← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 262–301 · переход к 267.

стр. 262

[الباب السادس] بابُ نواقضِ الوضوءِ النواقضُ جمعُ ناقضٍ، والنقضُ في الأصلِ حلُّ المُبرَمٍ، استُعمِلَ في إبطالِ الوضوءِ بما عيَّنهُ الشارعُ مُبطلًا مجازًا، ثمَّ صارَ حقيقةً عُرفيَّةً. وناقضُ الوضوءِ ناقضٌ للتيمم فإنهُ بدلٌ عنهُ. ما النوم الناقض للوضوء؟ ١/ ٦١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ، يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّأُونَ. [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ (٣). (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ عَلَي عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حتى تَخْقِقَ) منْ بابِ ضربَ يضربُ، أي: تميلَ (رُؤُوسُهُمْ)، أي: مِنَ النومِ (ثمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. أخرجه أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الدارقُطنيُّ، وأصلُهُ في مسلم). وأخرجهُ الترمذيُّ (٤) وفيهِ: "يوقظَونَ للصلاةِ"، وفيهِ: "حتى إنِي لأسمعُ

стр. 263

لأحدِهم غَطيطًا، ثمَّ يقومونَ فيصلُّونَ ولا يتوضأونَ"، وحملهُ جماعةٌ منَ العلماءِ على نوم الجالسِ. ودفعَ هذا التأويلُ بأنَّ في رواية عنْ أنسٍ: (يضعونَ جنوبَهم) [رواها] (١) يحيى القطانُ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: يُحملُ على النومِ الخفيفِ. ورُدَّ بأنهُ لا يناسبهُ ذكرُ الغطيطِ والإيقاظِ، فإنهمَا لا يكونانِ إلَّا في نوم مستغرقٍ. وإذا عرفتَ هذَا، فالأحاديثُ قدِ اشتملتْ على خفقةِ الرأسِ، وعلَى الغطيطِ، وعلى الإيقاظِ، وعلى وضعِ الجنوبِ، وكلُّها وصفَتْ بأنَّهمْ كانُوا لا يتوضئونَ منْ ذلك. أقوال العلماء في نقض الوضوء بالنوم فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ على أقوالٍ ثمانيةٍ: الأولُ: أن النومَ ناقضٌ مطلقًا على كلِّ حالٍ، بدليلِ إطلاقِهِ في حديثِ صفوانَ بن عسالٍ (٢) الذي سلفَ في مسحِ الخفينِ وفيهِ: "منْ بولٍ أو غائطٍ أو نومٍ". قالُوا: فجعلَ مطلقَ النومِ كالغائطِ والبولِ في النقضِ، وحديثُ أنسٍ (٣) بأيِّ عبارةٍ رُوي ليسَ فيهِ بيانُ أنَّهُ قرَّرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ على ذلكَ، ولا رآهم، فهُوَ فعلُ صحابيٍّ لا يُدرَى كيفَ وقعَ، والحجةُ إنما هي في أفعالهِ، وأقوالهِ، وتقريراتهِ ﷺ . [القولُ] (٤) الثاني: أنهُ لا ينقضُ مطلقًا؛ لما سلفَ منْ حديثِ أنسٍ (٥) وحكايةِ نومِ الصحابةِ على تلكَ الصفاتِ، ولوْ كانَ ناقضًا لما أقرَّهُم اللَّهُ عليه، ولأوحى إلى رسولِهِ ﷺ فِي ذلكَ، كما أوحيَ إليهِ في شأنِ نجاسةِ نعلِهِ، وبالأوْلَى صحةُ صلاةِ مَنْ خلفَهُ، ولكنهُ يردُّ عليهمْ حديثُ صفوانَ [بن عسالٍ (٦). القولُ] (٧) الثالثُ: أن النومَ ناقضٌ كلَّه، إنما يُعْفَى عنْ خَفْقَتَينِ وَلَو توالتَا،

стр. 264

وعنِ الخفَقَاتِ المتفرِّقاتِ، وهو مذهبُ الهادويةِ. والْخَفْقَةُ هي ميلانُ الرأسِ منَ النُّعاسِ، وحدُّ الْخَفْقَةِ أنْ لا يستقرَّ رأسهُ منَ الميلِ حتَّى يستيقظَ، ومَنْ لمْ يُمِلْ رأسَهُ عُفِيَ لَهُ عَنْ قدرِ خَفْقَةٍ، وهي ميلُ الرأسِ فقطْ، حتى يصلَ ذقنهُ صدرَهُ، قياسًا على نومِ الخفقةِ، ويحملونَ أحاديث أَنَسٍ (١) على النُّعاسِ الذي لا يزولُ معهُ التمييزُ ولا يخفى بُعْدُهُ. القول الرابعُ: أن النومَ ليس بناقضٍ بنفسهِ بلْ هوَ مظنَّةٌ [للنقضِ] (٢) لا غيرُ، فإذا نامَ جالسًا ممكِّنًا مِقْعَدَتَهُ منَ الأرضِ لم ينتقضْ وإلَّا انتقضْ، وهوَ مذهبُ الشافعيِّ. واستدلَّ بحديثِ عليٍّ (٣) ﵇: "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمنْ نَامَ فليتوضأْ". حسَّنَهُ الترمذيُّ إلا أنَّ فيهِ مَنْ لا تقومُ بهِ حجةٌ، وهُوَ بقيةُ بنُ الوليدِ (٤) وقدْ عَنْعَنَهُ، وحملَ أحاديثَ أنسٍ على مَنْ نامَ ممكِّنًا مقعدتهُ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، وقُيِّدَ حديثُ صفوانَ (٥) بحديثِ عليٍّ ﵇ هَذا. [وقال: معنى حديث علي ﵁ أن النوم مظنة لخروج شيء من غير شعور، فالنوم ناقض لا بنفسه] (٦). الخامسُ: أنهُ إذا نامَ على هيئةٍ من هيئاتِ المصلِّي راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا فإنهُ لا ينقض وضوؤهُ، سواءٌ كانَ في الصلاةِ أو خارجَها، فإنْ نامَ مضطجعًا أو على قفاهُ نُقِضَ. واستُدلَّ لهُ بحديثِ: "إذا نامَ العبدُ في سجوده باهى اللَّهُ بهِ

стр. 265

الملائكةَ يقولُ: عبدِي روحهُ عندِي، وجسدهُ ساجدٌ بينَ يديَّ"، رواه البيهقيُّ (١) وغيرُهُ وقدْ ضُعِّفَ. قالُوا: فسمَّاهُ ساجدًا وهو نائمٌ، ولا سجودَ إلَّا بطهارةٍ. وأُجيبَ بأنهُ سمَّاهُ باعتبارِ أولِ أمرهِ أو باعتبارِ هيئتهِ. السادسُ: أنهُ ينقضُ إلا نومُ الراكعِ والساجدِ للحديثِ الذي سبقَ، وإنْ كانَ خاصًّا بالسجودِ، فقدْ قاسَ عليهِ الركوعَ، كما قاسَ الذي قبلَهُ سائرَ هيئاتِ المصلِّي. السابعُ: أنهُ لا ينقضُ النومُ في الصلاةِ على أيّ حالٍ، وينقضُ خارجَها. وحجَّتهُ الحديثُ المذكورُ؛ [فإنه] (٢) حجَّةُ الأقوالِ الثلاثةِ. الثامنُ: أنَّ كثيرَ النومِ ينقضُ على كلّ حالٍ ولا ينقضُ قليلُهُ. وهؤلاءِ يقولونَ: إنَّ النومَ ليسَ بناقضٍ بنفسهِ، بلْ مظنةُ النقضِ، والكثيرُ مظنةٌ بخلافِ القليلِ، وحملُوا أحاديثَ أنسٍ (٣) على القليلِ، إلَّا أنهمْ لم يذكرُوا قَدْرَ القليلِ ولا الكثيرِ حتى يُعْلمَ كلامُهم بحقيقتهِ، وهلْ هوَ داخلٌ تحتَ أحدِ الأقوالِ أم لا؟ فهذهِ أقوالُ العلماءِ في النومِ، اختلفتْ أنظارُهم فيهِ؛ لاختلافِ الأحاديثِ التي ذكرْناها، وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ قدْحٍ أعرضنْا عنْها. والأقربُ القولُ بأنَّ النومَ ناقضٌ؛ لحديثِ صفوانَ، وقدْ عرفتَ أنهُ صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والترمذيُّ والخطابيُّ، ولكنَّ لفظَ النومِ في حديثهِ مطلقٌ، ودلالةُ الاقترانِ ضعيفةٌ، فلا يقالُ: قدْ قُرِنَ بالبولِ والغائطِ، وهما ناقضانِ على كلِّ حالٍ.

