← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2222–2261 · переход к 2227.

стр. 2222

ولا تكرهُ التسميةُ بأسماءِ الأنبياءِ (١) ويس وطهَ خَلافًا لمالكٍ. وفي مسندِ الحارثِ بن أبي أسامةَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "منْ كانَ لهُ ثلاثةٌ منَ الولدِ ولم يسمِّ أحدَهم بمحمدٍ فقدْ جهلَ" (٢)، فينبغي التسمِّي باسمِه ﷺ . فقدْ أخرجَ في كتابِ الخصائصِ لابنِ سبع عن ابن عباسٍ أنهُ إذا كانَ يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: ألا ليقمْ منِ اسمُه محمدٌ فليدخلِ الجنةَ تكرمة لنبيهِ ﷺ (٣). وقالَ مالكٌ: سمعتُ أهلَ المدينةِ يقولونَ: ما منْ أهلِ بيتٍ فيهمُ اسمُ محمدٍ إلا رُزِقُوا رزقَ خيرٍ (٤)، قالَ ابنُ رشدٍ: يحتملُ أن يكونُوا عرفُوا ذلكَ بالتجربةِ أو عندَهم فيهِ أثرٌ.

стр. 2223

فائدةٌ: رَوَى أبو داودَ (١) والترمذيُّ (٢) أن النبيَّ ﷺ أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ والحسينِ حينَ وُلِدا، ورواهُ الحاكمُ (٣). والمرادُ الأذنُ اليمنَى. وفي بعض المسانيدِ (٤): "أن النبيَّ ﷺ قرأَ في أُذُنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ". وأخرجَ ابنُ السنِّي (٥) عن الحسنِ أن عليًا ﵁ قالَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "منْ ولدَ لهُ مولودٌ (٦) فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليمنَى وأقامَ الصلاةَ في أُذُنِهِ اليُسرى لم تضرُّه أمُّ الصبيانِ"، وهي التابعةُ منَ الجنِّ. ويستحبُّ [تحنيكُه] (٧) بتمرٍ لما في الصحيحين (٨) منْ حديثِ أبي موسى

стр. 2224

قالَ: ولدَ لي غلامٌ فأتيت به النبيَّ ﷺ فسمَّاه إبراهيمَ، وحنَّكهُ بتمرةٍ ودعَا لهُ بالبركةِ. التحنيكُ أن يضعَ التمر ونحوَه في حنكِ المولوكِ حتَّى ينزلَ إلى جوفِه منهُ شيءٌ، وينبغي أنْ يكونَ المحنِّكُ من أهلِ الخيرِ ممن تُرجى بركتُه. * * * تم بحمد الله المجلَّد السابع من "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجلَّد الثامن وأَوله: [الكتاب الخامس عشر] كتاب الأيمان والنذور * * *

стр. 2225

[الكتاب الخامس عشر] كتاب الأَيمان والنذور الأَيمانُ بفتحِ الهمزةِ جمعُ يمينٍ، وأصلُ اليمينِ في اللغةِ اليدُ [الجارحة] (١)، وأُطْلِقَتْ على الحلفِ لأنَّهم كانُوا إذا تحالفُوا أَخَذَ كلٌّ بيمينِ صاحبِه. والنذورُ: جمعُ نذرٍ، وأصلُه الإنذارُ بمعنَى التخويفِ، وعرَّفَهُ الراغبُ بأنهُ إيجابُ ما ليسَ بواجبٍ لحدوثِ أمرٍ. النهي عن الحلف بغير الله ١/ ١٢٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَخلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ أدركَ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ في ركْبٍ) الركبُ رُكْبانُ الإبِلِ، اسمُ جَمْعٍ، أو جمعٌ، وهمُ العَشَرةُ فصاعِدًا، وقدْ يكونُ

стр. 2226

للخيلِ، (وعمرُ يحلفُ بأبيهِ، فناداهمُ رسولُ اللهِ ﷺ : ألا إنَّ اللَّهَ ينْهاكم أن تحلفُوا بآبائِكم، فمنْ كانَ حالِفًا فليحلفْ باللَّهِ)، ليسَ المرادُ أنهُ لا يحلفُ إلا بهذَا اللفظِ بدليلِ أنهُ كانَ يحلفُ بغيرِه نحوَ: "مقلِّبِ القلوبِ" كما [سيأتي (١)] (٢)، (أوْ ليصمُتْ) بضمِّ الميمِ مثلَ قتلَ يقتُلُ (متفقٌ عليهِ). ٢/ ١٢٨١ - وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيِّ (٤) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: "لَا تَحلِفُوا بِابَائِكُمْ، وَلَا بِأمهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ". [صحيح] (وفي روايةٍ لأبي داودَ، والنسائيِّ عن أبي هريرةَ مرفُوعًا: لا تحلفُوا بآبائِكم، ولا بأمهاتِكم، ولا بالأندادِ). الندُّ بكسرِ أولهِ المِثْلُ، والمرادُ هنا أصنامُهم وأوثانُهم التي جعلُوها للَّهِ (تعالَى) أمثالًا لعبادتِهم إيَّاها وحَلِفِهِمْ بها، نحوَ قولِهِم: واللاتِ والعُزَّى، (ولا تحلفُوا باللهِ إلا وأنتُم صادقونَ). الحديثانِ [دليلان] (٥) على النَّهْي عن الحلفِ بغيرِ اللهِ تعالَى، وهوَ للتحريمِ كما هوَ أصلُه، وبهِ قالتِ الحنابلةُ والظاهريةُ (٦). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧): لا يجوزُ الحلفُ بغيرِ اللهِ تعالَى بالإجماعِ. وفي روايةٍ عنهُ: أن اليمينَ بغيرِ اللهِ مكروهةُ مَنْهِيٌّ عنْها لا يجوزُ لأحدِ الحلفُ بها. وقولُه: لا يجوزُ، بيانُ أنهُ أرادَ بالكراهةِ التحريمَ كما صرَّحَ بهِ أولًا، وقالَ الماورديُ: لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحلِّفَ بغيرِ اللهِ (تعالَى) لا بطلاقٍ، ولا [بعتاق] (٨)، ولا نذرٍ، وإذا حلَّفَ الحاكمُ أحدًا بذلكَ وجبَ عزلُه. وعندَ جمهورِ الشافعيةِ، والمشهورُ عن المالكيةِ أنهُ للكراهةِ، ومثلُه للهادويةِ ما لم يسوِّ في التعظيمِ.

стр. 2227

قلتُ: لا يخْفَى أن الأحاديثَ واضحةٌ في التحريمِ لما سمعتَ، ولما أخرجَ أبو داودَ (١)، والحاكمُ (٢)، [واللفظُ له] (٣) منْ حديثِ ابن عمرَ أنهُ قالَ ﷺ : "مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ كفرَ"، وفي روايةِ للحاكمِ (٤): "كلُّ يمينٍ يُحْلَفُ بها دونَ اللهِ تعالَى شِرْكٌ"، ورواهُ أحمدُ (٥) بلفظِ: "مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أشركَ". وأخرجَ مسلمٌ (٦): "مَنْ حلفَ منكُمْ [فقالَ] (٧) في حَلِفِهِ: واللَّاتِ والعُزَّى فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ". وأخرجَ النسائيُّ (٨) منْ حديثِ سعدِ بن أبي وقاص أنهُ حلفَ باللَّاتِ والعُزى قالَ: فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: "قلْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وانفثْ عنْ يسارِكَ ثلاثًا، وتعوَّذْ باللَّهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ ولا تعدْ". فهذهِ الأحاديثُ [الأخيرةُ] (٩) تقوِّي القولَ [بأنهُ

стр. 2228

محرَّم] (١) لتصريحِها بأنهُ شركٌ منْ غيرِ تأويلٍ، ولذَا أمرَ النبي ﷺ بتجديدِ الإسلامِ والإتيانِ بكلمةِ التوحيدِ. واستدلَّ القائلُ بالكراهةِ بحديثِ: "أفلحَ - وأبيهِ - إنْ صدقَ"، أخرجَهُ مسلمٌ (٢). وأُجِيْبَ عنهُ أوَّلَا بأنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣): إنَّ هذهِ اللفظةَ غيرُ محفوظةٍ وقدْ جاءتْ عن راويْها: "أفلحَ واللَّهِ إنْ صدقَ"، بل زعمَ بعضُهم أنَّ راوْيها [صحَّفها، أي] (٤): صحَّفَ [لفظة] (٥): (واللَّهِ)، إلى: (وأبيهِ). وثانيًا: أنَّها لم تخرجْ مخرجَ القَسَمِ، بلْ هيَ منَ الكلامِ الذي يجري على الألسنةِ [من غير قصد معناها] (٦) مثلَ: تربتْ يداهُ. وقولُنا: منْ غيرِ تأويلٍ، إشارةً إلى تأويلِ القائلِ بالكراهةِ فإنهُ تأوَّلَ قولَه: "فقدْ أشركَ" بما قالَهُ الترمذيُّ: قدْ حملَ بعضهم مثلَ هذَا على التغليظِ كما حملَ بعضُهم قولَه: "الرياءُ شركٌ" علَى ذلكَ. وأجيبَ بأنَّ هذَا إنَّما [يدفعُ] (٧) القولَ بكفرِ مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ ولا يرفعُ التحريمَ، كما أن الرياءَ محرَّمٌ اتفاقًا، ولا يكفرُ مَنْ فعلَه كما قالَ ذلكَ البعضُ. واستدلَّ القائلُ بالكراهيةِ بأنَّ اللَّهَ تعالَى قدْ أقسمَ في كتابهِ المجيد بالمخلوقاتِ منَ الشمسِ (٨) والقمرِ (٩) وغيرِهما (١٠). وأُجِيْبَ بأنهُ ليسَ للعبدِ الاقتداءُ بالربِّ تعالَى،

