← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2257–2296 · переход к 2262.

стр. 2257

والبيهقيُّ، [ولكنَّ] (١) فيهِ محمدَ بنَ الزبيرِ الحنظلي وليسَ بالقويِّ. لهُ طريقٌ أُخْرى فيها علةٌ، ورواهُ الأربعةُ (٢) منْ حديثِ عائشةَ، وفيهِ راوٍ متروكٌ، ورواهُ

стр. 2258

الدارقطنيُّ (١)، وفيهِ أيضًا متروكٌ. ولا يلزمُ الوفاءُ بنذرِ المعصيةِ لقولِه: "فلا يعصِه"، ولما يفيدُه قولُه: ١٥/ ١٢٩٤ - وَلمُسْلِمٍ (٢) مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ". [صحيح] (ولمسلمٍ منْ حديثِ عمرانَ: لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةٍ)؛ فإنهُ صريحٌ في النَّهْي عن الوفاءِ كالذي قبلَه. حكم من نذرَ أن يمشي إلى بيت الله الحرام ١٦/ ١٢٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. [صحيح] - وَلأَحْمَدَ (٤)، وَالأَرْبَعَةِ (٥): فَقَالَ: "إِنْ الله تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ

стр. 2259

شَيئا، مُرْهَا فلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). [ضعيف] (وعنْ عُقبةَ بن عامرٍ ﵁ قالَ: نذرتْ أختي أنْ تمشيَ إلى بيتِ اللهِ حافيةً، [فأمرتْني أنْ أستفتيَ لها رسولَ اللهِ ﷺ ، فاستفتيتُه]، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لتمشِ ولتركبْ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. ولأحمدَ والأربعةِ فقالَ: إن الله تعالَى لا يصنعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا، مُرْها فلتختمرْ ولتركبْ، ولتصمْ ثلاثةَ أيامٍ). دل الحديثُ على أنّ مَنْ نذرَ أنْ يمشيَ إلى بيتِ اللهِ لا يلزمُه الوفاءُ، ولهُ أنْ يركبَ لغيرِ عجزٍ، وإليهِ ذهبَ الشافعي. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ لا يجوزُ الركوبُ معَ القدرةِ على المشي، فإذا عجزَ جازَ لهُ الركوبُ ولزمَهُ دمٌ، مستدلينَ بروايةِ أبي داودَ (١) لحديثِ عقبةَ بأنَّهُ قالَ فيهِ: "إنَّ أختي نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، وإنَّها لا تطيقُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تعالَى لغنيٌّ عنْ مشيِ أختِكَ، فلتركبْ ولتهدِ بَدَنةً"، قالُوا: فَتقَيَّدُ روايةُ الصحيحينِ بأنَّ المرادَ ولتمشِ إنِ استطاعتْ وتركبْ في الوقتِ الذي لا تطيقُ المشيَ فيهِ أو يشقُّ عليها، وقولُه: "فلتختمرْ"، ذكرَ ذلكَ لأنهُ وقعَ في الروايةِ أنَّها نذرتْ أنْ تحجَّ للَّهِ ماشيةً غيرَ مختمرةٍ، قالَ: فذكرتْ ذلكَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "مُرْها - الحديثَ". ولعل الأمرَ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ لأجلِ النذرِ بعدمِ الاختمارِ فإنهُ نذرٌ بمعصيةٍ فوجبَ كفارةُ يمينٍ، وهوَ منْ أدلةِ مَنْ يوجِبُ الكفارةَ في النذرِ بمعصيةٍ، إلَّا أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (٢) أن في إسنادِه اختلافًا. وقدْ ثبتَ إهداء البدنة في روايةِ أبي داودَ (٣) عن ابن عباسٍ بعدَ قولِه: فلتركبْ: "ولتهدِ بَدَنَةً". قيلَ: وهوَ على شرطِ الشيخينِ، إلَّا أنهُ قالَ البخاري (٤): لا يصح في حديثِ عقبةَ بن عامرٍ الأمرُ بالإهداءِ، فإنْ صحَّ فهو أمرُ ندبٍ، وفي وجههِ خفاءٌ. وفاء نذر الميت ١٧/ ١٢٩٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ

стр. 2260

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: استفتَى سعدُ بنُ عبادةَ النبيَّ ﷺ نذرٍ كانَ على أمهِ توفيتْ قبلَ أنْ تقضيَهُ فقالَ: اقضِهِ عنْها. متفقٌ عليهِ)، لم يبينْ في هذهِ الروايةِ ما هوَ النذرُ، وجاءَ في روايةٍ [البخاري (٢)] (٣): "أفيجزي عنها أنْ أعتقَ عنْها فقالَ: اعتقْ عنْ أمِّكَ"، فظاهرُ هذهِ الروايةِ أنَّها نذرتْ بعتقٍ. وأمَّا ما أخرجَ النسائي (٤) عنْ سعدِ بن عبادةَ ﵁ قالَ: "قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إن أمي ماتتْ أفأتصدقُ عنْها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: سقْيُ الماءِ"؛ فإنهُ في أمرٍ آخرَ غيرِ الفُتيا إذْ [هنا] (٥) في سؤالِه ﷺ عن الصدقةِ تبرُّعًا عنْها. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يلحقُّ الميتَ ما فُعِلَ إليهِ منْ بعدِه منْ عتاقة أو صدقةٍ، أو نحوِهما، وقدْ قدمنا ذلكَ في آخرِ كتابِ الجنائزِ، وفيما قرب، وهلْ يجبُ ذلكَ على الوارثِ؟ ذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجبُ على الوارثِ أنْ يقضيَ النذرَ عن الميتِ إذا كانَ ماليًا، ولم يخلِّفْ تَرِكَة، وكذا غيرُ الماليِّ. وقالتِ الظاهريةُ (٦): يلزمهُ ذلكَ لحديثِ سعدٍ. وأُجِيْبَ بأنَّ حديثَ سعدٍ لا دلالةَ فيهِ على الوجوبِ، والظاهرُ معَ الظاهريةِ إذِ الأمرُ للوجوبِ. نذر المكان المعين ١٨/ ١٢٩٧ - وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَاكِ ﵁ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "هَلْ كَانَ

стр. 2261

فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالطَّبَرَانِيُّ (٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ. [صحيح] - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كرْدَمَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٣). [صحيح] ترجمة ثابت بن الضحاك (وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ) (٤) هوَ ثابتُ بنُ الضحاكِ الأشهليُّ. قالَ البخاريُّ: هوَ ممنْ بايعَ تحتَ الشجرةِ، حدَّثَ عنهُ أبو قلابةَ وغيرُه (قالَ: نذرَ رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ ينحرَ إبلًا بِبُوانَةَ) بضمِّ الموحدةِ وبفتحِها، بعدَ الألفِ نونٌ، موضعٌ بالشامِ، وقيلَ: أسفلَ مكةَ دونَ يلملمَ، (فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فسألَه" فقالَ: هلْ كانَ فيها وثنٌ يُعْبَدُ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ كانَ فيها عيدٌ منْ أعيادِهم؟ فقالَ: لا، فقالَ: أَوْفِ بنذرِكَ فإنهُ لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ تعالَى، ولا في قطيعةِ رحمٍ، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدمَ. رواهُ أبو داودَ، والطبرانيُّ، واللفظُ لهُ، وهوَ صحيحُ الإسنادِ، ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ كَردمَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الراءِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، (عندَ أحمدَ). والحديثُ لهُ سببٌ عندَ أبي داودَ (٥)، وهوَ أنهُ "قال": يا رسول اللَّهِ، إني نذرتُ إنْ وُلِدَ لي ولدٌ ذكرٌ أنْ أذبحَ على رأسِ بوانةَ - في عقبةٍ منَ الصاعدةِ - عنهُ -

стр. 2262

الحديثَ"، وهوَ دليلٌ على أن مَنْ نذرَ أنْ يتصدقَ أوْ يأتي بقربةٍ في محلِّ معيَّنٍ أنهُ يتعينُ عليهِ الوفاءُ بنذرِه ما لم يكنْ في ذلكَ المحلِّ شيءٌ منْ أعمالِ الجاهليةِ. وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الهادويةِ. وقالَ الخطابي (١): إنهُ مذهبُ الشافعيِّ، وأجازَهُ غيرُه لغيرِ أهلِ ذلكَ المكانِ اهـ. ولكنهُ يعارضُه حديثُ: (لا تُشَدُّ الرحالُ) (٢)، فيكونُ قرينةً على أن الأمرَ هنا للندبِ كذا قيلَ، ويدلُّ لهُ أيضًا قولُه: لا يتعين المكان في النذر - وإن عُيِّن - إلا ندبًا ١٩/ ١٢٩٨ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: "صَلِّ هَاهُنَا"، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "صَلِّ هَاهُنَا"، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فَشَأنَكَ إِذًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٥). [صحيح] (وعنْ جابرٍ أن رجلًا قالَ يومَ الفتحِ)، [أي: فتحِ مكةَ] (٦): (يا رسولَ اللَّهِ، إني نذرتُ إنْ فتحَ الله عليكَ مكةَ أنْ أصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فقالَ: صل هاهُنا، فسألَه فقالَ: صلِّ هاهُنا، فسأله فقالَ: فشأنكَ إذًا. رواة أحمدُ، وأبو داودَ، وصححه الحاكمُ)،

