← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 2362–2401 · переход к 2367.

стр. 2362

(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا أكلَ أحدُكم طعَامًا فلا يمسحْ يدَه حتَّى يلْعقَها) بنفسِه، (أو يُلْعِقَها) غيرَه. الأولُ بفتح حرف المضارعَةِ منْ لعقَ، والثاني [بضمِّه] (١) من ألعقَ [رباعي والأول ثلاثي] (٢) (متفقٌ عليهِ). والحديثُ دليلٌ على عدمِ [تعيينِ] (٣) غسلِ اليدِ منَ الطعامٍ، وأنهُ يجزئُ مسحُها، وفيهِ دليل على أنهُ يجبُ لعقُ اليدِ أو إلعاقُها الغيرَ، وعلَّلهُ في الحديثِ: "بأنهُ لا يدري في أيِّ طعامِه البركةُ" كما أخرجَهُ مسلمٌ (٤) أنهُ ﷺ : "أمرَ بلعقِ الأصابعِ والصحفةِ وقالَ: "إنكمُ لا تدرونَ في أيٍّ البركةُ"، "وكذلكَ أمرَ ﷺ بالتقاطِ اللقمةِ [من الأرض] (٥) ومسْحِها وأكْلِها" كما في روايةٍ (٦) لمسلمٍ أيضًا بلفظٍ: "إذا وقعتْ لقمةُ أحدِكم فلْيُمِطْ ما بها منَ الأذى، وليأكلْها، ولا يدعْها للشيطانِ". وهذهِ الأمورُ منَ اللعقِ والإلعاقِ، ولعقِ الصحفةَ، وأكلِ ما يسقطُ، ظاهرُ الأوامر وجوبها. وإلى هذا ذهبَ أبو محمدِ بن حزمٍ، وقالَ: إنَّها فرضٌ. والبركةُ هي النماءُ والزيادةُ والخيرُ، والمرادُ هنا ما يحصلُ بهِ التغذيةُ وتسلمُ عاقبتُه من أذَى والتقوى علَى طاعةِ اللَّهِ وغيرِ ذلكَ. وهذهِ البركةُ قدْ تكونُ في لعق اليد، أو لعقِ الصحفةِ، أوْ أكْلِ ما [سقط على الأرض، وإذا] (٧) كانَ علَّلَ أكْلَ الساقطِ بأنهُ لا يدعُها للشيطانِ. والمرادُ منْ قولهِ يدَه هوَ أصابعُ يدهِ الثلاثِ كما وردَ أنهُ (٨) ﷺ كان يأكل بثلاثِ أصابعَ ولا يزيدُ الرابعةَ والخامسةَ إلا إذا احتاجَهما، بأنْ يكونَ الطعامُ غيرَ مشتدٍّ أو نحو ذلك. وقدْ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (٩): "أنهُ ﷺ كانَ إذا أكلَ أَكَلَ بخمسٍ" وهوَ مرسلٌ. وفي الحديث دلالةٌ على أنهُ لا بأسَ بإلعاقِ الغيرِ أصابعَه منْ زوجةٍ وخادمٍ وولدٍ وغيرِهم، فإنْ تنجستِ اللقمةُ الساقطةُ فيزيلُ ما فيها منْ نجاسةٍ إنْ أمكنَ، وإلا أطعَمَها حيوانًا، ولا يدعُها للشيطانِ كما [قاله] (١٠)

стр. 2363

النوويُّ (١) بناءً على جوازِ إطعامِ [الحيوان الطعام] (٢) المتنجس، وهو إجْماعُ الأمة خلَفًا عنْ سلفٍ. وتقدَّم الكلامُ في ذلكَ. يسلِّم الصغير الكبير ٧/ ١٣٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكثِيرِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٤): "وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي". [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ليسلِّمِ الصغير علَى الكبيرِ، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير. متفقٌ عليه. [وفي رواية لمسلمٍ) منْ روايةٍ أبي هريرةَ] (٥): (والراكبُ على الماشي)، بلْ هوَ في البخاريِّ. وقالَ المصنفُ: إنهُ لم يقعْ تسليمُ الصغيرِ على الكبيرِ في صحيحِ مسلمٍ، فيشكلُ جعل الحديثِ منَ المتفقِ عليهِ. وظاهرُ الأمرٍ الوجوبُ. وقالَ المازريُّ (٦): إنهُ للندبِ. قالَ: فلوْ تركَ المأمورُ بالابتداءِ فبدأَ الآخرُ كانَ المأمورُ تارِكًا للمستحَبِّ والآخرُ فاعلًا للسنةِ. قلتُ: والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، وكأنهُ صرفَه عنهُ الاتفاقُ على عدمِ وجوب البداءةِ بالسلام. والحديثُ فيهِ شرعية ابتداءِ السلامِ منَ الصغيرِ على الكبيرَ. قالَ ابنُ بطالٍ (٧) عن المهلَّبِ: وإنَّما شُرعَ للصغيرِ أنْ يبتدئَ الكبيرَ لأجلِ حقِّ الكبيرِ، ولأنهُ أُمِرَ بتوقيرهِ والتواضعِ لهُ. ولو تعارضَ الصغرُ المعنويُ والحسيُّ كأنْ يكونُ الأصغرُ أعلمَ مثلًا. قالَ المصنفُ: لم أرَ فيهِ نقلًا، والذي يظهرُ اعتبارُ السنِّ لأنَّ الظاهرَ تقديمُ الحقيقةِ على المجازِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ المارِّ بالسلامِ

стр. 2364

للقاعدِ. قال المازريُّ (١): لأنهُ قدْ يتوقعُ القاعدُ منهُ الشرَّ، ولا سيِّما إذا كانَ راكِبًا، فإذا ابتدأَه بالسلامِ أمِنَ منهُ، وأنسَ إليهِ، أو لأنَّ في التصرفِ في الحاجاتِ امتهانًا فصارَ للقاعدِ مزيةٌ فأمرَ [المارَّ] (٢) بالابتداءِ، أو لأنَّ القاعدَ يشقُّ عليهِ مراعاةُ المارِّينَ معَ كثرتِهم فسقطتِ البداءةُ عنهُ للمشقةِ عليهِ، وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ القليلِ بالسلامِ على الكثيرِ. وذلك لفضيلةِ الجماعةِ، أوْ لأنَّ الجماعةَ لو ابتدؤُوا لخِيفَ على الواحدِ الزهوُّ فاحتيطَ لهُ، لو مرَّ جمعٌ كثيرٌ على جمع قليلٍ، أو مرَّ الكبيرُ على الصغيرِ: قالَ المصنفُ: لم أرَ فيه نصًا. واعتبرَ النوويُّ (٣) المرورَ فقالَ: الواردُ يبدأُ سواءٌ كانَ صغيرًا أو كبيرًا. وذكرَ الماورديُّ (٤) أن منْ مشَى في الشوارعِ المطروقةِ كالسوقِ أنهُ لا يسلِّم إلا على البعضِ لأنهُ لو سلَّم على كلِّ منْ لقي لتشاغلَ به على المهمِّ الذي خرجَ لأجلهِ، وخرجَ بهِ عن العرفِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ الراكبِ على الماشي، وذلكَ لأنَّ للراكبِ مزيةً على الماشي، فعوَّضَ الماشيَ بأنْ يبدأهُ الراكبُ بالسلامِ احتياطًا على الراكبِ منَ الزهوِّ لو حازَ الفضيلتينِ، وأما إذا تلاقَى راكبانِ أو ماشيانِ فقدْ تكلَّم فيها المازريُّ (٥) فقالَ: يبدأُ الأَدْنَى [منهما] (٦) على الأعلَى قدْرًا في الدينِ إجلالًا لفضلِه، لأنَّ فضيلةَ الدينِ مرغَّبٌ فيها في الشرعِ، وعلَى هذَا لو التقَى راكبانِ ومركوبُ أحدِهما أعلَى في الجنسِ منْ مركوبِ الآخرِ كالجملِ والفرسِ فيبدأُ راكبُ الفرسِ، أو يُكْتَفَى بالنظرِ إلى أعلاهُما قدْرًا في الدينِ، فيبدأُ الذي [هوَ] (٧) فوقَه، والثاني أظهرُ، كما لا ينظرُ إلى مَنْ يكونُ أعلاهُما قدْرًا منْ وجهةِ الدنيا إلَّا أنْ يكونَ [سلطانًا] (٨) يُخْشى منهُ، وإذا تساوى المتلاقيانِ منْ كلِّ جهةٍ فكلٌّ منْهما مأمورٌ بالابتداءِ، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلامِ كما ثبتَ في حديثٍ (٩) المتهاجرَيْنِ. وقَدْ أخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (١٠) بسندِ صحيحٍ منْ حديثٍ جابرٍ:

стр. 2365

(الماشيانِ إذا اجتمَعا فأيُّهما بدأَ بالسلامِ فهوَ أفضلُ". وأخرجَ (١) الطبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ عن الأغرِّ المزنيِّ قالَ: قالَ لي أبو بكر: لا يسبقكَ أحدٌ بالسلام. وأخرجَ الترمذيُّ (٢) منْ حديثٍ أبي أمامةَ مرفُوعًا: "أنَّ أَوْلَى الناسِ باللَّهِ مَنْ بدأَ بالسلامِ؛ وقالَ: حسن. [وأخرج] (٣) الطبراني (٤) [في] (٥) حديثٍ: "قلْنا يا رسولَ اللَّهِ، إنا نلتقي فأيُّنا يبْدأُ بالسلامِ؟ قالَ: أطوعُكم للَّهِ تعالَى". ٨/ ١٣٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَبُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)، وَالْبَيْهَقِي (٧). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ وكرَّم الله وجهه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : يجزئُ عن الجماعةِ إذا مرُّوا أنْ يسلِّمَ أحدُهم، ويجزئ عن الجماعةِ أنْ يردَّ أحدُهم. رواة أحمدُ، والبيهقيُّ). فيهِ أنهُ يجزئُ تسليمُ الواحدِ عن الجماعةِ ابتداءً وردًّا. قالَ النوويُّ (٨): يُسْتَثْنَى منْ العموم بابتداء السلامِ منْ كانَ يأكلُ، أوْ يشربُ أوْ يجامعُ، أوْ كانَ في الخلاءِ، أوْ في الحمام، أوْ نائمًا، أوْ ناعِسًا، أو مصليًا (٩)، أو مؤذِّنًا ما دامَ متلبّسًا بشيءٍ مما ذُكِرَ، إلَّا أَنَّ السلامَ على مَنْ كانَ في الحمامِ إنَّما كُرِهَ إذا لم يكنْ عليهِ إزارٌ، وإلَّا فلا كراهةَ، وأما السلامُ حالَ الخطبةِ في الجمعةِ [فيكرهُ] (١٠) للأمرِ بالإنصاتِ، فلو