стр. 2229

فإنهُ يفعلُ ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ على أنَّها كلُّها مؤوَّلةٌ بأنَّ المرادَ وربِّ الشمسِ ونحوِهِ. ووجْهُ التحريمِ أن الحِلفَ يقتضي تعظيمَ المحلوفِ بهِ، ومنعَ النفسِ عن الفعلِ أو عزْمَها عليهِ بمجردِ عظمةِ مَنْ حلفَ بهِ، وحقيقةُ العظمةِ مختصَّةٌ باللَّهِ تعالَى، فلا يلحقُ بهِ غيرُه. ويحرمُ الحلِفُ بالبراءةِ منَ الإسلامِ، أوْ منَ الدينِ، أو بأنهُ يهوديٌّ أوْ نحوُ ذلكَ لما أخرجَهُ أبو داودَ (١)، وابنُ ماجهْ (٢)، والنسائيُّ (٣) بإسنادٍ على شرطِ مسلم منْ حديثِ بريدةَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ حلفَ فقالَ إني بريءٌ منَ الإسلامِ، فإن كانَ كاذِبًا فهو كما قالَ، وإنْ كانَ صادِقًا فلنْ يرجِعَ إلى الإسلامِ سالِمًا". والأظهرُ عدمُ وجوبِ الكفارةِ في الحلِفِ بهذهِ المحرَّماتِ، إذِ الكفارةُ مشروعةٌ فيما أذِنَ اللهُ (تعالَى) أنْ يحلفَ بهِ لا فيما نَهَى عنهُ، ولأنهُ لم يذكرِ الشارعُ كفارةً بلْ ذكرَ أنهُ يقولُ كلمةَ التوحيدِ لا غيرُ. اعتبار نية المستحلف في اليمين ٣/ ١٢٨٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ" (٤). [صحيح] - وَفي رِوَايَةٍ: "الْيَمِينُ عَلَى نِيةِ الْمُسْتَحْلِفِ" (٥)، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : يمينُكَ علَى ما يصدِّقُكَ بهِ

стр. 2230

صاحِبُكَ، وفي روايةٍ: اليمينُ على نيةِ المستحلِفِ. أخرجَهما مسلمٌ). دلَّ الحديث على أن اليمينَ تكونُ على نيةِ المحلِّفِ، ولا تنفعُ نيةُ الحالِفِ إذا نَوَى بها غيرَ ما أظهرهُ. وظاهرُه الإطلاقُ سواءً كانَ المحلِّفُ لهُ الحاكمَ أو المدَّعي للحقِّ، والمرادُ حيثُ كانَ المحلفُ له التحليفُ كما يشيرُ إليه قولُه: "على ما يصدِّقكَ بهِ صاحبُكَ"؛ فإنهُ يفيدُ أن ذلكَ حيثُ كانَ للمحلِّفِ التحليفُ وهوَ حيثُ كانَ صادِقًا فيما [ادَّعاهُ] (١) على الحالِفِ، وأما لو كانَ غيرَ ذلكَ كانتِ النيةُ نيةَ الحالِفِ. واعتبرتِ الشافعيةُ أنْ يكونَ المحلِّفُ الحاكمَ وإلا كانتِ النيةُ نيةَ الحالِفِ. قالَ النوويُّ (٢): وأما إذا حلفَ بغيرِ استحلافٍ، وورَّى فتنفعُه ولا يحنثُ، سواءٌ حلفَ ابتداءً منْ غيرِ تحليفٍ أوْ حلَّفه غيرُ القاضي، أو غيرُ نائبهِ، ولا اعتبارَ في ذلكَ نية المحلِّفِ [بكسرِ اللام غيرُ القاضي] (٣). والحاصلُ أن اليمينَ علَى نيةِ الحالِفِ في جميعِ الأحوالِ إلَّا إذا استحلفَهُ القاضي أو نائبُه في دعْوى [توجَّهتْ] (٤) عليهِ، فتكونُ [اليمينُ على] (٥) نيةِ المستحلِفِ، وهوَ مرادُ الحديثِ. أما إذا حلفَ بغيرِ استحلافِ القاضي أو نائبِه في دعْوى توجَّهتْ عليهِ فتكونُ اليمينُ على نيةِ الحالفِ، وسواءٌ في هذا كلِّهِ اليمينُ باللهِ تعالَى، أوْ بالطلاقِ والعتاقِ، إلا أنهُ إذا حلَّفهُ القاضي بالطلاقِ والعتاقِ فتنفعُه التوريةُ، ويكونُ الاعتبارُ بنيةِ الحالِفِ لأنَّ القاضي ليسَ لهُ التحليفُ بالطلاقِ والعتاقِ، وإنما يستحلفُ باللهِ اهـ. قلتُ: ولا أدري مِنْ أينَ جاءَ تقييدُ الحديثِ بالقاضي أو نائبه، بلْ ظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا استحلفَه مَنْ لهُ الحقُّ فالنيةُ نيةُ المستحلِفِ [مُطْلقًا] (٦). من حلف فرأى الحِنث خيرًا كفَّر عن يمينه ٤/ ١٢٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 2231

"وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّر عَنْ يَمِينِكَ، وَائتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ (٢): "فَائتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (٣): "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُم ائتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ". وإسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ. [صحيح] (وعنْ عبدِ الرحمنِ بن سمرةَ) (٤) بن حبيبٍ بن عبدِ شمسٍ العَبْشميِّ أبو سعيدٍ، [كنيته] (٥)، صحابيٌّ منْ مسلمةِ الفتحِ، افتتحَ سجستانَ، ثمَّ سكنَ البصرةَ وماتَ بها سنةَ خمسينَ أو بعدَها. (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا حلفتَ على يمينِ) أي على محلوفٍ منهُ سمَّاهُ يمينًا مجازًا، (ورأيتَ غيرَها خيرًا منها فكفِّر عنْ يمينِكَ، وأتِ الذي هوَ خيرٌ. متفقٌ عليهِ. وفي لفظِ للبخاريِّ: فأتِ الذي هوَ خيرٌ، وكفِّر عنْ يمينِكَ. وفي روايةِ لأبي داودَ)، [عنْ عبدِ الرحمنِ أيضًا] (٦): (فكفِّر عنْ يمينِكَ، ثمَّ ائْتِ الذي هوَ خيرٌ. وإسنادُهما) بالتثنيةِ أي: لفظُ البخاريِّ، وروايةُ أبي داودَ. والأَوْلَى إفرادُ الضميرِ ليعودَ إلى روايةِ أبي داودَ فقطْ لما عُلِمَ منْ عُرْفِهِمْ إنَّ ما في الصحيحينِ صحيحٌ لا يحتاجُ إلى أنْ يقالَ إسنادُه (صحيحٌ). الحديثُ دليلٌ على أن مَنْ حلفَ على شيءٍ وكانَ تركُهُ خيرًا منَ التمادي على اليمينِ وجبَ عليهِ التكفيرُ، وإتيانُ [الذي] (٧) هوَ خيرٌ كما يفيدُه الأمرُ، ولكنَّه صرَّحَ الجماهيرُ [بأن ذلك

стр. 2232

مستحب لا واجب] (١). وظاهرُ وجوبِ تقديمِ الكفارةِ، ولكنَّهُ ادَّعَى الإجماعَ على عدمِ وجوب تقديمِها، وعلى جوازِ تأخيرها إلى بعدَ الحنثِ [لا يصحُّ تقديمُها قبلَ اليمينِ. وَدلتْ روايةُ: "ثمَّ ائْتِ الذي هوَ خيرٌ" على أنهُ يقدمُ الكفارةَ] (٢) [قبل الحنث] (٣) [للاقتضاء] (٤)، (ثمَّ) الترتيبَ، وروايةُ الواوِ تُحْمَلُ علَى روايةِ (ثمَّ) حملًا للْمطلَقِ على المقيَّدِ، فإنْ تمَّ الإجماعُ [على جوازِ تأخيرِها] (٥)، وإلا فالحديثُ دالٌ على وجوبِ تقديمِها. وممنْ ذهبَ إلى جوازِ تقديمِها على الحنْثِ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما، وأربعةَ عشر [صحابيًا] (٦)، وجماعةٌ منَ التابعينَ، وهوَ قولُ جماهيرِ العلماء (٧). لكنْ قالُوا: يستحبُّ تأخيرُها عن الحنثِ، وظاهرُه أن هذا جارٍ في جميعِ أنواعِ [الكفارات] (٨). وذهبَ الشافعيُّ إلى عدمِ إجزاءِ تقديمِ التكفيرِ بالصومِ وقالَ: لا يجوزُ قبلَ الحنثِ لأنَّها عبادةٌ بدنيةٌ، لا يجوزُ تقديمُها على وقْتِها كالصلاةِ وصومِ رمضانَ، وأما التكفيرُ بغيرِ الصوم فجائزٌ تقديمُه كما يجوزُ تعجيلُ الزكاةِ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا يجوزُ تقديمُ التكفيرِ على الحنثِ على كلِّ حالٍ. قالتَ الهادويةُ: لأنَّ سببَ وجوبِ الكفارةِ هوَ مجموعُ الحنثِ واليمينِ، فلا يصحُّ التقديمُ قبلَ تمامِ سببِ الوجوبُ، وعندَ الحنفيةِ السببُ الحِنْثُ (٩).

стр. 2233

ولا يخْفَى أن الحديثَ [دلَّ] (١) على خلافِ ما علَّلُوا بهِ، وذهبُوا إليهِ. فالقولُ الأولُ أقربُ إلى العملِ بهِ. الاستثناء في اليمين ٥/ ١٢٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢) ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَالأَرْبَعَةُ (٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ (٢) ﵄ أَن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: منْ حلفَ على يمينٍ فقالَ: إنْ شاءَ الله فلا حنثَ عليهِ. رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحَّحَة ابن حبَّانَ).