стр. 2263

وصحَّحهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في "الاقتراحِ" (١)، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا يتعينُ المكانُ في النذرِ - وإن عُيِّنَ - إلا ندْبًا. ٢٠/ ١٢٩٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هذَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدِ الحرامِ، ومسجدِ الأقصَى، ومسجدي. متفقٌ عليهِ، واللفط للبخاريِّ). تقدَّمَ الحديثُ في آخرِ بابِ الاعتكافِ، ولعلَّه أوردَه هنا للإشارةِ إلى أن النذرَ لا يتعينُ فيهِ المكانُ إلا أحدَ الثلاثةِ المساجدِ. وقدْ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى لزومِ الوفاءِ بالنذرِ بالصلاةِ في أيِّ المساجدِ الثلاثةِ، وخالفَهم أبو حنيفةَ فقالَ: لا يلزمُ الوفاءُ، ولهُ أنْ يصلِّيَ في أيِّ محلٍّ شاءَ، وإنَّما يجبُ عندَه المشيُ إلى المسجدِ الحرامِ إذا كانَ لحجٍّ أوْ عمرةٍ، وأما غيرُ الثلاثةِ المساجدِ، فذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى عدمِ لزومِ الوفاءِ لو نذرَ بالصلاةِ فيها إلا ندْبًا، وأما شدُّ الرحالِ للذهاب إلى قبورِ الصالحينَ، والمواضعِ الفاضلةِ فقالَ الشيخُ أبو محمدِ الجوينيُّ (٣): إنهُ حرامٌ، وهوَ الذي أشارَ القاضي عياضٌ إلى اختيارهِ. قالَ النوويُّ (٣): والصحيحُ عندَ أصحابِنا، وهوَ الذي اختارَه إمامُ الحرمينِ والمحققونَ - أنهُ لا يحرمُ ولا يُكْرَهُ. قالُوا: والمرادُ أن الفضيلةَ التامةَ إنما هيَ في شدِّ الرحالِ إلى الثلاثةِ خاصةً. وقدْ تقدَّمَ هذا في آخرِ بابِ الاعتكافِ. الوفاء بالنذر بعد الإسلام ٢١/ ١٣٠٠ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في

стр. 2264

الْجَاهِلِيّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَاية: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: قلت: يا رسولَ اللهِ، إني نذرت في الجاهليةِ أنْ أعتكفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ، قالَ: فأوفِ بنذِركَ. متفقٌ عليهِ. وزادَ البخاريُّ في روايةٍ: فاعتكفَ ليلةً). دلَّ الحديثُ على أنهُ يجبُ على الكافرِ الوفاءُ بما نذرَ بهِ إذا أسلمَ. وإليهِ ذهبَ البخاريُّ، وابنُ جريرٍ، وجماعةٌ منَ الشافعيةِ لهذا الحديثِ، وذهبَ الجماهيرُ إلى أنهُ لا ينعقدُ النذرُ منَ الكافرِ. قالَ الطحاويُّ: لا يصحُّ منهُ التقربُ بالعبادةِ، قالَ: ولكنهُ يحتملُ أن النبيَّ ﷺ فهمَ منْ عمرَ ﵁ أنهُ سمحَ بفعلِ ما كانَ نذرَ فأمرَهُ بهِ لأنَّ فعلَه طاعةٌ وليسَ هوَ ما كانَ نذرَ بهِ في الجاهليةِ. وذهبَ بعضُ المالكيةِ إلى أنهُ ﷺ إنَّما أمرَ بهِ استحباب وإنْ كانَ التزمَه في حالٍ لا ينعقدُ فيها. ولا يخْفَى أن القولَ الأولَ أوفقُ بالحديثِ والتأويلُ تعسفٌ. وقدِ استدلَّ بهِ على أن الاعتكافَ لا يشترطُ فيهِ الصومُ؛ إذِ الليلُ ليسَ ظرفًا لهُ. وتعقبَ: بأنَّ في روايةٍ عندَ مسلمٍ (٢) يومًا وليلةً، وقدْ وردَ ذكرُ الصومِ صريحًا في روايةِ أبي داودَ (٣)، والنسائيّ (٤): "اعتكفْ وصمْ"، وهوَ ضعيفٌ. * * *

стр. 2265

[الكتاب السادس عشر] كتاب القضَاء القضاءُ بالمدِّ الولايةُ المعروفةُ، وهوَ في اللغةِ مشترَكٌ بينَ [معان منها] (١): إحكام الشيءِ والفراغِ منهُ. ومنهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٢)، وبمعنى وإمضاءِ الأمرِ، ومنهُ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣)، وبمعنَى الحتمِ والإلزامِ، ومنهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤). وفي الشرعِ إلزامُ ذي الولايةِ بعدَ الترافعِ. وقيلَ هوَ الإكراهُ بحكمِ الشرعِ في الوقائعِ الخاصةِ لمعيَّنٍ أو جهةٍ، والمرادُ بالجهةِ كالحكمِ لبيتِ المالِ أو عليهِ. ينجو من النار من القضاة من عرف الحق وعمل به ١/ ١٣٠١ - عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاثةٌ: اثْنَانِ في النَّارِ، وَوَاحِدٌ في الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَق فَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الْجَنةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَق فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلناسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ". رَوَاهُ (٥) الأَرْبَعَةُ، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ (٦). [صحيح]

стр. 2266

(عنْ بريدةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : القضاةُ ثلاثةٌ: اثنانِ في النارِ، وواحدٌ في الجنة)، [وكأنهُ] (١) قيلَ: مَنْ همْ؟ فقالَ: (رجلٌ عرفَ الحق فقضَى بهِ فهوَ في الجنةِ، ورجلٌ عرفَ الحق فلمْ يقضِ بهِ وجارَ في الحكمِ فهوَ في النارِ، ورجلٌ لم يعرفِ الحق فقضَى للناسِ على جَهْل فهوَ في النارِ. رواهُ الأربعةُ، وصحَّحهُ الحاكمُ). وقالَ في علومِ (٢) الحديثِ: تفرَّد بهِ [الخراسانيونَ] (٣)، ورواتُه مراوزةٌ. قالَ المصنِّفُ: لهُ طرقٌ غيرُ هذهِ جمعتُها في جزءٍ مفردٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا ينجُو منَ النارِ منَ القضاةِ إلا مَنْ عرفَ الحقَّ وعملَ بهِ. والعمدةُ العملُ، فإنَّ منْ عرفَ الحقَّ فلم يعملْ به [فهوَ] (٤) ومنْ حكمَ بجهلٍ سواءٌ في النارِ. وظاهرُه أن مَنْ حكمَ بجهلٍ وإنْ وافقَ حكمهُ الحقَّ [فإنهُ] (٥) في النار لأنهُ أطلقُه [وقالَ: فقضَى] (٦) للناسِ على جهلٍ، فإنهُ يصدقُ على مَنْ وافقَ [الحقَّ وهوَ] (٧) جاهلٌ في قضائِه - أنهُ قضَى على جهلٍ. وفيهِ التحذيرُ منْ الحكم بجهلٍ أوْ بخلافِ الحقِّ معَ معرفتهِ بهِ. والذي في الحديث أن الناجيَ مَنْ قضَى بالحقِّ عالمًا بهِ، والاثنانِ في النارِ. وفيهِ أنهُ يتضمَّنُ النَّهْيَ عنْ توليةِ الجاهلِ القضاءَ. قالَ في مختصرِ شرحِ السنة: "إنهُ لا يجوزُ لغيرِ المجتهدِ أنْ يتقلَّدَ القضاءَ، ولا يجوزُ للإمامِ توليتُه. قالَ: والمجتهدُ مَنْ جمعَ خمسةَ علومٍ: علمَ كتابِ اللَّهِ تعالى، وعلمَ سنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأقاويلَ [علماءِ] (٨) السلفِ منْ إجماعِهم واختلافِهم، وعلمَ اللغةِ، وعلمَ القياسِ، وهوَ طريقُ استنباطِ الحكمِ منَ الكتابِ والسنةِ إذا لم [يجدْه] (٩) صريحًا في نصِّ كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ، فيجبُ أنْ يعلمَ مِنْ علمِ

стр. 2267

الكتابِ الناسخَ والمنسوخَ، والمجملَ والمفسَّرَ، والخاصَّ والعامَّ، والمحكَمَ والمتشابِهَ، والكراهةَ والتحريمَ، والإباحةَ والندبَ، ويعرفُ منَ السنةِ هذهِ الأشياءَ، ويعرفُ منْها الصحيحَ والضعيفَ، والمسندَ والمرسلَ، ويعرفُ ترتيبَ السنةِ على الكتابِ وبالعكسِ، حتَّى إذا وجدَ حديثًا لا يوافقُ ظاهرُه الكتابَ اهتدَى إلى وجْهِ محمَلِهِ، فإنَّ السنةَ بيانُ للكتابِ فلا تخالفُه، وإنَّما تجبُ معرفةُ ما وردَ منْها منْ أحكامِ الشرعِ دونَ ما عدَاها منَ القصصِ والأخبارِ والمواعظِ، وكذَا يجبُ أنْ يعرفَ منْ علمِ اللغةِ ما أَتَى في الكتابِ والسنةِ منْ أمورِ الأحكامِ دونَ الإحاطةِ بجميعِ لغاتِ العربِ، ويعرفُ أقاويلَ الصحابةِ والتابعينَ في الأحكامِ، ومعظمِ فتاوَى فقهاءِ الأمةِ حتَّى لا يقعَ حكمهُ مخالفًا لأقوالِهم فيأمنُ فيهِ خرقَ الإجماعِ، فإذا عرفَ كلَّ نوعٍ منْ هذهِ الأنواعِ فهوَ مجتهدٌ وإذا لم يعرفْها فسبيلُه التقليدُ. اهـ (١). التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه ٢/ ١٣٠٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّينٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَالأَرْبَعَةُ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ (٤) خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبّانَ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ وُلِّيَ القضاءَ فقدْ ذُبِحَ بغيرِ سكينٍ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ). دلَّ الحديثُ على

