← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2327–2366 · переход к 2332.

стр. 2327

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ فكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قُوِّمَ قيمةَ عدلٍ) بفتح العينِ، أي: لا زيادةٌ فيهِ ولا نقصٌ، (فأعْطَى شركاءَه حِصَصَهُم، وعتقَ عليهِ العيدُ، وإلَّا) يكنْ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ (فقدْ عتق) بفتحِ العينِ المهملةِ (منهُ ما عتقَ) بفتحِ العينِ، ويجوزُ ضمُّها (متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على أن مَنْ لهُ حِصةٌ في عبدٍ إذا أعتقَ حِصَّته فيهِ وكانَ موسِرًا، لزمَهُ تسليمُ حصةِ [شريكهِ] (١) بعدَ [تقويمِ حصةِ الشريكِ تقويمُ مثلهِ] (٢)، وعُتِقَ العبدُ جميعهُ. وقد أجمعَ العلماءُ أن نصيبَ المعتِقِ يعتقُ بنفسِ [الإعتاقِ] (٣). ودلَّ [الحديث] (٤) على أنهُ لا يعتقُ نصيبُ شريكهِ إلَّا معَ يسارِ المعتِقِ لا معَ إعسارهِ، لقولهِ في الحديث: "وإلَّا"، أي: وإن لا يكون لهُ مالٌ "فقدْ عتقَ منهُ ما عَتَقَ"، وهي حِصَّتُه. وظاهرُ الحديث تبعيضُ العتقِ، إلَّا أنهُ وقعَ في هذَا اللفظ نزاع بين أئمة العلم، فقال ابن وضَّاح: ليس هذا من كلام النبي ﷺ لأنه رواه أيوبُ عنْ نافعٍ، قالَ: قالَ نافعٌ: "وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ"، ففصلَه الراوي من الحديث [ولم يجعله من كلامِ النبي ﷺ ] (٥)، وجعلَه [منْ قولِ نافعٍ] (٦)، قالَ أيوبُ مرةً: لا أدري هوَ منَ الحديثِ أوْ هوَ شيءٌ قالَه نافعٌ. وقالَ غيرُه: قدْ رواهُ مالكٌ (٧) وعبيدُ اللهِ العمريُّ فوصلَاهُ بكلامِ النبيِّ ﷺ ، [وجَعلاهُ منهُ] (٨). قالَ [القاضي] (٩) عياضٌ (١٠): وما قالَه مالكٌ وعبيدُ اللهِ العمريُّ أَوْلَى وقدْ جوَّداه، وهما في نافعٍ أثبتُ منْ أيوبَ [عندَ أهلِ هذا الشأنِ] (١١)، كيفَ وقدْ شكَّ أيوبُ فيهِ كما ذكرْنا. وقدْ رجَّحَ الأئمةُ روايةَ مَنْ أثبتَ هذهِ الزيادةَ منْ قولِ النبيِّ ﷺ . قالَ الشافعيُّ: لا أحسبُ عالمًا في الحديثِ [يتشكَّكُ] (١٢) في أن مالكًا أحفظُ لحديثِ نافعٍ منْ أيوبَ، لأنهُ كانَ ألزمَ به، حتَّى لو تساوَيا وشكَّ أحدُهما في

стр. 2328

شيءٍ ولم يشكَّ فيهِ صاحبُه كانَ الحجةُ معَ مَنْ لم يشكَّ. هذَا وللعلماءِ في المسألةِ أقوالٌ: أقواها ما وافقَه هذا الحديثُ وهوَ أنه لا يُعْتَقُ نصيبُ الشريكِ إلَّا بدفعِ القيمةِ، وهوَ المشهورُ [منْ مذهبِ] (١) مالكٍ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ، وهوَ قولٌ للشافعيِّ. وقالتِ الهادويةُ وآخرونَ: إنهُ يعتقُ العبدُ جميعهُ، وإنْ لم يكنْ للمعتقِ مالٌ فإنهُ يستسعي العبدَ في حصةِ الشريكِ مستدلّينَ بقوله: ٦/ ١٣٤٢ - ولَهُمَا (٢) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: "وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ"، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ في الْخَبَرِ. [صحيح] (ولهَمُا) أي: الشيخينِ (عنْ أبي هريرةَ ﵁: وإلَّا قُوِّمَ - العبدُ - عليهِ واستُسعيَ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، [وقد] (٣) قيلَ: إنَّ السعايةَ مدرجةٌ في الخبرِ). فإنهُ ظاهرٌ أنهُ إذا لم يكنْ للشريكِ مالٌ قُوِّمَ العبدَ واستُسعيَ في [قيمةِ] (٤) حصةِ [الشريكِ] (٥)، وأجيبَ بأنَّ ذِكرَ السعايةِ ليستْ منْ كلامِهِ ﷺ بلْ مُدْرَجَةٌ منْ بعضِ الرواةِ في الخبرِ، كما أشارَ إليهِ المصنفُ. قالَ ابنُ العربيِّ (٦): واتفقُوا على أن ذكرَ الاستسعاء ليسَ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ، [وأنهُ] (٧) منْ قولِ قتادةَ. قالَ النسائيُّ (٨): بلغني أن همَّامًا رواهُ فجعلَ هذا الكلامَ أعني الاستسعاء منْ قولِ قتادةَ. وكذا قالَ الإسماعيليُّ (٩): إنَّما هوَ منْ قولِ قتادةَ مدرَجٌ علَى ما روى همَّام، وجزم ابن المنذر والخطابي بأنه من فتيا قتادة. وقد ورد جمع ما ذكر من إدراجِ السعايةِ باتفاقِ الشيخين على رفْعهِ، فإنَّهما في أعلَى درجاتِ التصحيحِ. وقدْ رَوَى السعايةَ في الحديثِ سعيدُ بنُ أبي عروبةَ عنْ قتادةَ وهوَ أعرفُ بحديثِ قتادةَ لكثرةِ ملازمتهِ له، [ولكثرةِ] (١٠) أخْذِه عنهُ منْ همَّامٍ وغيرِه وهشام وشعبة، وإن كانا أحفظ من

стр. 2329

سعيد، فإنهُ كانَ أكثرَ ملازمةً لقتادةَ منهما وما رَوَياهُ لا ينافي روايةَ سعيدٍ، لأنهَّمَا اقتصرا في روايةِ الحديثِ على بعضهِ، وأما إعلالُ روايةِ سعيدِ بن أبي عروبةَ بأنهُ اختلطَ فمردودٌ لأنَّ روايتَه في الصحيحينِ (١) قبلَ الاختلاطِ، فإنهُ فيهما منْ روايةِ يزيدَ بن زُرَيْعٍ وروايتهُ عنْ سعيدٍ قبلَ اختلاطِه ثمَّ رواهُ البخاريُّ (٢) منْ روايةِ جريرِ بن حازمٍ لمتابعتهِ لهُ لينفي عنهُ التفرُّدَ، ثمَّ أشارَ إلى أن غيرَهُما تابَعَهُما ثمَّ قالَ: اختصرَه شعبةُ كأنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرهُ: إنَّ شعبةَ أحفظُ الناسِ لحديثِ قتادةَ فكيفَ لم يذكرِ الاستسعاءَ؟ فأجابَ بأنَّ هذَا لا يؤثرُ فيهِ ضَعفًا لأنهُ أوردَه مختصَرًا، وغيرُه ساقَه بتمامهِ والعددُ الكثيرُ أَوْلَى بالحفظ منَ [الواحدِ] (٣). قلتُ: وبهذَا تعرفُ المجازفةَ في قولِ ابن (٤) العربيِّ، اتفقُوا على أن ذِكْرَ الاستسعاءِ ليسَ من [قولٍ (٥) النبيِّ ﷺ . وبعدَ تقرُّر هذا لكَ فقدْ عرفتَ تعارضَ كلامِ هؤلاءِ الأئمةِ الحفاظِ في هذهِ الزيادةِ، ولا كلامَ أنَّها قدْ رُوَيتْ مرفوعةً والأصلُ عدمُ الإدراجِ حتَّى يقومَ عليهِ دليلٌ ناهضٌ. وقدْ تقاومتِ الأدلةُ هنا ولكنَّه عضدَ القولَ برفعِ زيادةِ السِّعايةِ إليه ﷺ أن الأصلَ عدمُ الإدراجِ، ومعَ ثبوتِ رفْعِها فقدْ عارضتْ روايةَ: "وإلَّا فقدْ عتقَ منه ما عتقَ". وقد جُمِعَ بينَهما بوجهينِ، الأولُ: أن معنَى قولهِ: وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ، أي بإعتاقِ مالكِ الحصةِ حصتَه وحصةُ شريكه يعتق بالسعايةِ، فيعتقُ العبدُ بعدَ تسليمِ ما عليهِ، ويكونُ كالمكاتبِ وهذا هوَ الذي جزمَ بهِ البخاريُّ، ويظهرُ أن ذلكَ يكونُ باختيارِ العبدِ لقولهِ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، فلو كانَ ذلكَ على جهةِ [اللزوم] (٦) بأنْ يكلَّفَ العبدُ الاكتسابَ والطلبَ حتَّى يحصلَ ذلكَ لحصلَ لهُ غايةُ المشقةِ، وهوَ لا يلزمُ في الكتابةِ ذلكَ عندَ الجمهورِ لأنَّها غيرُ واجبةٍ، فهذَا مثلُها، وإلى هذا [الجمع] (٧) ذهبَ البيهقيُّ (٨)

стр. 2330

[وقالَ: لا تبقَى ببنَ الحديثينِ معارضةٌ أصْلًا] (١)، وهوَ كما قالَ: إلَّا أنهُ يلزمُ منهُ أنهُ يبقَى الرقّ في حصَّةِ الشريكِ إذا لم يخترِ العبدُ السِّعايةَ. ويحملُ حديثُ أبي المليحِ (٢) عنْ أبيهِ أن رجلًا أعتقَ شقصًا له في غلامٍ فذكرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: "ليسَ لله شريك". وفي رواية: فأجاز (٣) عتقه. وأخرجه النسائي (٤) بإسناد قوي. ومثله ما أخرج (٥) أحمد بإسنادٍ حسنِ منْ حديثِ سَمُرَةَ أن رجلًا أعتقَ شقصًا في مملوكِ فقالَ النبيُّ ﷺ : "هوَ كلُّه فليسَ للهِ شريكٌ"، [فيُحمل ذلك] (٦) على الموسِرِ فتندفعُ المعارضةُ. وأما ما أخرجه أبو داودَ (٧) منْ طريقِ ملقامَ عنْ أبيهِ: "أن رجلًا أعتقَ [نصيبَه في مملوكِ] (٨) فلم يضمنْه النبيُّ ﷺ " وإسنادُه حسنٌ، [فيُحمل] (٩) في حقِّ المُعسِرِ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (١٠) عن ابن عمرَ ﵄ بلفظِ: "منْ أعتقَ عبْدًا ولهُ فيهِ شركاءُ، ولهُ وفاءٌ فهوَ حرٌّ، ويضمنُ نصيبَ شركائِه بقيمتهِ لما أساءَ منْ مشاركتِهم، وليسَ على العبدِ شيءٌ" فقالَ: ولهُ وفاءٌ، [فإنه دال على ما ذكره من وجه الجمع باعتبار الإيسار والإعسار في العتق وعدمه] (١١)، والثاني منْ وجْهَي الجمعِ: أن المرادَ بالاستسعاءِ أن العبدَ يستمرُّ في خدمةِ سيِّدهِ الذي لم [يعتقه ويبقى رقيقًا] (١٢) بقدرِ حصَّته. ومعنَى غيرُ مشقوقٍ عليهِ: أنهُ لا [يكلِّفهُ] (١٣) سيدُه منَ الخدمةِ فوقَ طاقته، ولا فوقَ حصَّتهِ منَ الرقِّ،