стр. 2234

قالَ الترمذيُّ (١): لا نعلمُ أحدًا رفعَه غيرَ أيوبَ السختيانيِّ، قالَ ابنُ عليةَ: كانَ أيوبُ يرفعهُ تارةً وتارةً لا يرفعُه. قالَ البيهقيُّ: لا يصحُّ رفْعُه إلا عنْ أيوبَ معَ أنهُ شكَّ فيهِ. قلتُ: كأنهُ يريدُ أنهُ رفعهُ تارةً ووقفَهُ أُخْرى، ولا يخْفَى أن أيوبَ ثقةٌ حافظٌ لا يضرُّ تفردُه برفعِه، وكونُهُ وقفَه تارةً لا يقدحُ فيهِ، لأنَّ رفعَهُ زيادةُ عدلٍ مقبولةٌ، وقدْ رفعهُ عبدُ اللهِ العمريُّ، وموسى بنُ عقبةَ، وكثيرُ بنُ فرقدٍ، [وأيوبُ بنُ موسَى] (٢)، وحسانُ بنُ عطيةَ كلُّهم عنْ نافعٍ مرفوعًا، [فقويَ] (٣) رفْعُه على أنهُ وإنْ كانَ موقُوفًا فلهُ حكمُ الرفعِ؛ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ. وإلى ما أفادَه الحديثُ ذهبَ الجماهيرُ، وقالَ ابنُ العربي (٤): أجمعَ المسلمونَ بأنَّ قولَه: إنْ شاءَ اللهُ، يمنعُ انعقادَ اليمينِ بشرطِ كونِه متصلًا. قالَ: ولو جازَ منفصِلًا كما [قالَ] (٥) بعضُ السلفِ لم يحنثْ أحدٌ في يمينٍ ولم يحتجْ إلى [الكفارةِ] (٦). واختلفُوا في زمنِ الاتصالِ. فقالَ الجمهورُ: هوَ أنْ يقولَ إنْ شاءَ اللهُ متصلًا باليمينِ من غيرِ سكوتٍ بينَهما [ولا يضرُّه التنفسُ] (٧). قلتُ: وهذَا هوَ الذي تدلُّ لهُ الفاءُ في قولِه: "فقالَ". وعنْ طاوسٍ والحسنِ وجماعةٍ منَ التابعينَ أن لهُ الاستثناءَ ما لم يقمْ منْ مجلسِه، [وقال عطاءٌ] (٨): قدْرَ حلبةِ الناقةِ. وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: بعدَ أربعةَ أشهرٍ، وقالَ ابنُ عباسٍ لهُ الاستثناءُ أبدًا حتى يذكرهُ. قلتُ: وهذهِ تقاديرُ خاليةٌ عن الدليلِ. وقدْ تأوَّلَ بعضُهم هذهِ الأقاويلَ بأنَّ مرادَهم أنهُ يستحبُّ لهُ أنْ يقولَ إنْ شاءَ اللهُ تبرّكًا أو وجوبًا كما ذهبَ إليهِ بعضُهم

стр. 2235

لقولِه تعالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (١)، فيكونُ الاستثناءُ رافِعًا للإثمِ الحاصلِ بتركهِ، أو لتحصيلِ ثوابِ الندبِ على القولِ باستحبابِه، ولم يريدُوا بهِ حلَّ اليمينِ ومنعَ الحِنْثِ. واختلفُوا: هلِ الاستثناءُ مانعٌ للحنثِ في الحلفِ باللَّهِ وغيرِه منَ الظهارِ والنذرِ والإقرارِ؟ فقالَ مالكٌ: لا ينفعُ إلا في الحلفِ باللَّهِ دونَ غيرِه واستقواهُ ابنُ العربي، واستدلَّ بأنهُ تعالَى قالَ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٢)، قال: الاستثناء أخو الكفارة، فلا يدخلُ في ذلكَ إلا اليمينُ الشرعيةُ، وهيَ الحلفُ باللَّهِ. وذهبَ أحمدُ إلى أنهُ لا يدخلُ العتقُ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ معاذٍ مرفُوعًا: "إذا قالَ لامرأتِه أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ لم تطلُقْ، وإذا قالَ لعبدِه أنتَ حرٌّ إنْ شاءَ اللهُ، فإنهُ حرٌّ". إلا أنهُ قالَ البيهقيُّ: [تفرَّدَ] (٤) بهِ حميدُ بنُ مالكٍ وهوَ مجهولٌ (٥)، واختُلِفَ عليهِ في إسنادِهِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن الاستثناءَ بقولِه إنْ شاءَ اللهُ يعتبر فيهِ أنْ يكونَ المحلوفُ عليهِ فيما يشاؤه اللهُ أوْ لا يشاؤُه، فإنْ كانَ مما يشاؤُه اللهُ بأنْ كانَ واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا في المجلسِ، أو حالَ التكلُّمِ، لأنَّ مشيئةَ اللهِ حاصلةٌ في الحالِ، فلا تبطلُ اليمينُ بل [تنعَقدُ] (٦) بهِ، وإنْ كانَ لا يشاؤُه بأنْ يكونَ محظورًا أوْ مكْروهًا فلا تنعقدُ اليمينُ، فجعلُوا حكمَ الاستثناءِ بالمشيئةِ حكمَ التقييدِ بالشرطِ، فيقعُ المعلَّق عندَ وقوعِ المعلَّقِ بهِ وينتفي بانتفائِه، وكذا قولُه: إلا أنْ يشاءَ اللهُ، حكْمُه حكمُ إنْ شاءَ اللهُ. ولا يخْفَى أن الحديثَ لا تطابقُه هذهِ الأقوالُ. وفي قولِه: فقالَ "إنْ شاءَ اللهُ" دليلٌ على أنهُ لا يكفي في الاستثناءِ النيةُ، وهوَ قولُ كافةِ العلماءِ، وحُكِيَ عنْ بعضِ المالكيةِ صحةُ الاستثناءِ بالنيةِ منْ غيرِ لفظٍ. وإلى هذا أشارَ البخاريُّ وبوَّبَ عليهِ: بابُ النيةِ في الأَيْمانِ (٧)، (يعني بفتحِ الهمزةِ). ومذهبُ الهادويةِ صحةُ الاستثناءِ بالنيةِ وإنْ لم يلفظْ بالعمومِ إلا منْ عددٍ منصوصٍ، فلا بدَّ منَ الاستثناءِ باللفظِ.

стр. 2236

كيف كانت يمين النبي ﷺ -؟ ٦/ ١٢٨٥ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبيِّ ﷺ : "لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: كانتْ يمينُ رسولِ الله ﷺ لا ومقلِّبَ القلوبِ. رواهُ البخاريُّ). المرادُ أن هذا اللفظَ الذي كانَ يواظبُ عليهِ ﷺ في القسمِ. وقدْ ذكرَ البخاريُّ الألفاظَ التي كانَ ﷺ يقسمُ بها: "لا ومقلِّبَ القلوبِ"، وفي روايةٍ: (لا ومصرِّفِ القلوب (٢)، والذي نفسي بيدِه (٣) - والذي نفسُ محمدٍ بيدِه (٤) - واللَّهِ (٥) - وربِّ الكعبةِ) (٦). ولابنِ أبي شيبةَ (٧): (كانَ إذا اجتهدَ في اليمينِ قالَ: لا والذي نفسُ أبي القاسمِ بيدِه). ولابنِ ماجهْ (٨): (كان يمينُ رسولِ اللهِ ﷺ التي يحلفُ بها: أشهدُ عندَ اللهِ، والذي نفسي بيدهِ). والمرادُ بتقليبِ القلوبِ تقليبُ أعراضِها وأحوالِها، [لا تقليبُ] (٩) [ذات القلبِ] (١٠).

стр. 2237

قالَ الراغبُ (١): "تقليبُ اللهِ القلوبَ والبصائرَ صرفُها عنْ رأيٍ إلى رأيٍ. والتَّقَلُّبُ التصرفُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ (٢) قالَ ابنُ العربيِّ (٣): القلبُ جزءٌ منَ البدنِ [خلقَهُ] (٤) اللهُ وجعله للإنسانِ محلَّ العلمِ والكلامِ وغيرِ ذلكَ منَ الصفاتِ الباطنةِ، وجعلَ ظاهرَ البدنِ محلَّ التصرفاتِ الفعليةِ والقوليةِ، ووكَّلَ بهِ ملَكًا يأمرُ بالخيرِ، وشيطانًا يأمرُ بالشرِّ. والعقلُ بنوره يهديهِ، والهوَى بظلمتِه يُغْوِيهِ، والقضاءُ مسيطرٌ على الكلِّ. والقلبُ يتقلَّبُ بينَ الخواطرِ الحسنةِ والسيئةِ، [واللمَّةُ منَ الملكِ تارةً ومنَ الشيطانِ أُخْرى، والمحفوظُ] (٥) [مَنْ حفظَهُ اللهُ] (٦) اهـ. قلتُ: وقولُه: والكلام بناءً منهُ على إثباتِ الكلام النفسيِّ، وأنَّ محلَّه القلبُ. وقولُه ﷺ : (لا) ردٌّ ونفيٌ للسابقِ منَ الكلامِ. والحديثُ دليل على جوازِ الإقسام بصفةٍ منْ صفاتِ اللهِ، وإنْ لم تكنْ منْ صفاتِ الذاتِ. وإلى هذا ذهبتِ الهادوية حيثُ قالُوا: الحلفُ باللَّهِ أو بصفةٍ لذاتِه، أو لفعلِه لا يكونُ على ضدِّها، ويريدونَ بصفةِ الذاتِ كالعلمِ والقدرةِ، ولكنَّهم قالُوا: لا بدَّ منْ إضافَتِها إلى اللهِ تعالَى، كعلمِ اللهِ، ويريدونَ بصفةِ الفعلِ العهدَ والأمانة إذا أُضِيْفَتْ إلى اللهِ (تعالَى) إلَّا أنهُ قدْ وردَ حديثٌ في النهي عن الحلفِ بالأمانةِ أخرجَهُ أبو داودَ (٧) منْ حديثِ بريدةَ بلفظِ: "منْ حلفَ بالأمانةِ فليسَ منَّا"؛ وذلكَ لأنَّ الأمانةَ ليستْ منْ صفاتِه تعالَى بلْ من فروضهِ على العبادِ، وقولُهم: لا يكونُ على ضدِّها احترازٌ عن الغضبِ والرِّضَا والمشيئةِ فلا [تنعقدُ] (٨) بها اليمينُ. وذهبَ ابنُ حزم (٩) - وهوَ ظاهرُ كلامِ المالكيةِ والحنفيةِ - أن جميعَ الأسماءِ الواردةِ في القرآنِ والسنةِ

