مثلَ ذلكَ"، فإنهُ قالَ النَّسَائِي (٨): ثابتُ ليسَ بثقةٍ. ويؤكلُ عندَ الجماهيرِ على كلِّ حالٍ، ولو ماتَ بغيرِ

стр. 2154

سببٍ (١) لحديثِ: "أُحلَّ لنا ميتتانِ ودمانِ: السمكُ والجرادُ، والكبدُ والطحالُ"، أخرجهُ أحمدُ (٢) والدارقطني (٣) مرفوعًا من حديثِ ابن عمرَ وقالَ: إنَّ الموقوفَ أصحُّ، ورجَّحَ البيهقيُّ (٤) الموقوفَ وقالَ: لهُ حكمُ الرفعِ، واختُلِفَ فيهِ هلْ هوَ منْ صَيْدِ البحرِ أمْ منْ صَيْدِ البرِّ، ووردَ حديثانِ ضعيفانِ أنهُ منْ صيدِ البحرِ (٥).

стр. 2155

ووردَ عنْ بعضِ الصحابةِ أنهُ يلزمُ المحرِمَ فيهِ الجزاءُ فدلَّ أنهُ عندَهُ منْ صيدِ البرِّ، والأصلُ فيهِ أنهُ بريٌّ حتَّى يقومَ دليل على أنهُ بحريٌّ. أكل الأرنب ٥/ ١٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ في قصَّةِ الأَرْنَبِ - قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرَكِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ في قصةِ الأرنب قالَ: فذبَحها فبعثَ بِوَرَكِها إلي رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَه. متفقٌ عليهِ). وفي القصةِ أنَّهُ قال أنسٌ: "أَنْفَجْنا أرنَبًا [ونحنُ] (٢) بمرِّ الظهرانِ، فسعَى القومُ ولغبوا (٣) فأخذْتُها فجئتُ بها إلى أبي طلحةَ فبعثَ بورَكِها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَها"، وهوَ لا يدَلُّ أنهُ أكلَ منْها، لكنْ في روايةِ البخاريِّ (٤) في كتابِ الهِبَةِ قالَ الراوي - وهوَ هشامُ بنُ زيدٍ -: قلتُ لأنسٍ: وأكلَ منه؟ قالَ: وأكلَ منْه، ثمَّ [قالَ: فَقَبِلَهُ] (٥). والإجماعُ واقعٌ على حِلِّ أكْلِها، إلَّا أن الهادويةَ وعبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ وعكرمةَ وابنَ أبي ليلَى قالُوا: يُكْرَهُ أكْلُها لما أخرجَهُ أبو داودَ (٦) والبيهقي (٧) منْ حديثِ ابن عمرَ أنَّها جِيءَ بها إلى النبيّ ﷺ فلمْ يأكلْها ولم يَنْهَ عنْها، وزعمَ ابنُ عمرَ أنَّها تحيضُ. وأخرجَ البيهقيُّ (٨) عنْ عمرَ وعمارٍ مثلَ ذلكَ وأنهُ أمرَ بأكْلِها ولم يأكلْ منْها، قلتُ: لكنَّهُ لا يَخْفى أن عدمَ أَكْلِهِ ﷺ لا يدلُّ على كراهتها، وحَكَى الرافعيُّ عنْ أبي حُلَيْفَةَ تحريمَها. فائدةٌ: ذكرَ الدُّمَيْرِي في حياةِ الحيوانِ أن الذي تحيضُ منَ الحيوانِ المرأةُ والضبعُ والخفاشُ والأرنبُ، ويُقَالُ إنَّ الكلْبَةَ كذلكَ.

стр. 2156

حكم النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد ٦/ ١٢٤٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢). وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: نَهَي رسول اللَّهِ ﷺ عنْ قَتْلِ أربع منَ الدوابِّ: النملةِ والنحلةِ والهدهدِ والصُّرَدِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ). قالَ البيهقيُّ: رجالُه رجالُ الصحيحِ، قالَ البيهقيُّ: هوَ أَقْوَى ما وردَ في هذا البابِ، وفيهِ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ ما ذُكِرَ، ويؤخَذُ منهُ تحريمُ أكْلِها؛ لأنهُ لو حل لما نَهَى عن القتلِ وتقدَّمَ لنا في هذا الاستدلالِ بَحْثٌ. وتحريمُ أكْلِها رَاُيُ الجماهيرِ وفي كلِّ واحدةٍ خلافٌ إلا النملةَ فالظاهرُ أنَّ تحريْمَهَا إجماعٌ. حِل أكل الضبع ٧/ ١٢٤٦ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ ﵁: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. روَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَالأَرْبَعَةُ (٥) وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ (٦) وَابْنُ حِبَّانَ (٧). [صحيح]

стр. 2157

(وعنِ ابن أبي عمَّارِ) هوَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي عمارٍ المكي وثَّقَهُ أبو زرعةَ والنسائيُّ ولم يتكلمْ فيهِ أحدٌ، ويسمَّى القسُّ لعبادتِه. ووهمَ ابنُ عبدِ البرِّ في إعلالِه وقالَ البيهقيُّ: إنَّ الحديثَ صحيحٌ. (قالَ: قلتُ لجابرٍ: الضبعُ صيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: قالَه رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: نعمْ. رواة أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ البخاريُّ وابن حِبَّانَ). الحديثُ فيهِ دليلٌ على حِلِّ أكْلِ الضَّبُعِ، وإليهِ ذهبَ الشافعي، فهوَ مخصَّصٌ منْ حديثِ تحريمِ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ. وأخرجَ أبو داودَ (١) منْ حديثِ جابرٍ مرفُوعًا: "الضَّبُعُ صيدٌ فإذا أصابُه المحرِمُ ففيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ ويؤكلُ"، وأخرجَهُ الحاكمُ (٢) وقالَ: صحيحُ الإسنادِ. قالَ الشافعي: وما زالَ الناسُ يأكلونَها ويبيعونَها بينَ الصَّفا والمروةِ منْ غيرِ نكيرٍ، وحرَّمها الهادويةُ والحنفيةُ عملًا بالحديثِ العامّ كما أشرْنا إليهِ، ولكنَّ أحاديثَ التحليلِ تخصِّصُهُ. وأما استدلالُهم على التحريمِ بحديثِ خُزَيْمَةَ [بن جُزْءٍ] (٣) وفيهِ: "قالَ ﷺ : أوَ يأكُلُ الضبعَ أحدٌ؟ أخرجَهُ الترمذيُّ (٤)، ففي إسنادهِ عبدُ الكريمِ أبو أميةَ وهوَ متفقٌ على ضَعْفِهِ (٥).

стр. 2158

حكم أكل القنفذ ٨/ ١٢٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنْفُذِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) الآيَةَ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّها خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثَ"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف الإسناد] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنَّهُ سُئِلَ عن القُنفذِ) بضمّ القافِ وفَتْحِها وضمّ الفاءِ (فقالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٤)، فقالَ شيخٌ عندَه: سمعت أبا هريرةَ يقول: ذكِرَ عندَ النبيِّ ﷺ فقالَ: "إنَّها خبيثةٌ من الخبائثِ". أخرجَهُ أحمدُ وأبو داودَ بإسناد ضعيفٌ)، ضُعِّفَ بجهالةِ الشيخِ المذكورِ، قالَ الخطابيُّ (٥): ليسَ إسنادُه بذاكَ ولهُ طُرُقٌ، قالَ البيهقيُّ: لم يردْ إلَّا منْ وجْهٍ ضعيفٍ وقدْ ذهبَ إلى تحريْمِهِ أبو طالب والإمامُ يَحْيى. وقالَ الرافعيُّ: في القنفذِ وجهانِ أحدهما أنهُ يحرمُ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ وأحمدُ لما رُوِيَ في الخبرِ أنهُ منَ الخبائثِ، وذهبَ مالكٌ وابنُ أبي ليلَى إلى أنهُ حلالٌ وهوَ أقْوى منَ القولِ بتحريمِهِ لعدمِ نهوضِ الدليلِ معَ القولِ بأنَّ الأصلَ الإباحةُ في الحيواناتِ. وهيَ مسألةٌ خلافيةٌ معروفةٌ في الأصولِ فيها خلافٌ بينَ العلماءِ. النهي عن أكل الجلَّالة ٩/ ١٢٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَلَّالَةِ

стр. 2159

وَأَلْبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄) قياسُ قاعدتِه وعنهُ (قالَ: نَهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الجلَّالةِ وألبانِها. أخرجَهُ الأربعةُ إلا النسائيَّ وحسَّنهُ الترمذيُّ). وأخرجَ الحاكمُ (٢) والدارقطنيُّ (٣) والبيهقيُّ (٤) منْ حديثِ ابن عمرِو بن العاصِ نحوَه، وقالَ: "حتَّى تُعْلَفَ أربعينَ ليلةً"، ورواهُ أحمدُ (٥) وأبو داودَ (٦) والنسائيُّ (٧) والحاكمُ (٨) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه بلفظِ: "نَهَى عن لحومِ الحمرِ الأهليةِ وعنِ الجلَّالةِ وعنْ ركوبِها"، ولأبي داودَ: "أنْ يركبَ عليها وأنْ يشربَ ألبانُها". والجلَّالةُ هي التي تأكلُ العذرةَ والنجاساتِ، سواءٌ كانتْ منَ الإبلِ أو البقرِ أو الغنمِ أو الدجاجِ (٩). والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الجلَّالةِ وألبانِها وتحريمِ الركوبِ عليها. وقدْ جزمَ ابنُ حزمٍ أن مَنْ وقفَ في عرفاتٍ راكبًا على جلالةٍ لا يصحُّ حجُّه. وظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا ثبتَ أنَّها أكلتِ الجلَّةَ فقدْ صارتْ محرَّمةً، وقالَ النوويُّ: لا تكونُ جلَّالة إلا إذا غلبَ على علفِها النجاسةُ، وقيلَ بلِ الاعتبارُ بالرائحةِ والنتنِ وبهِ جزمَ النوويُّ والإمامُ يحيى وقالَ: لا تطهرُ بالطبخِ ولا بإلقاءِ التوابلِ وإنْ زالَ الريحُ لأنَّ ذلكَ تغطيةٌ لا استحالةٌ، وقالَ الخطابيُّ: كرههُ أحمدُ وأصحابُ الرأي