стр. 2366

سلَّمَ لم [يجبِ الردُّ عليهِ] (١) عندَ مَنْ قالَ [الإنصاتُ واجبٌ] (٢). [ويجبُ عندَ] (٣) مَنْ قالَ بأنهُ سنةٌ، وعلَى الوجهينِ لا ينبغي أنْ يردَّ أكثرُ منْ واحدٍ. وأما المشتغلُ بقراءةِ القرآنِ فقالَ الواحديُّ (٤): الأَوْلَى تركُ السلامِ عليهِ، فإنْ سلَّم [عليه أحد] (٥) كفاهُ الردُّ بالإشارةِ وإنْ ردَّ لفظًا استأنفَ الاستعاذةَ وقرأَ. قالَ النوويُّ (٦): فيهِ نظرٌ، والظاهرُ أنهُ يُشْرَعُ السلامُ عليهِ ويجبُ عليهِ الردُّ. ويندبُ (٧) السلامُ على مَنْ دخلَ بيتًا [وإن لم يكن] (٨) فيهِ أحدٌ لقوِله تعالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٩) الآيةَ. وأخرجَ البخاريُّ (١٠) في الأدبِ المفردِ، وابنُ أبي شيبةَ (١١) بإسنادٍ حسنِ عن ابن عمرَ ﵁: "يستحبُّ إذا لم يكنْ في البيتِ أحدٌ أنْ يقولَ السلامُ علينا وعلَى عبادِ اللَّهِ الصالحين". وأخرجَ الطبرانيُّ (١٢) عن ابن عباسٍ نحوَه. فإنْ ظَنَّ المارُّ أنهُ إذا سلَّم على القاعدِ لا يردُّ عليهِ فإنهُ يتركُ ظنَّه ويسلِّمُ، فلعلَّ ظنَّه يخطئ وإنْ لم يردَ عليهِ سلامه ردتْ عليهِ الملائكةُ كما وردَ ذلكَ، وأما مَنْ قالَ لا يسلِّم على مَنْ ظنَّ أنهُ لا يردُّ عليهِ لأنهُ يكونُ سببًا لتأثيمِ الآخرِ فهوَ كلامٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ المأموراتِ الشرعيةَ لا تُتْرَكُ لمثلِ هذَا، ذكرَ [معناهُ] (١٣) النوويُّ (١٤)، وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (١٥): لا ينبغي أنْ يسلِّمَ عليهِ الأنَّ توريطَ المسلمِ في المعصيةِ أشدُ منْ مصلحةِ السلامِ عليهِ، وامتثالُ حديثٍ الأمرِ بالإفشاءِ يحصلُ

стр. 2367

معَ غيرِ هذَا (١). فإنْ قيلَ: هلْ يحسنُ أنْ يقولَ: "ردُّ السلامِ فإنهُ واجبٌ"، قيلَ: نعمْ فإنهُ منَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ فيجبُ، فإنْ لم يجبْ حَسُنَ أن يحلِّلَه منْ حقِّ الردِّ. هل يُبدأُ الذمي بالسلام ٩/ ١٣٦٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنه) أي عن علي (﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : لا تبدأوا اليهودَ والنَّصَارَى بالسلامِ، وإذا لقيتُموهُم في طريقِ فاضْطَّرُوهُم إلى أضيقِه. أخرجَه مسلمٌ). ذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ لا يجوزُ ابتداءُ اليهودِ والنَّصارى بالسلامِ. وهوَ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ؛ إذْ أصلُ النَّهي التحريمُ. وحُكِيَ عنْ بعضِ الشافعيةِ أنهُ يجوزُ الابتداءُ لهم بالسلامِ، ولكنْ يقتصِر على قولِ: السلامُ عليكمُ، ورُوِيَ ذلكَ عن ابن عباسٍ وغيرهِ، وحَكى القاضي عياضٌ عنْ جماعةٍ جوازَ ذلكَ لكنْ للضرورةِ والحاجةِ، وبهِ قالَ علقمةُ والأوزاعيُّ. ومنْ قالَ لا يجوزُ يقولُ: إنْ سلَّم على ذميٍّ ظنَّه مُسلمًا، ثم بانَ لهُ أنهُ يهوديٌّ فينبغي له أنْ يقولَ لهُ: رُدَّ عليَّ سلامي. ورُوِيَ عن ابن عمرَ (٣) أنهُ فعلَ ذلكَ والغرضُ منهُ أنْ يوحِشَه ويظهرَ لهُ أنهُ ليسَ بينَهما ألفةٌ. وعنْ مالكٍ أنهُ لا يُسْتَحَبُّ أنْ يستردَّه، واختارَه ابنُ العربيِّ (٤)، فإنِ ابتدأَ الذميُّ

стр. 2368

مسلِّمًا بالسلامِ ففي الصحيحينِ (١) عنْ أنسٍ مرفُوعًا: "إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولُوا: وعليكم". وفي صحيحِ (٢) البخاريِّ عن ابن عمرَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إذا سلَّمَ عليكمْ اليهودُ [فقولوا: وعليكم] (٣)، فإنَّما يقولُ أحدُهم السامُ عليكَ فقل وعليكَ". وإلى هذهِ الروايةِ بإثباتِ الواوِ ذهبَ طائفة منَ العلماءِ، واختارَ بعضُهم حذفَ الواوِ لئلَّا يقتضي التشريكَ، وقدْ قدَّمْنَا ذلكَ، وما ثبتَ بهِ النصُّ أَوْلَى بالاتباعِ. قالَ الخطابيُّ: عامةُ المحدِّثينَ يروونَ هذا الحرفَ وعليكمْ بالواوِ، وكانَ ابنَ عيينةَ يرويهِ بغيرِ واو، قالَ الخطابيُّ: وهذا هوَ الصَّوابُ. قلت: وحيثُ ثبتتِ الروايةُ بالواوِ وبغيرها فالوجهانِ جائزانِ. وفي قولهِ: "فقولُوا وعليكَ"، ما يدلُّ على إيجاب الجوابِ عليهمْ في السلامِ. وإليهِ ذهبَ [عامة] (٤) العلماءِ، ويُرْوَى عنْ آخرينَ أَنهُ لا يردُّ عليهمْ. والحديثُ يدفعُ ما قالُوهُ. وفي قولهِ: "فاضْطّرُّوهم إلى أضْيَقِهِ"، دليل على وجوب ردّهم عن وسطِ الطرقاتِ إلى أضيقِها. وتقدَّم فيهِ الكلامُ. ١٠/ ١٣٦٥ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ ﵁ (عن النبيِّ ﷺ قالَ: إذا عطسَ أحَدُكْم فليقلْ الحمدُ للَّهِ، وليقلْ لهُ أخُوهُ: يرحمُكَ اللَّهُ، فإذا قالَ يرحمُكَ اللَّهُ فليقلْ: يهديْكُمُ اللَّهُ ويصلحُ بالَكُمْ. أخرجَه البخاريُّ) تقدَّم فيهِ الكلامُ، ولو أَتَى بهِ المصنفُ بعدَ أولِ حديثٍ في البابِ لكانَ الصوابُ.

стр. 2369

الكلام على الشرب قائمًا ١١/ ١٣٦٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَشْرَبَن أَحَدُكُمْ قَائِمًا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ ﵁ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يشربنَّ أحدُكم قائمًا. أخرجَهُ مسلمٌ)، وتمامُه: "فمنْ نسيَ فليستقئْ" من القيءِ، وأخرجَهُ أحمدُ (٢) منْ وجهٍ آخرَ عنْ أبي هريرةَ "أنهُ ﷺ رأَى رجلًا يشربُ قائمًا فقالَ: مه، فقالَ: لِمهْ؟ فقالَ: أيسرُّكَ أنْ يشربَ معكَ الهرُّ؟ قالَ: لا، قالَ: قدْ شربَ معكَ مَنْ هَو شرٌّ منهُ الشيطانُ". وفيهِ راوٍ لا يُعْرَفُ، ووثَّقهُ يحيى بنُ معينِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الشربِ قائمًا، لأنهُ الأصلُ في النَّهْي (٣) وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ خلافُ الأَوْلَى، وآخرونَ إلى أنهُ مكروهٌ، كأنَّهم صرفُوه عنْ ذلكَ لما في صحيحِ مسلمٍ (٤) منْ حديثٍ ابن عباسٍ: "سَقَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ منْ زمزمَ فشربَ وهوَ قائمٌ"، وفي صحيحِ البخاريِّ (٥): "أن عليًا ﵁ شربَ قائِمًا، وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ كما رأيتموني فعلتُ"، فيكونُ فعلُه ﷺ بيانًا لكونِ النَّهي ليسَ للتحريمِ. وأما قولُه: "فليستقئْ" فإنهُ [نقل اتفاقَ] (٦) العلماءِ على أنهُ ليسَ على مَنْ شربَ قائمًا أنْ يستقيءَ، وكأنَّهم حملُوا الأمرَ أيضًا على الندبِ. يبدأ باليمين في التنعل ١٢/ ١٣٦٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا

стр. 2370

تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ ﵁ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا انتعلَ أحدُكم فليبدأْ باليمينِ، وإذا نزعَ) [أي نَعْلَه] (٢) (فليبدأْ بالشمالِ. ولتكنِ اليمينُ أوّلَهما تُنعلُ، وآخرَهما تُنزعُ). أخرجَهُ مسلمٌ إلى قوله بالشمالِ، وأخرجَ باقيه مالكٌ (٣)، والترمذي (٤)، وأبو داود (٥). [ظاهرُ] (٦) الأمرِ على الوجوبُ، ولكنَّه قد ادّعى [القاضي] (٧) عياضٌ الإجماعَ على أنهُ للاستحبابِ. قالَ ابنُ العربيِّ (٨): البداءةُ باليمينِ مشروعةٌ في جميعِ الأعمالِ الصالحةِ، لفضلِ اليمينِ حِسًا في القوةِ، وشرْعًا في الندبِ إلى تقديمِها. قالَ الحليميُّ (٩): إنَّما [يندب البدأ] (١٠) بالشّمالِ عندَ الخلعِ لأنَّ اللُّبْسَ كرامة لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمين أكرم من اليسرى بدئ فيها باللبس، وأُخِّرتْ في النزعِ لتكونَ الكرامةُ لها أدومَ، وحصتُها منْها أكثرُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرّ (١١): منْ بدأَ في الانتعالِ باليُسرى أساءَ لمخالفةِ السنةِ، ولكنْ لا يحرمُ عليه لبسُ نعليهِ. وقالَ [غيرهُ] (١٢): ينبغي أنْ ينزع النعلُ منَ اليُسرى، ويُبْدَأَ باليمينِ، فلعل ابن عبدِ البرّ يريدُ أنهُ لا يُشْرَعُ لهُ الخلْعُ إذا بدأَ باليُسْرَى، ثم يستأنفُ لُبْسهَما على الترتيبِ المشروعِ لأنهُ قدْ فاتَ محلُّه. وهذا الحديثُ لا يدل على استحبابِ الانتعالِ لأنهُ قالَ إذا انتعلَ أحدُكم، ولكنَّه يدلُّ على مشروعيته ما

стр. 2371

أخرجَهُ مسلمٌ (١): "استكثرُوا منَ النِّعالِ، فإنَّ الرجلَ لا يزالُ راكِبًا ما انتعلَ"، أي يُشْبهُ الراكبَ في خفةِ المشقةِ، وقلةِ النَّصَبِ، وسلامةِ الرجل منْ أَذَى الطريقِ، فإنَّ الأمَرَ إذا لم يُحْمَلْ على الإيجابِ فهوَ للاستحبابِ. النهي من المشي في نعل واحدة ١٣/ ١٣٦٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْينْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي عنْ علي ﵁ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يمشِ أحدُكم في نعلٍ واحدةٍ، ولْيُنعِلْهما) بضمِّ حرفِ المضارعَةِ منْ أنعلَ كما ضبطَه النوويُّ، وضميرُ التثنيةِ للرجلينِ، وإنْ لم يجرِ لهما ذكرٌ [فإنهُ قد ذكرَ] (٣) ما يدلُّ عليهما منَ النعلِ (جميعًا، أو ليخْلَعْهما) أي النعلينِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ (٤): "أو ليحفِهما جميعًا"، وهوَ للقدمينِ (جميعًا. متفقٌ عليهِ) ظاهرُ النهي التحريمُ عن المشي في نعلٍ واحدةٍ. وحملهُ الجمهورُ على الكراهةِ، كأنهم جعلُوا القرينةَ حديثَ الترمذيِّ (٥) عنْ عائشةَ قالتْ: "ربَّما انقطعَ شسعُ نعل رسولِ اللَّهِ ﷺ فمشَى في النعلِ الواحدةِ حتَّى يُصْلِحهَا"، إلَّا أنهُ رجَّحَ البخاريُّ (٦) وقْفَهُ [على عائشة من فعلها] (٧). وقدْ ذكرَ رزينٌ (٨) عنْها قالتْ: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينتعلُ قائمًا، ويمشي في نعلٍ واحدٍ". واختلفُوا في علةِ النَّهْي، فقالَ قومٌ (٩): علَّتُه أن النعالَ شُرِعتْ لوقايةِ الرِّجْلِ عمَّا يكونُ في الأرضِ منْ شوكٍ ونحوِه، فإذا انفردتْ إحدَى الرِّجْلَيْنِ احتاجَ الماشي أنْ

