← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 297–336 · переход к 302.

стр. 297

الشّيطَانُ في صَلاِتِهِ، فَيَنْفُخَ فِي مَقْعَدَتِه فَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". [حسن] أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (١). وأَصْلُهُ في الصحِيحَيْنِ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. [صح] - وَلمُسْلِمٍ (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ. [صحيح] (وَعَنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يأتي أَحَدَكُمُ الشيطان في صلاتهِ) حال كونهِ فيها، (فَيَنْفخ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيخَيَّل إليهِ)، يحتملُ أنهُ مبني للفاعلِ، وفيهِ ضميرٌ للشيطانِ، وأنهُ الذي يخيلُ، أي: يوقعُ في خيال المصلِّي أنهُ أحدثَ، ويحتملُ أنهُ مبنيٌّ للمفعول ونائبه (أنهُ أَحْدَثَ ولمْ يحْدِثْ، فإِذَا وَجَدَ ذلكَ فلا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا. أخرجَهُ الْبَزَّارُ) (٤). ترجمة البزار بفتحِ الموحَّدةِ، وتشديدِ الزايِ، بعدَ الألفِ راءٌ. وهوَ الحافظُ العلامةُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرِو بن عبدِ الخالقِ البصريُّ، صاحبُ "المسندِ الكبير"

стр. 298

المعلَّلِ، أخذَ عن الطبراني وغيرِهِ، وذكرهُ الدارقطنيُّ وأثْنَى عليهِ، ولمْ يذكرِ الذهبيُّ ولادتَهُ ولا وفاتَهُ (١). والحديثُ تقدمَ ما يفيدُ معناهُ، وهوَ إعلامٌ منَ الشارعِ بتسليطِ الشيطانِ عَلَى العبادِ حتى في أشرفِ العباداتِ ليفسدَها عليهمْ، وأنهُ لا يضرُّهُم ذلكَ، ولا يخرجونَ عن الطهارةِ إلا بيقينٍ. وأصلهُ في الصحيحينِ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ. (ولمسلمٍ عنْ أبي هريرةَ نحوُهُ) تقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ في هذا البابِ. ١٧/ ٧٧ - وَللْحَاكِمِ (٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الشَّيطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ". [حسن] وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) بلفظِ: "فَلْيَقُلْ في نَفْسِهِ". (وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أبي سَعِيدٍ) هوَ الخدريُّ تقدمَ (مرفوعًا: إِذَا جَاءَ أَحَدَكُم الشيطانُ، فقالَ) أي: وسوسَ لهُ قائلًا: (إنكَ أحدثتَ فليقلْ: كذبتَ) يحتملُ أن يقولَهُ لفظًا أو في نفسهِ، ولكنَّ قولَهُ: (وأخرجهُ ابن حبانَ بلفظ: فليقلْ في نفسِهِ) بيَّنت أن المرادَ الآخرُ منهُ، وقد رُويَ حديثُ الحاكِمِ بزيادةٍ بعدَ قولهِ: (كذبتَ): "إلَّا مَنْ وجدَ ريحًا أو سمعَ صوتًا بِأُذُنِهِ"، وتقدمَ ما تفيدُهُ هذهِ الأحاديثُ. ولو ضمَّ المصنفُ هذهِ الرواياتِ إلى حديثِ أبي هريرةَ الذي قدَّمهُ، وأشارَ إليهِ هُنَا لكانَ أوْلَى بحسنِ الترتيبِ كما عرفتَ. وهذهِ الأحاديثُ دالةٌ على حرصِ الشيطانِ على إفسادِ عبادةِ بني آدمَ خصوصًا [الصلاة] (٤) وما يتعلقُ بها، وأنهُ لا يأتيْهمْ غالبًا إلَّا منْ بابِ التشكيكِ في الطهارةِ، تارةً بالقولِ، وتارةً بالفعلِ، ومِنْ هنا نعرفُ أن أهلَ الوسواسِ في الطهاراتِ امتثلُوا ما فعلهُ وقالهُ.

стр. 299

[الباب السابع] بابُ آدابِ قضاءِ الحاجةِ الحاجةُ كنايةٌ عنْ خروجِ البولِ والغائطِ، وهوَ مأخوذٌ منْ قولِهِ ﷺ : "إذا قعدَ أحدُكُم لحاجتِهِ" (١). ويعبِّرُ [عنهُ] (٢) الفقهاءُ ببابِ الاستطابةِ لحديثِ: "ولا [يستطيبُ] (٣) بيمينهِ" (٤)، والمحدِّثونَ: ببابِ التخلِّي، مأخوذ مِنْ قولِهِ ﷺ : "إذا دخلَ أحدُكم الخلاءَ" (٥)، والتبرُّزِ منْ قولهِ: "البرازُ في المواردِ" (٦) سيأتي، فالكلُّ منَ العباراتِ صحيحٌ. عدم اصطحاب ما فيه اسم الله ١/ ٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. [منكر]

стр. 300

أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١) وَهُوَ مَعْلُول (٢). (عَنْ أنسِ بن مالكٍ قَالَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا دخلَ الخلاء)؛ بالخاءِ المعجمةِ ممدودٌ: المكانَ الخالي، كانُوا يقصدونهُ لقضاءِ الحاجةِ، (وضعَ خاتَمَهُ. أخرجه الأربعة وهوَ معلولٌ)؛ وذلكَ لأنهُ منْ روايةِ همامٍ، عن ابن جريجٍ، عن الزهريِّ، عنْ أنسٍ، ورواتهُ ثِقَاتٌ لكنَّ ابنَ جريجٍ لمْ يسمعْهُ منَ الزهريِّ، بلْ سمعهُ منْ زيادِ بن سعدٍ عن الزهريِّ، ولكنْ بلفط آخرَ، وهوَ أنهُ ﷺ اتخذَ خاتمًا منْ وَرِقٍ ثمَّ ألقاهُ. والوهمُ فيهِ منْ همامٍ، كما قالهُ أبو داودَ (٣). وهمامٌ ثقةٌ، كما قالهُ ابنُ معينٍ. وقال أحمدُ: ثبتٌ في كلِّ المشايخِ. وقد رُوِيَ الحديثُ مرفوعًا وموقوفًا [عنْ] (٤) أنسٍ منْ غِيرِ طريقِ همامٍ. وأوردَ له البيهقيُّ (٥) شاهدًا. ورواهُ الحاكمُ (٦) أيضًا بلفظِ: "إِنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لبسَ خاتمًا نقشهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ،

стр. 301

وكانَ إذا دخلَ الخلاء وضعهُ"، [إلا أنه قال البيهقي - بعد سياقه: هذا شاهد ضعيف] (١). والحديثُ دليلٌ على الإبعادِ عندَ قضاءِ الحاجةِ، كما يرشدُ إليهِ لفظُ الخلاءِ، فإنهُ يطلقُ على المكانِ الخالي، وعلى المكانِ المعدِّ لقضاءِ الحاجةِ، ويأتي في حديثِ المغيرةِ (٢) ما هوَ أصرحُ منْ هذَا بلفظ: "فانطلقَ حتَّى تَوَارى". وعندَ أَبِي دَاودَ (٣): "كانَ إذا أرادَ البرَازَ انطلقَ حتى لا يراهُ أحدٌ"، ودليلٌ على تبعيدِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ عندَ قضاءِ الحاجةِ. وقالَ بعضُهم: يحرمُ إدخالُ المصحفِ الخلاء لغيرِ ضرورةٍ. قيلَ: فلوْ غفلَ عن تنحيةِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ حتى اشتغلَ بقضاءِ حاجتهِ، غيَّبهُ في فيهِ أو في عمامتهِ أو نحوِهِ، وهذا فعلٌ منهُ ﷺ ، وقدْ عرفَ وجههُ، وهوَ صيانةُ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ عن المحلاتِ المُسْتَخْبَثَة، [فدل] (٤) على ندبهِ وليسَ خاصًّا بالخاتمِ، بلْ في كلّ ملبوسٍ فيهِ ذكرُ اللَّهِ. الاستعاذه عند دخول الكنيف ٢/ ٧٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ". [صحيح] أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (٥).

стр. 302

(وَعَنْهُ) أي: عنْ أنسٍ ﵁ (قال: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا دخلَ الخلَاءَ) أي: أرادَ دخولَه (قالَ: اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ منَ الخُبْثِ)؛ بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، وضمِّ الموحدةِ، ويجوزُ إسكانُها، جمعُ خبيثٍ، (والخبائث) جمعُ خبيثةٍ يريدُ [بالأولِ] (١) ذكورَ الشياطينِ، وبالثاني إناثَهم، (أخرجهُ السبعةُ). ولسعيدِ بن منصورٍ كانَ يقولُ: "بسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ" الحديثَ. قالَ المصنفُ في "الفتح" (٢): ورواهُ المعمريُّ، وإسنادهُ على شرطِ مسلمٍ، وفيهِ زيادةُ [البسملة] (٣) ولمْ أرَها في غيرهِ. وإنما قلْنَا: [المراد بقوله: (دخل): أراد دخوله] (٤)؛ لأنهُ بعدَ دخولِ الخلاءِ لا يقولُ ذلكَ. وقد صرَّحَ بما قرَّرناهُ البخاريُّ في "الأدبِ المفردِ" (٥) مِنْ حديثِ أنسٍ قالَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ أن يدخلَ الخلاء … " الحديثَ، وهذَا في الأمكنةِ المعدَّةِ لذلكَ بقرينةِ الدخولِ، ولذَا قال ابنُ بطالٍ: روايةُ (إذا أتى) أعمُّ؛ لشمولِهَا، ويشرعُ هذا الذكرُ في غيرِ الأماكنِ المعدَّةِ لقضاءِ الحاجةِ، وإنْ كانَ الحديثُ وردَ في الحشوشِ، وأنها تحضُرهَا الشياطينُ، ويشرعُ [القولُ بهذا] (٦) في غيرِ الأماكنِ المعدَّةِ عندَ إرادةِ رفعِ ثيابهِ، وفيها قبلَ دُخُولِهَا. وظاهرُ حديثِ أنسٍ أنهُ ﷺ كانَ يجهرُ بهذا الذكرِ، فيحسنُ الجَهرُ به. الاستنجاء بالماء والحجارة ٣/ ٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاء، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 303