стр. 2331

وقيل: أنهُ [يتعدَّى] (١) هذا الجمعُ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (٢) والبيهقيُّ (٣) منْ حديثِ رجلٍ منْ بني عذرةَ: "أن رجلًا منْهم أعتقَ مملوكًا لهُ عندَ موتهِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرهُ، فأعتقَ رسولُ اللهِ ﷺ ثُلُثَهُ وأمرهُ أنْ يسعَى في الثلُثينِ". قلت: قدْ يقولُ منِ اختارَ هذا [الوجْهَ (٤) منَ] الجمعِ أن المرادَ منْ أمْرهِ ﷺ أنْ يسعَى في الثلثينِ يسعَى علَى مواليهِ بقدرِ ثلثي رقبتهِ منَ الخدمةِ، لأنهُ الذي بقيَ رقًّا لهُم. وإيضاحُ الجمعِ بينَ الأحاديثِ أن قولَه ﷺ : "لا شريكَ للهِ" فيما إذا كانَ مالكُ الشقصِ غنيًا فهوَ في حُكْمِ المالكينِ فيعتقُ العبدَ كلَّه، ويسلِّمُ قيمةَ [حصة شركائه] (٥)، ويحملُ حديثُ السعايةِ على ما إذا كانَ العبدُ قادِرًا عليها كما يرشدُ إليه قولُه ﷺ : غيرَ مشقوقٍ عليه"، ويحمل حديثُ: "وإلَّا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ" على ما إذا كانَ المعتِقُ فقيرًا، والعبدُ لا قدرةَ لهُ على السِّعاية، واعلمْ أن هذا كلَّه فيما إذا كانَ المعتِقُ يملكُ بعضَ العبدِ، وأما إذا كانَ يملكُه كلَّه فأعتقَ بعضَه فجمهورُ العلماءِ يقولونَ: يُعتقُ كلُّه. وقالَ أبو حنيفةَ [والظاهرية] (٦): يعتقُ منهُ ذلكَ القدرِ الذي عتقَ، ويسعَى في الباقي، وهوَ قولُ طاوسٍ وحمادٍ. وحجةُ الأوَّليْنَ حديثُ أبي المليحِ وغيرُه، والقياس على عتقِ الشقصِ؛ فإنهُ إذا سَرَى إلى ملكِ الشريكِ فبالأَوْلَى إذا لم يكن شريكٌ. وحجةُ الآخرينَ أن السببَ في حقِّ الشريكِ هوَ ما [يدخله] (٧) علَى شريكِه [من الضَّرَر] (٨)، فإذا كانَ العبدُ لهُ جميعهُ لم يكنْ ضررٌ فلا قياسَ، ولا يخْفَى أنهُ رأي في مقابلةِ النصِّ.

стр. 2332

من ملك ذار رحم محرم عتق عليه ٧/ ١٣٤٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يَجْزي) بفتحِ حرفِ المضارَعةِ أي لا يكافئُ (ولدٌ والدَه إلَّا أنْ يجدَه مملوكًا فيشتريَه، فيعتقَه. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يعتقُ عليهِ بمجردِ الشراءِ، وأنهُ لا بدَّ منَ الإعتاقِ بعدَه، وإلى هذا ذهبَ الظاهريةُ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يعتقُ بنفسِ الشراءِ، وتأوَّلُوا قولُه فيعتقَه بأنهُ لما كانَ شراؤُه تسببَ [عنهُ العتقُ نُسِبُ] (٢) إليهِ العتقُ مجازًا، ولا يَخْفَى أن الأصلَ الحقيقةُ إلَّا أنهُ صَرَفَهُ عن الحقيقةِ حديثُ سَمُرَةَ الآتي، وفيهِ تعليقُ الحريةِ بنفسِ الملكِ كما يأتي. وإنَّما كانَ عتقُه جزاءً لأبيهِ لأنَّ العتقَ أفضلُ ما مَنَّ بهِ أحدٌ على أحدٍ لتخليصهِ بذلكَ منَ الرقِّ فيكملُ لهُ أحوالُ الأحرارِ منَ الولايةِ والقضاءِ والشهادةِ بالإجماعِ. والحديثُ نصٌّ في عتقِ الوالدِ، ومثلُه قولُ منْ عدا داودَ في حقِّ الأمِّ [في قول بالقياس] (٣). ٨/ ١٣٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمِ فَهُوَ حُرٌّ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٤)، وَالأَرْبَعَةُ (٥)، وَرَجّحَ جَمعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [صحيح]

стр. 2333

(وعنْ سمرةَ بن جندبٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ ملكَ ذا رحمٍ محرَّمٍ فهوَ حرٌّ). رواهُ أحمدُ والأربعةُ، ورجحَ [جماعة وقفه] (١). وأخرجَهُ أبو داودَ (٢) مرفُوعًا منْ روايةِ حمادٍ. وموقوفًا منْ روايةٍ (٣) شعبةَ وقالَ: شعبةُ أحفظُ منْ حمادٍ، فالوقفُ حينئذٍ أرجحُ. وأخرجهُ (٤) أيضًا منْ طريقِ [سعيد] (٥) عنْ قتادةَ أن عمرَ [بنَ الخطابِ] (٦) "قالَ: مَنْ ملكَ - الحديثَ" فوقَفَهُ على عمرَ. قالَ أبو داودَ (٧): لم يحدِّثْ بهذَا الحديثِ إلَّا حمادُ وقدْ شكَّ فيهِ. قالَ ابنُ المديني (٨): هو حديثٌ منكَرٌ. وقالَ البخاريُّ (٩): لا يصحُّ. ورواهُ ابنُ ماجهْ (١٠)، والنسائيُّ (١١)، والترمذيُّ (١٢) والحاكمُ (١٣) منْ طريقِ ضمرةَ عن الثوريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن عمرَ. قالَ النسائيُّ (١٤): حديثٌ منكرٌ. وقالَ الترمذيُّ (١٥): لم يتابعْ

стр. 2334

ضمرةُ عليهِ وهوَ خطأٌ. قالَ الطبرانيُّ (١): وهم في هذا الإسنادِ، والمحفوظُ بهذَا الإسنادِ: "نَهَى عنْ بيعِ الولاءِ وعنْ هِبَتهِ". وردَّ الحاكمُ (٢) هذا وقالَ: إنهُ رُوِيَ منْ طريقِ ضمرةَ الحديثين بالإسنادِ الواحدِ، وصحَّحهُ ابنُ حزمٍ (٣)، وعبدُ الحقِّ (٤)، وابنُ القطانِ (٥)، وقالُوا: ضمرةُ بنُ ربيعةَ لا يضرُّ تفرُّدهُ لأنهُ ثقةٌ لم يكن في الشامِ رجلٌ يشبههُ. قلتُ: فقدْ رفعهُ ثقةٌ فإرسالُ غيره لهُ لا يضرُّ كما كَرَّرْنَاهُ. والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ ملكَ منْ بينَهُ وبينَه رحامةٌ محرمةٌ للنكاحِ فإنهُ يعتقُ عليهِ، وذلكَ، كالآباءِ [وإنْ عَلَوْا] (٦)، والأولادِ [وإنْ سَفُلُوا] (٧)، والإخوةُ وأولادُهم، [والأخوالُ والأعمامُ لا أولادهم] (٨)، وإلى هذا ذهب الهادويةُ والحنفيةُ مستدلينَ بالحديثِ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ لا يعتقُ إلَّا الآباءُ والأبناءُ للنصِّ في الحديثِ الأولِ عن الآباءِ، وقياسًا للأبناءِ عليهم، [وبناءً] (٩) منهُ على عدمِ صحةِ هذا الحديثِ، وزادَ مالكٌ الإخوةُ والأخواتُ قياسًا على الآباءِ، وذهبَ داودُ إلى أنهُ لا يعتقُ أحدٌ بهذَا السببِ لظاهرِ حدب أبي هريرةَ الماضي، فيشْتريَه فيعتقه، فلا يعتقُ أحدٌ إلَّا بالإعتاقِ عنده. وهذَا الحديثُ كما عرفتَ قدْ صححهُ أئمةٌ، فالعملُ بهِ متعيّنٌ، وظاهرُه أن مجرَّدَ الملكِ سببٌ للعتقِ فيكونُ قرينةً لحملِ "فيعتقَه" على المعنَى المجازي كما قالَه الجمهورُ، فلا يكونُ حجةٌ لداودَ. حكم التبرع في المرض حكم الوصية ٩/ ١٣٤٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُم، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَرَّأَهُمْ أثْلَاثًا، ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠). [صحيح]

стр. 2335

(وعنْ عمرانَ بن حصينٍ ﵁ أن رجلًا أعتقَ ستةَ مماليكَ عندَ موتهِ لم يكنْ لهُ مالٌ غيرَهم، فدعا بهمْ رسولُ اللهِ ﷺ فجزَّأَهم أثلاثًا، ثمَّ أقرعَ بينَهم، فأعتقَ اثنينِ، وأرقَّ أربعةً، وقالَ له قولًا شديدًا)، وهوَ ما رواهُ النسائيُّ (١)، وأبو داودَ (٢) أنهُ ﷺ قالَ: "لوْ شهدتَه قبلَ أنْ يدفَنَ لم يدفنْ في مقابرِ المسلمينَ" (رواهُ مسلمٌ). دلَّ الحديثُ على أن حكمَ التبرعِ في المرضِ حكمُ الوصيةِ، ينفذُ منَ الثلثِ، وإليهِ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. وإنَّما اختلفُوا هل تعتبرُ القيمةُ أوِ العددُ منْ غيرِ تقويمٍ، فقالَ مالكٌ: يعتبرُ التقويمُ، فإذا كانُوا ستَّةَ أعْبُدٍ أعتقَ الثلثَ بالقيمةِ، سواءً كانَ الحاصلُ منْ ذلكَ اثنينِ منْهم أوْ أقلَّ أوْ أكثرَ. وذهبَ البعضُ إلى أن المعتبرَ العددُ منْ غيرِ تقويمٍ فيعتقُ اثنانِ من مسألةِ الستةِ الأعبدِ، ويكون تعين المعتق بالقرعة على هذين القولين. وخالفتِ الهادويةُ والحنفيةُ وذهبُوا إلى أنهُ يعتقُ منْ كلِّ عبدٍ ثلثَه، ويسعَى كلُّ واحدٍ في ثلثي قيمتهِ للورثةِ، قالُوا: وهذَا الحديثُ [أحاديٌّ] (٣) خالفَ الأصولَ، وذلكَ لأنَّ السيدَ قدْ أوجبَ لكلّ واحدٍ منْهمُ العتقَ، فلو كانَ لهُ مالٌ لنفذَ العتقُ في الجميع [بِالإِجماعِ] (٤). وإذا لم يكنْ لهُ مالٌ وجبَ أنْ ينفذَ لكلّ واحدٍ بقدرِ الثلثِ الجائزِ تصرُّف السيدِ فيهِ، وَرُدَّ بأنَّ الحديثَ الأحاديَّ منَ الأصولِ فكيفَ يُقَالُ إنهُ خالفَ الأصولَ، ولو سلمَ فمنِ الأصولِ أنهُ لا يدخلُ ضرَرًا على الغيرِ، وقدْ أدخلتُم الضررَ على الورثةِ وعلى العبيدِ المعتقينَ، وإذا جمعَ العتقُ في شخصينِ كما في مسألةِ الحديثِ حصلَ الوفاءُ بحقِّ العبدِ وحق الواردِ، ونظيرُ مسألةِ العبدِ لوْ أوصَى بجميعِ التركةِ فإنهُ يقفُ ما زادَ على الثلثِ على إجازةِ الورثةِ اتفاقًا، ثمَّ إذا أريدَ القسمةَ تعيَّنتِ الأنصباء بالقرعةِ اتفاقًا.