стр. 2372

يتوقَّى لإحدَى رجليهِ ما لا يتوقَّى للأُخرى، فيخرجُ لذلكَ عنْ سجيةِ مِشْيَتِهِ، ولا يأمنُ معَ ذلكَ العثارَ. وقيلَ إنَّها مِشيةُ الشيطانِ. وقالَ البيهقيُّ (١): الكراهةُ لما في ذلكَ منَ الشهرةِ في الملابسِ. وقدْ وردَ في روايةٍ لمسلمٍ (٢): "إذا انقطعَ شسعُ أحدِكم فلا يمشِ في نعلٍ واحدةٍ حتَّى يصلِحَها". وتقدَّم ما [يعارضُه] (٣) منْ حديثٍ عائشةَ فيحملُ على الندبِ. وقدْ ألحقَ بالنعلينِ كلَّ لباسٍ شَفْعِ كالخفين. وقد أخرجَ ابنُ ماجهْ (٤) منْ حديثٍ أبي هريرةَ: "لا يمشِ أحدُكمْ في نعلٍ واحدةٍ، ولا خفٍّ واحدٍ"، وهوَ عندَ مسلمٍ (٥) منْ حديثٍ جابرٍ، وعندَ أحمدَ (٦) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ، وعندَ الطبرانيِّ (٧) منْ حديثٍ ابن عباسٍ (٨). وقالَ الخطابيُّ (٩): وكذَا إخراجُ اليدِ الواحدةِ منَ الكُمِّ دونَ الأُخْرى، [والتردي على أحد المنكبين دون الأخرى] (١٠). قلتُ: ولا يخْفَى أنَّ هذا منْ بابِ القياسِ، ولم تُعْلَم العِلَّةُ حتَّى يلحقَ بالأصلِ، فالأَوْلَى الاقتصارُ على محلِّ النصِّ، [والله أعلم] (١١). لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خُيلاء ١٤/ ١٣٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ

стр. 2373

إِلَى مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا ينظرُ اللَّهُ إلى مَنْ جرَّ ثوبَه خيَلَاءَ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، والمدِّ، البطرُ والكبرُ (متفقٌ عليهِ). نفيُ [نظرِ اللَّهِ بنفي] (٢) رحمتِه، أي لا يرحمُ اللَّهُ مَنْ جرَّ ثوبَه خُيلاءَ، سواءٌ كانَ منَ النساءِ أوِ الرجالِ. وقد فهمتْ ذلكَ أمُّ سلمةَ ﵄ فقالتْ عندَ سماعِها الحديثَ منهُ ﷺ : فكيفَ تصنعُ النساءُ بذيولهنَّ؟ فقالَ ﷺ : "يزدْنَ فيهِ شبرًا". [قالتْ] (٣): إذًا تنكشفُ أقدامُهنَّ، قالَ: " [فيرخينَهُ] (٤) ذِراعًا ولا تزدنَ عليهِ" أخرجَهُ النسائيُّ (٥)، والترمذيُّ (٦). والمراد بالذراعِ ذراعُ اليدِ وهوِ شبرانِ باليدِ المعتدِلَةِ، والمرادُ جرُّ الثوب على الأرضِ وهوَ الذي [يدلُّ] (٧) لهُ حديثُ البخاري (٨): "ما أسفلَ منَ الكعبيَنِ منَ الإزارِ في النارِ". وتقييدُ الحديثِ بالخيلاءِ دالُّ بمفهومهِ أنهُ لا يكونُ مَنْ جرَّه غيرَ خُيلاء داخلًا في الوعيدِ. وقدْ صرَّح بهِ ما أخرجَ البخاريُّ (٩) وأبو داودَ (١٠) والنسائيُّ (١١) أنهُ قالَ أبو بكرٍ ﵁ لما سمعَ هذا الحديثَ: "إنَّ إزاري يسترخي إلَّا أنْ أتعاهدَه، فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنكَ لستَ ممنْ يفعلُه خُيلاءَ"، وهوَ دليلٌ على اعتبارِ المفاهيمِ منْ هذا النوعِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١٢): إن من جرَّه لغيرِ الخيلاء مذمومٌ، قالَ النووي (١٣): مكروهٌ، وهذا نصُّ الشافعيِّ. وقدْ صرَّحتِ السنةُ أنَّ أحسنَ الحالاتِ أنْ يكونَ إلى نصفِ الساقِ كما أخرجَهُ الترمذيُّ (١٤)، والنسائيُّ (١٥) عنْ عبيدِ بن خالدِ قالَ: "كُنتُ أمشي وعليَّ بردٌ أجرُّه،

стр. 2374

فقالَ لي رجلٌ: ارفعْ ثوبَكَ فإنهُ أبقَى وأنقَى، فنظرتُ فإذا هوَ النبي ﷺ ، فقلتُ: إنَّما هيَ بردةٌ ملحاءُ، فقاكَ: ما لكَ فيَّ أسوةٌ، فنظرتُ فإذا إزارهُ إلى نصفِ ساقَيْهِ". وأما ما هوَ دونَ ذلكَ فإنهُ لا حرجَ على فاعلهِ إلى الكعبينِ، وما [دونَ] (١) الكعبينِ فهوَ حرامٌ إنْ كانَ للخيلاءِ، وإنْ كانَ لغيرِها فقالَ النوويُّ وغيرهُ: إنهُ مكروهُ. وقد يتجهُ أنْ يقالَ إنْ كانَ الثوبُ على قدرِ لابسهِ لكنَّه يسدلُه فانْ كانَ لا عنْ قصدٍ كالذي وقعَ لأبي بكرٍ ﵁ فهوَ غيرُ داخلٍ في الوعيدِ، وإنْ كانَ الثوبُ زائدًا على قَدْرِ لابسِه فهوَ ممنوعٌ منْ جهةِ الإسرافِ، محرَّم لأجلِه، ولأجلِ التشبهِ بالنساءِ، ولأجلِ أنهُ لا يأمنُ أنْ تعلق بهِ النجاسةُ. وقالَ ابنُ العربيِّ (٢): لا يجوزُ للرجلِ أنْ يجاوزَ بثوبهِ كعبَه ويقول: لا أجرُّهُ خيلاء، لأنَّ النّهي قدْ تناولَه لفظًا، ولا يجوزُ لمنْ يتناولُه اللفظُ أنْ يخالِفَه إذْ صارَ حكمهُ أنْ يقولَ لا أمتثلُه، لأنَّ تلكَ العلةَ ليستْ فيَّ، فإنَّها دعْوى غيرُ مسلَّمةٍ بلْ إطالةُ ذيلهِ [يستلزم الخيلاء] (٣) دالةٌ علَى تكبُّرِهِ اهـ. وحاصلُه أن الإسبالَ يستلزمُ جرَّ الثوب، وجرُّ الثوبِ يستلزمُ الخُيلاء، ولوْ لمْ يقصدْه اللابسُ. وقدْ أخرجَ ابنُ منيعٍ (٤) عن ابن عمرَ في أثناء حديثٍ رفعَه: "إياكَ وجرَّ الإزارِ، فإنَّ جرَّ الإزارِ منَ المخيلةِ". وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (٥) منْ حديثٍ أبي أمامةَ، وفيهِ قصةٌ لعمروِ بن زرارة الأنصاريِّ: "إنَّ اللَّهَ لا يحبّ المسبلَ". والقصةُ أن أبا أمامةَ قالَ: "بينَما نحنُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ لحقَنا عمروُ بنُ زرارةَ [الأنصاريُّ] (٦) في حُلَّةِ إزارٍ ورداءٍ قدْ أسبلَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأخذُ بناحيةِ ثوبهِ ويتواضعُ للَّهِ، ويقولُ: عبدُك وابنُ عبدكَ وأَمَتِكَ. حتى سمعَها عمروُ فقالَ: يا رسُولَ اللَّهِ، إني حمشُ الساقينِ فقالَ: يا عمرُو، إنَّ اللَّهَ قدْ أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقه، إنَّ اللَّهَ لا يحبُّ المسبلَ". وأخرجَهُ (٧) [الطبراني] (٨) عنْ عمروِ بن

стр. 2375

زرارةَ وفيهِ: "وضربَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أربعَ أصابعَ تحتَ ركبةِ عمروٍ وقالَ: يا عمرُو، وهذا موضعُ الإزارِ، ثمَّ ضربَ بأربعِ أصابعَ تحت الأربعِ ثم قالَ: يا عمرُو وهذَا موضعُ الإزارِ" الحديثُ، ورجالُه ثقاتٌ. وحكمُ غيرِ الثوبِ والإزارِ حكْمُهما، وكذلكَ لما سألَ شعبةُ محاربَ بنَ دثارٍ قالَ شعبةُ: أذكرَ الإزارَ؟ قالَ: ما خصَّ إزارًا ولا قميصًا. ومقصودُه أن التعبيرَ بالثوبِ يشملُ الإزارَ وغيرَه. وأخرجَ أهل السننِ (١) إلَّا الترمذيَّ عن ابن عمرَ عنْ أبيهِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "الإسبالُ في الإزارِ والقميصِ والعمامةِ، منْ جرَّ شيئًا منها خُيلاء لم ينظرِ اللَّهُ إليهِ يومَ القيامةِ"، وإنْ كانَ في إسناده عبدُ العزيزِ بنُ أبي روادَ، وفيهِ مقالٌ، قالَ ابنُ بطالٍ (٢): وإسبالُ العمامةِ المرادُ بهِ [إرسالُ] (٣) العذبةِ زائدًا على ما جرتْ بهِ العادةُ. وأخرجَ النسائيُّ (٤) منْ حديثٍ عمروِ بن أميةَ أن النبيَّ ﷺ : "أرخَى طرفَ عمامتِه بينَ كتفيهِ"، وكذلكَ تطويلُ [أكمامِ] (٥) القميصِ زيادةً على المعتادِ كما يفعلُه بعضُ أَهلِ الحجازِ إسبالٌ محرَّمٌ. وقدْ نقلَ [القاضي] (٦) عياضٌ (٧) عن العلماءِ كراهةَ كلِّ ما زادَ على العادةِ وعلَى المعتادِ في اللباسِ منَ الطولِ والسَّعةِ. قلت: وينبغي أنْ يُرَادَ بالمعتادِ ما كانَ في عصرِ النبوةِ. لا يأكل ولا يشرب بشماله ١٥/ ١٣٧٠ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأَكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَكْلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٨). [صحيح]

стр. 2376

(وعنهُ) أي ابن عمرَ ﵄ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا أكلَ أحدُكم فليأكلْ بيمينهِ، وإذا شربَ فليشربْ بيمينهِ، فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالهِ، ويشربُ بشمالهِ. أخرجَهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ الأكلِ والشربِ بالشمالِ، فإنهُ علَّلَهُ بأنهُ فعلُ الشيطانِ وخُلُقُهُ. [والمسلمُ] (١) مأمورٌ بتجنبِ طريقِ أهلِ الفسوقِ فضلًا عن الشيطانِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يُسْتَحَبُّ الأكلُ باليمينِ والشربُ بِها لا أنهُ بالشمالِ محرَّمٌ. وقد زادَ نافعٌ: الأخذُ والإعطاءُ. لا يحل مجاوزة الحد في أي شيء ١٦/ ١٣٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبِسْ، وَتَصَدَّقْ في غَيرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [حسن] (وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : كلْ واشربْ، والبسْ وتصدَّقْ في غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيْلَةٍ) بالخاءِ المعجمةِ، ومثناةٍ تحتيةٍ، وزنُ عظيمةٍ، التكبرُ (أخرجَهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وعلَّقهُ البخاريِّ). دلَّ على تحريم الإسرافِ في المأكلِ والمشْربِ والملْبَسِ والتصدقِ. وحقيقةُ الإسرافِ مجاوزةُ الحدِّ في كلِّ فعلٍ، أو قولٍ، وهوَ في الإنفاقِ أَشْهَرُ. والحديثُ مأخوذٌ منْ قول الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٥)، وفيه تحريمُ الخُيَلَاءِ والكِبْرِ. قالَ عبدُ اللطيفِ البغداديُّ (٦): هذا الحديثُ جامعٌ لفضائلِ تدبيرِ الإنسانِ نفسهِ، وتدبيرُ مصالحِ النفسِ والجسدِ في الدُّنيا والآخرةِ، فإنَّ السرَفَ في كلِّ شيءٍ مضر بالجسدِ، ومضر بالمعيشةِ، ويؤدي إلى الإتلافِ، فيضرُّ بالنفسِ إذا كانتْ