стр. 2268

التحذيرِ منْ ولايةِ القضاءِ، والدخولِ فيهِ كأنهُ يقولُ: منْ تولَّى القضاءَ فقدْ تعرضَ لذبحِ نفسهِ، فليحذرْه وليتوقَّهُ، لأنه إنْ حكمَ بغيرِ الحق معَ علمهِ بهِ أو جهلهِ لهُ فهوَ في النارِ، والمرادُ منْ ذبْحِ نفسهِ إهلاكُها، أي: فقدْ أهلكَها بتوليةِ القضاءِ، وإنَّما قالَ بغير سكينٍ للإعلامِ بأنهُ لم يردْ بالذبحِ فَرْيَ الأوداجِ الذي يكونُ في الغالبِ بالسكينِ، بلْ أُرِيدَ بهِ إهلاكُ النفسِ بالعذاب الأُخرويِّ. وقيلَ: ذبحَ ذبحًا معنويًا، وهوَ لازمٌ لهُ لأنهُ إنْ أصابَ الحقَّ فقدْ أَتعبَ نفسَه في الدُّنيا لإرادتِه الوقوفَ على الحق وطلبِه واستقصاءَ ما تجبُ عليهِ رعايتُه في النظرِ في الحكمِ، والموقفُ معَ الخصْمَيْنِ، والتسويةُ بينَهما في العدلِ والقسطِ وإنْ أخطأ في ذلكَ لزمَهُ عذابُ الآخرةِ، فلا بدَّ لهُ منَ التعبِ والنَّصبِ. ولبعضِهم كلامٌ في الحديثِ لا يوافقُ المتبادَرَ منْهُ. ٣/ ١٣٠٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ (١)، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ" (٢)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ ﵁ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ إنَّكم ستحرصونَ على الإمارةِ) عامٌّ لكلِّ إمارةٍ منَ الإمامةِ العظْمى، إلى أدنى إمارةٍ ولوْ على واحدٍ، (وستكونُ ندامةً يومَ القيامةِ، فنعمَ المرضعةُ) أي: في الدُّنيا، (وبئستِ الفاطمةُ) أي: بعدَ الخروجِ منْها. (رواهُ البخاريُّ). قال (٤) الطيبيُّ: تأنيثُ الإمارةِ غيرُ حقيقيٍّ فتركَ تأنيثَ نِعْمَ وألحقَه ببئسَ نظرًا إلى كونِ الإمارةِ حينئذٍ داهيةً دهْياءَ. وقالَ غيرُه: أنَّثَ في لفظٍ وتركَه في لفظٍ للافتنانِ وإلَّا فالفاعلُ واحدٌ. وأخرجَ الطبرانيُّ (٥) والبزارُ (٦) بسندٍ صحيح منْ حديثِ عوفِ بن مالكِ بلفظِ: "أوّلها

стр. 2269

ملامةٌ، وثانيها ندامةٌ، وثالثُها عذابُ يومِ القيامةِ، إلَّا مَنْ عدلَ". وأخرجَ الطبرانيُّ (١) من حديثِ زيدِ بن ثابتٍ يرفعُه: "نعمَ الشيءُ الإمارةُ لمنْ أخذَها بحقِّها وحِلِّها، وبئسَ الشيءُ الإمارةُ لمنْ أخذَها بغيرِ حقِّها، تكونُ عليهِ حسرة يومَ القيامةِ". وهذا يقيِّدُ ما أطلقَ فيما قبلَه. وقد أخرجَ (٢) مسلمٌ منْ حديثِ أبي ذرٍ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ألا تستعملُني؟ قالَ: "إنكَ ضعيفٌ، وإنَّها أمانةٌ، وإنَّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ وندامةٌ إلَّا مَنْ أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليهِ فيها". قالَ النوويُّ (٣): هذا أصلٌ عظيمٌ في اجتنابِ الولايةِ لا سيَّما لمنْ كانَ فيه ضعفٌ، وهو في حقِّ من دخَلَ فيها بغيرِ أهليَّةٍ ولم يعدلْ، فإنّه يندمُ على مَا فرَّط فيهِ إذا جُوزِيَ بالجزاءِ يوم القيامةِ، وأما مَنْ كانَ أهلًا لها وعدلَ فيها فأجرُه عظيمٌ كما تضافرتْ بهِ الأخبارُ، ولكنْ في الدخولِ فيها خطرٌ عظيمٌ، ولذلكَ امتنعَ الأكابرُ منْها، فامتنعَ الشافعيُّ لمَّا استدْعاهُ المأمونُ لقضاءِ الشرقِ والغرب، وامتنعَ منهُ أبو حنيفةَ لمَّا استدْعاهُ المنصورُ فحبسَهُ وضربهُ، والذينَ امتنعُوا منَ الأَكابرِ جماعةٌ كثيرونَ، وعدَّ في النجمِ الوهَّاجِ جماعةً. تنبيهٌ: قوله: ["ستحرصونَ"] (٤)، دلالةٌ على محبةِ النفوسِ للإمارة لما فيها منْ نيلِ حظوظِ الدنيا ولَذَّاتِها، ونفوذِ الكلمةِ، ولذَا وردَ النَّهْيُ عنْ طَلَبها كما أخرجَ الشيخانِ (٥) أنهُ ﷺ قالَ لعبدِ الرحمن: "لا تسألِ الإمارةَ فإنكَ إنْ أُعْطِيتَها

стр. 2270

عنْ مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أعطيتَها عنْ غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها". وأخرجَ أبو داودَ (١) والترمذيُّ (٢) عنهُ ﷺ : "مَنْ طَلَبَ القضاءَ واستعانَ عليهِ وُكِلَ إليهِ، ومَنْ لم يطلبْه ولم يستعنْ عليهِ أنزلَ اللَّهُ مَلكًا يسدِّده". وفي صحيحِ (٣) مسلمٍ أنهُ ﷺ قالَ: "واللَّهِ لا نولِّي هذا الأمرَ أحدًا سألَه، ولا أحدًا حرَصَ عليهِ" حرَصَ بفتحِ الراءِ. قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، ويتعينُ على الإمامِ أنْ يبحثَ عنْ أَرضَى الناسِ وأفضلِهم فيوليهِ، لما أخرجَه الحاكمُ (٥) والبيهقيُّ (٦) أن النبيَّ ﷺ قالَ: "من استعملَ رجلًا على عصابةٍ وفي تلكَ العصابةِ مَنْ هوَ أرضَى للَّهِ تعالَى منهُ فقدْ خَانَ الله ورسولَه وجماعةَ المسلمينَ"؛ وإنَّما نَهَى عنْ طلبِ الإمارةِ لأنَّ الولايةَ تفيدُ قوةً بعدَ ضعفٍ، وقدرةً بعدَ عجزٍ تتخذُها النفسُ المجبولةُ على الشرِّ وسيلةً إلى الانتقامِ منَ العدوِّ، والنظرِ للصديقِ، وتتبعِ الأغراضِ الفاسدةِ، ولا يوثقُ بحسنِ عاقبتِها، ولا سلامةِ مجاورتها، فالأَوْلَى أن لا [تطلبَ] (٧) ما أمكنَ. وإنْ كانَ قدْ أخرجَ أبو داودَ (٨) بإسنادٍ حسنٍ عنهُ ﷺ : "مَنْ طلبَ قضاءَ المسلمينَ [حتى ينالَهُ] (٩) فغلبَ عدْلُه جورَه فلهُ الجنةُ، ومَنْ غَلبَ جورُه عدلَه فلهُ النارُ".

стр. 2271

شرط الحاكم الاجتهاد ٤/ ١٣٠٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُم أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُم أَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عمرِو بن العاصِ أنهُ سمعَ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: إذا حكمَ الحاكمُ) أي: أرادَ الحكمُ لقولِه (فاجتهدَ)، فإنَّ الاجتهادَ قبلَ الحكمِ، (ثمَّ أصابَ فلهُ أجرانِ، فإذا حكمَ واجتهدَ ثمَّ أخطأَ) أي: لم [يوافقْ] (٢) ما [هوَ] (٣) عندَ اللَّهِ منَ الحُكم (فله أجرٌ. متفقٌ عليه). الحديثُ منْ أدلةِ القولِ بأنَّ الحكمَ عندَ الله تعالَى في كلِّ قضيةٍ واحدٌ معيَّنٌ قدْ يصيبُه مَنْ أعملَ فكْرَهُ وتتبعَ الأدلةَ، [ووفَّقَه] (٤) اللَّهُ، فيكونُ لهُ أجرانِ: أجرُ الاجتهادِ، وأجرُ الإصابةِ. والذي لهُ أجرٌ واحدٌ منِ اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجرُ الاجتهادِ. واستدلُّوا بالحديثِ على أنهُ يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ الحاكمُ مجتهدًا. قال الشارحُ وغيرُه: وهوَ المتمكِّنُ منْ أَخْذِ الأحكامِ منَ الأدلةِ الشرعيةِ قالَ: ولكنَّه

стр. 2272

يعزُّ وجودُه بلْ كادَ يعدمُ بالكليةِ، ومعَ تعذُّرهِ فمنْ شرطَه أنْ يكونَ مقلّدًا مجتهدًا في مذهبِ إمامِه. ومنْ شرطِه أنْ يتحققَ أصولَ إمامهِ وأدلَّتَه، وينزلَ أحكامَه عليها فيما لم يجدْه منصُوصًا منْ مذهبِ إمامه، انتهى. قلت: ولا يخْفَى ما في الكلامِ منَ البطلانِ، وإنْ تطابقَ عليهِ الأعيانُ، وقدْ بيَّنَّا بطلانَ دعْوى تعذرِ الاجتهادِ في رسالتِنا المسمَّاةِ بإرشادِ النقادِ إلى تيسيرِ الاجتهادِ (١) بما لا يمكنُ دفعُه، وما أَرى هذه [الدعْوى] (٢) التي تطابق عليها الأنظارُ إلَّا منْ كفرانِ نعمةِ اللَّهِ عليهم، فإنَّهم - أعني المدعينَ لهذِه الدعْوى والمقررينَ لها - مجتهدونَ يعرفُ أحدُهم مِنَ الأدلةِ ما يمكنُه بها الاستنباطُ مما لم يكنْ قدْ عرفَه عتابُ بن أسيدٍ قاضي رسولِ اللَّهِ ﷺ على مكةَ، ولا أبو موسَى [الأشعريُّ] (٣) قاضي رسولِ اللَّهِ ﷺ في اليمنِ، ولا معاذُ بن جبل قاضيْه فيها [وعاملُه عليها] (٤)، ولا شريحٌ قاضي عمرَ وعليٍّ ﵁[على الكوفة] (٥). ويدلُّ لذلكَ قولُ الشارحِ: فمنْ شرطِه، أي [المقلدِ] (٦) أنْ يكونَ مجتهدًا في مذهبِ إمامه، فإنَّ هذَا هوَ الاجتهادُ الذي حكمَ بكيدودةِ عدمِه بالكليةِ وسمَّاهُ متعذِّرًا، فهلَّا جعلَ هذا المقلِّدُ إمامَه كتابَ اللَّهِ وسنةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عِوَضًا عنْ إمامِه، وتتبعَ نصوصَ الكتابِ والسنةِ عوضًا عن [تَتَبُّع] (٧) نصوصِ إمامهِ والعباراتُ كلُّها ألفاظٌ دالة على معاني، فهلَّا استبدلَ بالفاظِ إمامِه ومعانيها ألفاظَ الشارعِ ومعانيها، ونزَّلَ الأحكامَ عليها إذا لم يجدْ نصًا شرعيًا عِوَضًا عنْ تنزيلِها على مذهبِ إمامهِ فيما لم يجدْه منصُوصًا، تاللَّهِ لقدِ استبدلَ الذي هوَ أدنَى بالذي هوَ خيرٌ منْ معرفةِ الكتابِ والسنةِ إلى معرفةِ كلام الشيوخِ والأصحابِ وتفهمِ مرامِهم، والتفتيشِ عنْ كلامهم. ومنَ المعلومِ يقينًا أَنَّ كلامَ اللَّهِ تعالى وكلامَ رسولِه ﷺ أقربُ إلى الأفهامِ وأدنى إلى إصابة بلوغ (٨) المرامِ، فإنهُ أبلغُ الكلامِ بالإجماعِ، وأعذبُه في الأفواهِ والأسماعِ، وأقربُه إلى الفهمِ والانتفاعِ، ولا ينكرُ هذا إلا