стр. 2238

الصحيحةِ، وكذَا الصفاتُ صريحٌ في اليمينِ ويجبُ [به] (١) الكفارةُ، وفصَّلتِ الشافعيةُ في المشهورِ عنْهم والحنابلةُ فقالُوا: إنْ [كانَ] (٢) اللَّفظُ يختصُّ باللَّهِ تعالَى كالرحمنِ، وربِّ العالمينَ، وخالقِ الخلقِ، فهوَ صريحٌ تنعقد بهِ اليمينُ، سواءٌ قصدَ اللَّهَ تعالى أو أطْلَقَ، وإنْ كانَ يطلقُ عليهِ تعالَى وعلى غيرِه [لكنْ يقيَّدُ] (٣) كالربِّ والخالقِ فتنعقدُ بهِ اليمينُ إلَّا أنْ يقصدَ بهِ غيرَه تعالَى، وإنْ كانَ يطلقُ عليهِ تعالَى وعلى غيرِه على السواءِ نحوَ الحيِّ والموجودِ، فإنْ نوَى غيرَ اللهِ تعالَى أو أطلقَ فليسَ بيمينٍ، وإنْ نَوى بهِ اللَّهَ تعالَى انعقدَ على الصحيحِ. ما يُحلف عليه ٧/ ١٢٨٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ". وَفِيهِ: قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: "الَّتي يَقْتَطِعُ بها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ"، أَخْرَجَهُ البخاري (٤). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللهِ بن عمرٍو) أي ابن العاصِ (قالَ: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما الكبائرُ؟ فذكرَ الحديثَ. وفيهِ: اليمين الغموسُ)، وهيَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وضمِّ الميمِ آخرَه مهملةٌ (وفيهِ قلتُ:) ظاهرُه أن السائلَ ابنُ عمرٍو راوي الحديثِ، والمجيبَ هوَ النبيُّ ﷺ ، ويحتملُ أنْ يكونَ السائلُ غيرَ عبدِ اللهِ لعبدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ المجيبُ، والأولُ أظهرُ (٥). (وما اليمين الغموسُ؟ قالَ: [التي يَقْتَطِعُ] (٦) بها مالَ امريءٍ مسلمٍ هوَ فيها كاذبٌ. أخرجَه البخاريُّ). اعلمْ أن اليمينَ إما أنْ تكونَ بعقدِ قلبٍ وقصدٍ أوْ لا، بلْ تجري على

стр. 2239

اللسانِ بغيرِ عقدِ قلبٍ إنَّما يقع بحسبِ ما تعوَّدهُ المتكلمُ، سواءً كانتْ بإثباتٍ أوْ نفي نحوَ: واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ، ولَا واللَّهِ، فهذهِ هي اللغوُ الذي قالَ اللهُ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) كما يأتي دليلُه، وإنْ كانتْ عنْ عقدِ قلبٍ فينظرُ إلى حالِ المحلوفِ عليهِ، فينقسمُ بحسبِه إلى أقسامٍ خمسةٍ: إمَّا أنْ يكونَ معلومَ الصدقِ، أوْ معلومَ الكذبِ، أوْ مظنونَ الصدقِ، أو مظنونَ الكذبِ، أو مشكوكًا فيهِ: فالأولُ: يمينٌ برَّةٌ صادِقةٌ وهيَ التي وقعتْ في كلامِ اللهِ تعالَى نحوَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (٢)، ووقعتْ في كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ . قالَ ابنُ القيِّمِ (٣): إنهُ ﷺ حلفَ في أكثرَ منْ ثمانينَ موضِعًا، وهذهِ هيَ المرادةُ في حديثِ: "إنَّ اللَّهَ تعالَى يحبُّ أنْ يُحْلَفَ بهِ" (٤)، وذلكَ لما يتضمنُ منْ تعظيمِ اللهِ تعالَى. والثاني: وهوَ معلومُ الكذبِ اليمينُ الغموسُ، ويُقَالُ لها الزورُ والفاجرةُ، وسُمِّيَتْ في الأحاديثِ: يمينَ صبرٍ ويمينًا مصبورةً، قالَ في "النهايةِ" (٥): سمِّيتْ غموسًا لأنَّها تغمسُ صاحبَها في النارِ، فعلَى هذا هيَ فعولٌ بمعنَى فاعلٍ. وقدْ فسَّرها في الحديثِ بالتي يُقْتَطَعُ بها مالُ المرءِ المسلم، فظاهرُه أنَّها لا تكونُ غموسًا إلا إذا اقتُطِعَ بها مالُ امرئٍ مسلمٍ، [لا أن] (٦) كلَّ محلوفٍ عليهِ كَذِبًا يكونُ غموسًا، ولكنَّها تُسَمَّى فاجرةُ. الثالثُ: ما ظُنَّ صدقُه وهوَ قسمانِ: الأولُ: ما انكشفَ فيهِ الإصابةُ، فهذَا ألحقَهُ البعضُ بما عُلِمَ؛ إذْ [بالانكشافِ] (٧) صارَ مثلَه. والثاني: ما ظُنَّ صدقُه وانكشفَ خلافُه، وقدْ قيلَ: لا يجوزُ الحلفُ في هذينِ القسمينِ، لأنَّ وضعَ الحلفِ لقطعِ الاحتمالِ، فكأنَّ الحالِفَ يقولُ: أنا أعلمُ مضمونَ الخبرِ، وهذا كذبٌ فإنهُ إنما حلفَ على ظنِّه.

стр. 2240

الرابعُ: ما ظُنَّ كذبُه والحلفُ عليهِ محرَّمٌ. الخامسُ: ما شُكَّ في صِدْقِه وكذبِه وهوَ أيضًا محرَّمٌ. فتلخَّصَ أنهُ يحرمُ ما عدَا المعلومَ صدقُه. وقولُه: ما الكبائرُ؟ فيهِ دليلٌ على أنهُ قدْ كانَ معلومًا عندَ السائلِ أنّ في المعاصي كبائرُ وغيرُها. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ إمامُ الحرمينِ وجماعةٌ منْ أئمةِ العلمِ إلى أن المعاصي كلَّها كبائرُ. وذهبَ الجماهيرُ إلى أنَّها تنقسمُ إلى كبائرَ وصغائرَ، واستدلُّوا بقولِه تعالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (١)، وقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ (٢). قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ على [تسميةِ] شيءٍ منَ المعاصي صغائرَ، وهوَ محلُّ النزاعِ. وقيلَ: لا خلافَ في المعنَى، إنَّما الخلافُ لفظي لاتفاقَ الكلِّ علَى أن منَ المعاصي ما يقدحُ في العدالةِ، ومنْها ما لا يقدحُ فيها. قلت: وفيهِ أيضًا تأمُّلٌ. وقولُه: (فذكرَ الحديثَ) ذكرَ فيهِ الإشراكَ باللَّهِ، وعقوقَ الوالدينِ، وقتلَ النفسِ، واليمينَ الغموسِ. الكبر والصغر في الذنوب أمر نسبي وقدْ تعرَّضَ الشارحُ (٣) ﵀ إلى ما قالَهُ العلماءُ في تحديدِ [الكبيرةِ] (٤)، وأطالَ نَقْلَ أقاويلِهم في ذلكَ، وهيَ أقوال مدخولةٌ. الحق أن الكِبَرَ والصِّغَرَ أمرٌ نِسْبي فلا يتمُّ الجزمُ بأنَّ هذا صغيرٌ وهذا كبيرٌ إلا بالرجوعِ إلى ما نصَّ الشارعُ على كِبَرِه، فما نصَّ على كبره فهوَ كبيرةٌ، وما عداهُ باقي على الإبهامِ والاحتمالِ. عدّ الكبائر عن العلائي وقدْ عدَّ العلائيُّ في قواعده [الكبائرَ] المنصوصَ عليها بعدَ تَتَبُّعِها منَ النصوصِ فأبلغَها خمسًا وعشرين، وهي الشركُ باللَّهِ، والقتلُ، والزِّنَى، (وأفحشُه بحليلةِ الجارِ)، والفرارُ منَ الزحفِ، وأكْلُ الربا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المحصناتِ، والسحرُ، والاستطالةُ في عِرْض المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وشهادةُ الزورِ،

стр. 2241

واليمينُ الغموسُ، والنميمةُ، والسرقةُ، وشربُ الخمرِ، واستحلالُ بيتِ اللَّهِ الحرامِ، ونكثُ الصفقةِ، وتركُ السنةِ، والتعرُّبُ بعدَ الهجرةِ، واليأسُ منْ رَوْحِ اللهِ، والأمنُ منْ مكْرِ اللَّهِ، ومنعُ ابن السبيلِ منْ فضلِ الماءِ، وعدمُ التنزهِ منَ البولِ، وعقوقُ الوالدينِ والتسببُ إلى شتْمِهِمَا، والإضرارُ في الوصيةِ. وتعقبَ بأنَّ السرقةَ لم يردِ النصَّ بأنَّها كبيرةٌ، وإنَّما في الصحيحينِ (١): "لا يسرقُ السارقُ حينَ يسرقُ وهوَ مؤمنٌ"، وفي روايةِ النسائيِّ (٢): "فإنْ فعلَ ذلكَ فقدْ خلعَ ربْقةَ الإسلامِ منْ عُنُقِهِ. فإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عليهِ". وقدْ جاءَ في أحاديثَ صحيحةٍ النصُّ على الغلولِ (٣)، وهوَ إخفاءُ بعضِ الغنيمةِ بأنهُ كبيرةٌ. وجاءَ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ لغيرِ عذرٍ (٤)، ومنعُ الفحْلِ، ولكنَّه حديثٌ ضعيفٌ (٥). وجاءَ