(وَعَنْ أَنَسٍ) كأنهُ تركَ الإضمارَ فلمْ يقلْ: (وعنهُ) لبعدِ الاسمِ الظاهرِ بخلافهِ في الحديثِ الثاني، وفي بعضِ النسخِ من بلوغِ المرامِ: (وعنهُ) بالإضمارِ أيضًا (قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ) الغلامُ: هوَ المترعرعُ، قيلَ: إلى حدِّ السبعِ السنينَ، وقيلَ: إلى الالتحاءِ. ويطلقُ على غيرِهِ مجازًا. (نَحْوي إدَاوَةً) بكسرِ الهمزةِ: إناءٌ صغيرٌ منْ جلدٍ يُتَّخَذُ للماءِ، (مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً) بفتحِ العينِ المهملةِ، وفتحِ النونِ، فزايٍ: هي عصًا طويلةً في أسفلِها زجٌّ. ويقالُ: رمحٌ قصيرٌ. (فيستنجي بالماءِ. متفقٌ عليهِ) المرادُ بالخلاءِ هُنَا الفضاءُ بقرينةِ العَنَزَةِ؛ لأنهُ كانَ إذا توضأَ صلَّى إليها في الفضاءِ، أو يستترُ بها بأنْ يضعَ عليها ثوبًا، أوْ لغيرِ ذلكَ منْ قضاءِ الحاجاتِ التي تعرضُ لهُ؛ ولأنَّ خدمتَهُ في البيوتِ تختصُّ بأهلهِ. والغلامُ الآخرُ اختلفَ فيهِ، فقيلَ: ابنُ مسعودٍ، وأُطِلْقَ عليهِ ذلكَ مجازًا. ويبعدهُ قولُهُ: (نحوي)، فإنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ كبيرًا، فليسَ نحوَ أنس في سِنِّهِ. ويحتملُ أنهُ أرادَ نحوي في كونهِ كانَ يخدمُ النبيّ ﷺ فيصحُّ، فإنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ صاحبَ سوادِ رسولِ اللهِ ﷺ يحمل [نعله] (١) وسواكَهُ، أو لأنهُ مجازٌ كما في الشرح، وقيلَ: هوَ أبو هريرةَ، وقيلَ: جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ. الأحكام الفقهية من الحديث والحديثُ دليلٌ على جوازِ الاستخدامِ [للصغيرِ] (٢)، وعلى الاستنجاءِ بالماءِ، ونُقِلَ عنْ مالكٍ أنهُ أنكرَ استنجاءَ النبيّ ﷺ بالماءِ. والأحاديثُ قدْ أثبتتْ ذلكَ، فلا سماعَ لإنكارِ مالكٍ. قيلَ: وعلى أنهُ أرجحُ منَ الاستنجاءِ بالحجارةِ، وكأنهُ أخذهُ مِنْ زيادةِ التكلفِ بحملِ الماءِ بيدِ الغلامِ، ولو كانَ يساوي الحجارةَ أو هي أرجحُ منهُ لَمَا احتاجَ إلى ذلكَ. والجمهورُ منَ العلماءِ على أنَّ الأفضلَ الجمعُ بينَ الحجارةِ والماءِ، فإنِ اقتصرَ على أحدِهما فالأفضلُ الماءُ، حيثُ لمْ يُردِ الصلاةَ، فإنْ أرادَها فخلافٌ:

стр. 304

فمَنْ يقولُ: تجزئُ الحجارةُ، لا يوجبهُ. ومَن يقولُ: لا تجزئُ، يوجبهُ. ومِنْ آدابِ الاستنجاءِ بالماءِ مسحُ اليدِ بالتراب بعدَهُ، كما أخرجهُ أبو داودَ (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أَتَى الخَلاء أتيتُ بماء في تَوْرٍ، أو رَكْوَةٍ فاستنجَى منهُ، ثمَّ مسحَ يدَهُ عَلَى الأرضِ". وأخرجَ النسائيُّ (٢) منْ حديثِ جريرٍ قالَ: "كنتُ معَ النبيّ ﷺ ، فَأَتَى الخلاء فَقَضَى حاجَتَهُ. ثمَّ قالَ: "يا جريرُ، هاتِ طهورًا"، فأتيتهُ بماءٍ فاستنْجَى، وقالَ بيدِهِ "فدلكَ بها الأرضَ"، ويأتي مثلُهُ في الغُسلِ. يستحب الاستتار عند قضاء الحاجة ٤/ ٨١ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ ﷺ : "خُذِ الإِدَاوَةَ"، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنِ المغيرَةِ بن شعْبَةَ قَالَ: قَالَ [لي] رَسُولُ اللهِ ﷺ : خذِ الإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ) أي: النبيُّ ﷺ (حتى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ. متفقٌ عليه). الحديثُ دليلٌ على التواري عندَ قضاءِ الحاجةِ، ولا يجبُ؛ إذِ الدليلُ فعلٌ، ولا يقتضِي الوجوبَ، لكنهُ يجبُ بأدلةِ سترِ العوراتِ عن الأعينِ.

стр. 305

وقدْ وردَ الأمرُ بالاستتارِ منْ حديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (١)، وأبِي داودَ (٢)، وابنِ ماجَه (٣) أنهُ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَتَى الغائطَ فليستترْ، فإنْ لمْ يجدْ إلَّا أنْ يجمعَ كَثِيبًا منْ رَمْلٍ فَلْيَستدْبِرهُ؛ فإنَّ الشيطانَ يلعبُ بمَقَاعِدِ بني آدمَ. مَنْ فعلَ فقدْ أحْسَنَ، ومنْ لا فَلا حَرَجَ"؛ فدلَّ على استحبابِ الاستتارِ، كما دلَّ على رفعِ الحرجِ، ولكنَّ هذَا غيرُ التواري عن الناسِ، بلْ هذَا خاصٌّ بقرينةِ (فإن الشيطانَ)؛ فلوْ كانَ في فضاء ليسَ فيهِ إنسانٌ استُحبَّ لهُ أنْ يستترَ بشيءٍ ولو بجمعِ كثيبٍ منْ رملٍ. النهي عن التخلِّي في طريق الناس وظلِّهم ٥/ ٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا اللَّعَّانَينِ: الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : اتَّقُوا اللَّاعنين) بصيغةِ التثنيةِ، وفي روايةِ مسلم قالُوا: وما اللَّاعنانِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أوْ في ظلِّهمْ. رواة مسلمٌ). قالَ الخطابي (٥): يريدُ باللَّاعنينِ الأمرينِ الجالبينِ للَّعْنِ، الحاملَينِ للناسِ عليهِ، والداعيَينِ إليهِ، وذلكَ أن مَنْ فعلَهُمَا لُعِنَ وشُتِمَ، يعني أن عادةَ الناسِ

стр. 306

لعنُه، فهوَ سببٌ، فانتسَابُ اللعنِ إليهما منَ المجازِ العقلي. [قالوا] (١): وقدْ يكونُ اللاعنُ بمعْنى الملعونِ، فاعلٌ بمعْنى مفعولٍ، فهوَ كذلكَ منَ المجازِ. والمرادُ بالذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أي: يتغوَّطُ فيما يمرُّ بهِ الناسُ، فإنهُ يؤذيهِم بِنَتَنِهِ واستقذارِهِ، ويؤدي إلى لعنهِ، فإنْ كانَ لعنُهُ جائزًا، فقدْ تسببَ إلى الدعاءِ عليهِ بإبعادهِ عن الرحمةِ، وإنْ كانَ غيرَ جائزٍ، فقدْ تسببَ إلى تأثيمِ غيرِهِ بلعنهِ. فإنْ قلتَ: فأيُّ الأمرينِ أريدَ هنا؟ قلتُ: أخرجَ الطبرانيُّ في "الكبيرِ" (٢) بإسنادٍ حسنهُ الحافظُ المنذريُّ (٣)، عنْ حذيفةَ بن أسيدٍ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ آذَى المسلمينَ في طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ"، وأخرجَ في "الأوسطِ" (٤) والبيهقيُّ (٥)، وغيرُهما برجالٍ ثقاتٍ - إلَّا محمدَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ - وقدْ وثقهُ ابنُ معينٍ - منْ حديثِ أبي هريرةَ سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ سلَّ سخيمتَهُ على طريقٍ مِنْ طرقِ المسلمينَ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ"؛ والسخيمةُ - بالسينِ المفتوحةِ المهملةِ، والخاءِ المعجمةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ - العذرةُ.