стр. 2160

والشافعيُّ (١) وقالُوا: لا [تؤكلْ] (٢) حتى تحبسَ أيامًا. قلتُ: قد عيَّنَ في الحديثِ حبسَها أربعينَ يومًا، وكانَ ابنُ عمرَ يحبسُ الدجاجةَ ثلاثةَ أيامٍ ولم يرَ مالكٌ بأكلِها بأسًا منْ غيرِ حبسٍ. وذهبَ الثوريُّ وروايةٌ عنْ أحمدَ إلى التحريمِ كما هوَ ظاهرُ الحديثِ، ومَنْ قالَ: يكرهُ ولا يحرمُ قالَ: لأنَّ النهيَ الواردَ فيهِ إنما كانَ لتغيرِ اللحمِ وهوَ لا يوجبُ التحريمَ بدليلِ المذكى إذا جافَ، ولا يخْفَى أنَّ هذا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ. ولقدْ خالفَ الناظرونَ هذه السنةَ فقالَ المهدي في "البحر" (٣): "المذهبُ والفريقانِ، ندبُ حبسِ الجلَّالةِ قبلَ الذبحِ، الدجاجةُ ثلاثةَ أيامٍ، والشاةُ سبعة أيام، والبقرةُ والناقةُ أربعةَ عشرَ، وقالَ مالكٌ: لا وجْهَ لهُ. قلنا: "لتطييبِ أجوافِها" اهـ. والعملُ بالأحاديثِ هوَ الواجبُ وكأنَّهم حملُوا النهيَ على التنزيهِ ولا ينهضُ دليلٌ، وأما مخالفتُهم للتوقيتِ فلم يعرفْ وجهُه. حِلُّ الحمار الوحشي والخيل ١٠/ ١٢٤٩ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ في قِصةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ - فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِي ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي قتادةَ في قصةِ الحمارِ الوحشيِّ، فأكلَ منه النبيُّ ﷺ . متفقٌ عليهِ) تقدمَ ذكرُ قصةِ الحمارِ هذا الذي أهداهُ أبو قتادةَ في كتاب الحجِّ. وفي هذا دلالةٌ على أنهُ يحلُّ أكلُ لحمِه وهوَ إجماعٌ. وفيهِ خلافٌ شاذٌ أَنهُ إذا عُلِفَ وأَنِسَ صارَ كالأهليِّ. ١١/ ١٢٥٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 2161

(وعنْ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵄ قالتْ: نحرْنا على عهدِ رسولِ الله ﷺ فرسًا فأكلْناه. متفقٌ عليهِ). وفي روايةٍ (١) ونحنُ بالمدينةِ، وفي روايةِ الدارقطنيِّ (٢) [هذا] (٣): "فأكلْنا نحنُ وأهلُ بيتِ النبيِّ ﷺ ". والحديثُ دليلٌ على حِلِّ أكلِ لحمِ الخيلِ، وتقدمَ الكلامُ فيهِ لأنَّ الظاهرَ أنهُ ﷺ علم ذلكَ وقرَّرَهُ، كيفَ وقدْ قالتْ: إنهُ أكلَ منهُ أهلُه ﷺ ، وقالتْ هنا: نحرْنا، وفي روايةِ الدارقطنيِّ: ذبحْنا. فقيلَ: فيهِ دليلٌ على أن النحرَ والذبحَ واحدٌ، قيلَ: ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُ اللفظينِ مجازًا إذِ النحرُ للإبلِ خاصةً وهوَ الضربُ بالحديدِ في لبَّةِ البدنةِ حتَّى تُفْرَى أوداجُها. والذبحُ: هوَ قطعُ الأوداجِ في غيرِ الإبلِ. قالَ ابنُ التينِ: الأصلُ في الإبلِ النحرُ وفي غيرِها الذبحُ، وجاءَ في القرآنِ في البقرةِ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ (٤)، وفي السنةِ نحرَها. وقدِ اختلفَ العلماءُ في نحرِ ما يُذْبَحُ وذبحِ ما يُنْحَرُ، فأجازهُ الجمهورُ والخلافُ فيهِ لبعضِ المالكيةِ. وقولُه في الحديثِ: (ونحنُ بالمدينةِ)، يردُّ على مَنْ زعَم أن حِلَّها قبلَ فرضِ الجهادِ، فإنهُ فُرِضَ أولَ دخولِهم المدينةَ. أكل الضبِّ ١٢/ ١٢٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵁ قالَ: أُكِلَ الضبُّ على مائدةِ رسولِ الله. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دليلٌ على جوازِ أكْلِ الضبِّ وعليهِ الجماهيرُ. وحكَى عياضٌ عنْ قومٍ تحريْمَه

стр. 2162

وعنِ الحنفيةِ كراهتَه، وقالَ النوويُّ (١): وأظنه لا يصحُّ عنْ أحدٍ، فإنْ صحَّ فهوَ محجُوجٌ بالنصِّ وبإجماعِ مَنْ قبلَه. وقدِ احتجَّ للقائلينَ بالتحريمِ بما أخرجَهُ أبو داودَ (٢): "أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن الضبِّ" وفي إسنادِه إسماعيلُ بنُ عياشٍ ورجالُه شاميونَ وهوَ قويٌّ في الشاميينَ فلا يتمُّ قولُ الخطابيِّ: ليسَ إسنادُهُ بذلكَ ولا قولُ ابن حزمٍ: فيه ضعفًا ومجهولون فإن رجاله ثقات كما قال المصنف، ولا قول البيهقي فيهِ إسماعيلُ بنُ عياشٍ وليسَ بحجَّةٍ، لما عرفتَ منْ أنهُ رواهُ عن الشاميينَ وهوَ حجةٌ في روايتِه عنْهم (٣). وبما أخرجَهُ أبو داودَ (٤) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن حسنةَ: "أنَّهم طبخُوا ضبًّا فقالَ النبي ﷺ : إنَّ أمةً منْ بني إسرائيلَ مُسِخَتْ دوابَّ في الأرضِ فأخشَى أنْ تكونَ هذهِ. فألقُوها"، وأخرجَهُ أحمدُ (٥) وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (٦) والطحاويُّ (٧) وسندُه على شرطِ الشيخينِ. وأُجِيْبَ عن الأولِ بأنَّ النَّهْيَ وإنْ كانَ أصلُه التحريمَ لكنْ صرفَه هنَا إلى الكراهةِ ما أخرجَه مسلمٌ (٨) أنهُ ﷺ قالَ: "كلُوه فإنهُ حلالٌ ولكنهُ ليسَ منْ طعامي". وهذهِ الروايةُ تردُّ ما رواهُ مسلمٌ (٩) أنهُ قالَ بعضُ القومِ عندَ ابن عباسٍ ﵁: إنَّ النبيّ ﷺ قالَ في الضبِّ: "لا آكلُه ولا أنْهَى عنهُ ولا أحرِّمهُ"، ولذَا أعلَّ ابنُ عباسٍ هذهِ الروايةَ فقالَ: "بئسمَا قلتُم، ما بُعِثَ نبيُّ الله إلا محرِّمًا أو محلِّلًا"، كذَا في مسلمٍ.

стр. 2163

وأُجِيْبَ عن الثاني بأنهُ يحتملُ أنهُ وقعَ منهُ ﷺ ، ذلكَ أعني خشيةَ أنْ تكونَ أُمة ممسوخةً قبلَ أنْ يُعلِّمهُ اللَّهُ تعالَى أن الممسوخَ لا ينسلُ. وقدْ أخرجَ الطحاويُّ (١) [منْ حديثِ ابن مسعودٍ] (٢) قالَ: "سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن القردةِ والخنازيرِ أهيَ مما مُسِخَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يهلكْ قومًا أوْ يمسخْ قومًا فيجعلَ لهم نسلًا ولا عاقبة"، وأصل الحديث في مسلم (٣) ولم يعرفْه ابنُ العربي. فقالَ: قولُهم إنَّ الممسوخَ لا ينسلُ دعْوى فإنهُ لا يعرفُ بالعقلِ وإنَّما طريقُه النقلُ وليسَ فيهِ أمرٌ يعوَّلُ عليهِ. (وأُجِيْبَ) أيضًا بأنهُ لو سلمَ أنهُ ممسوخٌ فلا يقتضي تحريمَ أكْلِه فإنَّ كونَه كانَ آدميًا قدْ زالَ حكمهُ ولم يبقَ لهُ أثرٌ أصلًا، وإنَّما كره ﷺ الأكلَ منهُ لما وقعَ عليه منْ سخطِ اللَّهِ تعالى كما كرهَ الشربَ منْ مياهِ ثمودَ (٤). قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لو لمْ يرَ تحريْمَهُ لما أمرَ بإلقائِها أوْ بتقريرِهمْ عليهِ لأنهُ إضاعةُ مالٍ، ولأَذِنَ لهم في أكْلِه، فالجوابُ الذي قبلَه هوَ الأحسنُ، فيستفاد المجموعِ جوازُ أكْلِه وكراهتِه للنَّهي. حكم الضفدع ١٣/ ١٢٥٢ - وَعَنْ عبدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَان الْقُرَشِيِّ ﵁، أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضِّفْاع يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٥)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٦). وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٧) وَالنَّسَائِيُّ (٨). [صحيح]