стр. 2273

جلمودُ الطباعِ، ومَنْ لا حظَّ لهُ في النفعِ والانتفاعِ، والأفهامُ التي فهمَ بها الصحابةُ الكلامَ الإلهيَّ، والخطابَ النبويَّ هيَ كأفهامِنا، وأحلامُهم كاحلامِنا، إذْ لوْ كانتِ الأفهامُ متفاوتةً تفاوتًا يسقطُ معهُ فهمُ العباراتِ الإلهيةِ، والأحاديثِ النبويةِ لما كنَّا مكلَّفينَ ولا مأمورينَ ولا منهيينَ، لا اجتهادًا ولا تقليدًا. أما الأولُ فلإحالته، وأما الثاني فَلانَّا لا نقلِّدُ حتَّى نعلمَ أنهُ يجوزُ لنا التقليدُ، ولا نعلمُ ذلكَ إلا بعدَ فهمِ الدليلِ منَ الكتابِ والسنةِ على جوازِه لتصريحِهم بأنهُ لا يجوزُ التقليدُ في جوازِ التقليدِ، فهذا الفهمُ الذي فهمْنا بهِ هذا الدليلَ نفهمُ بهِ غيرَه منَ الأدلةِ منْ كثيرٍ وقليلٍ، على أنهُ قدْ شهدَ المصْطَفَى ﷺ بأنهُ يأتي مِنْ بعدِه مَنْ هوَ أفقهُ ممنْ هو في عصرِه، وأوعَى لكلامِه حيثُ قالَ: "فربَّ مبلغٍ أفقهُ منْ سامعٍ" (١)، وفي لفظٍ: "أوعَى لهُ من سامع" (٢). والكلامُ قدْ وفَّيْنَاهُ حقَّه في الرسالةِ المذكورةِ، ومنْ أحسنِ ما [يعرفُه] (٣) القضاةُ كتابُ عمرَ ﵁ الذي كتَبه إلى أبي موسَى الذي رواهُ أحمدُ (٤) والدارقطني (٥)، والبيهقيّ (٦)، قالَ الشيخُ أبو إسحاقَ: هوَ أجلّ كتابٍ فإنهُ بيَّنَ آدابَ القضاةِ، وصفةَ الحكمِ، وكيفيةَ الاجتهادِ واستنباطَ القياسِ،

стр. 2274

ولفظُه: "أما بعدُ فإنَّ القضاءَ فريضةٌ محكمةٌ وسنةٌ متَّبعةٌ، فعليكَ بالعقلِ والفهمِ وكثرةِ الذكرِ، فافهمْ إذا أدلَى إليكَ الرجلُ الحجةَ فاقضِ إذا فهمتَ، وامضِ إذا قضيتَ. فإنهُ لا ينفعُ [تكلُّمٌ] (١) بحقٍ لا نفاذَ لهُ. آسِ بينَ الناسِ في وجهكَ ومجلسِكَ وقضائِكَ حتَّى لا يطمعَ شريفٌ في حيفكَ، ولا ييأسَ ضعيفٌ منْ عدلِكَ. البينةُ على المدَّعي واليمينُ على مَنْ أنكرَ، والصلحُ جائزٌ بينَ المسلمينَ إلا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا. ومن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينةً فاضربْ لهُ أمدًا ينتهي إليهِ، فإنْ جاءَ ببيِّنتِه أعطيتَهُ حقَّهُ، وإلَّا استَحْلَلْتَ عليهِ القضيّةَ، فإنَّ ذلكَ أبلغُ في العُذرِ، وأجْلَى للعَمى. ولا يمنعكُ قضاءٌ قضيتَ فيهِ اليومَ فراجعتَ فيهِ عقلكَ وهُدِيْتَ فيهٍ لرشدَكَ أنْ ترجَع إلى الحقِّ، فانَّ الحقَّ قديمٌ ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطلِ. الفهمَ الفهمَ فيما يختلجُ في صدركَ مما ليسَ في كتابِ اللَّهِ ولا سنةِ رسولِهِ ﷺ ، ثمَّ اعرفْ الأشباهَ والأمثالَ وقسِ الأمورَ عندَ ذلكَ، واعمدْ إلى أقربها إلى اللَّهِ تعالَى وأشبهِهَا بالحقِّ. المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلَّا مجلُودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليهِ شهادةُ زورٍ، أو ظِنِّيْنًا في ولاءٍ أو نسبٍ أو قرابةٍ، فإنَّ الله تعالَى تولَّى منكمُ السرائرَ. وادرأ بالبيناتِ والأيمانِ، وإياك والغضبَ والقلقَ والضجرَ، والتأذيَ بالناسِ عندَ الخصومةِ، [والتفكرِ] (٢) عندَ الخصوماتِ، فإنَّ القضاءَ عندَ مواطنِ الحقَّ، يوجبُ اللَّهَ تعالى بهِ الأجرَ، ويحسنُ بهِ الذكرَ. فمنْ خلصتْ نيتُه في الحقِّ ولوْ على نفسِه كفاهُ اللَّهُ (تعالى) ما بينَه وبينَ الناسِ، ومَنْ تخلَّق للناسِ بما ليسَ في قلبِهِ شانَهُ اللَّهُ تعالَى، فإنَّ اللَّهَ تعالَى لا يقبلُ منَ العبادِ إلَّا ما كانَ خالصًا، فما ظنكَ بثوابٍ منَ اللَّهِ في عاجلِ رِزْقه، وخزائن رحمتِهِ، والسلامُ اهـ". ولأمير المؤمنينَ عليٍّ ﵇ في عهدٍ عهِده إلى الأشترِ لما ولَّاه مصرَ فِيْهِ عدةُ نصائح وآدابٍ ومواعظَ وحكمٍ، وهوَ معروفٌ في النهجِ لم أنقلْه لشهرتِه. وقدْ أُخِذَ منْ كلامِ عمرً أنهُ ينقضُ القاضي حُكْمُه إذا أخطأَ، ويدلُّ لهُ ما أخرجَه (٣) الشيخانِ منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "بينَما امرأتانِ معَهُما ابناهُما جاءَ الذئبُ فذهبَ بابنِ إحداهُما

стр. 2275

فقالتْ هذهِ لصاحِبَتها: إنما ذهبَ بابنِكِ، وقالتِ الأُخرى: إنما ذهبَ بابنِكِ، فتحاكَمَتَا إلى داودَ ﵇ فقضَى بهِ للكُبرى فخرجَتَا إلى سليمانَ فأخبرتاهُ فقال: ائتوني بالسكينِ أشقُّه بينَكُما نصفينِ، فقالتِ الصغْرى: لا تفعلْ يرحمْك اللَّهُ هوَ ابنُها فقضَى بهِ للصُّغْرى". وللعلماءِ قولانِ في المسألةِ: قولٌ إنهُ ينقضه إذا أخطأ، والآخرُ لا ينقضُهُ لحديث: "وإنْ أخطأ فلهُ أجرٌ" (١). قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ لأنَّ المرادَ: أخطأَ ما عندَ اللَّهِ، وما هوَ في نفسِ الأمرِ [من الحقِّ وهذا الخطأُ] (٢) لا يعلمُ إلا يومَ القيامةِ، أوْ بوحيٍ منَ اللَّهِ تعالَى، والكلامُ في الخطأِ يظهرُ [له في الدنيا منْ] (٣) عدمِ استكمال شرائطِ الحكمِ أو نحوِه. لا يقضي القاضي وهو مشوش الفكر ٥/ ١٣٠٥ - وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَان"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعَنْ أبي بكرةَ ﵁ قالَ: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا يحكمُ أحدٌ بينَ اثنينِ وهوَ غضبانٌ. متفقٌ عليهِ). النَّهْيُ ظاهرٌ في التحريمِ، وحملَه الجمهورُ علَى الكراهةِ، وترجَم النوويُّ في شرحِ مسلم (٥) لهُ ببابِ كراهةِ قضاءِ القاضي وهوَ غضبانُ. وترجمَ البخارى (٦) ببابِ هلْ يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهوَ غضبانُ؟ وصرَّحَ النوويُّ (٧) بالكراهةِ في ذلكَ، وإنَّما حملُوه على الكراهةِ نظَرًا إلى العلةِ المستنبَطَةِ المناسبةِ لذلكَ، وهو أنهُ لما رتَّبَ النَّهْيَ على الغضبِ، والغضبُ بنفسِه لا مناسبةَ فيهِ لمنعِ الحكمِ، وإنَّما ذلكَ لما هوَ مظنةٌ لحصولِه، وهوَ تشويشُ