стр. 307

فهذهِ الأحاديثُ دالةٌ على استحقاقِهِ اللعنةَ، والمرادُ بالظل هنا مُسْتَظَلُّ الناسِ الذي اتَّخذوهُ مقيلًا ومُناخًا ينزلونهُ ويقعدونَ فيهِ، إذْ ليسَ كلُّ ظلِّ يحرُم القعودُ لقضاءِ الحاجةِ تحتهُ، فقدْ قعدَ النبيُّ ﷺ تحتَ حائشِ النخلِ (١) لحاجتِهِ، ولهُ ظلٌّ بلا شكٍّ. قلتُ: يدلُّ لهُ حديثُ أحمدَ: (أو ظلٍّ يُسْتَظَلُّ بهِ). الأماكن المنهي عن التخلي بها ٦/ ٨٣ - وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (٢)، عَنْ مُعَاذٍ ﵁: "وَالْمَوَارِدِ"، وَلَفْظُهُ: "اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثلاثةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ". [حسن بشواهده] (وَزادَ أبو داودَ عنْ مُعَاذٍ: وَالمَوارِدِ، وَلَفْظُهُ: اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلاثَةَ: البَرَازَ)، بفتحِ الموحدةِ، فراءٍ مفتوحةٍ آخِرَهُ زايٌ، وهوَ المتَّسعُ منَ الأرضِ، يُكْنى بهِ عن الغائطِ، وبالكسرِ المبارزةُ في الحرب، (في المَوَارِدِ) جمعُ موردٍ: وهوَ الموضعُ الذي يأتيهِ الناسُ: منْ رأسِ عينٍ، أوَ نَهَرٍ لشربِ الماءِ، أو للتوضي، (وَقَارِعَةً الطَّرِيقِ) المرادُ: الطريقُ الواسعُ الذي يقرعهُ الناسُ بأرجلِهِمْ، أي: يدقونهُ ويمرونَ عليهِ، (والظِّلِّ) تقدمَ المرادُ بهِ. ٧/ ٨٤ - وَلأَحْمَدَ (٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاس: "أَوْ نَقْعَ مَاءٍ"، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ. [ضعيف]

стр. 308

(وَلأَحْمَدَ عن ابن عَبَّاسٍ: أوْ نَقْعَ ماءٍ) بفتح النونِ، وسكونِ القافِ، فعينٍ مهملةٍ. ولفظهُ بعدَ قولِهِ: "اتقوا الملاعنَ الثلاثَ: أَنْ يقعدَ أحدُكم في ظلٍّ يُسْتَظَلُّ بهِ، أوْ في طريقٍ، أو نقْعِ ماءٍ". ونَقعُ الماءِ: المرادُ بهِ الماءُ المجتمعُ كما في "النهاية" (١). (وفيهما ضعفٌ) أي: في حديثِ أحمدَ، وأبي داودَ، أما حديثُ أبي داودَ فلأنهُ قالَ أبو داودَ (٢) [عقبهُ] (٣): وهوَ مرسل، وذلكَ لأنهُ منْ روايةِ أبي سعيدٍ الحميريِّ، ولمْ يدركْ مُعاذًا؛ فيكونُ منْقطعًا. وقدْ أخرجهُ ابنُ ماجه (٤) مِنْ هذهِ الطريقِ، وأما حديثُ أحمدَ فلأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةَ، والراوي عن ابن عباسٍ مبهمٌ (٥). ٨/ ٨٥ - وَأَخْرَجَ الطَبَرانِيُّ (٦) النَّهْيَ عَنْ قضَاءِ الْحَاجَةِ تَحْتَ الأَشْجَارِ الْمُثمِرَةِ، وَضَفَّةِ النَّهْرِ الْجَارِي. من حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [إسناده ضعيف] ترجمة الطبراني (وأخرجَ الطبرانيُّ) (٧). قَالَ الذهبيُّ: هوَ الإمامُ الحجةُ أبو القاسمِ سليمانُ بنُ أحمدَ الطبرانيُّ مسندُ الدنْيا، وُلدَ سنةَ ستينَ ومائتينِ، وسمعَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ، وهاجرَ بمدائنِ الشامِ، والحرمينِ، واليمنِ، ومصرَ، وبغدادَ، والكوفةِ، والبصرةِ، وأصبهان، والجزيرةِ، وغيرِ ذلكَ، وحدَّثَ عنْ ألفِ شيخٍ أو يزيدونَ، وانَ منْ فرسانِ هذَا الشأنِ، معَ الصدقِ والأمانةِ، وأثَنى عليهِ الأئمةُ.

стр. 309

(النَّهْيُ عَنْ قضاءِ الحاجةِ تحتَ الأشجارِ المثمرةِ) وإنْ لمْ تكنْ ظِلًا لأحدٍ، (وَضَفَّةِ) بفتحِ الضاد المعجمةِ، وكسرِها: جانبُ (النهرِ الجاري. منْ حديثِ ابن عمرَ بسندٍ ضعيفٍ). لأنَّ في رُوَاتِهِ متروكًا، وهوَ فراتُ بنُ السائبِ، ذكرهُ المصنفُ في "التلخيص" (١)؛ فإذا عرفتَ هذَا، فالذي تحصَّل مِنَ الأحاديثِ ستةُ مواضعَ منهيٌّ عن التبرزِ فيها: قارعةُ الطريقِ، ويقيدُ مطلقُ الطريقِ بالقارعةِ، والظلُّ، والمواردُ، ونَقْعُ الماءِ، والأشجارُ المثمرةُ، وجانبُ النهرِ، وزادَ أبو داودَ في مراسيلهِ (٢) منْ حديثِ مكحولٍ: نهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ أنْ يُبَالَ بأبوابِ المساجدِ. النهي عن الكلام عند قضاء الحاجة ٩/ ٨٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلا يَتَحَدَّثَا، فَإِن اللَّهَ يمقُتُ عَلَى ذَلِكَ". [ضعيف] رَوَاهُ [أَحْمَد] (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (٤).

стр. 310

(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا تغوَّطَ الرَّجُلانِ فَلْيتوارَ) أي: يستترُ، وهوَ من المهموزِ، جزمَ بحذفِ الهمزةِ، (كلُّ واحدٍ منهمَا عنْ صاحبهِ)، والأمرُ للإيجابِ (ولا يتحدَّثَا) حالَ تغوُّطِهِمَا، (فإِنَّ اللَّهَ يمقتُ على ذلكَ) والمقتُ أشدُّ البغضِ (رواهُ أحمدُ وصحَّحه ابن السكنِ) (١)، بفتحِ السين المهملةِ، وفتحِ الكافِ. ترجمة ابن السكن وهوَ الحافظُ الحجةُ أبو علي سعيدُ بنُ عثمانَ بن سعيد بن السكنِ البغداديُّ نزلَ مصرَ، وولدَ سنةَ أربع وتسعينَ ومائتينِ، وعُنِيَ بهذا الشأنِ، وجمعَ وصنَّفَ وَبَعُدَ صيتُهُ. روى عنهُ أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ، توفيَ سنة ثلاثٍ وخمسينَ وثلثمائة. ترجمة ابن القطان (وابن القطان) (٢) بفتحِ القافِ وتشديدِ الطاءِ: هوَ الحافظُ العلَّامةُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بن عبدِ الملكِ الفارسيُّ الشهيرُ بابنِ القطانِ، كانَ منْ أبصرِ الناسِ بصناعةِ الحديثِ، وأحفظِهم لأسماءِ رجالِهِ، وأشدِّهم عنايةً بالروايةِ، ولهُ تآليفُ. حدَّثَ ودرسَ، ولهُ كتابُ "الوهمِ والإيهامِ" الذي وضعهُ على الأحكامِ الكُبرى لعبدِ الحقِّ؛ [وهوَ] (٣) يدلُّ على حفظهِ وقوةِ فهمهِ، لكنهُ تعنَّتَ في أحوالِ الرجالِ. توفيَ في ربيعِ الأول سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وستمائةِ. (وهو معلولٌ). ولمْ يذكرْ في الشرحِ العلةَ، وهي ما [قالهُ] (٤) أبو داودَ: لمْ يسندهُ إلا عكرمةُ بنُ عمارٍ العجليُّ اليمانيُّ، وقدْ احتجَّ بهِ مسلمٌ في صحيحهِ، وضعّفَ بعضُ الحفاظِ حديثَ عكرمةَ هذا عنْ يحيى بن أبي كثيرٍ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ حديثَهُ عنْ يحيى بن أبي كثيرٍ، واستشهدَ البخاريُّ بحديثهِ عنهُ. وقدْ رَوَى حديثَ النهيِ عن الكلامِ حالَ قضاءِ الحاجةِ أبو داودَ (٥)،

стр. 311

وابنُ ماجه (١) منْ حديثِ أبي سعيدٍ، وابنُ خزيمةَ في صحيحه (٢)، إلَّا أنهمْ رووهُ كلُّهم منْ روايةِ عياضِ بن هلالٍ، أو هلالِ بن عياضٍ. قالَ الحافظُ المنذريُّ (٣): لا أعرفهُ بجرحٍ ولا عدالةٍ، وهوَ [في] (٤) عدادِ المجهولينَ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ، والنهي عن التحدُّثِ حالَ قضاءِ الحاجةِ، والأصلُ فيهِ التحريمُ، وتعليلُهُ بمقتِ اللَّهِ علَيهِ أي: شدةِ بغضهِ لفاعلِ ذلكَ، زيادةٌ في بيانِ التحريمِ. ولكنهُ ادَّعى في "البحر" (٥) أنهُ لا يحرمُ إجماعًا، وأنَّ النهيَ للكراهةِ، فإنْ صحَّ الإجماعُ وإلَّا [فالأصل] (٦) هوَ التحريمُ. وقدْ تركَ ﷺ ردَّ السلامِ الذي هوَ واجبٌ عندَ ذلكَ، فأخرجَ الجماعةُ (٧) إلَّا البخاريُّ عن ابن عمرَ: "أن رجلًا مرَّ على النبيّ ﷺ وهوَ يبولُ - فسلَّمَ عليهِ فلمْ يردَّ عليهِ". النهي عن الاستنجاء باليمين ١٠/ ٨٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ، ولَا يَتَنَفسْ في الإِنَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]

стр. 312

(وَعَنْ أَبي قتادةَ ﵁ قالَ رسولُ الله ﷺ : لَا يَمَسَّنَّ أَحدُ ذَكَرَهُ بيمينِهِ وهوَ يُبولُ ولا يَتَمَسّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِه)؛ كنايةٌ عن الغائطِ - كما عرفتَ أنهُ أحدُ ما يطلقُ عليهِ (ولا يَتَنَفَّسْ) يخرجُ نفسهُ (في الإناءِ) عندَ شربهِ منهُ. (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). وفيه دليلٌ على تحريمِ مسِّ الذكرِ باليمينِ حالَ البولِ؛ لأنهُ الأصلُ في النهيِ وتحريمُ التمسُّحِ بِهَا منَ الغائطِ، وكذلكَ منَ البولِ، لما يأتي [منْ] (١) حديثِ سلمانَ (٢). وتحريمُ التنفسِ في الإناءِ حالَ الشربِ. وإلى التحريمِ ذهبَ أهلُ الظاهرِ في الكلِّ عملًا بهِ كما عرفتَ وكذلكَ جماعة منَ الشافعيةِ في الاستنجاءِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ للتنزيهِ، وأجمل البخاريُّ (٣) في الترجمةِ فقالَ: (بابُ النهي عن الاستنجاءِ باليمينِ) وذكرَ حديثَ الكتابِ. قالَ المصنفُ في "الفتحِ" (٤): عبَّرَ بالنهي إشارةً إلى أنهُ لمْ يظهرْ لهُ هلْ للتحريمِ أو للتنزيهِ؟ أوْ أن القرينةَ الصارفةَ للنهي عن التحريمِ لم تظهرْ [له] (٥)، وهذا حيثُ استنجَى بآلةٍ كالماءِ والأحجارِ، أما لَو باشرَ بيدهِ فإنهُ حرامٌ إجماعًا، وهذا تنبيهٌ على شرفِ اليمينِ وصيانَتِها عن الأقذارِ. والنهيُّ عن التنفسِ في الإناءِ، لئلَّا يقذرهُ على غيرِهِ، أوْ يسقطَ مِنْ فمهِ أو أنفهِ ما يفسدُهُ على الغيرِ. وظاهرهُ أنهُ للتحريمِ وحملَهُ الجماهيرُ على الأدبِ. النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١١/ ٨٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﵁ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أوْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ. [صحيح] رَواهُ مُسْلِمٌ (٦).