стр. 266

ولما كانَ مطلقُ ورودِ حديثِ أنسٍ بنومِ الصحابةِ، وأنهمْ كانُوا لا يتوضئونَ ولو غطُّوا غطيطًا، وبأنهمْ كانُوا يضعونَ جنوبَهم، وبأنهمْ كانوا يُوقَظُونَ، والأصلُ جلالةُ قدرِهم، وأنهمْ لا يجهلونَ ما ينقضُ الوضوءَ، سِيَّما وقدْ حكاهُ أنسٌ عن الصحابةِ مطلقًا، ومعلومٌ أن فيهمُ العلماءَ العارفينَ بأمورِ الدينِ، خصوصًا الصلاة التي هي أعظمُ أركانِ الإسلامِ، وسِيَّما الذينَ كانُوا منهمْ ينتظرونَ الصلاةَ معهُ ﷺ ؛ فإنَّهمْ أعيانُ الصحابةِ، وإذا كانُوا كذلكَ فَيُقَيَّدُ مطلقُ حديثِ صفوانَ بالنومِ المستغرِقِ، الذي لا يبقَى معهُ إدراكٌ، وَيُؤَوَّلُ ما ذكرهُ أنسٌ منَ الغطيطِ ووضعِ الجُنوبِ والإيقاظِ بعدمِ الاستغراقِ، فقدْ يغطُّ منْ هوَ في مبادئِ نومهِ قبلَ استغراقِهِ. ووضعُ الجَنْبِ لا يستلزمُ الاستغراقَ؛ فقدْ كانَ ﷺ يضعُ جَنْبَهُ بعدَ ركعتي الفجرِ ولا ينامُ، فإنهُ كانَ يَقومُ لصلاةِ الفجرِ بعدَ وضعِ جَنْبِهِ، وإنْ كانَ قدْ قيلَ: إنهُ منْ خصائصهِ ﷺ أنهُ لا ينقضُ نومُهُ وضوءَهُ، [على أن عدم] (١) ملازمةِ النومِ لوضعِ الجنْبِ معلومةٌ، والإيقاظُ قدْ يكونُ لمنْ هوَ في مبادئِ النومِ فينبَّهُ لئلَّا يستغرقَهُ النومُ. هذَا وقدْ أُلحِقَ بالنومِ الإغماءُ والجنونُ والسُّكرُ بأيِّ مُسْكِرٍ، بجامعِ زوالِ العقلِ. وذكرَ في الشرحِ أنهمُ اتفقُوا على أن هذهِ الأمورَ ناقضةٌ، فإنْ صحَّ كانَ الدليلُ الإجماعَ (٢). المستحاضة تتوضأ لكل صلاة ٢/ ٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ

стр. 267

الصلَاةَ؟ قَالَ؟ "لا، إِنَّما ذَلكِ عِرْقٌ، وَلَيسَ بحَيْضٍ: فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فَاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي". [صحيح] [مُتَّفق عليه] (١). - وَللْبُخَارِيِّ (٢): "ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ". وَأَشَارَ مُسْلِمٌ (٣) إِلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْدًا. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) حُبَيْشٌ بضَمِّ الحاءِ المهملةِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، فشينٍ معجمةٍ. وفاطمةُ قرشيةٌ أَسَدِيةٌ؛ وهي زوجُ عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، (إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إني امرأةٌ أُسْتَحَاضُ) منَ الاستحاضةِ [وهي] (٤) جريانُ الدمِ منْ فرجِ المرأةِ في غيرِ أوانِهِ، (فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ قالَ: لا إنما ذلِكِ) بكسرِ الكافِ خطابٌ للمؤنثِ، (عِرْقٌ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ فقافٍ. وفي "فتحِ الباري" أن هذا العِرْقَ يُسَمَّى العاذلَ، بعيْنٍ مهملةٍ، وذالٍ معجمةٍ. ويقالُ: عاذرٌ بالراءِ بدلًا عن اللام كما في "القاموس" (٥)، (وليسَ بحيضٍ) فإنَّ الحيضَ يخرجُ منْ قَعْرِ رحمِ المرأةِ، فهَو إخبارٌ باختلافِ المخرجينِ، وهوَ ردٌّ لقولِها: (لا أطهرُ)، لأنَّها اعتقدتْ أن طهارةَ الحائضِ لا تُعْرَفُ إِلَّا بانقطاعِ الدمِ فَكَنَّتْ بعدمِ الطهرِ عن اتصالهِ، وكانت قدْ علمتْ أن الحائض لا تصلِّي، [فظنَّت] (٦) أن ذلكَ الحكمَ مقترنٌ بجريانِ الدمِ، فأبانَ لها ﷺ أنهُ ليسَ بحيضٍ، وأنَّها طاهرةٌ يلزمُها الصلاةُ.

стр. 268

(فَإِذا أقبلتْ حَيْضَتُكِ) بفتحِ الحاءِ ويجوزُ كسرُها، والمرادُ بالإقبالِ ابتداءُ دمِ الحيضِ (فَدَعِي الصَّلَاةَ) يتضمنُ نهيَ الحائضِ عن الصَّلاةِ، وتحريمَ ذلكَ عليها وفسادَ صلاتِها، وهُوَ إجماعٌ، (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) هوَ ابتداءُ انقطاعِهَا (فاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي، وهوَ مستفادٌ من أدلةٍ أخْرَى (ثمَّ صلي. متفقٌ عليه). الحديثُ دليلٌ على وقوعِ الاستحاضةِ، وعلى أن لها حكمًا يخالفُ حكمَ الحيضِ. وقد بيَّنهُ ﷺ أكملَ بيانٍ، فإنَّهُ أفتاهَا بأنَّها لا تدعُ الصلاةَ معَ جريانِ الدمِ، وبأنَّها تنتظرُ وقتَ إقبالِ حيضتِها فتتركُ الصلاةَ فيها، وَإِذَا أَدْبَرَتْ غسلتِ الدمَ واغتسلتْ، كما وردَ في بعضِ طرقِ البخاريِّ (١): "وَاغْتَسلِي"، وفي بعضهِا كروايةِ المصنفِ هنَا الاقتصارُ على غسلِ الدمِ. والحاصلُ أنهُ قد ذكرَ الأمرَ أن في الأحاديثِ الصحيحةِ غسلُ الدمِ والاغتسالُ، وإنَّما بعضُ الرواةِ اقتصرَ على أحدِ الأمرينِ، والآخرُ على الآخرِ. ثمَّ أمرَهَا بالصلاةِ بعدَ ذلكَ. نعمْ إنَّما بقي الكلامُ في معرفتِها لإقبال [الحيضة وإدبارها] (٢) معَ استمرارِ الدمِ بماذَا يكونُ، فإنهُ قدْ أعلمَ الشارعُ المستحاضةَ بأحكامِ إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها، فدلَّ على أنها تميزُ ذلكَ بعلامةٍ. بماذا يميز دم الحيض من الاستحاضة؟ وللعلماءِ في ذلكَ قولانِ: (أحدُهما): أنَّها تميزُ ذلكَ بالرجوعِ إلى عادتِها، فإقبالُها وجودُ الدمِ في أولِ أيامِ العادةِ، وإدبارُها انقضاءُ أيامِ العادةِ، وورودُ الردِّ إلى أيام العادةِ في حديثِ فاطمةَ في بعضِ الرواياتِ (٣) بلفظِ: "دعي الصلاةَ قَدْرَ الأيام التي كنتِ تحيضينَ فيهَا". وسيأتي في بابِ الحيضِ تحقيقُ الكلامِ على ذلك. (الثاني): ترجعُ إلى صفةِ الدم، كما يأتي في حديثِ عائشةَ في قصةِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيْشٍ هذهِ، بلفظِ: "إنَّ دمَ الحَيْضِ [دم] (٤) أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كانَ ذلكَ

стр. 269

فَأَمْسِكي عن الصَّلاةِ، وإذا كانَ الآخرُ فتوضَّئي وَصَلِّي"، ويأتي في بابِ الحيضِ (١) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى - فيكونُ إقبالُ [الحيضة] (٢) إقبالُ الصفةِ، وإدْبارُه إدبارَها، ويأتي - أيضًا - الأمرُ بالردِّ إلى عادةِ النساءِ، ويأتي تحقيقُ ذلكَ جميعًا. ويأتي بيانُ اختلافِ العلماءِ، وأنَّ كلًّا ذهبَ إلى القولِ بالعملِ بعلامةٍ منَ العلاماتِ. (وللبخاريِّ) أي: منْ حديثِ عائشةَ هذا زيادةٌ (ثُمَّ توضئي لكلِّ صلاةٍ، وأشارَ مسلمٌ إلى أنة حذفَها عمْدًا)، فإنهُ قالَ في (صحيحهِ) بعدَ سياقِ الحديثِ: وفي حديثِ حمَّادٍ حرفٌ تركنَا ذكرَهُ. قال البيهقيُّ: هوَ قولُه (توضئي) لأنَّها زيادةٌ غيرُ محفوظةٍ، وأنهُ تفردَ بها بعضُ الرواةِ عنْ غيرِهِ، ممنْ روى الحديثَ. ولكنه قد قرَّرَ المصنفُ فِي "الفتح" (٣) أنَّها ثابتةٌ منْ طُرُقٍ ينتفي معَها تفردُ [ما قالهُ] (٤) مسلمٌ. واعلمْ أن المصنفَ ساقَ حديثَ [المستحاضةِ] (٥) في [باب] (٦) النواقضِ، وليسَ المناسبُ للبابِ إلَّا هذهِ الزيادةُ لا أصلَ الحديثِ، فإنهُ مِنْ أحكام بابِ الاستحاضةِ والحيضِ، وسيعيدُهُ هنالِكَ، فهذِه الزيادةُ هي الحجةُ على أَن دمَ الاستحاضةِ حدثٌ منْ جملةِ الأحداثِ ناقضٌ للوضوءِ، [ولهذا] (٧) أمرَ الشارعُ بالوضوءِ منهُ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنهُ إنَّما رفعَ الوضوءُ حُكْمَهُ لأجلِ الصلاةِ، فإذا فَرَغَتْ منَ الصلاةِ نُقِضَ وضوءُها، وهذا قولُ الجمهورِ أنها تتوضأُ لكلِّ صلاةٍ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّها تتوضأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، وأَنَّ الوضوءَ متعلِّقٌ بالوقتِ، وأنها تصلِّي بهِ الفريضةَ الحاضرةَ وما شاءتْ مِنَ النوافلِ، وتجمعُ بينَ الفريضتينِ على وجهِ الجوازِ، عندَ من يجيزُ ذلكَ أو لعذرٍ! وقالُوا: الحديثُ فيهِ مضافٌ مقدَّرٌ، وهوَ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، فهوَ منْ مجازِ الحذفِ، ولكنهُ لا بدَّ منْ قرينةٍ توجِبُ التقديرَ. وقدْ تكلَّفَ - في الشرحِ - إلى ذكرِ ما لعلهُ يقالُ: إنهُ قرينةٌ للحذفِ وضَعَّفَهُ.