стр. 2276

[الفكرِ ومشغلةُ] (١) القلبِ عن استيفاءِ ما يجبُ منَ النظرِ، وحصولُ هذا قدْ يفضي إلى الخطأِ عن الصوابِ، ولكنهُ غيرُ مطَّرِدٍ معَ كلِّ غضبٍ، ومعَ كلِّ إنسانٍ، فإنْ أفَضَى الغضبُ إلى عدم تمييزِ الحق منَ الباطلِ فَلَا كلامَ في تحريمهِ، وإنْ لم يفضِ إلى هذا الحدِّ فأقلُّ أحوالِهِ الكراهةُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا فرقَ بينَ مراتبِ الغضبِ، ولا بينَ أسبابهِ. وخصَّهُ البغويُّ (٢) وإمامُ الحرمينِ (٣) بما إذا كان الغضبُ لغيرِ اللَّهِ تعالى، وعللَّ بأنَّ الغضبَ للَّهِ يؤمَنُ معَهُ منَ التعدِّي بخلافِ الغضبِ للنفسِ، واستبعدَه جماعةٌ لمخالفتِه لظاهرِ الحديثِ، والمعنَى الذي لأجلِه نُهِيَ عن الحكمِ معَهُ، ثمَّ لا يخْفَى أن الظاهرَ في النَّهْي التحريمُ، وأنَّ جَعْلَ العلةِ المستنبطةِ صارفةً إلى الكراهةِ بعيدٌ. وأما حكمهُ ﷺ (٤) معَ غضبِه في قصةِ الزبيرِ، فلمَا عُلِمَ منْ أن عصمتَه مانعةٌ عنْ إخراجِ الغضبِ لهُ عن الحقِّ، ثمَّ الظاهرُ عدمُ نفوذِ الحكمِ معَ الغضبِ؛ إذِ النهْيُ يقتضي الفسادَ. والتفرقة بينَ النهي للذاتِ والنهي للوصفِ كما يقولُه الجمهورُ غيرُ واضحٍ كما قررَ في غيرِ هذا المحلِّ. وقدْ أُلْحِقَ بالغضبِ الجوعُ والعطش المفرطينِ لما أخرجه الدارقطنيُّ (٥) والبيهقيُّ (٦) بسندٍ تفردَ بهِ القاسمُ العمريُّ وهوَ ضعيفٌ عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لا يقضي القاضي إلَّا وهوَ شبعانٌ ريَّانُ"، وكذلك أُلْحِقَ بهِ كلُّ ما يشغلُ القلبَ، ويشوشُ الفكرَ منْ غلبةِ النعاسِ، أو الهمِّ أو المرضِ أو نحوهما.

стр. 2277

لا يقضي القاضي حتى يسمع من الخصمين ٦/ ١٣٠٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَقَاضَى إِلَيكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ للأَوَّلِ حَتى تَسْمَعَ كَلامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْري كَيفَ تَقْضِي"، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢): وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَحَسّنَهُ، وَقَوّاهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا تقاضَى إليكَ رجلانِ فلا تقضِ للأولِ حتَّى تسمعَ كلامَ الآخرِ، فسوفَ تدري كيفَ تقضي. قالَ عليٌّ ﵁: فما زلتُ قاضيًا بعدُ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنهُ، وقوَّاهُ ابنُ المديني، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ). الحديثُ أخرجُوه منْ طرقٍ أحسنُها روايةُ البزارِ (٥) عنْ عمرِو بن مُرَّةَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن سلمةَ عنْ عليٍّ ﵁، وفي إسنادِه عمرُو بنُ أبي المقدامِ، واختُلِفَ فيهِ على عمرِو بن مُرَّةَ، فرواهُ شعبةُ عنْ أبي البختريِّ قالَ: حدثني مَنْ سمعَ عليًا ﵁ أخرجَهُ أبو يعلى (٦)، وإسنادُه صحيحٌ لولا هذَا [المبهمُ] (٧)، ولهُ طرقٌ أُخَرُ تشهدُ لهُ، ويشهدُ لهُ الحديثُ الآتي:

стр. 2278

٧/ ١٣٠٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِم (١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَباسٍ. [إسناده حسن] وهوَ قولُه: (وله شاهدٌ عندَ الحاكمِ منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁). والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الحاكمِ أنْ يسمعَ دعْوى المدَّعي أولًا، ثمَّ يسمعُ [جوابَ] (٢) المجيبِ، ولا يجوزُ لهُ أنْ يبنيَ الحكمَ على [مجرد] (٣) سماعِ دعْوى المدَّعي قبلَ جوابِ المجيبِ، فإنْ حكمَ قبلَ سماعِ الإجابةِ عَمْدًا بطلَ قضاؤُه، وكانَ قدْحًا في عدالته [ينعزل به] (٤)، وإن كانَ خطأَ لم [يكن قادحًا] (٥)، وأعادَ الحكمَ على وجْهِ الصحةِ، وهذا حيثُ أجابَ الخصمُ، فإنْ سكتَ عن الإجابةِ أوْ قالَ: لا أقرُّ ولا أنكرُ ففي البحر (٦) عن الإمام يحيى ومالك يحكمُ عليهِ [لتصريحهِ] (٧) [بالتمرُّد] (٨)، وإنْ شاءَ حبَسهُ حتَّى [يقرَّ] (٩) [أو ينكرَ] (١٠). وقيلَ: بلْ يلزمُه الحقُّ بسكوته؛ إذ الإجابةُ تجبُ فورًا فإذا سكتَ كانَ كنكولِه. وأجيبَ بأنَّ النكولَ الامتناعُ [من] (١١) اليمينِ، وهذا ليسَ منهُ، وقيلَ يحبسُ حتَّى يقرَّ أو ينكرَ. وأجيبَ بأنَّ التمردَ كافٍ في جوازِ الحكمِ؛ إذِ الحكمُ شرعٌ لفصلِ الشجارِ، ودفعِ [الضرر] (١٢)، هذا حاصلُ ما في البحرِ والأوْلَى أنْ يُقالُ: ذلكَ حكْمه حكمُ الغائبِ فمنْ أجازَ الحكمَ على الغائبِ أجازَه على الممتنعِ عن الإجابةِ، لاشتراكِهما في عدمِ الإجابةِ، وفي الحكمِ على الغائبِ قولانِ: الأولُ أنهُ لا يحكمُ على الغائبِ لأنهُ لوْ كانَ الحكمُ عليهِ جائزًا لم يكنِ الحضورُ عليهِ واجبًا، ولهذَا الحديثِ فإنهُ دل على أنهُ لا يحكمُ حتَّى يسمعَ كلامَ المدَّعَى عليهِ، والغائبُ لا يُسْمَعُ لهُ جوابٌ، وهذا [الذي ذهبَ إليهِ] (١٣) زيدُ بنُ علي وأبو حنيفةَ، والثاني يحكمُ عليهِ لما تقدَّمَ منْ حديثِ هندٍ. وتقدمَ الكلامُ فيهِ مستوفَى.

стр. 2279

وهذا مذهبُ الهادويةِ ومالكٍ والشافعيّ وأحمدَ (١)، وحملُوا حديثَ عليٍّ هذا على الحاضرِ، وقالُوا: الغائبُ لا يفوتُ عليه حق [فإنه إذا] (٢) حضرَ [كانتْ] (٣) حجتُه [قائمة] (٤)، وتُسْمَعُ ويعملُ بمقتضَاها، ولو أدَّى إلى نقضِ الحكمِ لأنهُ في حكم المشروط. حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له الباطل ٨/ ١٣٠٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضِ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنكم تحْتصمونَ إليَّ، فلعل بعضَكم أنْ يكونَ ألحنَ بحجَّتِهِ منْ بعضٍ فأقضي لهُ علَى نحوِ ما أسمعُ منهُ، فمنْ

стр. 2280

قطعتُ لهُ منْ أخيهِ شيئًا) زادَ في (١) روايةٍ: "فلا يأخذْهُ" رواهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ، (فإنَّما أقطعُ لهُ قطعةً منَ النارِ. متفقٌ عليهِ). اللحن هوَ الميلُ [عن] (٢) جهةِ الاستقامةِ، والمرادُ أن بعضَ الخصماءِ يكونُ أعرفَ بالحجةِ وأفطنَ لها منْ غيرِه. وقولُه: "على نحوِ ما أسمعُ" أي منَ الدَّعْوى والإجابةِ والبينةِ واليمينِ، وقدْ تكونُ باطلةً في نفسِ الأمرِ فيقتطعُ منْ مالِ أخيهِ قطعةً منْ [نارٍ] (٣)، باعتبارِ ما يؤولُ إليهِ منْ بابِ: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٤). والحديثُ دليلٌ على أن حكمَ الحاكمِ لا يحلُّ بهِ للمحكومِ عليه ما حكمَ لهُ بهِ على غيرهِ، إذا كانَ ما ادَّعاهُ باطلًا في نفسِ الأمرِ، وما أقامهُ منَ الشهادةِ كاذِبًا، وأما الحاكمُ فيجوزُ لهُ الحكمُ بما ظهرَ لهُ والإلزامُ بهِ، وتخليصُ المحكومِ عليهِ مما حكمَ بهِ لو امتنعَ، وينفذُ حكْمَهُ ظاهرًا ولكنَّهُ لا يحلُّ بهِ الحرامَ إذا كانَ المدّعي [مبطلًا وشهادتُه] (٥) كاذبةً، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. وخالفَ أبو حنيفةَ فقالَ: إنهُ ينفذُ [حكمه] ظاهرًا وباطِنًا، وإنهُ لو حكمَ الحاكمُ بشهادةِ زورٍ أن هذهِ المرأةَ زوجةُ فلانٍ حلَّتْ لهُ، واستدلَّ بآثارٍ لا [يقومُ] (٦) بها دليلٌ وبقياسٍ لا يقْوى على مقاومةِ النصِّ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ﷺ يقرُّ على الخطأ. وقدْ نُقِلَ الاتفاقُ عن الأصوليينَ أنهُ لا يقرُّ [فيما حكمَ فيهِ باجتهادِه بناءً على جوازِ] (٧) الخطإِ في الأحكام، وجمعَ بينَ اتفاقِهم وبين ما أفادَهُ الحديثُ بأنَّ مرادَهم أنهُ لا يقرُّ فيما حكمَ فيهِ باجتهادِه بناءً على جوازِ الخطأ عليهِ فيهِ، وذلكَ كقصةِ أُسَارَى بدرٍ والإذنِ للمتخلفينَ. وأما الحكمُ الصادرُ عن الطريقِ التي فرضتْ، كالحكمِ بالبينةِ أو يمينِ المحكوم عليهِ، فإنهُ إذا كانَ مخالفًا للباطنِ لا يسمَّى الحكمُ بهِ خطأً بلْ هوَ صحيحٌ لأَنَّهُ على وفقِ ما وقعَ بهِ التكليفُ منْ وجوبِ العملِ بالشاهدينِ، وإنْ كانَا شاهدَيْ زورٍ فالتقصيرُ منْهما. وأما الحاكمُ فلا حيلةَ لهُ في ذلكَ، ولا عتْبَ عليهِ بسببهِ، بخلافِ ما إذا أخطأَ في الاجتهادِ الذي وقعَ الحكمُ على وفقهِ، مثلَ أنْ