стр. 2377

تابعةً للجسدِ في أكثرِ الأحوالِ، والمخيلةُ تضرُّ بالنفسِ حيثُ تُكْسِبُها العُجْبَ، وتضرُّ بالآخرةِ حيثُ يُكْسِبُ الإثمَ، وبالدنيا حيثُ يكسبها المقْتَ منَ الناسِ. وقد علَّق البخاريِّ (١) عن ابن عباسٍ: "كلْ ما شِئْتَ واشربْ ما شئْتَ ما أخطأتْكَ [اثنتانَ] (٢): سرفٌ ومَخِيْلَةٌ". * * *

стр. 2378

[الباب الثاني] باب البر والصلة البِرُّ بكسرِ الموحدةِ التوسُّعُ في فعلِ الخيرِ. والبَرُّ بفتحِها المتوسعُ في الخيراتِ، وهو منْ صفاتِ اللَّهِ تعالى. والصلةُ بكسرِ الصادِ المهملةِ مصدرُ وصله كوعدهَ عِدَةً. في النهايةِ تكرَّرَ في الحديثِ صلةُ الأرحامِ، وهيَ كنايةٌ عن الإحسانِ إلى الأقربينَ منْ ذوي النسبِ والأصهارِ، والتعطفِ عليهم، والرفقِ بهم، والرعايةِ لأحوالِهم، وكذلكَ إنْ بعدوا وأساءُوا، وضدُّ ذلكَ قطيعةُ الرحمِ. اهـ. يبارك الله في العمر بصلة الرحم ١/ ١٣٧٢ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزِقْهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يبْسَطَ) أي يبسطُ اللَّهُ (لَهُ في رِزْقِهِ) أي يوسعُ لهُ فيهِ، (وَأَنْ يُنْسَأَ) مثلُه مغير صيغة بالسينِ المهملةِ مخففةً، أي يؤخرُ لهُ (في أَثَرِهِ) بفتحِ الهمزةِ والمثلثةِ فراء، أي أَجَلِه، (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). وأخرجَ الترمذيُّ (٢) عنْ أبي هريرةَ: "أنَّ صلةَ الرحمِ محبَّةٌ في الأهلِ، مثراةٌ في المالِ، منسأةٌ في الأجلِ". وأخرجَ أحمدُ (٣) عنْ عائشةَ ﵂ مرفُوعًا: "صلةُ الرحمِ وحسنُ الجوارِ يعمرانِ الديارَ، ويزيدانِ في

стр. 2379

الأعمارِ". وأخرجَ أبو يَعْلَى (١) منْ حديثٍ أنسٍ مرفُوعًا: "إنَّ الصدقةَ وصلةَ الرحمِ يزيدُ اللَّهُ بهما في العمرِ، ويدفعُ بهما مِيْتَةَ السوء"، وفي سندهِ ضعفٌ. قالَ ابنُ التينِ (٢): ظاهرُ الحديثِ أي حديثٍ البخاريِّ معارِضٌ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣) قالَ: والجمعُ بينَهما منْ وجهينِ: أحدِهما أن الزيادةَ كنايةٌ عن البركةِ في العمرِ بسببِ التوفيقِ للطاعةِ، وعمارةِ وقتهِ بما ينفعُه في الآخرةِ، وصيانتِهِ عن تضييعِه في غيرِ ذلكَ، ومثلُ هذا ما جاءَ [أَنَّ] (٤) النَّبيَّ (٥) ﷺ تقاصرَ أعمارَ أمتهِ بالنسبةِ إلى منْ مضى منَ الأممِ، فأعطاهُ اللَّهُ ليلةَ القدرِ. وحاصلهُ أن صلةَ الرحمِ تكونُ سببًا للتوفيقِ للطاعةِ، والصيانةِ عن المعصيةِ، فيبقَى بعدهَ الذكر الجميلُ فكأنهُ لم يمتْ. ومنْ جملةِ ما يحصلُ لهُ منَ التوفيقِ العلمُ الذي ينتفعُ بهِ مَنْ بعدَه بتأليفٍ ونحوِه، والصدقةُ الجاريةُ عليهِ، والخلفُ الصالحُ. وثانيهمَا: أن الزيادةَ على حقيقتِها، وذلكَ بالنسبةِ إلى علمِ الملكِ الموكَّلِ بالعمرِ، والذي في الآيةِ بالنسبةِ إلى علمِ اللَّهِ كأن يُقالَ للملَكِ مثلًا: إنَّ عمُرَ فُلانِ مِائةٌ إنْ

стр. 2380

وصلَ رحِمهُ، وإنْ قَطَعَها فستُّونَ، وقدْ سبق في علمِهِ تعالى أنَّهُ يَصِلُ أوْ يَقْطعُ، فالذي في علمِ اللَّهِ لا يتقدمُ ولا يتأخرُ، والذي في علمِ الملَكِ هوَ الذي يمكنُ فيهِ الزيادةُ والنقصُ وإليهِ الإشارة بقولِه تعالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (١)؛ فالمحو والإثباتُ بالنسبهِ إلى ما في علمِ الملكِ وما في أمِّ الكتابِ، وأما الذي في علمِ اللَّهِ سبحانه فلا محوَ فيهِ ألبتةَ. ويقالُ لهُ القضاءُ المبرَمُ، ويقال للأولِ القضاءُ المعلَّقُ، انتهى. والوجهُ الأولُ أَلْيَقُ؛ فإنَّ الأثرَ ما يَتْبَعُ الشيءَ فإذا أخِّر حَسُنَ أنْ يحملَ على الذكرِ الحسنِ بعدَ فَقْدِ المذكورِ، ورجَّحه الطيبي (٢)، وأشارَ إليهِ في الفائقِ (٣). ويؤيدهُ ما أخرجَهُ الطبراني (٤) في الصغيرِ بسندٍ ضعيفٍ عنْ أبي الدرداءِ قالَ: ذُكِرَ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ وصلَ رحِمَهُ أُنْسِئَ لهُ في أجلهِ؟ فقالَ: "إنهُ ليسَ زيادةً في العمر، قالَ تعالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ولكنَّ الرجلَ تكونُ لهُ الذريةُ الصالحةُ يدعونَ لهُ منْ بعدِه"، وأخرجَهُ في الكبيرِ (٥) مرفوعًا منْ طريقٍ أُخْرَى. وجزم (٦) ابنُ فَوْرَكِ بأنَّ المرادَ بزيادةِ العمرِ نفيُ الآفاتِ عنْ صاحبِ البرِّ في فهمهِ وعقلهِ. وقالَ غيرهُ: في أعمَّ منْ ذلكَ، وفي وجود البركة في عمله ورزقِه. ولابنِ القيمِ في كتابِ الداءِ والدواءِ (٧) كلامٌ [يقضي] (٨) بأنَّ مدةَ حياةِ العبدِ وعمرِه هي مهْمَا كانَ قلبهُ مقِبلًا على الله تعالى، ذاكرًا لهُ، مطيعًا غيرَ عاصٍ فهذهِ هيَ عمرهُ [وحياته] (٩)، ومتى أعرض القلبُ عن اللَّهِ تعالَى، واشتغلَ بالمعاصي ضاعتْ عليهِ أيامُ حياةِ عمرهِ، فعلَى هذا أنهُا ينسأُ لهُ في أَجلهِ، أي يعمرُ اللَّهُ قلبَه بذكرِه وأوقاتهِ بطاعتهِ. ويأتي تحقيقُ صلةِ الرحمِ.

стр. 2381

عقوبة قاطع الرحم ٢/ ١٣٧٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ" يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] في شرح قوله: (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ - يعني قاطعَ رحمٍ - متفقٌ عليهِ). وأخرجَ أبو داودَ (٢) منْ حديثٍ أبي بُكْرةَ يرفعهُ: "ما منْ ذنبٍ أجدرُ أنْ يعجِّلَ اللَّهُ لصاحبهِ العقوبةَ في الدنيا معَ ما ادخرَ اللَّهُ لهُ في الآخرةِ منْ قطيعةِ الرحمِ". وأخرجَ البخاريُّ في الأدب المفردِ (٣) منْ حديثٍ أبي هريرةَ [يرفعهُ] (٤): "إن أعمالَ أمتي تُعْرَضُ عشيةَ الخميَس ليلةَ الجمعةِ، فلا يقبلُ عملَ قاطعِ رحمٍ". وأخرجَ فيهِ (٥) منْ حديثٍ ابن أبي أَوْفَى: "إنَّ الرحمةَ لا تنزلُ على قومٍ فيهم قاطعُ رحمٍ". وأخرجَ الطبراني (٦) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: "إنَّ أبوإبَ السماءِ مغلقةٌ دونَ قاطعِ الرحمِ". واعلمْ أنهُ اختلفَ العلماءُ في [حدِّ] (٧) الرَّحِمِ التي تجبُ صلتُها، [ويحرم قطعها] (٨)، فقيلَ: هيَ الرحمِ التي يحرمُ النكاحُ بينهَما، بحيثُ لوْ كانَ أحدُهما ذكرًا حرمُ على الآخرِ. فعلَى هذا لا يدخلُ أولادُ الأعمامِ، ولا أولادُ الأخوالِ. واحتجَّ هذا القائلُ بتحريمِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وخالتِها في النكاحِ لما يؤدي إليهِ منَ التقاطعِ. وقيلَ: هوَ مَنْ كانَ متصلًا

стр. 2382

بميراثٍ. ويدلُّ عليهِ قولُه (١) ﷺ : "أدناكَ أدناك". وقيلَ مَنْ كانَ بينَه وبينَ الآخرِ قرابةٌ سواءٌ كانَ يرثُه أَوْ لا. ثمَّ صلةُ الرحمِ كما قالَ القاضي عياضٌ: درجات بعضُها أرفعُ منْ بعضٍ، وأدْناها تركُ المهاجرةِ، وصلتُها بالكلام ولو بالسلامِ، ويختلفُ ذلكَ باختلافِ القدرةِ والحاجةِ، فمنْها واجبٌ، ومنْها مستحبٌ، فلو وصلَ بعضَ الصلةِ ولم يصلْ غايتَها لم يُسَمَّ قاطعًا، ولو قصرَ عما [يقدرُ] (٢) عليهِ وينبغي لهُ: لم يسمَّ واصلًا. قالَ القرطبيُّ (٣): الرحمُ التي توصلُ عامةٌ وخاصةٌ، فالعامةُ رحمُ الدينِ، وتجبُ صلتُها بالتوادُدِ، والتناصحِ، والعدلِ، والإنصافِ، والقيامِ بالحقوقِ الواجبةِ والمستحبَّةِ. والرحمُ الخاصةُ تزيدُ بالنفقةِ على القريبِ وتَفَقُّدِ حالِه، والتغافلِ عنْ زلَّتهِ. وقالَ ابنُ جمرةَ (٤): المعنَى الجامعُ إيصالُ ما أمكنَ منَ الخيرِ، ودفعُ ما أمكنَ منَ الشرِّ بحسبِ الطاقةِ، وهذا في حقّ المؤمنينَ. وأما الكفارُ والفساقُ [فتجبُ] (٥) المقاطعةُ لهم إذا لم تنفعِ الموعظةُ. واختلفَ العلماءُ أيضًا بأيِّ شيءٍ تحصلُ القطيعةُ للرحمِ، فقالَ الزينُ العراقيُّ: تكونُ بالإساءةِ إلى الرحمِ، [وقالَ] (٦) غيرهُ: [تكونُ] (٧) بتركِ الإحسانِ لأن الأحاديثَ آمرةٌ بالصلةِ، ناهيةٌ عن القطيعةِ، ولا واسطةَ بينَهما، والصلةُ نوعٌ منَ الإحسانِ كما فسرَّها بذلكَ غيرُ واحدٍ، والقطيعةُ ضدُّها، وهيَ تركُ الإحسانِ. وأما ما أخرجَهُ الترمذيُّ (٨) منْ قولهِ ﷺ : "ليسَ الواصلُ بالمكافئِ، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا [قُطِعَتْ] (٩) رحمهُ وصلَها"؛ فإنهُ ظاهرٌ في أن الصلةَ إنَّما هيَ ما كانَ

