← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2187–2226 · переход к 2192.

стр. 2187

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : ذكاة الجنينِ ذكاة أمهِ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانِ). الحديثُ لهُ طرقٌ (١) عندَ الترمذيِّ وأبي داودَ والدارقطنيِّ إلَّا أنهُ قالَ عبدُ الحقِّ: إنهُ لا يُحْتَجُّ بأسانيدهِ كلِّها، وقالَ الجوينيُّ إنه صحيحٌ لا يتطرقُ احتمالٌ إلى متْنِهِ ولا ضعفٌ إلى سندِه، وتابعهُ الغزالي، والصوابُ أنهُ لمجموع طُرقِهِ يُعْمَلُ بهِ، وقدْ صحَّحَهُ ابنُ حبانَ (٢) وابنُ دقيقِ العيدِ (٣). وفي البابِ عنْ جابرٍ (٤) وأبي الدرداءِ (٥) وأبي أمامةَ (٦) وأبي هريرةَ (٧) قالُه الترمذيُّ. وفيهِ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ مما يؤيدُ العملَ بهِ. والحديثُ دليلٌ على أن الجنينَ إذا خرجَ منْ بطنِ أمهِ ميتًا بعدَ ذكاتِها فهوَ حلالٌ مذكَّى بذكاةِ أمهِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ حتَّى قالَ ابنُ المنذرِ لم يُرْوَ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ ولا منَ العلماءِ أن الجنينَ لا يُؤْكَلُ إلَّا باستئنافِ الذكاةِ فيهِ إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ وذلكَ لصراحةِ الحديثِ فيهِ، ففي لفظِ: (ذكاة الجنينِ بذكاةِ أمهِ) أخرجَهُ البيهقيُّ، فالباءُ سببيةٌ أي أن ذكاتَه حصلتْ بسببِ ذكاةِ أمهِ أو ظرفيةٌ ليوافقَ ما عندَ البيهقي أيضًا: "ذكاةُ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ".

стр. 2188

واشترطَ مالكٌ أنْ يكونَ قدْ أُشعرَ لما رواهُ أحمدُ بنُ عصامٍ عنْ مالكٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا: "إذا أشعرَ الجنينُ فذكاتُه ذكاةُ أمهِ" لكنهُ قالَ الخطيبُ: تفردَ بهِ أحمدُ بنُ عصامٍ وهوَ ضعيفٌ (١) وهوَ في "الموطأ" (٢) موقوفٌ على ابن عمرَ وهوَ أصحُّ، [وقد] (٣) عُورِضَ بما رواهُ ابنُ المباركِ عن ابن أبي ليلَى قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أو لم يشعِرْ" وفيهِ ضعفٌ لسوءِ حفظِ ابن أبي ليلَى (٤)، ولكنهُ أخرجَ البيهقي (٥) منْ حديثِ ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أوْ لم يُشْعرْ"، رُوِيَ منْ أوجُهٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا، قالَ البيهقيُّ (٦): ورفْعُهُ عنهُ ضعيفٌ والصحيحُ أنهُ موقوفٌ. قلت: والموقوفانِ عنهُ قدْ صحَّا وتعارضَا فيطرحانِ ويرجعُ إلى إطلاقِ حديثِ البابِ وما في معناهُ، وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أن الجنينَ إذا خرجَ ميْتًا منْ المذكاةِ فإنهُ ميتةٌ لعمومِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ (٧)، وكذا لو خرجَ حيًّا ثمَّ ماتَ وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ (٨)، وأجابُوا عن الحديثِ بأنَّ معناهُ ذكاةُ الجنينِ إذا خرجَ حيًّا نحو ذكاةِ أمهِ، قالهُ [الإمام المهدي] (٩) في "البحرِ" (١٠). قلت: ولا يخْفَى أنهُ إلغاءٌ للحديثِ عن الإفادةِ، فإنهُ معلومٌ أن ذكاةَ الحيِّ منَ الأنعامِ ذكاةٌ واحدةٌ منْ جنينٍ وغيرِه، كيفَ وروايةُ البيهقيِّ بلفظِ: ذكاةِ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ، فهيَ مفسِّرةٌ لروايةِ: ذكاةِ أمهِ، وفي أُخْرَى: بذكاةِ أمهِ (١١).

стр. 2189

ترك التسمية على الذبح ١٣/ ١٢٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ". أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ (١)، وَفيهِ رَاوٍ في حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحْمّدُ بُنْ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. [مرسل] - وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. [مرسل] - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ في مَرَاسِيلِهِ (١) بِلَفْظِ: "ذَبَيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ الله عَلَيهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ"، وَرِجَالُهُ مُوثَّقُونَ. [مرسل] وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيّ ﷺ قالَ: المسلمُ يكفيهِ اسمُه. الضميرُ للمسلمِ وقدْ فسَّرهُ حديثُ البيهقيِّ (٢) عن ابن عباسٍ قالَ فيهِ: "فإنَّ المسلمَ فيهِ اسمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ تعالى (فإنْ نسيَ أنْ يسمِّيَ حينَ يذبح فليسمِّ ثمَّ يأكل. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وفيهِ راوٍ في حفظِه ضعفٌ) بيَّنَهُ بقولِه: (وفي إسنادِه محمدُ بنُ يزيدَ بن سنانٍ وهوَ صدوقٌ ضعيفٌ الحفظِ (٣). وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ بإسنادٍ صحيح إلى ابن عباسٍ موقُوفًا عليهِ، ولهُ شاهدٌ عندَ أبي داودَ في مراسيلهِ بلفظِ: ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ اللَّهِ عليها أمْ لمْ يذكر. ورجالُه موثقون). وفي البابِ مرسلٌ صحيحٌ ولكنَّها لا تُقَاوِمُ ما سلفَ منْ الأحاديثِ الدالةِ على وجوب التسميةِ مطلقًا، إلَّا أنَّها تفتُّ في عَضُدِ وجوبِ التسميةِ مطلقًا وتجعلُ تركَ [أكْلِ] (٤) ما لم يسمَّ عليهِ منْ بابِ التورعِ. * * *

стр. 2190

[الباب الثاني] باب الأضاحي الأضاحي جمعُ أُضْحيةٍ بضمِّ الهمزةِ، ويجوزُ كسرُها، ويجوزُ حذفُ الهمزةِ فتفتح الضادَّ كأنَّها اشتُقَّتْ منِ اسم الوقتِ الذي شُرعَ ذبُحها فيهِ، وبها سمّيَ اليومُ يومَ الأضْحَى. ١/ ١٢٦٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّيِ بِكَبْشَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، ويُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. وَفي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفي لَفْظ: سَمِينَيْنِ. وَلأَبي عُوَانَةَ في صَحِيحِهِ: ثَمِينَيْنِ - بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ - وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ وَاللَّه أكْبَرُ" (١). [صحيح] (وعنْ أنسِ بن مالك ﵁ أن النبيَّ ﷺ كانَ يضحِّي بكبشينِ أملحينِ أقرنينِ

стр. 2191

ويسمِّي ويكبرُ ويضعُ رجلَه على صفاحِهما) بالمهملتينِ، الأولى مكسورةٌ. في "النهايةِ" صفحةُ كلِّ شيءٍ وجهُه وجانبُه، (وفي لفظٍ: ذبَحَهُما بيدِه. وفي لفظٍ: سمينينِ. ولأبي عُوانةَ في صحيحهِ) أي عنْ أنسٍ ﵁ (ثمينين بالمثلثةِ بدلَ السينِ) هذا مدرَجٌ منْ كلامِ أحدِ الرواةِ أو من كلام أبي عوانةَ أوْ من كلام المصنفُ [وهو الظاهر] (١)، (وفي لفظٍ لمسلمٍ) [عن] (٢) أنسٍ: (ويقولُ: بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ) الكبشُ هوَ الثنيُّ إذا خرجتْ رَباعيَّتُه، والأملحُ الأبيضُ الخالصُ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه شيءٌ منْ سوادٍ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه حمرةٌ، وقيلَ: هوَ الذي فيهِ بياضٌ وسوادٌ والبياضُ أكثرُ، والأقرنُ هوَ الذي لهُ قرنانِ. واستحبَّ العلماءُ التضحيةِ بالأقرنِ لهذا الحديثِ، وأجازوه بالأجمِّ الذي لا قَرْنَ لهُ أصْلًا. واختلفُوا في مكسور القرنِ فأجازهُ الجمهورُ، وعندَ الهادويةِ لا يُجْزِئُ إذا كانَ القرنُ الذاهبُ مما تحلُّه الحياةُ. واتفقُوا على استحبابِ الأملحِ، قالَ النوويُّ (٣): إنَّ أفضَلَها عندَ أصحابه البيضاءُ، ثمَّ الصفراءُ، ثمَّ الغبراءُ وهيَ التي لا يصفُو بياضُها، ثمَّ البلقاءُ وهيَ التي بعضُها أسودُ وبعضُها أبيضُ، ثمَّ السوداءُ، وأما حديثُ عائشةَ ﵂: (يطأُ في سوادٍ، [ويبركُ] (٤) في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ)، فمعناهُ أن قوائمَهُ وبطْنَه وما حولَ عينيهِ أسودُ. قلتُ: إذا كانتِ الأفضليةُ في اللونِ مستندةً إلى ما ضحَّى بهِ ﷺ ، فالظاهرُ أنهُ لم يتطلبْ لونًا معيَّنًا حتَّى يُحْكَمَ بأنهُ الأفضلُ، بلْ ضحَّى بما اتفقَ لهُ ﷺ وتيسَّرَ حصولُه فلا يدلُّ على أفضليةِ لونٍ منَ الألوانِ. وقولُه: (ويسمِّي ويكبِّرُ)، فسَّرهُ لفظُ مسلم (٥) بأنهُ: "بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ"، أما التسميةُ فتقدَّمَ الكلامُ فيها، وأما التكبيرُ فكأنهُ خاص بالتضحيةِ والهدْي لقولِه تعالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٦)، وأما وضْعُ رجلِه ﷺ على صفحةِ