стр. 2281

يحكمَ بأنَّ الشفعةَ مثلًا للجارِ، وكانَ الحكمُ في ذلكَ في علمِ اللَّهِ أنَّها لا تثبتُ إلا للخليطِ، فإنهُ إذا كانَ مخالِفًا للحقِ الذي في علمِ اللَّهِ فيثبتُ فيهِ الخطأُ للمجتهدِ على مَنْ يقولُ الحقَّ مَعَ واحدٍ، وهذا هوَ الذي تقدَّمَ أنهُ إذا أخطأَ كانَ لهُ أجرٌ. واستدلَّ بالحديثِ على أنهُ لا يحكمُ الحاكمُ بعلمِه لأنه ﷺ كانَ يمكنُه اطلاعُه على أعيانِ القضَايا مفصلًا، كذَا قالهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ. قلتُ: وفيهِ تأملٌ لأنهُ ﷺ أنما أخبرَ أنهُ يحكمُ على نحوِ ما يسمعُ، ولم ينفِ أنهُ يحكمُ بما علمَ، والتعليلُ بقولِه: "فإنما أقطعُ لهُ قطعةً منَ النارِ" دالٌ على أن ذلكَ في حكمِه بما يسمعُ، فإذا حكمَ بما علمهُ فلا تجري فيهِ العلةُ. الاهتمامُ بالعدل بين الناس ٩/ ١٣٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كَيْفَ تُقَدِّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ (١). [حسن بشواهده] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: كيفَ تُقَدَّسُ أمةٌ) أي: تطهرُ (لا يؤخذُ منْ شديدِهم لضعيفِهم. رواهُ ابنُ حِبَّانَ). وأخرجَ حديثَ جابرٍ أيضًا ابنُ خزيمةَ (٢)، وابنُ ماجهْ (٣)، ويشهد لهُ الحديثُ: ١٠/ ١٣١٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، عِنْدَ البزَّارِ (٤). [حسن بشواهده] ١١/ ١٣١١ - وآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٥). [حسن بشواهده]

стр. 2282

وهوَ قولُه: (ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ بريدةَ عندَ البزارِ). وفي البابِ عنْ قابوسِ بن المخارقِ عنْ أبيهِ رواهُ (١) الطبرانيُّ، وابنُ قانعِ، وفيهِ عنْ خولةَ غيرَ منسوبةٍ. قيل: إنها امرأةُ حمزةَ، رواهُ الطبرانيُّ (٢) وأبو نعيمٍ (٣) [وشواهدُ حديث هذا البابِ] (٤) كثيرةٌ منْها ما ذكرَ ومنْها الحديثُ: وهوَ قولُه: (وآخرُ) أي ولهُ شاهدٌ آخر (منْ حديثِ أبي سعيدٍ عندَ ابن ماجهْ). والمرادُ أنَّها لا تطهرُ أمةٌ منَ الذنوبِ لا يُنْتَصَفُ لضعيفِها منْ قويِّها فيما يلزمُ منَ الحقِّ له، فإنهُ يجبُ نصرُ الضعيفِ حتَّى يأخذَ حقَّه منَ القويِّ كما يؤيدُه حديثُ: "انصر أخاكَ ظالمًا أو مظْلُومًا" (٥). خطر القضاء وكبير مسؤوليته ١٢/ ١٣١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَينَ اثْنَينِ في عُمْرِهِ". رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ (٦)، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (٧)، ولَفْظُهُ: "في تَمْرَةٍ". [ضعيف]

стр. 2283

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: يدْعَى بالقاضي العادلِ يومَ القيامةِ فيلقَى منْ شدةِ الحسابِ ما يتمنَّى أنه لم يقضِ بينَ اثنينِ في عمرِهِ. رواهُ ابن حِبَّانَ وأخرجَهُ البيهقيُّ ولفظُه: في تمرةٍ). في الحديثِ دليلٌ على شدةِ حسابِ القضاةِ يومِ القيامةِ، وذلكَ لما يتعاطونَهُ منَ الخطرِ، فينبغي لهُ أنْ يتحرَّى الحقَّ، ويبلغَ فيهِ جهدَه ويحذرُ منْ خلطاءِ السوءِ منَ الوكلاءِ والأعوانِ. فقدْ أخرجَ البخاريُّ (١) وغيرُه منْ حديثِ أبي سعيد [الخدريِّ] (٢) مرفُوعًا: "ما استخلفَ اللَّهُ منْ خليفةٍ إلَّا لهُ بطانتانِ، بطانةٌ تأمرهُ بالخيرِ وتحضُّه عليهِ، وبطانةٌ تأمرهُ بالشرِّ وتحضُّهُ عليهِ، والمعصومُ مَنْ عصمَهُ اللَّهُ تعالَى"، وأخرجَهُ النسائيُّ (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا بلفظِ: "ما مِنْ والٍ [إلَّا لهُ بطانتانِ (٤)] " الحديثَ. ويحذِّرُ الغرماءَ والوكلاءَ ويروي لهمْ حديثَ: "مَنْ خاصمَ في باطلٍ وهوَ يعلمهُ، لم يزلْ في سخطِ اللَّهِ حتَّى ينزعَ" (٥)، وفي لفظٍ: "مَنْ أعانَ على خصومةٍ بظلمٍ فقدْ باءَ بغضبٍ منَ اللَّهِ" (٦). رواهُما أبو داودَ منْ حديثِ ابن عمرِ. ولما [عرفتَه] (٧) تجنبَ أكابرُ العلماءِ ولايةَ القضاءِ كما قدمناهُ. وإذا كانَ هذا في القاضي العدل فكيفَ بقضاةِ الجَورِ والجهالةِ، وفي ترجمةِ عبدِ اللَّهِ بن وهبٍ في الغربالِ أنهُ كتبَ إليهِ الخليفةُ بقضاءِ مصرَ فاختفَى في بيتِه، فاطلعَ عليه بعضُهم [يومًا] (٨) فقالَ: يا ابنَ وهبٍ ألا تخرجُ بينَ الناسِ بكتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فقالَ: أما علمتَ أن العلماءُ يُحْشَرون معَ الأنبياءِ والقضاةُ معَ السلاطينِ.

стр. 2284

لا يجوز تولية المرأة شيئًا من أمور المسلمين العامة ١٣/ ١٣١٣ - وَعَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وَعَنْ أبِي بكرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: لنْ يفلحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً، رواهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على عدمِ جوازِ توليةِ المرأةِ شيئًا منَ الأحكامِ العامةِ بينَ المسلمينَ، وإنْ كانَ الشارعُ قدْ أثبتَ لها أنَّها راعيةٌ في (٢) بيتِ زوجِها، وذهبَ الحنفيةُ (٣) إلى جوازِ تولِيَتِهَا الأحكامَ إلَّا الحدودَ. وذهبَ ابنُ جريرٍ (٤) إلى جوازِ توليتِها مطلقًا. والحديثُ إخبارٌ عنْ عدمِ فلاحِ منْ ولِّيَ أمرَهم امرأةً، وهمْ منهيونَ عنْ جلبِ عدمِ الفلاحِ لأنفسِهم بل مأمورونَ باكتسابِ ما يكونُ سببًا [للفلاح] (٥). من ولي من أمور المسلمين شيئًا فلا يحتجب عنهم ١٤/ ١٣١٤ - وَعَنْ أَبي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ

стр. 2285

وَلَّاهُ اللهُ شَيئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، والتِّرْمِذِيُّ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي مريمَ الأزديِّ)، هوَ صحابيٌّ اسمُه عمرُو بنُ مرَّة الجهنيُّ رَوَى [عن] (٣) ابن عمِّهِ أبو الشماخِ (٤)، [وأبو] (٥) المعطلِ، وغيرِهِما، (عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ ولَّاهُ اللهُ شيئًا منْ أمورِ المسلمينَ، فاحتجبَ عنْ حاجتِهم وفقيرِهم، احتجبَ اللهُ دونَ حاجتِهِ. أخرجه أبو داودَ والترمذيُّ). ولفظُه عندَ الترمذيِّ (٦): "ما منْ إمامٍ يغلقُ بابهُ دونَ ذوي الحاجةِ والخلةِ والمسكنةِ، إلا أغلقَ اللهُ تعالى أبوابَ السماءِ دونَ خلتهِ وحاجتِه ومسكنتِه"، وأخرجَهُ الحاكمُ (٧) عنْ [أبي] (٨) مخيمرة، عنْ أبي مريمَ، ولهُ قصةٌ معَ معاويةَ، وذلكَ أنهُ قالَ لمعاويةَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ ولَّاهُ اللهُ - الحديث" فجعلَ معاويةُ رجلًا علَى حوائجِ المسلمينَ. ورواهُ أحمدُ (٩) منْ حديثِ معاذٍ بلفظِ: "مَنْ وُلِّيَ مِنْ أمورِ المسلمينَ شيئًا، فاحتجبَ عنْ أُولي الضعفِ والحاجةِ، احتجبَ اللهُ (تعالَى) عنهُ يومَ القيامةِ"، ورواهُ الطبراني (١٠) في الكبيرِ [من حديثِ ابن عباسٍ] (١١) بلفظِ: "أيُّما أميرٍ احتجبَ عن الناسِ فأهمَّهم، احتجبَ اللهُ تعالَى عنهُ يومَ القيامةِ". وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ (١٢)

стр. 2286

عنْ أبيهِ في هذا الحديثِ: منكرٌ. وأخرجَ الطبرانيُّ (١) برجالٍ ثقاتٍ إلا شيخَه، فإِنهُ قالَ المنذريُّ (٢): لم يقفْ فيهِ على جُرْحٍ ولا تعديلٍ منْ حديثِ أبي جحيفةَ أنهُ قالَ لمعاويةَ: سمعتُ منْ رسولِ اللهِ ﷺ حديثًا أحْبَبْتُ أنْ أضَعَهُ عندَكَ مخافَةَ أنْ لا تَلْقَانِي، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يا أيُّها الناسُ، مَنْ وُلِّيَ منكمْ عملًا فحجبَ بابَه عنْ ذي حاجةٍ للمسلمينَ، حجبَهُ اللهُ أنْ يلجَ بابَ الجنَّةِ، ومَنْ كانتْ همَّتُهُ الدُّنْيا حَرَّمَ اللهُ عليهِ جوارِي. فإني بُعِثْتُ بخرابِ الدُّنْيَا، ولم أُبْعَثْ بعمارَتها" (٣). والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ وُلِّيَ أيَّ أمرٍ منْ أمورِ عبادِ اللهِ أنْ لا يحتجبَ عنْهم، وأنْ يسهلَ الحجابَ ليصلَ إليهِ ذو الحاجةِ منْ فقيرٍ وغيرِه. وقولُه: "احتجبَ اللهُ عنهُ" كنايةً عنْ منعِه لهُ منْ فضلِه وعطائِه ورحمتِه. النهي عن الرشوة والسعي بها ١٥/ ١٣١٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الراشي وَالْمُرْتَشِيَ في الْحُكْم"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، والأَرْبَعَةُ (٥)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٧). [صحيح]