стр. 2242

في الأحاديثِ ذكرُ الكبائرِ كحديثِ أبي هريرةَ: "إنَّ منْ أكبرِ الكبائرِ استطالةُ المرءِ المسلم في عرضِ رجلٍ مسلمٍ"، أخرجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ (١)، ونحوُهُ منَ الأحاديثِ، ولا مانعَ منْ أنْ يكونَ في الذنوبِ الكبيرُ والأكبرُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا كفارةَ في الغموسِ. وقدْ نقلَ ابنُ المنذرِ وابنُ عبدِ البرِّ اتفاقَ العلماءِ على ذلكَ. وقدْ أخرجَ ابنُ الجوزي في التحقيق (٢) عنْ أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "ليسَ فيها كفارةُ يمينٍ صبرٍ يقتطعُ بها مالًا بغيرِ حقٍّ"، وفيهِ راوٍ مجهولٌ. وقدْ رَوَى آدمُ بنُ أبي إياسٍ، وإسماعيلُ القاضي (٣)، عن ابن مسعودٍ موقوفًا: "كنَّا نعدُّ الذنبَ الذي لا كفارةَ لهُ، اليمينُ الغموسُ أنْ يحلفَ الرجلُ على مالِ أخيهِ كاذِبًا ليقتطِعَهُ". قالُوا: ولا مخالفَ لهُ منَ الصحابةِ، لكنه تكلَّمَ ابنُ حزمٍ في صحةِ أثرِ ابن مسعودٍ (٤). وإلى عدمِ الكفارةِ ذهبتِ الهادويةُ. وذهبَ الشافعي وآخرونَ إلى وجوبِ الكفارةِ فيها، وهوَ الذي اختارَهُ ابنُ حزمٍ في "شرحِ المحلَّى" (٥) لعمومِ قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ (٦) الآية. واليمينُ الغموسُ معقودةٌ قالُوا: والحديثُ لا تقومُ بهِ حجةٌ حتَّى تخصصَ الآيةُ، والقولُ بأنهُ لا يكفِّرُها إلا التوبةُ، فالكفارةُ تنفعهُ في رفْعِ إثم اليمينِ، ويبقَى في ذمتهِ ما اقتطَعه بها منْ مالِ أخيهِ، فإنْ تحلَّلَ منهُ وتابَ محا اللهُ تعالَى عنهُ الإثمَ. اللغو من الأيمان ما لا يكون عن قصد الحلف ٨/ ١٢٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٧)

стр. 2243

قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي (١) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا (٢) [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ في قولِه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [قالتْ] (٣): هوَ قولُ الرجلِ: لا واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ. أخرجَه البخاريّ) موقوفًا على عائشةَ، (ورواهُ أبو داودَ مرفوعًا). فيهِ دليلٌ على أن اللَّغوَ منَ الأيمانِ ما لا يكونُ عنْ قصدِ الحلفِ، وإنَّما جَرى على اللسانِ منْ غيرِ إرادةِ الحلفِ. وإلى تفسيرِ اللغوِ بهذا ذهبَ الشافعي، ونقلَه ابنُ المنذرِ عن ابن عمرَ وابنِ عباسٍ وغيرِهما منَ الصحابةِ وجماعةٍ منَ التابعينَ (٤). وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ (٥) إلى أن لغوَ اليمينِ أنْ يحلفَ على الشيءِ يظنُّ صدقَه فينكشفُ خلافُه، وذهبَ طاوسُ إلى أنَّها الحلفُ وهوَ غضبانُ، وفي ذلكَ تفاسيرُ أُخَرُ لا يقومُ عليها دليلٌ. وتفسيرُ عائشةَ أقربُ لأنَّها شاهدتِ التنزيلَ وهيَ عارفةٌ بلغةِ العربِ. وعنْ عطاءٍ والشعبيِّ وطاوسِ والحسنِ وأبي قلابةَ: لا واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ لغةٌ منْ لغاتِ العربِ، لا يرادُ بها اليمينُ وهيَ منْ صلةِ الكلامِ، ولأنَّ اللغوَ في اللغةِ ما كانَ باطلًا، وما لا يعتدُّ بهِ منَ القولِ، ففي "القاموسِ" (٦): اللغوُ واللغى [كالفَتى] (٧) السَقَطُ وما لا يُعْتَدُّ بهِ منْ كلامٍ وغيرِهِ. الخلاف في أسماء الله تعالى ٩/ ١٢٨٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتَسْعِينَ

стр. 2244

اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَسَاقَ الترْمِذِيُّ (٢) وَابْنُ حِبَّانَ (٣) الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. [صحيح بدون سياق الأسماء] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إن للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا مَنْ أحصَاها)، وفي لفظٍ: منْ حفظَها (دخلَ الجنةَ. متفقٌ عليهِ. وساقَ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ الأسماءَ. والتحقيقُ أن سردَها إدراجٌ منْ بعضِ الرواةِ). اتفقَ الحفاظُ منْ أئمةِ الحديثِ أن سردَها إدراجٌ (٤) منْ بعضِ الرواةِ. وظاهرُ الحديثِ أن أسماءَ اللَّهِ

стр. 2245

الحسنَى منحصرةٌ في هذا العددِ، بناءً على القولِ بمفهومِ العددِ (١). ويحتملُ أنهُ حصرٌ لها باعتبارِ ما ذكرَ بعدَه منْ قولِه: مَنْ أحصَاها دخلَ الجنةَ وهوَ خبرُ المبتدأ. فالمرادُ أن هذهِ التسعةَ والتسعينَ تختصُّ بفضيلةٍ منْ بين سائرِ [أسمائِه] (٢) تعالَى، وهوَ أن إحصاءَها سببٌ لدخولِ الجنةِ. وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. وقالَ النوويُّ (٣): ليسَ في الحديثِ حصرُ أسماءِ اللَّهِ تعالَى، وليسَ معناهُ أنهُ ليسَ لهُ اسمٌ [غيرَ التسعةِ والتسعينَ]، (٤)، ويدلُّ عليهِ ما أخرجَه أحمدُ (٥)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٦) منْ حديثِ ابن مسعودٍ مرفوعًا: "أسألكَ بكلِّ اسم هوَ لكَ، سمَّيْتَ بهِ نفسَكَ، أوْ أنزلْتَهُ في كتابكَ، أو علَّمْتَهُ أحدًا منْ خَلْقِكَ، أوِ استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندكَ"؛ فإنهُ [دلَّ] (٧) على أن لهُ تعالَى أسماءً لم يعرفْها أحد منْ خلْقِهِ بلِ استأثرَ بها. ودلَّ على أنهُ قدْ يعلمُ بعضُ عبادِه بعضَ أسمائِه، ولكنَّه يحتملُ أنَّها منَ التسعةِ والتسعينَ. وقدْ جزَم بالحصرِ فيما ذكرَ أبو محمدٍ بنُ حزمٍ (٨) فقالَ: قدْ

стр. 2246

صحَّ أن أسماءَهُ تعالَى لا تزيدُ على تسعةٍ وتسعين [اسمًا] (١) لقولِه ﷺ : "مائةٌ إلا واحدًا" فنفى الزيادةَ وأبْطَلَها، ثمَّ قالَ: وجاءتْ أحاديثُ في إحصاءِ التسعةِ والتسعينَ اسمًا مضْطَّرِبةً لا يصحُّ منها شيءٌ أصلًا، وإنَّما يؤخذ منْ نصِّ القرآنِ، وما صحَّ عن النبيِّ ﷺ ، ثمَّ سردَ أربعةً وثمانينَ اسمًا استخرجَها منَ القرآنِ والسنةِ، وقالَ الشارحُ تبعًا لكلامِ المصنفِ في "التلخيص" (٢): إنهُ ذكرَ ابنُ حزمٍ أحدًا وثمانينَ اسمًا، والذي رأيناهُ في كلامِ ابن حزمٍ أربعةٌ وثمانونَ. وقدْ نقلت كلامَه. وتعيينُ الأسماءِ الحسنَى على ما ذكرهُ في هامشِ "التلخيصِ". واستخرجَ المصنفُ منَ القرآنِ فقطْ تسعةً وتسعينَ اسمًا وسردَها في التلخيصِ (٣) وغيرِه، وذكرَ السيدُ محمدُ إبراهيمَ الوزيرِ في "إيثارِ الحقِ" (٤) أنهُ تَتَبَّعَها منَ القرآنِ فبلغتْ مائةً وثلاثة وسبعينَ اسمًا وإنْ قالَ صاحبُ الإيثارِ: مائةٌ وسبعةٌ وخمسينَ فإنا عددْناها فوجدْناها كما قلناه أوَّلًا، وعرفتَ منْ كلام المصنفِ أن مرادَه أن سردَ الأسماءِ الحسنَى المعروفةِ مدرجٌ عندَ المحققينَ، وأنهُ ليسَ منْ كلامِه ﷺ . وذهبَ كثيرونَ إلى أن [عدَّها] (٥) مرفوعٌ، وقالَ المصنفُ (٦) بعدَ نقلِه كلامَ العلماءِ في ذكرِ عدِّ الأسماءِ: والاختلافُ فيها ما لفظُه، وروايةُ الوليدِ بن مسلمٍ عنْ شعيبٍ هيَ أقربُ الطرقِ إلى الصحة، وعليها عوَّلَ غالبُ مَنْ شرحَ الأسماءَ الحسنَى، ثمَّ سردَها على روايةِ الترمذيِّ، وذكرَ اختلافًا في بعضِ ألفاظِها، وتبديلًا في إحدى الرواياتِ للفظ بِلفظٍ ثمَّ قالَ: واعلمْ أن الأسماءَ الحسنَى على أربعةِ أقسامٍ: القسمُ الأولُ: الاسمُ العلَمُ وهوَ اللَّهُ. الثاني: ما يدلُّ علَى الصفاتِ الثابتةِ للذاتِ كالعليمِ، والقديرِ، والسميعِ، والبصيرِ. [والثالثُ] (٧): ما يدلُّ على إضافةِ أمرٍ إليهِ كالخالقِ والرازقِ.