стр. 2336

يصح تعليق العتق ١٠/ ١٣٤٦ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا عِشْتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَالْحَاكِمُ (٤). [حسن] (وعنْ سفينةَ ﵁) بالسينِ المهملةِ، ففاءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ، فنونٍ، (قالَ: كنتُ مملُوكًا لأمِّ سلمةَ فقالتْ: أعتقكَ واشترطتُ عليكَ أنْ تخدمَ رسولَ اللهِ ﷺ ما عشتَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والحاكمُ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ اشتراطِ الخدمةِ على العبدِ المعتَقِ، وأنهُ يصحُّ تعليقُ العتقِ بشرطٍ، فيقعُ بوقوعِ الشرطِ. ووجهُ دلالتهِ أنهُ علمَ أنهُ النبي ﷺ قررَ ذلكَ؛ إذِ الخدمة لهُ. ورُوِيَ عنْ عمرَ أنهُ أعتقَ رقيقَ الإمارةِ وشرطَ عليهمْ أنْ يخدمُوا الخليفةَ بعدَه ثلاثَ سنينَ. قالَ في نهايةِ المجتهدِ: ولم يختلفُوا على أن العبدَ إذا أعتقَه سيِّدُه على أنْ يخدمَه سنينَ أنهُ لا يتمُّ عِتْقُهُ إلَّا بخدمتهِ. وبهذا قالتِ الهادويةُ والحنفيةُ. الولاء لمن أعتق ١١/ ١٣٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥) في حَدِيثٍ طَوِيل. [صحيح]

стр. 2337

(وعنْ عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إنَّما الولاءُ لمن أعتقَ. متفقٌ عليهِ). في حديثٍ تقدَّم في البيعِ في قصةِ بريرةَ، وتقدمَ شرحه بما فيهِ كفايةٌ، وأفادتْ كلمةُ "إنَّما" الحصرَ، وهوَ إثباتُ الولاءِ لمنْ ذكرَ ونفيهُ عمنْ عدَاهُ، فاستدلَّ بهِ على أنهُ لا وَلَاءَ بالإسلامِ خلافًا للهادويةِ والحنفيةِ. عدم صحة بيع الولاء ولا هبته ١٢/ ١٣٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الوَلاءُ لُحْمَةْ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ". رَوَاهُ (١) الشَّافِعِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) وَالْحَاكمُ (٣)،

стр. 2338

وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (١) بِغَيْرِ هذَا اللَّفْظِ. [حسن] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : الولاءُ لحمةٌ) في القاموسِ بضمِّ اللامِ وفتحِها في النسبِ والثوبِ، (كلحمةِ النسبِ لا يباعُ ولا يُوهَبُ. رواهُ الشافعيُّ، وصحَّحهُ ابن حبانَ والحاكمُ، وأصلُه في الصحيحينِ بغيرِ هذَا اللفظِ). يريدُ أن فيهما بلفظِ: "نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بيعِ الولاءِ وعنْ هبتهِ"، أخرجَهُ البخاريُّ (٢) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن دينارٍ عن ابن عمرَ، وأخرجَهُ مسلمٌ (٣) منْ هذهِ الطريقِ، وقالَ الترمذيُّ (٤) بعدَ تخريجهِ: حسنٌ صحيحٌ. ومعنَى تشبيههِ بلحمةِ النسبِ أنهُ يجري الولاءُ مَجْرَى النسبِ في الميراثِ كما تخالطُ اللحمةُ سُدَى الثوبِ حتَّى يصيرَ كالشيءِ الواحدِ كما يفيدُه كلامُ النهايةِ. والحديثُ دليلٌ على عدمِ صحةِ بيعِ الولاءِ ولا هبتهِ؛ فإنَّ ذلكَ أمرٌ معنويٌّ كالنسبِ لا يتأتَّى انتقالُه كالأبوَّةِ والأخوَّةِ لا يَتَأَتَّى انتقالُهما، وقدْ كانُوا في الجاهليةِ ينقلونَ الولاء بالبيعِ وغيرِه فنَهى عنه الشارع، وعليهِ جماهيرُ العلماءِ. ورُوِيَ عنْ بعضِ السلفِ جوازُ بيعهِ، وعنْ آخرينَ منْهم جوازُ هبتهِ وكأنَّهم لم يطَّلِعُوا على الحديثِ أو حملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وهوَ خلافُ أصْلِهِ. * * *

стр. 2339

[الباب الأول] باب المدبَّر، والمكاتَب، وأم الولد المدبَّرُ اسمُ مفعولٍ، وهوَ الرقيقُ الذي عُلِّقَ عتقُه بموتِ مالكِه، سُمِّي بذلكَ لأنَّ مالكَه دبَّرَ أمر دنياهُ وأمر آخرتِه، أما دنياهُ فاستمرارُ انتفاعِه بخدمةِ عبدهِ، وأما آخرتُه فتحصيلُ ثوابِ العتقِ. والمكاتَبُ اسمُ مفعولٍ، وهو الرقيق الذي وقعتْ عليهِ الكتابةُ، وحقيقةُ الكتابةِ تعليقُ عتقِ المملوكِ على أدائِه مالًا أو نحوَه منْ مالكٍ أو نحوِه، وهيَ على خلافِ القياسِ عندَ مَنْ يقولُ إنَّ العبدَ لا يملكُ. وأمُّ الولدِ تقدّم ذكرُها في كتابِ البيعِ. يباع المكاتب لحاجة السيد ١/ ١٣٤٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنيِّ؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِي (٢): فَاحْتَاجَ. وَفي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (٣): وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَيم، فَأعْطَاهُ، وَقَالَ: "اقْضِ دَينَكَ". [صحيح]

стр. 2340

(عنْ جابرٍ ﵁ أن رجلًا من الأنصار) اسمهُ "مذكور" كما في روايةٍ مسلمٍ. وتقدَّم في البيعِ منْ روايةٍ أبي داودَ والنسائيُّ أن اسمهُ مذكور، واسمُ غلامِه أبو يعقوبَ (أعتق غلامًا لهُ) وهو يعقوبُ كما في مسلم (عنْ دُبُرٍ) بضمِّ الدالِ المهملةِ وبضمِّ الموحدةِ وسكونِها (لم يكنْ له مالٌ غيرَه، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ فقالَ: مَنْ يشتريهِ منيِّ؟ فاشتراهُ نعيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بثمانمائةِ درهمٍ. متفقٌ عليهِ. وفي لفظِ البخاريِّ: فاحتاجَ. وفي روايةٍ النسائيِّ (١): وكانَ عليهِ دينٌ فباعَه بثمانمائةِ درهمٍ فأعطاهُ وقالَ: اقضِ دَيْنَكَ). الحديثُ دليل على شرعية التدبيرِ، وهو متفقٌ على مشروعيتهِ. واختلفَ العلماءُ هلْ ينفذُ منْ رأسِ المالِ أوْ منَ الثلثِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ينفذُ منَ الثلثِ، وذهبَ جماعة منَ السلفِ والظاهريةُ إلى أنهُ ينفذُ منْ رأسِ المالِ. استدلَّ الجمهورُ بقياسهٍ على الوصيةِ بجامعِ أنهُ مال ينفذُ بعدَ الموتِ، وبحديثِ ابن (٢) عمرَ مرفوعًا: "المدبَّرُ منَ الثلثِ"، ورُدَّ الحديثُ بأنهُ جزمَ أئمةُ الحديثِ بضعفِه وإنكارِه، وأنَّ رفْعَهُ باطلٌ، وإنَّما هوَ موقوفٌ على ابن عمرَ كما قالَه البيهقيُّ (٣): [الصحيحُ أنهُ موقوفٌ] (٤). ورَوَى البيهقيُّ (٥) عنْ أبي قلابةَ مرسلًا: "أن رجلًا أعتقَ عبدًا عنْ دُبُرٍ، فجعلَه النبي ﷺ من الثلثِ". وأخرجَ (٦) عنْ عليٍّ كذلكَ موقُوفًا. واستدلَّ الآخرونَ بالقياسِ علَى الهبةِ ونحوِها مما يخرجُه الإنسانُ منْ مالهِ في حياتهِ، ودليلُ الأولينَ أولى لتأيدِ القياسِ بالمرسلِ والموقوفِ، ولأنَّ قياسَه على الوصيةِ أَوْلَى منَ القياسِ على الهبةِ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ بيعِ المدبرِ لحاجتهِ لنفقتهِ، أوْ لقضاء دينهِ. وذهبَ طائفة إلى عدمِ جوازِ بيعهِ مطلقًا مستدلينَ بقولهِ تعالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٧). وردَّ بأنهُ عامٌّ [خصَّصَهُ] (٨) [حديثُ الكتابِ] (٩).