стр. 2383

للقاطِع صلةَ رحمهِ، وهذا على روايةٍ قُطِعَتْ بالبناءِ للفاعلِ، وهي روايةٌ، فقالَ ابنُ العربيِّ في شرحِه: المرادُ الكاملةُ في الصلةِ. وقالَ الطيبيُّ (١): معناهُ ليسَ حقيقةُ الواصلِ، ومنْ يعتدُّ بصلتِه مَنْ يكافئ صاحبَه بمثل [فعلِه] (٢)، ولكنَّ مَنْ يتفضلُ على صاحبهِ، قالَ المصنفُ: لا يلزم مِنْ نفي الوصلِ ثبوتُ القطع، فهمْ ثلاثُ درجاتٍ: مواصل، ومكافئٌ، وقاطعٌ، فالواصلُ هوَ الذي يتفضلُ ولا يُتَفَضَّلُ عليهِ، والمكافئُ الذي لا يزيدُ في الإعطاءِ على ما يأخذُه، والقاطعُ [هو] (٣) الذي لا يُتَفَضَّلُ عليهِ، ولا يَتَفَضَّلُ. قالَ الشارحُ: وبالأَوْلى أن من تفضل عليهِ ولا يَتَفضَّلُ أنهُ قاطعٌ. قالَ المصنفُ: وكما تقعُ المكافأةُ بالصلةِ مِنَ الجانبيْنِ كذلكَ تقعُ بالمقاطعةِ من الجانبين، فمنْ بدأَ فهوَ القاطعُ، فإنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جازاهُ مكافِئًا. النهي عن عقوق الوالدين ٣/ ١٣٧٤ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرّمَ عَلَيكُمْ: عُقُوقَ الأُمّهَاتِ، وَوَأدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعّا وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِن اللَّهَ حَرّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمُّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الأمهاتُ جمعُ [أمهةٍ] (٥) لغةً في الأمِ، ولا تطلقُ إلَّا على مَنْ يعقلُ بخلافِ أمِّ فإنَّها تعمُّ. وإنَّما خُصَّتِ الأمُّ هنا إظهارًا لعِظَمِ حقِّها، وإلَّا فالأبُ محرَّمٌ عقوقُه، وضابطُ العقوقِ المحرَّمِ كما نقلَ خلاصتَه عن البُلقيني، وهوَ أنْ يحصلَ منَ الولدِ للأبوْينِ أوْ أحدهما إيذاءٌ ليسَ بالهيِّنِ عرفًا، فيخرجُ منْ هذا ما إذا حصلَ منَ الأبوينِ أمرٌ أو نَهْيٌ فخالفَهما بما لا يعدُّ في العرفِ مخالفتُه

стр. 2384

عقوقًا، فلا يكونُ ذلكَ عقوقًا، وكذلِكَ لو كانَ مثلًا على الأبوينِ دينٌ للولدِ، أو حقٌّ شرعي فرافعُه إلى الحاكمِ فلا يكونُ ذلكَ عقوقًا كما وقعَ منْ بعضِ أولاد الصحابةِ شكايةُ الأبِ إلى النبيِّ ﷺ في احتياجهِ [لِمَالِهِ] (١)، فلمْ يعدَّ النبي ﷺ شكايتَه عقوقًا. قلتُ: في هذا تأملٌ، فإنَّ قولَه ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (٢) دليلٌ على نهيهِ عنْ منعِ أبيهِ عنْ مالهِ، وعنْ شكايتِه، ثمَّ قالَ صاحبُ الضابطِ: فعلَى هذا، العقوقُ أنْ يؤذيَ الولدُ أحدَ أبويْهِ بما لو فعلَه معَ غيرِ أبويْهِ كانَ محرَّمًا منْ جملةِ الصغائرِ، فيكونُ في حقِّ الأبويْنِ كبيرةً، أو مخالفةَ الأمرِ أو النهْي فيما يدخلُ فيهِ الخوفُ على الولدِ منْ فواتِ نفسهِ، أو عضوٍ منْ أعضائِه في غيرِ الجهادِ الواجبِ عليهِ، أوْ مخالفتَهما في سفرٍ يشقُّ عليهمَا وليسَ بفرضٍ على الولدِ، أو في غيبةٍ طويلةٍ فيما ليسَ لطلبِ علمٍ نافع أو كسبٍ، أوْ تركِ تعظيمِ الوالدينِ، فإنهُ لو قدمَ عليهِ أحدَهما ولم يقمْ [إليهِ] (٣) أو قطَّبَ في وجههِ، فإنَّ هذا وإنْ لم يكنْ في حقِّ الغيرِ معصيةً، فهوَ عقوق في حقِّ الأبوينِ. قولُه: "ووأدَ البناتِ" بسكونِ الهمزة هوَ دفنُ البنتِ حية، وهوَ محرَّم، وخصَّ البناتِ لأنهُ الواقعُ منَ العربِ، فإنَّهمْ كانوا يفعلونَ ذلكَ في الجاهليةِ كراهة لهنَّ. يقالُ: أولُ مَنْ فعلَه قيسُ بنُ عاصم التميمي (٤)، وكانَ منَ العربِ مَنْ يقتلُ أولادَه مطلقًا خشيةَ الفاقةِ والنفقةِ. وقولُه:

стр. 2385

"منعًا وهاتِ" المنعُ مصدرٌ منْ منعَ يمنعُ، والمرادُ منعُ ما أمرَ اللَّهُ تعالى به أنْ لا يمنعَ، وهاتِ فعلُ أمرٍ مجزومٌ، والمرادُ به النَهيُ عنْ طلبِ ما لا يستحقُّ طلبَه. وقولُه: "وكرهَ لكم قيلَ وقالَ" يروى بغيرِ تنوينٍ حكايةَ للفظِ الفعلِ: ورُوِيَ منونًا وهي في رواية البخاريِّ (١)، قيلًا وقالًا، على بالنقلِ منَ الفعليةِ إلى الاسميةِ والأولُ أكثرُ. والمرادُ بهِ نقلُ الكلام الذي [يسمعهُ] (٢) إلى غيرهِ، فيقولُ: قيلَ كذَا وكذَا بغيرِ تعيينِ القائلِ، وقالَ فلان كذَا وكذَا، وإنَّما نَهَى عنهُ لأنهُ منَ الاشتغالِ بما لا يعني المتكلِّم، ولكونهِ قدْ يتضمنُ الغيبةَ والنميمةَ والكذبَ لا سيَّما معَ الإكثارِ منْ ذلكَ قلَّما يخلو عنهُ، قالَ المحبُّ الطبريُّ: فيهِ ثلاثةُ أوْجْهٍ: أحدُها: أنَّهما مصدرانِ للقولِ، تقولُ: قلتُ قولًا وقيلًا. وفي الحديث الإشارةُ إلى كراهةِ كثرةِ الكلامِ. ثانيها: إرادةُ حكايةِ أقاويلِ الناسِ، والبحثُ عنْها لتخبرَ عنْها فيقول قالَ فلانٌ كذَا، وقيلَ لهُ كذا. والنهيُ عنهُ إما للزجرِ عن الاستكثار [منهُ] (٣)، وإما لما يكرهه المحْكَى عنهُ. ثالثُها: أن ذلكَ حكايةُ الاختلافِ في أمورِ الدينِ كقولِه: قالَ فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذَا. ومحل كراهةِ ذلكَ في أنْ يكثرَ [منهُ] (٤) بحيثُ لا يأمنْ منَ الزللِ، وهوَ في حقِّ منْ ينقلُ بغيرِ تثبتِ في نقلهِ لما يسمعُه ولا يحتاطُ لهُ، ويؤيدُ هذا الحديثَ الصحيحَ: "كفَى بالمرءِ إثمًا أن يحدِّثَ بكلِ ما سمعَ"، أخرجه مسلمٌ (٥). قلتُ: ويحتملُ إرادةُ كلٍّ منَ الثلاثةِ. وقولُه: "وكثرةُ السؤالِ" هوَ السؤالُ للمالِ أو عن المشكلاتِ منَ المسائلِ، أو مجموعُ الأمريْنِ وهوَ أَوْلَى. وتقدَّمَ في الزكاة تحريمُ مسألة المالِ، وقدْ نَهَى عن الأغلوطاتِ. أخرجَهُ أبو داودَ (٦)، وهي المسائلُ التي يغلطُ بها العلماءُ ليزلُّوا، فينتجَ بذلكَ شرٌّ وفتنةٌ. وإنَّما نهَى عنْها

стр. 2386

لكونها غيرَ نافعةٍ في الدين، ولا يكادُ أنْ يكونَ إلَّا فيما لا ينفعُ. وقدْ ثبتَ عنْ جمع منَ السلفِ كراهة تكلُّفِ المسائلِ التي [يستحيلُ] (١) وقوعُها عادةً، أوْ يندرُ وقوعُها جدًّا لما في ذلكَ منَ التنطعِ، والقولُ بالظنِّ الذي لا يخلُو صاحبُه عن الخطأِ. وقيلَ: كثرةُ السؤالِ عنْ أخبارِ الناسِ، وأحداثِ الزمانِ، وكثرةِ سؤالِ إنسانٍ معينٍ عنْ تفاصيلِ حالِه وكانَ مما يكرهُه المؤوِّلُ. وقولُه: "وإضاعةُ المالِ" المتبادرُ منَ الإضاعةِ ما لم يكنْ لغرضٍ دينيٍ ولا دنيويٍ، وقيلَ هوَ الإسرافُ في الإنفاقِ. وقيدَه بعضُهم [بالإنفاقِ في الحرام] (٢). ورجَّحَ المصنفُ أنهُ ما أُنفِقَ في غير وجهه المأذونِ فيه شرعًا، سواءٌ كانتْ دينيةً أو دنيويةً، لأنَّ اللَّهَ تعالَى جعلَ المالَ قيامًا لمصالحِ العبادِ، وفي التبذيرِ تفويتُ تلكَ المصالحِ، إما في حقِّ صاحبِ المالِ، أو في حقِّ غيرِه. قالَ: والحاصلُ أن في كثرةِ الإنفاقِ ثلاثةَ وجوهٍ: الأولُ: [الإنفاقُ] (٣) في الوجوهِ المذمومةِ شرْعًا، ولا شكَّ في تحريمهِ. والثاني: الإنفاقُ في الوجوهِ المحمودةِ شرْعًا، ولا شكَّ في كونهِ مطلوبًا ما لم يفوِّتْ حقّا آخرَ أهمَّ منْ ذلكَ المنفقِ فيهِ. الثالثُ: الإنفاقُ في المباحاتِ، وهوَ منقسمٌ إلى قسمينِ، أحدِهما أن يكونَ على وجهٍ يليقُ بحالِ المنفقِ، وبقدرِ مالهِ فهذا ليسَ بإضاعةٍ ولا إسرافٍ، والثاني أنْ يكونَ فيما لا يليقُ عُرْفًا، فإنْ كانَ لدفعِ مفسدةٍ إما حاضرةً أو متوقعةً فذلكَ ليسَ بإسرافٍ، وإنْ لم يكنْ كذلكَ فالجمهورُ على أنهُ إسرافٌ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): ظاهرُ القرآنِ أنهُ إسرافٌ وصرَّحَ بذلكَ القاضي (٥) حسينٌ فقالَ في كتاب قسمِ الصدقاتِ: هوَ حرامٌ، وتبعُه الغزاليُّ (٦)، وجزمَ بهِ الرافعيُّ (٧) في الكلام على الغارمِ، وقالَ الباجيُّ (٨) منَ المالكيةِ: إنهُ يحرمُ استيعابُ جميعِ المالِ بالصدقةِ. قالَ: ويُكْرَهُ كثرةُ [الإنفاق] (٩) في مصالح الدُّنيا، ولا بأسَ بهِ إذا وقعَ نادرًا