стр. 270

وذهبتِ المالكيةُ إلى أنهُ يُستحبُّ الوضوءُ، ولا يجبُ إلَّا لحدثٍ آخرَ، وسيأتي تحقيقُ ما في ذلكَ في حديثِ حمنةَ بنتِ جحشٍ، في بابِ الحيضِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. وتأتي أحكامُ المستحاضةِ التي تجوزُ لها، وتفارقُ بها الحائضَ هنالكَ، فهُو محلُّ الكلامِ عليها. وفِي الشرحِ سَرَدَهُ هنا، وأمَّا هنا فما ذَكَرَ حديثَها إلا باعتبارِ نقضِ الاستحاضةِ للوضوءِ. المذي ينقض الوضوء فقط ٣/ ٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ فسَأَلَهُ: فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ". [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً) بِزِنَةِ ضَرَّابٍ، صيغةُ مبالغةٍ منْ المَذْيِ، بفتحِ الميمِ، وسكونِ الذالِ المعجمةِ، وتخفيفِ الياءُ وفيهِ لغاتٌ. وهوَ ماءٌ أبيضُ لَزِجٌ رَقيقٌ يخرجُ عندَ الملاعبةِ أو تذكرِ الجماعِ أو إرادتِهِ، يقالُ: مَذَى زَيدٌ يمذي مثلُ مَضَى يمضي، وأمذى يُمذيْ مثلُ أَعْطَى يُعْطِي، (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ). ترجمة المقداد بن الأسود هوَ (٢) ابنُ الأسودِ الكنديُّ، (أنْ يَسْأَلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ) أي: عمَّا يجبُ على

стр. 271

مَنْ أمذَى، فسألهُ (فَقَالَ: فِيهِ الوضُوءُ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ)، وفي بعضِ ألفاظِه عندَ البخاريِّ (١) بعدَ هذَا: "فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسألَ رسولَ الله ﷺ "، وفي لفظٍ (٢): "لمكانِ ابنتِهِ مني"، وفي لفظٍ لمسلم (٣): "لمكانِ فاطمةَ". ووقعَ عندَ أبي داودَ (٤) والنَّسائيِّ (٥)، وابنِ خُزَيْمَةَ (٦) عنْ عليٍّ ﷺ بلفظِ: "كنتُ رجلًا مذَّاءً، فجعلتُ اغتسلُ منهُ في الشتاءِ حتى تشقَّقَ ظهري"، وزادَ في لفظٍ للبخاريِّ (٧) فقالَ: "توضأْ واغسِل ذَكرَكَ"، وفي مسلمٍ (٨): "اغسلْ ذكَرَكَ وتوضأْ". وقدْ وقعَ اختلافٌ في السائلِ: هلْ هوَ المقدادُ - كما في هذهِ الروايةِ - أو عمَّارٌ، كما في روايةٍ أُخْرى. وفي روايةٍ أُخْرى أَنَّ عليًّا ﵁ هوَ السائلُ. وجمعَ ابنُ حِبانَ بينَ ذلكَ بأنَّ عليًّا ﵇ أمرَ الْمِقْدَادَ أنْ يسألَ رسول اللَّهِ ﷺ ، ثمَّ سألَ بنفسهِ، إلَّا أنهُ قد تُعقبَ بأنَّ قولَهُ: "فاستحييتُ أنْ أسألَ لمكانِ ابنتهِ مني"، " دالٌّ على أنهُ ﵁ لمْ يباشرِ السؤالَ، فنسبةُ السؤالِ إليهِ في روايةٍ مَنْ قالَ: إنَّ عليًّا سألَ مجازٌ؛ لكونِهِ الآمرَ بالسؤالِ. والحديثُ دليلٌ على أن المذيَ ينقضُ الوضوءَ، ولأجلهِ ذكرهُ المصنفُ في هذا البابِ. ودليلٌ على أنهُ لا يُوجِبُ غُسْلًا، وهوَ إجماعٌ، وروايةُ: "توضأ واغسلْ ذكرَكَ"، لا تقتضي تقديمَ الوضوءِ؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ؛ ولأنَّ لفظَ روايةٍ مسلمٍ تبيِّنُ المرادَ، وأمَّا إطلاقُ لفظِ (ذَكَرَكَ)، فهوَ ظاهرٌ في غَسْلِ الذكرِ كلِّهِ وليسَ كذلكَ، إِذِ الواجبُ غسلُ محلِّ الخارجِ، وإنَّما هوَ منْ إطلاقِ اسمِ الكلِّ على البعضِ، والقرينةُ ما عُلِمَ منْ قواعدِ الشرعِ. وذهبَ البعضُ إلى أنهُ يغسلُهُ كلَّهُ، عملًا بلفظِ الحديثِ، وأيَّدهُ روايةُ

стр. 272

أبي داودَ (١): "يغسلَ ذكرَهُ وأُنْثَيَيْهِ ويتوضأْ". وعندهُ (٢) أيضًا: "فتغسلُ منْ ذلكَ فرجَكَ وأنثييكَ، وتوضأْ للصلاةِ"، إلَّا أن روايةَ غَسْلِ الأُنثيينِ قدْ طُعِنَ فيهَا، وأوضحناهُ في حواشي "ضوءِ النهارِ" (٣). وذلكَ أنَّها منْ روايةٍ عروةَ عنْ عليٍّ، وعروةُ لم يسمعْ منْ عليٍّ، إلَّا أنهُ رواهُ أبو عوانةَ في صحيحه (٤) مِنْ طريقِ عبيدةَ عنْ عليٍّ بالزيادة. قالَ المصَنفُ في "التلخيصِ" (٥): وإسنادُه لا مطعنَ فيهِ، فمعَ صِحَّتِهَا فلا عذرَ عن القولِ بهَا. وقيلَ: الحكمةُ فيهِ أنهُ إذا غَسَلَهُ كلَّهُ تقلَّصَ [فبطَلَ] (٦) خروج المذي. واستدلَّ بالحديثِ على نجاسةِ المذي. لمس المرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء ٤/ ٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ. [حسن] أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٧) وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ (٨). (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أخرجهُ أحمدُ وَضعَّفَهُ البخاريُّ)، وأخرجهُ أبو داودَ (٩)، والترمذيُّ (١٠)، والنسائيُّ (١١)، وابنُ ماجهَ (١٢). قالَ الترمذيُّ (١٣): سمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحديثَ. وأبو داودَ (١٤) أخرجهُ منْ طريقِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ عنْ عائشةَ، ولمْ يسمعْ منْها شيئًا؛

стр. 273

فهوَ مرسلٌ. وقالَ النسائيُّ (١): ليسَ في هذا الباب حديثٌ أحسنَ منهُ، ولكنهُ مرسلٌ. قالَ المصنفُ (٢): رُوِيَ مِنْ عَشْرَةِ أوجهٍ عنْ عائشةَ، أوْرَدها البيهقيُّ فِي "الخلافياتِ" وضعَّفَها. وقالَ ابنُ حزمٍ: لا يَصِحُّ فِي هذا الباب شيءٌ، وإنْ صحَّ فهوَ محمولٌ على ما كانَ عليهِ الأمرُ قبلَ نزولِ الوضوءِ منَ اللمسِ. إذا عرفتَ هذا فالحديثُ دليلٌ على أنَّ لمسَ المرأةِ وتقبيلَها لا ينقضُ الوضوءَ، وهذا هوَ الأصلُ، والحديثُ مقرِّرٌ للأصلِ، وعليه العترة جميعًا، ومنَ الصحابةِ عليٌّ ﵇. وذهبتِ الشافعيةُ إلى أن لمسَ مَنْ لا يحرمُ نكاحُها ناقضٌ للوضوءِ مستدلينَ بقولهِ تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣)، فلزمَ الوضوءُ منَ اللمسِ، قالُوا: واللمسُ حقيقةً في اليدِ، ويؤيدُ بقاءَهُ على معناهُ قراءةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)؛ فإنَّها ظاهرةٌ في مجردِ لمسِ الرجلِ منْ دونِ أنْ يكونَ مِنَ المرأةِ فعلٌ، وهذَا يحققُ بقاءَ اللفظِ على معناهُ الحقيقيِّ؛ فقراءةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) كذلكَ، إذِ الأصلُ اتفاقُ معنى القراءتينِ. وأجيبَ عنْ ذلكَ بصرْفِ اللفظِ عنْ معناهُ الحقيقيِّ للقرينةِ، فَيُحْمَلُ على المجازِ، وهوَ هُنَا حملُ الملامسةِ على الجماعِ، واللمسُ كذلكَ، والقرينةُ حديث عائشةَ المذكورُ، وهوَ وإن قُدِحَ فيهِ بما سمِعتَ، فطرقُهُ يقوي بعضُها بعضًا (٦).

