← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 332–371 · переход к 337.

стр. 332

ضعيفٍ)، ورواهُ أحمدُ في "مسنده" (١)، والبيهقيُّ (٢)، وابنُ قانعٍ (٣)، وأبو نعيمٍ في "المعرفةِ" (٤)، وأبو داودَ في "المراسيل" (٥)، والعقيليُّ في "الضعفاء" (٦)؛ كلُّهم منْ روايةِ عيسى المذكورِ. قال ابنُ معينٍ: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوهُ. وقالَ العقيليُّ: لا يتابعُ عليهِ، ولا يعرفُ إلَّا بهِ. وقالَ النوويُّ في "شرح المهذبِ" (٧): اتفقُوا على أنهُ ضعيفٌ إلَّا أن معناهُ في "الصحيحينِ" في روايةِ صاحبي القبرينِ على روايةِ ابن عساكرَ: "كانَ لا يستبرئُ مِنْ بولهِ"، بموحدةٍ ساكنةٍ أي: لا يستفرغُ البولَ جهدهُ بعدَ فراغِهِ منهُ فيخرجُ [منه] (٨) بعدَ وضوئِه. والحكمةُ في ذلكَ حصولُ الظنِّ بأنهُ لم يبقَ في المخرجِ ما يخافُ منْ خروجهِ. وقد أوجبَ بعضُهم الاستبراءَ لحديثِ أحدِ صاحبي القبرينِ هذا، وهو شَاهدٌ لحديثِ البابِ. الجمع بين الحجارةِ والماء عند الاستنجاء ٢١/ ٩٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سأل أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: "إِن الله يُثْنِي عَلَيكُمْ"، فَقَالُوا: إنَّا نُتْبعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ. [ضعيف] رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعيفٍ (٩)، وَأَصْلُهُ في أَبِي دَاوُدَ (١٠). - وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونَ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ. [صحيح]

стр. 333

(وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ سألَ أهلَ قُباءٍ) بضمِّ القافِ ممدودٌ مذكرٌ مصروفٌ، وفيه لغةٌ بالقصرِ وعدمِ الصرفِ ([فقالَ: إِنَّ اللَّهَ يثني عليكم] (١)، فقالُوا: إنا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ. رواهُ البزارُ بسندٍ ضعيفٍ)، قالَ البزار (٢): لا نعلمُ أحدًا رواهُ عن الزهريِّ إلَّا محمد بن عبدِ العزيزِ، ولا عنهُ إلا ابنهُ. ومحمدٌ ضعيفٌ، وراويه عنهُ عبدُ اللَّهِ بنُ شبيب ضعيفٌ (وأصلهُ في أبي داودَ)، [والترمذي] (٣) في "السننِ" (٤) عنْ أبي هريرةَ عن النبيّ ﷺ قالَ: "نزلتْ هذهِ الآيةُ في أهلِ قباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَّتَطَهَّرُوا﴾ (٥) "، قال: كانُوا يستنجونَ بالماءِ فنزلتْ فيهمْ هذهِ الآيةُ. قالَ المنذريُّ: زادَ الترمذيُّ: غريبٌ. وأخرجهُ ابنُ ماجَهْ (٦)، (وصحَّحه ابنُ خزيمةَ منْ حديثِ أبي هريرةَ بدونِ ذكرِ الحجارةِ). قالَ النوويُّ في "شرحِ المهذبِ" (٧): المعروفُ في طرقِ الحديثِ أنهمْ كانُوا يستنجونَ بالماءِ، وليسَ فيهِ أنهمْ كانُوا يجمعونَ بينَ الماءِ والأحجارِ، وتبعهُ ابنُ الرِّفعةِ فقالَ: لا يوجدُ هذا في كتبِ الحديثِ، وكذا قالَ المحبُّ الطبريُّ نحوَهُ. قالَ المصنفُ (٨): وروايةُ البزار واردةٌ عليهمْ، وإنْ كانتْ ضعيفةً. قلتُ: يحتملُ أنهمْ يردونَ لا يوجدُ في كتبِ الحديثِ بسندٍ صحيح، ولكنَّ الأَوْلى الردُّ بما في الإلمامِ، فإنهُ صححَ ذلكَ. قالَ في "البدرِ": والنوويُّ معذورٌ؛ فإنَّ روايةَ ذلكَ [غريبةٌ] (٩) في زوايا وخبَايا لوْ قُطِعَتْ إليها أكبادُ الإبْلِ لكانَ قليلًا. قلتُ: يتحصلُ منْ هذَا كلِّه أن الاستنجاءَ بالماءِ أفضلُ منَ الحجارةِ، والجمعُ