стр. 2341

وذهبَ آخرونَ منْهمُ الشافعيُّ وأحمدُ إلى جوازِ بيعهِ مطلقًا، مستدلِّينَ بحديثِ جابرٍ، وتشبيهه بالوصيةِ، فإنهُ إذا احتاجَ الموصي باعَ ما أوصَى بهِ، وكذلكَ معَ استغنائِه. قالُوا: والحديثُ ليسَ فيهِ قصرُ البيعِ على الحاجةِ والضرورةِ،، وإنَّما الواقعُ جزئيٌّ منْ جزئياتِ صورِ جوازِ بيعهِ، وقياسُه على الوصيةِ يؤيدُ اعتبارَ الجوازِ المطلَقِ، والظاهرُ هو القولُ الأوَّلُ. المكاتب إذا لم يفِ بما كوتب عليه فهو عبد ٢/ ١٣٥٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِي عَلَيهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (١). [حسن] (وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: المكاتِبُ عبدٌ ما

стр. 2342

بقي عليهِ منْ مكاتبتهِ درهمٌ. أخرجَه أبو داودَ بإسنادٍ حسنن، وأصلُه عندَ أحمدَ والثلاثةِ، وصححَة الحاكمُ). ورُوِيَ منْ طرقٍ كلُّها لا تخلُو عنْ مقالٍ. قالَ الشافعيُّ في حديثٍ عمروِ بن شعيب: لا أعلمْ أحدًا رَوَى هذا إلَّا عمروُ بنُ شعيبٍ، ولم أرَ مَنْ رضيتُ منْ أهلِ العلَمِ يثبتُه. وعلى هذا فُتْيَا المفتينَ. والحديثُ دليَلٌ على أن المكاتِبَ إذا لم يفِ [بما كُوتِبَ عليهِ] (١) فهوَ عبدٌ، لهُ أحكامُ [الرق] (٢)، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ، الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيُّ، ومالكٌ، وفي المسألةِ خلافٌ فروي عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ يعتقُ إذا أدَّى شرط ما كتب عليه. ويُرْوَى عنهُ أنهُ يُعْتَقُ بقدرِ ما أدَّى، ودليلهُ ما أخرجه النسائيُّ (٣) منْ طريق عكرمةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "يودَى المكاتبُ بحصةِ ما أدَّى ديةَ حرٍّ، وما بقىَ ديةُ عبدٍ". قالَ البيهقيُّ (٤): قالَ أبو عيسَى فيما بلغني عنهُ: سألتُ البخاري عنْ هذَا الحديثِ فقالَ: رَوَى بعضُهم (٥) هذا الحديثَ عنْ أيوب عن عكرمةَ عنْ على. قال البيهقي: فاختلفَ [على] (٦) عكرمةَ فيهِ، وروايةُ عكرمةَ عنْ عليٍّ مرسلةٌ، ورواية عكرمة عن النبيِّ ﷺ مرسلةٌ، ورُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ منْ طرقٍ مرفوعًا وموقُوفًا. قلت: فقدْ ثبتَ لهُ أصلٌ إلا أنهُ قدْ عارضَه حديثُ الكتابِ. وقولُ الجمهورِ دليلهُ الحديثُ، وإنْ كانَ ما خلتْ طرقُه عنْ قادحٍ، إلَّا أنهُ أيدتْهُ آثارٌ سلفيةٌ عن الصحابةِ، ولأنهُ أخذَ بالاحتياطِ في حق السيِّدِ، فلا يزولُ ملكُه إلا بما قدْ رضي بهِ منْ تسليمِ ما عندَ عبدِه، فالأقربُ كلامُ الجمهورِ. المكاتب كالحر إذا كان معه ما كوتب عليه ٣/ ١٣٥١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ

стр. 2343

لأِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي فَلْتَحْتَجِب مِنْهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحّحَهُ الترْمذِيُّ (٣). [حسن] (وعنْ أُمِّ سلمةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا كانَ لإحداكنُّ مكاتَبٌ، وكانَ عندَه ما يؤدِّي فلتحتجبْ منهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ). وهوَ دليلٌ على مسألتينِ: الأولى: أن المكاتَبَ إذا صارَ معهُ جميعُ مالِ [المكاتبةِ] (٤) فقدْ صارَ لهُ ما للأحرارِ [فتحتجِبُ] (٥) منهُ سيدتُه إذا كانَ مملُوكًا لامرأةِ، وإنْ لم يكنْ قد سلمَ ذلكَ، وهوَ معارضٌ بحديثِ عمروِ بن شعيبِ، وقدْ جمعَ بينَهما الشافعيُّ (٦) فقالَ: هذا خاصٌّ بأزواجِ النبيِّ ﷺ ، وهوَ احتجابهنَّ عن المكاتبِ، وإنْ لم يكنْ قدْ سلمَ مالَ الكتابةِ إذا كانَ واحدًا لهُ، وإلا منعَ منْ ذَلكَ كما منعَ سودةَ (٧) منْ نظرِ ابن

стр. 2344

زمعةَ إليها مع أنهُ قدْ قالَ: "الولدُ للفراشِ" (١). قلتُ: ولكَ أن تجمعَ بينَ الحديثين أن المرادَ أنهُ قِنٌّ إذا لم يجدْ ما بقيَ عليهِ ولو كانَ درهمًا. وحديثُ أمِّ سلمةَ في مكاتب واجدٍ لجميعِ مالِ الكتابةِ، ولكنهُ لم يكنْ قدْ سلَّمهُ. وأما حديثُ أمِّ سلمةَ (٢) أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لها: "إذا كاتبتْ إحداكنَّ عبدَها فليرَها ما بقيَ عليهِ شيءٌ منْ [كتابتهِ] (٣)، فإذا قضَاها فلا تكلِّمْهُ إلا منْ وراءِ حجابٍ". فإنهُ حديث ضعيفٌ لا يُقَاوِمُ حديثَ الباب. المسألةُ الثانيةُ: دلَّ [الحديث] (٤) بمفهومه أنهُ يجوزُ لمملوكِ المرأةِ النظرُ إليها ما لم يكن يكاتبْها ويجد مالَ الكتابةِ، وهوَ الذي دلَّ لهُ منطوقُ قولهِ تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٥) في سورةِ النورِ، وفي سورةِ الأحزابِ (٦). ويدلُّ لهُ أيضًا قولُه ﷺ لفاطمةَ ﵇ لما تقنَّعتْ بثوبٍ وكانتْ إذا قنعتْ رأسهَا لم يبلغْ رِجْليهَا، وإذا غطتْ رجلَيها لم يبلغْ رأسها، فقالَ النبي ﷺ : "ليسَ عليكِ بأسٌ إنما هو أبوكِ وغلامُكِ" أخرجه أبو داودَ (٧)، وابنُ مردويهْ (٨)، والبيهقي (٩) منْ حديثٍ أنسٍ، وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (١٠) عنْ مجاهدٍ. قالَ: كانَ العبيدُ يدخلونَ على أزواجِ النبيِّ ﷺ يريدُ مماليكهنَّ. وفي تيسيرِ البيانِ للموزعيِّ أنَّ رؤيةَ المملوكِ لمالِكَتِه هو المنصوصُ، أي للشافعيِّ. وذكرَ الخلافَ لبعضِ الشافعيةِ وردَّه، وهوَ خلافُ ما نقلْنا عنهُ فيما يأتي، فيحتملُ أن ذلكَ قوله. وإلى ما أفاده مفهوم الحديث ذهمبَ أكثرُ العلماءِ منَ السلفِ، وهوَ قولٌ للشافعيِّ. وذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ إلى أن

стр. 2345

المملوكَ كالأجنبيِّ. قالُوا: يدل له صحةُ تزويجِها إياهُ بعدَ العتقِ، وأجابُوا عن هذا الحديثِ بأنهُ مفهومٌ لا يعملُ بهِ. وعن الآيةِ بأنَّ المرادَ بما ملكتْ أيمانُهنَّ المملوكاتُ منَ الإماءِ للحرائرِ، وخصَّهنَّ بالذكرِ رفْعًا لتوهُّم مغايرتِهنَّ للحرائرِ في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١)؛ إذِ الإماءُ لَسْنَ منْ نسائِهن. ولا يخْفَى ضعفُ هذا وتكلُّفهُ، والحقُّ [أحق] (٢) بالاتِّباعِ. ٤/ ١٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "يُوْدَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبَقَدْرِ مَا رقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالنَّسَائِي (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ: يُودَى) بضمِّ حرفِ المضارَعةِ مبنيٌّ للمجهولِ من ودَاهُ يديهِ (المكاتبُ بقدرِ ما عتِقَ منهُ ديةَ الحرِّ، وبقدرِ ما رق منهُ ديةَ العبده رواهُ أحمدُ، وبو داود، والنسائيُّ). سقطَ هذا الحديثُ بشرحهِ منَ الشرح، وهوَ دليلٌ على أن للمكاتبِ حكمَ الحرِّ في قدْر ما سلَّمهُ منْ [مال الكتابة] (٦)، فتبعضُ ديتُه إنْ قتلَ [وكذلكَ] (٧) الحدُّ وغيرُه منَ الأحكامِ التي تنصَّفُ، وهذا قولُ الهادويةِ. وذهبَ عليٌّ ﵇ وشريحٌ إلى أنهُ يعتقُ كلُّه إذا سلَّمَ قِسْطًا منْ مالِ الكتابةِ، وعنْ عليٍّ ﵇ روايةُ مثلِ كلامِ الهادويةِ. واستدل مَنْ قالَ لا تتبعَّضُ أحكامُه بأنهُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ لحديثِ ابن عمرَ: "المكاتبُ عبدٌ ما بقيَ عليهِ درهمٌ" (٨)، إلَّا أنهُ موقوفٌ. وقدْ رفعَه ابنُ قانعٍ، وأعل بالانقطاعِ، وأخرجَه منْ

стр. 2346

طريقِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ أبو داود (١)، والنسائي (٢). لكنْ قالَ الشافعيُّ: لم أرَ مَنْ رضيتُ منْ أهلِ العلمِ يثبتُه كما تقدَّمَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٣) والترمذيُّ (٤) والنسائيُّ (٥) منْ حديثٍ عليٍّ ﵇ وابنِ عباسٍ مرفوعينِ بلفظِ: "المكاتبُ يعتقُ بقدْرِ ما أدَّى، ويرثُ ويقامُ عليهِ الحا بقدْرِ ما عُتقَ". ولا علةَ لهُ، وهوَ يؤيدُ حديثَ الكتابِ. ولعلَّه هوَ وإنَّما اختلفَ لفظُه. وتقدَّمَ الخلافُ في المسألةِ وبيانِ الراجحِ. تركة الرسول ﷺ - ٥/ ١٣٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرَيةَ أُمّ الْمُؤمِنِينَ ﵂ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦). [صحيح] ترجمة عمرو بن الحارث (وعنْ عمروِ بن الحارثِ) (٧) وهوَ عمروُ بنُ الحارثِ بن أبي ضرارٍ بكسرِ الضادِ المعجمةِ، وراءٍ خفيفةٍ، عدادُه في أهلِ الكوفةِ، رَوَى عنهُ أبو وائلٍ شقيقُ بنُ سلمةَ وغيرُه [قاله المصنف في التقريب] (٨). (أخي جويريةَ أمِّ المؤمنينَ ﵂ قالَ: ما تركَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ موتهِ درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبْدًا، ولا أَمَةً، ولا شيئًا إلا بَغْلَتَه البيضاءَ، وسلاحَه، وأرضًا جعلَها صدقةً. رواهُ البخاريُّ).