стр. 274

وحديثُ عائشةَ في البخاريِّ (١) في أنَّها كانتْ تعترضُ في قِبْلَتِهِ ﷺ ، فإِذَا قَامَ يُصلِّي غمزَهَا فَقَبَضَتْ رِجْلَيْها، أي: عندَ سجودِهِ، وإذا قامَ بسطتْهُمَا، فإنهُ يؤيدُ حديثَ الكتابِ المذكورَ، ويؤيدُ بقاءَ الأصلِ، ويدلُّ على أنهُ ليسَ اللمسُ بناقضٍ. وأمَّا اعتذارُ المصنفِ في "فتح الباري" (٢) عنْ حديثِها هَذا بأنهُ يحتملُ أنهُ كان بحائلٍ، أو أنهُ خاصٌّ بهِ؛ فهو بعيدٌ مخالفٌ للظاهرِ، وقدْ فَسَّرَ عليُّ ﵇ الملامسةَ بالجماعِ، وفسَّرَها حَبْرُ الأمةِ ابنُ عباسٍ بذلكَ، وهوَ المدعو لهُ بأنْ يعلّمَهُ اللَّهُ التأويلَ (٣). فأخرجَ عنهُ عبدُ بنُ حميدٍ أنهُ فَسَّرَ الملامسةَ بعدَ أنْ وضعَ أصبعيهِ في أذنيهِ: ألا وهو النَّيْكُ. وأخرجَ عنهُ الطستيُّ أنه سألَ نافعَ بنَ الأزرقِ عن الملامسةِ ففسَّرَها بالجماعِ، معَ أن تركيبَ الآيةِ الشريفةِ وأسلوبَها يقتضي أن المرادَ بالملامسةِ الجماعُ، فإنهُ - تعالى - عدَّ منْ مقتضياتِ التيممِ المجيءَ منَ الغائطِ، تنبيهًا على الحدثِ الأصغرِ، وعدَّ الملامسَةَ تنبيهًا على الحدث الأكبرِ، وهوَ مقابلٌ لقولهِ - تعالى - في الأمرِ بالغُسْلِ بالماءِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤)، ولوْ حُمِلتِ الملامسةُ على اللمسِ الناقضِ للوضوءِ لفاتَ التنبيهُ على أن الترابَ يقومُ مقامَ الماءِ في رفعهِ للحدثِ الأكبرِ وخالفَ صدرَ الآيةِ، وللحنفيةِ تفاصيلُ لا [ينتهضُ] (٥) عليها دليلٌ. كل شيء على أصله حتى يتيقَّن خلاف ذلك ٥/ ٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ، أَمْ لَا؟ فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ

стр. 275

الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ منهُ شَيْءٌ أَمْ لا؟ فَلا يخرجنَّ مِنَ المسجدِ) إذا كانَ فيهِ لإعادةِ الوضوءِ (حَتَّى يسْمَعَ صَوْتًا) للخارجِ (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) لَهُ (أخرجهُ مسلمٌ). وليسَ السمعُ أوْ وجْدانُ الريحِ شَرْطًا في ذلكَ، بلِ المرادُ حصولُ اليقينِ. وهذا الحديثُ الجليلُ أصلٌ مِنْ أصولِ الإسلامِ، وقاعدةٌ جليلةٌ مِنْ قواعدِ الفقهِ، وهُوَ أَنَّهُ دلَّ على أن الأشياءَ يُحكمُ ببقائِها على أُصُولِها حتى يتيقنَ خلافُ ذلكَ، وأنهُ لا أثرَ للشكِّ الطارئِ [عَقِبَها] (٢). فمنْ حصلَ لهُ شكٌّ أو ظنٌ بأنهُ أحدثَ، وهوَ على يقينٍ منْ طهارتهِ لم يضرَّهُ ذلكَ حتى يحصلَ له اليقينُ، كما أفادهُ قوله: "حتى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا"؛ فإنهُ علَّقهُ بحصولِ ما يحسُّهُ، وذِكْرُهُمَا تمثيلٌ، وإلَّا فكذلكَ سائرُ النواقضِ كالمذي والودي، ويأتي حديثُ ابن عباسٍ (٣): "إنَّ الشيطانَ يأتي أحَدكُمْ فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِه، فَيُخَيلُ إليه أنهُ أَحْدَثَ ولمْ يُحْدِث، فَلَا [يَنْصَرِفَنَّ] (٤) حتَّى يسمعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا". والحديثُ عامٌّ لمنْ كانَ فِي الصلاةِ أوْ خارجَها، وهو قولُ الجماهيرِ، وللمالكيةِ تفاصيلُ وفروقٌ بينَ مَنْ كانَ [داخلَ] (٥) الصلاةِ أوْ خارجهَا، لا [ينتهضُ] (٦) عليها دليلٌ. لا حجة للقائلين بعدم نقض مسِّ الذكر للوضوء ٦/ ٦٦ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي، أوْ

стр. 276

قَالَ: الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ منْكَ". [صحيح] أَخرَجَهُ الْخَمْسَة (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢)، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِيني (٣): هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ. (وَعَنْ طَلْقٍ) بفتحِ الطاءِ وسكونِ اللامِ (ابن عليٍّ) اليماميِّ الحنفيِّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٤): إنهُ منْ أهلِ اليمامةِ، (قالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي، أوْ قالَ: الرجلُ يمسُّ ذكرَهُ في الصلاةِ، أَعليهِ وضوءٌ؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : لا) أي: لا وضوءَ عليهِ، (إِنَّمَا هُوَ) أي: الذَّكَرُ (بَضْعَةٌ) بفتحِ الموحَّدةِ، وسكونِ الضادِ المعجمةِ، مِنْكَ) أيْ كاليدِ والرِّجْلِ ونحوهِمَا، وقد علمَ أنهُ لا وضوءَ منْ مسِّ البَضْعَةِ منه. (أخرجهُ الخمسةُ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، وقالَ ابنُ المَدينيِّ) بفتح الميمِ، فدالٍ مهملةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ فنونٍ، نسبةٍ إلى جدهِ، وإلا فهو عَليُّ بنُ عبدِ اللهِ [المديني] (٥). ترجمة ابن المديني قال الذهبيُّ (٦): هوَ حافظُ العصرِ وقدوة أهلِ هذا الشأنِ. أبو الحسني عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ صاحبُ التصانيفُ. ولدَ سنةَ إحدَى وستينَ ومائةٍ. ومنْ تلاميدهِ البخاريُّ وأبو داودَ. وقالَ ابنُ مهديٍّ: علي بنُ المديني أعلمُ الناسِ بحديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ

стр. 277

النسائيُّ: كأنَّ عليَّ بنَ المديني خُلِقَ لهذا الشأنِ. قالَ العلَّامةُ محيي الدينِ النوويُّ (١): [لعلي بن] (٢) المديني نحوُ مائة مصنَّفٍ. (هو أحسنُ منْ حديثِ بُسْرَةَ)، بضم الموحدةِ، وسكونِ السينِ المهملة، فراءٍ، ويأتي حديثُها قريبًا. وهذا الحديث رواهُ أحمدُ (٣)، والدارقطنيُّ (٤). وقالَ الطحاويُّ (٥): إسنادُه مستقيمٌ غيرُ مضطربٍ، وصحَّحهُ الطبرانيُّ (٦) وابنُ حزمٍ (٧)، وضعَّفَهُ الشافعيُّ (٨)، وأبو حاتمٍ، وأبو زُرعةَ (٩)، [والبزَّار] (١٠)، والدَّارقطنيُّ (١١)، والبيهقيُّ (١٢)، وابنُ الجوزيِّ (١٣). والحديثُ دليلٌ على ما هوَ الأصلُ منْ عدمِ نقضِ مس الذَّكَرِ للوضوءِ، وهوَ مرويٌّ عنْ عليٍّ ﵇، وعنِ الهادويةِ والحنفيةِ (١٤). وذهبَ إلى أن مسَّهُ ينقضُ

стр. 278

الوضوءَ جماعةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، ومنْ أئمةِ المذاهبِ أحمدُ والشافعيُّ، مستدلينَ بالحديث السابع وهو قوله: مس الذكر ينقض الوضوء ٧/ ٦٧ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". [صحيح] أَخْرَجهُ الْخَمسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (٣)، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ (٤): هو أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ. (وَعَنْ بُسْرَةَ) تقدَّم ضبطُ لفظِها؛ وهي بنتُ صفوانَ بن نَوفلٍ القرشيةِ الأسديةِ، كانتْ منَ المبيعاتِ (٥) لهُ ﷺ ، رَوَى عنها عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وغيرُهُ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَنْ مسَّ ذكرَهُ فليتوضأْ. أخرجَهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وقالَ البخاريُّ: هُوَ أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ). وأخرجهُ أيضًا الشافعي (٦)، وأحمدُ (٧)، وابنُ خزيمةَ (٨)، والحاكمُ (٩)، وابنُ الجارودِ (١٠). وقال الدارقطنيُّ: صحيحٌ ثابتٌ، وصحَّحهُ يحيى بنُ معينٍ،