стр. 313

ترجمة سلمان الفارسي (وعن سلمان) (١) ﵁. هوَ أبو عبدِ اللَّهِ سلمانُ الفارسيُّ ويقالُ لهُ: سلمانُ الخيرِ مولَى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أصلهُ منْ فارسَ، سافرَ لطلبِ الدينِ، وتنصَّرَ، وقرأَ الكُتُبَ، ولهُ أخبارٌ طويلةٌ نفيسةٌ، ثمَّ تنقَّلَ حتَّى انتَهَى إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فآمنَ بهِ وحسُنَ إسلامهُ، وكانَ رأسًا في أهلِ الإسلامِ. وقالَ فيهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ" (٢)، وولاهُ عمرُ المدائنَ، وكانَ مِنَ المعمَّرينَ، قيلَ: عاشَ مائتينِ وخمسينَ سنة، وقيل: ثلثمائةٍ وخمسينَ. وكانَ يأكلُ مِنْ عملِ يدهِ ويتصدَّقُ بعطائهِ. ماتَ بالمدينةِ سنةَ [خمسينَ] (٣)، وقيلَ: اثنتينِ وثلاثينَ. (قالَ: لقدْ نَهَانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ) المرادُ أنْ نستقبلَ بفروجِنَا عندَ خروجِ الغائطِ أو البولِ، (أوْ أنْ نستنجي باليمينِ) وهذا غيرُ

стр. 314

النهي عنْ مسِّ الذَّكَرِ باليمينِ عندَ البولِ الذي مرَّ، (أوْ أنْ نستنجيَ بأقلَّ منْ ثلاثةِ أحجارٍ) الاستنجاءُ: إزالةُ النجوِ بالماءِ أو الحجارةِ (أوْ أنْ نستنجيَ برجيعٍ) وهوَ: الروْثُ (أو عظمٍ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ فيهِ النهيُّ عن استقبالِ القبلةِ، وهي الكعبةُ كما فسَّرَهَا حديثُ أبي أيُّوبَ في قوله: "فوجدْنَا مراحيضَ قد بُنِيَتْ نحوَ الكعبةِ، فننحرفُ ونستغفرُ اللَّهَ"، وسيأتي (١). ثم قدْ وردَ النهيُ عن استدبارِها - أيضًا - كما في حديثِ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (٢) مرفوعًا: "إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحاجَتِهِ فلا يستقبلِ الْقِبْلَةَ ولا يستدبرْهَا"، وغيرِهِ منَ الأحَاديثِ. أقوال العلماء في النهي عن استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة واختلفَ العلماءُ: هلْ هذَا النهيُ للتحريمِ أوْ لا؟ علَى خمسةِ أقوالٍ: الأولُ: أنهُ للتنزيهِ، بلا فرقٍ بينَ الفضاءِ والعمرانِ، فيكونُ مكروهًا، وأحاديثُ النهي محمولةٌ على ذلكَ بقرينةِ حديثِ جابرٍ: "رأيتُهُ قبلَ موتهِ بعامٍ مستقبلَ القبلةِ". أخرجهُ أحمدُ (٣)، وابنُ حبانَ (٤)، وغيرُهما، وحديثُ ابن عمرَ:

стр. 315

"أنهُ رأى النبيَّ ﷺ يقضي حاجتهُ مستقبلًا لبيتِ المقدسِ مستدبرًا للكعبةِ"، متفقٌ عليهِ (١). وحديثُ عائشةَ: "فحوِّلوا مِقْعَدَتِي إلى القبلةِ"، [المرادُ بمقعدتهِ ما كانَ يقعدُ عليهِ حالَ قضاءِ حاجتهِ إلى القبلة] (٢)، رواهُ أحمدُ (٣)، وابنُ ماجه (٤)، وإسنادُهُ حسنٌ. وأولُ الحديثِ أنهُ ذُكِرَ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ قومٌ يكرهونَ أنْ يستقبِلُوا بفروجِهِم القبلةَ قال: "أراهمْ قدْ فعلُوا، استقْبلُوا بِمَقْعَدَتي القِبْلَةَ"؛ هذا لفظُ ابن ماجه. وقالَ الذهبيُّ في "الميزانِ" (٥) في ترجمةِ خالدِ بن أبى الصلتِ: هذا الحديث منكرٌ. الثاني: أنهُ محرَّمٌ فيهمَا؛ لظاهرِ أحاديثِ النهي. والأحاديثُ التي جعلتْ قرينةً على أنهُ للتنزيهِ محمولةٌ على أنَّها كانتْ لعذرٍ؛ ولأنَّها حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها. الثالث: أنهُ مباحٌ فيهما. قالُوا: وأحاديثُ النهي منسوخةٌ بأحاديثِ الإباحةِ؛ لأنَّ فيها التقييدَ بقبلِ عامٍ ونحوِه، واستقواهُ في الشرح. الرابعُ: يحرمُ في الصحاري دونَ العمرانِ؛ لأنَّ أحاديثَ الإباحةِ وردتْ في العمران فحُمِلتْ عليهِ، وأحاديثُ النهي عامةٌ. وبعدَ تخصيصِ العمرانِ بأحاديثِ فعلِهِ التي سلفتْ، بقيتِ الصحاري على التحريمِ. وقدْ قالَ ابنُ عمرَ: إنما نُهِي عنْ ذلكَ في الفضاءِ، فإذَا كانَ بينَك وبينَ القبلةِ شيءٌ يَسْتُرُكَ فلا بأسَ بهِ. رواهُ أبو داودَ (٦) وغيرهُ. وهذا القولُ ليسَ بالبعيدِ؛ لبقاءِ أحاديثِ النهي على بابِها، وأحاديثُ الإباحةِ كذلك.

стр. 316

الخامسُ: الفرقُ بينَ الاستقبالِ، فيحرمُ فيهما، ويجوزُ الاستدبارُ فيهمَا. وهوَ مردودٌ بورودِ النهي فيهمَا على سواءٍ. فهذهِ خمسةُ أقوالٍ، أقربُها الرابعُ. وقدْ ذُكِرَ عن الشعبي أن سببَ النهي في الصحراءِ أنَّها لا تخلُو عنْ مصلِّ منْ مَلَكٍ، أو [آدميٍّ] (١)، أو جِنِّيٍّ، فربَّما وقعَ بصرُهُ على عورتِهِ. رواهُ البيهقيُّ (٢). وقدْ سُئِلَ [أيْ الشعبيُّ] (٣) عن اختلافِ الحديثينِ حديثِ ابن عمرَ أنهُ رآه ﷺ يستدبرُ القبلةَ، وحديثِ أبي هريرةَ في النهي، فقال: صَدَقَا جميعًا، أما قولُ أبي هريرةَ فهوَ في الصحراءِ، فإنَّ للَّهِ عبادًا ملائكة وجِنًّا يصلّونَ؛ فلا يستقْبلهُمْ أحدٌ ببولٍ ولا غائطٍ ولا يستدبرْهم، وأما كُنُفُكم فإنما هي بيوتٌ بُنِيَتْ لا قبلةَ فيها. وهذا خاصٌّ بالكعبةِ، وقد أُلْحِقَ بها بيتُ المقدسِ لحديثِ أبِي داودَ (٤): "نهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن استقبالِ القبلتينِ بغائطٍ، أو بولٍ"؛ وهوَ حديثٌ ضعيفٌ لا يقْوى على رفعِ الأصلِ. وأضعفُ منهُ القولُ بكراهةِ استقبالِ القمرينِ؛ لما يأْتي في الحديثِ الثاني عشر (٥). والاستنجاءُ باليمنى تقدَّمَ الكلامُ عليهِ. وقولُهُ: " [أوْ أنْ] (٦) نستنجيَ بأقلَّ منْ ثلاثةِ أحجارٍ"، يدلُّ على أنهُ لا يجزئُ أقلُّ منْ ثلاثةِ أحجارِ، وقدْ وردَ كيفيةُ استعمالِ الثلاثِ في حديثِ ابن عباسٍ (٧): "حجرانِ للصفحتينِ، وحجرٌ للمسرَبةِ"

