← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2292–2331 · переход к 2297.

стр. 2292

(وعنْ زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ أن النبيَّ ﷺ قالَ: ألا أخبرُكم بخيرِ الشهداءِ؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها. رواه مسلمٌ). دلَّ [الحديث] (١) على أن خيرَ الشهداءِ مَنْ يأتي بشهادتِه لمن هيَ لهُ قبلَ أنْ [يسأِلَه] (٢)، إلَّا أنهُ يعارضُه الحديثُ الثاني (٣)، وهوَ حديثُ عمرانَ، وفيه: "ثمَّ يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ" في سياقِ الذمِّ لهمْ. ولما تعارضَا اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بينَهما على ثلاثةِ أوجهٍ: الأوَّلُ: أن المرادَ بحديثِ زيدٍ إذا كانَ عندَ الشاهدِ شهادةٌ بحقِّ لا يعلمُ بها صاحبُ الحقِّ فيأتي إليه فيخبرُه بها، أو يموتُ صاحبُها فيخلفُ ورثةً، فيأتي إليهم فيخبرُهم بأنَّ عندَه لهمْ شهادةً، وهذا أحسنُ الأجوبةِ وهوَ جوابُ يحيى بن سعيدٍ شيخِ مالكٍ. الثاني: أن المرادَ بها شهادةُ الحسبةِ وهيَ ما لا تتعلقُ بحقوقِ الآدميينَ المختصةِ بهم محضًا، ويدخلُ في الحسبةِ ما يتعلقُ بحقِّ اللهِ (تعالى)، أوْ ما فيهِ شائبةٌ للهِ تعالى، كالصلاةِ والوقْفِ، والوصيةِ العامةِ، ونحوها. وحديثُ عمرانَ المرادُ بهِ الشهادةُ في حقوقِ الآدميينَ المحضةِ. الثالثُ: أن المرادَ بقولِ أنْ يأتيَ بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها المبالغةُ في الإجابةِ، فيكونُ لقوةِ استعدادِه كالذي أَتَى بها قبلَ أنْ يسألَها كما يُقالُ في حقِّ الجوادِ إنهُ ليعطي قبلَ الطلب، وهذهِ الأجوبةُ مبنيةٌ على أن الشهادةَ [لا تُؤَدَّى] (٤) قبلَ أن يطلبَها صاحبُ الحَقِّ. ومنْهم مَنْ أجازَ ذلكَ عملًا بروايةِ زيدٍ، وتأولَ حديثَ عمرانَ بأحدِ تأويلاتٍ: الأولُ: أنهُ محمولٌ على شهادةِ الزورِ أي يؤدونَ شهادة لم يسبقْ لهم بها علمٌ، حكاهُ الترمذيُّ عنْ بعض أهل العلمِ. الثاني: أن المرادَ إتيانُه بالشهادةِ بلفظِ الحلفِ نحوَ: أشهدُ باللهِ ما كانَ إلَّا كذا، [وهذا] (٥) جوابُ (٦) الطحاويِّ.

стр. 2293

الثالثُ: أن المرادَ بالشهادةِ على ما لم يعلم ما سيكونُ منَ الأمورِ المستقبلةِ، فيشهدُ على قومٍ بانَّهم منْ أهلِ النّارِ، وعلى قومٍ بأنّهم منْ أهلِ الجنةِ بغير دليلٍ كما يصنعُ ذلكَ أهلُ الأهواءِ. حكاهُ الخطابيُّ (١)، والأولُ أحسنُها. خير القرون الثلاثة الأولى ٢/ ١٣١٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ خَيرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عمرانَ بن حصينٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : إنَّ خَيرَكم قرني، ثمَّ الذينَ يلونُهم، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثم يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَذونَ، ويخونونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وينذرونَ ولا يوفونَ، ويظهرُ فيهمُ السِّمَن. متفقٌ عليهِ). القرنُ أهلُ زمانٍ واحدٍ متقاربٍ اشتركُوا في أمرٍ منَ الأمورِ المقصودةِ، ويقالُ إن ذلكَ مخصوصٌ بما إذا اجتمعُوا في زمانٍ [أو رئيسٍ] (٣) يجمعُهم على ملةٍ أوْ مذهبٍ أو عملٍ، ويطلقُ القرنُ على مدةٍ منَ الزمانِ، واختلفُوا في تحديدِها منْ عشرةِ أعوامٍ إلى مائةٍ وعشرينَ. قالَ المصنفُ: إنهُ لم يُرَ مَنْ صرَّح بالتسعينَ

стр. 2294

ولا بمائةٍ وعشرينَ، وما عدا ذلكَ فقدْ قالَ بهِ قائلٌ. قلتُ: أما التسعونَ فنعمْ، وأما المائةُ والعشرونَ] (١) فصرَّح بهِ في القاموسِ (٢)، فإنهُ قالَ: أو مائةٌ، أو مائةٌ وعشرونَ. والأولُ أصحُّ لقولِه ﷺ لغلامٍ: "عِشْ قَرْنًا" فعاشَ مائةَ سنةٍ (٣) انتهَى. قالَ صاحبُ (٤) المطالعِ: القرنُ أمةٌ هلكتْ فلمْ يبقَ منْهم أحدٌ. وقرنُه (٥) ﷺ المرادُ بهِ همُ المسلمونَ في عصرِه. وقولُه: "ثمَّ الذين يلونَهم" همُ التابعونَ، والذينَ يلونَ التابعينَ أتباع التابعينَ. وهذا يدلُّ على أن الصحابةَ أفضلُ منَ التابعينَ، والتابعينَ أفضلُ منْ تابعيهم، وأنَّ التفضيلَ بالنظرِ إلى كلِّ فردٍ فردٍ، وإليه ذهبَ الجماهيرُ. وذهبَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦) إلى أن التفضيلَ بالنسبةِ إلى مجموعِ الصحابةِ لا إلى الأفرادِ، فمجموعُ الصحابةِ أفضلُ ممنْ بعدَهم لا كلُّ فردٍ منْهم، إلَّا أهلَ بدرٍ، وأهلَ الحديبيةِ فإنَّهم أفضلُ منْ غيرهم، يريدُ أن أفرادَهم أفضلُ منْ أفرادِ [مَنْ يأتي بعدَهم] (٧). واستدلَّ على ذلكَ بما أخرجَه الترمذي (٨) منْ حديثِ أنسٍ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ (٩) منْ حديثِ عمارٍ منْ قولِه ﷺ : "أمتي مثلُ المطرِ لا

стр. 2295

يدرى أوَّلُه خيرٌ أمْ آخِرُه"، وبما أخرجَهُ أحمدُ (١) والطبرانيُّ (٢)، والدارميُّ (٣) منْ حديثِ أبي جمعة قالَ: قَالَ أبو عبيدةَ: يا رسولَ اللهِ، أحدٌ خيرٌ مِنَّا؟ أسلمْنا معكَ، وهاجرْنا معكَ، قالَ: "قومٌ يكونونَ منْ بعدِكُم يؤمنونَ بي ولم يروني"، وصحَّحَه الحاكمُ (٤). وأخرجَ أبو داود (٥) والترمذيُّ (٦) منْ حديثِ (أبي) ثعلبةَ يرفعُه: "تأتي أيامٌ للعاملِ فيهنَّ أجرُ خمسينَ، قيلَ: منْهم أو منَّا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "بل منكم". وأخرجَ أبو الحسنِ (٧)

стр. 2296

القطانُ في مشيخَتِه عنْ أنسٍ يرفعُه: "يأتي على الناسِ زمانٌ الصابرُ فيهِ على دينِه لهُ أجرُ خمسينَ منكمْ". وجمعَ الجمهورُ بينَ الأحاديثِ بأنَّ للصحبةِ فضيلةً ومزيةً لا يوازيْها شيءٌ منَ الأعمالِ، فَلِمَنْ صحبَهُ ﷺ فضيلتُها وإنْ قَصُرَ عملُه، وأجرُه باعتبارِ الاجتهادِ في العبادةِ، وتكونُ خيرية منْ يأتي باعتبارِ كثرةِ الأجرِ بالنظرِ إلى ثوابِ الأعمالِ، وهذا قدْ يكونُ في حقِّ بعضِ الصحابةِ. وأما مشاهيرُ الصحابةِ فإنَّهم حازُوا السبقَ منْ كلِّ نوعٍ منْ أنواعِ الخيرِ، وبهذَا يحصلُ الجمعُ بينَ الأحاديثِ. وأيضًا فإنَّ المُفاضلَةَ بينَ الأعمالِ بالنظرِ إلى الأعمالِ المتساويةِ في النوعِ، وفضيلةُ الصحبةِ مختصةٌ بالصحابةِ لم يكنْ لِمَنْ عداهُم شيءٌ منْ ذلكَ النوعِ. وفي قولهِ: "ثمَّ يكونُ قومٌ إلى آخرهِ" دليلٌ على أنهُ لم يكنْ في القرون الثلاثة مَنْ يتَّصِفُ بهذِه الصفات المذمومةِ، ولكنَّ الظاهرَ [أن المراد] (١) بحسبِ الأغلبِ. واستدلَّ بهِ على تعديلِ القرونِ الثلاثةِ، ولكنَّه أيضًا باعتبارِ الأغلبِ، وقولُه: "ولا يؤتمنونَ"، أي: لا يراهُم الناسُ أمناءَ، ولا يثقونَ بهم لظهورِ خيانَتِهم. وقدْ ثبتَ أن الأمانةَ أولُ [ما تُرْفَعُ] (٢) منَ الناسِ، ومعنَى قولِه: (يظهرُ فيهمُ السِّمَنُ) أنهم يتوسَّعونَ في المأكل والمشربِ، وهي أسبابُ السِّمَنِ، وقيلَ أرادَ كثرةَ المالِ، وقيلَ المرادُ أنَّهم يتسمنونَ أي يتكثرونَ بما ليس فيهم، ويدَّعونَ ما ليسَ لهمْ منَ الشرفِ. وفي حديثٍ أخرجَهُ الترمذيُّ (٣) بلفظ: "ثمَّ يجيءُ قومٌ يتسمَّنونَ ويحبونَ السمنَ"، فجمعَ بينَ السمنِ أي التكثرِ بما ليسَ عندَهم، وتعاطي أسبابِ السِّمَنِ. من لا تجوز شهادته ٣/ ١٣٢٠ - وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا

стр. 2297

تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيتِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢). [حسن]. (وعنْ عبدِ اللهِ بن عمرو ﵄ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﵌: لا تجوز شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذي غَمَرٍ) بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وفتحِ الميمِ وكسرِها، بعدَها راءٌ، فسَّرَهُ أبو داودَ بالحنةِ بالحاءِ المهملةِ، وهيَ الحقدُ والشحناءُ، (على أخيهِ، ولا تجوزُ شهادة القانعِ) بالقافِ وبعدَ الألفِ نونٌ، ثمَّ عينٌ مهملةٌ يأتي بيانهُ، (لأهلِ البيتِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ)، وأخرجَهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ عمروِ بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّه بلفظٍ: "ردَّ رسولُ اللهِ ﵌ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ"، وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٤)، والبيهقيُّ (٥)، وإسنادُه قويٌّ. وأخرجَهُ الترمذيُّ (٦) والدارقطنيُّ (٧) والبيهقيُّ (٨) منْ حديثِ عائشةَ ﵂ بلفظٍ: لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذي غَمَرٍ لأخيهِ. وفيهِ ضعفٌ، قالَ الترمذيُّ (٩): لا يصحُّ إسنادُه. وقالَ أبو زُرعةَ (١٠) في العِلَلِ: منكرٌ، وضعَّفَهُ عبدُ الحقِّ وابن حزمٍ وابنُ الجوزي (١١). قالَ البيهقيُّ (١٢): لا يصحُّ من هذا شيءٌ