стр. 279

والبيهقيُّ، والحازميُّ، والقدخُ فيهِ بأنهُ رواهُ عروةُ عنْ مروانَ، أو عنْ رجلٍ مجهولٍ، غيرُ صحيحٍ، فقدْ ثبتَ أن عروةَ سمعهُ منْ بُسْرَةَ منْ غيرِ واسطةٍ كما جزمَ بهِ ابنُ خزيمةَ وغيرُهُ منْ أئمةِ الحديثِ، وكذلكَ القدحُ فيهِ بأنَّ هشامَ بنَ عروةَ الراوي لهُ عنْ أبيهِ لم يسمعْهُ منْ أبيهِ غيرُ صحيحٍ، فقدْ ثبتَ أنهُ سمعهُ منْ أبيهِ، فاندفعَ الْقَدْحُ وصحَّ الحديثُ (١). وبهِ استدلَّ مَنْ سمعتَ منَ الصحابةِ والتابعينَ وأحمدَ والشافعيِّ على نقضِ مسِّ الذَّكَرِ للوضوءِ، والمرادُ مسُّهُ منْ غيرِ حائلٍ؛ لأنهُ أخرجِ ابنُ حبانَ في صحيحه (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ: "إِذَا أَفْضَى أحدُكُمْ بِيَدِهِ إلى فرْجِهِ ليسَ دونَها حجابٌ ولا سِتْرٌ فقد وجَبَ عليهِ الوضوءُ"، وصحَّحهُ الحاكمُ وابنُ عبدِ البرِّ. قالَ ابنُ السَّكَنِ: هُوَ أجودُ ما رُوِيَ في هذا البابِ (٣). وزعمتِ الشافعيةُ أن الإفضاءَ لا يكونُ إلا بباطنِ الكفِّ، وأنهُ لا نقضَ إذا مسَّ الذكرَ بظاهرِ كفِّه، وردَّ عليهم المحقِّقونَ بأنَّ الإفضاءَ لغةً الوصولُ، أعمُّ منْ أنْ يكونَ بباطنِ الكفِّ [أوْ ظهرِها] (٤). قالَ ابنُ حزمٍ (٥): "لا دليلَ على ما قالوهُ لا مِنْ كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجماعٍ، ولا قولِ صاحبٍ، ولا قياسٍ، ولا رأي صحيح".

стр. 280

وأيَّد [حديث] (١) بُسرَةَ أحاديثُ أخر عنْ سبعةَ عشرَ صحابيًّا مخرَّجةً في كتبِ الحديثِ، ومنهُمْ طلقُ بنُ عليٍّ (٢) راوي حديثِ عدمِ النقضِ [روي عنه النقض أيضًا] (٣). وتأولَ مَنْ ذكرَ حديثَه في عدمِ النقضِ بأنهُ كانَ في أولِ الأمرِ، فإنهُ قدمَ في أولِ الهجرةِ قبلَ عمارتِهِ ﷺ مسجِدَهُ، فحديثُهُ منسوخٌ بحديثِ بُسْرَةَ، فإنَّها متأخرةُ الإسلامِ، وأحسنُ منَ القولِ بالنسخِ القولُ بالترجيح، فإنَّ حديثٌ بُسْرَةَ أرجحُ؛ لكثرةِ مَنْ صحَّحهُ منَ الأئمةِ ولكثرةِ شواهدِهِ (٤)؛ ولأنَّ بُسرةَ حدَّثَتْ بهِ في

стр. 281

دارِ المهاجرينَ والأنصارِ، وهمْ متوافرونَ، ولمْ يدفعْهُ أحدٌ، بلْ عَلِمْنَا أن بعضَهم صارَ إليهِ، وصارَ إليهِ عروةُ عنْ روايتِها، فإنهُ رجعَ إلى قولِهَا، وكانَ قبلَ ذلكَ يدفعهُ، وكانَ ابنُ عمرَ يحدِّثُ بهِ عنْها، ولمْ يزلْ يتوضأُ منْ مسِّ الذكرِ إلى أنْ ماتَ. قالَ البيهقيُّ: يكفي في ترجيحِ حديثِ بسرةَ على حديثِ طلقٍ بن عليٍّ أنهُ لمْ يخرجْهُ صاحِبَا الصحيحِ، ولم يحتجَّا بأحدٍ منْ رواتِهِ، وقدْ احتجَّا بجميعِ رواةِ حديثِ بُسْرَةَ، ثمَّ إنَّ حديثٌ طلقٍ منْ روايةٍ قيسِ بن طلقٍ. قالَ الشافعيُّ: قدْ سألنَا عنْ قيسِ بن طلقٍ فلمْ نجدْ مَنْ يعرفُهُ، فما يكونُ لنا قَبولُ خبرهِ. وقالَ أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ: قيسُ بنُ طلقٍ ليسَ [ممن] (١) تقومُ بهِ حجةٌ، وَوَهّيَاهُ. وأما مالكٌ فلما تعارضَ الحديثانِ [عنده] (٢) قال بالوضوءِ مِنْ مسِّ الذَّكَرِ ندبًا لا وجوبًا. لا يتوضأ من الرُّعاف والقيء والقَلْس ٨/ ٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَصَابَةُ قَيءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذيٌ، فَلْيَنْصرِفْ فَلْيَتَوَضَّأ، ثُمّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاِتهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ"، [ضعيف] أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ (٤) وَغَيْرُهُ (٥).

стр. 282

(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ قَيءٌ، أوْ رُعَافٌ، أو قَلْسٌ) بفتحِ القافِ، وسكونِ اللامِ وفتحِها، وسينٍ مهملةٍ (أوْ مَذْيٌ) أيْ مَنْ أصابهُ ذلكَ في صلاتهِ (فَلْيَتْصَرِفْ) مِنْهَا (فليتوضأْ ثمَّ لِيَبْنِ على صلاتهِ وهوَ في ذلكَ) أيْ: في حالِ انصرافهِ ووضوئهِ (لَا يَتَكلَّم). (أخرجه ابن ماجهَ، وضعَّفَه أحمدُ وغيرُهُ). وحاصلُ ما [ضعَّفوه] (١) بهِ أن رفْعَهُ إلى النبيِّ ﷺ غلطٌ، والصحيح أنهُ مرسلٌ. قالَ أحمدُ والبيهقيُّ: المرسلُ الصوابُ، فَمَنْ يقولُ: إنَّ المرسلَ حجةٌ، قالَ: ينقضُ ما ذكرَ فيهِ. والنقضُ بالقيءِ مذهبُ الهادويةِ والحنفيةِ، وشرطتِ الهادويةُ أنْ يكونَ من المعدةِ، إِذْ لا يُسَمَّى قيئًا إلَّا مَا كانَ مِنْها، وأنْ يكونَ ملءَ الفمِ دَفْعَةً، لورودِ ما يقيدُ المطلقَ هنا، وهوَ "قيءُ ذارع ودَسْعةٍ - دفعةً - تملأُ الفمَ" كما في حديثِ عمارٍ، وإنْ كانَ قَدْ ضُعِّفَ. وعند زيدِ بن عليٍّ أنهُ ينقضُ مطلقًا؛ عملًا بمطلقِ هذا الحديثِ، وكأنهُ لم يثبتْ عندَهُ حديثُ عمارٍ. وذهبَ جماعةٌ مِنْ أهلِ البيتِ، والشافعيِّ، ومالكٌ إلى أنَّ القيءَ غيرُ ناقضٍ، لعدمِ ثبوتِ حديثِ عائشةَ هذا مرفوعًا، والأصلُ عدمُ النقضِ، فلا يخرجُ عنهُ إلَّا بدليلٍ قويٍّ. وأمَّا الرُّعافُ ففي نقضهِ الخلافُ - أيضًا - فَمَنْ قَالَ بنقضهِ، فهوَ عملَ بهذا الحديثِ، ومَنْ قالَ بعدمِ نقضهِ، فإنهُ عَمِلَ بالأصلِ، ولمْ يرفعْ هذا الحديثَ. وأمَّا الدمُ الخارجُ مِنْ أيِّ موضعٍ منَ البدنِ غيرِ السبيلين، فيأتي الكلامُ عليهِ في حديثِ أنسٍ (٢): "أنه ﷺ احتجم وصلَّى ولمْ يتوضأُ". وأمَّا القَلْسُ - وَهُوَ ما خرجَ مِنَ الحلقِ ملءَ الفمِ أَوْ دونَهُ وليسَ بقيءٍ، فإنْ عادَ فهوَ القيءُ - فالأكثرُ على أنهُ غيرُ ناقضٍ، لعدمِ نهوض الدليلِ، فلا يخرجُ [عن] (٣) الأصلِ.

стр. 283

وأمَّا المذيُّ فتقدَّمَ الكلامُ عليهِ، وأنهُ ناقضٌ إجماعًا (١). وأما ما أفادهُ الحديثُ: منَ البناءِ على الصلاةِ بعدَ الخروجِ منْها، وإعادةِ الوضوءِ حيثُ لم يتكلمْ، ففيهِ خلافٌ. فَرُويَ عنْ زيدِ بن عليٍّ، والحنفيةِ، ومالكٍ، وقديم قولَي الشافعيِّ، أنهُ يَبني ولا تفسدُ صلاتُهُ، بشرط ألَّا يفعلَ مفسِدًا، كما أشارَ إليهِ الحديثُ بقولهِ: (لا يتكلَّم). وقالتِ الهادويةُ والناصرُ والشافعيُّ - في آخرِ قوليْهِ -: إنَّ الحدثَ يفسدُ الصلاة؛ لما سيأتي منْ حديثِ طلقِ بن عليٍّ: "إذا فَسَا أحدُكم في الصلاةِ فلينصرفْ وليتوضأْ، وليعُدِ الصلاةَ"، رواهُ أبو داود (٢)، ويأتي الكلامُ عليهِ. الوضوء من لحوم الإبل ٩/ ٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "إنْ شِئْتَ"، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". [صحيح] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣).