стр. 2387

لِحَادثٍ كضيفٍ أو عيدٍ أو وليمةٍ. والاتفاقُ على كراهةِ الإنفاقِ في البناءِ الزائدِ على قدْرِ الحاجةِ، ولا سيَّما [إذا] (١) انضافَ إلى ذلكَ المبالغةُ في الزخرفةِ، وكذلكَ احتمالُ الغبنِ الفاحش في المبايعاتِ بلا سببٍ. وقالَ السبكيُّ (٢) في الحلبياتِ: وأما إنفاقُ المالِ في الملاذِّ المباحةِ فهوَ موضعُ اختلافٍ، وظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٣)، أن الزائدَ الذي لا يليقُ بحال المنفقِ إسرافٌ. ومَنَ بذلَ مالًا كثيرًا في عرَضٍ يسيبر فإنهُ يعدُّهُ العقلاءُ مضيِّعًا، انتهى. وقدْ تقدَّم الكلامُ في الزكاةِ على التصدُّق بجميعِ المالِ بما فيهِ كفايةٌ. برُّ الوالدين من رضى الله ٤/ ١٣٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العَاصِ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "رِضى اللَّهِ في رِضى الوالدَين، وَسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٥)، وَالْحَاكِمُ (٦). [حسن] (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: رِضا اللَّهِ في رِضا الولدَين، وَسَخطُ اللَّهِ في سَخَطِ الْوَالِدَين. أَخْرَجَة التِّرْمِذِيُّ وَصَحَحَة ابْن حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ رضى الولدِ لوالديْهِ، وتحريمِ إِسخاطِهما؛ فإنَّ الأولَ فيهِ مرضاةُ اللَّهِ، والثاني: فيهِ سخطُه، فيقدَّمُ رضاهُما على فعلِ ما

стр. 2388

يجبُ عليهِ مِنْ فروضِ الكفايةِ كما في حديث ابن عمرَو (١): "أنهُ جاءَ رجلٌ [يستأذِنُ رسول الله] (٢) ﷺ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والداكَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: ففيهِمَا فجاهدْ". وأخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ: "أن رجلًا هاجرَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ منَ اليمنِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إني قدْ هاجرتُ، قالَ: هلْ لكَ أهلٌ باليمنِ؟ فقالَ: أبوايَ، قالَ: أذِنا لكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فارجعْ فاستأذنْهما، فإنْ أذِنَا لكَ فجاهدْ، وإلا فبرَّهُما". وفي إسنادِه مختلَفٌ فيهِ، وكذلكَ غيرُ الجهادِ منَ الواجباتِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ من العلماءِ كالأميرِ الحسين ذكرَهُ في الشفاءِ، والشافعيِّ فقالُوا: يتعيَّنُ تركُ الجهادِ إذا لم يرضَ الأبوانِ، إلا فرضَ العينِ كالصلاةِ [الواجبة] (٤)، فإنَّها تقدَّمُ وإنْ لم يرضَ بها الوالدان بالإجماعِ. وذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يجوزُ فعلُ فرضِ الكفايةِ والمندوبِ وإنْ لم يرضَ الأبوانِ ما لم يتضرَّرْ بسببِ فقدِ الولدِ، وحملُوا الأحاديثَ على المبالغةِ في حقِّ الوالدينِ وأنهُ يتبعُ رضَاهُما في ما لم يكنْ في ذلكَ سخطُ اللَّهِ كما قالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٥). قلتُ: الآيةُ إنَّما هيَ فيما إذا حملاهُ على الشركِ ومثلُه غيرُه منَ الكبائرِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يطيعُهما في ترك فرضِ الكفايةِ والعينِ، لكنَّ الإجماعَ خصَّص فرضَ العينِ، وأما إذا تعارضَ حقُّ الأبِ وحقُّ الأمِّ، فحقُّ الأمّ [أقدم] (٦) لحديثِ البخاريِّ (٧): "قالَ رجلٌ يا

стр. 2389

رسولَ اللهِ مَنْ أحقُّ بحسنِ صحبتي؟ قالَ: أمكَ ثلاثَ مراتٍ، ثمَّ قالَ: أبوكَ"، فإنهُ دل على تقديمِ رضَا الأمِّ على رضَا الأبِ، قالَ ابنُ بطالٍ (١): مقتضاهُ أنْ يكونَ للأمِّ ثلاثةُ أمثالِ ما للأبِ، قالَ: وكأن ذلكَ لصُعوبةِ الحملِ ثمَّ الوضعِ ثمَّ الرضاعِ. قلتُ: وإليهِ الإشارةُ بقولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٢)، ومثلُها: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (٣). قالَ القاضي عياضٌ (٤): ذهبَ الجمهورُ إلى أن الأمَّ تُفَضَّلُ على الأب في البرِّ، ونقلَ الحارثُ المحاسبيُّ الإجماعَ على هذَا. واختلفُوا في الأخِ والجدَ مَنْ أحقُّ ببرِّه منْهما؟ [فقالَ] (٥) القاضي (٦): الأكثرُ الجدُّ، [وبه جزم الشافعي] (٧). ويقدَّم من أدلى بسببين على من أدلى بسببٍ، ثم القرابةُ منْ ذوي الرحمِ، ويقدَّم منْهم المحارِمُ على مَنْ ليسَ بمحرَمٍ، ثم العصباتُ، ثمَّ المصاهرةُ، ثم الولاءُ، ثم الجارُ. وأشارَ ابنُ بطالٍ إلى أن الترتيبَ حيثُ لا يمكنُ البرُّ دفعةً واحدةً. ووردَ في تقديمِ الزوجِ ما أخرجهَ أحمدُ والنسائيُّ، وصحَّحُه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ: "سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ الناسِ أعظمُ حقًّا على المرأةِ؟ قالَ: زوجُها، قلتُ: فعلَى الرجلِ؟ قالَ: أُمُّه". ولعلَّ مثلَ هذا مخصوصٌ بما إذا حصلَ التضررُ مع الوالدين؛ فإنهُ يقدَّمُ حقهما على حقِّ الزوجِ جَمْعًا بينَ الأحاديثِ. حق الجار أن يحبَّ له ما يحب لنفسه ٥/ ١٣٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أو لأخيه - مَا يُحِبُ لِنَفْسِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ وقعَ في لفظِ مسلمِ بالشكِّ

стр. 2390

في قوله لأخيهِ أو لجارهِ، ووقعَ في البخاريِّ لأخيهِ بغيرِ شكٍّ. الحديثُ دليلٌ على عِظَم حقِّ الجارِ والأخِ، وفيه نفيُ الإيمانِ عمنْ لا يحبُّ لهما ما يحبُّ لنفسِه. وتأوَّله العلماءُ بأنَّ المرادَ نفُي كمالِ الإيمانِ [عمن لا يحب لهما] (١)، إذْ قدْ عُلِمَ منْ قواعد [الشريعةِ] (٢) أن مَنْ لم يتصفْ بذلكَ [لا يخرجُ] (٣) عن الإيمانِ، وأطلقَ المحبوبَ، ولم يعيِّنْ. وقدْ عيَّنه ما في روايةِ النسائيِّ (٤) في هذا الحديثِ بلفظِ: "حتَّى يحبَّ لأخيهِ منَ الخيرِ ما يحبُّ لنفسهِ"، قالَ العلماءُ: والمرادُ: منَ الطاعاتِ والأمورِ المباحةِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وهذا قدْ يعدُّ منَ الصعبِ الممتنعِ، وليسَ كذلكَ؛ إذْ معناهُ لا يكملُ إيمانُ أحدكم حتى يحبَّ لأخيهِ في الإسلامِ ما يحبُّ لنفسِه مِنَ الخيرِ، والقيامُ بذلكَ يحصلُ بِأنْ يحبَّ لهُ مثلَ حصولِ ذلك منْ جهةٍ لا يزاحمُه فيها، بحيثُ لا تنقصُ النعمةُ على أخيه شيئًا منَ النعمةِ عليهِ، وذلك [سهلٌ] (٥) على القلبِ السليمِ، وإنَّما يعسرُ على القلبِ الدغلِ. عافانا اللهُ وإخوانَنا أجمعينَ. اهـ. هذا على روايةِ الأخِ. وروايةُ الجارِ عامةٌ للمسلمِ، والكافرِ، [والفاسقِ] (٦)، والصديقِ، والعدوِّ، والقريبِ، والأجنبيِّ، والأقربِ جِوارًا والأبعدِ، فمنِ اجتمعتْ فيهِ الصفاتُ الموجبةُ لمحبةِ الخيرِ لهُ فهوَ في أعلى المراتبِ، ومَنْ كانَ فيهِ أكثرُها فهوَ لاحقٌ بهِ وهلمَّ جرًّا إلى الخصلةِ الواحدةِ، فيعطَى كلُّ ذي حق حقه بحسبِ حالِه. وقد أخرجَ الطبراني (٧) منْ حديثِ جابرٍ: "الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ لهُ حق وهوَ المشركُ لهُ حق الجوارِ، وجارٌ لهُ حقانِ وهوَ المسلمُ لهُ حقُّ الجوارِ، وحقُّ الإسلامِ، وجارٌ لهُ ثلاثةُ حقوقٍ جارٌ [مسلمٌ] (٨) له رحمٌ، لهُ حقُّ الإسلامِ، والرحمِ، والجوارِ". وأخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (٩) والترمذي، وحسنه عن عبد اللهِ بن عمرو أنه ذبحَ شاةً فأهدَى منها لجارهِ

стр. 2391

اليهوديِّ. فإنْ كانَ الجارُ أخًا أحبَّ لهُ ما يحبُّ لنفسِه، وإنْ كانَ كافرًا أحب لهُ الدخولَ في [الإسلام أولًا] (١) معَ ما يحب لنفسه [مَنْ المنافعِ بشرطِ الإيمانِ] (٢). قال الشيخُ محمدُ بنُ أبي جمرةَ (٣): حفظُ حقِّ الجارِ منْ [كمالِ] (٤) الإيمانِ، والإضرارُ بهِ منَ الكبائرِ لقولِه ﷺ : "منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذي جارهَ" (٥). قالَ: ويفترقُ [الحالُ] (٦) في ذلكَ بالنسبةِ إلى الجارِ الصالحِ وغيرِهِ. والذي يشملُ الجميعَ إرادةُ الخيرِ، وموعظتُه بالحسنَى، والدعاءُ له بالهدايةِ، وتركُ الإضرارِ لهُ إلا في الموضعِ الذي يحلُّ لهُ الإضرارُ به بالقولِ والفعلِ. والذي يخصُّ الصالحَ هوَ جميعُ ما تقدَّمَ وغيرُ الصالحِ كفُّه عن الأذَى، وأمرهُ بالحسنَى على حسبِ مراتبِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ. والكافرُ يعرضُ الإسلام عليهِ والترغيبُ فيهِ برفقٍ، والفاسقُ يعظُه بما يناسبُه بالرفقِ، ويسترُ عليهِ زَللَه، وينهاهُ بالرفقِ فإن نفعَ وإلا هجرهُ قاصِدًا التأديب بذلكَ معَ إعلامِه بالسببِ ليكفَّ. ويقدِّمُ عندَ التعارضِ مَنْ كانَ أقربَ إليهِ بابًا كما في حديثِ عائشةَ: "قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إن لي جاريْنِ، فإلى أيّهما أُهدي؟ قالَ: إلى أقربهما بابًا" أخرَجهُ البخاريُّ (٧). والحكمةُ فيهِ أن الأقربَ بابًا يرى ما يدخلُ بيتَ جارهِ منْ هديةٍ وغيرَها، فيتشوَّفُ إليها بخلافِ الأبعدِ. وتقدَّمَ أن حدَّ الجارِ (٨) أربعونَ دارًا منْ كلِّ جهةٍ، وجاءَ عن عليٍّ ﵇ (٩): "منْ سمعَ النداءَ فهوَ جارٌ"، وقيلَ (٩): منْ صلَّى معكَ صلاةَ الصبحِ في المسجدِ فهوَ جارٌ.