стр. 2347

الحديثُ دليل على ما كانَ عليهِ ﷺ منْ تنزههِ عن الدُّنيا وأدناسِها وأعراضِها، وخلوِّ قلبِه وقالَبِه عن الاشتغالِ بها، لأنهُ متفرِّغٌ للإقبالِ على تبليغِ ما أُمِرَ بهِ، وعبادةِ مولاهُ، والاشتغالِ بما يقربُه إليهِ وما يرضَاه. وقولهُ: "ولا عبدًا ولا أَمَةً"، وقدْ قدَّمنا أنهُ ﷺ أعتقَ ثلاثًا وستين رقبةً فلم يمتْ وعندَه مملوكٌ، والأرضُ التي جعلَها صدقةً، قالَ أبو داودَ (١): كانتْ نخلُ بني النضيرِ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً له أعطاهُ اللَّهُ إيَّاها فقالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٢)، فأعطَى أكثرَها المهاجرينَ، وبقيَ منْها صدقةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ التي في أيدي بني فاطمةَ. ولأبي داودَ (٣) أيضًا منْ طريقِ ابن شهابٍ: كانتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ثلاثُ صفايا: بنو النضير، وخيبرُ، وفدكُ. فأما بنو النضيرِ فكانتْ حَبْسًا لنوائِبه، وأما فدَكُ فكانتْ حَبْسًا [لأبناءِ] (٤) السبيلِ، وأما خيبرُ فجزَّأَها بينَ المسلمينَ ثمَّ قسمَ جزءًا لنفقةِ أهلِه، وما فضلَ منهُ جعلَه في فقراءِ المهاجرينَ. ٦/ ١٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتهِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (٥)، وَالْحَاكِمُ (٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجّحَ (٧) جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁. [ضيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ منْ سيِّدِها فهيَ حرَّةٌ بعدَ موتِه. أخرجَه [ابنُ ماجهْ] (٨) والحاكمُ بإسنادٍ ضعيف)؛ إذْ في سندهِ

стр. 2348

الحسينُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهاشميُّ ضعيفٌ جدًّا. (ورجَّح جماعةٌ وقْفَه على عمرَ ﵁). الحديثُ دالٌّ على حريةِ أمِّ الولدِ بعدَ وفاةِ سيِّدِها، وعليهِ دلَّ الحديثُ الأوَّلُ حيثُ قالَ: ولا أمةٍ، فإنهُ ﷺ تُوفِّيَ وخلَّفَ ماريَّةَ القبطيةَ أمَّ إبراهيمَ ﷺ ، وتوفيتْ في أيامِ عمرَ، فدلَّ أنَّها عتقتْ بوفاتِه ﷺ ، ولأَجْلِ هذا الحكمِ ذكرَ المصنفُ الحديثَ الأولَ. وتقدَّمَ الكلامُ في أمِّ الولدِ مستوفَى في كتابِ البيعِ. ٧/ ١٣٥٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا في عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا في رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَصَحّحَهُ (٢) الْحَاكِمُ. [ضعيف] (وعنْ سهلِ بن حنيفٍ ﵁ أن رسول اللَّهِ ﷺ قالَ: مَنْ أعانَ مجاهِدًا في سبيلِ اللَّهِ، أوْ غارِمًا في عُسرتهِ)، الغارمُ الذي يلتزمُ ما ضمنَه ويكفل له ويؤذيهِ، قالهُ في النهايةِ، (أوْ مكاتبًا في رقبتهِ، أظلَّه اللَّهُ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه. رواة أحمدُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). فيهِ دليلٌ على عِظَمِ أجر هذهِ الإعانةِ لمنْ ذكرَ، وذُكِرَ هنا لأجلِ المكاتبِ. وقدْ قالَ تعالَى في المكاتب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣). وقدْ أخرجَ النسائيُّ (٤) منْ حديثٍ عليٍّ ﵁ مرفُوعًا أنهُ ﷺ قالَ: "في الآيةِ ربعُ الكتابة" (٥). قالَ النسائيُّ (٦): أي الصوابُ وقْفُه. قالَ الحاكمُ (٧) في روايةٍ الرفعِ: صحيحُ الإسنادِ.

стр. 2349

وقدْ فسَّرَ (١) قولَه تعالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢) بإعانةِ المكاتبينَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ (٣) وغيرُه (٤) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: أمرَ اللَّهُ تعالى السيِّدَ أنْ يدعَ الربعَ للمكاتبِ منْ ثمنهِ، وهذا تعليمٌ منَ اللَّهِ تعالى وليسَ بفريضةٍ، ولكنْ فيهِ أجرٌ. * * *

стр. 2350

[الكتاب الثامن عشر] كتاب الجَامع أي الجامعُ لأبوابٍ ستةٍ: الأدب، والبرِّ والصلةِ، والزهدِ والورعِ، والترهيبِ منْ مساوئ الأخلاقِ، والترغيبِ في مَكارمِ الأخلاقِ، والذكرِ والدعاءِ. الأولُ: [الباب الأول] باب الأدب حقوق المسلم على المسلم ١/ ١٣٥٦ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَفتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمُ (١). [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولَ اللَّهِ ﷺ : حقُّ المسلمِ علَى المسلمِ ستٌّ: إذا لقيتَه فسلِّمْ عليْهِ، وإذا دعاكَ فأجِبْه، وإذا استنصحَكَ فانصحْه، وإذا عطسَ فحمدَ اللَّهَ فشمِّتْهُ) بالسينِ المهملةِ والشينِ المعجمةِ، (وإذا مرض فعدْه، وإذا ماتَ فاتبعْهُ. رواهُ مسلمٌ)، وفي روايةٍ (٢) لهُ: خمسٌ، أسقطَ مما عدَّه هنَا: "وإذا استنصحكَ

стр. 2351

فانصحْه". والحديثُ دليلٌ على أن هذهِ حقوقُ المسلم على المسلم، والمرادُ بالحقِّ ما لا ينبغي تركُه، ويكونُ فِعلُه إما واجبًا أو مندُوبًا ندْبأ مؤكَّدًا شبيهًا بالواجبِ الذي لا ينبغي تركُه، ويكونُ استعمالُه في المعنيينِ منْ بابِ استعمالِ المشتركِ في معنيَيْهِ، فإنَّ الحقَ يستعملُ في معنَى الواجبِ، كذا ذكرهُ ابنُ الأعرابيِّ. فالأوُلىَ منَ الستِّ: السلامَ عليهِ عندَ ملاقاتِه لقولهِ: "إذا لقيتَه فسلِّمْ عليهِ"، والأمرُ دليلٌ على وجوب الابتداءِ بالسلامِ، إلَّا أنهُ نقلَ ابنُ عبدِ البرّ (١) وغيرهُ أن الابتداءَ بالسلامِ سنةٌ، وَأنَّ ردَّه فرضٌ. وفي صحيح مسلمٍ (٢) مرفُوعًا: الأمرُ بإفشاءِ السلامِ، وأنهُ سببٌ للتحابِّ. وفي الصحيحينِ (٣): "أن أفضلَ الأعمالِ إطعامُ الطعامِ، وتقرأ السلامَ على مَنْ عرفتَ ومَنْ لم تعرفْ"، قالَ عمارٌ: ثلاثٌ مَنْ جمعَهنَّ فقدْ جمعَ الإيمانَ: إنصافٌ منْ نفسِكَ، وبذلُ السلامِ للعالَمِ، والإنفاقُ منَ الإِقْتَارِ. ويا لها منْ كلماتٍ ما أجمعَها للخيرِ. والسلامُ اسمٌ منْ أسماءِ (٤) اللَّهِ تعالَى، فقولُه: السلامُ عليكم أي اسم الله عليكم، أي أنتُم في حفظِ اللَّهِ كما يُقَالُ: اللَّهُ معَكَ، واللَّهُ يصحبُكَ. وقيلَ: السلامُ بمعنى السلامةِ، أي: سلامةُ اللَّهُ ملازِمة لكَ. وأقلُّ السلامِ أنْ يقولَ السلامُ عليكْم، وإنْ كانَ المسلَّمُ عليهِ واحدًا يتناولُه وملائكتهُ، وأكملُ منهُ أنْ يزيدَ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، ويجزيهِ السلامُ عليكَ، وسلامٌ عليكَ بالإفرادِ والتنكيرِ، فإنْ كانَ المسلَّمُ عليهِ واحدًا أوجبَ الردُّ عليهِ

стр. 2352

عينًا، وإنْ كانَ المسلَّمُ عليهمْ جماعةً فالردُّ فرضُ كفايةٍ في حقهم. ويأتي قريبًا حديثُ (١): "يجزئُ عن الجماعةِ إذا مروا أنْ يسلِّمَ أحدُهم، وهذا هو سنةُ الكفايةِ، ويشترطُ كونُ الردِّ على الفورِ، وعلى الغائبِ في ورقةٍ أو رسولٍ. وبأتي حديثُ (٢): "أنهُ يسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ". ويُؤْخَذُ منْ مفهومِ قولِه: حقُّ المسلمِ على المسلم أنهُ ليسَ للذميِّ حقٌّ في ردِّ السلامِ، وما ذكرَ معهُ. ويأتي (٣) حديثُ: "لا تبدؤُوا اليهودَ والنصارَى بالسلامِ"، ويأتي الكلامُ. وقولُه: "إذا لقيتَه" يدلُّ أنهُ لا يسلِّمُ عليهِ إذا فارقَه لكنَّه قدْ ثبتَ حديثُ: "إذا قعدَ أحدُكم فليسلِّمْ، وإذا قامَ فلْيسلِّمْ، [وليستِ] (٤) الأُولى بأحقَّ منَ الآخرةِ" (٥)، فلا يعتبرُ مفهومُ إذا لقيتَه، ثمَّ المرادُ بلقيه وإنْ لم يطلْ بينَهما الافتراقُ لحديثِ أبي داودَ (٦): "إذا لقيَ أحدُكم صاحبُه فليسلِّمْ عليهِ، فإنْ حالَ بينَهما شجرةٌ أو جدارٌ ثمَّ لقيهُ فليسلِّمْ عليه". وقالَ أنسٌ (٧): كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يتماشونَ، فإذا لقيتْهم شجرةٌ أوْ أكَمةٌ تفرَّقُوا يمينًا وشمالًا، فإذا الْتَقَوْا من ورائِها يسلِّمُ بعضُهم على بعضٍ. الثانيةُ: "وإذا دعاكَ فأجِبْه"، ظاهرُه عمومُ [حقيةِ] (٨) الإجابةِ في كلِّ دعوةٍ يدعُوه بها، وخصَّها العلماءُ بإجابةِ دعوةِ الوليمةِ ونحوِها، والأَوْلَى أنْ يُقَالَ: إنَّها في دعوةِ الوليمةِ واجبةٌ وفيما عَدَاها مندوبةٌ لثبوتِ الوعيدِ على مَن لم يجبِ في الأُولى دونَ الثانيةِ. والثالثةُ: قولُه: "وإذا استنصَحَكَ" أي طلبَ مِنْكَ النصيحةَ "فانصحْهُ"، دليل

стр. 2353

على وجوب نصيحةِ مَنْ يستنصحُ، وعدمِ الغشِّ لهُ، وظاهرهُ أنها لا يجبُ نصيحةٌ إلا عندَ طَلَبِها. [والنصحُ] (١) بغيرِ طلبٍ مندوبٌ، لأنهُ منَ الدلالةِ على الخيرِ والمعروفِ. الرابعةُ: قولُه: "وإذا عطسَ فحمِدَ اللَّهَ فشمِّتْهُ" بالسينِ المهملةِ والشينِ المعجمةِ، قال ثعلبٌ: يقالُ [شمتُّ] (٢) العاطسَ [وسمَّتهُ] (٣) إذا دعوتُ لهُ بالهدَى، وحسنِ السَّمْتِ المستقيمِ، قالَ: والأصلُ فيهِ السينُ المهملةُ، فقلبتْ شينًا معجمةً. فيهِ دليلٌ على وجوبِ التشميتِ للعاطسِ الحامدِ. وأما الحمدُ على العُطاسِ فما في الحديثِ دليلٌ على وجوبهِ، قالَ النووي (٤): إنهُ متفقٌ علَى استحبابهِ. وقدْ جاءَ كيفيةُ الحمدِ، وكيفيةُ تشميت العاطس، وكيفيةُ جوابِ العاطسِ، فيما أخرجَهُ البخاري (٥) منْ حديثٍ أبي هريرةَ عنهُ ﷺ : "إذا عطسَ أحدُكم فليقلْ الحمدُ للَّهِ، وليقلْ لهُ أخوهُ أو صاحبُه: يرحمُكَ اللَّهُ، وليقلْ هوَ: يهديْكُم اللَّهُ ويصلحُ بالَكُمْ". وأخرجَه أبو داودَ (٦) وغيرهُ بإسنادٍ صحيحِ. وفيهِ زيادةٌ منْ حديثٍ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "إذا عطسَ أحدُكم فليقلْ: الحمدُ للَّهِ على كلِّ حالٍ، وليقلْ لهُ أخوهُ أو صاحبُه: يرحمُكَ اللَّهُ، ويقولُ هو: يهدْيكُم اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكُمْ"، أي شأنَكُم. وإلى هذا الجوابِ ذهبَ الجمهورُ. وذهبَ الكوفيونَ إلى أنهُ يقولُ: يغفرُ اللَّهُ لنا ولكمُ. [بدليل ما] (٧) أخرجَهُ الطبرانيُّ (٨) عن ابن مسعودٍ، وأخرجَهُ البخاري في الأدبِ المفردِ (٩) [بلفظ: يغفر الله لنا ولكم] (١٠). وقيلَ: يتخيَّرُ أي اللفظينِ [أحب] (١١). وقيلَ: يجمعُ بينَهما. وإلى جواب التشميت بما ذكرَ ذهبتِ الظاهريةُ وابنُ العربيِّ، وأنهُ يجبُ