стр. 2298

عن النبيِّ ﷺ . وقولهُ: "الخائنُ"، قالَ أبو عُبيدة (١): لا نراه خصّ به الخيانةَ في أماناتِ النّاس دون ما افترض اللهُ علىَ عبادهِ، وأْتَمَنَهُمْ عليهِ، فإنهُ قدْ سمَّى ذلك أمانةً قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٢)، فمنْ ضيَّعَ شيئًا مما أمرَ اللهُ تعالَى بهِ، أو ركب ما نهَى عنهُ [فلا] (٣) ينبغي أنْ يكونَ عدْلًا فإنهُ إذا كانَ خائِنًا فليسَ لهُ تقوى تردُّه عن ارتكاب محظوراتِ الدينِ التي منها الكذبُ، فلا يحصلُ الظنُّ بخبرهِ، ولأنهُ مظنةُ تهمةِ أوَ مسلوبُ الأهليةِ، وأما ذو الغَمَرِ فالمرادُ بهِ ما ذكرنَاه منَ الحقدِ والشحناءِ، والمرادُ بأخيهِ المسلمِ المشهودُ عليهِ، والكافرُ مثلُه لا يجوزُ أنْ يشهدَ ذو حقدٍ عليهِ إذا كانت العداوةُ لسببٍ غيرِ الدينِ، فإنَّ ذا الحقدِ مظنةُ عدمِ صدقِ خبرهِ لمحبتهِ إنزالَ الضررِ بمنْ [يحقدُ] (٤) عليهِ، وأما المسلمُ إذا لم يكنْ ذا حقدِ على الكافرِ بسببِ غيرِ الدينِ فإنَّها تُقْبَلُ شهادتُه عليهِ، وإنْ كانَ بينَهما عداوةٌ في الدينِ، فإنَّ عداوةَ الدينِ لا تقتضي أنْ يشهدَ عليهِ زورًا، فإنَّ الدينَ لا يسوِّغُ ذلكَ. وإنما خَرَجَ الحديثُ على الأغلبِ. والقانعُ هوَ الخادمُ لأهلِ البيتِ، والمنقطعُ إليهم للخدمةِ وقضاءِ الحوائج، [وموالاتِهم عندَ الحاجةِ] (٥). وفي تمامِ الحديثِ: وأجازَها، أي: شهادةَ القانعِ لغيرِهمْ أي لغيرِ مَنْ هَو تابعٌ لهم، وإنما مُنِعَ منْ شهادتهِ لمنْ هوَ تابعٌ لهمْ لأنهُ مظنة تهمةٍ، فيجبُ دفعُ الضرِّ عنْهم، وجلبُ الخيرِ إليهم فمنعَ منَ الشهادةِ. ومَنْعُ هؤلاءِ منَ الشهادةِ دليلٌ علَى اعتبار العدالةِ في الشاهدِ عليهِ، دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦)، وقدْ رسمُوا العدالةَ بأنَّها محافظةٌ دينيةٌ تحملُ على ملازمةِ التقْوى والمروءةِ ليسَ معَها بِدْعَةٌ. وقدْ نازعنْاهُم في هذا الرسمِ (٧) في عدةِ منَ المباحث [كرسالتنا] (٨) المسمَّاة: "المسائلِ المهمةِ فيما تعمُّ بهِ البلْوى حكامَ الأمةِ" (٩)، وحقَّقْنا الحقَّ في العدالةِ في رسالةِ "ثمراتِ النظرِ، في علمِ الأثرِ" (١٠).

стр. 2299

وفي "منحةِ الغفارِ، حاشيةِ ضوءِ النهارِ" (١) وللهِ الحمدُ. واخترْنا أن العدلَ هوَ مَنْ غلبَ خيرُه شرَّهُ، ولم يجربْ عليهِ اعتيادُ كذبٍ، وأقمنا عليهِ الأدلةَ هنالكَ، والشارحُ هنا مشَى معَ الجماهيرِ. وذكرَ بعضَ ما يتعلقُ بتفسيرِ مرادِهم. لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية ٤/ ١٣٢١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَة"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: لا تجوز شهادة بدويٍّ على صاحبِ قريةٍ. رواهُ أبو داودَ، وابن ماجهْ). البدويُّ مَنْ سكنَ الباديةَ، نسِبَ على غيرِ قياس النسبةِ، والقياسُ بادويٌّ، والقريةُ بفتحِ القافِ وقدْ تكسرُ، المصرُ الجامعُ. وفيهِ دليلٌ على عدمِ صحةِ شهادةِ البدويِّ على صاحبِ القريةِ، لا لبدوي مثله فتصحُّ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (٤)، وجماعةٌ منْ [الصحابةِ] (٥). وقالَ أحمدُ: أخْشَى أنْ لا تُقْبَلَ شهادةُ البدويِّ على صاحبِ القريةِ لهذا الحديثِ، لأنهُ متَّهم حيثُ أشهدَ بدويًا ولم يشهِدْ قرويًا. وإليهِ ذهبَ مالكٌ (٦)، إلَّا أنهُ قالَ: لا تُقْبَلُ شهادةُ البدويِّ لما فيهِ منَ الجفاءِ في الدينِ، والجهالةِ بأحكامِ الشرائعِ، ولأنَّهم في الغالبِ لا يضبطونَ الشهادةَ على وجْهِهَا. وذهبَ الأكثرُ إلى قبولِ شهادتِهم، وحملُوا الحديثَ على مَنْ لا تُعْرَفُ عدالتُه منْ أهلِ الباديةِ؛ إذِ

стр. 2300

الأغلبُ أن عدالتَهم غيرُ معروفةٍ. واستدلَّ في البحرِ (١) لقَبولِ شهادتِهم بقَبولهِ ﷺ شهادة الأعرابيِّ [على] (٢) هلالِ رمضانَ. عدالة الشاهد بما يظهر من حاله ٥/ ١٣٢٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ أُنَاسا كَانُوا يُؤخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُم الآنَ بِمَا ظَهَرَ لنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعنْ عمرَ بن الخطاب ﵁ أنهُ خطبَ فقالَ: إنَّ أناسًا كانُوا يُؤخذونَ بالوحي في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّ الوحْيَ قدِ انقطعَ، وإنَّما نأخذُكم الآنَ بما ظهرَ لنا منْ أعمالِكم. رواهُ البخاريُّ)، وتمامهُ: "فمنْ أظهرَ لنا خيرًا أمِنَّاه وقرَّبناهُ، وليسَ لنا من سريرِته شيءٌ، اللهُ يحاسبُه في سريرتِه. ومَنْ أظهرَ لنا سوءًا لم نأمنْه ولم نصدِّقْه، وإنْ قالَ إنَّ سريرتَه حسنةٌ". استدلَّ بهِ على قبولِ شهادةِ مَنْ لم يظهرْ منهُ ريبةٌ نظرًا إلى ظاهرِ الحالِ، وأنهُ يكفي في التعديلِ ما يظهرُ منْ حالِ المعدِّلِ منَ الاستقامةِ منْ غيرِ كشفٍ عنْ حقيقةِ سريرته، لأنَّ ذلكَ متعذَّرٌ إلَّا بالوحْي وقدِ انقطعَ، وكأنَّ المصنفَ أوردَه وإنْ كانَ كلامَ صحابيٍّ لا حجةَ فيهِ، لأنهُ خطبَ بهِ عمرُ، وأقرَّه مَنْ سمعَهُ فكانَ قولَ جماهيرِ الصحابةِ، ولأنَّ الذي قالَه هوَ الجاري على قواعدِ الشريعةِ [الغرَّاء] (٤)، وظاهرُ كلامهِ أنهُ لا يُقْبَلُ المجهولُ. ويدلُّ لهُ ما رواهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: "أنهُ شهدَ عندَ عمرَ رجلٌ، فقالَ لهُ عمرُ: لستُ أعرفُك ولا

стр. 2301

يضرُّك أنْ لا أعرفَكَ، ائتِ بمنْ يعرفُكَ، فقالَ رجلٌ منَ القومِ: أنا أعرفُه، قالَ: بأيِّ شيءِ تعرفُه؟ قالَ: بالعدالةِ والفضلِ، فقالَ: هوَ جارُك الأَدْنى تعرفُ ليلَه ونهاره، ومدخلَه ومخرجَه؟ قالَ لا، قالَ فمعاملك بالدينارِ والدرهمِ اللذيْنِ يُسْتَدلُّ بهما على الورعِ، قالَ: لا، قالَ: فرفيقُكَ في السفرِ الذي يُسْتَدَلُ بهِ على مكارمِ الأخلاقِ، قالَ: لا، قالَ: لستَ تعرفُه، ثمَّ قالَ للرجلِ: ائتِ بمنْ يعرفُك". قالَ ابنُ كثيرِ: رواهُ البغويُّ (١) بإسنادِ حسنٍ. من أكبر شهادة الزور ٦/ ١٣٢٣ - وَعَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، في حَدِيثِ طَوِيلٍ. [صحيح] (وعنْ أبي بكرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنهُ عدَّ شهادةَ الزورِ في أكبرِ الكبائرِ. متفقٌ عليهِ في حديثِ). ولفظ الحديث أنهُ ﷺ : "ألا أنبّئُكم بأكبرِ الكبائرِ - ثلاثًا - قالُوا: بلَى، قالَ: [الإشراكُ] (٣) باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ [ … ] (٤)، وكانَ متكئًا [فجلس] (٥) ثمَّ قالَ: "ألا وقولَ الزورِ" فما زال يكررهُا حتَّى قلْنا ليتَه سكتَ. تقدَّم تفسيرُ شهادةِ الزورِ. قالَ الثعلبيُّ (٦): الزورُ تحسينُ الشيءِ ووصفهُ بخلافِ