стр. 2192

العُنُقِ وهيَ جانِبُه، فلتكون أثبتَ لهُ وأمكَنَ لئلَّا تَضْطَرِبَ الضحيةُ. ودلَّ هوَ وما بعدَه أنهُ يتولى الذبحَ بنفسهِ ندْبًا. يستحب إضجاع الغنم على الجنب الأيسر ثم الدعاء بقبولها ٢/ ١٢٦٧ - وَلَهُ (١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَمَرَ بِكَبْشِ أَقْرَنَ، يَطَأُ في سَوَادِ، ويَبْرُكُ في سَوَادِ، وَيَنْظُرُ في سَوَادِ، فَأُتِيَ بِهِ ليُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: "يَا عَائَشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ"، ثُمَّ قَالَ: "اشْحَذِيهَا بِحَجَر" فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أخَذَهَا، وَأَخَذَهُ، فَأضْجَعَه، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُم تَقَبلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وآل مُحَمدِ، وَمِنْ أُمةِ مُحَمدٍ"، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. [صحيح] [(ولهُ من حديثِ) أي] (٢) ولمسلمٍ من حديثِ (عائشةَ ﵂: أمرَ بكبشٍ أقرنَ يطأُ في سوادٍ ويبركُ في سوادٍ وينظرُ في سوادٍ ليضحي بهِ، فقالَ: اشحذي المُدْيَةَ) تقدَّم ضبطُها وهوَ بمعنَى وليحدَّ أحدُكم شفرتَه (ثمَّ أخذَها) أي المديةَ (فأضجَعَهُ) أي الكبشَ (ثمَّ ذبحَه وقالَ: بسمِ اللهِ اللهمَّ تقبلْ منْ محمدٍ والِ محمدٍ وأمةِ محمدٍ ثمَّ ضحَّى بهِ). فيهِ دليل على أنهُ يستحبُّ إضجاعُ [الضحية من] (٣) الغنمِ، ولا تذبحُ قائمةَ ولا بارِكةَ لأنهُ أرفقُ بها وعليهِ أجمعَ المسلمونَ. ويكونُ الإضجاعُ على جانِبها الأيسرِ لأنهُ أيسرُ للذابحِ في أخذِ السكينِ باليمنَى وإمساكِ رأسِها باليسارِ. وفيهِ أنهُ يستحبُّ الدعاءُ بقَبولِ الأضحيةِ وغيرها منَ الأعمالِ، وقدْ قالَ الخليلُ والذبيحُ ﵇ عند عمارةِ البيتِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (٤). وقدْ أخرجَ ابنُ ماجهْ (٥) أنهُ ﷺ قالَ عندَ التضحيةِ وتوجيهِهَا

стр. 2193

القبلةَ (١)؛ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - إلى - وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللهم تقبَّل من محمد وآله، ودلَّ قولُه: (وآلِ محمدٍ) [وفي (لفظٍ عنْ محمدٍ وآلِ محمدٍ)] (٢) أنهُ تجزئُ التضحيةُ منَ الرجلِ عنه وعنْ أهلِ بيتِه ويشركهُم في ثوابها، ودل أنهُ يصحُّ نيابةُ المكلَّفِ عنْ غيرهِ في فعلِ الطاعاتِ وإنْ لم يكنْ منَ الغيرِ أمرٌ ولا وصيةٌ فيصحُّ أنْ يجعلَ ثوابَ عملِه لغيرِه من صلاةٍ كانتْ وغيرها، وقدْ تقَّدمَ ذلكَ في الجنائز، ويدل لهُ ما أخرجَهُ الدارقطنيُّ منْ حديثِ جابرٍ: أن رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنهُ كانَ لي أبوانِ أبرُّهما في حالِ حياتِهما فكيفَ لي ببرِّهما بعدَ موتِهما؟ فقالَ ﷺ : "إنَّ منَ البرِّ بعدَ البرِّ أنْ تصليَ لهما معَ صلاتِكَ، وأنْ تصومَ لهما معَ صيامِكَ" (٣). ما حكم الأضحية ٣/ ١٢٦٨ - وَعَنْ أَبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَابْنُ مَاجَهْ (٥)، وَصَححَهُ

стр. 2194

الْحَاكِمُ (١)، وَرَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ. [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : مَنْ كانَ لهُ سعةٌ ولم يضحِّ فلا يقربنَّ مصلَّانا. رواة أحمدُ وابن ماجهْ وصحَّحَه الحاكمُ ورجَّحَ الأئمة غيرُه) أي غيرَ الحاكمِ (وقْفَه). وقدِ استُدِلَّ بهِ على وجوبِ التضحيةِ علَى مَنْ كانَ لهُ سعةٌ، لأنهُ لما نَهَى عنْ قربانِ المصلَّى دلَّ علَى أنهُ تركَ واجبًا، كأنهُ يقولُ لا فائدةَ في الصلاةِ معَ تركِ هذا الواجبِ، وبقوله تعالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)، وبحديث مِحْنَفِ بن سليمٍ مرفُوعًا: "على أهلِ كلِّ بيتٍ في كلّ عامٍ أضحيةٌ" (٣)، دلَّ لفظُه على الوجوبِ. والوجوبُ قولُ أبي حنيفةَ فإنهُ أوجَبَها على المعدَمِ والموسِرِ، وقيلَ: لا تجبُ، والحديثُ الأولُ موقوفٌ فلا حجةَ فيهِ، والثاني ضُعِّفَ بأبي رملةَ، قالَ الخطابيُّ (٤): إنهُ مجهولٌ والآيةُ محتملةٌ، فقدْ فُسِّرَ قولُه: (وانحْر) بوضعِ الكفِّ على النحرِ في الصلاةِ، أخرجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ شاهينَ في سننهِ وابنُ مردويهْ والبيهقيُّ عن ابن عباسٍ (٥)، وفيهِ رواياتٌ عن الصحابةِ مثلُ ذلكَ (٦)، ولوْ سلمَ فهيَ دالةٌ على أن النحرَ بعدَ الصلاةِ، فهيَ تعيينٌ لوقتِه لا

стр. 2195

لوجوبِه، كأنهُ يقولُ إذا نحرتَ فبعدَ صلاةِ العيدِ، فإنهُ قدْ أخرجَ ابنُ جرير (١) عنْ أنسٍ: "كانَ النبيُّ ﷺ ينحر قبلَ أنْ يصلي فأُمرَ أنْ يصلي ثمَّ ينحرَ". ولضعفِ أدلةِ الوجوبِ ذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والفقهاءِ إلى أنها سنةٌ مؤكدةٌ، بلْ قالَ ابنُ حزمٍ (٢): لا يصحَّ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ أنَّها واجبةٌ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ (٣) وغيرُه منْ حديثِ أمِّ سلمةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا دخلتِ العشرُ فأرادَ أحدُكم أنْ يضحيَ فلا يأخذْ منْ شعرهِ ولا بَشَرهِ شيئًا"، قالَ الشافعيُّ (٤): إنَّ قولَه: (فأرادَ أحدُكم) يدل على عدم الوجوبِ، ولما أخرجَهُ البيهقيُّ (٥) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرو: "أن رجلَّا أَتَى النبيَّ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أمرتُ بيومِ الأضحَى عيدًا جعلَه الله تعالى لهذِه الأمةِ، فقالَ: الرجلُ: فإنْ لم أجدْ إلَّا منيحة أنثَى أو شاة أهلي ومنيحتهم أذبُحها؟ قالَ: لا - الحديثَ"، وبما أخرجَه البيهقيُّ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ أنهُ قالَ ﷺ : "ثلاثُ هنَّ عليَّ فرْضٌ ولكمْ تطوعٌ، وعدَّ منْها الضحيةَ".