стр. 2392

أعظم الذنوب أن تجعل لله ندًّا ٦/ ١٣٧٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ"، قُلْتُ: ثُمّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأكُلَ مَعَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ" (١)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) هوَ الشبهُ ويقالُ لهُ: نِدٌّ ونديدٌ (وَهُوَ خَلَقَكَ. قالَ قُلْتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بحَلِيلَةِ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ الزوجةِ (جَارِكَ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ) قالَ تعالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (٤)، والآيةُ الأُخْرَى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٥)، وقولُه: أنْ تزانيَ بِحَليلةِ جاركَ، أي بزوجَتهِ التي تَحلُّ لهُ، وعبَّر بِتزَاني لأنَّ معناهُ تزني بها برضَاها. وفيهِ فاحشةُ الزنَى وإفسادُ المرأةِ على زوجِها، واستمالةُ قلبِها إلى غيرِه، وكلُّ ذلك فاحشةٌ عظيمةٌ، وكونُها حليلةَ الجارِ أعظمُ، لأنَّ الجارَ يتوقعُ منْ جارهِ الذبَّ عنهُ، وعن حريمهِ، ويأمنُ بوائقَه، ويركنُ إليهِ. وقدْ أمرَ اللَّهُ تعالَى برعايةِ حقِّه، والإحسانِ إليهِ، فإذا قابلَ هذَا بالزنا بامرأتِه وإفسادِها عليهِ معَ تمكنهِ منْها على وجْهٍ لا يتمكنُ [منها] (٦) غيرهُ، كانَ غايةً في القُبحِ. والحديثُ دليلٌ أن أعظمَ المعاصي الشركُ، ثمَّ القتلُ بغيرِ حقٍّ، وعليهِ نصَّ الشافعيُّ، ثم تختلفُ الكبائرُ باختلافِ مفاسدِها الناشئةِ عنها. من الكبائر أن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ٧/ ١٣٧٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 2393

"مِنْ الْكَبَائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ"، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيُسُبُّ أُمَّهُ فَيسُبُّ أُمَّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَن رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيسُبُّ أُمَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قولُه: شتمُ الرجلِ والديهِ، أي يتسببُ إلى شتمِهمَا، فهوَ منَ المجازِ المرسلِ استعمال للسبب في المسيِّبَ [عنه] (٢). وقدْ بينَّه ﷺ بجوابهِ عمنْ سأَله بقولهِ: (نعمْ)، وفيهِ تحريمُ التسببِ إلى أذيةِ الوالدينِ وشتمِهما، ويأثمُ الغيرُ بسبِّهِ لهمَا. قالَ ابنُ بطالٍ: هذا الحديثُ أصلٌ في سدِّ الذرائعِ. ويُؤخَذُ منهُ أنهُ إنْ آلَ أمرهُ إلى محرَّم حرمَ عليهِ الفعلُ، وإن لم يقصدِ المحرَّمَ، وعليهِ دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣). واستنبطَ منهُ الماورديُّ (٤) [في الحديث] (٥) تحريمَ بيعِ الثوبِ الحريرِ إلى منْ يتحققُ منهُ لبسهُ، والغلامُ الأمردُ إلى منْ يتحققُ منهُ فعلُ الفاحشةِ، والعصيرُ [إلى من] (٦) يتخذُه خمرًا. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يعملُ بالغالبِ، لأنَّ الذي يسبُّ أبا الرجلِ قدْ لا يجازيهِ بالسبِّ لكنَّ الغالبَ المجازاةُ. بماذا يزول التهاجر بين الأخوين ٨/ ١٣٧٩ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذَا، ويُعْرِضُ هذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 2394

(وعن أَبي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هذَا، وَيُعْرِضُ هذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسّلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). نفيُ الحلِّ دالٌّ على التحريمِ، فيحرمُ هجرانُ المسلمِ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ. ودلَّ مفهومُه على جوازهِ في ثلاثَة أيامٍ. وحكمةُ جوازِ ذلكَ في هذهِ المدةِ أنَّ الإنسانَ مجبولٌ على الغضبِ، وسوءِ الخلقِ، ونحوِ ذلكَ فَعُفيَ لهُ هجرُ أخيهِ ثلاثةَ أيامٍ، ليذهبَ ذلكَ العارضُ تخفيفًا على الإنسانِ، ودفعًا للإضرارِ بهِ، ففي اليومِ الأولِ يسكنُ غضبهُ، وفي الثاني يراجعُ نفسَه، وفي الثالثِ يعتذرُ، وما زادَ على ذلكَ كانَ قطعًا لحقوقِ الأخوَّةِ. وقد فسَّر معنَى الهجرِ [بقَوْلِه] (١) "يلتقيانِ - إلى آخرهِ"، وهوَ الغالبُ منْ حالِ المتهاجريْنِ عندَ اللقاءِ. وفيهِ دلالةٌ على زوالِ الهجْرِ لهُ بردِّ السلامِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ ومالكٌ والشافعيُّ. واستدلَّ لهُ بما رواهُ الطبرانيُّ (٢) منْ طريقِ زيدِ بن وهبٍ عن ابن مسعودٍ في أثناءِ حديثٍ موقوفٍ وفيهِ: "ورجوعهُ أنْ يأتيَ فيسلِّمَ عليهِ". وقالَ أحمدُ (٣) وابنُ القاسمِ (٤): إنْ كانَ يؤذيهِ تركُ الكلامِ، فلا يكفيهِ ردُّ السلامِ بلْ لا بدَّ منْ الرجوعِ إلى الحالِ الذي كانَ بينَهما. وقيلَ: ينظرُ إلى حالِ المهجور، فإنْ كانَ خطابُه بما زادَ على السلامِ عند اللقاءِ مما [تطيبُ] (٥) بهِ نفسه، ويزيلُ علةَ الهجرِ كانَ منْ تمامِ الوصلِ وتركِ الهجرِ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى ذلكَ كفى السلامُ. وأما فوقَ اليومِ الثالثِ فقالَ ابنُ عبد البرِّ (٦): أجمعُوا على أنهُ يجوزُ الهجْرُ فوقَ [ثلاثٍ] (٧) لمنْ كانتْ مُكالمتُهُ تجلبُ نقصًا على المُخاطبِ لهُ في دينهِ، أو مضرَّةً تحصُلُ عليهِ في نفسهِ أو دنياهُ، فربَّ هجْرٍ جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيةٍ. وتقدَّمَ الكلامُ في هجرِ منْ يأتي ما يلامُ عليهِ شرْعًا. وقدْ

стр. 2395

وقعَ منَ السلفِ التهاجرُ بينَ جماعةٍ منْ أعيانِ [الصحابةِ] (١) والتابعينِ [وتابعيهم] (٢). وقدْ عدَّ الشارحُ جماعةً [منْ أولئكَ] (٣) يستنكرُ صدورَه منْ أمثالِهم، وأقامُوا عليهِ، ولهمْ أعذارٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. والحملُ على السلامةِ متعيَّنٌ، والعبادُ مظنةُ المخالفةِ. وأما قولُ الذهبيِّ (٤) إنهُ لا يُقْبَلُ جرحُ الأقرانِ بعضَهمِ على بعضٍ سيِّما السلفُ قالَ: وحدُّهم رأسُ ثلاثمائةٍ منَ الهجرةِ، فقدْ بينَّا اختلَالَ ما قالَ في ثمراتِ النظرِ (٥) في علمِ الأثرِ، وقد نقلَ في الشرح قضايا كثيرةً لا يحسنُ ذكرُها؛ إذْ طيُّ ما لا يحسنُ ذكرُه لا يحسنُ نشرُه. كل معروف صدقة ٩/ ١٣٨٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٦). [صحيح] (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). المعروفُ ضدُّ المنكرِ. قالَ ابنُ أبي جمرة: اسمُ المعروفِ [اسم لما] (٧) عرفَ بأدلةِ الشرعِ أنهُ منْ أعمالِ البرِّ، سواءٌ جرتْ بهِ العادةُ أمْ لا، فإنْ قارنتْه النيةُ أُجِرَ صاحبُه جزمًا، وإلا ففيهِ احتمالٌ. والصدقةُ هي ما يعطيهِ المتصدقُ للَّهِ تعالَى فيشملُ الواجبةَ والمندوبةَ، والإخبارُ بأنَّهُ صدقةٌ منْ بابِ التشبيهِ البليغِ، وهوَ إخبارٌ بأنَّ لهُ حكمَ الصدقةِ في الثوابِ، وأنهُ لا يحتقرُ الفاعلُ شيئًا منَ المعروفِ، ولا يبخلُ بهِ. وفي الحديثِ: "إنَّ كلَّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، والأمرُ بالمعروفِ [صدقةٌ] (٨)، والنهيُ عن المنكرِ صَدَقةٌ". وقال ﷺ : "في بُضع أحدِكمْ صَدَقةٌ، والإمساكُ عن الشرِّ صدقةٌ" (٩)، وغيرُ ذلكَ

стр. 2396

منَ الأعمال الصالحةِ. ولفظُ كلِّ معروف عامٌّ. وقدْ أخرجَ الترمذيُّ (١)، وحسَّنهُ مرفُوعًا منْ حديثِ أبي ذرٍّ: "تبسُّمكَ في وجْهِ أخيكَ صدقةٌ لكَ، وأمْرُكَ بالمعروفِ ونهيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ لكَ، وإرشادكَ الرجلَ في أرضِ الضلالةِ صدقةٌ لكَ، وإماطتُك الحجرَ والشوكَ والعظمَ عن الطريقِ لكَ صدقةٌ، وإفراغُك منْ دلوكَ في دلْوِ أخيكَ [صدقةٌ] (٢). وأخرجَهُ ابنُ حبانَ (٣) في صحيحهِ. وفي الأحاديثِ إشارةٌ إلى أن الصدقةَ لا تنحصرُ فيما هو أصلُها، وهوَ ما أخرجَه الإنسانُ منْ مالهِ متطوِّعًا، فلا تختصُّ بأهلِ اليسارِ، بلْ كلُّ واحد قادرٌ على أن يفعلَها في أكثرِ الأحوالِ منْ غيرِ مشقةٍ، فإنَّ كلَّ شيءٍ يفعلُه الإنسانُ، أوْ يقولُه منَ الخيرِ يكتبُ لهُ بهِ صدقةٌ. ١٠/ ١٣٨١ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ" (٤). [صحيح]. (وَعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَحْقِرَن مِنَ الْمَعْروفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) بإسكانِ اللامِ، ويقالُ: طليقٍ، والمرادُ سهل منبسطٌ. ١١/ ١٣٨٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا طَبَخْتَ مَرقَةً فَأَكْثِر مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ" (٥)، أَخْرَجَهُما مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي أبي ذرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إذَا طَبَخْتَ [مَرَقًا] (٧) فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ. أَخْرَجَهُما مُسْلِمٌ). [في الحديثين] (٨) الحثُّ على [فعل] (٩) المعروفِ