стр. 2302

صفتهِ حتَّى يُخَيَّلَ إلى مَنْ سمعَه أوْ رآهُ أنهُ بخلافِ ما هوَ بهِ، فهوَ تمويهُ الباطلِ بما يوهِمُ أنهُ حقٌّ، وقدْ جعلَ ﷺ قولَ الزورِ عديلًا [للإشراكِ] (١)، ومساويًا لهُ. قالَ النوويُّ (٢): وليسَ على ظاهرهِ المتبادَرِ، وذلكَ لأنَّ الشركَ أكبرُ بلا شكٍّ، وكذلكَ القتلُ فلا بدَّ منْ تأويلهِ، وذلكَ بأنَّ التفضيلَ لها بالنظرِ إلى ما يناظرُها في المفسدةِ وهو التسبُّبُ إلى أكلِ المالِ بالباطلِ، فهيَ أكبرُ الكبائرِ بالنسبةِ إلى الكبائرِ التي يتسبَّبُ بها إلى أكلِ المالِ بالبَاطلِ، فهيَ أكبرُ منَ السرقةِ [والربا] (٣)، وإنما اهتَمَّ ﷺ بإخبارِهم عنْ شهادةِ الزورِ وجلسَ وأَتَى بحرفِ التنبيهِ، وكرَّرَ الإخبارَ لكونِ قولِ الزورِ وشهادةِ الزورِ أسهلَ على اللسانِ، والتهاونُ بها أكثرُ، ولأنَّ الحواملَ [عليهِ] (٤) كثيرةٌ منَ العداوةِ والحسدِ وغيرِهما، فاحتيجَ إلى الاهتمامِ بشأنهِ، بخلافِ [الشرك فإنه وإن كان كبيرة إلَّا أنه] (٥) ينبو عنهُ قلبُ المسلمِ، لأنها لا تتعدَّى مفسدتُه إلى غيرِ المشركِ، بخلافِ قولِ الزورِ فإنهُ يتعدَّى إلى مَنْ قيلَ فيهِ، والعقوقُ يصرفُ عنهُ كرمُ الطبعِ والمروءةِ. الشهاده على ما استيقن ٧/ ١٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "تَرَى الشَّمْسَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ (٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٧) فَأَخْطَأَ. [ضعيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ: ترى الشمسَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: على مثِلها فاشهدْ أو دعْ. أخرجَهُ ابنُ عدي بإسنادٍ ضعيفٍ. وصحَّحهُ الحاكمُ فأخطأ)، لأنَّ في إسنادِه محمدَ بنَ سليمانَ بنَ مشمولٍ ضعَّفهُ النسائيُّ (٨). وقالَ البيهقيُّ: لم يُرْوَ

стр. 2303

منْ وجهٍ يعتمدُ عليهِ، وفيهِ دليل على أنهُ لا يجوزُ للشاهدِ أنْ يشهدَ إلَّا علَى ما يعلمهُ علْمًا يقينًا كما يعلم الشمسَ بالمشاهدة، ولا تجوزُ الشهادةُ بالظنِّ، فإنْ كانتِ الشهادةُ على فعلٍ فلا بدَّ منْ رؤيتهِ، وإنْ كانتْ على صوتٍ فلا بدَّ منْ سماع الصوتِ، ورؤيةِ المصوِّتِ، أو التعريفِ بالمصوِّتِ بعدلَيْنِ أو عدلٍ عندَ منْ يكتفي بهِ إلَّا في مواضعَ فإنها تجوزُ الشهادةُ بالظنِّ. وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (١) للشهادةِ على الظنِّ بقولهِ: (بابُ الشهادةِ على الأنسابِ والرضاعِ المستفيضِ، والموتِ القديمِ) وذكرَ أربعةَ أحاديثَ (٢) في ثبوتِ الرضاعِ، وثبوتُه إنَّما هوَ بالاستفاضةِ ولم يذكرْ حديثًا على رؤيةِ الرضاعِ، وأشارَ بذلكَ إلى ثبوتِ النسبِ، فإنَّ لازمَ الرضاعِ ثبوتُ النسبِ، وأما ثبوتُ الرضاعةِ نفسها بالاستفاضةِ فإنهُ مُسْتَفَادٌ منْ صريحِ الأحاديثِ، فإنَّ الرَّضاعةَ المذكورةَ فيها كانتْ في الجاهليةِ، وكانَ ذلكَ مستفيضًا عندَ مَنْ وقعَ لهُ. وحدُّ الاستفاضةِ عندَ الهادويةِ شهرةٌ في المحلَّةِ تثمرُ ظنًا أو عِلْمًا، وإنَّما اكْتُفي

стр. 2304

بالشهرةِ في المذكورةِ؛ إذْ لا طريقَ لهُ إلى التحقيقِ بالنسبِ لتعذُّرِ التحققِ فيهِ في الأغلبِ. وأرادَ البخاريُّ (١) بالموتِ القديمِ ما تطاولَ الزمانُ عليهِ، وحدَّهَ البعضُ بخمسينَ (٢) سنةٍ، وقيلَ أربعينَ، وذلكَ لأنهُ يشقُّ فيهِ التحقيقُ. وإلى العملِ بالشهرةِ في النسبِ ذهبَ الهادويةُ والشافعيةُ، وأحمدُ، ومثلُه الموتُ، كذلكَ ذهبت الهادويةُ، وفي ثبوتِ الولاءِ، وقالَ المصنفُ (٣) في الفتحِ: اختلفَ العلماءُ في ضابطِ ما تفيدُ فيهِ الشهادةُ بالاستفاضةِ، فيصحُّ عندَ الشافعيةِ في النسبِ قطْعًا والولادةِ، وفي الموتِ، والعتقِ، والولاءِ، [والولايةِ] (٤)، والوقفِ، والعزلِ، والنكاحِ، وتوابعهِ، والتعديلِ، والتجريحِ، والوصيةِ، والرشدِ، والسفهِ، والملك على الراجحِ في جميع ذلكَ، وبلغَها بعضُ المتأخرينَ منَ الشافعيةِ بضعةً وعشرينَ موضعًا، وهي مستوفاةٌ في قواعدِ العلائي إلى آخرِ كلامهِ. القضاء باليمين والشاهد ٨/ ١٣٢٥ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (٦)، وَالنَّسَائيُّ (٧)، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قضَى بيمينٍ وشاهدٍ. أخرجَهُ مسلمٌ، وأبو داود، والنسائيُّ. وقالَ: إسنادُه جيدٌ)، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٨): لا مطعنَ لأحدٍ في

стр. 2305

إسنادِه كذَا قالَ، لكنَّه قالَ الترمذيُّ في العللِ (١): سألتُ محمَّدًا يعني البخاريَّ عنهُ فقالَ: لم يسمعْه عندي عمرٌو منِ ابن عباسٍ، يريدُ عمرَو بنَ دينارٍ راويه عن ابن عباسٍ. قالَ الحاكم: قدْ سمعَ عمرٌو منِ ابن عباسٍ عدةَ أحاديثَ، وسمعَ منْ جماعةٍ منْ [الصحابةِ] (٢)، فلا ينكرُ أن يكونَ سمعً منهُ حديثًا. وسمعَهُ منْ أصحابهِ عنهُ، ولهُ شواهدُ منها: ٩/ ١٣٢٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٤)، وَصَحّحَهُ (٥) ابْنُ حِبَّانَ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرة ﵁ مثلُهُ. أخرجَه أبو داودَ، والترمذيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ)، وأخرجَهُ أيضًا الشافعي (٦). قالَ ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ (٧) عنْ أبيهِ: هوَ صحيحٌ. وقدْ أخرجَ الحديثَ عن اثنينِ وعشرين منَ الصحابةِ (٨)، [وقدْ] سردَ الشارحُ أسماءَهم. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يثبتُ القضاءُ بشاهدٍ ويمينٍ، وإليهِ ذهبَ جماهيرُ منَ الصحابةِ والتابعينَ وغيرِهم، وهوَ مذهبُ فقهاءِ المدينةِ السبعةِ، والهادويةِ، ومالك، قالَ الشافعيُّ: وعمدتُهم هذهِ الأحاديثُ، واليمينُ وإنْ كانَ حاصلُها تأكيدُ الدَّعْوى لكنْ يعظُم شأنُها، فإنَّها إشهادٌ للهِ سبحانَه تعالى أن

стр. 2306

الحقيقةَ كما يقولُ ولو كانَ الأمرُ على خلافِ الدَّعْوى لكانَ مفتريًا علَى اللهِ أنّهُ يعلمُ صدقَهُ، فلمّا كانتْ بهذهِ [المثابةِ] (١) العظيمةِ هَابها المؤمِنُ بإيمانِهِ وعظَمة شأنِ اللهِ تعالى عندَهُ أن يَحْلفَ بهِ كاذِبًا، وهَابها الفاجِرُ لِمَا يراهُ منْ تعجيلِ عقُوبة اللهِ تعالى لمنْ حلفَ يمينًا فاجرةً، فلمَّا كانَ لليمينِ هذا الشأنَ صلحتْ للهجومِ على الحكمِ كشهادةِ الشاهدِ، وقد اعتُبرتِ الأيمانُ فقطْ في اللعانِ، وفي القَسَامةِ في مقامِ الشهودِ. وذهبَ زيدُ بنُ عليّ وأبو حنيفةَ (٢) وأصحابهُ إلى عدم الحكمِ باليمينِ والشاهدِ، مستدلينَ بقولهِ تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٤)، قالُوا: وهذا يقتضي الحصرَ ويفيدُ مفهومُ المخالفة لا بغير ذلكَ، وزيادةُ الشاهدِ واليمين مخالفة، وزيادة الشاهد واليمين تكونُ نسخًا لمفهومِ المخالفةِ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ على تقديرِ اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ يصحُّ نسخهُ بالحديثِ الصحيحِ أعني حديثَ ابن عباسٍ. واستدلُّوا بقولهِ ﷺ : "شاهداكَ أو يمينُه" (٥). وأُجِيْبَ بأنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ، وحديثُ الشاهدِ واليمينِ صحيحٌ يُعْمَلُ بهمِا في منطوقِهمَا، ومفهومُ أحدهما لا يقاومُ [صريح] (٦) الآخرِ. هذا وفي سنن أبي داودَ (٧) أنهُ قالَ سلمةُ في حديثهِ: قالَ عمرٌو (في الحقوقِ) يريدُ أن عمرَو بنَ دينارِ [راوي الحديث] (٨) عن ابنِ عباسٍ خصَّ الحكمَ بالشاهدِ واليمينِ [بالحقوقِ] (٩). [واليمين في الحقوق دون الحدود ونحوها] (١٠).

стр. 2307

قالَ الخطابيُّ (١): وهذا خاصُّ بالأموالِ دونَ غيرِها؛ [فإنَّ] (٢) الراوي وقفَه عليها، والخاصُّ لا يعدَّى بهِ محلَّه، ولا يقاسُ عليهِ غيرهُ، [واقتضاءُ] العمومِ منهُ غيرُ جائزٍ، لأنهُ حكايةُ فعلٍ، والفعلُ لا عمومَ لهُ اهـ. والحقُّ أنهُ لا يخرجُ من الحكمِ (٣) بالشاهدِ واليمينِ إلَّا الحدَّ والقصاصَ للإجماعِ أنَّهما لا يثبتانِ بذلكَ. * * *

стр. 2308

[الباب الثاني] باب الدعاوى والبيِّنات الدعاوى جمعُ دعوى، وهي اسمُ مصدرٍ من ادَّعى [شيئًا] (١) إذا زعمَ أنهُ لهُ [حقًّا] (٢)، سواء كان حقًّا أوْ باطلًا، والبيِّناتُ: جمعُ بيِّنةٍ وهيَ الحجَّةُ الواضحةُ، سُميّتْ الحجةُ بيِّنةً لوضوحِ الحقِّ وظهورِه بها. لا تُقبل دعوى إلَّا ببيِّنة ١/ ١٣٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى الناسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رجَال وَأمْوَالَهُمْ، وَلَكِن اليَمِين عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] - وَللْبَيْهقِيِّ (٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ". (عن ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لو يُعْطَى الناسُ بدعْواهُم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ اليمين على المدَّعى عليهِ. متفقٌ عليهِ. وللبيهقي) [أي من