стр. 317

وهي بسينٍ مهملةٍ، وراءٍ مضمومةٍ أو مفتوحةٍ: مَجْرَى الحَدَثِ مِنَ الدبرِ. وللعلماءِ خلافٌ في الاستنجاءِ بالحجارةِ: فالهادويةُ أنهُ لا يجبُ الاستنجاءُ إلَّا على المتيممِ، أوْ من خَشيَ تعدِّي الرطوبةِ ولم تزلِ النجاسةُ بالماءِ، وفي غيرِ هذهِ الحالةِ مندوبٌ لا واجبٌ، وإنما يجبُ الاستنجاءُ بالماءِ للصلاةِ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ مخيَّرٌ بينَ الماءِ والحجارةِ، أيَّهُمَا فعلَ أجزأَهُ، وإذا اكتفَى بالحجارةِ فلا بدَّ عندهُ منَ الثلاثِ المسَحَاتِ، ولو زالتِ العينُ بدونِها. وقيلَ: إذَا حصلَ الإنقاءُ بدونِ الثلاثِ أَجزأَ. وإذَا لمْ يحصلْ بثلاثٍ، فلا بدَّ مِنَ الزيادةِ، ويندبُ الإيتارُ، ويجب التثليثُ في القُبُلِ والدُّبُرِ، فتكونُ ستةَ أحجارٍ. ووردَ ذلكَ في حديثٍ. قلتُ: إلَّا أن الأحاديثَ لم تأتِ في طلبهِ ﷺ لابنِ مسعودٍ (١)، وأبي هريرةَ (٢)، وغيرِهِما إلَّا بثلاثةِ أحجارٍ، وجاءَ بيانُ كيفيةِ استعمالِها في الدبرِ، ولم يأتِ في القُبُلِ، ولوْ كانتِ الستُّ مرادةً لطلَبَها ﷺ عندَ إرادتِه التبرُّزَ] (٣)، ولو في بعضِ الحالاتِ، فلوْ كانَ حجرٌ لهُ ستةُ أحرفٍ أجزأَ المسحُ بهِ. ويقومُ غيرُ الحجارةِ مما يُنَقِّي مقامَها (٤) خلافًا للظاهريةِ، فقالُوا بوجوبِ الأحجار تمسُّكًا بظاهرِ الحديثِ. وأجيبَ بأنهُ خَرَجَ على الغالبِ لأنهُ المتيسِّرُ. ويدلُّ على ذلكَ نهيهُ أنْ يُستنجَى برجيع أو عظمٍ، ولو تعيَّنتِ الحجارةُ لنهى عما

стр. 318

[سواهُ] (١)، وكذلكَ نَهَى عن الحُممِ، فعندَ أبي داودَ (٢): "مرْ أُمَّتَكَ أنْ لا يستنجُوا بروثةٍ أو حُمَمَةٍ (٣)؛ فإنَّ اللَّهَ - تَعَالى - جعلَ لنا فيها رِزْقًا"؛ فَنَهى ﷺ عنْ ذلكَ. وكذلكَ وردَ في العظمِ أنَّها منْ طعامِ الجنِّ كما أخرجَهُ مسلمٌ (٤) منْ حديثِ ابن مسعودٍ وفيهِ أنهُ قالَ ﷺ للجنِّ لما سألوهُ الزاد: "لكمْ كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ أوفرَ ما يكونُ لحمًا، وكلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لدوابّكُمْ". ولا ينافيهِ تعليلُ الروثةِ بأنها رِكْسٌ في حديثِ ابن مسعودٍ (٥) لمّا طلبَ منهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يأتيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فأتاهُ بحجرينِ وروثةٍ فألقَى الروثةَ وقال: "إِنَّها رِكْسٌ"، فقدْ يُعَلَّلُ الأمرُ الواحدُ بِعِلَلٍ كثيرةٍ. ولا مانعَ - أيضًا - أنْ تكونَ رِجْسًا وتُجْعَلَ لدوابِّ الجنِّ أكلًا. ومما يدلُّ على عدمِ النهي عن استقبالِ القمرينِ الحديثُ الآتي: جواز استقبال أو استدبار القمرين ١٢/ ٨٩ - وَللسّبْعَةِ (٦) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: "وَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِروهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". [صحيح] ترجمة أبي أيوب الأنصاري قولهُ: (وللسبعةِ منْ حديثِ أبي أيوبَ) (٧).

стр. 319

واسمهُ خالدُ بنُ زيدٍ بن كليبٍ الأنصاريُّ، منْ أكابرِ الصحابةِ، شهدَ بدرًا، ونزلَ النبيُّ ﷺ حالَ قدومهِ المدينةَ عليهِ. ماتَ غازيًا سنةَ خمسينَ بالرومِ، وقيلَ: بعدَها. والحديثُ مرفوعٌ، أولهُ أنهُ قالَ ﷺ : "إذا أتيتُمُ الغائطَ" الحديثَ. وفي آخرِهِ منْ كلامِ أبي أيوبَ قالَ: فقدِمْنَا الشامَ؛ فوجدْنا مراحيضَ قد بُنيتْ نحوَ الكعبةِ … الحديثُ تقدَّمَ. فقولُهُ: (لا تسْتقبلُوا القبلةَ [ولا تستدْبرُوها] (١) ببولٍ أو غائطٍ، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا)، صريحٌ في جوازِ استقبالِ القمرينِ واستدبارِهما، إذْ لا بدَّ أن يكونَا في الشرقِ أوِ الغربِ غالبًا. من أتى البول أو الغائط فليستتر ١٣/ ٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ عَائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ أَتَى الغَائِطَ فلْيَسْتَتِرْ. رواهُ أبو داودَ). هذا الحديثُ في "السننِ" نسبهُ إلى أبي هريرةَ، وكذلكَ في "التلخيص" (٣)، وقالَ: "مدارهُ على أبي سعيدٍ الحبرانيِّ الحمصيِّ، وفيهِ اختلافٌ. قيلَ: إنهُ صحابيٌّ، ولا يصحُّ. والراوي عنهُ مختلفٌ فيهِ.

стр. 320

والحديثُ كالذي سلفَ دالٌّ على وجوبِ الاستتارِ، وقدْ قدَّمْنا شطرَه، ولفظهُ في "السننِ": عنْ أبي هريرةَ عن النبيّ ﷺ : "مَنِ اكتحلَ فليوترْ، مَنْ فَعلَ فقدْ أحسنَ، ومنْ لا فَلا حرجَ. ومنِ استجمرَ فليوترْ، منْ فعلَ فقدْ أحسنَ، ومَنْ لا فَلا حرجَ. ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ [فليلفظْ] (١)، وما لاكَ بِلسانهِ [فليبتلعْ] (٢)، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسنَ، ومَنْ لا فلا حرجَ. ومَنْ أتَى الغائطَ فليستترْ، فإنْ لمْ يجدْ إلَّا أنْ يجمعَ كثيبًا مِنْ رملٍ فلْيستترْ بهِ، فإنَّ الشيطانَ يلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومَنْ لا فلا حرجَ". فهذا الحديثُ الذي أخرجهُ أبو داودَ عنْ أبي هريرةَ، وليسَ لهُ هنَا عنْ عائشةَ روايةٌ، ثمَّ هوَ مضعَّفٌ بمنْ سمعت، فكانَ على المصنفِ أنْ يعزوهُ إلى أبي هريرةَ، وأنْ يشيرَ إلى ما فيهِ على عادتهِ في الإشارةِ إلى ما قيلَ في الحديثِ، وكأنهُ تركَ ذلكَ؛ لأنهُ قالَ [المصنف] (٣) في "فتح الباري" (٤): إِنَّ إسنادهُ حسنٌ. وفي "البدرِ المنير": إنه حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه جماعةٌ منهمُ ابنُ حبانَ (٥)، والحاكمُ (٦)، والنّوويُّ (٧). ما يقول إذا فرغ من قضاء الحاجة ١٤/ ٩١ - وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ". [صحيح] أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (٨)، وَصَحّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ (٩).

стр. 321

(وَعَنْهَا) أي: عائشة ﵂ (أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا خرجَ منَ الغائطِ قالَ: غفْرَانَكَ)؛ بالنصب على أنه مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: أطلبُ غفرانَكَ، (أخرجهُ الخمسة، وصحَّحهَ الحاكمُ، وأبو حاتم). ولفظةُ (خرجَ) تشعرُ بالخروجِ منَ المكانِ - كما سلفَ في لفظِ (دخلَ) - لكنَّ المرادَ أعمُّ منهُ، ولوْ كانَ في الصحراءِ. قيلَ: واستغفارُهُ ﷺ منْ تركِهِ لذكرِ اللَّهِ وقتَ قضاءِ الحاجةِ؛ لأنهُ كانَ يذكرُ اللَّهَ على كلّ أحيانِهِ، فجعلَ تركَهُ لذكرِ اللَّهِ في تلكَ الحالِ تقصيرًا وعدَّهُ على نفسهِ ذنْبًا، فتداركَهُ بالاستغفار. وقيلَ: معناهُ التوبةُ من تقصيرهِ في شكرِ نعمتهِ التي أنعمَ بهِا عليهِ، فأطعمهُ، ثم هضمَهُ، ثم سهَّلَ خروجَ الأذَى منهُ، فرأى شكرَهُ قاصرًا عنْ بلوغِ حقِّ هذه النعمةِ، ففزعَ إلى الاستغفار منهُ، وهذَا أنسبُ ليوافقَ حديثَ أنسٍ قال: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خرجَ منَ الخلاءِ قالَ: "الحمدُ للَّهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني"، رواهُ ابنُ ماجه (١). ووردَ في وصفِ نوحٍ ﵇ أنهُ كان [يقولُ] (٢) مِنْ جملةِ شكرِهِ [بعد الغائط] (٣): "الحمدُ للَّهِ الذي أذهبَ عني الأذَى، ولو شاءَ [حَبَسَهُ] (٤) فيَّ"، وقدْ وصفهُ الله بأنهُ كانَ عبدًا شكورًا (٥).

стр. 322

قلت: ويحتملَ أن استغفارَهُ للأمرينِ مَعًا، ولما لا نعلمُهُ. على أنهُ قدْ يقالُ: إنهُ ﷺ وإنْ تركَ الذكرَ بلسانِهِ [حالةَ] (١) التبرزِ لمْ يتركْهُ بقلبهِ. وفي البابِ منْ حديثِ أنسٍ (٢) أنهُ ﷺ كانَ يقولُ: "الحمدُ للَّهِ الذي أحسنَ إليَّ في أولهِ وآخرِهِ"، وحديث ابن عمرَ (٣) أنهُ ﷺ كانَ يقولُ إذا خرجَ: "الحمدُ للَّهِ الذي أذاقني لذَّتَهُ، وأبقى فيَّ قوتَهُ، وأذهبَ عني أذاهُ"، وكلُّ أسانيدِهَا ضعيفةٌ. وقالَ أبو حاتمٍ: أصحُّ ما فيهِ حديثُ عائشةَ. قلت: لكنهُ لا بأسَ في الإتيانِ بها جميعًا؛ شكرًا على النعمةِ، ولا يشترطُ الصحةُ للحديثِ في مثل هَذا (٤). يستنجي في كل واحد من السبيلين بثلاثة أحجار ١٥/ ٩٢ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتى النبيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هَذَا رِجْسٌ - أَوْ رِكْسٌ". [صحيح] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). وَزَادَ أَحْمَدُ (٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٧): "ائْتِني بِغَيرِهَا".