стр. 2287

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ الراشيَ والمرتشيَ) في النهايةِ: الراشي مَنْ يعطي الذي يعينُه على الباطلِ، والمرتشيَ الآخذُ (في الحكْمِ. رواهُ أحمدُ، والأربعة، وحسَّنه الترمذيُّ وابن حبانَ) (١). زاد في النهاية: والرائشَ، وهوَ الذي يمشي بينَهما، وهو السفيرُ بين الدافعِ والآخذِ، وإنْ لم يأخذْ علَى سفارتِه أجرًا، فإنْ أخذَ فهوَ أبلغُ. ١٦/ ١٣١٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ (٢) إلَّا النَّسَائِيَّ. [صحيح] (ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو عندَ الأربعةِ إلَّا النسائيَّ) إلَّا أنهُ لم يذكر لفظَ [في] (٣) الحكم في روايةِ أبي داودَ، وإنَّما زادَها في [روايةِ] (٤) الترمذيِّ. والرشوةُ حرامٌ بالإجماعِ سواءٌ كانتْ للقاضي، أوْ للعاملِ على [الصدقة] (٥)، أو لغيرِهِما. وقد قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦). وحاصلُ ما يأخذُه القضاةُ منَ الأموالِ على أربعةِ أقسامٍ: رشوةٍ، وهديةٍ، وأجرةٍ، ورزقٍ (٧). فالأولُ الرشوةُ إنْ كانتْ ليحكمَ لهُ الحاكمُ بغيرِ حقٍّ فهيَ حرامٌ على الآخذِ والمعطي، وإنْ كاثتْ ليحكمَ لهُ بالحقِّ على غريمِه فهيَ حرامٌ على الحاكمِ دونَ المعطي، لأنها لاستيفاء حقه فهي كجُعل الآبق، وأجرة الوكالة على الخصومة، وقيل تحرمُ [لأنَّها] (٨) توقعُ الحاكم في الإثْمِ. وأما الهديةُ وهيَ الثاني

стр. 2288

فإنْ كانتْ ممنْ يهاديهِ قبلَ الولايةِ فلا تحرمُ استدامتُها، وإنْ كانَ لا يُهْدَى [إليه] (١) إلَّا بعدَ الولايةِ فإنْ كانتْ ممنْ لا خصومةَ بينَه وبينَ أحدٍ عندَه جازتْ وكُرِهَتْ، وإنْ كانتْ ممنْ بينَه وبينَ [غريمه] (٢) خصومةٌ عندَه فهيَ حرامٌ على الحاكمِ والمُهدي. ويأتي فيهِ ما سلفَ في الرشوةِ على باطلٍ أو حقٍّ. وأما الأجرةُ وهي الثالثُ فإنْ كانَ للحاكمِ جرايةٌ منْ بيتِ المالِ ورزقٌ حُرمتْ بالاتفاقِ، لأنهُ إنَّما أُجْرِيَ لهُ الرزقُ لأجلِ الاشتغالِ [بالحكمِ] (٣)، فلا وجْهَ للأجرةِ وإنْ كانَ لا جرايةَ له منْ بيتِ المالِ جازَ له أخذُ الأجْرةِ على قدرِ عملِهِ غير حاكِمٍ، فإنْ أخذَ أكثر مما يَستحقُّه حرم عليه لأنَّهُ إنّما يُعطى الأجرةَ [لكونهِ عملَ عملًا] (٤)، لا لأجلِ كونِه حاكمًا، فأخْذُه [لما] (٥) زادَ على أجرةِ مثلِه غيرَ حاكمٍ إنما أخذَها لا في مقابلةِ شيءٍ بلْ في مقابلةِ كونِه حاكمًا، ولا يستحقُّ لأجلِ كونِه حاكمًا شيئًا من [أموالٍ اتفاقًا] (٦)، فأجرةُ العملِ أجْرةُ مثلِه فأخْذُ الزيادة [على أجرةِ مثلِه] (٧) حرامٌ. ولذا قيلَ: إنَّ توليةَ القضاءِ [لمنْ كان غنيًا] (٨) أَوْلَى منْ توليةِ [مَنْ كَان فقيرًا] (٩)؛ وذلكَ لأنهُ لفقرِه يصيرُ متعرِّضًا للتناولِ ما لا يجوزُ لهُ [تناولُه إذا لم يكنْ له] (١٠) [رزقٌ منْ بيتِ المالِ] (١١). قالَ المصنفُ: لم ندركْ في زمانِنا هذا مَنْ يطلبُ القضاءَ إلا وهوَ مصرِّحٌ بأنهُ لم يطلبْه إلا لاحتياجِهِ إلى ما يقومُ بأوَدِهِ معَ العلمِ بأنهُ لا يحصلُ لهُ شيءٌ منْ بيتِ المالِ، انتهَى. تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس ١٧/ ١٣١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أن الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الْحَاكِم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١٣). [إسناده ضعيف]

стр. 2289

(وعنْ عبدِ اللهِ بن الزبيرِ ﵄ قَالَ: قضَى رسولُ اللهِ ﷺ أن الخصمينِ يقعدانِ بينَ يدي الحاكم. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحَهُ الحاكمُ)، [وأخرجَه] (١) أحمدُ (٢)، والبيهقيُّ (٣)، كلُّهم منْ [روايةِ] (٤) مصعبِ (٥) بْنِ ثابتِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ وفيهِ كلامٌ. قالَ أبو حاتم (٦): إنهُ كثيرُ الغلطِ. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ قعودِ الخصمينِ بينَ يدي الحاكمِ، ويسوَّى بينَهما في المجلسِ ما لم يكنْ أحدُهما غيرَ مسلمٍ، فإنهُ يُرْفَعُ المسلمُ كما في قصةِ عليٍّ ﵇ معَ غريمهِ [الذميِّ] (٧) عندَ شريحٍ، وهو ما أخرجَه أبو نعيم (٨) في الحليةِ بسندِه قالَ: "وجدَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ دِرْعًا لهُ عندَ يهوديٍّ التَقَطها فعرفَها فقالَ: درعي سقطتْ عنْ جملٍ لي

стр. 2290

أورقَ، فقالَ اليهوديُّ: درعي وفي يدي، ثمَّ قالَ اليهوديُّ: بيني وبينَك قاضي المسلمينَ، فأتَوا شُرَيْحًا، فلمَّا رأى عليًا ﵇ قد أقبلَ تحرفَ عنْ موضعِه وجلسَ عليٌّ فيهِ ثمَّ قالَ عليٌّ: لو كانَ خصمي منَ المسلمينَ لساويتُه في المجلس لكنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا تساووهم في المجلسِ"، [وساق الحديثَ] (١). قالَ شريحٌ: ما تشاءُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: درعي سقطَ عنْ جملٍ لي أورقَ فالتقطَها هذا اليهوديُّ. قالَ شريحٌ: ما تقولُ يا يهوديُّ؟ قالَ: درعي وفي يدي، قال شريحٌ: صدقتَ واللَّه يا أميرَ المؤمنينَ إنَّها لَدِرْعُكَ، ولكنْ لا بدَّ لكَ منْ شاهدينِ فدعا قنبرًا والحسنَ بنَ عليّ عليهما الصلاة والسلام وشهدا أنها لَدِرْعُهُ. فقال شريحٌ: أما شهادةُ مولاكَ فقد أَجَزْنَاهَا. وأما شهادةُ ابنِكَ لك فلا نجيزُها، فقال عليٌّ ﵇: ثكلتكَ أمكَ، أما سمعتَ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: قال رسول الله ﷺ : "الحسنُ والحسينُ سيِّدا شباب أهلِ الجنةِ"؟ قالَ: اللَّهمَّ نعمْ، قالَ: أفلا تجيزُ شهادةَ سيدِ شبابِ أهلِ الجنةِ؟ ثمَّ قالَ [لليهوديِّ] (٢): خذِ الدرعَ. فقالَ اليهوديُّ: أميرُ المؤمنينَ جاءَ معي إلى قاضي المسلمينَ فقضَى لي، ورَضِيَ. صدقتَ واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ إنها لدرعكَ، سقطتْ عن جملِ لكَ التقطتُها، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، فوهَبَها لهُ عليٌّ ﵇ وأجازَهُ بتسعمائةٍ، وقُتِلَ معهُ يومَ صِفِّينَ: اهـ". وقولُ شريحٍ: [واللَّهِ] (٣) إنها لدرعكَ كأنهُ عرفَها، ويعلمُ أنها درعُه لكنَّه لا يرى الحكمَ بعلمِه كما أنهُ لا يَرَى شهادةً الولدِ لأبيهِ، فانظرْ ما أَبْرَكَ العملَ بالحقِّ منَ الحاكمِ والمحكومِ عليهِ، وما آلَ إليهِ منَ الخيرِ للمدَّعى عليهِ. * * *

стр. 2291

[الباب الأول] باب الشهادات الشهادةُ مصدرُ شهدَ، جمعٌ لإرادةِ [أنواعِ الشهادة] (١). قالَ الجوهريُّ: الشهادةُ خبرٌ قاطعٌ، والشاهدُ حاملُ الشهادةِ ومؤدِّيها لأنه [مشاهِدٌ] (٢) لما غابَ عنْ غيرِه. وقيلَ: [هي] (٣) مأخوذةٌ منَ الإعلامِ منْ قولِه تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤)، أي: علمَ. خير الشهودِ الذي يشهد قبل أن يُسأل ١/ ١٣١٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدِ الْجُهَنِيِّ أن النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ: "ألَا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأتِي بالشَّهادةِ قَبْلَ أنْ يُسْألهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح]