стр. 284

ترجمة جابر بن سمُرة (وَعَنْ جَابرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁) (١) بفتحِ السينِ المهملةِ، وضمِّ الميمِ، فراءٍ. [هو] (٢) أبو عبدِ اللَّهِ، وأبو خالدٍ، جابرُ بنُ سَمُرَةَ العامريُّ. نزلَ الكوفةَ وماتَ بها سنةَ أربعٍ وسبعينَ، وقيلَ: [سنة] (٢) ستٍّ وستينَ. (أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟) أي: منْ أكلِها؟ (قَالَ: إنْ شِئْتَ، قالَ: أَتَوَضَأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ. أخرجَهُ مسلمٌ)، وَرَوَى نحوَهُ أبو داودُ (٣)، والترمذيُّ (٤)، وابنُ ماجهَ (٥)، وغيرُهم، منْ حديثِ البراءِ بن عازبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "توضَّأوا منْ لحومِ الإبلِ ولا توضَّأوا منْ لحومِ الغنمِ". قالَ ابنُ خزيمةَ (٦): لمْ أرَ خِلافًا بينَ علماءِ الحديثِ أن هذا الخبرَ صحيحٌ مِنْ جِهةِ النقلِ؛ لعدالةِ ناقليهِ. والحديثانِ دليلانِ على نقضِ لحومِ الإبلِ [للوضوء] (٧)، وأنَّ مَنْ أكلَها انتقضَ وضوؤُه. وقالَ بهذَا أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المنذرِ، وابنُ خزيمةَ، واختَارهُ البيهقيُّ، وحكاهُ عنْ أصحابِ الحديثِ مطلقًا، وحكي عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: إنْ صحَّ الحديثُ في لحومِ الإبلِ قلتُ بهِ. قالَ البيهقيُّ (٨): قدْ صحَّ فيهِ حديثانِ: حديثُ جابرٍ، وحديثُ البراءِ.

стр. 285

وذهبَ إلى خلافهِ جماعةٌ منَ الصحابةِ والتابعين والهادويةُ، ويروى عن الشافعيِّ وأبِي حنيفةَ. قالوا: والحديثانِ إِما منسوخانِ بحديثِ: "إنهُ كانَ آخِرَ الأمرينِ منهُ ﷺ عدمُ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ"، أخرجهُ الأربعةُ (١)، وابنُ حِبَّانَ (٢) منْ حديثِ جابرٍ. قالَ النوويُّ (٣): دعوى النسخِ باطلةٌ؛ لأنَّ هذا الأخيرَ عامٌّ، وذلكَ خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. وكلامهُ هذا مبنيٌّ على تقديمِ الخاصِّ على العامِّ مطلقًا، تقدَّمَ الخاصُّ أوْ تأخَّرَ، وهي مسألةٌ خلافيةٌ [فِي الأصولِ] (٤) بينَ الأصوليينَ. أو أن المرادَ بالوضوءِ التنظيفُ، وهوَ غسلُ اليدِ لأجلِ الزهومةِ، كما جاءَ في الوضوءِ منِ اللبنِ، وأنَّ لهُ دَسَمًا، والواردُ في اللبنِ التمضمضُ من شربهِ. وذهبَ البعض إلى أنَّ الأمرَ [الوارد] (٥) في الوضوءِ من لحومِ الإبلِ للاستحبابِ لا للإيجابِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الأمرِ. [قال الزركشي: "وإنما أمر الشارع بالوضوء من لحوم الإبل؛ لأنها خلقت من الجان، ولهذا أمر بالتسمية عند ركوبها، فأمر بالوضوء من أكلها، كما أمر بالوضوء عند الغضب؛ ليزول استيلاء الغضب" اهـ.

стр. 286

قلت: وقد ورد أنها خلقت من الشياطين، وأن على ذروة كل بعير شيطانًا] (١). أمَّا لحومُ الغنمِ فلا نقضَ بأكلِها بالاتفاقِ، كذا قيلَ، ولكنْ حُكِيَ في "شرحِ السنَّةِ" (٢) وجوبُ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ، وعنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ أنهُ كانَ يتوضأُ مِنْ أكلِ السكرِ. جواز تجديد الوضوء على الوضوء قلتُ: وفِي الحديثِ مأخذٌ لتجديدِ الوضوءِ على الوضوءِ، فإنهُ حكمَ بعدمِ نقضِ الأكلِ مِنْ لحومِ الغنمِ، وأجازَ لهُ الوضوءَ، وهوَ تجديدٌ للوضوءِ على الوضوءِ. الوضوء من غسل الميت وحمله ١٠/ ٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ غَسّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوضَّأ". [حسن] أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٣)، وَالنَّسَائِيُّ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسّنَهُ (٥). وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا

стр. 287

يَصحُّ في هذَا الْبَابِ شَيءٌ (١). (وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوضَّأْ. أخرجه أحمد، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وحسَّنه. وقالَ أحمد: لا يصحُّ في هذا الباب شيءٌ)؛ وذلكَ لأنهُ أخرجهُ أحمدُ منْ طريقٍ فيها ضعيفٌ، ولكنْ قدْ حسَّنهُ الترمذيُّ (٢)، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (٣)؛ لورودهِ منْ [طرقٍ] (٤) ليسَ فيها ضعفٌ، وذكرَ الماورديُّ أن بعضَ أصحابِ الحديث خرَّجَ لهُ مائةً وعشرينَ طريقًا (٥). وقالَ أحمدُ: إنهُ منسوخٌ بما رواهُ البيهقيُّ (٦) عن ابن عباسٍ أنهُ ﷺ قالَ: "ليسَ عليكمْ في غَسلِ ميِّتكمْ غُسلٌ إذا غسلتموهُ، إنَّ ميتَكم يموتُ طاهرًا وليسَ بنجسٍ، فحسبُكم أن تغسلوا أيديَكُمْ"، ولكنَّهُ ضعَّفهُ البيهقيُّ.

стр. 288

وتعقَّبهُ المصنفُ (١) لأنهُ قالَ البيهقيُّ: هذا ضعيف، والحملُ فيهِ على أبي شيبةَ. فقالَ المصنفُ: أبو شيبةَ هو إبراهيمُ بنُ أبي بكرِ بن شيبةَ احتجّ بهِ النسائيُّ ووثقهُ الناسُ، ومَنْ فوقهُ احتجَّ بهمُ البخاريُّ، إلى أنْ قالَ: فالحديثُ حسنٌ. ثمَّ قالَ - في الجمعِ بينهُ وبينَ الأمرِ في حديثِ أبي هريرةَ -: إِنَّ الأمرَ للندبِ. قلتُ: وقرينتهُ حديثُ ابن عباسٍ هذَا، وحديثُ ابن عمرَ عندَ عبدِ اللَّهِ بن أحمدَ (٢): "كنا نغسلُ الميتَ فمنَّا مَنْ يغتسلُ، ومنَّا مَنْ لا يغتسلُ". قَالَ المصنفُ (٣): إسنادُه صحيحٌ، وهوَ أحسنُ ما جُمعَ بهِ بينَ هذهِ الأحاديثِ. وأما قولُهُ: (ومَنْ حملهُ فليتوضأ) فلا أعلمُ قائلًا يقولُ بأنهُ يجبُ الوضوءُ مِنْ [حملِ الميتِ] (٤) ولا يندبُ. قلتُ: ولكنهُ معَ نهوضِ الحديثِ لا عذرَ عن العملِ بهِ، ويفسرُ الوضوءُ بغسلِ اليدينِ كما [أفاده حديث ابن عباس ويكون للندب كما] (٥) يفيدُه التعليلُ بقولهِ: "إن ميتَكمْ يموتُ طاهرًا"؛ فإنَّ لمسَ الطاهرِ لا يوجبُ غسلَ اليدينِ منهُ، فيكونُ في حملِ الميتِ غَسْلُ اليدينِ ندبًا تعبُّدًا، إذ المرادُ إذا حملهُ مباشرًا لبدنه [بقرينة] (٦) السياقِ، ولقولهِ: "يموتُ طاهرًا"؛ فإنهُ لا يناسبُ ذلكَ إلَّا مَنْ يباشرُ بدنَه بالحملِ. لا يمس القرآن إلا طاهر ١١/ ٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ في الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ

стр. 289

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ". [حسن بشواهده] رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا (١)، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ (٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (٣)، وَهُوَ مَعْلُولٌ. ترجمة عبد الله بن أبي بكر بن حزم (وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ) (٤). هُوَ ابنُ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، أمهُ وأمُّ أسماءَ واحدةٌ، أسلمَ قديمًا وشهدَ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ الطائفَ، وأصابهُ سهمٌ انتقضَ عليهِ بعدَ سنينَ فماتَ منهُ في شوالَ سنةَ إحدى عَشْرَة، وصلَّى عليهِ أبوهُ. (أن في الكتابِ الذي كَتَبَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ لعمرِو بن حَزْمٍ). ترجمة عمرو بن حزم هوَ عمرُو بنُ حزمٍ بن زيدٍ الخزرجيُّ البخاريُّ يُكْنَى أبا الضحاكِ. أولُ مشاهدهِ الخندقُ، واستعملهُ ﷺ على نجرانَ، وهوَ ابنُ سبعَ عشْرةَ سنةً؛ ليفقِّهَهُمْ في الدينِ ويعلِّمَهُمْ القرآنَ، ويأخذَ صدقاتِهمْ، وكتبَ لهُ كتابًا فيهِ الفرائضُ والسننُ والصدقاتُ والدياتُ. وتوفيَ عمرُو بنُ حزمٍ في خلافةِ عمرَ [بالمدينة] (٥)، ذكرَ هذا ابنُ عبدِ البرّ في "الاستيعابِ" (٦). (أنْ لا يمسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ. رواهُ مالكٌ مرسلًا، ووصله النسائيُّ، وابنُ حبانَ، وهوَ معلولٌ). حقيقةُ المعلولِ (٧): الحديثُ الذي يطَّلعُ على الوهمِ فيهِ بالقرائنِ وجمعِ الطرقِ فيقالُ لهُ: معلَّلٌ ومعلولٌ، والأجودُ أنْ يقالَ [فيه] (٨): المعَلُّ، مِنْ أَعلَّهُ.