стр. 323

ترجمة ابن مسعود (وعنِ ابن مسعودِ) (١). (هو عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ). قالَ الذهبيُّ: هو الإمامُ الربانيُّ أبو عبدِ الرحمنِ، عبدُ اللهِ بنُ أمِّ عبدٍ الهُذلي، صاحبُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وخادمُهُ، وأحدُ السابقينَ الأوَّلينَ منْ كبارِ البدريينَ، ومنْ نبلاءِ الفقهاءِ والمقرَّبينَ. أسلمَ قديمًا وحفظَ مِنْ فيِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ سبعينَ سورةً. وقالَ ﷺ : "مَنْ أحبَّ أنْ يقرأ القرآنَ غضًّا كما أُنزِلَ، فليقرأْه على قراءةِ ابن أمِّ عبدٍ" (٢). وفضائلُهُ جمَّةٌ عديدَةٌ، توفيَ بالمدينةِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ، ولهُ نحوٌ منْ ستينَ سنةً. (قال: أتى النبيُّ ﷺ الغائطَ؛ فأمرني أنْ آتيهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدت حجرينِ ولمْ أجدْ ثالثًا، فأتيتهُ بِرَوْثَةٍ فأخَذَهُما، وألقى الروثَة)، زادَ ابنُ خزيمة (٣) أنَّها كانتْ روثةُ حمارٍ، (وقالَ: إنها رِكسٌ) بكسرِ الراءِ، وسكونِ الكافِ، في "القاموسِ" (٤): أنه الرجسُ. (أخرجهُ البخاريُّ. وزادَ أحمدُ والدارقطنيُّ: ائتني بغيرِها). أخذَ بهذَا الحديثِ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأصحابُ الحديثِ، فاشترطُوا أن لا تنقصَ الأحجارُ عن الثلاثِ، معَ مراعاةِ الإنقاءِ، وإذا لمْ يحصلْ بها زادَ حتى يَنْقَى. ويستحبُّ الإيتارُ، وتقدَّمتِ الإشارةُ إلى ذلكَ، ولا يجبُ الإيتارُ لحديثِ أبي داودَ (٥): "وَمَنْ لا فلا حرجَ"، تقدمَ.

стр. 324

قالَ الخطابيُّ: لوْ كانَ القصدُ الإنقاءَ فقطْ لَخَلا ذكرُ اشتراطِ العددِ عن الفائدةِ، فلما اشترطَ العددَ لفظًا، وعلمَ الإنقاءَ معنًى، دلَّ على إيجابِ الأمرينِ. وأمَّا قولُ الطحاويِّ (١): لوْ كانَ الثلاثُ شرطًا لطلبَ ﷺ ثالثًا، فجوابهُ أنهُ قدْ طلبَ ﷺ الثالثَ كما في روايةِ أحمدَ (٢)، والدارقطنيِّ (٣)، المذكورةِ في كلامِ المصنفِ، وقدْ قالَ في "الفتح" (٤): إنَّ رجالهُ ثقاتٌ. على أنهُ لو لمْ تثبتِ الزيادةُ هذهِ، فالجوابُ على الطحاويِّ أنهُ ﷺ اكتفَى بالأمرِ الأولِ في طلب الثلاثِ، وحينَ ألْقَى الروثةَ علمَ ابنُ مسعودٍ أنهُ لمْ يتمَّ امتثالهُ الأمرَ حتى يَأتيَ [بثالثةٍ] (٥)، ثمَّ يحتملُ أنه ﷺ اكتفَى بأحدِ أطرافِ الحجرينِ فمسحَ بهِ المسحةَ الثالثةَ، إذِ المطلوبُ تثليثُ المسح ولو بأطرافِ حجرٍ واحدٍ، وهذهِ الثلاثُ لأحدِ السبيلينِ. ويشترطُ للآخرِ ثلاثةٌ - أَيضًا - فتكون ستةً؛ لحديثٍ وردَ بذلكَ في مُسنَدِ أحمدَ، على أن في نفسي منْ إثباتِ ستةِ أحجارٍ [شيئًا] (٦)؛ فإنهُ ما عُلم أنهُ طلب ستةَ أحجارٍ مع تكررِ ذلكَ منهُ مع أبي هريرةَ (٧) وابنِ مسعودٍ (٨)، وغيرهما. والأحاديثُ بلفظِ: "من أتى الغائطَ"، كحديثِ عائشةَ: "إذا ذهب أحدكمُ إلى الغائطِ فليستطبْ بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنَّها تجزئُ عنهُ" عندَ أحمدَ (٩)، والنسائيِّ (١٠)، وأبي داودَ (١١)، والدارقطنيِّ (١٢) وقالَ: إسنادهُ حسنٌ صحيحٌ. معَ أن الغائطَ إذا أُطْلِقَ ظاهرٌ في خارجِ الدُّبر، وخارجُ القُبلِ يلازمهُ.

стр. 325

وفي حديثِ خُزَيْمَةَ بن ثابتٍ: أنهُ ﷺ سُئلَ عن الاستطابةِ فقالَ: "بثلاثةِ أحجارٍ ليسَ فيها رجيعٌ"، أخرجهُ أبو داودَ (١). والسؤالُ عامٌّ للمَخرَجَيْنِ معًا أو أحدِهما، والمحلُّ محلُّ البيانِ. وحديثُ سلمانَ (٢) بلفظ: أمَرَنَا أنْ لا نكتفيَ بدونِ ثلاثةِ أحجارٍ. [أخرجه مسلم] (٣)، وهوَ مطلقٌ في المَخرَجَينِ. ومَنِ اشترطَ الستةَ؛ فلحديثٍ أخرجهُ أحمدُ - ولا أدري ما صحتُهُ، فيُبحثُ عنهُ - ثم تتبعتُ الأحاديثَ الواردةَ في الأمرِ بثلاثةِ أحجارٍ، والنهي عن أقلَّ منها، فإذا هي كلُّها في خارجِ الدُّبرِ، فإنَّها بلفظِ النهي عن الاستنجاءِ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، [وبلفظِ الاستطابةِ بثلاثةِ أحجارٍ] (٤)، وبَلفظِ الاستجمارِ: "إذا استجمرَ أحدَكم فليستجمرْ ثلاثًا" (٥)، وبلفظ التمسُّحِ: "نَهَى ﷺ أنْ يتمسَّحَ بعظمٍ" (٦). إذا عرفتَ هذا، فالاستنجاءُ لغةً: إزالةُ النجو، وهو الغائطُ. والغائطُ كنايةٌ عن العَذِرَةِ، والعَذِرَةُ خارجُ الدُّبرِ كما يفيدُ ذلكَ كلامُ أهلِ اللغةِ، ففي "القاموسِ" (٧):

стр. 326

النَّجو ما يَخْرُجُ منَ البَطْنِ مِنْ ريحٍ أو غائطٍ. واسْتَنْجَى: اغْتَسَلَ بالماءِ منهُ، أو تَمَسَّحَ بالحَجَرِ. وفيهِ (١): استطابَ اسْتَنْجَى، واسْتَجْمَرَ اسْتَنْجَى، وفيه (٢): التمسُّحُ إمرارُ اليدِ لإزالةِ الشيءِ السائلِ، أو المُتَلَطِّخِ اهـ. فعرفت منْ هذا كلِّه أن الثلاثة الأحجارَ لم يردِ الأمرُ بها والنهيُّ عن أقلَّ منها إلا في إزالةِ خارجِ الدبرِ لا غيرُ، ولم يأتِ بها دليلٌ في خارجِ القُبُلِ، والأصلُ عدمُ التقريرِ بعددٍ، بل المطلوبُ الإزالةُ لأثرِ البولِ من الذكرِ، فيكفي فيهِ واحدةٌ مع أنهُ قدْ وردَ بيانُ استعمالِ الثلاثِ في الدُّبُر: بأنَّ واحدةً للمسرَبةِ واثنتينِ للصفحتينِ، ما ذاكَ إلَّا لاختصاصهِ بِهَا. النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث ١٦/ ٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى أن يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أو رَوْثٍ وَقَالَ: "إنهُمَا لا يُطَهِّرَانِ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَصَحَّحَهُ (٣). [إسناده صحيح] (وَعَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ نَهَى أنْ يُستنجَى بعظمٍ أوْ رَوْثٍ، وقال: إنهما لا يطَهِّرَانِ. رواهُ الدَّارَقُطْنيَّ وصحَّحهُ). وأخرجهُ ابنُ خُزَيمَةَ (٤) بلفظهِ هذَا، والبخاريُّ (٥) بقريبٍ منهُ، وزادَ فيهِ أنهُ قالَ لهُ أبو هُرَيَرَةَ لما فرغَ: ما بالُ العظمِ والروثِ؟ قال: "هي منْ طعامِ الجنِّ"، وأخرجهُ البيهقيُّ مطولًا (٦). كذا في الشرحِ، ولفظهُ في "سننِ البيهقي": "أنهُ ﷺ قال لأبي هُرَيرَةَ ﵁: "ابغني أحجارًا أستنفضُ بها، ولا تأتني بعظمٍ ولا روثٍ"، فأتيتهُ بأحجارٍ فِي ثوبِي، فوضعتُها إلى جنبهِ، حتى إذا فرغَ وقامَ تبعتهُ فقلتُ: يا