стр. 2247

والرابعُ: ما يدلُّ على سلبِ شيءٍ عنهُ كالعليِّ والقدُّوسِ، واختلفَ العلماءُ أيضًا هلْ هيَ توقيفيةٌ بمعنى أنهُ لا يجوزُ لأحدِ أنْ يشتقَ منَ الأفعالِ الثابتةِ للهِ تعالى اسمًا بلْ لا يطلقُ عليهِ إلا ما وردَ بهِ نصُّ الكتابِ والسنةِ، فقالَ الفخرُ الرازيُّ (١): المشهورُ عنْ أصحابِنا أنها توقيفيةٌ. وقالتِ المعتزلةُ والكرَّاميةُ: إذا دل العقلُ على أن معنَى اللفظِ ثابتٌ في حقّ اللَّهِ تعالَى جازَ إطلاقُه على اللَّهِ تعالَى. وقالَ القاضي أبو بكرٍ (٢) والغزاليُّ: الأسماءُ توقيفيةٌ دونَ الصفاتِ كما قالَ الغزاليُّ: كما أنهُ ليسَ لنا أن نسمِّيَ النبيَّ ﷺ باسمٍ لم يسمِّهِ بهِ أبوهُ ولا أمهُ، ولا سمَّى بهِ نفسَه، كذلكَ في حق اللَّهِ تعالَى. واتفقُوا علَى أنهُ لا يجوزُ أنْ يطلقَ عليهِ تعالَى اسمٌ أو صفةٌ توهِم نَقْصًا فلا يقالُ: ماهدٌ، ولا زارعٌ، ولا فالقٌ، وإنْ جاءَ في القرآنِ: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ (٣) ولا يقالُ ماكرٌ ولا بنَّاءٌ وإنْ وردَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ (٤). وقال القشيريُّ: الأسماءُ تُوخَذُ [توقيفًا] (٥) منَ الكتابِ والسنةِ والإجماعِ، فكلُّ اسمٍ وردَ فيها وجبَ إطلاقُه في وصْفِه، وما لمْ يردْ لم يجزْ ولو صحَّ معناهُ. وقدْ أوضحْنا هذا البحثَ في كتابِنا "إيقاظُ الفكرةِ" (٦).

стр. 2248

أقوال العلماء في معنى أحصاها وقولُه: "منْ أحصَاها" اختلفَ العلماءُ في الإحصاءِ، فقالَ البخاريُّ وغيرُه منَ المحققينَ: معناهُ حفظَها، وهوَ الظاهرُ فإنَّ إحدَى الروايتينِ مفسِّرةٌ للأُخْرَى، وقالَ الخطابي: يحتملُ وجوهًا: أحدَهما: أنْ يعدَّها حتَّى يستوفيَها، بمعنَى أنْ لا يقتصرَ على بعضِها، فيدعُو اللَّهَ تعالى بها كلِّها، [ويثني] (١) عليهِ بجميعِها، [فيستوجبُ] (٢) الموعودَ عليه منَ الثوابِ. وثانيها: منْ أطاقَ القيامَ بحقِّ هذهِ الأسماءِ والعملِ بمقتضَاها وهوَ أنْ يعتبرَ معانيها، فيلزِمُ نفسَه بموجبها، فإذا قالَ الرزاقُ وثقَ بالرزقِ وكذَا سائرُ الأسماءِ. وثالثُها: الإحاطةُ بمعانيها، وقيلَ: أحصَاها عملَ بها، فإذا قالَ: الحكيمُ، سلَّمَ لجميعِ أوامرهِ، لأنَّ جميعَها على الحكمةِ، وإذا قالَ: القدُوسُ، استحضرَ كونَه مقدَّسًا منزَّهًا عنْ جميعِ النقائصِ [ومنزهًا عن الظلم وعن الرضا بالقبائح وسائر المعاصي] (٣)، واختارَهُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ. وقالَ ابنُ بطالٍ: هو أن ما كانَ يسوغُ الاقتداءَ بهِ فيها كالرحيمِ والكريم فيمرِّنُ العبدُ نفسَه على أنْ يصحَّ لهُ الاتصافُ بها، وما كانَ يختص [بهِ نفسَهُ] (٤) كالجبارِ والعظيمِ، فعلَى العبدِ الإقرارُ بها، والخضوع لها، وعدمُ التحلِّي بصفةٍ منْها، وما كانَ فيهِ معنَى الوعدِ يقفُ فيهِ عندَ الطمع والرغبةِ، وما كانَ فيهِ معنَى الوعيدِ يقفُ منهُ عندَ الخشيةِ والرهبةِ، ويؤيدُ هذَا أن حِفْظَها لفظًا منْ دونِ اتصافٍ كحفظِ القرآنِ منْ دونِ عملٍ لا ينفعُ كما جاءَ: "يقرأونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم" (٥)، ولكنَّ هذا الذي ذكره لا يمنعُ منْ ثوابِ منْ قرأَها سرْدًا، وإنْ كانَ

стр. 2249

متلبسًا بمعصيةٍ، وإنْ كانَ ذلكَ مقامَ الكمالِ الذي لا [يقومُ] (١) بهِ إلا [أفرادٌ] (٢) منَ الرجالِ (٣) وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ لا تخلُو عن تكلُّفٍ تركْناها. فإنْ قلتَ: كيفَ يتمُّ أن المرادَ منْ حفظِها على ما هوَ قولُ المحققينَ ولم يأتِ بعددِها حديثٌ صحيحٌ. قلتُ: [لعلَّ] (٤) المرادَ مَنْ حفِظَ كلَّ ما وردَ في القرآنِ، وفي السنةِ الصحيحةِ، وإنْ كانَ الموجودُ فيهما أكثرَ منْ تسعةِ وتسعينَ فقدْ حفظَ التسعةَ والتسعينَ في ضمنِها، فيكونُ حثًا على تطلبِها منَ الكتابِ والسنةِ [الصحيحةِ] (٤) وحفظِها. الدعاء بخير لصانع المعروف ١٠/ ١٢٨٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقدْ أَبْلَغَ في الثنَاءِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦). [صحيحٌ] (وعنْ أسامةَ بن زيَدٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : منْ صُنِعَ إليهِ معروف فقالَ لفاعلِه: جزاكَ اللهُ خيْرًا، فقدْ أبلغَ في الثناءِ. أخرجَهُ الترمذيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ). المعروفُ الإحسانُ، والمرادُ مَنْ أحسنَ إليهِ إنسانٌ بأيِّ إحسانٍ فكافأهُ بهذا القولِ

стр. 2250

فقدْ بلغَ في الثناءِ عليهِ مبلَغًا عظيمًا، ولا يدلُّ على أنهُ قدْ كافأَه على إحسانِه، بلْ دلَّ علَى أنهُ ينبغي الثناءُ على المحسِنِ. وقدْ وردَ في حديثٍ آخرَ: "إنَّ الدعاءَ إذا عجزَ العبدُ عن المكافأةِ مكافأةٌ" (١). ولا يَخْفَى أن ذِكْرَ الحديثِ هنا غيرُ موافقٍ لبابِ الأيمانِ والنذورِ، وإنما محلُّه بابُ الأدبِ [الجامعِ] (٢). حكم النذر ١١/ ١٢٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: "إنَّهُ لَا يَأتِى بِخَيرٍ، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، مُتفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ ابن عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ أَنه نَهَي عن النذرِ وقالَ: إنهُ لا يأتي بخيرٍ، وانَّما يُسْتَخْرَجُ بهِ منَ البخيلِ. متفقٌ عليهِ) هذا أولُ الكلامِ في النذورِ. والنذرُ لغةً: التزامُ خيرٍ أو شرٍّ، وفي الشرعِ التزامُ المكلَّفِ شيئًا لم يكنْ عليهِ مُنْجَزًا أو معلَّقًا. واختلفَ العلماءُ في هذا النَّهْي، فقيلَ هوَ على ظاهرِه، وقيلَ: بلْ متأوَّلٌ، قالَ ابنُ [الأثيرِ في "النهاية" (٤)] (٥): "تكررَ النَّهيُ عن النذرِ في [الحديثِ] (٦)، وهوَ تأكيدٌ لأمرِه، وتحذيرٌ عن التهاونِ بهِ بعدَ إيجابهِ، ولوْ كانَ معناهُ الزجرَ عنهُ حتَّى لا يُفْعَلَ لكانَ في ذلكَ إبطالٌ لحكْمِه، وإسقاطٌ للزوم الوفاءِ بهِ، إذْ كانَ بالنَّهْي يصيرُ معصيةً فلا يلزمُ، وإنَّما وجْهُ الحديثِ أنهُ قدْ أَعلمَهم أن ذلكَ الأمرَ لا يجرُّ لهم في العاجلِ نَفْعًا، ولا يصرفُ عنْهم ضُرًّا ولا يردُّ قضاءً، فقالَ: لا تنذُروا على أنكم تدرونَ بالنذرِ شيئًا لم يقدِّرْهُ اللَّهُ لكم، أو [تصرفونَ به] (٧) عنكمْ [ما قُدِّرَ

стр. 2251

عليكمْ] (١)، فإذا نذرتُم [ولم تعتقدُوا هذا] (٢) فاخرجُوا عنهُ بالوفاءِ منه، فإنَّ الذي نذرتُموه لازمٌ لكمْ" اهـ. وقالَ المازريُّ بعدَ نقلِ معناهُ عنْ بعضِ أصحابِه: وهذَا عندي بعيدٌ عنْ ظاهرِ الحديثِ. قالَ: ويحتملُ عندي أنْ يكونَ وجْهُ الحديثِ أن الناذِرَ يأتي بالقربةِ مستثقلًا لها لما صارتْ عليهِ ضربةَ لازبٍ، فلا ينشطُ للفعلِ [نشاطَ] (٣) مُطْلَقِ الاختبار، أوْ لأنَّ الناذِرَ يصيِّرُ القربةَ كالعوضِ عن الذي نذرَ لأجلهِ، فلا تكونُ خالصةً. ويدلُّ له قولُه: "إنهُ لا يأتي بخيرٍ". قالَ [القاضي] عياضٌ: [إنَّ] (٤) المعنَى [أنهُ يغالبُ القدرَ] (٥)، وأن النَّهْيَ لخشيةِ أنْ يقعَ في ظنِّ بعضِ الجهلةِ ذلكَ. وقولُه: "لا يأتي بخيرٍ" معناهُ أن عقباهُ لا تُحْمَدُ. وقدْ يتعذَّر الوفاءُ بهِ، وأنهُ لا يكونُ سببًا لخيرٍ لم يقدَّرْ فيكونُ مباحًا. وذهبَ أكثرُ الشافعيةِ (٦) - ونُقِلَ عن المالكيةِ (٧) - إلى أنَّ النذرَ مكروهٌ لثبوتِ النَّهْي عنْهُ. واحتجُّوا بأنهُ ليسَ طاعةً محضةً، لأنهُ لم يقصدْ بهِ خالصَ القُربةِ، وإنَّما قصدَ أنْ ينفعَ نفسَه أوْ يدفعَ عنْها ضَرَرًا بما التزمَ. وجزمَ الحنابلةُ بالكراهةِ (٨)، وعندَهم روايةٌ أنَّها كراهةُ تحريمٍ، ونقلَ الترمذيُّ (٩) كراهتَهُ عنْ بعضِ أهلِ العلمِ منَ الصحابةِ. وقالَ ابنُ المباركِ: يُكْرَهُ النذرُ في الطاعةِ والمعصيةِ، فإنْ نذرَ [بالطاعةِ] (١٠)، ووفَّى بهِ كانَ لهُ أجرٌ. وذهبَ النوويُّ في شرحِ المهذَّبِ إلى أن النذرَ مستحَبٌّ، وقالَ المصنِّفُ (١١): وأنا أتعجَّبُ ممنْ أطلقَ لسانَهُ بأنهُ ليسَ بمكروهٍ معَ ثبوتِ النَّهْي الصريحِ، فأقلُّ درجاتهِ أنْ يكونَ مكروهًا.