стр. 2354

على كلِّ سامِعٍ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ البخاري (١) منْ حديثٍ أبي هريرةَ: "إذا عطسَ أحدُكم وحمدَ اللَّهَ كانَ حقًّا على كلِّ مسلمٍ يسمعهُ أنْ يقولَ: يرحمُكَ اللَّهُ"، وكأنهُ مذهبُ أبي داود صاحبِ السننِ، فإنهُ أخرجَ عنهُ ابن عبد البر بسندٍ جيِّدٍ أنهُ كانَ في سفينةٍ فسمعَ عاطِسًا على الشطِّ [حمد الله] (٢)، فاكترَى قاربًا بدرهمٍ حتَّى جاءَ إلى العاطسِ فشمَّتهُ، ثمَّ رجعَ، فَسُئِلَ عنْ ذلكَ فقالَ لعلَّهُ يكونُ مجابَ الدعوةِ، فلمَّا رقدُوا سمعُوا قائلًا يقولُ لأهلِ السفينةِ إنَّ أبا داودَ اشتَرى الجنةَ من اللَّهِ بدرهمٍ انتهَى (٣). ويحتملُ أنهُ إنَّما أرادَ طلبَ الدعوةِ كما قالَه ولم يكنْ يراهُ واجبًا، قالَ النووي (٤): ويُستحبُّ لمنْ حضَر مَنْ عطَس فلمْ يحمدْ أنْ يذكِّرَهُ الحمدَ ليحمدَ فيشمِّتَه وهوَ منْ باب النصحِ والأمرِ بالمعروفِ. ومنْ آدابِ العاطسِ ما أخرجَهُ الحاكمُ (٥) والبيهقي (٦) منْ حديثٍ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا عطسَ أحدُكم فليضعْ كفَّيْهِ على وجْهِهِ، وليخفضْ بها صوتَه"، وأن يزيدَ بعدَ الحمدِ للَّهِ كلمةَ ربِّ العالمينَ، فإنهُ أخرجَ الطبراني (٧) منْ حديثٍ ابن عباسٍ مرفوعًا: "إذا عطسَ أحدُكم فقالَ: الحمدُ للَّهِ قالتَ الملائكةُ: ربِّ العالمينَ، فإذا قالَ: ربِّ العالمينَ قالتِ الملائكةُ: رحمكَ اللَّهُ"، وفيهِ ضعْفٌ. ويشرعُ أنْ يشمِّتَهُ ثلاثا إذا كرَّرَ العُطاسَ، ولا يزيدُ عليها لما أخرجَه أبو داودَ (٨) [من حديث] (٩) أبي هريرةَ

стр. 2355

مرفُوعًا: "إذا عطسَ أحدُكم فليشمِّتْهُ جليسُه، فإنْ زادَ على ثلاثِ فهوَ مزكومٌ، ولا يشمَّتُ بعدَ ثلاثٍ". قالَ ابنُ أبي جمرةَ: في الحديثِ دليلٌ على عِظَم نعمةِ اللَّهِ تعالى على العاطسِ، يؤخذُ ذلكَ مما رتبَ عليهِ منَ الخيرِ، وفيهِ إشارةٌ إلى عظمةِ أفضلِ، (١) اللَّهِ تعالى علَى عَبْدِهِ، فإنهُ أذهبَ عنهُ الضررَ بنعمةِ العُطَاسِ، ثمَّ شرعَ لهُ الحمدَ الذي يثابُ عليهِ، ثمَّ الدعاءَ بالخيرِ لمنْ يشمِّتهُ بعدَ الدعاءِ منهُ لهُ بالخيرِ، ولما كانَ العاطسُ قدْ حصلَ لهُ بالعطاسِ نعمةٌ ومنفعةٌ بخروج الأبخرةِ المحتقنةِ في دماغهِ التي لو بقيتْ فيهِ أحدثتْ أدواءَ عَسِرةً شُرعَ لهُ حمدُ اللهِ على هذهِ النعمةِ معَ بقاءِ أعضائه على هيئتِها والتئامِها بعدَ هذهِ الزلزلةِ التي هيَ للبدنِ كزلزلةِ الأرضِ. ومفهومُ الحديثِ أنهُ لا يشمتُ غيرُ المسلمِ كما عرفتَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٢) والترمذيُّ (٣) وغيرُهما (٤) بأسانيدَ صحيحةٍ منْ حديثٍ أبي موسَى قالَ: كانَ اليهودُ يتعاطسونَ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، يرجونَ أنْ يقولَ لهم: يرحمُكم اللَّهُ، فيقولُ: "يهديكمُ الله ويصلحُ بالَكُم"، ففيهِ دليلٌ على أنهُ يقالُ لهم ذلكَ ولكنْ إن حمد الله. الخامسةُ: قولُه: "وإذا مرضَ فعدْهُ"، فيه دليلٌ على وجوبِ عيادةِ المسلم للمسلمِ، وجزمَ البخاريُّ بوجوبِها. قيلَ: يحتملُ أنَّها فرضُ كفايةٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّهّا مندوبةٌ. ونقلَ النوويُّ الإجماعَ على عدمِ الوجوبِ. قالَ المصنفُ: يعني على الأعيانِ. وإذا كانت حقًّا للمسلمِ على المسلمِ فسواءٌ فيهِ منْ يعرفُه ومَنْ لا يعرفُه، وسواءٌ القريبُ وغيرهُ، وهوَ عامٌّ لكل مرضٍ، وقد استثنَى منهُ الرمدَ ولكنَّه قدْ أخرجَ أبو داودَ (٥) منْ حديثٍ زيدِ بن أرقمَ: "قالَ: عادني

стр. 2356

رسولُ اللَّهِ ﷺ منْ وجعِ بعيني" وصحَّحَهُ الحاكمُ (١)، وأخرجَهُ البخاريُّ (٢) في الأدبِ المفردِ، وظاهرُ العبارةِ ولوْ في أولِ المرضِ إلَّا أنهُ أخرجَ ابنُ ماجهْ (٣) منْ حديثِ أنسٍ: "كانَ النبيُّ ﷺ لا يعودُ إلا بعدَ ثلاثٍ"، وفيهِ راوٍ متروكٌ. ومفهومهُ كما عرفتَ دالٌّ على [أنهُ لا يعادُ الذميُّ] (٤)، إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ أنهُ ﷺ (٥) عادَ خادمهُ الذميَّ، وأسلمَ ببركةِ عيادتِه ﷺ ، وكذلكَ (٦) زارَ عمَّهُ أبا طالبٍ في مرضِ موتهِ وعرضَ عليهِ كلمةَ الإسلامِ. السادسةُ: قولُه: "وإذا ماتَ فاتبعْهُ"، دليلٌ على وجوب تشييعِ جنازةِ المسلمِ معروفًا كانَ أوْ غيرَ معروفٍ. انظر لمن هو دونك تعرف نعمة الله ٢/ ١٣٥٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 2357

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : انظُروا إلى مَنْ هوَ أسفلَ منكمْ، ولا تنظُروا إلى مَنْ هوَ فوقَكم، فهو أجْدَرُ) بالجيمِ والدالِ المهملةِ فراء [أي] (١) أحقُّ (أنْ لا تزدَرُوا) تحتَقِروا (نعمةَ اللَّهِ عليكمْ). [علةٌ للأمرِ والنهي معًا] (٢) (متفقٌ عديهِ). الحديثُ إرشادُ للعبدِ إلى ما يشكرُ بهِ النعمةَ. والمرادُ بمنْ هوَ أسفلَ منَ الناظرِ في الدنيا فينظرُ إلى المبتلَى بالأسقامِ، وينتقلُ منهُ إلى ما فضلَ بهِ عليهِ منَ العافيةِ التي هي أصلُ كلِّ إنعامٍ، وينظرُ إلى مَنْ في خَلْقِهِ نقصٌ منْ عَمَى أو صممٍ أوْ بَكَمٍ، وينتقلُ إلى ما هوَ فيهِ منَ السلامةِ عنْ تلكَ العاهاتِ التي تجلبُ الهمَّ والغمَّ، وينظرُ إلى مَنِ ابتُلِيَ بحب الدنيا وجمع حطامها والامتناعِ عما يجبُ عليه منَ الحقوقِ فيعلم أنهُ قدْ فضلَ [منها عليه من الحقوق فيعلم أنه قد فضل عليه] (٣) بالإقلالِ، [وأنعمَ] (٤) عليهِ بقلةِ تبعةِ الأموالِ في الحالِ والمآلِ، وينظرُ إلى منِ ابتُلِيَ بالفقر المدقعِ أو [بالدَّيْنِ] (٥) المفظِع [ويعلمُ] (٦) ما صارَ إليهِ منَ السلامةِ منَ الأمريْنِ وتقرُّ بما أعطاهُ ربُّه العَيْنُ، وما منْ مبتلَى في الدنيا بخيرٍ أو شرٍّ إلا ويجدُ مَنْ هو أعظمُ منهُ بليةً فيتسلَّى بهِ ويشكرُ ما هوَ فيهِ مما يرى غيرَه ابُتلي بهِ، وينظرُ مَنْ هوَ فوقَه في الدينِ فيعلمُ أنهُ منَ المفرِّطينَ، فبالنظرِ الأولِ يشكرُ ما للَّهِ عليهِ منَ النعمِ، وبالنظرِ الثاني يستحْيي منْ مولاهُ ويقرعُ بابَ المتابِ بأناملِ الندمِ فهوَ بالأولِ مسرورٌ بنعمة اللَّهِ [عليه من النعم] (٧)، وفي الثاني منكسرُ النفسِ حياءً منْ مولاهُ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ (٨) منْ حديثٍ أبي هريرةَ مرفُوعًا: "إذا نظرَ أحدُكم إلى مَنْ فضلَ عليهِ في المالِ والخلقِ فلينظرْ إلى مَنْ هوَ أسفلَ منهُ". البر حسن الخلق ٣/ ١٣٥٨ - وَعَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 2358

عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْم، فَقَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، والإِثْمُ مَا حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة النواس (وعنِ النواسِ) (٢) بفتحِ النونِ، وتشديدِ الواوِ، وسينٍ مهملةٍ (ابن سمعانَ)، بفتحِ السينِ المهملةِ وكسْرِها، وبالعينِ المهملةِ. وردَ أبوه سمعانُ [الكلابيُّ] (٣) على رسولِ اللَّهِ ﷺ وزوَّجه ابنته، وهي التي تعوَّذتْ منَ النبيِّ ﷺ . سكنَ النواسُ الشامَ وهوَ معدودٌ منْهم. وفي صحيحِ مسلمٍ [نسبتُه] (٤) إلى الأنصارِ: قالَ المازريُّ [والقاضي] (٥) عياضٌ: المشهورُ أنهُ كلابيٌّ، ولعلَّه حليفُ الأنصارِ (قالَ: سألتُ رسول اللَّهِ ﷺ عن البرِّ والإثمِ، فقالَ: البرِّ حسن الخلقِ، والإثمُ ما حاكَ في صدْرِكَ، وكرِهتَ أنْ يطَّلعَ عليهِ الناسُ. أخرجَه مسلمٌ). قالَ النوويُّ (٦): قال العلماءُ: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدقة، وبمعنى اللطف والمبرَّة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعات، وهذه الأمور هي [مجامع] (٧) حسنُ الخلقِ. قال القاضي (٨) عياض: حسن الخلق مخالقةُ الناسِ بالجميلِ، والبِشْرِ والتوددِ لهم، والإشفاقِ عليهم، واحتمالِهم، والحلم عنْهم، والصبرِ عليهم في المكارهِ، وتركِ الكِبْرِ والاستطالةِ عليهم، ومجانبةِ الغلظةِ والغضبِ والمؤاخذةِ. وحكَى فيهِ خلافًا هلْ هوَ غريزةٌ أو مكتَسبٌ؟ والصحيحُ أنهَّ منهُ ما هوَ غريزةٌ، ومنهُ ما هوَ مكتَسَبٌ بالتخلُّقِ والاقتداءِ بغيرهِ. [و] (٩) قالَ الشريفُ في التعريفاتِ (١٠): [قيلَ] (١١): حسنُ

стр. 2359

الخلقِ هيئةٌ راسخةٌ تصدرُ عنْها الأفعالُ المحمودةُ بسهولةٍ [وُيسر] (١) منْ غيرِ حاجةٍ إلى [تكلُّف و] (٢) إعمالِ فكرٍ وروَّيةٍ، انتهَى. قيلَ: ويجمعُ حسنَ الخلقِ قولُه: "طلاقةُ الوجْهِ وكفُّ الأذى … وبَذْلُكَ المعروفِ حسنُ الخلقِ" (٣). وقولُه: "والإثمُ ما حاكَ في صدركَ، وكرهتَ أنْ يظَلعَ عليهِ الناسُ"، [أي: تحركَ الخاطرُ في صدْرِكَ، وترددتَ] (٤) هلْ تفعلُه [أو لا تفعلهُ، فلم ينشرح له الصدر لخشية اللَّوم من الله تعالى، أو من الناس، ولم يحصل الطمأنينة في فعله] (٥) لكونه [إثمًا] (٦) [لا لومَ فيهِ، أو تتركُه خشيةَ اللَّومِ عليهِ منَ اللَّهِ ومنَ الناسِ، لو فعلْتَه فلمْ ينشرحْ بهِ الصدرُ، ولَا حصلتِ (الطمأنينةُ بفعلهِ خوفَ كونِه ذنبًا)] (٧)، ويفهمُ منهُ أنهُ ينبغي تركُ ما ترددَ إباحته [أو حظره] (٨). وفي معناهُ حديثُ: "دعْ ما يريبكَ إلى ما لا يريبكَ"، أخرجَهُ البخاريُّ (٩) منْ حديثٍ الحسنِ بن علي. وفيهِ دليلٌ على أن الله تعالَى قدْ جعلَ للنفسِ إدراكًا لما لا يحلُّ فعلُه وزاجرًا عنْ فعلهِ [بمجرد النفس] (١٠). لا يتناجى اثنان دون الثالث ٤/ ١٣٥٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١١). [صحيح]

стр. 2360

(وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا كنتمُ ثلاثةً فلا يتناجي اثنانِ) [دون الثالث] (١). المناجاةُ: المشاورةُ والمسارَّةُ ([دونَ الآخرِ] (٢)، حتى تختلطوا بالناسِ)، وعلَّلَه بقولهِ: (منْ أجلِ أن ذلكَ يحزنُه. متفقٌ عليه. واللفظُ لمسلمٍ). فيهِ النَّهْيُ عنْ تناجي الاثنينِ إذا كانَ معَهما ثالثٌ، لا إذا كانُوا أكثر من ثلاثةٍ لانتفاءِ العلَّةِ التي نصَّ عليها، وهيَ أنهُ يحزنُه انفرادُه وإيهامُ أنهُ ممنْ لا يؤهلُ للسرِّ، أو يوهمهُ أن التناجي منْ أجلهِ. ودلَّت العلةُ على أنَّهم إذا كانُوا أربعةً فلا نهيَ عن انفرادِ اثنينِ بالمناجاةِ لفقدِ العلةِ. وظاهرُ الحديث عام لجميعِ الأحوالِ في سفر وحضر. وإليهِ ذهب ابنُ عمرَ (٣) ومالكٌ وجماهيرُ العلماءِ، وادَّعى بعضُهم (٤) نسخَه ولا دلَّيَلَ عليهِ. وأما الآياتُ في سورةِ المجادلةِ (٥) فهيَ في نهي اليهودِ عن التناجي كما أخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ (٤)، وابنُ المنذر (٦) عنْ مجاهدٍ في قولهِ تعالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ الآية، قالَ: اليهودُ. وأخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ (٧) عنْ مقاتلٍ بن حيانَ قالَ: "كانَ بينَ اليهودِ وبينَ النبيِّ ﷺ موادعة، فكانُوا إذا مرَّ بهمْ رجلٌ منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ ﷺ جلسُوا يتناجونَ بينَهم حتَّى يظنَّ المؤمنُ أنَّهم يتناجون بقتلِه، أَو بما [يكرهه] (٨)، فإذا [رآهم] (٩) المؤمنُ خشيَهم فتركَ طريقَه عليهم فنهاهم النبيُّ ﷺ عن النَّجْوى، فلم ينتَهوا فأنزلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾. من جلس في مكان مباح فهو أحق به ٥/ ١٣٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٠). [صحيح]

стр. 2361

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يقيمُ الرجلَ الرجلَ منْ مجلسِه ثمَّ يجلسُ فيهِ، ولكنْ تفسَّحوا وتوسَّعوا. متفقٌ عليهِ). وفي لفظٍ [لمسلمٍ] (١): "لا يقيمنَّ" بصيغةِ النَّهي مؤكَّدًا، فلفظُ الخبرِ في هذا الحديثِ الذي أَتَى بهِ المصنفُ في معنَى النَّهْي، وظاهرُه التحريمُ، فمنْ سبقَ إلى موضعٍ مباحٍ منْ مسجدٍ أو غيرهِ لصلاةٍ أو غيرِها منَ الطاعاتِ فهوَ أحقُّ بهِ، ويحرمُ على غيرِه أنْ يقيمَهُ منهُ، إلا أنهُ قدْ أفادَ حديثُ: "منْ قامَ منْ مجلسِه ثمَّ رجعَ إليهِ فهوَ أحقُّ بهِ"، أخرجَهُ مسلمٌ (٢): أنهُ إذا كانَ قدْ سبق فيهِ حق لأحدٍ [بقعودِه] (٣) فيهِ منْ مصلٍّ أو غيرهِ، ثمَّ فارقَه [لأيِّ حاجةٍ] (٤)، ثمَّ عادَ إليه وقد قعدَ فيهِ أحدُ كان لهُ أنْ يقيمَه منهْ، وإلى هذا ذهب الهادويةُ والشافعيةُ. وقالت الشافعية: لا فرقَ في المسجدِ بينَ أنْ يقومَ ويتركَ فيهِ سجادةً أو نحوَها أوْ لا، فإنهُ أحقُّ بهِ. قالُوا: وإنَّما يكونُ أحقَّ بهِ في تلكَ الصلاةِ وحدَها دونَ غيرِها. والحديثُ يشملُ مَنْ قعدَ في موضعٍ مخصوصٍ لتجارةٍ أو حرفةٍ أو غيرِهِما، [قالُوا: وكذلكَ] (٥) منِ اعتادَ في المسجدِ محلًا يدرسُ فيهِ فهوَ أحقُّ بهِ، [قالَ المهديُّ] (٦): إلى العشيِّ. [وقالَ الغزاليُّ] (٧): إلى الأبدِ ما لمْ يضربْ. وأما إذا قامَ القاعدُ منْ محلِّه لغيرِه فظاهرُ الحديثِ جوازهُ، ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ إذا قامَ لهُ الرجلُ منْ مجلسِه لا يقعدُ فيهِ، وحُمِلَ على أنهُ تركَه تورُّعًا لجوازِ أنه قامَ له حياءً منْ غيرِ طيبِة نفسٍ. لعق الأصابع والصحفة ٦/ ١٣٦١ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح]

стр. 2362

(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا أكلَ أحدُكم طعَامًا فلا يمسحْ يدَه حتَّى يلْعقَها) بنفسِه، (أو يُلْعِقَها) غيرَه. الأولُ بفتح حرف المضارعَةِ منْ لعقَ، والثاني [بضمِّه] (١) من ألعقَ [رباعي والأول ثلاثي] (٢) (متفقٌ عليهِ). والحديثُ دليلٌ على عدمِ [تعيينِ] (٣) غسلِ اليدِ منَ الطعامٍ، وأنهُ يجزئُ مسحُها، وفيهِ دليل على أنهُ يجبُ لعقُ اليدِ أو إلعاقُها الغيرَ، وعلَّلهُ في الحديثِ: "بأنهُ لا يدري في أيِّ طعامِه البركةُ" كما أخرجَهُ مسلمٌ (٤) أنهُ ﷺ : "أمرَ بلعقِ الأصابعِ والصحفةِ وقالَ: "إنكمُ لا تدرونَ في أيٍّ البركةُ"، "وكذلكَ أمرَ ﷺ بالتقاطِ اللقمةِ [من الأرض] (٥) ومسْحِها وأكْلِها" كما في روايةٍ (٦) لمسلمٍ أيضًا بلفظٍ: "إذا وقعتْ لقمةُ أحدِكم فلْيُمِطْ ما بها منَ الأذى، وليأكلْها، ولا يدعْها للشيطانِ". وهذهِ الأمورُ منَ اللعقِ والإلعاقِ، ولعقِ الصحفةَ، وأكلِ ما يسقطُ، ظاهرُ الأوامر وجوبها. وإلى هذا ذهبَ أبو محمدِ بن حزمٍ، وقالَ: إنَّها فرضٌ. والبركةُ هي النماءُ والزيادةُ والخيرُ، والمرادُ هنا ما يحصلُ بهِ التغذيةُ وتسلمُ عاقبتُه من أذَى والتقوى علَى طاعةِ اللَّهِ وغيرِ ذلكَ. وهذهِ البركةُ قدْ تكونُ في لعق اليد، أو لعقِ الصحفةِ، أوْ أكْلِ ما [سقط على الأرض، وإذا] (٧) كانَ علَّلَ أكْلَ الساقطِ بأنهُ لا يدعُها للشيطانِ. والمرادُ منْ قولهِ يدَه هوَ أصابعُ يدهِ الثلاثِ كما وردَ أنهُ (٨) ﷺ كان يأكل بثلاثِ أصابعَ ولا يزيدُ الرابعةَ والخامسةَ إلا إذا احتاجَهما، بأنْ يكونَ الطعامُ غيرَ مشتدٍّ أو نحو ذلك. وقدْ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (٩): "أنهُ ﷺ كانَ إذا أكلَ أَكَلَ بخمسٍ" وهوَ مرسلٌ. وفي الحديث دلالةٌ على أنهُ لا بأسَ بإلعاقِ الغيرِ أصابعَه منْ زوجةٍ وخادمٍ وولدٍ وغيرِهم، فإنْ تنجستِ اللقمةُ الساقطةُ فيزيلُ ما فيها منْ نجاسةٍ إنْ أمكنَ، وإلا أطعَمَها حيوانًا، ولا يدعُها للشيطانِ كما [قاله] (١٠)