стр. 2196

وأخرجَهُ أيضًا (١) منْ طريقٍ أخرى بلفظِ: "كُتِبَ عليَّ النحرُ ولم يُكْتَبْ عليكمْ"، وبما أخرجَه أيضًا (٢) منْ أنهُ ﷺ لما ضحَّى قالَ: "بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ، اللهمَّ عنِّي وعمنْ لم يضحِّ منْ أمتي". وأفعالُ الصحابة دالةٌ على عدمِ الإيجابِ، فأخرجَ البيهقيُّ (٣) عنْ أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ أنَّهما كانا لا يضحيان خشية أن يُقتدى بهما، وأخرج (٤) عن ابن عباس أنه كان إذا حضرَ الأضحَى أعطَى مولًى لهُ درهمينِ فقالَ: اشترِ بهما لحمًا وأخبرْ الناسَ أنهُ ضحَّى ابنُ عباسٍ، ورُوِيَ أن بلالًا ضحَّى بديك، ومثلُهُ رُوِيَ عنْ أبي هريرةَ، والرواياتُ عن الصحابةِ في هذا المعنَى كثيرةٌ دالةٌ على أنَّها سُنَّةٌ. وقت الأضحية ٤/ ١٢٦٩ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، ومَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 2197

(وعنْ جندبِ بن سفيانَ) (١) هوَ أبو عبدِ اللهِ جندبُ بنُ سفيانَ البجلي العلقي الأحمسيِّ، كانَ بالكوفةِ ثمَّ انتقلَ إلى البصرةِ، ثمَّ خرجَ منْها، وماتَ في فتنةِ ابن الزبيرِ بعدَ أربعِ سنينَ (قالَ: شهدت الأضْحَى معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلما قضَى صلاتَهُ بالناسِ نظرَ إلى غنمٍ قدْ ذبحتْ فقالَ: مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ فليذبحْ شاةً مكانَها، ومَنْ لم يكنْ ذبحَ فليذبحْ على اسمِ اللهِ. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على أن وقتَ التضحيةِ منْ بعدِ صلاةِ العيدِ فلا تجزئُ قبلَه، والمرادُ صلاةُ المصلِّي نفسه، ويحتملُ أنْ يرادَ صلاةُ الإمامِ، وأنَّ اللامَ للعهدِ في قولِه الصلاةِ يرادُ بهِ المذكورةَ قبلَها وهي صلاتُه ﷺ ، وإليهِ ذهبَ مالكٌ فقالَ: لا يجوزُ قبلَ صلاةِ الإمامِ وخطبتِه وذبحِهِ. ودليلُ اعتبارِ ذبحِ الإمامِ ما رواهُ الطحاويُّ (٢) منْ حديثِ جابرٍ أن النبيَّ ﷺ "صلَّى يومَ النحرِ بالمدينةِ فتقدَّمَ رجالٌ [ونحروا] (٣) وظنُّوا أن النبيَّ ﷺ قد نحرَ، فأمرهُم أن يعيدُوا". وأجيبَ بأنَّ المرادَ زجُرُهم عن التعجيلِ الذي يؤدي إلى فعلِها قبلَ الوقتِ، ولذَا لم يأتِ في الأحاديثِ إلا تقييدُها بالصلاة. وقالَ أحمدُ مثلَ قولِ مالكٍ ولم يشترطْ ذبحَه، ونحوُهُ عن الحسنِ والأوزاعيِّ وإسحقَ بن راهويةْ، وقالَ الشافعيُّ وداودُ: وقتُها إذا طلعتِ الشمسُ ومضَى قدْرُ صلاةِ العيدِ وخطبتينِ وإنْ لم يصلِّ الإمامُ ولا المضحِّي، قالَ القرطبيُّ: ظواهرُ الحديثِ تدلُّ على تعليقِ الذبحِ بالصلاةِ، لكنْ لما رأَى الشافعيُّ أن مَنْ لا صلاةَ عليهِ مخاطبٌ بالتضحيةِ حملَ الصلاةَ على وقتِها. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هذا اللفظُ أظهرُ في اعتبارِ الصلاةِ، وهوَ قولُه في روايةٍ: (مَنْ ذبحَ قبلَ أنْ يصلِّيَ فليذبحْ مكانَها أُخْرَى) قالَ: لكنْ إنْ أجريْنَاهُ على ظاهرهِ اقتضَى أنَّها لا تجزئُ [الأضحيةُ] (٤) في حقِّ مَنْ لمْ يصلِّ العيدَ، فإنْ ذهبَ

стр. 2198

إليهِ أحدٌ فهوَ أسعدُ الناسِ بظاهرِ [هذا] (١) الحديثِ وإلَّا وجبَ الخروجُ عنْ هذَا الظاهرِ في هذهِ الصورةِ ويبقَى ما عداهَا في محلِّ البحثِ. وقدْ أخرجَ الطحاويُّ (٢) من حديثِ جابرٍ: "أن رجلًا ذبحَ قبلَ أنْ يصلِّي رسولُ اللهِ ﷺ ، فنَهى أنْ يذبحَ أحدٌ قبلَ الصلاةِ"، صحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ (٣)، وقدْ عرفتَ الأقْوى دليلًا منْ هذهِ الأقوالِ، وهذا الكلامُ في ابتداءِ وقتِ التضحيةِ. آخر وقت الأضحية وأما انتهاؤُه فأقوالٌ: [فعندَ] (٤) الهادويةِ العاشرُ [من يوم الحجة] (٥) ويومانِ بعدَه وبهِ قالَ مالكٌ وأحمدُ، وعندَ الشافعيِّ أن أيامَ الأضْحَى أربعةٌ: يومُ النحرِ وثلاثةٌ بعدَه. وعندَ داودَ وجماعةٍ منَ التابعينَ يومَ النحرِ فقطْ إلَّا في مِنًى فيجوزُ في الثلاثةِ الأيامِ، وعندَ جماعةٍ أنهُ إلى آخرِ يومٍ منْ شهرِ الحجَّةِ، قالَ في "نهايةِ المجتهدِ" (٦): سببُ [اختلافِهم] (٧) شيئانِ: أحدُهما الاختلافُ في الأيامِ المعلوماتِ ما هيَ في قولِه تعالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٨) الآية، فقيلَ يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه وهوَ المشهورُ، وقيلَ: العشرُ الأُوَلُ منْ ذي الحجَّةِ. والسببُ الثاني معارضةُ دليلِ الخطابِ في هذه الآيةِ بحديثِ جبيرِ بن مطعمٍ (٩) مرفُوعًا أنهُ ﷺ قالَ: "كلُّ فِجَاجِ مكةَ منحَرٌ وكلُّ أيامِ التشريقِ ذَبْحٌ"، فمن

стр. 2199

قالَ في الأيامِ المعلوماتِ إنَّها يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه في هذهِ الآيةِ رجَّحَ دليلَ الخطابِ فيها على الحديثِ المذكورِ وقالَ: لا نحرَ إلا في هذه الأيامِ، ومنْ رأَى الجمعَ بينَ الحديث والآيةِ قالَ: لا معارضةَ بينَهما إذ الحديثُ اقتضَى حكْمًا زائدًا على ما في الآيةِ معَ أن الآيةَ ليسَ المقصودُ فيها تحديدَ أيامِ النحرِ، والحديثُ المقصودُ منهُ [التحديد] (١) قالَ بجواز الذبحِ في اليومِ الرابعِ إذا كانَ منْ أيامِ التشريقِ باتفاقٍ، ولا خلافِ بينَهم أن [الأيامَ] (٢) المعدوداتِ هي أيامُ التشريقِ وأنَّها ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ إلَّا ما يُرْوَى عنْ سعيدِ بن جبيرٍ أنهُ قالَ: يومُ النحرِ من أيام التشريقِ. وإنَّما اختلفُوا في الأيامِ المعلوماتِ على القولينِ. وأما مَنْ قالَ يومُ النحرِ فقطْ فبناهُ على أن المعلوماتِ العشرُ الأُوَلُ، قالُوا: وإذا كانَ الإجماعُ قدِ انعقدَ على أنهُ لا يجوزُ الذبحُ هنا إلا في اليومِ العاشرِ وهي محلُّ الذبحِ المنصوصِ عليهِ فوجبَ أنْ لا يكونَ إلا يومُ النحرِ فقطْ، انتَهى. فائدةٌ: في "النهاية" (٣) أيضًا ذهبَ مالكٌ في المشهورِ عنهُ إلى أنهُ لا يجوزُ التضحيةُ ليالي أيامِ النحرِ، وذهبَ غيرُه إلى جوازِ ذلكَ. وسببُ الاختلافِ هوَ أن اليومَ يطلقُ على اليومِ والليلةِ نحوَ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٤)، ويطلقُ على النهارِ فقط دونَ الليلِ نحوَ: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (٥)، فعطفَ الأيامَ علَى اللَّيالي والعطفُ يقتضي المغايرةَ، [ولكنْ] (٦) بقيَ النظرُ في أيُّهما أظهرُ، والمحتجُّ بالمغايرةِ في أنهُ لا يصحُّ بالليلِ عملٌ بمفهومِ اللقبِ ولم يقلْ بهِ إلَّا الدقَّاقُ، إلا أنْ يقالَ دلَّ الدليلُ أنهُ يجوزُ في النهارِ والأصلُ في الذبحِ الحظْرُ فيبقى الليلُ على الحظْرِ والدليلُ على مجوزه في الليلِ اهـ. قلتُ: لا حظْرَ في الذبحِ، بلْ قدْ أباحَ اللهُ ذبحَ الحيوان في أيِّ وقتٍ، وإنما كان الحظْرُ عقلًا قبلَ إباحةِ اللهِ تعالَى [ذلك] (٧).