стр. 334

بينهمَا أفضلُ منَ الكلِّ بعدَ صحةِ ما في الإلمامِ، ولمْ نجدْ عنهُ ﷺ أنهُ جمعَ بينهمَا. وعدةُ أحاديثِ بابِ قضاءِ الحاجةِ أحد وعشرونَ. وقال في الشرحِ خمسةَ عشرَ، وكأنهُ عدَّ أحاديثَ الملاعن حديثًا واحدًا، ولا وجهَ له، فإنَّها أربعةُ أحاديثَ عنْ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (١)، وعنْ معاذٍ عندَ أبي داودَ (٢)، وعنِ ابن عباسٍ عندَ أحمدَ (٣)، وعنِ ابن عمرَ عندَ الطبرانيِّ (٤)، فقدِ اختلفتْ صحابةً ومخرِّجينَ. وعدَّ حديثي النهيِ عن استقبالِ القبلةِ واحدًا، وهما حديثانِ عنْ سلمانَ عندَ مسلمٍ (٥)، وعنْ أبي أيوبَ عندَ السبعةِ (٦). * * *

стр. 335

[الباب الثامن] بابُ الغسلِ وحكمُ الجُنُبِ (الغُسلُ) بضم الغينِ المعجمةِ - اسمٌ للاغتسالِ، وقيلَ: إذا أريدَ بهِ الماءُ فهوَ مضمومُ [الغين] (١)، وأما المصدرُ فيجوزُ فيهِ الضمُّ والفتحُ، وقيلَ: المصدرُ بالفتحِ والاغتسالُ بالضمِّ، وقيلَ: إنهُ بالفتحِ فعلَ المغتسلِ، وبالضمِ الذي يُغْتَسَلُ بهِ، وبالكسرِ ما يجعلُ مِنَ الماءِ كالأشنانِ. (وحكمُ الجُنُبِ) أي: الأحكامُ المتعلقةُ بمنْ أصابتْهُ جنابةٌ. ١/ ٩٩ - عَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ". [صحيح] رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (٣). (عَنْ أَبِي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الماءُ منَ الماء رواهُ مسلمٌ، وأصلُهُ في البخاريِّ)، أي: الاغتسالُ منَ الإنزالِ، فالماءُ الأولُ المعروفُ، والثاني: المنيُّ، وفيهِ منَ البديعِ الجناسُ التامُّ. وحقيقةُ الاغتسالِ إفاضةُ الماءِ على الأعضاءِ. هل الدَّلك داخل في الغسل لغة؟ واخْتُلِفَ في وجوبِ الدَّلكِ، فقيلَ: يجبُ، وقيلَ: لا يجبُ، والتحقيقُ أن