стр. 2164

(وعنْ عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ) (١) هوَ ابنُ عبيد اللَّهِ التيميِّ القرشيِّ ابن أخي طلحةَ بن عبيد الله الصحابي، قيلَ أنهُ أدركَ النبيَّ ﷺ وليستْ لهُ رواية. أسلمَ يومَ الفتحِ وقيلَ يومَ الحديبيةِ، وقُتِلَ معَ ابن الزبيرِ في يومِ واحدٍ، رَوَى عنهُ ابناهُ وابنُ المنكدرِ (أن طبيبًا سألَ النبيّ ﷺ عن الضفدعِ) بزنةِ الخنصرِ (يجعلُها في دواءٍ فنَهى عنْ قَتْلِها. أخرجَهُ أحمدُ وصحَّحهُ الحاكمُ). وأخرجَه أبو داودَ والنسائي والبيهقيُّ بلفظِ: "ذكرَ طبيبٌ عندَ النبيّ ﷺ دواءً وذكرَ الضفدعَ يجعلُها فيهِ، فنَهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ قتلِ الضفدعِ". قالَ البيهقي: هوَ أقْوى ما وردَ في النَّهْي عنْ قتلِ الضفدعِ. وأخرجَ (٢) منْ حديثِ ابن عمرَو: "لا تقتلُوا الضفدعَ فإنَّ نقيقَها تسبيحٌ، ولا تقتلُوا الخفاشَ فإنهُ لما خربَ بيتَ المقدسِ قالَ: يا ربِّ سلِّطني على البحرِ حتَّى أغرقَهم"، قالَ البيهقي إسنادُه صحيحٌ. وعنْ أنسٍ: "لا تقتلُوا [الضفدع] (٣) فإنَّها مرتْ على نارِ إبراهيمَ فجعلتْ في أفواهِها الماءَ وكانتْ ترشهُ على النارِ" (٤). والحديثُ دليلٌ على تحريمِ قتلِ الضفادعِ، قالُوا: ويؤخذُ منهُ تحريمُ أكْلِها لأنَّها لو حلَّتْ لما نَهَى عنْ قتلِها، وتقدمَ نظيرُ هذا الاستدلالِ وليسَ بواضحٍ. * * *

стр. 2165

[الباب الأول] باب الصيد والذبائح الصيدُ يطلقُ على المصدرِ، أي التصيُّدِ، وعلى المصِيْدِ. واعلم أنهُ تعالَى أباحَ الصيدَ في آيتينِ منَ القرآنِ، قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (١)، والثانيةُ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢) الآيةَ. الآلة التي يصادُ بها ثلاثةٌ: الحيوانُ الجارحُ، والمحدِّدُ، والمِثْقَلُ، ففي الحيوانِ: اقتناء الكلاب ١/ ١٢٥٣ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : منِ اتخذَ كلْبًا إلَّا كلبَ ماشيةٍ أو صيدٍ أو زرعٍ انتُقِصَ منْ أجرِه كلَّ يومٍ قيراطٌ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على المنعِ منِ اتخاذِ الكلابِ واقتنائِها وإمساكِها إلا ما

стр. 2166

اسْتثناهُ منَ الثلاثةِ، وقدْ ورد بهذهِ الألفاظِ رواياتٌ في الصحيحينِ وغيرِهِما (١). واختلفَ العلماءُ هلِ المنعُ للتحريمِ أوْ للكراهةِ؟ فقيلَ بالأولِ ويكونُ نقصانُ القيراطِ عقوبةً في اتخاذِها بمعنَى أن الإثمَ الحاصلَ باتخاذِها يوازنُ قَدْرَ قيراطٍ منْ أجرِ المتخذِ لهُ، وفي روايةٍ قيراطانِ، وحِكْمةُ التحريمِ ما في بقائِها في البيتِ منَ التسببِ إلى ترويعِ الناسِ وامتناع دخولِ الملائكةِ الذينَ دخولُهم [خير وبركة وتقرب] (٢) إلى فعلِ الطاعاتِ ويبعد عنْ فعلِ المعصيةِ، وبعدُهم سببٌ لضدّ ذلكَ، ولتنجيسها الأواني، وقيلَ بالثاني بدليلِ نقصِ بعضِ الثوابِ على التدريجِ، فلوْ كانَ حرامًا لذهبَ [بالكلية] (٣). وفيه أن فعلَ المكروهِ تنزيهًا لا يقتضي حبوط شيءٍ منَ الثوابِ. وذهبَ إلى تحريمِ اقتناءِ الكلبِ الشافعيةُ إلا المُسْتَثنى. واختُلِفَ في الجمعِ بينَ روايةِ قيراطٍ وروايةِ قيراطانِ، فقيلَ إنهُ باعتبار كثرةِ الأضرارِ كما في المدنِ ينقصُ قيراطانِ، وقلَّتُه كما في البوادي ينقصُ قيراطٌ، أو أن الأولَ إذا كانَ في المدينةِ النبويةِ والثاني في غيرِها، أوْ قيراطٌ منْ عملِ النهارِ وقيراطٌ منْ عملِ الليلِ، فالمقتصرُ في الروايةِ باعتبارِ كلّ واحدٍ منَ الليلِ والنهارِ، والمثنَّى باعتبارِ مجموعِهما. [واختلفُوا] (٤) أيضًا هلِ النقصانُ منَ العملِ الماضي أوْ منَ الأعمالِ المستقبلةِ؟ قالَ ابنُ التينِ: المستقبلةُ، وحكَى غيرُه الخلافَ فيهِ (٥) وفيهِ دليلٌ على

стр. 2167

أن منِ اتخذَ المأذونَ منْها فلا ينقص عليهِ، وقيسَ عليهِ اتخاذُه لحفظِ الدورِ إذا احتيجَ [إليهِ] (١) أشارَ إليهِ ابنُ عبدِ البرِّ. واتفقُوا على أنهُ لا يدخلُ الكلبُ العقورُ في الإذنِ لأنهُ مأمورٌ بقتلهِ (٢). وفي الحديثِ دليلٌ على التحذيرِ منَ الإتيانِ بما ينقصُ الأعمالَ الصالحةَ. وفيهِ الإخبارُ بلطفِ اللَّهِ تعالَى في إباحتِه لما يحتاجُ إليهِ في تحصيلِ المعاشِ وحفظِه. تنبيهُ: وردَ في مسلمٍ (٣) الأمرُ بقتلِ الكلابِ، فقالَ القاضي عياضٌ: ذهبَ كثيرٌ منَ العلماءِ إلى الأخذِ بالحديثِ في قتلِ الكلابِ إلا ما استُثْنيَ، قالَ: وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابهِ. وذهبَ آخرونَ إلى جوازِ اقتنائِها جميعًا ونُسِخَ قتلُها إلا الأسودَ البهيمَ (٤). قالَ: وعندي أن النهيَ أولًا كانَ عامًا من اقتنائِها جميعًا وأمرَ بقتلِها جميعًا، ثمَّ نَهَى عنْ قتلِ ما عدَا الأسودَ ومنعَ الاقتناءَ في جميعِها إلا المستثنَى اهـ.

стр. 2168

والمرادُ بالأسودِ البهيمِ ذوُ النقطتينِ، فإنهُ شيطانٌ. والبهيمُ الخالصُ السوادَ، والنقطتانِ معروفتانِ فوقَ عينيهِ. حِلُّ صيد الكلب المعلَّم ٢/ ١٢٥٤ - وَعَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيهِ، فَإنْ أَمْسَكَ عَلَيكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيرَهُ وَقدْ قَتَلَ فَلا تَأكُلْ، فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أَيّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا في الْمَاءِ فَلَا تَأْكلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٌ. [صحيح] (وعنْ عديِّ بن حاتم ﵁ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا أرسلْتَ كلبكَ) المعلَّمَ فاذكرِ اسمَ اللَّهِ تعالَى عليهِ، فإنْ أمسك عليكَ فأدركْتَه حيًا فاذبْحه، وإنْ أدركْته قدْ قَتَلَ ولم يأكلْ منهُ فكلْه، وإنْ وجدتَ معَ كلبكَ كلْبًا غيرَه وقدْ قَتَلَ فلا تأكلْ فإنك لا تدري أيُّهما قتلَه، وإنْ رميتَ بسهمك فاذكرِ اسمَ اللَّهِ) هذا إشارةٌ إلى آلةِ الصيدِ الثانيةِ أعني المحددَ، وهو قتلُه بالرماحِ والسيوفِ، لقولِه تعالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٢)، ولكنَّ الحديثَ في السهمِ (فإنْ غابَ عنكَ يومًا فلم تجدْ فيهِ إلَّا أثرَ سهمِكَ فكلْ إنْ شئتَ، وإنْ [وجدَتُه] (٣) غريقًا في الماءِ فلا تأكلْ. متفقٌ عليهِ وهذا لفظُ مسلمٌ). في الحديثِ مسائلُ: الأولى: أنهُ لا يحلُّ صيدُ الكلبِ إلَّا إذا أرسلَه صاحبُه، فلو استرسلَ بنفسه لم يحلَّ ما يصيدُه عندَ الجمهورِ. والدليلُ قولُه ﷺ : (إذا أرسلتَ) فمفهومُ الشرطِ أن غيرَ المرسلِ ليسَ كذلكَ، وعنْ طائفةِ المعتبرُ كونُه معلَّمًا فيحل صيدُه وإنْ لم يرسلْه صاحبُه بناءً على أنهُ خرجَ قولُه إذا أرسلتَ مَخْرَجَ الغالبِ فلا مفهومَ لهُ. وحقيقةُ المعلَّمِ هوَ أنْ يكونَ بحيثُ يُغْرَى فيقصدُ، ويُزْجَرُ فيقعدُ. وقيلَ:

стр. 2169

التعليمُ قَبولُ الإرسالِ والإغراءِ حتَّى يمتثلَ للزجرِ في الابتداءِ لا بعدَ العدْوِ ويتركَ أَكْلَ ما أمسكَ، فالمعتبرُ امتثالُه للزجرِ قبلَ الإرسال، أما بعدَ إرسالِه على الصيدِ فذلكَ متعذَّرٌ. والتكليبُ إلهامٌ منَ اللَّهِ تعالَى ومكتسبٌ بالعقلِ كما قالَ تعالَى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). قالَ جارُ الله (٢): مما عرَّفَكُم أنْ تعلِّموهُ منِ اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه، وانزجارِه بزجْرِه، وانصرافِه بُدعائِه، وإمساكِ الصيدِ عليهِ، وأنْ لا يأكلَ منهُ. المسالةُ الثانية: في قولِه: (فاذكرِ اسمَ اللَّهِ) هذا مأخوذٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣)، فإنَّ ضميرَ عليهِ [يعودُ] (٤) إلى ما أمسكْنَ على معنَى: وسمُّوا عليهِ إذا أدركتُم ذكاتَهُ، أو إلى ما علَّمتُم منَ الجوارحِ، أي سمُّوا عليهِ عندَ إرسالِه كما أفادَهُ الكشافُ (٥)، وكذلكَ قولُه: (إنْ رميتَ بسهمك فاذكرِ اسمَ اللَّهِ عليه) دليلٌ على اشتراطِ التسميةِ عندَ الرَّميِ، وظاهرُ الكتابِ والسنةِ وجوبُ التسميةِ. واختلفَ العلماءُ في ذلك، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّ التسميةَ واجبةٌ على الذاكرِ عندَ الإرسالِ ويجبُ عليهِ أيضًا عندَ الذبحِ والنحرِ فلا تحلُّ ذبيحتُه ولا صيدُه إذا تركتْ عمدًا مستدلِّينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٦)، وبالحديثِ هذَا، قالُوا: وعُفِيَ عن الناسي لحديثِ: "رُفِعَ عنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ" (٧)،

стр. 2170

ولما يأتي (١) منْ حديثِ ابن عبابر بلفظِ: "فإنْ نسيَ أنْ يسمِّيَ حينَ يذبحُ فليسمِّ ثمَّ ليأكلْ"، سيأتي في آخرِ البابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وذهبَ آخرونَ إلى أنَّها سنَةُ، منهمْ ابنُ عباسٍ ومالكٌ وروايةٌ عنْ أحمدَ، مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢)، قالُوا: فأباحَ التذكيةَ منْ غيرِ اشتراطِ التسميةِ، بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) وهمْ لا يسمُّونَ، ولحديثِ عائشةَ الآتي (٤)، وأنَّهم قالُوا: يا رسولَ الله إنَّ قومًا يأتونَنَا بلحم لا ندري أَذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ أم لا أفنأكُلُ منها؟ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : سمُّوا عليهِ أنتُم وكلُوا". وأجابُوا عنْ أدلةِ الإيجابِ بأنَّ قولَه: "ولا تأكلُوا"، المرادُ بهِ ما ذُبِح للأصنامِ كما قالَ تعالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٥)؛ لأنهُ تعالَى قالَ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقدْ أجمعَ المسلمونَ على أن مَنْ أكلَ متروكَ التسميةِ عليهِ فليسَ بفاسقٍ، فوجبَ حَمْلُها على ما ذُكِرَ جَمْعًا بينها وبينَ الآياتِ السابقةِ، وحديثُ عائشةَ. وذهبتِ الظاهرية إلى أنهُ يحرم أَكْلُ ما لم يسمَّ عليهِ ولو كانَ تارِكُها ناسيًا لظاهرِ الآيةِ الكريمةِ، وحديثُ عديٍّ ﵁ ولم يفصلْ. قالُوا: وأما حديثُ عائشةَ وفيهِ "أنَّهم قالُوا: يا رسولَ الله إن قومًا حديث عهدِهم بالجاهليةِ يأتونَ بلحمانٍ - الحديثَ"، فقد قالَ ابنُ حجرٍ إنهُ أعلَّه البعضُ بالإرسالِ، قالَ الدارقطني: الصوابُ أنهُ مرسلٌ على أنهُ لا حجةَ فيهِ لأنهُ أدارَ الشارعُ الحكمَ على المظنَّةِ وهيَ كونُ الذابحِ مسلمًا، وإنَّما شكَّكَ على السائلِ حداثةَ إسلامِ القومِ فألغاهُ ﷺ ، بلْ فيهِ دليلٌ على أنهُ لا بدَّ منَ التسميةِ وإلا لبيَّنَ لهم ﷺ عدمَ لزومِها، وهذا وقتُ الحاجةِ إلى البيان. وأما حديثُ:

стр. 2171

(رُفِعَ عنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ) (١)، فهمْ متفقونَ علَى تقديرِ رفْعِ الإِثْمِ أو نحوِه ولا دليلَ فيهِ. وأما أهلُ الكتابِ فهمْ يذكرونَ اسمَ اللَّهِ علَى ذبائِحهم فيتحصَّلُ قوةُ كلامِ الظاهريةِ، فيتركُ ما تيقنَ أنهُ لم يسمِّ عليهِ، وأما ما شكَّ فيهِ والذابحُ مسلمٌ فكما قال ﷺ : "اذكُروا اسمَ اللَّهِ وكلُوا". المسألةُ الثالثةُ: في قولِه: (فإِنْ أدركْتَه حيًا فاذبْحُه). فيهِ دليل على أنهُ يجبُ عليهِ تذكيتُه إذا وجدَه حيًا ولا يحلُّ إلَّا بها وذلكَ اتفاقٌ، فإنْ أدركَهُ [وبه] (٢) بقيةُ حياةٍ فإنْ كانَ قدْ قطعَ حلقومَهُ أو مريئَه أوْ خرق أمعاءَه أوْ أخرجَ حشْوهُ فيحلُّ بلا ذكاةٍ، قالَ النوويُّ (٣): بالإجماعِ، وقالَ المهدي (٤) للهادويةِ: إنهُ إذا بقيَ فيهِ رمَقٌ وجبَ تذكيتُه، والرَمقُ إمكانُ التذكيةِ لو حضرتْ آلةٌ. ودلَّ قولُه: (وإنْ أدركته قدْ قَتَلَ ولم يأكلْ [فكل]) (٥)، أنهُ إذا أكلَ حرُمَ أكلُه، وقدْ عرفتَ أن مِنْ شرطِ المعلَّم أنْ لا يأكلَ، فأكْلُه دليلٌ على أنهُ غيرُ كاملِ التعليم. وقدْ وردَ في الحديثِ الآخرِ تعليلُ ذلك بقوله ﷺ : "فإني أخاف أن يكون إنما أمَسك على نفسه" (٦)، وهو مستفادٌ منْ قولهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فإنهُ فسَّرَ الإمساكَ على صاحبِه بأنْ لا يأكلَ منهُ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (٧) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵄: "إذا أرسلتَ الكلبَ فأكلَ الصيدَ فلا تأكلْ، فإنَّما أمسكَ على نفسهِ، وإذا أرسلْتَهُ ولم يأكلْ فكلْ فإنَّما أمسكَ على صاحبه"، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ العلماءِ، ورُوِيَ عنْ عليّ ﵁ وجماعةٍ منَ الصحابةِ أنهُ يحل، وهوَ مذهبُ مالكٍ لقولِه ﷺ في حديثِ أبي ثعلبةَ الذي أخرجَهُ أبو داودَ باسنادٍ حسنٍ (٨) أنهُ

стр. 2172

قالَ: (يا رسولَ اللَّهِ إنَّ لي كِلَابًا مكلَّبةً (١) فأفتني في صَيْدِها؟ [فقال] (٢): كلْ مما أمسكْنَ عليكَ، قالَ: وإنْ أكَلَ؟ قالَ: وإنْ أكَلَ)، وفي حديثِ [سلمانَ] (٣): "كُلْه وإن لم تدركْ منهُ إلا نصفَه" (٤). قيلَ: فَيُحْمَلُ حديثُ عديٍّ على أن ذلكَ في كلبٍ قدِ اعتادَ الأكْلَ فخرجَ عن التعليمِ، وقيلَ إنهُ محمولٌ على [كراهةِ] (٥) التنزيهِ، وحديثُ أبي ثعلبةَ لبيانِ أصلِ الحلِّ وقدْ كانَ عديٌّ موسرًا فاختار ﷺ لهُ الأَوْلَى، وكانَ أبو ثعلبةَ مُعْسِرًا فأفتاهُ بأصلِ الحِلِّ. وقالَ الأولونَ: الحديثانِ قدْ تعارضَا، وهذهِ الأجوبةُ لا يخْفَى ضعْفُها فيرجعُ إلى الترجيحِ. وحديثُ عديٍّ أرجحُ لأنهُ مُخْرَجٌ في الصحيحين ومتأيدٌ بالآيةِ، وقدْ صرَّحَ ﷺ بأنهُ يخافُ أنهُ إنَّما [أمسكه] (٦) على نفسِه فَيُتْرَكُ ترجِيْحًا لجنبةِ [الحظْر] (٧) كما [قالَ] (٨) ﷺ في الحديثِ (٩): "وإنْ وجدْتَ معَ كلْبِكَ [كلْبًا] (١٠) آخرَ - إلى قولِه: [فلا تأكَلْ] (١١) فإنهُ نَهْيٌ عنهُ لاحتمالِ أن المؤثرَ فيهِ كلبٌ آخرُ غيرُ المرسَلِ [فيترك] (١٢) ترجيحًا لجنبةِ الحظْرِ. وقولُه (١٣): (فإنْ غابَ عنكَ يوما فلم تجدْ فيهِ إلا أثرَ سهْمِكَ فكلْه إنْ شِئْتَ)، اختلفتِ الأحاديثُ في هذَا. فرَوَى مسلمٌ (١٤) وغيرُه منْ حديثِ أبي ثعلبةَ في الذي