стр. 2200

عيوب الأضحية ٥/ ١٢٧٠ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلْعُهَا، وَالْكسير الَّتي لَا تُنْقِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَححَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ (٣). [صحيح] (وعنِ البراءِ بن عازبٍ ﵁ قالَ: قامَ فينا رسول اللهِ ﷺ فقالَ: أربعٌ لا تجوزُ في الضَّحَايا: العوراءُ البيِّن عورُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّنُ ضلْعُها، والكسير التي لا تُنْقي) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ وإسكانِ النونِ وكسرِ القافِ، أي التي لا نِقْيَ لها، بكسرِ النونِ وإسكانِ القاف، وهوَ المخُّ. (رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابن حِبَّانَ) وصحَّحَهُ الحاكمُ (٤) وقالَ: علَى شرطِهِمَا، وصوَّبَ كلامَهُ المصنفُ وقالَ: لم يخرجْه البخاريُّ ومسلمٌ

стр. 2201

في صحيحَيْهِما ولكنَّه صحيحٌ أخرجَهُ أصحابُ السننِ بأسانيدَ صحيحةٍ، وحسَّنهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ (١) فقالَ: ما أحسنَه منْ حديثٍ، وقالَ الترمذيُّ: حسن صحيحٌ. والحديثُ دليلٌ على أن هذهِ الأربعةَ العيوب مانعةٌ منْ صِحَّةِ التضحيةِ وسكتَ عنْ غيرِهَا منَ العيوب، فذهبَ أهلُ الظاهرِ (٢) إلى أنهُ لا عيبَ [غيرُ هذهِ الأربعةِ] (٣) وذهب الجمهورُ إلى أنهُ يقاسُ عليها غيرُها مما كانَ أشدَّ منْها أوْ مساويًا لها كالعمياءِ ومقطوعةِ الساقِ. وقولُه: (البيِّنُ عووُها) قالَ في "البحرِ" (٤): إنهُ يُعْفَى عما كانَ الذاهبُ الثلثَ فما دونَ وكذا في العرج. قالَ الشافعيُّ: العرجاءُ إذا تأخرتْ عن الغنمِ [لأجلِ العرج] (٥) فهوَ بيِّنٌ. وقولُه: (ضلعُها) أي اعوجاجُها. يستحب في الأضحية المسنَّة ٦/ ١٢٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّة، إِلا إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأنِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [ضعيف] (وعنِ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لا تذبحُوا إلا مسنةً إلَّا إنْ تعسَّر عليكمْ فتذبحُوا جذعةً منَ الضأْنِ. رواه مسلمٌ). المسنَّةُ الثنيةُ منْ كلِّ شيءٍ منَ الإبلِ والبقرِ والغنمِ فما فوقَها كما قدَّمْنَا.

стр. 2202

والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجزئُ الجذعُ منَ الضأنِ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا عندَ تعسُّرِ المسنَّةِ، وقدْ نقلَ [القاضي] (١) عياضٌ الإجماعَ على ذلكَ، ولكنَّه غيرُ صحيحٍ لما يأتي، وحُكِيَ عن ابن عمرَ والزُّهْريِّ أنهُ لا يجزئُ ولو معَ التعسُّرِ. وذهبَ كثيرونَ إلى إجزاءِ الجذعِ منَ الضأنِ مطلقًا، وحملُوا الحديثَ علَى الاستحباب بقرينةِ حديثِ أمِّ بلالٍ أنهُ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ضحُّوا بالجذع منَ الضأنِ"، أَخرجَهُ أحمدُ (٢) وابنُ جريرٍ (٣) والبيهقيُّ (٤)، وأشارَ الترمذيُّ (٥) إلى حديثِ: "نعمتِ الأضحيةُ الجذْعُ منَ الضأنِ"، ورَوَى ابنُ وهبٍ عنْ عقبةَ بن عامرٍ (٦) بلفظٍ: "ضحَّينا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بالجذعِ منَ الضأنِ".

стр. 2203

قلتُ: ويحتملُ أن ذلكَ كلَّه عندَ تعسُّرِ المسنَّة. ٧/ ١٢٧٢ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (٣) وَالْحَاكِمُ (٤). [حسن] (وعنْ عليٍّ ﵁ قالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نستشرفَ العينَ والأذنَ) أي نشرفُ عليهما ونتأملهما لئلَّا يقعَ نقصٌ وعيبٌ (ولا نضحِّي بعوراءَ ولا مقابَلةٍ) بفتحِ الموحدةِ، ما قُطِعَ منْ طرفِ أذُنِها شيءٌ ثمَّ بقي معلَّقًا، (ولا مدابَرةٍ) والمدابرةُ بالدالِ المهملةِ وفتحِ الموحدةِ ما قُطِعَ منْ مؤخَّرِ أذنها شيءٌ وتُرِكَ معلَّقًا، (ولا خرقاءَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً والراءُ ساكنةٌ، المشقوقةُ الأذنينِ، (ولا ثَرْمَى) بالمثلثةِ فراءٍ وميمٍ وألفٍ مقصورةٍ (٥) هي منَ الثَرمِ وهوَ سقوطُ الثنيةِ منَ الأسنانِ، وقيلَ: الثنيةُ والرَّباعيةُ، وقيلَ: هوَ أنْ تنقطعَ السنُّ منْ أصْلِها مطلقًا. وإنَّما نهَى عنْها لنقصانِ أَكْلِها قالَه في "النهاية" (٦)، ووقعَ في نسخةِ الشرحِ شرقاء بالشين المعجمة والراء والقاف وعليها شرح الشارح، ولكن الذي في نسخ "بلوغِ المرامِ" الصحيحةِ الثرمَى كما ذكرنَاهُ. (أخرجه أحمدُ والأربعةُ وصحَّحة الترمذيُّ وابن حبانَ والحاكمُ). فيهِ دليلٌ على أنَّها تجزئُ الأضحيةُ بما ذكرَ وهوَ مذهبُ الهادويةِ، وقالَ

стр. 2204

الإمامُ يحيى: تجزئُ وتكرهُ، وقوَّاهُ المهدي (١)، وظاهرُ الحديثِ معَ الأولِ. ووردَ النَّهيُ عن التضحيةِ بالمُصْفَرةِ بضمِّ الميم وإسكانِ الصادِ المهملةِ ففاءٍ مفتوحةٍ فراءٍ، أخرجَهُ أبو داودَ (٢) والحاكمُ (٣)، وهيَ المهزولةُ كما في "النهايةِ" (٤)، وفي روايةٍ: المصفورةِ، وقيلَ: المستأصلَةُ الأذنِ. وأخرجَ أبو داودَ (٥) منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ السُّلَميِّ أنهُ قالَ: "إنَّما نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن المصفَرةِ والمستأصَلَةِ والبخقَاء والمُشيَّعَةِ والكسراءِ". فالمصفرةُ: هي التي تُستأصلُ أذنُها حتَّى يبدُو صماخُها، والمستأصَلَةُ: هي التي استؤْصِلَ قَرْنُها من أصْلِهِ، والبخقاء: التي تبخق عينُها (٦)، والمشيَّعةُ: هي التي لا تتبعُ الغنمَ عجْفًا أو ضعفًا، والكسراءُ: الكسيرةُ. هذَا لفظُ أبي داودَ. وأما مقطوعُ الأَلْية والذنَب [فإنها تجزئُ] (٧) لما أخرَجهُ أحمدُ (٨) وابنُ ماجهْ (٩) والبيهقيُّ (١٠) منْ حديثِ أَبي سعيدٍ قالَ: "اشتريتُ كبشًا لأضحِّيَ بهِ فعدَا الذئبُ فأخذَ منهُ الأليةَ، فسألتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: ضحِّ بهِ"، وفيهِ جابرُ الجعفيُّ (١١)

стр. 2205

وشيخُه محمدُ بنُ قرطةَ مجهولٌ، إلَّا أن لهُ شاهدًا عندَ البيهقيِّ (١)، واستدلَّ بهِ ابنُ تيميةَ في "المنتقى" (٢) على أن العيبَ الحادثَ بعدَ تعيينِ الأضحيةِ لا يضرُّ، وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ إجزاءِ مسلوبِ الأليةِ والذنب. وفي "نهاية المجتهدِ" (٣) أنهُ وردَ في هذا البابِ منَ الأحاديثِ الحسانِ حديثانِ متعارضَانِ، فذكرَ النسائيُّ عنْ أبي بردةَ (٤) أنهُ قالَ: "يا رسولَ اللهِ أكرهُ النقصَ يكونُ في القرنِ والأذنِ، فقالَ النبيّ ﷺ : ما كرهتَه فدعْهُ ولا تحرِّمْهُ على غيرِكَ"، ثمَّ ذكرَ حديثَ عليٍّ (٥) ﵁: "أمرنا رسولُ اللهِ أن نستشرفَ العينَ الحديثَ"، فمنْ رجَّحَ حديثَ أبي بُردةَ (٤) قالَ: لا تُتَّقَى إلَّا العيوبُ الأربعةُ وما هوَ أشدُّ منْها، ومَنْ جَمَعَ بينَ الحديثينِ حملَ حديثِ أبي بردةَ (٤) على العيبِ اليسيرِ الذي هوَ غيرُ بيِّن، وحديثُ عليٍّ على البيِّنِ الكثير.