стр. 336

المسألة لغويةٌ، فإنَّ الواردَ في القرآنِ الغسل في أعضاءِ الوضوءِ، فيتوقفُ إثباتُ الدَّل فيهِ عَلى أنهُ منْ مسمَّاه، وأمَّا الغسلُ فوردَ بلفظِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). وهذَا اللفظُ فيهِ زيادةٌ على مسمَّى الغسلِ، وأقلُّها الدَّلكُ، وما عدلَ في العبارةِ إِلَّا لإفادةِ التفرقةِ بينَ الأمرين، [فأما] (٢) الغسلُ فالظاهرُ أنهُ ليسَ من مسمَّاهُ الدَّلكُ، إذْ يقالُ: غسلَهُ العروقُ، وغسلَهُ المطرُ، فلا بدَّ من دليلٍ خارجيٍّ على شرطيةِ الدَّلكِ في غسلِ أعضاءِ الوضوءِ، بخلافِ كسرِ الجنابةِ والحيضِ، فقدْ وردَ فيهِ بلفظِ التطهيرِ كما سمعتَ، وفي الحيض: ﴿فَإذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٣)، إلَّا أنهُ سيأتي في حديثِ عائشةَ وميمونةَ ما يدلُّ على أنهُ ﷺ اكتفَى في إزالةِ الجنابةِ بمجردِ الغسلِ، وإفاضةِ الماءِ عن دونِ دلك، فاللَّهُ أعلمُ [بالنكتة] (٤) التي لأجلِها عبَّر في التنزيلِ عنْ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ بالغسلِ، وعنْ إزالةِ الجنابةِ [بالتطهيرِ] (٥) معَ الاتحادِ في الكيفية. وأما المسحُ فإنهُ الإمرارُ على الشيءِ باليدِ يصيبُ ما أصابَ، ويخطئُ ما أخطأ، فلا يقالُ: لا يبقَى فرقٌ بينَ الغسلِ والمسحِ إذا لمْ يشرط الدلكَ. وحديث الكتاب ذكرهُ مسلمٌ كما نسبهُ المصنفُ إليهِ في قصةِ عتبانَ بن مالك. ورواهُ أبو داودَ (٦)، وابنُ خزيمةَ (٧)، وابنُ حبانَ (٨)، بلفظِ الكتابِ، وَرَوَى البخاريُّ القصةَ ولمْ يذكر الحديثَ، ولذَا قالَ المصنفُ: (أصلهُ في البخاريِّ) وهو أنه ﷺ قالَ لعتبانٌ بن مالكٍ: "إِذَا أُعْجِلْتَ، أو أُقْحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الوُضوءُ". والحديثُ لهُ طرقٌ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ عنْ أبي أيوبَ (٩)، وعنْ رافعٍ بن

стр. 337

خديجٍ (١)، وعنْ عتبانَ بن مالكٍ (٢)، وعنْ أبي هريرةَ (٣)، وعنْ أنسٍ (٤). والحديثُ دالٌّ بمفهومِ الحصرِ المستفادِ منْ تعريف المسندِ إليهِ - وقد وردَ عندَ مسلمٍ (٥) بلفظِ: "إنَّما الماءُ من الماءِ" - على أنهُ لا غسلَ إلا مِنَ الإنزالِ ولا غسلَ منِ التقاءِ الختانينِ، وإليه ذهبَ داودُ، وقليلٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، وفي البخاريّ (٦): أنهُ سئلَ عثمانُ عمَّنْ يجامعُ امرأتَهُ ولمْ يُمنِ؟ فقالَ: يتوضأُ كما يتوضأُ للصلاةِ ويغسلُ ذكرهُ. وقال عثمانُ: سمعتُه منْ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وبمثلِهِ قالَ عليٌّ، والزبيرُ، وطلحةُ، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو أيوبَ، ورفعهُ إلى رسولِ الله ﷺ ، ثم قالَ البخاريُّ: الغسلُ أحوطُ. وقال الجمهورُ: هذا المفهومُ منسوخٌ بحديث أبي هريرةَ. وجوب الغسل بالتقاء الختانين ٢/ ١٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحح]

стр. 338

- وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ". [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا جَلَسَ) أيْ: الرجلُ المعلومُ منَ السياق، (بينَ شعَبِهَا) أي: المرأةِ بضمِ الشينِ المعجمةِ وفتحِ العينِ المهملةِ فموحَّدةٍ، جمعُ شُعبةٍ، [وهو كناية عن الجماع] (١)، (الأربْع ثمَّ جَهَدَهَا) بفتحِ الجيمِ والهاءِ، معناهُ كدَّها بحركتهِ، [أي] (٢): بلغَ جهدَهُ في العمل بها (فَقَدْ وَجَبَ الغسلُ). وفي مسلم (٣): ثمَّ اجْتَهَدَ. وعندَ أبي داودَ (٤): "وألزقَ الختانَ بالختانِ" (٥) ثمَّ جهدَها. قالَ المصنفُ في "الفتح" (٦): وهذا يدلُّ على أن الْجَهْدَ هنا كنايةٌ عنْ معالجةِ الإيلاجِ، (متفقٌ عليهِ. زادَ مسلمٌ: وإنْ لمْ يُنْزِلْ). والشُّعَبُ الأربعُ قيلَ: يداها ورجلاهَا، وقيلَ: رجلاها وفَخِذَاها، وقيلَ: ساقَاها وفخذاهَا، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والكلُّ كناية عن الجماعِ. فهذا الحديثُ استدلَّ بهِ الجمهورُ على نسخِ مفهوم حديثِ: "الماءُ منَ الماءِ"، واستدلُّوا على أن هذَا آخرُ الأمرينِ في رواهُ أحمَدُ (٧) وغيرُه منْ طريقِ الزهريِّ عن أبيِّ بن كعبٍ أنهُ قالَ: "إنَّ الفُتْيَا التي كانُوا يقولونَ: إنَّ الماءَ منَ الماءِ رخصةٌ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رخَّصَ بهَا في أولِ الإسلامِ، ثمَّ أمرَ بالاغتسالِ بعدُ". صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ (٨)، وابنُ حبانَ (٩).