стр. 327

رسولَ اللَّهِ، ما بالُ العظمِ والرَّوثِ؟ فقال: "أتاني وفدُ نصيبينِ فسألونِي الزادَ فدعوتُ اللَّهَ لهم ألَّا يمرُّوا بروثيةٍ ولا عظمٍ إلا وجدُوا عليهِ طعامًا. [والنهي] (١) في البابِ عن الزبير (٢)، وجابرٍ (٣)، وسهلِ بن حنيفٍ (٤)، وغيرِهم بأسانيدَ فيها ما فيه مقالٌ، والمجموعُ يشهدُ بعضُها لبعض. وَعُلّلَ هنا بأنَّهُمَا لا يُطهِّرانِ، وَعُلّلَ بأنهما طعامُ الجنِّ، وعُلِّلَت الروثةُ بأنَّها ركسٌ. والتعليلُ بعدمِ التطهيرِ فيها عائدٌ إلى كونِها رِكْسًا. وأما عدمُ تطهيرِ العظمِ فلأنهُ لزجٌ لا يكادُ يتماسكُ، فلا ينَشِّفُ النجاسةَ، ولا يقطعُ البِلَّةَ. ولما علَّل ﷺ بأنَّ العظمَ والرَّوثةَ طعامُ الجنِّ، قال لهُ ابنُ مسعودٍ: وما يغني عنهمْ ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: "إنهمْ لا يجدونَ عظمًا إلا وجدُوا عليهِ لحمَهُ الذي كانَ عليهِ يومَ أُخِذَ، ولا وجَدُوا رَوثًا إلَّا وجدُوا فيهِ حبَّهُ الذي كان يومَ أُكِلَ"، رواهُ أبو عبدِ اللَّهِ الحاكمُ في "الدلائلِ". ولا ينافيهِ ما وردَ أن الرَّوثَ علفٌ لدوابِّهم كما لا يخْفى. وفيهِ دليلٌ على أن الاستنجاءَ بالأحجارِ طهارةٌ لا يلزمُ معَها الماءُ وإن استُحبَّ؛ لأنهُ علّلَ بأنهما لا يطهِّرانِ، فأفادَ أن غيرَهما يُطَهِّرُ. التنزُّه من البول وأن عامة عذاب القبر منه ١٧/ ٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ". [حسن لغيره]

стр. 328

رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (١). (وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : استَنْزِهُوا) منَ التنزُّهِ وهوَ البُعدُ بمعنى تنزَّهُوا، أو بمعنى اطلبُوا النزاهةَ (منَ البولِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ)، أي: أكثرُ مَنْ يعذَّبُ فيهِ (منه)، أي: بسببِ ملابستهِ لهُ وعدمِ التنزُّهِ عنهُ. (رواهُ الدارقطنيُّ). والحديثُ آمرٌ بالبعدِ عن البولِ، وأنَّ عقوبةَ عدمِ التنزهِ منهُ تُعجَّلُ في القبرِ، وقدْ ثبتَ حديثُ الصحيحينِ (٢): "أنهُ ﷺ مرَّ بقبرين يُعَذَّبَانِ، ثمَّ أخبرَ أن عذابَ أحدِهِما؛ لأنهُ كانَ لا يستنزهُ منَ البولِ، أوْ لأنهُ لا يستترُ منْ بولِهِ"، منَ الاستتارِ أي: لا يجعلُ بينَهُ وبينَ بولِهِ ساترًا يمنعهُ عن الملامسةِ لهُ، أوْ "لأنهُ لا يستبرئُ" منَ الاستبراءِ، أوْ "لأنهُ لا يتوقَّاهُ". وكلُّها ألفاظٌ واردةٌ في الرواياتِ، والكلُّ مفيدٌ لتحريمِ [ملامسةِ] (٣) البولِ وعدمِ التحرُّزِ منهُ. وقدِ اختلفَ الفقهاءُ: هلْ إزالةُ النجاسةِ فرضٌ أوْ لا؟ فقالَ مالكٌ: إزالتُها ليستْ بفرضٍ. وقالَ الشافعيُّ: إزالتُها فرضٌ ما عدَا ما يُعْفَى عنهُ منْها، واستدلَّ على الفرضيةِ بحديثِ التعذيبِ على عدمِ التنزُّهِ من البولِ، وهوَ وعيدٌ لا يكونُ إلَّا على تركِ فرضٍ، واعتذرَ لمالكٍ عن الحديثِ بأنهُ يحتملُ أنهُ عذبَ لأنهُ كانَ يتركُ البولَ يسيلُ عليهِ فيصلِّي بغيرِ طهورٍ؛ لأنَّ الوضوءَ لا يصحُّ معَ وجودِهِ. ولا يَخْفَى أن

стр. 329

أحاديثَ الأمرِ بالذهابِ إلى المخرجِ بالأحجارِ، والأمرِ بالاستطابةِ [دالةٌ] (١) على وجوبِ إزالةِ النجاسةِ. وفيهِ دلالةٌ على نجاسةِ البولِ. والحديثُ نصٌّ في بولِ الإنسانِ؛ لأنَّ الألفَ واللامَ في البولِ في حديثِ البابِ عوضٌ عن المضافِ، أي: عنْ بولهِ، بدليلِ لفظِ البخاريِّ في صاحبِ القبرينِ فإنَّها بلفظِ: "كانَ لا يستنزهُ عنْ بولهِ"، ومَنْ حملهُ [علَى] (٢) جميعِ الأبوالِ، وأدخلَ فيهِ أبوالَ الإبلِ - كالمصنفِ في "فتح الباري" (٣) فقدْ تعسَّفَ، وقد بيَّنا وجهَ التعسُّفِ في هوامشِ "فتح الباري". ١٨/ ٩٥ - وَلِلْحَاكِمِ (٤): "أَكثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ"، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. [صحيح] (وَلِلْحَاكِمِ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (أكثرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ، وهوَ صحيحٌ الإسنادِ)، هذَا كلامهُ هنَا. وفي "التلخيصِ" (٥) ما لفظهُ: وللحاكمِ (٦)، وأحمدَ (٧)، وابنِ ماجَهْ (٨): "أكثرُ عَذابِ القَبْرِ مِنَ البَوْلِ"، وأعلَّهُ أبو حاتمَ (٩)، وقالَ: "إنَّ رفعهُ باطلٌ" اهـ. ولم يتعقبْهُ بحرفٍ، وهنَا جزمَ بصحَّتهِ فاختلفَ كلامُه - كما ترَى - ولم يتنبَّهِ الشارحُ ﵀ لذلكَ؛ فأقرَّ كلامهُ هنَا.

стр. 330

والحديثُ يفيدُ ما أفادهُ الأولُ، واختُلِفَ في عدمِ الاستنزاهِ: هلْ هوَ منَ الكبائرِ أوْ منَ الصغائرِ؛ وسببُ الاختلافِ حديثُ صاحبي القبرينِ، فإنَّ فيهِ: "وما يعذَّبانِ في كبيرٍ، بلى إنهُ لكبيرٌ"، بعدَ أنْ ذكرَ أنهُ أحدُهما عذِّبَ بسببِ عدمِ الاستبراءِ منَ البولِ، فقيلَ: إن نفيهُ ﷺ كبَر ما يعذَّبانِ فيهِ، يدلُّ على أَنهُ مِنَ الصغائرِ، وردَّ هذا بأنَّ قولَه: "بلى إنهُ لكبيرٌ" يردُّ هذَا. وقيلَ: "بلْ] (١) أرادَ أنهُ ليسَ بكبيرٍ في اعتقادِهما، أو في اعتقاد المخاطبينَ، وهوَ عندَ اللَّهِ كبيرٌ. وقيلَ: ليسَ بكبيرٍ [في مشقةِ] (٢) الاحترازِ، وجزمَ بهذَا البغويُّ (٣) ورجَّحهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (٤)، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وعلى هذا فهوَ منَ الكبائرِ (٥). يجلس لقضاء الحاجة معتمدًا على اليسرى ١٩/ ٩٦ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْخَلاءِ أنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيمْنَى. [ضعيف] رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (٦). ترجمة سراقة بن مالك (وعنْ سُرَاقَةَ) (٧) ﵁ بضمّ السينِ المهملةِ، وبعدَ الراءِ قافٌ. هوَ أبو سفيانَ سراقةُ (ابنُ مالكٍ) ابنُ جُعْشُمٍ بضمِ الجيمِ، وسكونِ المهملةِ، وضمِّ الشينِ المعجمةِ، وهوَ الذي ساختْ قوائمُ فرسهِ لما لحقَ برسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ خرجَ فارًّا منْ مكةَ، والقصةُ مشهورةٌ. قالَ سراقة في ذلكَ يخاطبُ أبا جهلَ:

стр. 331

أبا حَكَمٍ، واللَّهِ لو كنتَ شاهدًا … لأَمْرِ جوادِي حينَ ساختْ قَوَائِمُهْ علِمتَ، ولم تَشكُكْ بانَّ محمدا … رسولٌ بِبُرهانٍ فمنْ ذا يقاوِمُهْ منْ أبياتٍ. توفيَ سُراقةُ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في صدرِ خلافةِ عثمانَ. (قالَ: عَلَّمَنَا رَسُولٌ اللَّهِ ﷺ في الخَلاءِ أنْ نَقْعُدَ على اليُسْرَى) مِنَ الرِّجلينِ (ونَنْصِبَ اليُمْنى. رواهُ البيهقيُّ بسندٍ ضعيفٍ)، وأخرجهُ الطبرانيُّ (١). قالَ الحازميُّ (٢): في سندهِ من لا يُعرف، ولا يُعلم في البابِ غيرُهُ. قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنهُ يكونُ أعونَ على خروجِ الخارجِ؛ لأنَّ المعدةَ في الجانبِ الأيسرِ. وقيلَ: ليكونَ معتمدًا على اليُسرى، ويقلُّ معَ ذلكَ استعمالُ اليُمنى لشرفها. إذا بال أحدكم فلينتُر ذكره ثلاث مرات ٢٠/ ٩٧ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ". [ضعيف] رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (٣). (وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ) (٤) ﵁ قيلَ: بباءٍ موحَّدةٍ، وراءٍ مهملةٍ، ودالَينِ مهملتينِ بينهَمَا ألفٌ، وضبطَ بمثناةٍ تحتيةٍ وزايٍ معجمةٍ، وبقيتُهُ كالأولِ، (عَنْ أَبِيهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا بَالَ أحدُكمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. رواهُ ابنُ ماجه بسندٍ