стр. 2206

فائدةٌ: أجمعَ العلماءُ على جوازِ التضحيةِ منْ جميعِ بهيمةِ الأنعام، وإنَّما اختلفُوا في الأفضلِ. والظاهرُ أن الغنَم في التضحية أفضلُ لفعلِه (١) ﷺ وَأمْرِهِ (٢)، وإنْ كانَ يحتملُ أن ذلكَ لأنَّها المتيسرةُ لهمْ، ثمَّ الإجماعُ أنهُ لا يجوزُ التضحيةُ بغيرِ بهيمةِ الأنعامِ (٣) إلَّا ما حُكِيَ عن الحسنِ بن صالحِ [أنَّها تجوزُ] (٤) التضحيةُ ببقرةِ الوحشِ عنْ عشرةٍ، والظبي عنْ واحدٍ (٥)، وما رُوِيَ عنْ أسماءَ أنَّها قالتْ: ضحَّينا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بالخيلِ، وما رُوِيَ عنْ أبي هريرةَ أنهُ ضحَّى بديكٍ. لا يعطي الجزار من الأضحية ٨/ ١٢٧٣ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَني رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 2207

أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَن أُقَسِّمَ لُحُومَها وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطِيَ في جُزَارَتِهَا (١) مِنْهَا شَيْئًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عليٍّ كرم اللهُ وجهه قالَ: أمرني رسول اللهِ ﷺ أنْ أقومَ على بدنهِ وأنْ أقسمَ لحومَها وجلودَها وجلَالَها على المساكينِ ولا أعطي في جزارتِها منها شيئًا. متفقٌ عليه). هذا في بُدْنهِ ﷺ التي ساقَها في حجَّةِ الوداعِ وكانتْ معَ التي أَتَى بها عليٌّ ﵁ منَ اليمنِ مائةُ بدنةٍ نحرَها ﷺ يومَ النحرِ بمنَى، نحرَ بيدِهِ ﷺ ثلاثًا وستينَ ونحرَ بقيتَها عليٌّ ﵁، وقدْ تقدَّم في كتابِ الحجِّ. والبدنُ تُطْلَقُ لغةً على الإبلِ والبقرِ والغنمِ إلا أنَّها [ها هنا] (٣) للإبلِ، وهكذَا استعمالُها في الأحاديثِ وفي كُتُبِ الفقهِ في الإبلِ خاصةً. ودلَّ على أنهُ يتصدَّقُ بالجلودِ والجلالِ كما يتصدقُ باللحمِ، وأنهُ لا يعطي الجزَّارَ منْها شيئًا أجرةً لأنَّ ذلكَ في حكمِ البيعِ لاستحقاقِه الأجرةَ، وحكمُ الأضحيةِ حكمُ الهدي في أنهُ لا يباعُ لحمُها ولا جلدُها ولا يعطي الجزارَ منْها شيئًا، قالَ في "نهاية المجتهدِ" (٤): العلماءُ متفقونَ فيما علمتَ أنهُ لا يجوزُ بيعُ لحمِها واختلفُوا في جلدِها وشعرِها مما ينتفعُ بهِ، فقالَ الجمهورُ: لا يجوزُ، وقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ بيعُه بغيرِ الدنانيرِ والدراهمِ يعني بالعروضِ، وقالَ عطاءٌ: يجوزُ بكلِّ شيءٍ دراهمَ وغيرِها. وإنَّما فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الدراهمِ وغيرِها لأنهُ رأَى أن المعاوضةَ في العروضِ هيَ منْ بابِ الانتفاعِ فلإجماعِهم على أنهُ يجوزُ الانتفاعُ بهِ.

стр. 2208

إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة ٩/ ١٢٧٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنِ جابرِ بن عبدِ اللهِ قالَ: نحرْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ البدَنَةَ عنْ سبعةٍ، والبقرةَ عنْ سبعةٍ. رواهُ مسلمٌ). دلَّ الحديثُ على جوازِ الاشتراكِ في البَدَنةِ والبقرةِ وأنَّهما يجزيانِ عنْ سبعةٍ وهذا في الهدْي ويقاسُ عليهِ الأضحيةُ، بلْ قدْ وردَ فيها نصٌّ، فأخرجَ الترمذيُّ (٢) والنسائيُّ (٣) منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: "كُنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في السَّفرِ فحضرَ الأضْحَى فاشتركْنا في البقرةِ سبعةٌ وفي البعيرِ عشرةٌ"، وقدْ صحَّ اشتراكُ أهلِ بيتٍ واحدٍ في ضحيّة واحدةٍ كما في حديثِ مخنفٍ (٤). وإلى هذا ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وحفيدُه أحمدُ بنُ عيسى والفريقانِ، قالَ النوويُّ (٥) سواءٌ كانُوا مجتمعينَ أو متفرقينَ، مفترضينَ أوْ متطوعينَ، أو بعضُهم متقرِّبًا وبعضُهم طالبُ لحمٍ، وبهِ قالَ أحمدُ. وذهبَ مالكٌ إلى أنهُ لا يجوزُ الاشتراكُ في الهدْي إلَّا في هدْي التطوعِ، وهَدْيُ الإحصارِ عندي منْ هدي التطوعِ. واشترطتِ الهادويةُ في الاشتراكِ اتفاقَ الغرضِ، قالُوا: ولا يصحُّ معَ الاختلافِ لأنَّ الهديَ شيءٌ واحدٌ فلا يتبعضُ بأن يكونَ بعضُه واجبًا وبعضُه غيرُ واجبٍ وقالُوا: إنَّها تجزئُ البدنةُ عنْ عشرةٍ لما سلفَ منْ حديثِ ابن عباسٍ وقاسُوا الهدْيَ على الأضحيةِ وأُجيبَ بأنهُ لا قياسَ معَ النصِّ.

стр. 2209

وادَّعى ابنُ رشدٍ (١) الإجماعَ علَى أنهُ لا يجوزُ أنْ يُشْتَرطَ في النسكِ أكثرُ منْ سبعةٍ، قالَ: وإنْ كانَ رُوِيَ منْ حديثِ رافعِ بن خديجٍ: "أن النبيَّ ﷺ عدلَ البعيرَ بعشرِ شياهٍ"، أخرجَهُ في الصحيحين (٢). ومنْ طريقِ ابن عباسٍ وغيرِهِ: "البدنةُ عنْ عشرةٍ" (٣)، قالَ الطحاويُّ: وإجماعُهم دليلٌ على أن [الآثارَ] (٤) في ذلكَ غيرُ صحيحةٍ (٥) اهـ، ولا يخْفَى أنهُ لا إجماعَ معَ خلافِ مَنْ ذكرْنا، وكأنهُ لم يطَّلعْ على الخلاف] (٦). واختلفُوا في الشاةِ، فقالت الهادويةُ تجزئُ عنْ ثلاثةٍ في الأضحيةِ، قالُوا: وذلكَ لما تقدَّمَ منْ تضحيةِ النبيِّ ﷺ بالكبشِ عنْ محمدٍ وآلِ محمدٍ، قالُوا: وظاهرُ الحديثِ أنَّها تجزئُ عنْ أكثرَ لكنَّ الإجماعَ قصَرَ الإجزاءَ [عن ثلاثة] (٧). قلتُ: وهذا الإجماعُ الذي ادَّعَوْهُ يباينُ ما قالُه في "نهاية المجتهدِ" (٨)، فإنهُ قالَ إنهُ وقعَ الإجماعُ على أن الشاةَ لا تجزئُ إلَّا عنْ واحدٍ. والحقُّ أنَّها تجزئُ الشاةُ عن الرَّجُلِ وعنْ أهلِ بيتِه لِفِعْلِهِ ﷺ ، ولما أخرجَهُ مالكٌ في "الموطأ" (٩) منْ حديثِ أبي أيوبِ الأنصاريِّ قالَ: "كنَّا نضحِّي بالشاةِ الواحدةِ يذبحُها الرجلُ عنهُ وعنْ أهلِ بيتهِ ثمَّ تباهَى الناسُ بعدُ". فائدةٌ: منَ السنَّةِ لمنْ أرادَ أنْ يضحِّيَ أنْ لا يأخذَ منْ شعرهِ ولا منْ أظفارهِ إذا دخلَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لما أخرجَهُ مسلمٌ (١٠) منْ أربعِ طُرُقٍ منْ حديثِ أمِّ