стр. 2309

حديثِ، (١) ابن عباس (بإسنادٍ صحيحِ: البيِّنةُ على المدَّعي واليمينُ على مَنْ أنْكرَ). وفي البابِ عن ابن عمرَ عند ابن حِبَّانَ (٢)، وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عندَ الترمذيِّ (٣). والحديثُ دالُّ على أنهُ لا يُقْبَلُ قولُ أحدٍ فيما يدَّعِيْهِ لمجرَّدِ دعْواهُ، بلْ يحتاجُ إلى البيِّنةِ أوْ تصديقِ المدَّعَى عليهِ، فإن طلبَ يمينَ المدَّعى عليهِ فلهُ ذلكَ، وإلى هذا ذهبَ سلفُ الأمَّةِ وخلفُها. قالَ العلماءُ: والحكمةُ في كونِ البيِّنةِ على المدَّعي أن جانبَ المدَّعي ضعيفٌ لأنهُ يدَّعي خلافَ الظاهرِ، فكُلِّفَ الحجةَ القويةَ وهي البيِّنةُ، فيقوى بها [ضعفَ المدَّعي] (٤)، وجانبُ المدَّعى عليه قويُّ لأنَّ الأصلَ فراغُ ذمته فاكْتُفِيَ منهُ باليمينِ، وهيَ حجةٌ ضعيفةٌ. القرعة بين الخصوم في اليمين ٢/ ١٣٢٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ عرضَ على قومٍ اليمينَ فأسرعُوا، فأمرَ أنْ يُسْهَمَ بينَهم في اليمينِ أيّهم يحلفُ. رواهُ البخاريُّ). يفسِّرهُ ما رواهُ أبو داودَ (٦)، والنسائيُّ (٧) منْ طريقِ أبي رافعٍ عنْ أبي هريرةَ أن رجلَيْنِ اختصمَا في متاع ليسَ لواحدٍ منْهما بينةٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "استَهِمَا على اليمينِ ما كانَ أحبَّا ذلكَ أو كرِهَا". قالَ الخطابيُّ (٨): ومعنَى الاستهام هنا الاقتراعُ، يريدُ أنهَّما يقترعانِ فأيُّهما خرجتْ

стр. 2310

لهُ القرعةُ حلفَ وأخذَ ما ادَّعى، ورُوِيَ مثلُه عنْ عليّ بن (١) أبي طالبٍ ﵇ وهوَ أنهُ أتِيَ بنعلٍ وُجِدَ في السوقِ يباعُ فقالَ رجلٌ: هذا نعلي لم أبعْ ولم أهبْ، ونَزَعَ علَى خمسةٍ يشهدونَ، وجاءَ آخرُ يدَّعيهِ يزعمُ أنهُ نعلُه، وجاءَ بشاهِدْينِ. [قال الراوي] (٢): فقالَ عليٌّ ﵁: إنَّ فيهِ قضاءً وصُلْحًا، وسَوفَ أبيِّنُ لكمْ ذلكَ، أما صلْحهُ أن يُبَاعَ النعلُ فيقسمَ على سبعةِ أسهمٍ لهذا خمسةٌ، ولهذَا اثنانِ، وإنْ لم يصْطَلِحا فالقضاءُ أن يحلفَ أحدُ الخصمينِ أنهُ ما باعهُ ولا وهبهُ، وأنهُ نعلُه فإنْ تشاحَحتُما (٣) أيُّكما يحلفُ فإنهُ يقرعُ بينَكُما على الحلِف، فأيُّكما قرعَ حلفَ. انتهَى كلامُ الخطابيِّ. غضب الله على من أكل مال غيره بالباطل ٣/ ١٣٢٩ - وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الْجَنةَ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]. (وعنْ أبي أمامةَ الحارثيِّ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: منِ اقتطعَ حقَ امرئٍ مسلمٍ بيمينهِ فقدْ أوجبَ اللهُ لهُ النارَ، وحرَّم عليهِ الجنةَ. فقالَ لهُ رجلٌ: وانْ كانَ شيئًا يسيرًا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: وانْ كانَ قضيبًا منْ أراكٍ. رواهُ مسلمٌ).

стр. 2311

الحديثُ دليلٌ على شدةِ الوعيدِ لمنْ حلفَ ليأخذَ حقًّا لغيرهِ، أو يسقطَ عنْ نفسهِ حقًّا، فإنهُ يدخلُ تحتَ الاقتطاعِ لحقِّ المسلمِ، والتعبيرُ بحقِّ المسلمِ يدخلُ فيهِ ما ليسَ بمالٍ شرعًا كجِلْدِ الميتةِ ونحوِه. وذِكْرُ المسلمِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، وإلا فالذميُّ مثلُه في هذَا الحكمِ. وقيلَ: ويحتملُ أن هذهِ العقوبةَ تختصُّ بمنِ اقتطعَ بيمينهِ حقَّ المسلم لا حقَّ الذميِّ، وإنْ كانَ محرَّمًا فلَه عقوبةٌ أخرى، وإيجابُ النارِ وتحريمُ الجنةِ مقيَّدٌ بما إذا لم يتبْ ويتخلَّصْ منَ الحقِّ الذي أخذَه باطلًا، ثمَّ المرادُ باليمينِ اليمينُ الفاجرةُ، وإنْ كانتْ مطلقةً في الحديثِ فقدْ قَيَّدَها الحديثُ الآتي: ٤/ ١٣٣٠ - وَعَنِ الأَشْعَتِ بْنِ قَيسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْريء مُسْلِم هُوَ فيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعن الأشعثِ) [بن قيس الأشعث] (٢) بشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، فمثلثةٍ، هو أبو محمدٍ (ابن قيسٍ) بن معدِيكربَ الكنديِّ، قدمَ على النبيِّ ﷺ في وفدِ كنْدَةَ، وكانَ رئيسَهُم [وذلكَ] (٣) في سنةِ عشرٍ، وكانَ [رئيسًا في الجاهليةِ]، (٤)، مُطَاعًا في قومهِ، وجيهًا في الإسلامِ، وارتدَّ عن الإسلامِ بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ ، ثمَّ رجعَ إلى الإسلامِ في خلافةِ أبي بكر ﵁، وخرجَ للجهادِ معَ سعدِ بن أبي وقاصٍ، وشهدَ القادسيةَ وغيرهَا، ثمَّ سكنَ الكوفةَ، ومات بها سنةَ اثنتينِ وأربعينَ، وصلَّى عليهِ الحسنُ بنُ عليّ ﵇ (أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: منْ حلفَ على يمينٍ يقتطعُ بها مالَ امِريء مسلمٍ هوَ فيها فاجرٌ لقيَ الله وهوَ عليهِ غضبانُ. متفقٌ عليهِ). والمرادُ بكونهِ فاجرًا أنْ يكونَ متعمِّدًا عالمًا أنه غيرُ محقٍّ، وإذا كانَ الله تعالى عليهِ غضبانَ حرمَهُ [جنته] (٥)، وأوجبَ عليهِ عذابَه. ٥/ ١٣٣١ - وَعَنْ أبي مُوسى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصفَيْنِ. رَوَاهُ

стр. 2312

أَحَمْدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيِّ (٣)، وَهذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [ضعيف] (وعنْ أبي موسى ﵁ أن رجلينِ اختصمَا في دابه ليسَ لواحد منهما بينةٌ، فقضَى بها رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نصفينِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وهذا لفظهُ. وقال: إسنادة جيدٌ). قالَ الخطابيُّ (٤): يشبهُ أنْ يكونَ هذا [البعيرُ أو الدابةُ كانتْ] (٥) في أيديهمِا معًا، فجعلهُ النبيُّ ﷺ بينَهما لاستوائِهما في الملكِ باليدِ، ولولا ذلكَ لم يكونا بنفسِ الدَّعْوى يستحقانِه لوْ كانَ الشيءُ في يدِ أحدِهما. وقدْ رَوَى أبو داودَ (٦) عقيبَهُ حديثًا فقالَ: "ادَّعَيا بعيرًا في عهدِ رسول اللهِ ﷺ ، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهما بشاهدينِ، فقسمهُ النبيُّ ﷺ بينَهما نصفينِ". قالَ الخطابيُّ (٧): وهوَ مرويٌّ بالإسنادِ الأولِ إلَّا أن في الحديثِ المتقدِّمِ لم يكنْ لواحدٍ منهما بينةٌ، وفي هذا أن [كلَّ] (٨) واحدٍ منْهما [قدْ جاءَ بشاهدينِ] (٩)، فاحتملَ أنْ تكونَ [القضيةُ] (١٠) واحدةَ إلَّا أن [الشهاداتِ] (١١) لمَّا تعارضت [تهاترتْ] (١٢) فصارا كمنْ لا بيِّنةَ له، وحكمَ بالشيءِ بينَهما نصفينِ لاستوائِهمِا في اليدِ، ويحتملُ أنْ يكونَ البعيرُ في يدِ غيرِهما، فلمَّا أقامَ كلُّ واحدٍ [منْهما شاهدينِ] (١٣) على دعواهُ نُرعَ الشيءُ منْ يدِ المدَّعى عليهِ، ودفعهُ إليهما، وقد اختلفَ العلماءُ في الشيءِ يكونُ في يدِ الرجلِ يتداعاهُ اثنانِ يقيمُ كلُّ واحدٍ منْهما ببينةٍ، فقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويْه: يقرعُ بينَهما فمنْ خرجتْ لهُ القرعةُ صارَ لهُ، وكانَ الشافعيُّ يقولُ بهِ قديمًا، ثمَّ قالَ في الجديدِ: فيهِ

стр. 2313

قولانِ: أحدُهما يُقْضَى بهِ بينَهما نصفينِ، وبهِ قالَ أصحابُ الرأي، وسفيانُ الثوري، والقولُ الثاني يقرعُ بينَهما فأيُّهما خرجَ سهمهُ حلفَ: لقدْ شهدَ شهودُه بحقٍّ ثمَّ يقْضَى بهِ له، وقالَ مالكٌ: لا أحكم بهِ لواحدٍ منهما إنْ كانَ في يدِ غيرِهما، وحُكِيَ عنهُ أنهُ قالَ: هوَ لأَعْدَلهِما شهودًا، وأشهرِهما [صلاحًا] (١)، وقالَ الأوزاعيُّ: يؤخذُ بأكثرِ البيِّنتينِ عددًا، وحكيَ عن الشعبيِّ أنهُ قالَ: هوَ بينَهما على حصصِ الشهودِ، اهـ كلامُ الخطابيِّ. وفي المنار (٢) [للمفتي] (٣) أن القرعةَ ليسَ هذا محلَّها، وإنَّما وظيفتُها حيثُ تعذرَ التقريبُ إلى الحقيقةِ منْ كلِّ وجهٍ، [وكونُ] (٤) المدَّعى هنا [غير] (٥) مشتركًا أحدُ [المحتملاتِ] (٦) فلا وجْهَ لإبطالهِ بالقرعةِ، واختارَ قسمةَ المدَّعي، وهوَ الصوابُ في هذهِ الصورةِ [كما هو مذهب الهادوية] (٧). هل تغلظ اليمين بالزمان والمكان ٦/ ١٣٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهُ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هذا بيَمِينٍ آثمةٍ تبوأَ مقعدَه منَ النارِ". رواهُ أحمدُ (٨)، وأبو داودَ (٩)، والنسائيُّ (١٠)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ" (١١). [صحيح]