стр. 2173

يدركُ صيدَه بعدَ ثلاثٍ أنهُ قالَ ﷺ : "كلْ ما لمْ يُنْتِنْ" (١)، ورَوَى مسلمٌ أيضًا منْ حديثِه أنهُ قال ﷺ : "إذا رمَيْتَ بسهْمكَ فغابَ عنكَ مصرعُه فكلْ ما لم يبتْ" (٢)، ولاختلافِها اختلفَ العلماءُ. فقالَ مالكٌ: إذا غابَ مصرعُه ثمَّ [وجدت] (٣) بهِ أثرًا منَ الكلبِ فإنهُ [يأكل] (٤) ما لمْ يبتْ فإذا باتَ كُرِهَ، وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ، والتعليلُ بما لم يُنْتِنْ وما لم يبِتْ هوَ النصُّ ويحملُ ذكرُ الأوقاتِ على التقييد بهِ وتركِ الأكلِ للاحتياطِ وترجيحِ جنبةِ الحظْرِ. وقولُه (٥): (وانْ وجدتَه غريقًا فلا تأكلْ)، ظاهرُه وإنْ [وجدت] (٣) بهِ أثرَ السهمِ لأنهُ يجوزُ أنهُ ماتَ بالغرق لا بالسهم. الصيد لغير الكلاب المسألة الرابعة: الحديثُ نصٌّ في صيدِ الكلبِ، واختُلِفَ فيما يعلَّمُ مِنْ غيرهِ كالفهدِ والنمرِ، ومنَ الطيورِ كالبازي والشاهينِ وغيرِهما، فذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنهُ يحلُّ صيدُ كلِّ ما قَبِلَ التعليمَ حتَّى السِّنَّوْرِ. وقال جماعة منهم مجاهدٌ: لا يحلُّ إلَّا صيدُ الكلب، وأما ما صادَه غيرُ الكلبِ فيُشْتَرَطُ إدراكُ ذكاتِه، وقولُه تعالَى: ﴿مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٦) دليل للثاني بناءً على أنهُ مشتق منَ الكلب بسكونِ اللامِ، فلا [يشملُ] (٧) غيرَه منَ الجوارحِ، ولكنُه يحتملُ أنهُ مشتقٌّ منَ الكَلَبِ بفتحِ اللامِ وهوَ مصدرٌ بمعنَى التكليبِ وهوَ التضريةُ، فيشملُ الجوارحَ كلَّها. والمرادُ بالجوارحِ الكواسبُ علَى أهلِها وهوَ عامٌّ.

стр. 2174

قالَ في "الكشافَ" (١): والجوارحُ الكواسبُ منْ سباعِ البهائمِ والطيرِ كالفهدِ والكلب والنمرِ والعُقابِ والبازي والصقْرِ والشاهينِ. والمرادُ بالمكلِّبِ معلِّمُ الجوارحِ ومضريها بالصيدِ لصاحِبها ورائضُها لذلكَ [مما] (٢) علِمَ منَ الحِيَلِ وطُرُقِ التأديبِ والتثقيفِ، واشتقاقُه منَ الكلبِ لأنَّ التأديبَ أكثرُ ما يكونُ في الكلابِ فاشتقَّ لهُ منهُ لكثرتِه في جنسه أوْ لأنَّ السبعَ يسمَّى كلْبًا ومنهُ قولُه ﷺ : "اللهمَّ سلِّطْ عليهِ كلبًا منْ كلابِكَ" (٣) فأكلَه الأسدُ، أوْ منَ الكلَبِ الذي هو بمعنَى الضراوةِ، يقالُ: هوَ كلِبٌ بكذَا إذا كانَ ضاريًا بهِ" اهـ. فدلَّ كلامُه على شمولِ الآيةِ للكلبِ وغيرِه منَ الجوارحِ علَى تقديرِ الاشتقاقينِ، ولا شكَّ أن الآيةَ نزلتْ والعربُ تصيدُ بالكلابِ والطيورِ وغيرِهما. وقدْ أخرجَ الترمذيُّ (٤) منْ حديثِ عديِّ بن حاتم: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عنْ صيدِ البازي فقالَ: "ما أمسكَ عليكَ فكلْ". وقدْ ضعِّفَ بمجالدٍ، ولكنْ قدْ أوضحْنا في حواشي "ضوءِ النهارِ" (٥) أنهُ يعملُ بما رواهُ. صيد المِعراض ٣/ ١٢٥٥ - وَعَنْ عَدِيٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: "إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّه فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ

стр. 2175

وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكلْ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنْ عديٍّ قالَ: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عنْ صيدِ المِعراضِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ المهملةِ آخرَه معجمةٌ يأتي تفسيرُه (فقالَ: إذا أصبتَ بحدِّه فكلْ، وإذا أصبتَ بعرضِه فقتلَ فإنهُ وَقيذٌ) بفتحِ الواوِ وبالقافِ فمثناةٍ تحتيةٍ فذال معجمةِ بزنةِ عظيمٍ يأتي بيانُه (فلا تأكلْ. رواهُ البخاريُّ). اختُلفَ في تفسيرِ المعراضِ على أقوالٍ أقربَها ما قالَه ابنُ التينِ إنهُ عَصَا في [طرفِها حديدةٌ] (٢) يرمي بها الصائدُ، فما أصابَ بحدِّه فهوَ ذكيٌّ يؤكلُ، وما أصابَ بعرضِه فهوَ وقيذٌ، أي موقوذٌ. والموقوذُ [ما رمي] (٣) بعصَا أو حجرٍ أو ما لا حدَّ فيهِ. والموقوذةُ المضروبةُ بخشبةِ حتَّى تموتَ، منْ وقَذْتُه ضربتُه. والحديثُ إشارةٌ إلى آلةِ منْ آلاتِ الاصطياد وهيَ المحدَّدُ، فإنهُ ﷺ أخبرَهُ أنهُ إذا أصابَ المعراض بحدِّه أكلَ فإنهُ محددٌ، وإذا أصابَ بعرضِه فلا يأكلْ. وفيهِ دليلٌ أنهُ لا يحلُّ صيدُ المثقلِ. وإلى هذا ذهبَ مالكٌ (٤) والشافعيّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ والثوريُّ. وذهبَ الأوزاعيُّ ومكحولٌ وغيرُهما منْ علماءِ الشامِ إلى أنهُ يحلُّ صيدُ المعراضِ مطْلقًا. وسببُ الخلافِ معارضةُ الأصولِ في هذا الباب بعضُها لبعضِ، ومعارضةُ الأثرِ لها، وذلكَ أن مِنَ الأصولِ في هذا البابِ أَنَّ الوقيذَ محرَّمٌ بالكتابِ والإجماعِ، [و] (٥) منْ أصولِه أن العقرَ ذكاةُ الصيدِ فمنْ رأَى أن ما قتلَه المعراضُ وقيذًا منعهُ على الإطلاقِ، ومَنْ [رآهُ عقرًا] (٦) مختصًا بالصيدِ، وأنَّ الوقيذ غيرُ معتبَرٍ فيهِ لم يمنعْه على الإطلاقِ، ومَنْ فرَّقَ بينَ ما أخرق منْ ذلكَ وما لم يخرقْ نظرَ إلى حديثِ عديٍّ وهوَ الصوابُ.

стр. 2176

وقولُه: (فإنُه وقيذٌ) أي كالوقيذِ، وذلكَ لأنَّ الوقيذَ المضروبُ بالعصَا منْ دونِ حدٍّ وهذَا قد شاركَه في العلةِ وهي القتلُ بغيرِ حدٍّ. تحريم أكل ما أنتن ٤/ ١٢٥٦ - وَعَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَمَيتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكتَهُ، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يَنْتُنْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١). [صحيح] (وعنْ أبي ثعلبةَ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: إذا رميتَ بسهمِكَ فغابَ عنكَ فأدركْتَه فَكُلْ ما لمْ ينتنْ. أخرجَهُ مسلمٌ). تقدمَ الكلامُ فيما غابَ عنْ مصرعِه منَ الصيدِ سواءٌ كانَ بسهمٍ أو جارحٍ. وفي الحديثِ دلالة على تحريمِ أَكْلِ ما أنتنَ منَ اللحمِ، قيلَ ويحملُ على ما يضرُّ الأكلُ أوْ صارَ مستخبثًا أو يحملُ على التنزيهِ ويُقَاسُ علَيهِ سائرُ الأطعمةِ المنتنَةِ. ٥/ ١٢٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ قَوْمًا يَأتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: "سَمُّوا الله عَلَيهِ أَنتُمْ وَكلُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِي (٢). [صحيح]. (وعنْ عائشةَ ﵂ أن قومًا قالُوا للنبيِّ ﷺ : إنَّ قومًا يأتونَنَا باللحمِ لا ندري أَذُكِرَ اسمَ اللَّهِ عليهِ) أي عندَ ذكاتِه (أمْ لا؟ فقال: سمُّوا الله عليهِ أنتمْ وكلُوه. رواه البخاريُّ). تقدَّمَ أن في رواية: "إنَّ قومًا حديثو عهد "بالجاهليةِ"، وهي هُنا في البخاريِّ منْ تمامِ الحديثِ بلفظِ: "قالتْ وكانُوا حديثي عهدِ بالكفرِ"، وفي روايةٍ مالكٍ (٣) زيادةٌ: "وذلكَ في أولِ الإسلامِ"، والحديثُ قدْ أُعِلَّ بالإرسالِ وليسَ بعلةٍ عندنا على ما عرفتَ [غير مرة] (٤) سيِّما وقدْ وصلَه البخاريُّ. وتقدَّم أنَّ الحديثَ منْ أدلةِ مَنْ قالَ بعدمِ وجوبِ التسميةِ ولا يتمُّ ذلكَ. وإنَّما هوَ دليلٌ على أنهُ لا يلزمُ أنْ يعلمُوا التسميةَ فيم يجلبُ إلى أسواقِ