стр. 332

ضعيفٍ)، ورواهُ أحمدُ في "مسنده" (١)، والبيهقيُّ (٢)، وابنُ قانعٍ (٣)، وأبو نعيمٍ في "المعرفةِ" (٤)، وأبو داودَ في "المراسيل" (٥)، والعقيليُّ في "الضعفاء" (٦)؛ كلُّهم منْ روايةِ عيسى المذكورِ. قال ابنُ معينٍ: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوهُ. وقالَ العقيليُّ: لا يتابعُ عليهِ، ولا يعرفُ إلَّا بهِ. وقالَ النوويُّ في "شرح المهذبِ" (٧): اتفقُوا على أنهُ ضعيفٌ إلَّا أن معناهُ في "الصحيحينِ" في روايةِ صاحبي القبرينِ على روايةِ ابن عساكرَ: "كانَ لا يستبرئُ مِنْ بولهِ"، بموحدةٍ ساكنةٍ أي: لا يستفرغُ البولَ جهدهُ بعدَ فراغِهِ منهُ فيخرجُ [منه] (٨) بعدَ وضوئِه. والحكمةُ في ذلكَ حصولُ الظنِّ بأنهُ لم يبقَ في المخرجِ ما يخافُ منْ خروجهِ. وقد أوجبَ بعضُهم الاستبراءَ لحديثِ أحدِ صاحبي القبرينِ هذا، وهو شَاهدٌ لحديثِ البابِ. الجمع بين الحجارةِ والماء عند الاستنجاء ٢١/ ٩٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سأل أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: "إِن الله يُثْنِي عَلَيكُمْ"، فَقَالُوا: إنَّا نُتْبعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ. [ضعيف] رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعيفٍ (٩)، وَأَصْلُهُ في أَبِي دَاوُدَ (١٠). - وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونَ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ. [صحيح]

стр. 333

(وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ سألَ أهلَ قُباءٍ) بضمِّ القافِ ممدودٌ مذكرٌ مصروفٌ، وفيه لغةٌ بالقصرِ وعدمِ الصرفِ ([فقالَ: إِنَّ اللَّهَ يثني عليكم] (١)، فقالُوا: إنا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ. رواهُ البزارُ بسندٍ ضعيفٍ)، قالَ البزار (٢): لا نعلمُ أحدًا رواهُ عن الزهريِّ إلَّا محمد بن عبدِ العزيزِ، ولا عنهُ إلا ابنهُ. ومحمدٌ ضعيفٌ، وراويه عنهُ عبدُ اللَّهِ بنُ شبيب ضعيفٌ (وأصلهُ في أبي داودَ)، [والترمذي] (٣) في "السننِ" (٤) عنْ أبي هريرةَ عن النبيّ ﷺ قالَ: "نزلتْ هذهِ الآيةُ في أهلِ قباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَّتَطَهَّرُوا﴾ (٥) "، قال: كانُوا يستنجونَ بالماءِ فنزلتْ فيهمْ هذهِ الآيةُ. قالَ المنذريُّ: زادَ الترمذيُّ: غريبٌ. وأخرجهُ ابنُ ماجَهْ (٦)، (وصحَّحه ابنُ خزيمةَ منْ حديثِ أبي هريرةَ بدونِ ذكرِ الحجارةِ). قالَ النوويُّ في "شرحِ المهذبِ" (٧): المعروفُ في طرقِ الحديثِ أنهمْ كانُوا يستنجونَ بالماءِ، وليسَ فيهِ أنهمْ كانُوا يجمعونَ بينَ الماءِ والأحجارِ، وتبعهُ ابنُ الرِّفعةِ فقالَ: لا يوجدُ هذا في كتبِ الحديثِ، وكذا قالَ المحبُّ الطبريُّ نحوَهُ. قالَ المصنفُ (٨): وروايةُ البزار واردةٌ عليهمْ، وإنْ كانتْ ضعيفةً. قلتُ: يحتملُ أنهمْ يردونَ لا يوجدُ في كتبِ الحديثِ بسندٍ صحيح، ولكنَّ الأَوْلى الردُّ بما في الإلمامِ، فإنهُ صححَ ذلكَ. قالَ في "البدرِ": والنوويُّ معذورٌ؛ فإنَّ روايةَ ذلكَ [غريبةٌ] (٩) في زوايا وخبَايا لوْ قُطِعَتْ إليها أكبادُ الإبْلِ لكانَ قليلًا. قلتُ: يتحصلُ منْ هذَا كلِّه أن الاستنجاءَ بالماءِ أفضلُ منَ الحجارةِ، والجمعُ

стр. 334

بينهمَا أفضلُ منَ الكلِّ بعدَ صحةِ ما في الإلمامِ، ولمْ نجدْ عنهُ ﷺ أنهُ جمعَ بينهمَا. وعدةُ أحاديثِ بابِ قضاءِ الحاجةِ أحد وعشرونَ. وقال في الشرحِ خمسةَ عشرَ، وكأنهُ عدَّ أحاديثَ الملاعن حديثًا واحدًا، ولا وجهَ له، فإنَّها أربعةُ أحاديثَ عنْ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (١)، وعنْ معاذٍ عندَ أبي داودَ (٢)، وعنِ ابن عباسٍ عندَ أحمدَ (٣)، وعنِ ابن عمرَ عندَ الطبرانيِّ (٤)، فقدِ اختلفتْ صحابةً ومخرِّجينَ. وعدَّ حديثي النهيِ عن استقبالِ القبلةِ واحدًا، وهما حديثانِ عنْ سلمانَ عندَ مسلمٍ (٥)، وعنْ أبي أيوبَ عندَ السبعةِ (٦). * * *

стр. 335

[الباب الثامن] بابُ الغسلِ وحكمُ الجُنُبِ (الغُسلُ) بضم الغينِ المعجمةِ - اسمٌ للاغتسالِ، وقيلَ: إذا أريدَ بهِ الماءُ فهوَ مضمومُ [الغين] (١)، وأما المصدرُ فيجوزُ فيهِ الضمُّ والفتحُ، وقيلَ: المصدرُ بالفتحِ والاغتسالُ بالضمِّ، وقيلَ: إنهُ بالفتحِ فعلَ المغتسلِ، وبالضمِ الذي يُغْتَسَلُ بهِ، وبالكسرِ ما يجعلُ مِنَ الماءِ كالأشنانِ. (وحكمُ الجُنُبِ) أي: الأحكامُ المتعلقةُ بمنْ أصابتْهُ جنابةٌ. ١/ ٩٩ - عَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ". [صحيح] رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (٣). (عَنْ أَبِي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الماءُ منَ الماء رواهُ مسلمٌ، وأصلُهُ في البخاريِّ)، أي: الاغتسالُ منَ الإنزالِ، فالماءُ الأولُ المعروفُ، والثاني: المنيُّ، وفيهِ منَ البديعِ الجناسُ التامُّ. وحقيقةُ الاغتسالِ إفاضةُ الماءِ على الأعضاءِ. هل الدَّلك داخل في الغسل لغة؟ واخْتُلِفَ في وجوبِ الدَّلكِ، فقيلَ: يجبُ، وقيلَ: لا يجبُ، والتحقيقُ أن

стр. 336

المسألة لغويةٌ، فإنَّ الواردَ في القرآنِ الغسل في أعضاءِ الوضوءِ، فيتوقفُ إثباتُ الدَّل فيهِ عَلى أنهُ منْ مسمَّاه، وأمَّا الغسلُ فوردَ بلفظِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). وهذَا اللفظُ فيهِ زيادةٌ على مسمَّى الغسلِ، وأقلُّها الدَّلكُ، وما عدلَ في العبارةِ إِلَّا لإفادةِ التفرقةِ بينَ الأمرين، [فأما] (٢) الغسلُ فالظاهرُ أنهُ ليسَ من مسمَّاهُ الدَّلكُ، إذْ يقالُ: غسلَهُ العروقُ، وغسلَهُ المطرُ، فلا بدَّ من دليلٍ خارجيٍّ على شرطيةِ الدَّلكِ في غسلِ أعضاءِ الوضوءِ، بخلافِ كسرِ الجنابةِ والحيضِ، فقدْ وردَ فيهِ بلفظِ التطهيرِ كما سمعتَ، وفي الحيض: ﴿فَإذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٣)، إلَّا أنهُ سيأتي في حديثِ عائشةَ وميمونةَ ما يدلُّ على أنهُ ﷺ اكتفَى في إزالةِ الجنابةِ بمجردِ الغسلِ، وإفاضةِ الماءِ عن دونِ دلك، فاللَّهُ أعلمُ [بالنكتة] (٤) التي لأجلِها عبَّر في التنزيلِ عنْ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ بالغسلِ، وعنْ إزالةِ الجنابةِ [بالتطهيرِ] (٥) معَ الاتحادِ في الكيفية. وأما المسحُ فإنهُ الإمرارُ على الشيءِ باليدِ يصيبُ ما أصابَ، ويخطئُ ما أخطأ، فلا يقالُ: لا يبقَى فرقٌ بينَ الغسلِ والمسحِ إذا لمْ يشرط الدلكَ. وحديث الكتاب ذكرهُ مسلمٌ كما نسبهُ المصنفُ إليهِ في قصةِ عتبانَ بن مالك. ورواهُ أبو داودَ (٦)، وابنُ خزيمةَ (٧)، وابنُ حبانَ (٨)، بلفظِ الكتابِ، وَرَوَى البخاريُّ القصةَ ولمْ يذكر الحديثَ، ولذَا قالَ المصنفُ: (أصلهُ في البخاريِّ) وهو أنه ﷺ قالَ لعتبانٌ بن مالكٍ: "إِذَا أُعْجِلْتَ، أو أُقْحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الوُضوءُ". والحديثُ لهُ طرقٌ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ عنْ أبي أيوبَ (٩)، وعنْ رافعٍ بن
следующие страницы →