стр. 2314

وعن جابرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: من حَلَفَ على منبري هذا بيمينٍ آثمة تبوَّأ مقعده من النار. رواه أحمد وأبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحه ابن حبان)، وأخرجَ (١) النسائيُّ برجالٍ ثقاتٍ منْ حديثِ أبي أمامةَ مرفُوعًا: "مَنْ حلفَ عندَ منبري هذا بيمينٍ كاذبةٍ، يستحلُّ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يقبلُ اللهُ منهُ صرْفًا ولا عدْلًا". والحديثُ دليلٌ على عظمةِ إثمِ منْ حلفَ على منبرهِ ﷺ كاذِبًا. واختَلَفَ العلماءُ في تغليظِ الحلفِ بالمكانِ والزمانِ هلْ يجوزُ للحاكم أوْ لا. والحديثُ لا دليلَ فيهِ على أحدِ القولينِ، إنَّما فيهِ عظمةُ إثمِ مَنْ حلفَ على منبرهِ ﷺ . وذهبت الهادويةُ والحنفيةُ والحنابلةُ إلى أنهُ لا تغليظَ بزمانٍ ولا مكانٍ، وأنهُ لا يجبُ على الحالِفِ الإجابةُ إلى ذلكَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجبُ التغليظُ في الزمانِ والمكانِ، قالُوا: ففي المدينةِ على المنبرِ، وفي مكةَ بينَ الركنِ والمقامِ، وفي غيرهما في المسجدِ الجامعٍ، وكأنَّهم يقولونَ في الزمانِ ينظرُ إلى الأوقاتِ الفاضلةِ كبعدَ العصرِ، وليلةَ الجمعةِ ويومَها، ونحوَ ذلكَ. احتجَّ الأولونَ بإطلاقِ أحاديثِ: "اليمينُ على المدَّعى عليهِ" (٢)، وبقولهِ: "شاهِدَاكَ أوْ يمينُه" (٣). واحتجَّ الجمهورُ بحديثِ جابرٍ، وحديثِ أبي أمامةَ، وبفعلِ عمرَ وعثمانَ وابنِ عباسٍ وغيرِهم منَ السلفِ. واستدلُّوا للتغليظِ بالزمانِ بقولهِ تعالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٤). قالَ المفسرونَ (٥): هي صلاةُ العصرِ. وقالَ آخرونَ: يستحبُّ التغليظُ في الزمانِ والمكانِ ولا يجبُ. وقيلَ: هوَ موضعُ اجتهادٍ للحاكمِ إذا رآه [حسنًا] (٦) ألزمَ بهِ. الثلاثة الذين لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ٧/ ١٣٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، وَلَا

стр. 2315

يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابْ أَليمٌ: رجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاةِ فَمنعَه مِن ابْنِ السّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَدَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ اِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ثلاثةٌ لا يكلِّمُهُمُ اللهُ يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهمْ)، هذا كنايةٌ عن غضبِه تعالَى، وإشارةٌ إلى حِرْمانِهِمْ من رحمتهِ، (ولا يزكِّيهمْ) أي: لا يطهِّرُهم عنْ أدناسِ الذنوبِ بالمغفرةِ، (ولهمْ عذابٌ أليمٌ: رجلٌ على فضلِ ماءٍ بالفلاة فمنعه من ابن السبيلِ، ورجلٌ بايعَ رجلًا بسلعةٍ بعدَ العصرِ، فحلفَ لهُ باللهِ لأخذَها بكذَا وكذَا وصدَّقَة وهوَ على غيرِ ذلكَ، ورجلٌ بايعَ إمامًا لا يبايعُه إلَّا للدُّنيا، فإن أعطاهُ منْها وفَّى، وإنْ لم يُعْطِه منْها لم يفِ. متفقٌ عليهِ). قولُه: "على فضلِ ماءٍ"، أي على ماءٍ فاضلٍ عنْ كفايتهِ، فهذَا منعُ ما لا حاجة إليه مَنْ هوَ محتاجٌ لهُ، وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ البيعِ. وقولُه: "فصدَّقهُ" أي: المشتري، وضميرُ "هوَ" للأَخذ، مصدرُ قولِه: لأخذَها، لدلالةِ فعلهِ عليهِ، مثلُ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢)، أي: والأخذُ على غيرِ ما حلفَ عليهِ، فهذَا ارتكبَ أمْرينِ عظيمينِ: الحلفَ باللهِ، والكذبَ في قيمةِ السلعةِ، وخصَّ بعدَ العصرِ لشرفِ الوقتِ وهوَ منْ أدلةِ مَنْ غلَّظَ بالزمانِ. وقولُه: "بايعَ إمامًا لا يبايعهُ إلَّا للدنيا"، أي لما يعطِيهِ منْها. والوعيدُ يحتملُ أن يكون لمجموعِ ما ذكرَ منَ المبايعةِ لأجلِ الدنيا، فإنَّها نيةٌ غيرُ صالحةٍ، ولعدمِ الوفاءِ بالخروجِ عن الطاعةِ، وتفريقِ

стр. 2316

الجماعةِ. والأصلُ في بيعةِ الإمامِ أنْ يقصدَ بها إقامةَ الشريعةِ [والعملَ] (١) بالحقِّ، ويقيمَ ما أمرَ اللهُ بإقامتهِ، ويهدمَ ما أمرَ اللهُ بهدمهِ. ووقعَ في البخاريِّ (٢): "ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ، ليقتطعَ بها مالَ رجلٍ مسلمٍ"، فيكونُ مَنْ توعَّدَ بهذا النوعِ منَ الوعيدِ أربعةٌ. وفي مسلمٍ (٣) مثلُ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: وشيخٌ زانٍ، وملِكٌ كذَّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ". وأخرجَ أيضًا منْ حديثِ أبي ذرٍّ (٤) مرفُوعًا: "ثلاثة لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ: المنانُ الذي لا يعطي شيئًا إلَّا مِنَّةً، والمنفقُ سلعتَه بالحلفِ الفاجرِ، والمسبلُ إزارَه"، فيحصلُ منْ مجموعِ الأحاديثِ تسعُ خصالٍ إنْ حملْنا المنفقَ سلعته [بالحلف الكاذبِ] (٥)، والذي حلفَ بعدَ العصرِ لقدْ أَعْطِيَ كذَا وكذَا، شيئًا واحدًا، وإنْ جعلناهما شيئينِ كما هوَ الظاهرُ، فإنَّ المنفقَ سلعتهَ بالكذبِ أعمُّ منَ الذي يحلفُ لقدْ أُعْطِيَ فتكونُ عشرًا. اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها ٨/ ١٣٣٤ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ هذ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ في يَدِهِ (٦). [إسناده ضعيف] (وعنْ جابرٍ ﵁ أن رجلَيْنِ اختصَما في ناقةٍ، فقالَ كلُّ واحدٍ منْهما نُتِجَتْ هذهِ الناقة عندي، وأقاما) أي: كلُّ واحدٍ [منهما] (٧) (بيِّنةً، فقضَى [بها] (٨) رسولُ اللهِ ﷺ لمن هيَ في يدهِ). سيأتي مَنْ أخرجَهُ، وأخرجَ الذي بعدَه. وقدْ أخرجَ هذا

стр. 2317

البيهقيُّ (١)، ولم يضعِّفْ إسنادَه. وأخرجَ نحوَه عن الشافعيِّ (٢) إلَّا أن فيهِ: "تداعيا دابةَ"، ولم يضعِّفْ إسناده أيضًا. والحديثُ دليل على أن اليدَ مرجِّحةٌ للشهادةِ الموافقةِ لها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشافعيُّ ومالكٌ وغيرُهما. قالَ الشافعيُّ: يُقَالُ لهما قدِ استويتُما في الدَّعْوى والبيِّنةِ وللذي هوَ في يدهِ سببٌ بِكَيْنُونيَّتِهِ في يدهِ هوَ أقْوى منْ سَبَبِكَ فهوَ لهُ الفضلُ قوةُ سببهِ، وذكرَ هذا الحديثَ. وذهبَ الهادويةُ وجماعةٌ منَ الآلِ وابنُ حنبلٍ إلى أنَّها ترجَّحُ بيِّنةُ الخارج وهوَ مَنْ لم يكنْ في يدهِ، قالُوا: إذْ شُرِعَتْ لهُ - وللمنكر - اليمينُ، ولقولِه ﷺ : "البينةُ على المدَّعي" (٣) فإنه يقْتَضِي أنهُ لا تفيدُ بينةُ المنكرِ. ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: "مَنْ كانَ في يدهِ شيءٌ فبيِّنتُه لا تعملُ لهُ شيئًا". ذكرهُ في البحرِ، وأُجِيْبَ عنْ ذلكَ بأنَّ حديثَ جابرٍ خاصٌّ، وحديثَ: "البينةُ على المدَّعي" عامّ، والخاصُّ مخصَّصٌ مقدَّمٌ، وأثرُ عليّ ﵇ لم يصحَّ، وعلى صِحَّتِهِ فمعارَضٌ بما سبقَ. وعنِ القاسمِ أنهُ يقسَم بينَهما، لأنَّ اليدَ مقوِّيةٌ لِبيِّنةِ الداخلِ فسارتْ بيِّنةُ الخارجِ. ويُرْوَى عنهُ كقولِ الشافعي. وللحنفيةِ تفصيلٌ لم يقمْ عليهِ دليل. ردُّ اليمين على طالب الحق ٩/ ١٣٣٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالبِ الْحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ (٤)، وَفي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. [ضعيف]

стр. 2318

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ ردَّ اليمينَ على [طالب] (١) الحقَ. رواهُما) أي: هذَا والذي قبلَه (الدارقطنيُّ، وفي إسنادِهما ضَعْفٌ). وجه ضعف هذا الحديث أن مداره على محمد بن مسروقٍ عنْ إسحاقَ بن الفراتِ، ومحمدٌ لا يُعْرَفُ، وإسحاقُ مختلَفٌ فيهِ كما قال المصنفُ. قالَ الذهبيُّ في الكاشفِ (٢): إنَّ إسحاقَ بن الفراتِ قاضي مصرَ ثقةٌ معروفٌ. قالَ البيهقيُّ: الاعتمادُ في هذا البابِ على أحاديثِ القسامةِ، فإنهُ قالَ ﷺ لأولياءِ الدمِ: تحلفون؟ فأَبَوْا، فقال: تحلف يهودُ" (٣)، وهوَ حديثٌ صحيحٌ، وساقَ الرواياتِ في القَسَامةِ، وفيها ردُّ اليمينِ، قالَ: فهذهِ الأحاديثُ هيَ المعتمدَةُ في ردِّ اليمينِ على المدَّعي إذا لم يحلفْ المدَّعَى عليهِ. قلت: وهذَا منهُ قياسٌ إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ [عندَهم] (٤) أن القسامةَ على خلافِ القياسِ، [وثبتَ أنهُ] (٥) لا يُقَاسُ علَى ما خالفَ القياسَ. وقدِ استُدِلَّ بحديثِ الكتابِ علَى ثبوتِ ردِّ اليمينِ على المدَّعي، والمرادُ به أنَّها تجبُ اليمينُ على المدَّعي ولكنْ إذا لم يحلفْ المدَّعَى عليهِ. وذهبَ الشافعي وآخرونَ إلى أنهُ إذا نَكَلَ المدَّعَى عليهِ فإنهُ لا يجبُ بالنكولِ شيءٌ إلَّا إذا حلفَ المدَّعي. وذهبَ الهادويةَ وجماعةٌ إلى أنهُ يثبتُ الحقُّ بالنكولِ منْ دونِ تحليفِ للمدَّعي. وقالَ الميؤيدُ: لا يحكمُ بهِ ولكنْ يُحْبَسُ حتَّى يحلفَ أوْ يقرَّ. استدلَّ الهادويةُ بأن النكولَ كالإقرارِ. ورُدَّ أنهُ مجرَّدُ تمرُّدٍ عنْ حقٍّ معلومٍ، وجوابهُ عليهِ وهوَ اليمينُ فيحبسُ لهُ حتَّى يوفِّيهُ أو يُسْقِطَه بالإقرارِ، واستدلُّوا أيضًا بأنهُ حكمَ بهِ عمرُ وعثمانُ وابنُ عباسٍ وأبو موسَى، وأُجِيْبَ [بأن ذلك ليس بحجة؛ إذ هو فعل صحابي] (٦)، نعمْ لو صحَّ حديث ابن عمر كان الحجة فيه. الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب ١٠/ ١٣٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِي ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ

стр. 2319

مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ (١) الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ مسرورًا، تبرقُ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، وضمِّ الراءِ (أساريرُ وجْهِهِ)، هي الخطوطُ التي في الجبهةِ، واحدُها سِرٌّ وسَرَرَ (٣)، وجمعُها أسرارٌ وأسرَّةٌ، وجمْعُ الجمعِ أساريرُ، أي تضيءُ وتستنيرُ منَ الفرحِ والسرورِ. (فقالَ: ألم تري إلى مجزِّزٍ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ الجيمِ، ثمَّ زاي مشددةٍ مكسورةٍ، ثمَّ زايٍ أُخْرَى، اسمُ فاعلٍ لأنهُ كانَ في الجاهليةِ إذا أَسَرَ أسيرًا جزَّ ناصيته وأطلقَه، (المدلجيِّ) بضمِّ الميمِ وبالدالِ المهملةِ، وجيمٍ بزنةِ مخرجٍ، نسبةً إلي بني مدلجِ بن مُرَّةَ بن عبدِ منافِ بن كنانةَ (نظَرَ آنِفًا) أي الآنَ (إلى زيدِ بن حارثةَ، وأسامةَ بن زيد فقالَ: هذهِ الأقدام بعضها منْ بعضٍ. متفقٌ عليهِ). في روايةٍ للبخاريِّ (٤) أنهُ ﷺ قالَ: "ألمْ تَرَيْ أن مُجَزِّزًا لمُدلِجيَّ دخلَ فرأى أسامةَ وزيدًا، وعليهمَا قطيفةٌ قدْ غطيا رؤوسَهما وبدتْ أقدامُهما فقالَ: إنَّ هذهِ الأقدامَ بعضُها منْ بعضٍ". واعلمْ أن الكفارَ كانُوا يقدحونَ في نسب أسامةَ لكونهِ [كانَ] (٥) أسودَ شديدَ السوادِ، وكانَ زيدٌ أبيضَ كذَا قالَه أبو داودَ (٦). وأمٍّ أسامةَ هيَ أمُّ أيمنَ (٧) كانتْ حبشيةً سوداءَ. ووقعَ في الصحيحِ (٨) أنَّها كانتْ حبشيةً

стр. 2320

وصيفةً لعبدِ اللهِ والدِ النبيِّ ﷺ . ويقالُ كانتْ منْ سبي الحبشةِ الذينَ قدِمُوا زمنَ الفيلِ، فصارتْ لعبدِ المطلب، فوهبَها لعبدِ اللهِ والدِ النبيِّ ﷺ . وتزوجتْ قبلَ زيدِ عُبَيْدًا الحبشيَّ فولدتْ لهُ أَيمنَ فَكُنِّيَتْ بهِ، واشتهرتْ بِكُنيتِها، واسمُها بَرَكَةُ. والحديثُ دليل على [اعتبارِ القيافةِ] (١) في ثبوتِ النسبِ. وهيَ: مصدرُ قافَ قيافةً، والقائفُ الذي يتتبعُ الآثارَ ويعرفُها ويعرفُ [شِبْهَ] (٢) الرجلِ بأبيهِ وأخيهِ [ونحوهما] (٣). وإلى اعتبارها في ثبوتِ النسبِ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وجماهيرُ العلماءِ مستدلين بهذا الحديثِ. ووجْهُ دلالتِه [على العمل بها] (٤) ما عُلِمَ منْ أن التقريرَ منهُ ﷺ حجةٌ [شرعية] (٥)، لأنُه أحدُ أقسامِ السنةِ [النبوية] (٦). وحقيقةُ التقريرِ أَنْ يَرَى النبيُّ ﷺ فعلًا منْ فاعلٍ، أو يسمعَ قولًا منْ قائلٍ، أو يعلمُ بهِ، وكانَ ذلكَ الفعلُ منَ الأفعالِ التي لا يعلمُ تقدّمَ إنكارها منه ﷺ كمضيِّ كافرٍ إلى كنيسةٍ، أو معَ عدمِ القدرةِ [على إنكار ذلك الفعل أو القول كما] (٧) كانَ يشاهدهُ منْ كفارِ مكةَ منْ عبادةِ الأوثانِ، وأذاهُم للمسلمينَ، ولم ينكرهُ، كانَ ذلكَ تقريرًا دالًا على جوازهِ، فإنِ استبشرَ بهِ فأوضحَ كما في هذهِ القصةِ فإنهُ استبشرَ بكلامِ مجزَّزٍ في (٨) إثباتِ نسبِ أسامةَ [إلى زيدٍ] (٩)، فدلَّ ذلكَ على تقريرِ كونِ القيافةِ طريقًا إلى معرفةِ الأنسابِ. [واستدل للعمل بها] (١٠) بما رواهُ (١١) مالكٌ عنْ سليمانَ بن يسارٍ "أن عمرَ بنَ الخطاب كانَ يليطُ أولادَ الجاهليةِ بمنِ ادَّعاهُم في الإسلامِ، فأَتَى [ذات يوم رجلان إليه] (١٢) كلاهُما يدَّعي

стр. 2321

ولدَ امرأةٍ فدَعا قائِفًا فنظرَ إليهِ القائفُ فقالَ: لقدِ اشتركَا فيهِ، فضربَهُ عمرُ بالدرَّةِ، ثمَّ دَعَا المرأةَ فقالَ: أخبريني خبَرِك، فقالتْ: كانَ هذَا -[لأحدِ] (١) الرجُلينِ - يأتيني في إبلٍ [لأهلِها] (٢) فلا يفارقُها حتَّى يظنَّ أنهُ قد استمرَّ بها حملٌ ثمَّ ينصرفُ عنْها فأهريقتْ عليهِ دمًا ثم خلفَ عليها [هذَا - يعني] (٣) الآخرَ - فلا أدري منُ أيِّهِمَا هوَ، فكبَّر القائفُ، فقالَ عمرُ للغلامِ: فإلى أيِّهما شئتَ فانتسبْ"، فقضَى عمرُ بمحضَرٍ الصحابةِ بالقيافةِ منْ غيرِ إنكارٍ منْ أحدٍ منْهم، فكانَ كالإجماعِ تَقْوى بهِ أدلةُ القيافةِ. قالُوا [أيضًا] (٤): وهوَ مَرْويٌّ عن ابن عباسٍ (٥) وأنسِ (٦) بن مالكٍ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ ﵄، ويدلُّ [عليهِ] (٧) حديثُ اللِّعانِ، وقولُه ﷺ : "إنْ جاءتْ بهِ على صفةِ كذَا وكذا فهوَ لفلانٍ، أو على صفةِ كذَا وكذَا فهوَ لفلانٍ" (٨)، فجاءتْ بهِ على الوصفِ المكروهِ، فقالَ النبي ﷺ : "لولا الأيمانُ لكانَ لي ولها شأن" (٩). فقوله: فهوَ لفلانٍ، إثباتٌ للنسبِ بالقيافةِ، وإنَّما منعت الأيمانُ عنْ إلحاقهِ بمنْ جاءَ علَى صفتِه. وذهبتِ الهادوية والحنفيةُ إلى أنهُ لا يعملُ بالقيافةِ في إثباتِ النسبِ، والحكمُ في الولدِ المتنازَع فيهِ أنْ يكونَ للشريكَيْنِ أوِ المشتريَيْنِ أو الزَّوجيْنِ. وللهادويةِ في الزَّوجينِ تفاصيلُ معروفةٌ في الفروعِ. وتأوَّلُوا حديثَ مجزَّزٍ هذا وقالُوا: ليسَ منْ بابِ التقريرِ لأنَّ نسبَ أسامةَ كانَ معلُومًا إلى زيدٍ، وإنَّما كانَ يقدحُ الكفارُ في نسبِه لاختلافِ اللَّونِ بينَ الولدِ وأَبِيْهِ، والقيافةُ كانتْ منْ أحكامِ الجاهليةِ، وقدْ جاءَ الإسلامُ بإِبطَالِها ومَحْوِ آثارِها، فسكوتُه ﷺ عن الإنكارِ على مجزَّزٍ ليسَ تقريرًا لفعلِه، واستبشارُه إنَّما هوَ لإلزامِ الخصْمِ الطاعنِ في نسبِ

стр. 2322

أسامةَ بما [يقولُه] (١) ويعتمدُه، فلا حجَّةَ في ذلكَ. قلتُ: ولا يخْفَى أن هذا الجوابَ مبنيٌّ على أنهُ قدْ سبقَ ﷺ إنكارٌ للقيافةِ، وإلحاقُ النسبِ بها، كتقَدُّمِ إنكارِه مضيِّ كافرٍ إلى كنيسةٍ، وهذا لا دليلَ عليهِ، بلِ الدليلُ قائمٌ على خلافهِ، وهو قولهُ ﷺ في قصةِ اللِّعانِ بما سمعتَ، ثمَّ فعلُ الصحابةِ منْ بعدهِ. وقولُهم: ثبوتِ النسبِ بهِ، منَ الأدلةِ على عدمِ إنكارِه ﷺ ، وأما قولُه: "الولدُ للفراشِ" (٢)، فذلكَ فيما إذا عُلِمَ الفراشُ، فإنهُ معلومٌ أن الحكمَ بهِ مقدَّمٌ قطْعًا، وإنَّما القيافةُ عندَ عدمهِ، ثمَّ الأصحُّ عندَ القائلينَ بالإلحاقِ أنهُ يكفي قائفٌ واحدٌ، وقيلَ: لا بدَّ منِ اثنينِ. وحديثُ البابِ دالُّ على الاكتفاءِ بالواحدِ. * * *

стр. 2323

[الكتاب السابع عشر] كتاب العتق العِتْقُ الحريةُ، يُقَالُ: عتقَ عِتْقًا بكسرِ العينِ وبفتحِها فهوَ عتيقٌ وعاتِقٌ. وفي (النجم الوهَّاجِ): العتقُ إسقاطُ المُلكِ منَ الآدميِّ تقرُّبًا للهِ، وهوَ مندوبٌ وواجبٌ في الكفاراتِ، وقدْ حثَّ الشارعُ عليهِ كما قالَ تعالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١)، فُسِّرتْ بعتقِها من الرقِّ. والأحاديثُ في فضلهِ كثيرةٌ منْها: الترغيب في العتق ١/ ١٣٣٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرِئٍ "مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرًا مُسْلِمًا، إسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (عنْ أبي هريرة ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ أمرأ مسلِمًا، استنقذَ اللهُ بكلِّ عضْوٍ) بكسرِ العينِ وضمِّها (منة عُضْوًا منَ النارِ. متفقٌ عليهِ). وتمامُه في البخاريِّ: "حتَّى [فرجهَ بفرجِهِ] (٣) فيهِ [دليل] (٤) "أنهُ إذا كانَ المعتِقُ والمعتَقُ مسلمينِ أعتقَه اللهُ منَ النارِ" (٥). وفي قولهِ: "استنقذَه" ما يشعرُ بأنهُ بعدَ استحقاقهِ لها واشتراطِ [إسلامِهِ] (٦) لأجلِ هذَا الأجرِ، وإلَّا فإنَّ عِتْقَ