стр. 2177

المسلمينَ، وكذَا ما ذبحَهُ الأعرابُ منَ المسلمينَ لأنَّهم قدْ عرفُوا التسميةَ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١): لأنَّ المسلمَ لا يُظَنُّ بهِ في كلِّ شيءٍ إلا الخيرُ حتى يتبينَ خلافُ ذلكَ، ويكونُ الجوابُ عنْهم سمُّوا إلخ منَ الأسلوبِ الحكيمِ، وهوَ جوابُ السائلِ بغيرِ ما يترقبُ كأنهُ قال: الذي يهمُّكم أنتمْ أنْ [تذكُروا] (٢) اسمَ اللَّهَ عليهِ وتأكلُوا منهُ، وهذا يقررُ ما قدَّمناه منْ وجوبِ التسميةِ، إلا أنْ نحملَ أمورَ المسلمينَ على السلامةِ (٣). وأما ما اشتهرَ منْ حديثِ: "المؤمنُ يذبحُ على اسمِ الله سمَّى أمْ لم يسمِّ" (٤)،

стр. 2178

وإنْ قالَ الغزاليُّ في "الإحياءِ" (١) إنهُ صحيحٌ فقدْ قالَ النوويُّ: إنهُ مُجْمَعٌ على ضعفِه. وقدْ أخرجَهُ البيهقي منْ حديثِ أبي هريرةَ وقالَ إنهُ منكرٌ لا يحتجُّ بهِ. وكذَا ما أخرجَهُ أبو داودَ في "المراسيلِ" (٢) عن الصلتِ السدوسيِّ عن النبيّ ﷺ قالَ: "ذبيحة المسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ اللَّهِ أو لمِ يذكرْ"، فهوَ مرسلٌ وإنْ كانَ الصلتُ ثقةً فالإرسالُ علةٌ عندَ مَنْ لم يقبلْ المراسيلَ. وقولُنا فيما تقدَّمَ إنهُ ليسَ الإرسالُ علة نريدُ إذا أعلُّوا بهِ حديثًا موصولا ثمَّ جاءَ منْ جهة أُخْرَى [مرسلًا] (٣).

стр. 2179

النهي عن الخذف ٦/ ١٢٥٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: "إِنَّهَا لَا تَصيدُ صَيدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا ثَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مغفلٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عن الخَذْفِ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ ففاء (وقالَ إنَّها) أنَّثَ الضميرَ معَ أن مرجعَه الخذفُ وهوَ مذكرٌ نظرًا إلى المخذوفِ بهِ وهي الحصاةُ (لا تصيدُ صيدًا ولا تَنْكَأُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ وهمزةٍ في آخرهِ (عدوًا، ولكنَّها تكسرُ السن وتفقأُ العينَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلم). الخذفُ رميُ الإنسانِ بحصاةٍ أوْ نواةٍ أوْ نحوهما [يجعلُها] (٢) بينَ إصبعيهِ السبابتينِ أوِ السبابةِ والإبهامِ. وفي تحريمِ ما قتل بالخذفِ منَ الصيدِ الخلافُ الذي مضَى في صيدِ المثقلِ؛ لأنَّ صيد الحصاة ثقيل بثقْلِها لا بحدٍّ، والحديثُ نَهَى عن الخذفِ لأنُه لا فائدةَ فيهِ ويخافُ منهُ المفسدةُ المذكورةُ، ويلحقُ بهِ كلُّ ما فيهِ مفسدةٌ. واختُلِفَ فيما يقتلُ بالبندقةِ، فقالَ النوويُّ (٣): إنهُ إذا كانَ الرميُ بالبنادقِ [وبالخذفِ] (٤) إنَّما هوَ لتحصيلِ الصيدِ وكانَ الغالبُ فيهِ عدمَ قتلِه فإنهُ يجوزُ ذلكَ إذا أدركَه الصائدُ وذكَّاه كرمي الطيورِ الكبارِ بالبنادقِ. وأما أثرُ ابن عمرَ وهوَ ما أخرجَهُ عنهُ البيهقيُّ أنهُ كانَ يقولُ: "المقتولةُ

стр. 2180

بالبندقةِ تلكَ الموقوذةُ"، فهذَا في المقتولةِ بالبندقةِ، وكلامُ النووي في الذي لا يقتلُها وإنَّما تحبسها على الرامي حتَّى يذكيها، وكلامُ أكثرِ السلفِ أنهُ لا يؤكلُ ما [قتل] (١) بالبندقةِ [وذلكَ] (١) لأنه قُتِلَ بالمثقلِ. قلتُ: وأما البنادقُ المعروفةُ الآنَ فإنَّها ترمي بالرصاصِ فتخرجُ وقدْ صيَّرتْه نارُ البارودِ كالميلِ فيقتلُ بحدِّه لا بصدمِه، فالظاهرُ حِلُّ ما قتلَتْه (٢). النهي عن جعل الحيوان هدفًا يرمى إليه ٧/ ١٢٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَتخِذُوا شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا تتخذوا شيئًا فيهِ الروح غَرَضًا) بفتحِ الغينِ المعجمةِ وفتحِ الراءِ فضادٍ معجمةٍ، هوَ في الأصلِ الهدفُ يُرْمَى إليهِ، ثمَّ جُعِلَ اسمًا لكل غايةٍ يتحرَّى إداركَها (رواة مسلمٌ). الحديثُ نَهْيٌ عنْ جَعْلِ الحيوانِ هدفًا يُرْمَى إليهِ، والنهيُ للتحريمِ لأنهُ أصلُه ويؤيدُه قوةُ حديثِ (٤): "لعنَ اللَّهُ مَنْ فعلَ هذَا"، لما مرَّ ﷺ وطائر قدْ نصب وهمْ يرمونَه. وحكمةُ النهي أن فيهِ إيلامًا للحيوانِ وتضييعًا لماليتهِ وتفويتًا لذاتِه إنْ كانَ مما يُذَكَّى، ولمنفعتِه إنْ كانَ غيرَ مذكَّى. الذبح بالحجر ٨/ ١٢٦٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةَ ذَبَحتْ شَاةً بِحَجَرٍ،

стр. 2181

فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِي (١). [صحيح] (وعنْ كعبِ بن مالكٍ أن امرأة ذبحتْ شاةً بحجرٍ فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ فأمرَ بأكْلِها. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ تذكيةِ المرأةِ وهوَ قولُ الجماهيرِ، وفيهِ خلافٌ شاذٌ أنهُ يُكْرَهُ ولا وجْهَ لهُ. ودليلٌ على صحةِ التذكيةِ بالحجرِ الحاد إذا فرى الأوداج؛ لأنَّه قد جاء في رواية أنها كسرت الحجر وذبحت به، والحجر إذا كُسِرَ يكونُ فيهِ الحدُّ. ودليلٌ على أنهُ يصحّ أكْلُ ما ذُبِحَ بغيرِ إذنِ المالكِ، وخالفَ فيهِ إسحاقُ بنُ راهويهْ وأهلُ الظاهرِ وغيرُهم، واحتجُّوا بأمرهِ ﷺ بإكفاءِ ما في القدور مما ذُبِحَ منَ المغنَمِ قبلَ القِسْمَةِ بذي الحليفةِ كما أخرجَهُ الشيخانِ (٢). وأُجِيْب بأنهُ إنَّما أمرَ بإِراقةِ المرقِ، وأما اللحمُ فباق جُمِعَ ورُدَّ إلى المغنَم، فإنْ قيلَ لم ينْقلْ جمعُه وردُّه إليهِ، قلْنا: لم ينقلْ أنَّهم أتلفُوه وأحرقُوه، فيجبُ تأويلُه بما ذكرنا موافقةً للقواعدِ الشرعيةِ. قلتُ: لا يخْفَى تكلفُ الجوابِ، والمرقُ مال لو كانَ حلالًا لما أمرَ بإراقتِه فإنهُ من إضاعةِ المالِ. وأما الاستدلالُ على المدَّعي بشاةِ الأَسارى فإنَّها ذُبحتْ بغيرِ إذْنِ مالِكِها فأمرَ على بالتصدقِ بها على الأَسارى كما هوَ معروفٌ، فإنهُ استدلالٌ غيرُ صحيح، وذلكَ لأنهُ ﷺ لم يستحلَّ أكلَها ولا أباحَ لأحدٍ منَ المسلمينَ أكلَها بلْ أمرَ أنْ يطعم الكفارَ المستحلينَ للميتةِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ رجلٍ منَ الأنصارِ قالَ: "خرجْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في سفرٍ فأصابَ الناسَ مجاعةٌ شديدةٌ وجَهْدٌ، فأصابُوا غنمًا فانتَهبُوها، فإنَّ قدورنَا تغلي إذْ جاءَ رسولُ اللَّه ﷺ على فرسِه فأكفَأ قدورنَا ثمَّ جعلَ [يرملُ] (٤) اللحمَ بالترابِ وقالَ: إنَّ النهبةَ ليستْ بأحلَّ منَ الميتةِ"، فهذا مثلُ الحديثِ الذي أخرجَه الشيخانِ (٢) وفيهِ