стр. 2210

سلمةَ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا دخلتِ العشرُ فأرادَ أحدُكم أنْ يضحِّيَ فلا يمسَّ منْ شعرِه ولا بشرَهِ شيئًا". وأخرجَ البيهقيُّ (١) منْ حديثِ عمرِو بن العاصِ أنهُ ﷺ قالَ لرجلٍ سألهُ عن الضحيةِ وأنهُ قدْ لا يجدُها فقالَ: "قلِّمْ أظافرَكَ، وقصَّ شاربكَ، واحلقْ عانتكَ، فذلكَ تمامُ أضحيتكَ عندَ اللهِ ". وهذا فيهِ شرعيةُ هذهِ الأفعالِ في يومِ التضحيةِ وإنْ لم يتركه منْ أولِ [شهرِ ذي الحجَّةِ] (٢). وذهبَ أحمدُ وإسحقُ إلى أنهُ يحرمُ للنَّهْي، وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ (٣). وقال مَنْ لم يحرِّمْهُ: قدْ قامتِ القرينةُ على أن النَّهْيَ ليسَ للتحريمِ وهوَ ما أخرجَهُ الشيخانِ (٤) وغيرُهما منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: "أنا فتلتُ قلائدَ هدي رسولِ اللهِ ﷺ بيدي، ثمَّ قلَّدها رسولُ اللهِ ﷺ بيدهِ، ثم بعثَ بها معَ أبي فلم يحرمُ على رسولِ اللهِ ﷺ شيءٌ مما أحلَّه اللهُ حتَّى نحرَ الهديَ". قالَ الشافعيُّ: فيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يحرمُ على المرءِ شيءٌ ببعثهِ بهدي، والبعثُ بالهدي أكثرُ منْ إرادةِ التضحيةِ. قلتُ: هذا قياسٌ منهُ، والنصُّ قدْ خصَّ مَنْ [يريدُ] (٥) التضحيةَ بما ذُكرَ. (فائدةٌ أُخْرى). أحكام لحوم الأضاحي يُسْتَحَبُّ للمضحِّي أنْ يتصدقَ وأنْ يأكلَ، واستحبَّ كثيرٌ منَ العلماءِ أنْ يقسمَها أثلاثًا: ثلثًا للادِّخارِ، وثلثًا للصدقةِ، وثلثًا للأكلِ، لقولِهِ ﷺ : "كلُوا، وتصدَّقوا، وادَّخِروا" (٦)

стр. 2211

أخرجَهُ الترمذيُّ (١) بلفظِ: "كنتُ نهيتُكم عنْ لحوم الأضاحي فوقَ ثلاثٍ ليتسعَ ذو الطَّوْلِ على مَنْ لا طَوْلَ له، فكلُوا ما بدا لكم وتصدَّقُوا أو ادَّخِروا"، ولعلَ الظاهريةَ توجِبُ التجزئةَ. وقالَ عبدُ الوهابِ: أوجبَ قومٌ الأكلَ وليسَ بواجبٍ في المذهبِ. * * *

стр. 2212

[الباب الثالث] باب العقيقة العقيقةُ هيَ الذبيحةُ التي تُذْبَحُ للمولودِ. وأصلُ العقِّ الشقُّ والقطعُ، وقيلَ للذبيحةِ عقيقةٌ لأنهُ يُشقُّ حلْقُها، ويقالُ عقيقة للشعرِ الذي يخرجُ على رأسِ المولودِ منْ بطنِ أمِّهِ، وجعلَه الزمخشريُّ أصلًا، والشاةُ المذبوحةُ مشتقةٌ منهُ. مشروعية العقيقة ١/ ١٢٧٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢) وَابْنُ الْجَارُودِ (٣) وَعَبْدُ الْحَقِّ (٤)، لكِنْ رَجحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (٥). [صحيح] (عن ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن الحسنِ والحسينِ كبشًا كبشًا. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ وعبدُ الحقِّ، لكنْ رجَّحَ أبو حاتمٍ إرسالَه).

стр. 2213

وقد أخرج البيهقيُّ (١) والحاكمُ (٢) وابنُ حبانَ (٣) منْ حديثِ عائشةَ بزيادةٍ يومَ السابعِ وسمَّاهما وأمرَ أنْ يماطَ عنْ رأسيْهمَا الأذَى. وأخرج البيهقيُّ (٤) والحاكم (٥) منْ حديث عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ ختنَ الحسنَ والحُسينَ ﵄ يوم السابع منْ ولادِتهما". وأخرجَ البيهقيُّ (٦) أيضًا منْ حديثِ جابرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ "عقَّ عن الحسنِ والحسينِ وختنَهما لسبعةِ أيامٍ". قالَ الحسنُ البصريُّ (٧): إماطةُ الأذى حلقُ الرأسِ. وصحَّحَهُ ابنُ السكنِ بأتمَّ منْ هذا وفيهِ: "وكانَ أهلُ الجاهليةِ يجعلونَ قطنةً في دمِ العقيقةِ ويجعلونَها على رأسِ المولودِ، فأمرَهم النبيُّ ﷺ أن يجعلُوا مكانَ الدم خَلوقًا"، ورواهُ أحمدُ (٨) والنسائيُّ (٩) منْ حديثِ بريدةَ وسندُه صحيحٌ، ويؤيدُ [هذهِ] (١٠) الأحاديثَ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه: ٢/ ١٢٧٦ - وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ (١١) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ. [صحيح] (وأخرجَ ابن حبانَ منْ حديثِ أنسٍ نحوَه)، والأحاديثُ دلَّتْ على مشروعيةِ العقيقةِ. واختلفتْ فيها مذاهبُ العلماءِ.

стр. 2214

فعندَ الجمهورِ أنها سنَّةٌ (١)، وذهبَ داودُ ومَنْ تبعهُ إلى أنها واجبةٌ (٢). واستدلَّ الجمهورُ بأنَّ فعلَه ﷺ دليلٌ على السنيَّةِ وبحديثِ: "مَنْ وُلدَ لهُ وَلَدٌ فأحبَّ أنْ ينسكَ عنْ ولدِه فليفعلْ"، أخرجَهُ مالكٌ (٣). واستدلَّتْ الظاهريةُ بما يأتي منْ قولِ عائشة (٤) ﵂ أنهُ ﷺ أمرهُم بها. والأمرُ دليلُ الإيجابِ. وأجابَ الأولونَ بأنهُ صرفُه عن الوجوبِ قولُه: "فأحبَّ أن ينسكَ عنْ ولدِه فليفعلْ". وقولُه في حديثِ عائشةَ: (يومَ سابعهِ) دليل على أنهُ وقْتُها وسيأتي فيهِ حديثُ سَمُرَةُ (٥) وأنهُ لا يُشْرَعُ قبلَه ولا بعدَه. وقالَ النووي (٦): إنهُ يعقُّ قبلَ السابعِ، وكذَا عن الكبيرِ فقدْ أخرجَ البيهقيُّ (٧) منْ حديثِ أنسٍ: "أن النبيَّ ﷺ عقَّ عنْ نفسِه بعدَ البعثةِ"، ولكنَّهُ قالَ: منكرٌ، وقالَ النوويُّ: حديثٌ باطلٌ، وقيلَ: تجزئُ في السابعِ الثاني والثالثِ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (٨) عنْ عبدِ اللهِ بن بريدةَ عنْ أبيهِ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "العقيقةُ تذبحُ لسبع ولأربعَ عشْرةَ ولإحدى وعشرينَ". ودلَّ الحديثُ على أنهُ يجزئُ عن الغلامِ شاةٌ لكنَّ الحديثَ الآتي وهوَ قولُه: العقيقة عن الغلام والجارية ٣/ ١٢٧٧ - وَعَنْ عَائَشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ "أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلامِ

стр. 2215

شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ"، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللهِ ﷺ أمرهُم أن يُعَقَّ عن الغلامِ شاتانِ مكافِئتانِ) قالَ النوويُّ (٢): بكسرِ الفاءِ بعدَها همزةٌ ويأتي [تفسيرُه] (٣) (وعنِ الجاريةِ شاةٌ. رواهُ الترمذيُّ [وصحَّحَهُ]) (٤) وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، إلَّا أني لم أجدْ لفظة: "أنْ يعقَّ" في نسخِ الترمذيِّ. قالَ أحمدُ وأبو داودَ: معنَى مكافئتانِ متساويتانِ أو متقاربتانِ، وقالَ الخطابيُّ: المرادُ التكافؤُ في السنِّ فلا تكونُ إحداهُما مسنَّة والأخْرى غيرَ مسنَّةٍ بلْ يكونانِ مما يجزئُ في الأضحيةِ، وقيلَ معناهُ أنْ يذبحَ إحداهما مقابلة للأخرى. دلَّ على أنهُ يُعَقُّ عن الغلامِ بضعفِ ما يعقُّ عن الجاريةِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ وداودُ لهذا الحديثِ (٥). وذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ (٦) إلى أنهُ يجزئُ عن الذكرِ والأنثَى عنْ كلِّ واحدٍ شاةٌ للحديثِ الماضي. وأُجِيْب بأنَّ ذلكَ فعل وهذا قول والقولُ أقوى، وبأنهُ يجوزُ أنهُ ﷺ ذبحَ عن الذكرِ كبْشًا لبيانِ أنهُ يجزئُ وذبحُ الاثنينِ مستحبٌّ، على أنهُ أخرجَ أبو الشيخِ (٧) حديثَ ابن عباسٍ منْ طريقِ عكرمةَ بلفظ كبشينِ كبشينِ. ومنْ حديثِ عمروِ بن شعيبٍ مثلَه وحينئذٍ فلا تعارضَ. وفي إطلاقِ لفظِ الشاةِ دليل على أنهُ لا يشترطُ

стр. 2216

فيها ما يشترطُ في الأضحية، ومن [اشترط ذلك] (١) فبالقياسِ. ٤/ ١٢٧٨ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (٢) والأَرْبَعَةُ (٣) عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيّةِ نَحْوَهُ. ترجمة أم كرز (وأخرجَ أحمدُ والأربعة عنْ أمِّ كُرْزٍ) (٤) بضمِّ أولهِ وسكونِ الراءِ وزاي، الكعبيةِ المكيةِ، صحابيةٌ لها أحاديثُ، قاله المصنفُ في "التقريبُ" (٥). (نحوَه) أي نحوَ حديثِ عائشةَ ولفظُه في الترمذيِّ (٦): عنْ سباعِ بن ثابتٍ أن محمدَ بنَ ثابتٍ بن سباعِ أخبَره أن أمَّ كُرْزٍ أخبرتْه أنَّها سألتْ رسولَ اللهِ ﷺ عن

стр. 2217

العقيقةِ قالَ: "عن الغلامِ شاتانِ وعنِ الأنثَى واحدةٌ، ولا يضرُّكم أذكرانًا كنَّ أم إناثًا"، قالَ أبو عيسى: حسنٌ صحيحٌ. وهوَ يفيدُ [ما أفاده] (١) الحديثُ الثالثُ. ارتهان الغلام بعقيقته ٥/ ١٢٧٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كُل غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُحْلَقُ، وَيُسَمَّى". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالأَرْبَعَةُ (٣)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح] (وعنْ سمرةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: كل غلامٍ مرتَهَنٌ بعقيقِته تُذْبَحُ عنه يومَ سابعهِ ويحلقُ ويسمَّى. رواة أحمدُ والأربعةُ وصحَّحهُ الترمذيُّ)، وهذا هو حديثُ العقيقةِ الذي اتفقُوا على أنهُ سمِعَهُ الحسنُ منْ سمُرةَ واختلفُوا في سماعه لغيرهِ منهُ منَ الأحاديثِ، قالَ الخطابيُّ (٤): اختُلِفَ في قولِه مرتهنٌ بعقيقتهِ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ أنهُ إذا ماتَ وهوَ طفلٌ لم يعقَّ عنهُ أنهُ لا يشفعُ لأبويْهِ. قلتُ: ونقله الحليميُّ (٥) عنْ عطاءِ الخراسانيِّ (٦)، ومحمدِ بن

стр. 2218

مُطَرِّفٍ (١) وهما إمامانِ عالمانِ متقدِّمانِ على أحمدِ. وقيلَ: إنَّ المعنَى العقيقةُ لازِمةٌ لا بدَّ منْها، فشبَّه لزومَها للمولودِ بلزومِ الرهنِ للمرهونِ في يدِ المرتهنِ، وهوَ يقوي قولَ الظاهريةِ بالوجوبِ. وقيلَ المرادُ أنهُ مرهونٌ بأذى شعرهِ ولذلكَ جاءَ: "فأميطُوا عنهُ الأذَى". ويقوِّي قولَ أحمدَ ما أخرجَهُ البيهقيُّ عنْ عطاءٍ الخراسانيِّ، وأخرجَهُ ابنُ حزمٍ (٢) عنْ بريدةَ الأسلميِّ قالَ: إنَّ الناسَ يعرضونَ يومَ القيامةِ على العقيقةِ كما يعرضَونَ على [الصلوات] (٣) الخمسِ، وهذا دليل - لو ثبتَ - لمن قالَ بالوجوبِ. وتقدَّمَ أنها مؤقتةٌ باليومِ السابعِ كما دلَّ لهُ ما مضَى ودلَّ لهُ أيضًا هذا. وقالَ مالكٌ: تفوتُ بعدَهُ، وقالَ: منْ ماتَ قبلَ السابعِ سقطتْ عنهُ العقيقةُ. وللعلماءِ خلافٌ في العقِّ [بعد السابع] (٤)، وقول عائشة: أمرَهُم، أي المسلمينَ أن يعقَّ كل مولودٍ لهُ عنْ ولدهِ، فعندَ الشافعيُّ يتعينُ علَى كلِّ مَنْ تلزمُه

стр. 2219

النفقةُ للمولودِ، وعندَ الحنابلةِ يتعينُ على الأبِ إلَّا أنْ يموتَ أو يمتنعَ، وأُخِذَ منْ لفظِ تُذْبَحُ بالبناءِ للمجهولِ أنهُ يجزئُ أنْ يعقَّ عنهُ الأجنبيُّ، وقدْ تأيدَ بأنهُ ﷺ عقَّ عن الحسنين كما سلفَ إلَّا أنهُ يقالُ قدْ ثبتَ أنهُ ﷺ أبوهما كما وردَ بهِ الحديثُ بلفظِ: "كلُّ بني أمِّ ينتمونَ إلى عصبةٍ إلا ولدَ فاطمةَ ﵂ فأنا وليُّهم وأنا عصبتُهم"، وفي لفظٍ: "وأنا أبوهُم"، أخرجَهُ الخطيبُ منْ حديثِ فاطمةَ الزهراءِ (١) ﵂ ومِنْ حديثِ عمرَ (٢) رضيَ اللهُ تعالَى عنْهُ. وأما ما أخرجَهُ أحمدُ (٣) منْ حديثِ أبي رافعٍ أن فاطمةَ ﵂ لما ولدتْ حَسَنًا ﵁ قالتْ: يا رسولَ اللهِ ألا أعق عن ولدي بدمٍ؟ قالَ: "لا ولكنِ احلقي رأسَهُ وتصدَّقي بوزنِ شعرهِ فضةً"، فهوَ منَ الأدلةِ أنهُ قدْ أجزأَ عنهُ ما ذبحَه

стр. 2220

النبيُّ ﷺ ، وأنَّها ذكرتْ هذا فمنَعها ثمَّ عقَّ عنهُ وأرشدَها إلى [أنها تتولى] (١) الحلقَ والتصدقَ، وهذا أقربُ لأنَّها لا تستأذنُه إلا قبلَ ذبحهِ وقبلَ مجيءِ وقْتِ الذبحِ وهوَ السابعُ. قوله في حديثِ سَمُرَةَ: "ويحلقُ"، دليلٌ على شرعيةِ حلقِ رأسِ المولودِ [يومَ] (٢) سابعهِ، وظاهرُه عامٌّ لحلقِ رأسِ الغلامِ والجاريةِ. وحكَى عن المازريُّ كراهةَ حلْقِ رأسِ الجاريةِ، وعنْ بعضِ الحنابلةِ تحلقُ لإطلاقِ الحديثِ. وأما تثقيبُ أذنِ الصبيةِ لأجلِ تعليقِ الحليِّ فيها الذي يفعلُه الناسُ في هذهِ الأعصارِ وقبلَها فقالَ الغزاليُّ في "الإحياءِ" (٣): إنهُ لا يَرى فيهِ رخصةً فإنَّ ذلكَ جرحٌ [يؤلم] (٤) ومثلُه موجبٌ للقصاصِ فلا يجوزُ إلا [لحاجةٍ مهمةٍ] (٥) كالفصدِ والحجامةِ والختانِ، والتزينُ بالحليِّ غيرُ مهمٍّ، فهوَ حرامٌ وإن كانَ معتادًا، والمنعُ منه واجبٌ والاستئجارُ عليهِ [حرام] (٦)، والأجرةُ المأخوذةُ [في مقابلته] (٧) حرامٌ. اهـ. وفي كتبِ الحنابلةِ (٨) أن تثقيبَ آذانِ الصبية للحلية جائزٌ لأنهم كانوا في الجاهلية يفعلونه، ويكره للصبيانِ. وفي فتاوى قاضي خانْ منَ الحنفيةِ: لا بأسَ بثقبِ أذنِ الطفلِ لأنَّهم كانُوا في الجاهليةِ يفعلونَه ولم ينكرْ عليهمُ النبيُّ ﷺ . قولُه: "ويُسَمَّى"، هذا هوَ الصحيحُ في الروايةِ - وأما روايتُه بلفظِ: ويدمَّى - منَ الدمِ - أي يفعلُ في رأسهِ منْ دمِ العقيقةِ كما كانتْ تفعلُه الجاهليةُ فقدْ وهمَ راوْيها (٩)، والمرادُ تسميةُ المولودِ.