стр. 2252

قالَ ابنُ العربيِّ: النذرُ شبيهٌ بالدعاءِ، فإنهُ لا يردُّ القدرَ لكنَّه منَ القدرِ، وقدْ ندبَ إلى الدعاءِ ونَهَى عن النذرِ، لأنَّ الدعاءَ عبادةٌ عاجلةٌ، ويظهرُ بهِ التوجُّهُ إلى اللهِ تعالى والخضوعُ والتضرُّعُ، والنذرُ فيهِ تأخيرُ العبادةِ إلى حينِ الحصولِ، وتركُ العملِ إلى حينِ الضرورة اهـ. قلتُ: القولُ بتحريمِ النذَرِ هوَ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ، ويزيدُه تأكيدًا تعليلُه بأنهُ لا يأتي بخيرٍ، فإنهُ يصيرُ إخراجُ المالِ فيهِ منْ بابِ إضاعةِ المالِ، وإضاعةُ المالِ محرَّمةٌ، فيحرُمُ النذرُ بالمالِ كما هوَ ظاهرُ قولِه: "وإنَّما يُستخرجُ بهِ منَ البخيلِ". وأما النذرُ بالصلاةِ والصيامِ والزكاةِ والحجِّ والعمرةِ ونحوِها منَ الطاعاتِ فلا يدخل في النَّهْي، ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (١) بسندٍ صحيح عنْ قتادةَ في قولهِ تعالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، قالَ: كانُوا ينذرونَ طاعة منَ الصلاةِ [والصيامِ] (٣)، وسائرِ ما افترضَ اللَّهُ عليهمْ، وهوَ إنْ كانَ أثرًا فهوَ يقوِّيهِ ما ذُكِرَ في سببِ نزولِ الآيةِ. هذا وأما النذورُ المعروفةُ [في] هذهِ الأزمنةِ على القبورِ، والمشاهدِ، والأمواتِ، فلا كلامَ في تحريْمِها لأنَّ الناذِرَ يعتقدُ في صاحبِ القبرِ أنهُ ينفعُ ويضر، ويجلبُ الخيرَ ويدفعُ الشرَّ، ويعافي الأليمَ، ويشفي السقيمَ، وهذا هوَ الذي كانَ يفعلُهُ عُبَّادُ الأوثانِ بعينِه، فيحرمُ كما يحرمُ النذرُ على الوثنِ، ويحرمُ قبضُه لأنهُ تقريرٌ على الشركِ، ويجبُ النهيُ عنهُ [وإبانةُ أنهُ] (٤) مِنْ أعظمِ المحرَّماتِ، وأنهُ الذي كانَ يفعلُه عُبَّادُ الأصنامِ، لكنْ طالَ الأمدُ حتى صارَ المعروفُ منكرًا، والمنكرُ معروفًا. وصارتْ تُعْقَدُ الولايات لقبَّاضِ النذورِ على الأمواتِ، ويُجعلُ للقادمينَ إلى محلِّ الميتِ الضيافاتُ، وينحرُ في بابِه النحائرُ منَ الأنعامِ، وهذا هوَ بعينِه الذي كانَ عليهِ عبَّادُ الأصنامِ، فإنا للَّهِ وإنا إليهِ راجعونَ، وقدْ أشبَعْنا الكلامَ في هذا في رسالةِ: "تطهير الاعتقاد عنْ درَنِ الإلحادِ" (٥).

стр. 2253

والحديثُ ظاهرٌ في النَّهْي عن النذرِ مطْلقًا ما ينذرُ بهِ ابتداءً، كمنْ ينذرُ أنْ يُخرجَ منْ مالِه كذَا، وما يتقرَّبُ بهِ معلَّقًا كأنْ يقولَ: إنْ قدِمَ زيدٌ تصدَّقتُ بكذَا. كفارة النذر كفَّارة يمين ١٢/ ١٢٩١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كفارَةُ يَمينٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١)، وَزَادَ الترْمِذيُّ (٢) فِيهِ: "إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ" وَصَحَّحَهُ. [صحيح] (وعنْ عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -: كفَّارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ. رواهُ مسلمٌ. وزادَ الترمذيُّ فيهِ: إذا لم يسمِّه. وصحَّحَهُ). [ولمسلم (٣) من حديث عمران: لا وفاء لنذر في معصيةٍ] (٤). الحديثُ دليلٌ على أن مَنْ نذرَ بأيِّ نذرٍ منْ مالٍ أو غيرِه فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ولا يجبُ الوفاءُ بهِ. وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ فقهاءِ أهلِ الحديثِ كما قالَ النوويُّ (٥). وقدْ أخرج البيهقيُّ (٦) عنْ عائشةَ ﵂: "في رجلٍ جعلَ مالَه في [المساكينِ] (٧) صدقة قالتْ: كفارةُ يمينٍ". وأخرجَ أيضًا (٨) عنْ صفيةَ أنَّها سمعتْ عائشةَ ﵂، وإنسانٌ يسألُها عن الذي يقولُ: كلُّ مالِه في سبيلِ اللَّهِ، أوْ كل مالِه في رتاجِ الكعبةِ، ما يكفِّرُ ذلكَ؟ قالتْ عائشةُ: "يكفِّره ما يكفِّرُ اليمينَ"، وكذا أخرجَهُ (٩) عنْ عمرَ وابنِ عمرَ وأمِّ سلمةَ، قالَ البيهقي: هذا في غيرِ العتقِ، فقدْ رُوِيَ عن ابن عمرَ منْ وجهٍ آخرَ أن العتاقَ يقعُ، وكذا عن ابن عباسٍ، ودليلُهم حديثُ عقبةَ هذَا. وذهبَ آخرونَ إلى

стр. 2254

تفصيلٍ في المنذورِ بهِ، فإنْ كانَ المنذورُ بهِ فعلًا فالفعلُ إنْ كانَ غيرَ مقدورٍ فهوَ غير منعقدٍ، وإنْ كانَ مقدورًا فإنْ كانَ جنسُه واجبًا لزمَ الوفاءُ بهِ عندَ الهادويةِ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، وجماعةٍ آخرينَ، وقولٌ للشافعي أنهُ لا ينعقدُ النذرُ المطلقُ بل يكونُ يمينًا [فيكفِّرها] (١)، ذكرَ هذا الخلافَ في "البحرِ" (٢)، وذهبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (٣) وذكرَ النوويُّ في "شرح مسلمٍ" (٤): أنهُ أجمعَ المسلمونَ على صحةِ النذرِ، ووجوبِ الوفاءِ بهِ إذا كانَ الملتزَمُ طاعةً، فإنْ كان معصيةً أو مباحًا كدخولِ السوقِ لم ينعقدِ النذرُ، ولا كفارةَ عليهِ عندَنا. وبهِ قالَ جمهورُ العلماءِ. وقالَ أحمدُ وطائفةٌ: فيهِ كفارةُ يمينٍ. وقالَ في "نهايةِ المجتهدِ" (٥): إنهُ وقعَ الاتفاقُ على لزومِ النذرِ بالمالِ إذا كانَ في سبيلِ البرِّ، وكانَ على جهةِ الجزم، وإنْ كانَ على جهةِ الشرطِ فقالَ مالكٌ: يلزمُ كالجزمِ ولا كفارةَ يمينٍ في ذلكَ، إلا أنهُ إذا نذرَ بجميعِ مالِه لزمَ ثلثُ مالِه إذا كانَ مطْلَقًا، وإنْ كانَ معيِّنا المنذورُ بهِ [لزمَهُ] (٦)، وإنْ كَانَ جميعَ مالِه، وكذَا إذا كانَ المعيَّنُ أكثرَ منَ الثلثِ. وذهبَ الشافعيُّ أنَّها تجبُ كفارةُ يمينٍ لأنهُ ألحقَها بالأيمانِ. ثمَّ ذكرَ أقاويلَ في المسألةِ لا ينهضُ عليها دليلٌ، وذكرَ متمسكَ القائلينَ بأدلةٍ ليستْ منْ بابِ النذرِ، ولا تنطبقُ على المدَّعي، وحديثُ عقبة أحسنُ ما يَعْتمِدُ الناظرُ عليهِ، وقدْ حملَه جماعةٌ منْ فقهاءِ الحديثِ على جميعِ أنواعِ النذرِ، وقالُوا: هوَ مخيَّر في جميعِ أنواعِ المنذوراتِ بينَ الوفاءِ بما التزمَ، وبيَّنَ كفارةَ يمينٍ، ذكرهُ النوويُّ في "شرح مسلمٍ" (٧)، وهوَ الذي دلَّ عليهِ إطلاقُ حديثِ عقبةَ. ١٣/ ١٢٩٢ - وَلأَبي دَاوُدَ (٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَباسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا

стр. 2255

لَمْ يُسَمَّ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا في مَعْصِيَةٍ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ"، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلَّا أن الْحفَّاظَ رَجّحُوا وَقْفَهُ. [ضعيف] (ولأبي داودَ منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵄ مرفوعًا: مَنْ نذرَ نذرًا لم يسمَّ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ، ومَنْ نذْرَ نذْرًا في معصيةِ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ، ومَنْ نذرَ نذْرًا لا يطيقُه فكفارتُه كفارةُ يمينٍ. وإسنادُه صحيحٌ لكنْ رجَّحَ الحفَّاظُ وقْفَهُ) [على ابن عباس في قوله] (١): أما النذرُ الذي لم يسمَّ كأنْ يقولُ للَّهِ عليَّ نذْرٌ. فقالَ كثيرٌ منَ العلماءِ: في ذلكَ كفارةُ يمينٍ لا غيرُ. وعليهِ دلَّ حديثُ عقبةَ (٢)، وحديثُ ابن عباسٍ. وأما النذرُ بالمعصيةِ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ كما صرَّحَ بهِ الحديثُ، سواءٌ فعلَ المعصيةَ أمْ لا، وكذلكَ مَنْ نذرَ نذْرًا لا يطيقُه عقلًا ولا شرْعًا كطلوعِ السماءِ، وحجتينِ في عامٍ فلا ينعقدُ، ويلزم كفارةُ يمينٍ. وعندَ الشافعيِّ ومالكٍ وداودَ وجماهيرِ العلماءِ لا تلزُمه الكفارةُ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه: من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ١٤/ ١٢٩٣ - وَللْبُخَاريِّ (٣) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵄: "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ". [صحيح]

стр. 2256

(وأخرجَ البخاريُّ منْ حديثِ عائشةَ: مَنْ نذرَ أنْ يعصيَ الله فلا يعصِهِ)، ولمْ يذكرْ كفارةً. وحديثُ عمرَ: "لا يمينَ عليكَ ولا نذْرَ في معصيةِ اللَّهِ"، أخرجَهُ ابنُ ماجهْ. وذهبتِ الهادويةُ وابنُ حنبلٍ إلى وجوبِ الكفارةِ لحديثِ ابن عباسٍ ﵄ وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ الأصحَّ أنهُ موقوفٌ. وأما الزيادةُ في حديثِ عمرانَ بن حصينٍ (١): "وكفارتُه كفارةُ يمينٍ"، فقدْ أخرجَها النسائيُّ والحاكمُ

стр. 2257

والبيهقيُّ، [ولكنَّ] (١) فيهِ محمدَ بنَ الزبيرِ الحنظلي وليسَ بالقويِّ. لهُ طريقٌ أُخْرى فيها علةٌ، ورواهُ الأربعةُ (٢) منْ حديثِ عائشةَ، وفيهِ راوٍ متروكٌ، ورواهُ

стр. 2258

الدارقطنيُّ (١)، وفيهِ أيضًا متروكٌ. ولا يلزمُ الوفاءُ بنذرِ المعصيةِ لقولِه: "فلا يعصِه"، ولما يفيدُه قولُه: ١٥/ ١٢٩٤ - وَلمُسْلِمٍ (٢) مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ". [صحيح] (ولمسلمٍ منْ حديثِ عمرانَ: لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةٍ)؛ فإنهُ صريحٌ في النَّهْي عن الوفاءِ كالذي قبلَه. حكم من نذرَ أن يمشي إلى بيت الله الحرام ١٦/ ١٢٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. [صحيح] - وَلأَحْمَدَ (٤)، وَالأَرْبَعَةِ (٥): فَقَالَ: "إِنْ الله تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ

стр. 2259

شَيئا، مُرْهَا فلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). [ضعيف] (وعنْ عُقبةَ بن عامرٍ ﵁ قالَ: نذرتْ أختي أنْ تمشيَ إلى بيتِ اللهِ حافيةً، [فأمرتْني أنْ أستفتيَ لها رسولَ اللهِ ﷺ ، فاستفتيتُه]، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لتمشِ ولتركبْ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. ولأحمدَ والأربعةِ فقالَ: إن الله تعالَى لا يصنعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا، مُرْها فلتختمرْ ولتركبْ، ولتصمْ ثلاثةَ أيامٍ). دل الحديثُ على أنّ مَنْ نذرَ أنْ يمشيَ إلى بيتِ اللهِ لا يلزمُه الوفاءُ، ولهُ أنْ يركبَ لغيرِ عجزٍ، وإليهِ ذهبَ الشافعي. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ لا يجوزُ الركوبُ معَ القدرةِ على المشي، فإذا عجزَ جازَ لهُ الركوبُ ولزمَهُ دمٌ، مستدلينَ بروايةِ أبي داودَ (١) لحديثِ عقبةَ بأنَّهُ قالَ فيهِ: "إنَّ أختي نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، وإنَّها لا تطيقُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تعالَى لغنيٌّ عنْ مشيِ أختِكَ، فلتركبْ ولتهدِ بَدَنةً"، قالُوا: فَتقَيَّدُ روايةُ الصحيحينِ بأنَّ المرادَ ولتمشِ إنِ استطاعتْ وتركبْ في الوقتِ الذي لا تطيقُ المشيَ فيهِ أو يشقُّ عليها، وقولُه: "فلتختمرْ"، ذكرَ ذلكَ لأنهُ وقعَ في الروايةِ أنَّها نذرتْ أنْ تحجَّ للَّهِ ماشيةً غيرَ مختمرةٍ، قالَ: فذكرتْ ذلكَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "مُرْها - الحديثَ". ولعل الأمرَ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ لأجلِ النذرِ بعدمِ الاختمارِ فإنهُ نذرٌ بمعصيةٍ فوجبَ كفارةُ يمينٍ، وهوَ منْ أدلةِ مَنْ يوجِبُ الكفارةَ في النذرِ بمعصيةٍ، إلَّا أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (٢) أن في إسنادِه اختلافًا. وقدْ ثبتَ إهداء البدنة في روايةِ أبي داودَ (٣) عن ابن عباسٍ بعدَ قولِه: فلتركبْ: "ولتهدِ بَدَنَةً". قيلَ: وهوَ على شرطِ الشيخينِ، إلَّا أنهُ قالَ البخاري (٤): لا يصح في حديثِ عقبةَ بن عامرٍ الأمرُ بالإهداءِ، فإنْ صحَّ فهو أمرُ ندبٍ، وفي وجههِ خفاءٌ. وفاء نذر الميت ١٧/ ١٢٩٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ

стр. 2260

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: استفتَى سعدُ بنُ عبادةَ النبيَّ ﷺ نذرٍ كانَ على أمهِ توفيتْ قبلَ أنْ تقضيَهُ فقالَ: اقضِهِ عنْها. متفقٌ عليهِ)، لم يبينْ في هذهِ الروايةِ ما هوَ النذرُ، وجاءَ في روايةٍ [البخاري (٢)] (٣): "أفيجزي عنها أنْ أعتقَ عنْها فقالَ: اعتقْ عنْ أمِّكَ"، فظاهرُ هذهِ الروايةِ أنَّها نذرتْ بعتقٍ. وأمَّا ما أخرجَ النسائي (٤) عنْ سعدِ بن عبادةَ ﵁ قالَ: "قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إن أمي ماتتْ أفأتصدقُ عنْها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: سقْيُ الماءِ"؛ فإنهُ في أمرٍ آخرَ غيرِ الفُتيا إذْ [هنا] (٥) في سؤالِه ﷺ عن الصدقةِ تبرُّعًا عنْها. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يلحقُّ الميتَ ما فُعِلَ إليهِ منْ بعدِه منْ عتاقة أو صدقةٍ، أو نحوِهما، وقدْ قدمنا ذلكَ في آخرِ كتابِ الجنائزِ، وفيما قرب، وهلْ يجبُ ذلكَ على الوارثِ؟ ذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجبُ على الوارثِ أنْ يقضيَ النذرَ عن الميتِ إذا كانَ ماليًا، ولم يخلِّفْ تَرِكَة، وكذا غيرُ الماليِّ. وقالتِ الظاهريةُ (٦): يلزمهُ ذلكَ لحديثِ سعدٍ. وأُجِيْبَ بأنَّ حديثَ سعدٍ لا دلالةَ فيهِ على الوجوبِ، والظاهرُ معَ الظاهريةِ إذِ الأمرُ للوجوبِ. نذر المكان المعين ١٨/ ١٢٩٧ - وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَاكِ ﵁ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ

стр. 2261

فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالطَّبَرَانِيُّ (٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ. [صحيح] - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كرْدَمَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٣). [صحيح] ترجمة ثابت بن الضحاك (وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ) (٤) هوَ ثابتُ بنُ الضحاكِ الأشهليُّ. قالَ البخاريُّ: هوَ ممنْ بايعَ تحتَ الشجرةِ، حدَّثَ عنهُ أبو قلابةَ وغيرُه (قالَ: نذرَ رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ ينحرَ إبلًا بِبُوانَةَ) بضمِّ الموحدةِ وبفتحِها، بعدَ الألفِ نونٌ، موضعٌ بالشامِ، وقيلَ: أسفلَ مكةَ دونَ يلملمَ، (فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فسألَه" فقالَ: هلْ كانَ فيها وثنٌ يُعْبَدُ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ كانَ فيها عيدٌ منْ أعيادِهم؟ فقالَ: لا، فقالَ: أَوْفِ بنذرِكَ فإنهُ لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ تعالَى، ولا في قطيعةِ رحمٍ، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدمَ. رواهُ أبو داودَ، والطبرانيُّ، واللفظُ لهُ، وهوَ صحيحُ الإسنادِ، ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ كَردمَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الراءِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، (عندَ أحمدَ). والحديثُ لهُ سببٌ عندَ أبي داودَ (٥)، وهوَ أنهُ "قال": يا رسول اللَّهِ، إني نذرتُ إنْ وُلِدَ لي ولدٌ ذكرٌ أنْ أذبحَ على رأسِ بوانةَ - في عقبةٍ منَ الصاعدةِ - عنهُ -
следующие страницы →