стр. 2182

التصريحُ بأنهُ حرامٌ، وفيهِ إتلافُ اللحمِ لأنهُ ميتةٌ فعرفتْ قوةُ كلامِ أهلِ الظاهرِ. وأما حديثُ الكتابِ وأنهُ ﷺ أمرَ بأكلِ ما ذبحَ بغيرِ إذنِ مالكِه فإنهُ لا يردُّ علَى الظاهرية لأنَّهم يقولونَ بحلِّ ما ذبحَ بغيرِ إذنِ مالكِه مخافةَ أنْ يموتَ أو نحوَه. وفيهِ دليلٌ على أنَّهُ يجوزُ تمكينُ الكفارِ مما هوَ محرَّمٌ على المسلمينَ، ويدلُّ له أن ﷺ "نَهَى عمرُ عنْ لُبْسِ الحلةِ منَ الحريرِ، فبعثَ بها عمرُ لأخيهِ المشركِ [بمكة] (١) "كما في البخاري (٢) وغيرِه. قالَ المصنفُ في "الفتحِ" (٣): ويدلُّ الحديثُ على تصديقِ الأجيرِ الأمينِ فيما اوْتُمنَ عليهِ حتَّى يتبيَّنَ عليهِ دليلُ الخيانةِ؛ لأنَّ في الحديثِ أنَّها كانتِ المرأةُ أَمَةً راعيةً لغنمِ سيِّدِها وهوَ كعبُ بنُ مالك فخشيتْ على الشاةِ أنْ تموتَ فذبحتْها. ويُؤْخَذُ منهُ جوازُ تصرُّف [المودَعِ] (٤) لمصلحةٍ بغيرِ إذْنِ المالكِ. شروط الذبح ٩/ ١٢٦١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خديجٍ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قال: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ علَيهِ فَكُلْ، ليسَ السنَّ والظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ رافعِ بن خديجٍ ﵁ عن النبي ﷺ [قالَ] (٦):) سببُ الحديثِ أنهُ قالَ رافعُ بنُ خديجٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لاقُوا العدوِّ غدًا وليسَ معنا مُدَىً (٧)،

стр. 2183

فقالَ ﷺ : (ما أنهرَ الدمَ) بفتحِ الهمزةِ فنونٍ ساكنةٍ فهاءٍ مفتوحةٍ فراءٍ، أي أسالَه وصبَّهُ [بكثرةٍ] (١) منَ النَّهَرِ (وذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ فكلْ، ليسَ السنُّ والظُّفُرُ، أما السن فعظمٌ، وأما الظُّفُر فمُدَى) بضمِّ الميمِ [وبفتحِها] (٢) وفتحِ الدالِ المهملةِ فألفٍ مقصورةٍ جَمعٌ مديةٍ مثلثةُ الميمِ وهي الشفرةُ [أي السكينُ] (٣) (الحبشةِ. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دلالةٌ صريحةٌ بأنهُ يُشْتَرَطُ في الذكاةِ ما يقطعُ ويجري الدمَ. واعلمْ أنهُ تكونُ الذكاةُ بالنحرِ للإبلِ وهوَ الضربُ بالحديدة في لبَّةِ البدنةِ حتَّى يفريَ أوداجَها، واللَّبَّةُ بفتحِ اللامِ وتشديدِ الباءِ موضعُ القِلادةِ منَ الصَّدْرِ. والذبحُ [لما] (٤) عدَاها وهوَ قطعُ الأوداجِ، أي الودجينِ وهما عِرقَانِ محيطانِ بالحلقومِ، فقولُهم الأوداجُ تغليبٌ على الحلقومِ والمريءِ، فَسُمِّيتِ الأربعةُ أوداجًا. واختلفَ العلماءُ، فقيلَ: لا بدَّ منْ قطعِ الأربعةِ، وعنْ أبي حنيفةَ [يكْفي] (٢) قَطْعُ ثلاثةٍ منْ أيِّ جانبٍ، وقالَ الشافعي: يكفي قطعُ الأوداجِ والمريءِ، وعنِ الثوريّ يجزئُ قطعُ الودجينِ، وعنْ مالك يُشْتَرَطُ قطعُ الحلقومِ والودجينِ لقولِه ﷺ : "ما أنهرَ الدمَ" وإنهارُه أجراؤُه وذلكَ يكونُ بقطعِ الأوداجِ لأنَّها مَجْرَى الدمِ، وأما المريءُ فهو مَجْرَى الطعامِ وليسَ بهِ منَ الدمِ ما يحصلُ بهِ إنهارُه. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يُجْزِئُ الذبحُ بكلّ محدَّدٍ فيدخلُ السيفُ والسكينُ والحجرُ والخشبةُ والزجاجُ والقصبُ والخزفُ والنحاسُ وسائرُ الأشياءِ المحددةِ. والنَّهْيُ عن السنِّ والظفرِ مطلقًا منْ آدميٍّ أو غيرِه منفصل أو متصلٌ ولوْ [كانَ] (٥) محدَّدًا، وقدْ بيَّنَ ﷺ وجْهَ النَّهْي في الحديثِ بقولِه: "أما السنُّ فعظمٌ"، فالعلةُ كونُها عظْمًا وكأنهُ قدْ سبقَ منهُ ﷺ [النَّهْيَ] (٦) عن الذبحِ بالعظمِ، وقدْ علَّلَ النوويُّ وجْهَ النَّهْي عن الذبحِ بالعظمِ أنهُ يتنجسُ بهِ وهوَ منْ طعام الجنِّ فيكونُ كالاستجمارِ بالعظمِ. وعلَّلَ في الحديثِ النَّهْيَ عن الذبحِ بالظفرِ بكونِه مُدَى الحبشةِ أي وهمْ كفارٌ وقدْ نُهِيْتُمْ عن التشبه بهمْ، وأوردَ عليهِ بأنَّ الحبشةَ تذبحُ

стр. 2184

بالسكينِ أيضًا فيلزمُ المنعُ منْ ذلكَ للتشبُّهِ، وأُجِيْبَ بأنَّ الذبحَ بالسكينِ هوَ الأصلُ وهوَ غيرُ مختصٍّ بالحبشةِ، وعلَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ذلكَ بأنهُ إنَّما مُنِعَ لما فيهِ منَ [تعذيب الحيوان] (١) ولا يحصلُ بهِ إلا الخنقَ الذي ليسَ على صفةِ الذبحِ. [وفي المعرفةِ للبيهقي] (٢) روايةٌ عن الشافعيّ أنهُ حملَ الظفرَ في هذا الحديثِ على النوعِ الذي يدخلُ في الطيبِ وهوَ منْ بلادِ الحبشةِ، وهو لا يفري فيكونُ في معنَى الخنقِ. وإلى تحريمِ الذبحِ بما ذكرَ ذهبَ الجمهورُ. وعنْ أبي حنيفةَ وصاحبيْه أنهُ يجوزُ بالسن والظفرِ المنفصلينِ، واحتجُّوا بما أخرجَه أبو داوَد (٣) منْ حديثِ عديٍّ بن حاتمٍ: "أفرَّ الدمَ بما شئتَ"، والجوابُ أنهُ عامٌّ خصَّصَهُ حديثُ رافعٍ بِن خُدَيْجٍ. قتل الصبر ١٠/ ١٢٦٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ يُقْتَلَ شَيءٌ مِنَ الدَّوابِّ صَبرًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يُقْتَلَ شيءٌ من الدوابِّ صَبْرًا. رواهُ مسلمٌ)، هوَ دليل على تحريمِ قَتْلِ أيِّ حيوانٍ صَبْرًا وهوَ إمساكُهُ حيًا ثمَّ يُرْمَى حتَّى يموتَ، وكذلكَ مَنْ قُتِلَ منَ الآدميينَ في غيرِ معركةٍ ولا حرْبٍ ولا خطأٍ فإنهُ مقتولٌ صَبْرًا، والصبرُ الحبْسُ.

стр. 2185

إحسان القِتلة والذِّبحة ١١/ ١٢٦٣ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِن الله كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذا ذَبَحْتُمُ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيرِحْ ذَبيحَتَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة شدَّاد بن أوس (وعنْ شدادِ بن أوسٍ) (٢) شدادٌ بالشينِ المعجمةِ ودالينِ مهملتينِ، هوَ أبو يعلَى شدادُ بنُ أوسِ بن ثابتٍ النجاريِّ الأنصاريِّ وهوَ ابنُ أخي حسانَ بن ثابتٍ لم يصحَّ شهودُه بدرًا، نزلَ بيتَ المقدسِ وعِدَادُه في أهلِ الشامِ، ماتَ بهِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وقيلَ غيرُ ذلكَ، قالَ عبادةُ بنُ الصامتِ وأبو الدرداءِ: كانَ شدادُ ممنْ أُوتي العلمَ والحِلمَ. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تعالَى كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلْتُم فأحسِنُوا القِتْلَةَ) بكسرِ القافِ مصدرٌ نوعيٌّ (وإذا ذبحتُم فأحسِنُوا الذِّبْحَةَ) بزنةِ [القِتْلَة] (٣) (وليحدَّ أحدُكمِ شفَرتَه وليرحْ ذبيحتَه. رواهُ مسلمٌ). قولُه: كتبَ الإحسانَ، أي أوجبَه، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٤)، وهوَ فعلُ الحسنِ ضدَّ القبيحِ، فيتناولُ الحسنَ شرعًا والحسنَ عرفًا

стр. 2186

وذكرَ منهُ ما هو أبعدُ شيءٍ عن اعتبارِ الإحسانِ وهوَ الإحسان في القتلِ لأيِّ حيوانٍ منْ آدميٍّ وغيرِه في حدٍّ وغيرِه. ودلَّ على نفي المُثلةِ مكافأةً إلا أنهُ يحتملُ أنه مخصَّصٌ بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وقدْ تقدَّم الكلامُ في ذلكَ. وأبانَ بعضَ كيفيه إحسانِها بقولِه: (وليُحدَّ) بضمِّ حرفِ المضارعةِ، منْ أحدَّ السكينَ أحسنَ حدَّها، والشفرةُ [بضم الشين] (٢) المعجمه السكينُ العظيمةُ وما عَظُمَ منَ الحديدِ وحُدِّدَ. وقولُه: "وليرحْ" بضمِّ حرفِ المضارعةِ [أيضًا] (٣) منَ الإراحةِ، ويكونُ بإحدادِ السكينِ وتعجيلِ إمرارها وحُسْنِ الصنعة. ١٢/ ١٢٦٤ - وَعَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٥).