стр. 339

وقالَ الإسماعيليُّ: إنهُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، وهوَ صريحٌ في النسخِ، على أن [حديث] (١) الغسلِ، وإنْ لمْ ينزلْ، أرجحُ لو لم يثبتِ النسخُ؛ لأنهُ منطوقٌ في إيجابِ الغسلِ، وذلكَ مفهومٌ، والمنطوقُ مقدمٌ على العملِ بالمفهومِ، وإنْ كانَ المفهومُ موافقًا للبراءةِ الأصليةِ، والآيةُ تعضدُ المنطوقَ في إيجاب الغسلِ. فإنهُ قالَ تعالى: ﴿وَإِن كنُتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢). قالَ الشافعي: إنَّ كلامَ العربِ يقتضي أن الجنابَةَ تطلقُ بالحقيقةِ على الجماعِ، وإنْ لم يكنْ فيهِ إنزالٌ. قال: فإنَّ كلَّ مَنْ خُوطِبَ بأنَّ فلانًا أجنَبَ عنْ فلانةٍ عُقلَ أنهُ أصابَها وإنْ لم ينزلْ، قالَ: ولم يُختلفْ أن الزنى الذي يجبُ بهِ الحدُّ هو الجماع ولو لم يكن منه إنزال اهـ. فتعاضدَ الكتابُ والسنةُ على إيجابِ الغُسلِ منِ الإيلاجِ (٣). تغتسل المرأة إذا رأت في نومها ما يرى الرجل ٣/ ١٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَرْأَةِ تَرَى في مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ - قَالَ: "تَغْتَسِلُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] - زَادَ مُسْلِمٌ (٥): فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ ". [صحيح] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ في المرأةِ ترى في منامِها ما يرَى الرجلُ، قالَ: تغتسل. متفقٌ عليهِ. زادَ مسلمٌ: فقالتْ أمُّ سلمةَ: وهلْ يكون هذَا؟ قالَ: نعمْ فمنْ أينَ يكون الشَّبَهُ) بكسرِ الشينِ المعجمةِ، وسكونِ الموحدةِ، وبفتحهمَا، لغتان.

стр. 340

اتفقَ الشيخانِ على إخراجهِ منْ طرقٍ عنْ أمِّ سلمةَ (١)، وعائشةَ (٢)، وأنسٍ (٣)، ووقعتْ هذه المسألةُ لنساءٍ منَ الصحابياتِ، [كخولة] (٤) بنتِ حكيمٍ عندَ أحمدَ (٥)، والنسائيِّ (٦)، وابنِ ماجَهْ (٧). ولسهلَة بنتِ سهيل عندَ الطبرانيِّ (٨)، ولبُسرةَ بنتِ صفوانَ عندَ ابن أبي شيبةَ (٩). والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ ترى ما يراهُ الرجلُ في منامهِ، والمرادُ إذا أنزلتِ الماءَ، كما في البخاريِّ قالَ: "نعمْ إذا رأتِ الماءَ"، أي: المنيَّ بعدَ الاستيقاظِ، وفي روايةِ: "هنَّ شقائقُ الرجال". [أخرجها الخمسة إلا النَّسَائِي من حديث عائشة] (١٠)، وفيه ما يدل على أن ذلك غالب من حال النساء كالرجال، وردُّ على من زعم أن منيَّ المرأة لا يبرز. قولُهُ: "فمِنْ أَيَنَ يكونُ الشبهُ"؟ استفهامُ إنكارٍ، وتقريرٍ أن الولدَ تارةً يشبهُ أباهُ، وتارةً [يشبهُ] (١١) أمَّهُ وأخوالَهُ، فأي [الماءين] (١٢) غلبَ كان الشبهُ للغالبِ.