стр. 2324

الكافرِ يصحُّ، وقولُهم: لا قُرْبةَ لكافرٍ، ليسَ المرادُ أنهُ لا ينفذُ منهُ ما منْ شأنهِ أنْ يتقرَّبَ بهِ كالعتقِ والهبةِ والصدقةِ وغيرِ ذلكَ، إنَّما المرادُ أنهُ لا يثابُ عليها، وإلَّا فهيَ نافذةٌ منهُ لكنْ لا نجاةَ لهُ بسببهِ منَ النارِ. وفي تقييدِ الرقبةِ المعتقة بالإسلامِ أيضًا دليلٌ على أن هذهِ الفضيلةَ لا تُنَالُ إلَّا بعتقِ المسلمةِ، وإنْ كانَ في عتقِ الكافرةِ فضلٌ، لكنْ لا يبلغُ ما وعدَ بهِ هُنا من الأجرِ. ووقعَ في روايةِ مسلمٍ (١): "إرْبٌ" عوضَ عضوٍ، وهوَ بكسرِ الهمزةِ وإسكانِ الراءِ فموحدةٍ، العضوُ. وفيهِ أن عتقَ كاملِ الأعضاءِ أفضلُ منْ عتقِ ناقصِها، فلا يكونُ خَصْيًا ولا فاقدَ غيرِه منَ الأعضاءِ، والأَغْلى ثمنًا أفضلُ كما يأتي. وعِتقُ الذكرِ أفضلُ منْ عتقِ الأنثى كما يدلُّ لهُ: ٢/ ١٣٣٨ - وَللترْمِذِيِّ (٢)، وَصَحّحَهُ، عَنْ أُمَامَةَ ﵁: "وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَينِ مُسْلِمَتَينِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النارِ". [صحيح] قولُه: (وللترمذِيِّ وصحَّحه عنْ أبي أمامةُ: وأيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأتينِ مُسلمتينِ كانتا فكاكَه منَ النارِ)، فعتقُ المرأةِ أجرْهُ على النصفِ منْ عتْقِ الذَّكرِ، فالرجلُ إذا أعتقَ امرأةً كانتْ فكاكَ نصفِه منَ النارِ، والمرأةُ إذا أعتقتِ المرأة كانتْ فكاكَها منَ النارِ كما دلَّ لهُ مفهومُ هذا ومنطوقُ: ٣/ ١٣٣٩ - وَلأَبي دَاوُدَ (٣) مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁: "وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النارِ". [صحيح] (ولأبي داودَ منْ حديثِ كعب بن مُرَّةَ: وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتِ امرأةً مسلمةً كانتْ فِكاكَها منَ النارِ)، وبهذا والذي قبلَه استدلَّ منْ قالَ عِتقُ الذكَرِ أفضلُ. ولما في الذَّكَرِ منَ المعاني العامةِ والمنفعةِ التي لا توجدُ في الإناثِ منَ الشهادةِ

стр. 2325

والجهادِ والقضاءِ وغيرِ ذلكَ مما يختصُّ [بالرجال] (١)، إما شرْعًا أو عُرفًا، ولأنَّ في الإمَاءِ مَنْ تضيعُ [بالعتقِ] (٢) ولا يُرْغَبُ فيها بخلافِ العبدِ. وقالَ آخرونَ: عِتْقُ الإناثِ أفضلُ لأنهُ يكونُ ولدُها حُرًّا، سواءٌ تزوَّجَها حرٌّ أو عبدٌ. وقولُه في روايةٍ: "حتى فرجَهُ بفرجِهِ" استشكَلَهُ ابنُ العربي (٣) قال: لأنَّ المعصية التي [تتعلقُ] (٤) بالفرجِ هي الزّنَى، والزّنَى كبيرةٌ لا تكفَّرُ إلَّا بالتوبةِ إلَّا أنْ يقالَ إنَّ العتقَ يُرَجَّحُ عندَ الموازنةِ بحيثُ تكونُ حسناتُ العتقِ راجحةً توازي سيئةَ الزّنَى، معَ أنهُ لا اختصاصَ لهذَا بالزّنَى، فإنَّ اليدَ يكونُ بها القتلُ، والرّجلُ يكونُ بها الفرارُ منَ الزحفِ وغيرُ ذلكَ. فائدة: في "النجمِ الوهاجِ" أنه أعتقَ النبيُّ ﷺ (٥) ثلاثًا وستينَ نسمةً عددَ سنيِّ عمرِه، وعدَّ أسماءَهم قالَ: وأَعْتَقَتْ عائشةُ سبعًا وستينَ، وعاشتْ كذلكَ، وأعتقَ أبو بكرٍ كثيرًا، وأعتقَ العباسُ سبعينَ عبدًا. رواهُ الحاكمُ (٦)، وأعتقَ عثمانُ وهوَ محاصَرٌ عشرينَ، وأعتقَ حكيمُ بنُ حزامٍ مائةً مطوَّقينَ بالفضةِ، وأعتقَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ألفًا، واعتمرَ ألفَ عُمرةٍ؟ وحجَّ ستينَ حَجَّةً، وحبسَ ألفَ فرسٍ في سبيلِ اللهِ، وأعتقَ ذو الكُلاعِ الحميريُّ في يومٍ واحدٍ ثمانيةَ آلافِ عبدٍ، وأعتقَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ثلاثينَ ألفِ نسمةٍ. انتهى. عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى ٤/ ١٣٤٠ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ"، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَال: "أَغْلاهُ ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 2326

(وعنْ أبي ذرٍّ ﵁ قالَ: سألتُ النبيَّ ﷺ أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سبيلهِ. قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضل؟ قالَ: أغلاهَا)، رُوِيَ بالعينِ المهملةِ والغينِ المعجمةِ، (ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلِها. متفقٌ عليهِ). دلَّ على أن الجهادَ أفْضَلُ أعمالِ البِرِّ بعد الإيمان، وقدْ تقدَّمَ في كتابِ الصَّلاةِ أنّ الصّلاةَ في أولِ وقتِها أفضلُ الأعمالِ على الإطلاقِ. وتقدَّم الجمعُ بينَ الأحاديثِ هنالكَ. ودلَّ على أن الأغْلَى ثمنًا أفضلُ منَ الأَدنَى قيمةً. قالَ النوويُّ (١): محلُّه واللهُ أعلمُ فيمنْ أرادَ أنْ يعتقَ رقبةً واحدةً، أما لو كانَ معَ شخصٍ ألفُ درهمٍ مثلًا فأرادَ أنْ يشتريَ بها رقابًا يعتقُها فوجدَ رقبةً نفيسةً ورقبتينِ مفضولَتينِ قالَ: فثنتانِ أفضلُ بخلافِ الأُضحيةِ، فإنَّ الواحدةَ السمينةَ أفضلُ، لأنَّ المطلوبَ في العِتْق فكُّ الرقبةِ، وفي الأُضحيةِ طيبُ اللحمِ، انتهَى. والأَوْلى أن هذا [لا يُوخَذُ قاعدةً] (٢) كليةً بلْ يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ، فإنهُ إذا كانَ شخصٌ بمحلِّ عظيمِ منَ العلمِ والعملِ، وانتفاعِ المسلمينَ بهِ فعتقُه أفضلُ منْ عتقِ جماعةٍ ليسَ فيهمْ هذهِ [السماتُ] (٣)، فيكونُ الضابطُ اعتبارَ الأكثرِ نَفْعًا. وقولُه: "وأنفسُها عندَ أهلِها"، أي ما كانَ [اغتباطُهم] (٤) بها أشدَّ، وهوَ الموافقُ لقولِه تعالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٥). من أعتق حظه من عبد عتق عليه كل العبد وضمن لشريكه نصيبه ٥/ ١٣٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 2327

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ فكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قُوِّمَ قيمةَ عدلٍ) بفتح العينِ، أي: لا زيادةٌ فيهِ ولا نقصٌ، (فأعْطَى شركاءَه حِصَصَهُم، وعتقَ عليهِ العيدُ، وإلَّا) يكنْ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ (فقدْ عتق) بفتحِ العينِ المهملةِ (منهُ ما عتقَ) بفتحِ العينِ، ويجوزُ ضمُّها (متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على أن مَنْ لهُ حِصةٌ في عبدٍ إذا أعتقَ حِصَّته فيهِ وكانَ موسِرًا، لزمَهُ تسليمُ حصةِ [شريكهِ] (١) بعدَ [تقويمِ حصةِ الشريكِ تقويمُ مثلهِ] (٢)، وعُتِقَ العبدُ جميعهُ. وقد أجمعَ العلماءُ أن نصيبَ المعتِقِ يعتقُ بنفسِ [الإعتاقِ] (٣). ودلَّ [الحديث] (٤) على أنهُ لا يعتقُ نصيبُ شريكهِ إلَّا معَ يسارِ المعتِقِ لا معَ إعسارهِ، لقولهِ في الحديث: "وإلَّا"، أي: وإن لا يكون لهُ مالٌ "فقدْ عتقَ منهُ ما عَتَقَ"، وهي حِصَّتُه. وظاهرُ الحديث تبعيضُ العتقِ، إلَّا أنهُ وقعَ في هذَا اللفظ نزاع بين أئمة العلم، فقال ابن وضَّاح: ليس هذا من كلام النبي ﷺ لأنه رواه أيوبُ عنْ نافعٍ، قالَ: قالَ نافعٌ: "وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ"، ففصلَه الراوي من الحديث [ولم يجعله من كلامِ النبي ﷺ ] (٥)، وجعلَه [منْ قولِ نافعٍ] (٦)، قالَ أيوبُ مرةً: لا أدري هوَ منَ الحديثِ أوْ هوَ شيءٌ قالَه نافعٌ. وقالَ غيرُه: قدْ رواهُ مالكٌ (٧) وعبيدُ اللهِ العمريُّ فوصلَاهُ بكلامِ النبيِّ ﷺ ، [وجَعلاهُ منهُ] (٨). قالَ [القاضي] (٩) عياضٌ (١٠): وما قالَه مالكٌ وعبيدُ اللهِ العمريُّ أَوْلَى وقدْ جوَّداه، وهما في نافعٍ أثبتُ منْ أيوبَ [عندَ أهلِ هذا الشأنِ] (١١)، كيفَ وقدْ شكَّ أيوبُ فيهِ كما ذكرْنا. وقدْ رجَّحَ الأئمةُ روايةَ مَنْ أثبتَ هذهِ الزيادةَ منْ قولِ النبيِّ ﷺ . قالَ الشافعيُّ: لا أحسبُ عالمًا في الحديثِ [يتشكَّكُ] (١٢) في أن مالكًا أحفظُ لحديثِ نافعٍ منْ أيوبَ، لأنهُ كانَ ألزمَ به، حتَّى لو تساوَيا وشكَّ أحدُهما في