стр. 2187

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : ذكاة الجنينِ ذكاة أمهِ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانِ). الحديثُ لهُ طرقٌ (١) عندَ الترمذيِّ وأبي داودَ والدارقطنيِّ إلَّا أنهُ قالَ عبدُ الحقِّ: إنهُ لا يُحْتَجُّ بأسانيدهِ كلِّها، وقالَ الجوينيُّ إنه صحيحٌ لا يتطرقُ احتمالٌ إلى متْنِهِ ولا ضعفٌ إلى سندِه، وتابعهُ الغزالي، والصوابُ أنهُ لمجموع طُرقِهِ يُعْمَلُ بهِ، وقدْ صحَّحَهُ ابنُ حبانَ (٢) وابنُ دقيقِ العيدِ (٣). وفي البابِ عنْ جابرٍ (٤) وأبي الدرداءِ (٥) وأبي أمامةَ (٦) وأبي هريرةَ (٧) قالُه الترمذيُّ. وفيهِ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ مما يؤيدُ العملَ بهِ. والحديثُ دليلٌ على أن الجنينَ إذا خرجَ منْ بطنِ أمهِ ميتًا بعدَ ذكاتِها فهوَ حلالٌ مذكَّى بذكاةِ أمهِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ حتَّى قالَ ابنُ المنذرِ لم يُرْوَ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ ولا منَ العلماءِ أن الجنينَ لا يُؤْكَلُ إلَّا باستئنافِ الذكاةِ فيهِ إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ وذلكَ لصراحةِ الحديثِ فيهِ، ففي لفظِ: (ذكاة الجنينِ بذكاةِ أمهِ) أخرجَهُ البيهقيُّ، فالباءُ سببيةٌ أي أن ذكاتَه حصلتْ بسببِ ذكاةِ أمهِ أو ظرفيةٌ ليوافقَ ما عندَ البيهقي أيضًا: "ذكاةُ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ".

стр. 2188

واشترطَ مالكٌ أنْ يكونَ قدْ أُشعرَ لما رواهُ أحمدُ بنُ عصامٍ عنْ مالكٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا: "إذا أشعرَ الجنينُ فذكاتُه ذكاةُ أمهِ" لكنهُ قالَ الخطيبُ: تفردَ بهِ أحمدُ بنُ عصامٍ وهوَ ضعيفٌ (١) وهوَ في "الموطأ" (٢) موقوفٌ على ابن عمرَ وهوَ أصحُّ، [وقد] (٣) عُورِضَ بما رواهُ ابنُ المباركِ عن ابن أبي ليلَى قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أو لم يشعِرْ" وفيهِ ضعفٌ لسوءِ حفظِ ابن أبي ليلَى (٤)، ولكنهُ أخرجَ البيهقي (٥) منْ حديثِ ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أوْ لم يُشْعرْ"، رُوِيَ منْ أوجُهٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا، قالَ البيهقيُّ (٦): ورفْعُهُ عنهُ ضعيفٌ والصحيحُ أنهُ موقوفٌ. قلت: والموقوفانِ عنهُ قدْ صحَّا وتعارضَا فيطرحانِ ويرجعُ إلى إطلاقِ حديثِ البابِ وما في معناهُ، وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أن الجنينَ إذا خرجَ ميْتًا منْ المذكاةِ فإنهُ ميتةٌ لعمومِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ (٧)، وكذا لو خرجَ حيًّا ثمَّ ماتَ وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ (٨)، وأجابُوا عن الحديثِ بأنَّ معناهُ ذكاةُ الجنينِ إذا خرجَ حيًّا نحو ذكاةِ أمهِ، قالهُ [الإمام المهدي] (٩) في "البحرِ" (١٠). قلت: ولا يخْفَى أنهُ إلغاءٌ للحديثِ عن الإفادةِ، فإنهُ معلومٌ أن ذكاةَ الحيِّ منَ الأنعامِ ذكاةٌ واحدةٌ منْ جنينٍ وغيرِه، كيفَ وروايةُ البيهقيِّ بلفظِ: ذكاةِ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ، فهيَ مفسِّرةٌ لروايةِ: ذكاةِ أمهِ، وفي أُخْرَى: بذكاةِ أمهِ (١١).

стр. 2189

ترك التسمية على الذبح ١٣/ ١٢٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ". أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ (١)، وَفيهِ رَاوٍ في حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحْمّدُ بُنْ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. [مرسل] - وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. [مرسل] - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ في مَرَاسِيلِهِ (١) بِلَفْظِ: "ذَبَيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ الله عَلَيهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ"، وَرِجَالُهُ مُوثَّقُونَ. [مرسل] وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيّ ﷺ قالَ: المسلمُ يكفيهِ اسمُه. الضميرُ للمسلمِ وقدْ فسَّرهُ حديثُ البيهقيِّ (٢) عن ابن عباسٍ قالَ فيهِ: "فإنَّ المسلمَ فيهِ اسمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ تعالى (فإنْ نسيَ أنْ يسمِّيَ حينَ يذبح فليسمِّ ثمَّ يأكل. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وفيهِ راوٍ في حفظِه ضعفٌ) بيَّنَهُ بقولِه: (وفي إسنادِه محمدُ بنُ يزيدَ بن سنانٍ وهوَ صدوقٌ ضعيفٌ الحفظِ (٣). وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ بإسنادٍ صحيح إلى ابن عباسٍ موقُوفًا عليهِ، ولهُ شاهدٌ عندَ أبي داودَ في مراسيلهِ بلفظِ: ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ اللَّهِ عليها أمْ لمْ يذكر. ورجالُه موثقون). وفي البابِ مرسلٌ صحيحٌ ولكنَّها لا تُقَاوِمُ ما سلفَ منْ الأحاديثِ الدالةِ على وجوب التسميةِ مطلقًا، إلَّا أنَّها تفتُّ في عَضُدِ وجوبِ التسميةِ مطلقًا وتجعلُ تركَ [أكْلِ] (٤) ما لم يسمَّ عليهِ منْ بابِ التورعِ. * * *

стр. 2190

[الباب الثاني] باب الأضاحي الأضاحي جمعُ أُضْحيةٍ بضمِّ الهمزةِ، ويجوزُ كسرُها، ويجوزُ حذفُ الهمزةِ فتفتح الضادَّ كأنَّها اشتُقَّتْ منِ اسم الوقتِ الذي شُرعَ ذبُحها فيهِ، وبها سمّيَ اليومُ يومَ الأضْحَى. ١/ ١٢٦٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّيِ بِكَبْشَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، ويُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. وَفي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفي لَفْظ: سَمِينَيْنِ. وَلأَبي عُوَانَةَ في صَحِيحِهِ: ثَمِينَيْنِ - بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ - وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ وَاللَّه أكْبَرُ" (١). [صحيح] (وعنْ أنسِ بن مالك ﵁ أن النبيَّ ﷺ كانَ يضحِّي بكبشينِ أملحينِ أقرنينِ

стр. 2191

ويسمِّي ويكبرُ ويضعُ رجلَه على صفاحِهما) بالمهملتينِ، الأولى مكسورةٌ. في "النهايةِ" صفحةُ كلِّ شيءٍ وجهُه وجانبُه، (وفي لفظٍ: ذبَحَهُما بيدِه. وفي لفظٍ: سمينينِ. ولأبي عُوانةَ في صحيحهِ) أي عنْ أنسٍ ﵁ (ثمينين بالمثلثةِ بدلَ السينِ) هذا مدرَجٌ منْ كلامِ أحدِ الرواةِ أو من كلام أبي عوانةَ أوْ من كلام المصنفُ [وهو الظاهر] (١)، (وفي لفظٍ لمسلمٍ) [عن] (٢) أنسٍ: (ويقولُ: بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ) الكبشُ هوَ الثنيُّ إذا خرجتْ رَباعيَّتُه، والأملحُ الأبيضُ الخالصُ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه شيءٌ منْ سوادٍ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه حمرةٌ، وقيلَ: هوَ الذي فيهِ بياضٌ وسوادٌ والبياضُ أكثرُ، والأقرنُ هوَ الذي لهُ قرنانِ. واستحبَّ العلماءُ التضحيةِ بالأقرنِ لهذا الحديثِ، وأجازوه بالأجمِّ الذي لا قَرْنَ لهُ أصْلًا. واختلفُوا في مكسور القرنِ فأجازهُ الجمهورُ، وعندَ الهادويةِ لا يُجْزِئُ إذا كانَ القرنُ الذاهبُ مما تحلُّه الحياةُ. واتفقُوا على استحبابِ الأملحِ، قالَ النوويُّ (٣): إنَّ أفضَلَها عندَ أصحابه البيضاءُ، ثمَّ الصفراءُ، ثمَّ الغبراءُ وهيَ التي لا يصفُو بياضُها، ثمَّ البلقاءُ وهيَ التي بعضُها أسودُ وبعضُها أبيضُ، ثمَّ السوداءُ، وأما حديثُ عائشةَ ﵂: (يطأُ في سوادٍ، [ويبركُ] (٤) في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ)، فمعناهُ أن قوائمَهُ وبطْنَه وما حولَ عينيهِ أسودُ. قلتُ: إذا كانتِ الأفضليةُ في اللونِ مستندةً إلى ما ضحَّى بهِ ﷺ ، فالظاهرُ أنهُ لم يتطلبْ لونًا معيَّنًا حتَّى يُحْكَمَ بأنهُ الأفضلُ، بلْ ضحَّى بما اتفقَ لهُ ﷺ وتيسَّرَ حصولُه فلا يدلُّ على أفضليةِ لونٍ منَ الألوانِ. وقولُه: (ويسمِّي ويكبِّرُ)، فسَّرهُ لفظُ مسلم (٥) بأنهُ: "بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ"، أما التسميةُ فتقدَّمَ الكلامُ فيها، وأما التكبيرُ فكأنهُ خاص بالتضحيةِ والهدْي لقولِه تعالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٦)، وأما وضْعُ رجلِه ﷺ على صفحةِ
следующие страницы →