стр. 290

والعلةُ: عبارةٌ عنْ أَسباب خفيةٍ غامضةٍ طرأتْ على الحديثِ؛ فأثَّرتْ فيهِ وقدَحتْ، وهوَ مِنْ أغمضِ أنواعِ الحديثِ وأدقِّها، ولا يَقومُ بذلكَ إلا من رزقهُ اللَّهُ فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفةً تامةً بمراتبِ الرواةِ، وَمَلَكَةً قويةً بالأسانيدِ والمتونِ. وَإِنَّمَا قالَ المصنفُ: إنَّ هذا الحديثَ معلولٌ؛ لأنهُ مِنْ روايةٍ سليمانَ بن داودَ، وهوَ متفقٌ على تركهِ، كما قاله ابنُ حزمٍ (١)، وَوَهِمَ في ذلكَ، فإنهُ ظنَّ أنهُ سليمانُ بنُ داودَ اليمانيُّ، وليسَ كذلكَ، بلْ هوَ سليمانُ بنُ داودَ الخولانيُّ (٢)، وهوَ ثقةٌ أَثَنى عليهِ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ، وجماعةٌ مِنَ الحفاظِ، واليمانيُّ هوَ المتفقُ على ضعفِهِ (٣)، وكتابُ عمرِو بن حزمٍ تلقَّاهُ النَّاسُ بالقَبولِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِ: [إنهُ] (٤) أشبهَ المتواترَ لتلقِّي الناسِ له بالقبولِ. وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلمُ كتابًا أصحَّ منْ هذا الكتابِ؛ فإنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ والتابعينَ يرجعونَ إليهِ ويَدَعُونَ رأيهَم. وقال الحاكمُ (٥): قدْ شهدَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وإمامُ عصرهِ الزهريُّ بالصحةِ لهذا الكتابِ. وفي البابِ منْ حديثِ حكيمِ بن حزامٍ (٦): "لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ"، وإنْ

стр. 291

كانَ في إسنادِهِ مقالٌ، إلَّا أنهُ ذكرَ الهيثميُّ في "مجمعِ الزوائدِ" (١) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ أنهُ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ". قال الهيثميُّ: رجالهُ موثقونَ. وذكرَ لهُ شاهدين (٢)، ولكنهُ يبقَى النظرُ في المرادِ من الطاهرِ، فإنهُ لفظٌ مشتركٌ يُطْلَقُ على الطاهرِ من الحدثِ الأكبرِ، والطاهرِ منَ الحدثِ الأصغرِ، ويطلقُ على المؤمنِ، وعلى مَنْ ليسَ على بدنهِ نجاسةٌ، ولا بدَّ لحملهِ على [معنى] (٣) معيَّنٍ من قرينةٍ. وأما قولُهُ تَعَالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤)، فالأوضحُ أن الضميرَ للكتابِ المكنونِ الذي سبقَ ذكرُهُ في صدرِ الآيةِ، وأنَّ "المطَهَّرون" همُ الملائكةُ. ذكر الله على كل حال ١٢/ ٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.

стр. 292

رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وَعَنْ عَائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكرُ اللَّهَ عَلى كلِّ أحيانِهِ. رواهُ مسلمٌ وعلَّقهُ البخاريُّ). والحديثُ مقرِّرٌ للأصلِ، وهوَ ذكرُ اللَّهِ على كلِّ حال منَ الأحوالِ، وهوَ ظاهرٌ في عموم الذكرِ، فتدخلُ تلاوةُ القرآنِ ولوْ كَانَ جُنُبًا، إلَّا أنهُ قدْ [خَصَّصَهُ] (٣) حديثُ عليٍّ (٤) ﵇ الذي في بابِ الغُسلِ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يقرئُنا القرآنَ، ما لمْ يكن جُنُبًا"، وأحاديثُ أخرُ في معناهُ تأتي، وكذلكَ هوَ مخصَّصٌ بحالةِ الغائطِ، والبولِ، والجماعِ (٥). والمرادُ بكلِّ أحيانِهِ معظمُها، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٦). والمصنفُ ذكرَ الحديثَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أن نواقضَ الوضوءِ مانعةٌ منْ ذكرِ اللَّهِ تَعَالَى. النوم مظَنَّة لنقض الوضوء ١٣/ ٧٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العينُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَق الْوِكَاءُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)، وَالطَّبَرَانيُّ (٨). [حسن]

стр. 293

- وَزَادَ: "وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ"، وَهذ الزِّيَادَةُ في هذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (١) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ دُونَ قَوْلِهِ: "اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ"، وَفِي كِلَا الإِسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ (٢). [حسن] ترجمة معاوية بن أبي سفيان (وَعَنْ مُعَاوِيةَ) (٣). هوَ ابنُ أبي سُفيانَ صخرِ بنْ حربٍ، هوَ وأبوهُ منْ مُسْلِمَةِ الفتحِ، ومنَ المؤلَّفةِ قلوبُهم، ولَّاهُ عمرُ الشامَ بعدَ موتِ يزيدَ بن أبي سفيانَ، ولمْ يزلْ بها متولِّيًا أربعينَ سنة إلى أنْ ماتَ سنةً ستينَ في شهرِ رجبٍ بدمشقَ، ولهُ ثمانٍ وسبعونَ سنةً. (قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : العَيْنُ) أرادَ الجنسَ، والمرادُ العينانِ منْ كلِّ إنسانٍ

стр. 294

(وِكاءُ) بكسرِ الواوِ والمدِّ (السَّهِ) بفتحِ السين المهملةِ، وكسرِ الهاءِ هي الدُّبُر، والوكاءُ ما يربطُ بهِ الخريطةُ أو نحوهَا. (فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوكَاءُ) أي: انحلَّ، (رواهُ أحمدُ والطبرانيُّ. وزادَ) الطبرانيُّ: (ومَنْ نامَ فَلْيَتَوَضأْ. وهذِهِ الزيادةُ في هذا الحديثِ) وهي قولُهُ: (ومنْ نامَ فليتوضأ) (عندَ أبي دَاوُدَ مِنْ حديثِ عَليٍّ ﵇ ولفظهُ: "العينُ وكاءُ السَّهِ، فمنْ نامَ فليتوضأ"، (دونَ قولهِ: اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ. وفي كِلا الإسنادَيْنِ ضَعْفٌ). إسنادِ حديثِ معاويةَ، وإسنادِ حديثِ عليٍّ، فإنَّ في إسنادِ حديثِ معاويةَ: بقيةَ عنْ أبي بكرٍ بن أبي مريمَ، وهوَ ضعيفٌ، وفي حديث عليٍّ أيضًا: بقيةُ عن الوَضِينِ بن عطاء؟. قالَ ابنُ أبي حاتمٍ (١): سألتُ أبي عنْ هذينِ الحديثينِ فقالَ: ليسا بقويَّيْنِ. وقالَ أحمدُ (٢): حديثُ عليٍّ أثبتُ منْ حديثِ معاويةَ. وحَسَّنَ المنذريُّ، والنوويُّ، وابنُ الصَّلاحِ حديثَ عليٍّ (٣) ﵇. والحديثانِ يدلَّانِ على أن النَّومَ ليسَ بناقضٍ بنفسهِ، وإنَّما هوَ مَظَنَّةُ النقضِ، فَهُمَا مِنْ أدلَّةِ القائلينَ بذلكَ، ودليلٌ [على] (٤) أنهُ لا ينقضُ إلا النومُ المستغرِقُ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ. وكانَ الأَوْلَى بحسنِ الترتيبِ أنْ يذْكُرَ المصنفُ هذا الحديثَ عَقِبَ حديثِ أنسٍ في أولِ بابِ النواقضِ كما لا يَخْفَى. ١٤/ ٧٤ - وَلأبي دَاوُدَ (٥) - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: "إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا". [منكر]

стр. 295

وَفِي إسنادِه ضَعْفٌ أَيْضًا. (وَلأَبِي دَاوُدَ أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ مرفوعًا: إنَّما الوضُوء على مَنْ نَامَ مضْطَجِعًا، وفي إسنادِهِ ضعفٌ أيضًا)؛ لأنهُ قالَ أبو داودَ (١): إنهُ حديثْ منكرٌ. وبَيَّنَ وَجْهَ [نَكَارتهِ] (٢)، وفيه الحصر على أنهُ لا ينقضُ إلَّا نومُ المضْطَجعِ لا غيرُ، ولو استغرقَهُ النومُ، فالجمعُ بينهُ وبينَ ما مضَى مِنَ الأحاديثِ أنهُ خرجَ عَلَى الأغلبِ، فإنَّ الأغلبَ على مَنْ أرادَ النومَ الاضطجاعُ، فلا معارضةَ. خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض للوضوء ١٥/ ٧٥ - وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٣) وَليَّنَهُ (٤). [ضعيف] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأ. أخرجه الدارقطني وليَّنَهُ)، أي قالَ: هوَ ليِّن. وذلكَ؛ لأنَّ في إسنادهِ صالحَ بنَ مقاتلٍ، وليسَ بالقويِّ، وذكرهُ النوويُّ في فصلِ الضعيفِ (٥). والحديثُ دليلٌ، ومقرِّرٌ للأصلِ على أن خروجَ الدمِ منَ البدنِ غيرَ الفرجين لا ينقضُ الوضوءَ. وفي البابِ أحاديثُ تفيدُ عدمَ نقضهِ عن ابن عمرَ (٦)، .........................