стр. 2221

يستحب اختيار الاسم الحسن وينبغي اختيارُ الاسم الحسنِ لهُ لما ثبتَ منْ أنهُ ﷺ كانَ يغيرُ الاسمَ القبيحَ (١). وصحَّ عنهُ [إنَّ] (٢) أخنعَ الأسماءِ عندَ اللهِ رجلٌ تسمَّى شاهانِ شاهْ، ملكِ الأملاكْ، لا ملكَ إلا اللهُ تعالَى" (٣). فتحرم التسميةُ بذلكَ، وألحقَ بهِ تحريمَ التسميةِ بقاضي القضاةِ وأشنعُ منهُ حاكمُ الحكامِ، نصَّ عليهِ الأوزاعيُّ. ومِنَ الألقابِ القبيحةِ ما قالَه الزمخشريُّ: إنهُ توسعَ الناسُ في زمانِنا حتَّى لقَّبوا السفلةَ بألقابِ العِليَةِ، وهبْ أن العذرَ مبسوطٌ فما أقولُ في تلقيبِ مَنْ ليسَ منَ الدينِ في قبيلٍ ولا دبيرٍ بفلانِ الدينِ؟ هيَ لَعَمْري واللَّهِ الغصَّةُ التي لا تُساغُ. وأحبُّ الأسماءِ [إلى اللَّهِ] عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ ونحوُهما، وأصدقُها حارثُ وهمامُ (٤)،

стр. 2222

ولا تكرهُ التسميةُ بأسماءِ الأنبياءِ (١) ويس وطهَ خَلافًا لمالكٍ. وفي مسندِ الحارثِ بن أبي أسامةَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "منْ كانَ لهُ ثلاثةٌ منَ الولدِ ولم يسمِّ أحدَهم بمحمدٍ فقدْ جهلَ" (٢)، فينبغي التسمِّي باسمِه ﷺ . فقدْ أخرجَ في كتابِ الخصائصِ لابنِ سبع عن ابن عباسٍ أنهُ إذا كانَ يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: ألا ليقمْ منِ اسمُه محمدٌ فليدخلِ الجنةَ تكرمة لنبيهِ ﷺ (٣). وقالَ مالكٌ: سمعتُ أهلَ المدينةِ يقولونَ: ما منْ أهلِ بيتٍ فيهمُ اسمُ محمدٍ إلا رُزِقُوا رزقَ خيرٍ (٤)، قالَ ابنُ رشدٍ: يحتملُ أن يكونُوا عرفُوا ذلكَ بالتجربةِ أو عندَهم فيهِ أثرٌ.

стр. 2223

فائدةٌ: رَوَى أبو داودَ (١) والترمذيُّ (٢) أن النبيَّ ﷺ أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ والحسينِ حينَ وُلِدا، ورواهُ الحاكمُ (٣). والمرادُ الأذنُ اليمنَى. وفي بعض المسانيدِ (٤): "أن النبيَّ ﷺ قرأَ في أُذُنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ". وأخرجَ ابنُ السنِّي (٥) عن الحسنِ أن عليًا ﵁ قالَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "منْ ولدَ لهُ مولودٌ (٦) فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليمنَى وأقامَ الصلاةَ في أُذُنِهِ اليُسرى لم تضرُّه أمُّ الصبيانِ"، وهي التابعةُ منَ الجنِّ. ويستحبُّ [تحنيكُه] (٧) بتمرٍ لما في الصحيحين (٨) منْ حديثِ أبي موسى

стр. 2224

قالَ: ولدَ لي غلامٌ فأتيت به النبيَّ ﷺ فسمَّاه إبراهيمَ، وحنَّكهُ بتمرةٍ ودعَا لهُ بالبركةِ. التحنيكُ أن يضعَ التمر ونحوَه في حنكِ المولوكِ حتَّى ينزلَ إلى جوفِه منهُ شيءٌ، وينبغي أنْ يكونَ المحنِّكُ من أهلِ الخيرِ ممن تُرجى بركتُه. * * * تم بحمد الله المجلَّد السابع من "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجلَّد الثامن وأَوله: [الكتاب الخامس عشر] كتاب الأيمان والنذور * * *

стр. 2225

[الكتاب الخامس عشر] كتاب الأَيمان والنذور الأَيمانُ بفتحِ الهمزةِ جمعُ يمينٍ، وأصلُ اليمينِ في اللغةِ اليدُ [الجارحة] (١)، وأُطْلِقَتْ على الحلفِ لأنَّهم كانُوا إذا تحالفُوا أَخَذَ كلٌّ بيمينِ صاحبِه. والنذورُ: جمعُ نذرٍ، وأصلُه الإنذارُ بمعنَى التخويفِ، وعرَّفَهُ الراغبُ بأنهُ إيجابُ ما ليسَ بواجبٍ لحدوثِ أمرٍ. النهي عن الحلف بغير الله ١/ ١٢٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَخلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ أدركَ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ في ركْبٍ) الركبُ رُكْبانُ الإبِلِ، اسمُ جَمْعٍ، أو جمعٌ، وهمُ العَشَرةُ فصاعِدًا، وقدْ يكونُ

стр. 2226

للخيلِ، (وعمرُ يحلفُ بأبيهِ، فناداهمُ رسولُ اللهِ ﷺ : ألا إنَّ اللَّهَ ينْهاكم أن تحلفُوا بآبائِكم، فمنْ كانَ حالِفًا فليحلفْ باللَّهِ)، ليسَ المرادُ أنهُ لا يحلفُ إلا بهذَا اللفظِ بدليلِ أنهُ كانَ يحلفُ بغيرِه نحوَ: "مقلِّبِ القلوبِ" كما [سيأتي (١)] (٢)، (أوْ ليصمُتْ) بضمِّ الميمِ مثلَ قتلَ يقتُلُ (متفقٌ عليهِ). ٢/ ١٢٨١ - وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيِّ (٤) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: "لَا تَحلِفُوا بِابَائِكُمْ، وَلَا بِأمهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ". [صحيح] (وفي روايةٍ لأبي داودَ، والنسائيِّ عن أبي هريرةَ مرفُوعًا: لا تحلفُوا بآبائِكم، ولا بأمهاتِكم، ولا بالأندادِ). الندُّ بكسرِ أولهِ المِثْلُ، والمرادُ هنا أصنامُهم وأوثانُهم التي جعلُوها للَّهِ (تعالَى) أمثالًا لعبادتِهم إيَّاها وحَلِفِهِمْ بها، نحوَ قولِهِم: واللاتِ والعُزَّى، (ولا تحلفُوا باللهِ إلا وأنتُم صادقونَ). الحديثانِ [دليلان] (٥) على النَّهْي عن الحلفِ بغيرِ اللهِ تعالَى، وهوَ للتحريمِ كما هوَ أصلُه، وبهِ قالتِ الحنابلةُ والظاهريةُ (٦). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧): لا يجوزُ الحلفُ بغيرِ اللهِ تعالَى بالإجماعِ. وفي روايةٍ عنهُ: أن اليمينَ بغيرِ اللهِ مكروهةُ مَنْهِيٌّ عنْها لا يجوزُ لأحدِ الحلفُ بها. وقولُه: لا يجوزُ، بيانُ أنهُ أرادَ بالكراهةِ التحريمَ كما صرَّحَ بهِ أولًا، وقالَ الماورديُ: لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحلِّفَ بغيرِ اللهِ (تعالَى) لا بطلاقٍ، ولا [بعتاق] (٨)، ولا نذرٍ، وإذا حلَّفَ الحاكمُ أحدًا بذلكَ وجبَ عزلُه. وعندَ جمهورِ الشافعيةِ، والمشهورُ عن المالكيةِ أنهُ للكراهةِ، ومثلُه للهادويةِ ما لم يسوِّ في التعظيمِ.
следующие страницы →