стр. 2328

شيءٍ ولم يشكَّ فيهِ صاحبُه كانَ الحجةُ معَ مَنْ لم يشكَّ. هذَا وللعلماءِ في المسألةِ أقوالٌ: أقواها ما وافقَه هذا الحديثُ وهوَ أنه لا يُعْتَقُ نصيبُ الشريكِ إلَّا بدفعِ القيمةِ، وهوَ المشهورُ [منْ مذهبِ] (١) مالكٍ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ، وهوَ قولٌ للشافعيِّ. وقالتِ الهادويةُ وآخرونَ: إنهُ يعتقُ العبدُ جميعهُ، وإنْ لم يكنْ للمعتقِ مالٌ فإنهُ يستسعي العبدَ في حصةِ الشريكِ مستدلّينَ بقوله: ٦/ ١٣٤٢ - ولَهُمَا (٢) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: "وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ"، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ في الْخَبَرِ. [صحيح] (ولهَمُا) أي: الشيخينِ (عنْ أبي هريرةَ ﵁: وإلَّا قُوِّمَ - العبدُ - عليهِ واستُسعيَ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، [وقد] (٣) قيلَ: إنَّ السعايةَ مدرجةٌ في الخبرِ). فإنهُ ظاهرٌ أنهُ إذا لم يكنْ للشريكِ مالٌ قُوِّمَ العبدَ واستُسعيَ في [قيمةِ] (٤) حصةِ [الشريكِ] (٥)، وأجيبَ بأنَّ ذِكرَ السعايةِ ليستْ منْ كلامِهِ ﷺ بلْ مُدْرَجَةٌ منْ بعضِ الرواةِ في الخبرِ، كما أشارَ إليهِ المصنفُ. قالَ ابنُ العربيِّ (٦): واتفقُوا على أن ذكرَ الاستسعاء ليسَ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ، [وأنهُ] (٧) منْ قولِ قتادةَ. قالَ النسائيُّ (٨): بلغني أن همَّامًا رواهُ فجعلَ هذا الكلامَ أعني الاستسعاء منْ قولِ قتادةَ. وكذا قالَ الإسماعيليُّ (٩): إنَّما هوَ منْ قولِ قتادةَ مدرَجٌ علَى ما روى همَّام، وجزم ابن المنذر والخطابي بأنه من فتيا قتادة. وقد ورد جمع ما ذكر من إدراجِ السعايةِ باتفاقِ الشيخين على رفْعهِ، فإنَّهما في أعلَى درجاتِ التصحيحِ. وقدْ رَوَى السعايةَ في الحديثِ سعيدُ بنُ أبي عروبةَ عنْ قتادةَ وهوَ أعرفُ بحديثِ قتادةَ لكثرةِ ملازمتهِ له، [ولكثرةِ] (١٠) أخْذِه عنهُ منْ همَّامٍ وغيرِه وهشام وشعبة، وإن كانا أحفظ من

стр. 2329

سعيد، فإنهُ كانَ أكثرَ ملازمةً لقتادةَ منهما وما رَوَياهُ لا ينافي روايةَ سعيدٍ، لأنهَّمَا اقتصرا في روايةِ الحديثِ على بعضهِ، وأما إعلالُ روايةِ سعيدِ بن أبي عروبةَ بأنهُ اختلطَ فمردودٌ لأنَّ روايتَه في الصحيحينِ (١) قبلَ الاختلاطِ، فإنهُ فيهما منْ روايةِ يزيدَ بن زُرَيْعٍ وروايتهُ عنْ سعيدٍ قبلَ اختلاطِه ثمَّ رواهُ البخاريُّ (٢) منْ روايةِ جريرِ بن حازمٍ لمتابعتهِ لهُ لينفي عنهُ التفرُّدَ، ثمَّ أشارَ إلى أن غيرَهُما تابَعَهُما ثمَّ قالَ: اختصرَه شعبةُ كأنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرهُ: إنَّ شعبةَ أحفظُ الناسِ لحديثِ قتادةَ فكيفَ لم يذكرِ الاستسعاءَ؟ فأجابَ بأنَّ هذَا لا يؤثرُ فيهِ ضَعفًا لأنهُ أوردَه مختصَرًا، وغيرُه ساقَه بتمامهِ والعددُ الكثيرُ أَوْلَى بالحفظ منَ [الواحدِ] (٣). قلتُ: وبهذَا تعرفُ المجازفةَ في قولِ ابن (٤) العربيِّ، اتفقُوا على أن ذِكْرَ الاستسعاءِ ليسَ من [قولٍ (٥) النبيِّ ﷺ . وبعدَ تقرُّر هذا لكَ فقدْ عرفتَ تعارضَ كلامِ هؤلاءِ الأئمةِ الحفاظِ في هذهِ الزيادةِ، ولا كلامَ أنَّها قدْ رُوَيتْ مرفوعةً والأصلُ عدمُ الإدراجِ حتَّى يقومَ عليهِ دليلٌ ناهضٌ. وقدْ تقاومتِ الأدلةُ هنا ولكنَّه عضدَ القولَ برفعِ زيادةِ السِّعايةِ إليه ﷺ أن الأصلَ عدمُ الإدراجِ، ومعَ ثبوتِ رفْعِها فقدْ عارضتْ روايةَ: "وإلَّا فقدْ عتقَ منه ما عتقَ". وقد جُمِعَ بينَهما بوجهينِ، الأولُ: أن معنَى قولهِ: وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ، أي بإعتاقِ مالكِ الحصةِ حصتَه وحصةُ شريكه يعتق بالسعايةِ، فيعتقُ العبدُ بعدَ تسليمِ ما عليهِ، ويكونُ كالمكاتبِ وهذا هوَ الذي جزمَ بهِ البخاريُّ، ويظهرُ أن ذلكَ يكونُ باختيارِ العبدِ لقولهِ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، فلو كانَ ذلكَ على جهةِ [اللزوم] (٦) بأنْ يكلَّفَ العبدُ الاكتسابَ والطلبَ حتَّى يحصلَ ذلكَ لحصلَ لهُ غايةُ المشقةِ، وهوَ لا يلزمُ في الكتابةِ ذلكَ عندَ الجمهورِ لأنَّها غيرُ واجبةٍ، فهذَا مثلُها، وإلى هذا [الجمع] (٧) ذهبَ البيهقيُّ (٨)

стр. 2330

[وقالَ: لا تبقَى ببنَ الحديثينِ معارضةٌ أصْلًا] (١)، وهوَ كما قالَ: إلَّا أنهُ يلزمُ منهُ أنهُ يبقَى الرقّ في حصَّةِ الشريكِ إذا لم يخترِ العبدُ السِّعايةَ. ويحملُ حديثُ أبي المليحِ (٢) عنْ أبيهِ أن رجلًا أعتقَ شقصًا له في غلامٍ فذكرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: "ليسَ لله شريك". وفي رواية: فأجاز (٣) عتقه. وأخرجه النسائي (٤) بإسناد قوي. ومثله ما أخرج (٥) أحمد بإسنادٍ حسنِ منْ حديثِ سَمُرَةَ أن رجلًا أعتقَ شقصًا في مملوكِ فقالَ النبيُّ ﷺ : "هوَ كلُّه فليسَ للهِ شريكٌ"، [فيُحمل ذلك] (٦) على الموسِرِ فتندفعُ المعارضةُ. وأما ما أخرجه أبو داودَ (٧) منْ طريقِ ملقامَ عنْ أبيهِ: "أن رجلًا أعتقَ [نصيبَه في مملوكِ] (٨) فلم يضمنْه النبيُّ ﷺ " وإسنادُه حسنٌ، [فيُحمل] (٩) في حقِّ المُعسِرِ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (١٠) عن ابن عمرَ ﵄ بلفظِ: "منْ أعتقَ عبْدًا ولهُ فيهِ شركاءُ، ولهُ وفاءٌ فهوَ حرٌّ، ويضمنُ نصيبَ شركائِه بقيمتهِ لما أساءَ منْ مشاركتِهم، وليسَ على العبدِ شيءٌ" فقالَ: ولهُ وفاءٌ، [فإنه دال على ما ذكره من وجه الجمع باعتبار الإيسار والإعسار في العتق وعدمه] (١١)، والثاني منْ وجْهَي الجمعِ: أن المرادَ بالاستسعاءِ أن العبدَ يستمرُّ في خدمةِ سيِّدهِ الذي لم [يعتقه ويبقى رقيقًا] (١٢) بقدرِ حصَّته. ومعنَى غيرُ مشقوقٍ عليهِ: أنهُ لا [يكلِّفهُ] (١٣) سيدُه منَ الخدمةِ فوقَ طاقته، ولا فوقَ حصَّتهِ منَ الرقِّ،

стр. 2331

وقيل: أنهُ [يتعدَّى] (١) هذا الجمعُ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (٢) والبيهقيُّ (٣) منْ حديثِ رجلٍ منْ بني عذرةَ: "أن رجلًا منْهم أعتقَ مملوكًا لهُ عندَ موتهِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرهُ، فأعتقَ رسولُ اللهِ ﷺ ثُلُثَهُ وأمرهُ أنْ يسعَى في الثلُثينِ". قلت: قدْ يقولُ منِ اختارَ هذا [الوجْهَ (٤) منَ] الجمعِ أن المرادَ منْ أمْرهِ ﷺ أنْ يسعَى في الثلثينِ يسعَى علَى مواليهِ بقدرِ ثلثي رقبتهِ منَ الخدمةِ، لأنهُ الذي بقيَ رقًّا لهُم. وإيضاحُ الجمعِ بينَ الأحاديثِ أن قولَه ﷺ : "لا شريكَ للهِ" فيما إذا كانَ مالكُ الشقصِ غنيًا فهوَ في حُكْمِ المالكينِ فيعتقُ العبدَ كلَّه، ويسلِّمُ قيمةَ [حصة شركائه] (٥)، ويحملُ حديثُ السعايةِ على ما إذا كانَ العبدُ قادِرًا عليها كما يرشدُ إليه قولُه ﷺ : غيرَ مشقوقٍ عليه"، ويحمل حديثُ: "وإلَّا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ" على ما إذا كانَ المعتِقُ فقيرًا، والعبدُ لا قدرةَ لهُ على السِّعاية، واعلمْ أن هذا كلَّه فيما إذا كانَ المعتِقُ يملكُ بعضَ العبدِ، وأما إذا كانَ يملكُه كلَّه فأعتقَ بعضَه فجمهورُ العلماءِ يقولونَ: يُعتقُ كلُّه. وقالَ أبو حنيفةَ [والظاهرية] (٦): يعتقُ منهُ ذلكَ القدرِ الذي عتقَ، ويسعَى في الباقي، وهوَ قولُ طاوسٍ وحمادٍ. وحجةُ الأوَّليْنَ حديثُ أبي المليحِ وغيرُه، والقياس على عتقِ الشقصِ؛ فإنهُ إذا سَرَى إلى ملكِ الشريكِ فبالأَوْلَى إذا لم يكن شريكٌ. وحجةُ الآخرينَ أن السببَ في حقِّ الشريكِ هوَ ما [يدخله] (٧) علَى شريكِه [من الضَّرَر] (٨)، فإذا كانَ العبدُ لهُ جميعهُ لم يكنْ ضررٌ فلا قياسَ، ولا يخْفَى أنهُ رأي في مقابلةِ النصِّ.
следующие страницы →