стр. 2292

(وعنْ زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ أن النبيَّ ﷺ قالَ: ألا أخبرُكم بخيرِ الشهداءِ؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها. رواه مسلمٌ). دلَّ [الحديث] (١) على أن خيرَ الشهداءِ مَنْ يأتي بشهادتِه لمن هيَ لهُ قبلَ أنْ [يسأِلَه] (٢)، إلَّا أنهُ يعارضُه الحديثُ الثاني (٣)، وهوَ حديثُ عمرانَ، وفيه: "ثمَّ يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ" في سياقِ الذمِّ لهمْ. ولما تعارضَا اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بينَهما على ثلاثةِ أوجهٍ: الأوَّلُ: أن المرادَ بحديثِ زيدٍ إذا كانَ عندَ الشاهدِ شهادةٌ بحقِّ لا يعلمُ بها صاحبُ الحقِّ فيأتي إليه فيخبرُه بها، أو يموتُ صاحبُها فيخلفُ ورثةً، فيأتي إليهم فيخبرُهم بأنَّ عندَه لهمْ شهادةً، وهذا أحسنُ الأجوبةِ وهوَ جوابُ يحيى بن سعيدٍ شيخِ مالكٍ. الثاني: أن المرادَ بها شهادةُ الحسبةِ وهيَ ما لا تتعلقُ بحقوقِ الآدميينَ المختصةِ بهم محضًا، ويدخلُ في الحسبةِ ما يتعلقُ بحقِّ اللهِ (تعالى)، أوْ ما فيهِ شائبةٌ للهِ تعالى، كالصلاةِ والوقْفِ، والوصيةِ العامةِ، ونحوها. وحديثُ عمرانَ المرادُ بهِ الشهادةُ في حقوقِ الآدميينَ المحضةِ. الثالثُ: أن المرادَ بقولِ أنْ يأتيَ بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها المبالغةُ في الإجابةِ، فيكونُ لقوةِ استعدادِه كالذي أَتَى بها قبلَ أنْ يسألَها كما يُقالُ في حقِّ الجوادِ إنهُ ليعطي قبلَ الطلب، وهذهِ الأجوبةُ مبنيةٌ على أن الشهادةَ [لا تُؤَدَّى] (٤) قبلَ أن يطلبَها صاحبُ الحَقِّ. ومنْهم مَنْ أجازَ ذلكَ عملًا بروايةِ زيدٍ، وتأولَ حديثَ عمرانَ بأحدِ تأويلاتٍ: الأولُ: أنهُ محمولٌ على شهادةِ الزورِ أي يؤدونَ شهادة لم يسبقْ لهم بها علمٌ، حكاهُ الترمذيُّ عنْ بعض أهل العلمِ. الثاني: أن المرادَ إتيانُه بالشهادةِ بلفظِ الحلفِ نحوَ: أشهدُ باللهِ ما كانَ إلَّا كذا، [وهذا] (٥) جوابُ (٦) الطحاويِّ.

стр. 2293

الثالثُ: أن المرادَ بالشهادةِ على ما لم يعلم ما سيكونُ منَ الأمورِ المستقبلةِ، فيشهدُ على قومٍ بانَّهم منْ أهلِ النّارِ، وعلى قومٍ بأنّهم منْ أهلِ الجنةِ بغير دليلٍ كما يصنعُ ذلكَ أهلُ الأهواءِ. حكاهُ الخطابيُّ (١)، والأولُ أحسنُها. خير القرون الثلاثة الأولى ٢/ ١٣١٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ خَيرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عمرانَ بن حصينٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : إنَّ خَيرَكم قرني، ثمَّ الذينَ يلونُهم، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثم يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَذونَ، ويخونونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وينذرونَ ولا يوفونَ، ويظهرُ فيهمُ السِّمَن. متفقٌ عليهِ). القرنُ أهلُ زمانٍ واحدٍ متقاربٍ اشتركُوا في أمرٍ منَ الأمورِ المقصودةِ، ويقالُ إن ذلكَ مخصوصٌ بما إذا اجتمعُوا في زمانٍ [أو رئيسٍ] (٣) يجمعُهم على ملةٍ أوْ مذهبٍ أو عملٍ، ويطلقُ القرنُ على مدةٍ منَ الزمانِ، واختلفُوا في تحديدِها منْ عشرةِ أعوامٍ إلى مائةٍ وعشرينَ. قالَ المصنفُ: إنهُ لم يُرَ مَنْ صرَّح بالتسعينَ

стр. 2294

ولا بمائةٍ وعشرينَ، وما عدا ذلكَ فقدْ قالَ بهِ قائلٌ. قلتُ: أما التسعونَ فنعمْ، وأما المائةُ والعشرونَ] (١) فصرَّح بهِ في القاموسِ (٢)، فإنهُ قالَ: أو مائةٌ، أو مائةٌ وعشرونَ. والأولُ أصحُّ لقولِه ﷺ لغلامٍ: "عِشْ قَرْنًا" فعاشَ مائةَ سنةٍ (٣) انتهَى. قالَ صاحبُ (٤) المطالعِ: القرنُ أمةٌ هلكتْ فلمْ يبقَ منْهم أحدٌ. وقرنُه (٥) ﷺ المرادُ بهِ همُ المسلمونَ في عصرِه. وقولُه: "ثمَّ الذين يلونَهم" همُ التابعونَ، والذينَ يلونَ التابعينَ أتباع التابعينَ. وهذا يدلُّ على أن الصحابةَ أفضلُ منَ التابعينَ، والتابعينَ أفضلُ منْ تابعيهم، وأنَّ التفضيلَ بالنظرِ إلى كلِّ فردٍ فردٍ، وإليه ذهبَ الجماهيرُ. وذهبَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦) إلى أن التفضيلَ بالنسبةِ إلى مجموعِ الصحابةِ لا إلى الأفرادِ، فمجموعُ الصحابةِ أفضلُ ممنْ بعدَهم لا كلُّ فردٍ منْهم، إلَّا أهلَ بدرٍ، وأهلَ الحديبيةِ فإنَّهم أفضلُ منْ غيرهم، يريدُ أن أفرادَهم أفضلُ منْ أفرادِ [مَنْ يأتي بعدَهم] (٧). واستدلَّ على ذلكَ بما أخرجَه الترمذي (٨) منْ حديثِ أنسٍ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ (٩) منْ حديثِ عمارٍ منْ قولِه ﷺ : "أمتي مثلُ المطرِ لا

стр. 2295

يدرى أوَّلُه خيرٌ أمْ آخِرُه"، وبما أخرجَهُ أحمدُ (١) والطبرانيُّ (٢)، والدارميُّ (٣) منْ حديثِ أبي جمعة قالَ: قَالَ أبو عبيدةَ: يا رسولَ اللهِ، أحدٌ خيرٌ مِنَّا؟ أسلمْنا معكَ، وهاجرْنا معكَ، قالَ: "قومٌ يكونونَ منْ بعدِكُم يؤمنونَ بي ولم يروني"، وصحَّحَه الحاكمُ (٤). وأخرجَ أبو داود (٥) والترمذيُّ (٦) منْ حديثِ (أبي) ثعلبةَ يرفعُه: "تأتي أيامٌ للعاملِ فيهنَّ أجرُ خمسينَ، قيلَ: منْهم أو منَّا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "بل منكم". وأخرجَ أبو الحسنِ (٧)

стр. 2296

القطانُ في مشيخَتِه عنْ أنسٍ يرفعُه: "يأتي على الناسِ زمانٌ الصابرُ فيهِ على دينِه لهُ أجرُ خمسينَ منكمْ". وجمعَ الجمهورُ بينَ الأحاديثِ بأنَّ للصحبةِ فضيلةً ومزيةً لا يوازيْها شيءٌ منَ الأعمالِ، فَلِمَنْ صحبَهُ ﷺ فضيلتُها وإنْ قَصُرَ عملُه، وأجرُه باعتبارِ الاجتهادِ في العبادةِ، وتكونُ خيرية منْ يأتي باعتبارِ كثرةِ الأجرِ بالنظرِ إلى ثوابِ الأعمالِ، وهذا قدْ يكونُ في حقِّ بعضِ الصحابةِ. وأما مشاهيرُ الصحابةِ فإنَّهم حازُوا السبقَ منْ كلِّ نوعٍ منْ أنواعِ الخيرِ، وبهذَا يحصلُ الجمعُ بينَ الأحاديثِ. وأيضًا فإنَّ المُفاضلَةَ بينَ الأعمالِ بالنظرِ إلى الأعمالِ المتساويةِ في النوعِ، وفضيلةُ الصحبةِ مختصةٌ بالصحابةِ لم يكنْ لِمَنْ عداهُم شيءٌ منْ ذلكَ النوعِ. وفي قولهِ: "ثمَّ يكونُ قومٌ إلى آخرهِ" دليلٌ على أنهُ لم يكنْ في القرون الثلاثة مَنْ يتَّصِفُ بهذِه الصفات المذمومةِ، ولكنَّ الظاهرَ [أن المراد] (١) بحسبِ الأغلبِ. واستدلَّ بهِ على تعديلِ القرونِ الثلاثةِ، ولكنَّه أيضًا باعتبارِ الأغلبِ، وقولُه: "ولا يؤتمنونَ"، أي: لا يراهُم الناسُ أمناءَ، ولا يثقونَ بهم لظهورِ خيانَتِهم. وقدْ ثبتَ أن الأمانةَ أولُ [ما تُرْفَعُ] (٢) منَ الناسِ، ومعنَى قولِه: (يظهرُ فيهمُ السِّمَنُ) أنهم يتوسَّعونَ في المأكل والمشربِ، وهي أسبابُ السِّمَنِ، وقيلَ أرادَ كثرةَ المالِ، وقيلَ المرادُ أنَّهم يتسمنونَ أي يتكثرونَ بما ليس فيهم، ويدَّعونَ ما ليسَ لهمْ منَ الشرفِ. وفي حديثٍ أخرجَهُ الترمذيُّ (٣) بلفظ: "ثمَّ يجيءُ قومٌ يتسمَّنونَ ويحبونَ السمنَ"، فجمعَ بينَ السمنِ أي التكثرِ بما ليسَ عندَهم، وتعاطي أسبابِ السِّمَنِ. من لا تجوز شهادته ٣/ ١٣٢٠ - وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا
следующие страницы →