стр. 296

وابنِ عباسٍ (١)، وابنِ أبي أَوْفَى (٢). وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ: فالهادويةُ على أنهُ ناقضٌ بشرطِ أنْ يكونَ سائلًا يقطرُ، أو يكونَ قَدْرَ الشعيرةِ يسيلُ في وقتٍ واحدٍ منْ موضعٍ واحدٍ إلى ما يمكنُ تطهيرُهُ. وقالَ زيدُ بنُ عليٍّ، والشافعيُّ، ومالكٌ، والناصرُ، وجماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ: إنَّ خروجَ الدمِ منَ البدنِ منْ غيرِ السبيلينِ ليسَ بناقضٍ؛ لحديثِ أنسٍ هذا، وما أيَّدهُ مِنَ الآثارِ عمنْ ذكرناهُ؛ ولقولهِ ﷺ : "لا وضوءَ إلَّا مِنْ صوتٍ أوْ ريحٍ"، أخرجهُ أحمدُ (٣)، والترمذيُّ وصحَّحهُ (٤). وأحمدُ (٥) والطبرانيُّ (٦) بلفظِ: "لا وضوءَ إلَّا منْ ريح أو سماعٍ"؛ ولأنَّ الأصلَ عدمُ النقضِ حتى يقومَ ما يرفعُ الأصلَ، ولمْ يقمْ دليل على ذلكَ. نهي الشارع عن متابعة الوساوس والأوهام ١٦/ ٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي أَحَدَكُمْ

стр. 297

الشّيطَانُ في صَلاِتِهِ، فَيَنْفُخَ فِي مَقْعَدَتِه فَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". [حسن] أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (١). وأَصْلُهُ في الصحِيحَيْنِ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. [صح] - وَلمُسْلِمٍ (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ. [صحيح] (وَعَنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يأتي أَحَدَكُمُ الشيطان في صلاتهِ) حال كونهِ فيها، (فَيَنْفخ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيخَيَّل إليهِ)، يحتملُ أنهُ مبني للفاعلِ، وفيهِ ضميرٌ للشيطانِ، وأنهُ الذي يخيلُ، أي: يوقعُ في خيال المصلِّي أنهُ أحدثَ، ويحتملُ أنهُ مبنيٌّ للمفعول ونائبه (أنهُ أَحْدَثَ ولمْ يحْدِثْ، فإِذَا وَجَدَ ذلكَ فلا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا. أخرجَهُ الْبَزَّارُ) (٤). ترجمة البزار بفتحِ الموحَّدةِ، وتشديدِ الزايِ، بعدَ الألفِ راءٌ. وهوَ الحافظُ العلامةُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرِو بن عبدِ الخالقِ البصريُّ، صاحبُ "المسندِ الكبير"

стр. 298

المعلَّلِ، أخذَ عن الطبراني وغيرِهِ، وذكرهُ الدارقطنيُّ وأثْنَى عليهِ، ولمْ يذكرِ الذهبيُّ ولادتَهُ ولا وفاتَهُ (١). والحديثُ تقدمَ ما يفيدُ معناهُ، وهوَ إعلامٌ منَ الشارعِ بتسليطِ الشيطانِ عَلَى العبادِ حتى في أشرفِ العباداتِ ليفسدَها عليهمْ، وأنهُ لا يضرُّهُم ذلكَ، ولا يخرجونَ عن الطهارةِ إلا بيقينٍ. وأصلهُ في الصحيحينِ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ. (ولمسلمٍ عنْ أبي هريرةَ نحوُهُ) تقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ في هذا البابِ. ١٧/ ٧٧ - وَللْحَاكِمِ (٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الشَّيطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ". [حسن] وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) بلفظِ: "فَلْيَقُلْ في نَفْسِهِ". (وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أبي سَعِيدٍ) هوَ الخدريُّ تقدمَ (مرفوعًا: إِذَا جَاءَ أَحَدَكُم الشيطانُ، فقالَ) أي: وسوسَ لهُ قائلًا: (إنكَ أحدثتَ فليقلْ: كذبتَ) يحتملُ أن يقولَهُ لفظًا أو في نفسهِ، ولكنَّ قولَهُ: (وأخرجهُ ابن حبانَ بلفظ: فليقلْ في نفسِهِ) بيَّنت أن المرادَ الآخرُ منهُ، وقد رُويَ حديثُ الحاكِمِ بزيادةٍ بعدَ قولهِ: (كذبتَ): "إلَّا مَنْ وجدَ ريحًا أو سمعَ صوتًا بِأُذُنِهِ"، وتقدمَ ما تفيدُهُ هذهِ الأحاديثُ. ولو ضمَّ المصنفُ هذهِ الرواياتِ إلى حديثِ أبي هريرةَ الذي قدَّمهُ، وأشارَ إليهِ هُنَا لكانَ أوْلَى بحسنِ الترتيبِ كما عرفتَ. وهذهِ الأحاديثُ دالةٌ على حرصِ الشيطانِ على إفسادِ عبادةِ بني آدمَ خصوصًا [الصلاة] (٤) وما يتعلقُ بها، وأنهُ لا يأتيْهمْ غالبًا إلَّا منْ بابِ التشكيكِ في الطهارةِ، تارةً بالقولِ، وتارةً بالفعلِ، ومِنْ هنا نعرفُ أن أهلَ الوسواسِ في الطهاراتِ امتثلُوا ما فعلهُ وقالهُ.

стр. 299

[الباب السابع] بابُ آدابِ قضاءِ الحاجةِ الحاجةُ كنايةٌ عنْ خروجِ البولِ والغائطِ، وهوَ مأخوذٌ منْ قولِهِ ﷺ : "إذا قعدَ أحدُكُم لحاجتِهِ" (١). ويعبِّرُ [عنهُ] (٢) الفقهاءُ ببابِ الاستطابةِ لحديثِ: "ولا [يستطيبُ] (٣) بيمينهِ" (٤)، والمحدِّثونَ: ببابِ التخلِّي، مأخوذ مِنْ قولِهِ ﷺ : "إذا دخلَ أحدُكم الخلاءَ" (٥)، والتبرُّزِ منْ قولهِ: "البرازُ في المواردِ" (٦) سيأتي، فالكلُّ منَ العباراتِ صحيحٌ. عدم اصطحاب ما فيه اسم الله ١/ ٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. [منكر]

стр. 300

أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١) وَهُوَ مَعْلُول (٢). (عَنْ أنسِ بن مالكٍ قَالَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا دخلَ الخلاء)؛ بالخاءِ المعجمةِ ممدودٌ: المكانَ الخالي، كانُوا يقصدونهُ لقضاءِ الحاجةِ، (وضعَ خاتَمَهُ. أخرجه الأربعة وهوَ معلولٌ)؛ وذلكَ لأنهُ منْ روايةِ همامٍ، عن ابن جريجٍ، عن الزهريِّ، عنْ أنسٍ، ورواتهُ ثِقَاتٌ لكنَّ ابنَ جريجٍ لمْ يسمعْهُ منَ الزهريِّ، بلْ سمعهُ منْ زيادِ بن سعدٍ عن الزهريِّ، ولكنْ بلفط آخرَ، وهوَ أنهُ ﷺ اتخذَ خاتمًا منْ وَرِقٍ ثمَّ ألقاهُ. والوهمُ فيهِ منْ همامٍ، كما قالهُ أبو داودَ (٣). وهمامٌ ثقةٌ، كما قالهُ ابنُ معينٍ. وقال أحمدُ: ثبتٌ في كلِّ المشايخِ. وقد رُوِيَ الحديثُ مرفوعًا وموقوفًا [عنْ] (٤) أنسٍ منْ غِيرِ طريقِ همامٍ. وأوردَ له البيهقيُّ (٥) شاهدًا. ورواهُ الحاكمُ (٦) أيضًا بلفظِ: "إِنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لبسَ خاتمًا نقشهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ،

стр. 301

وكانَ إذا دخلَ الخلاء وضعهُ"، [إلا أنه قال البيهقي - بعد سياقه: هذا شاهد ضعيف] (١). والحديثُ دليلٌ على الإبعادِ عندَ قضاءِ الحاجةِ، كما يرشدُ إليهِ لفظُ الخلاءِ، فإنهُ يطلقُ على المكانِ الخالي، وعلى المكانِ المعدِّ لقضاءِ الحاجةِ، ويأتي في حديثِ المغيرةِ (٢) ما هوَ أصرحُ منْ هذَا بلفظ: "فانطلقَ حتَّى تَوَارى". وعندَ أَبِي دَاودَ (٣): "كانَ إذا أرادَ البرَازَ انطلقَ حتى لا يراهُ أحدٌ"، ودليلٌ على تبعيدِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ عندَ قضاءِ الحاجةِ. وقالَ بعضُهم: يحرمُ إدخالُ المصحفِ الخلاء لغيرِ ضرورةٍ. قيلَ: فلوْ غفلَ عن تنحيةِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ حتى اشتغلَ بقضاءِ حاجتهِ، غيَّبهُ في فيهِ أو في عمامتهِ أو نحوِهِ، وهذا فعلٌ منهُ ﷺ ، وقدْ عرفَ وجههُ، وهوَ صيانةُ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ عن المحلاتِ المُسْتَخْبَثَة، [فدل] (٤) على ندبهِ وليسَ خاصًّا بالخاتمِ، بلْ في كلّ ملبوسٍ فيهِ ذكرُ اللَّهِ. الاستعاذه عند دخول الكنيف ٢/ ٧٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ". [صحيح] أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (٥).
следующие страницы →