стр. 2363

النوويُّ (١) بناءً على جوازِ إطعامِ [الحيوان الطعام] (٢) المتنجس، وهو إجْماعُ الأمة خلَفًا عنْ سلفٍ. وتقدَّم الكلامُ في ذلكَ. يسلِّم الصغير الكبير ٧/ ١٣٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكثِيرِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٤): "وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي". [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ليسلِّمِ الصغير علَى الكبيرِ، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير. متفقٌ عليه. [وفي رواية لمسلمٍ) منْ روايةٍ أبي هريرةَ] (٥): (والراكبُ على الماشي)، بلْ هوَ في البخاريِّ. وقالَ المصنفُ: إنهُ لم يقعْ تسليمُ الصغيرِ على الكبيرِ في صحيحِ مسلمٍ، فيشكلُ جعل الحديثِ منَ المتفقِ عليهِ. وظاهرُ الأمرٍ الوجوبُ. وقالَ المازريُّ (٦): إنهُ للندبِ. قالَ: فلوْ تركَ المأمورُ بالابتداءِ فبدأَ الآخرُ كانَ المأمورُ تارِكًا للمستحَبِّ والآخرُ فاعلًا للسنةِ. قلتُ: والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، وكأنهُ صرفَه عنهُ الاتفاقُ على عدمِ وجوب البداءةِ بالسلام. والحديثُ فيهِ شرعية ابتداءِ السلامِ منَ الصغيرِ على الكبيرَ. قالَ ابنُ بطالٍ (٧) عن المهلَّبِ: وإنَّما شُرعَ للصغيرِ أنْ يبتدئَ الكبيرَ لأجلِ حقِّ الكبيرِ، ولأنهُ أُمِرَ بتوقيرهِ والتواضعِ لهُ. ولو تعارضَ الصغرُ المعنويُ والحسيُّ كأنْ يكونُ الأصغرُ أعلمَ مثلًا. قالَ المصنفُ: لم أرَ فيهِ نقلًا، والذي يظهرُ اعتبارُ السنِّ لأنَّ الظاهرَ تقديمُ الحقيقةِ على المجازِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ المارِّ بالسلامِ

стр. 2364

للقاعدِ. قال المازريُّ (١): لأنهُ قدْ يتوقعُ القاعدُ منهُ الشرَّ، ولا سيِّما إذا كانَ راكِبًا، فإذا ابتدأَه بالسلامِ أمِنَ منهُ، وأنسَ إليهِ، أو لأنَّ في التصرفِ في الحاجاتِ امتهانًا فصارَ للقاعدِ مزيةٌ فأمرَ [المارَّ] (٢) بالابتداءِ، أو لأنَّ القاعدَ يشقُّ عليهِ مراعاةُ المارِّينَ معَ كثرتِهم فسقطتِ البداءةُ عنهُ للمشقةِ عليهِ، وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ القليلِ بالسلامِ على الكثيرِ. وذلك لفضيلةِ الجماعةِ، أوْ لأنَّ الجماعةَ لو ابتدؤُوا لخِيفَ على الواحدِ الزهوُّ فاحتيطَ لهُ، لو مرَّ جمعٌ كثيرٌ على جمع قليلٍ، أو مرَّ الكبيرُ على الصغيرِ: قالَ المصنفُ: لم أرَ فيه نصًا. واعتبرَ النوويُّ (٣) المرورَ فقالَ: الواردُ يبدأُ سواءٌ كانَ صغيرًا أو كبيرًا. وذكرَ الماورديُّ (٤) أن منْ مشَى في الشوارعِ المطروقةِ كالسوقِ أنهُ لا يسلِّم إلا على البعضِ لأنهُ لو سلَّم على كلِّ منْ لقي لتشاغلَ به على المهمِّ الذي خرجَ لأجلهِ، وخرجَ بهِ عن العرفِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ الراكبِ على الماشي، وذلكَ لأنَّ للراكبِ مزيةً على الماشي، فعوَّضَ الماشيَ بأنْ يبدأهُ الراكبُ بالسلامِ احتياطًا على الراكبِ منَ الزهوِّ لو حازَ الفضيلتينِ، وأما إذا تلاقَى راكبانِ أو ماشيانِ فقدْ تكلَّم فيها المازريُّ (٥) فقالَ: يبدأُ الأَدْنَى [منهما] (٦) على الأعلَى قدْرًا في الدينِ إجلالًا لفضلِه، لأنَّ فضيلةَ الدينِ مرغَّبٌ فيها في الشرعِ، وعلَى هذَا لو التقَى راكبانِ ومركوبُ أحدِهما أعلَى في الجنسِ منْ مركوبِ الآخرِ كالجملِ والفرسِ فيبدأُ راكبُ الفرسِ، أو يُكْتَفَى بالنظرِ إلى أعلاهُما قدْرًا في الدينِ، فيبدأُ الذي [هوَ] (٧) فوقَه، والثاني أظهرُ، كما لا ينظرُ إلى مَنْ يكونُ أعلاهُما قدْرًا منْ وجهةِ الدنيا إلَّا أنْ يكونَ [سلطانًا] (٨) يُخْشى منهُ، وإذا تساوى المتلاقيانِ منْ كلِّ جهةٍ فكلٌّ منْهما مأمورٌ بالابتداءِ، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلامِ كما ثبتَ في حديثٍ (٩) المتهاجرَيْنِ. وقَدْ أخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (١٠) بسندِ صحيحٍ منْ حديثٍ جابرٍ:

стр. 2365

(الماشيانِ إذا اجتمَعا فأيُّهما بدأَ بالسلامِ فهوَ أفضلُ". وأخرجَ (١) الطبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ عن الأغرِّ المزنيِّ قالَ: قالَ لي أبو بكر: لا يسبقكَ أحدٌ بالسلام. وأخرجَ الترمذيُّ (٢) منْ حديثٍ أبي أمامةَ مرفُوعًا: "أنَّ أَوْلَى الناسِ باللَّهِ مَنْ بدأَ بالسلامِ؛ وقالَ: حسن. [وأخرج] (٣) الطبراني (٤) [في] (٥) حديثٍ: "قلْنا يا رسولَ اللَّهِ، إنا نلتقي فأيُّنا يبْدأُ بالسلامِ؟ قالَ: أطوعُكم للَّهِ تعالَى". ٨/ ١٣٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَبُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)، وَالْبَيْهَقِي (٧). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ وكرَّم الله وجهه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : يجزئُ عن الجماعةِ إذا مرُّوا أنْ يسلِّمَ أحدُهم، ويجزئ عن الجماعةِ أنْ يردَّ أحدُهم. رواة أحمدُ، والبيهقيُّ). فيهِ أنهُ يجزئُ تسليمُ الواحدِ عن الجماعةِ ابتداءً وردًّا. قالَ النوويُّ (٨): يُسْتَثْنَى منْ العموم بابتداء السلامِ منْ كانَ يأكلُ، أوْ يشربُ أوْ يجامعُ، أوْ كانَ في الخلاءِ، أوْ في الحمام، أوْ نائمًا، أوْ ناعِسًا، أو مصليًا (٩)، أو مؤذِّنًا ما دامَ متلبّسًا بشيءٍ مما ذُكِرَ، إلَّا أَنَّ السلامَ على مَنْ كانَ في الحمامِ إنَّما كُرِهَ إذا لم يكنْ عليهِ إزارٌ، وإلَّا فلا كراهةَ، وأما السلامُ حالَ الخطبةِ في الجمعةِ [فيكرهُ] (١٠) للأمرِ بالإنصاتِ، فلو

стр. 2366

سلَّمَ لم [يجبِ الردُّ عليهِ] (١) عندَ مَنْ قالَ [الإنصاتُ واجبٌ] (٢). [ويجبُ عندَ] (٣) مَنْ قالَ بأنهُ سنةٌ، وعلَى الوجهينِ لا ينبغي أنْ يردَّ أكثرُ منْ واحدٍ. وأما المشتغلُ بقراءةِ القرآنِ فقالَ الواحديُّ (٤): الأَوْلَى تركُ السلامِ عليهِ، فإنْ سلَّم [عليه أحد] (٥) كفاهُ الردُّ بالإشارةِ وإنْ ردَّ لفظًا استأنفَ الاستعاذةَ وقرأَ. قالَ النوويُّ (٦): فيهِ نظرٌ، والظاهرُ أنهُ يُشْرَعُ السلامُ عليهِ ويجبُ عليهِ الردُّ. ويندبُ (٧) السلامُ على مَنْ دخلَ بيتًا [وإن لم يكن] (٨) فيهِ أحدٌ لقوِله تعالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٩) الآيةَ. وأخرجَ البخاريُّ (١٠) في الأدبِ المفردِ، وابنُ أبي شيبةَ (١١) بإسنادٍ حسنِ عن ابن عمرَ ﵁: "يستحبُّ إذا لم يكنْ في البيتِ أحدٌ أنْ يقولَ السلامُ علينا وعلَى عبادِ اللَّهِ الصالحين". وأخرجَ الطبرانيُّ (١٢) عن ابن عباسٍ نحوَه. فإنْ ظَنَّ المارُّ أنهُ إذا سلَّم على القاعدِ لا يردُّ عليهِ فإنهُ يتركُ ظنَّه ويسلِّمُ، فلعلَّ ظنَّه يخطئ وإنْ لم يردَ عليهِ سلامه ردتْ عليهِ الملائكةُ كما وردَ ذلكَ، وأما مَنْ قالَ لا يسلِّم على مَنْ ظنَّ أنهُ لا يردُّ عليهِ لأنهُ يكونُ سببًا لتأثيمِ الآخرِ فهوَ كلامٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ المأموراتِ الشرعيةَ لا تُتْرَكُ لمثلِ هذَا، ذكرَ [معناهُ] (١٣) النوويُّ (١٤)، وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (١٥): لا ينبغي أنْ يسلِّمَ عليهِ الأنَّ توريطَ المسلمِ في المعصيةِ أشدُ منْ مصلحةِ السلامِ عليهِ، وامتثالُ حديثٍ الأمرِ بالإفشاءِ يحصلُ
следующие страницы →