стр. 2397

ولو بطلاقةِ الوجْهِ [والبِشْرِ] (١)، والابتسامِ في وجْهِ مَنْ يلاقيهِ منْ إخوانِهِ. وفيهِ الوصيةُ بحقِّ الجارِ وتعاهدهِ، ولو بمرقةٍ تهديْها إليهِ. الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه ١٢/ ١٣٨٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَفسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ نَفَّسَ) لفظُ مسلمٍ: مَنْ فرَّجَ (عَنْ مُسْلِمٍ كُربةً مِنْ كُرَب الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ [عَنْهُ] (٣) كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِر يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). هذا ليسَ في مسلمٍ كما قالَ الشارحُ، وقدْ أخرجَه غيرهُ (٤)، (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). [هذا حديث جليل عظيم القدر] (٥)، وفيه مسائلُ: الأُولى: فضيلةُ منْ فرَّجَ [عن المسلمِ] (٦) كربةً منْ كربِ الدنيا، وتفريجُها إما بإعطائِه منْ مالهِ إنْ كانتْ كُرْبَتُهُ منْ حاجةٍ، أو بذلِ جاههِ في طلبِه لهُ منْ غيرهِ، أوْ قرضِه، وإنْ كانتْ كربتُه منْ ظلم ظالمٍ لهُ فرَّجَها بالسعي في رفْعِها عنهُ، أو تخفيفِها، وإنْ كانتْ كربةُ مرضٍ أَصَابَهُ أعانه على الدواءِ إنْ كانَ لديهِ، أو على

стр. 2398

[طبيبٍ] (١) ينفعُه، وبالجملةِ تفريجُ الكربِ بابٌ واسعٌ فإنهُ يشملُ إزالةَ كل ما ينزلُ بالعبدِ أوْ تخفيفه. الثانيةُ: التيسيرُ على المُعسرِ هوَ أيضًا منْ تفريجِ الكرب، وإنَّما خصُّه لأنهُ أبلغُ وهو [يشمل الإنظار للغريم] (٢) في الدَّينِ، أو إبراؤُه لهُ منهُ، أوْ غير ذلكَ؛ فإنَّ الله تعالى ييسِّرُ عليهِ أمورَه، ويسهِّلُها لهُ لتسهيلهِ لأخيه فيما عندَه. والتيسيرُ لأمورِ الآخرةِ بأنْ يهوِّنَ عليهِ المشاق فيها، ويرجحَ وزنَ الحسناتِ ويلقى في قلوبِ مَنْ لهمْ عندَهُ حق يجبُ استيفاؤهُ منه في الآخرِة المسامحةُ وغيرُ ذلكَ، ويؤخذُ منهُ أن مَنْ عسَّر على معسِر عسَّر عليهِ، ويؤخذُ منهُ أنّهُ لا بأسَ على مَنْ عسَّر على موسِر لأنَّ مطْلَه ظلمٌ يحلُّ عرضُه وعقوبتُه. الثالثةُ: منْ سترَ مسلمًا اطّلعَ منهُ على ما لا ينبغي إظهارهُ منَ الزلَّاتِ والعثراتِ، فإنهُ مأجورٌ [بستره عنه] (٣) بما ذكرهُ منْ سترهِ في الدنيا والآخرةِ، فيسترُه في الدنيا بأنْ لا يأتي زلَّةً يكرهُ اطلاعَ غيرِه عليها، وإنْ أتاهَا لم يُطلعِ اللهُ عليها أحدًا، وسترُه في الآخرةِ بالمغفرةِ لذنوبِه، وعدمِ إظهارِ قبائحِه، وغيرِ ذلكَ. وقد حثَّ ﵀ على السترِ للمسلمِ ققالَ في حقِّ ماعزٍ: "هلَّا سترتَ عليهِ بردائِكَ يا هزالُ" (٤). قالَ العلماءُ: وهذا السترُ مندوبٌ لا واجبٌ، فلو رفعهُ إلى السلطان كان جائزًا له، ولا يأثمُ به. قلتُ: ودليله أنه ﷺ لم يلم هزالًا، ولا أبانَ لهُ أنهُ آثمٌ، بلْ حرَّضَهُ على أنهُ كانَ ينبغي لهُ سترهُ، فإنْ علمَ أنهُ تابَ وأقلعَ حرُمَ عليهِ ذكرُ ما وقعَ منهُ، ووجبَ عليهِ سترهُ، وهوَ في حقِّ منْ لا يُعْرَفُ بالفسادِ والتمادي في الطغيانِ، وأما مَنْ عُرِفَ بذلكَ فانهُ لا يستحبُّ السترُ عليهِ، بَلْ يرفعُ أمرُه إلى مَنْ لهُ الولايةُ إذا لم يخفْ منْ ذلكَ مفسدةَ، وذلكَ لأنَّ الستر عليهِ يغريهِ على الفسادِ، ويجزئه على أذيةِ العبادِ، ويجرئُ غيرهَ منْ أهلِ الشرِّ والعِنادِ، وهذا بعدَ انقضاءِ فعلِ المعصيةِ. فأما إذا رآهُ وهو فيها فالواجبُ المبادرةُ لإنكارِها، والمنعُ منْها معَ القدرةِ على ذلكَ. ولا يحل تأخيرُه لأنهُ منْ بابِ إنكارِ المنكرِ لا يحلُّ

стр. 2399

تركُه معَ الإمكانِ، وأما إذا رآهُ يسرقُ مالَ زيدٍ فهلْ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ بذلكَ أو سترُ السارقِ؟ الظاهرُ أنهُ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ، وإلا كانَ مُعيِنًا للسارقِ بالكتْمِ منهُ على الإِثْمِ، واللَّهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). وأما جرحُ الشهودِ والرواةِ والأمناءِ على الأوقافِ والصدقاتِ وغير ذلكَ فإنهُ منْ بابِ نصيحةِ المسلمينَ الواجبةِ على كل من اطلعَ عليها، وليسَ منَ الغيبةِ المحرَّمةِ، بلْ مِنَ النصيحةِ الواجبةِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ. الرابعةُ: الإخبارُ بأنَّ اللَّهَ تعالى في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ؛ فإنهُ دالٌّ على أنهُ تعالَى يتولَّى إعانةَ مَنْ أعانَ أخاهُ وهوَ يدلُّ على أنهُ يتولَّى عونَه في حاجةِ أخيه التي يسعَى فيها، وفي حوائجِ نفسهِ، فينالُ منْ عونِ اللَّهِ ما لمْ يكنْ ينالُه بغيرِ إعانتِه وإنْ كانَ تعالَى هوَ المعينُ لعبدهِ في أمورِهِ لكنْ إذا كانَ في عونِ أخيهِ زادتْ [إعانةُ اللَّهِ] (٢)، فيؤخذُ منهُ أنهُ ينبغي للعبدِ أنْ يشتغلَ بقضائه حوائجِ أخيهِ، ويقدمها على حاجةِ نفسهِ، لينالَ منَ اللَّهِ تعالى كمالَ الإعانةِ في [حاجته] (٣). وهذهِ الجملُ المذكورةُ في الحديثِ دلَّتْ على أنهُ تعالَى يجازي العبدَ منْ جنسِ فعلِه، فمنْ سترَ سترَ عليهِ، ومنْ يسَّرَ يسَّرَ عليهِ، ومنْ أعانَ أُعِيْنَ. ثمَّ إنهُ تعالَى بفضِله وكرمِه جعلَ الجزاءَ في الدارينِ في حقِّ الميسرِ على المعسرِ، والساترِ للمسلمِ، وجعلَ تفريجَ الكربةِ يجازي بهِ يومِ القيامةِ كأنهُ لعظائمِ يومِ القيامةِ أُخِّرَ جَزاءُ تفريجِ الكربةِ، ويحتملُ أنْ يفرجَ عنه في الدُّنيا أيضًا لكنَّهُ طُوِيَ في الحديثِ وذكرَ ما هوَ أهمُّ. الدال على الخير كفاعله ١٣/ ١٣٨٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 2400

(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). دلَّ الحديثُ على أن الدلالةَ على الخيرِ يؤجَرُ بها الدالُّ عليهِ كأجْرِ فاعلِ الخيرِ، وهوَ مثلُ حديثِ: "منْ سنَّ سنةً حسنةً في الإسلامِ، كانَ لهُ أجرُها، وأجرُ منْ عملَ بها" (١). والدلالةُ تكونُ بالإشارةِ على الغيرِ بفعلِ الخيرِ، وعلى إرشادِ ملتمسِ الخيرِ على أنهُ يطلبَهُ منْ فلانٍ، والوعظُ والتذكيرُ، وبالتأليف للعلوم النافعةِ. ولفظُ خيرٍ [يشملُ] (٢) الدلالةَ على خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، فللهِ درُّ الكلامِ النبويّ ما أشملَ معانيه: وأوضحَ مبانيهِ، ودلالتَه على خيرِ الدنيا والآخرةِ. من استعاذ وسأل بالله أعيذ وأعطي ١٤/ ١٣٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ"، أَخْرَجُه الْبَيْهَقيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَألَكُمْ باللهِ فَأعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ. [رواه] (٤) الْبَيْهَقيُّ). وقدْ أخرجَه أبو داودَ (٥) وابنُ حبانَ (٦) في صحيحهِ، والحاكمُ (٧) [وصحَّحه] (٨) وفيهِ زيادةُ: "ومنِ استجارَ باللَّهِ فأجيرُوه، ومنْ أتى إليكمْ معروفًا فكافِئُوه، فإنْ لم تجدُوا فادعُوا لهُ، حتَّى تعلمُوا أنكُم قدْ كافأْتموهُ".

стр. 2401

وفي روايةٍ (١): "فإنْ عجزْتُم عنْ مكافأتهِ فادعُوا لهُ حتَّى تعلمُوا أنْ قدْ شكرتُم، فإنَّ الله يحبُّ الشاكرينَ". وأخرجَ الترمذيُّ (٢) وقالَ: حسنٌ غريبٌ: "منْ أعطَى عطيةً فوجدَ فليجْزهِ، فإنْ لم يجدْ فليثنِ فإنَّ منْ أثنَى فقدْ شكرَ، ومنْ كتَم فقدْ كفرَ، ومنْ تحلَّى بباطلٍ فهوَ كلابسِ ثوبي زورٍ". والحديثُ دليلٌ على أنهُ منِ استعاذَ باللهِ عنْ أيِّ أمرٍ طُلبَ منهُ غيرُ واجبٍ عليهِ، فإنهُ يعاذُ بترك ما طُلِبَ منهُ أنْ يفعلَ، وأنهُ يجبُ إعطاءُ من يسأل بالله، وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة فمن سأل من المخلوقين بالله شيئًا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيًا عن إعطائه. وقد أخرج الطبراني بسند رجاله رجالُ الصحيحِ إِلا شيخَه - وهوَ ثقةٌ على كلامٍ فيهِ - منْ حديثِ أبي موسَى (٣) الأشعريِّ أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "ملعون منْ سألَ بوجهِ اللَّهِ، وملعونٌ منْ سُئِلَ بوجهِ اللَّهِ ثمَّ منعَ سائلَه ما لم يسألْ هُجْرًا" بضمِّ الهاءِ، وسكونِ الجيمِ، أي أمرًا قبيحًا لا يليقُ، ويحتملُ ما لم يسألْ سؤالَا قبيحًا أي بكلامِ يقبحُ، ولكنَّ العلماءَ حملُوا هذا الحديثَ علَى الكراهةِ، ويحتملُ أنهُ يرادف بهِ المضطر ويكونُ ذكرهُ هنا أن منعَه معَ سؤالهِ باللهِ تعالى أقبحُ وأفظعُ، ويحملُ لعنُ السائلِ على ما إذا ألحَّ في [المسألةِ] (٤) حتَّى أضجرَ المسؤولَ. ودلَّ الحديثُ علَى وجوبِ المكافأةِ للمحسنِ، إلا إذا لم يجدْ فإنهُ كافأه بالدعاءِ، وأجزأَه إنْ علمَ أنهُ قدْ طابتْ نفسُه أو لم تطبْ بهِ وهو ظاهرُ الحديثِ. * * *
следующие страницы →