стр. 341

كان ﷺ يغتسل من أربع ٤/ ١٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ من أَرْبَع: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمْعَةِ، وَمِنْ الحِجَامَةِ، وَمِنَ غُسلٍ المَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ عَائشَةَ ﵂ كان النبي ﷺ يَغْتَسِل مِنْ أرْبَع: منَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجمعَةِ، ومِنَ الحِجَامَةِ، [ومن] (٣) غُسْلِ الميتِ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابن خُزيمةَ)، ورواهُ أحمدُ (٤)، والبيهقيُّ (٥). وفي إسنادهِ مصعبُ بنُ شيبةَ، وفيهِ مقالٌ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الغسلِ في هذهِ الأحوالِ الأربعةِ، فأما الجنابةُ فالوجوبُ ظاهرٌ، وأما الجمعةُ ففي حكمهِ ووقتهِ خلافٌ، أما حكمهُ فالجمهورُ على أنهُ مسنونٌ لحديثِ سمُرةَ: "مَنْ توضأَ يومَ الجمعةِ فبها ونَعِمَتْ، ومنِ اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ"، يأتي قريبًا (٦). وقالَ داودُ وجماعةٌ: إنهُ واجبٌ لحديثِ: "غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلِمٍ" يأتي قريبًا (٧)، أخرجهُ السبعةُ من حديثِ أبي سعيدٍ.

стр. 342

وأجيبَ بأنهُ يُحملُ الوجوبُ على تأكيدِ السنيَّةِ. وأما وقتهُ ففيهِ خلافٌ - أيضًا - فعندَ الهادويةِ أنهُ من فجرِ الجمعةِ إلى عصرِها. وعندَ غيرِهم أنهُ للصلاةِ فلا يشرعُ بعدَها، [وعلى الأول يشرع بعدها] (١) ما لمْ يدخلْ وقتُ العصرِ، وحديثُ: "مَنْ أتى الجمعةَ فليغتسلْ" (٢) دليلٌ للثاني، وحديثُ عائشةَ هذا يناسبُ الأولَ. أما الغسلُ مِنَ الحِجَامةِ فقيلَ: هوَ سنةٌ، وتقدمَ حديثُ أنسٍ (٣): "أنه ﷺ احتجمَ وصلَّى ولم يتوضأْ"؛ فدلَّ على أنهُ سنةٌ يفعلُ تارة - كما أفادهُ حديثُ عائشةَ هذا - ويتركُ أخرى، كما في حديثِ أنسٍ، ويُروَى عنْ علي ﵇ الغسلُ منَ الحجامةِ سنة وإن تطهرتَ أجزأكَ. وأما الغسلُ من غَسْلِ الميتِ فتقدمَ الكلامُ فيهِ، وللعلماءِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ: أنهُ سنةٌ، وهوَ أقربُها، وأنهُ واجبٌ، وأنَّهُ لا يستحبُّ. إيجاب غسل الكافر إذا أسلم ٥/ ١٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في قِصَّةِ ثُمَامَةَ بن أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ وَأَمَرَهُ النَّبي ﷺ أنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرّزَّاقَ (٤)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁) أنهُ قالَ: (في قصةِ ثمامةَ) بضمِ المثلثةِ، وتخفيفِ الميمِ، (ابن أثالٍ) بضمِ الهمزةِ، فمثلثةٍ مفتوحةٍ، وهوَ الحنفيُّ سيدُ أهلِ اليمامةِ، (عندَما أسلمَ) أي: عندَ إسلامهِ (وأمرهَ النبيُّ ﷺ أنْ يغتسلَ. رواة عبدُ الرزاقِ) (٦).

стр. 343

ترجمة عبد الرزاق الصنعاني وهوَ الحافظُ الكبيرُ عبدُ الرزاقِ بنُ همام الصنعاني صاحبُ التصانيفِ، رَوَى عنْ عبيدِ اللهِ بن عمرَ، وعنْ خلائق، وعنهُ أحمدُ، اسحاقُ، وابنُ معينٍ، والذهليُّ. قالَ الذهبيُّ: وثقهُ غيرُ واحدٍ، وحديثهُ مخرَّجٌ في "الصِّحاحِ"، كانَ منْ أوعيةِ العلم، ماتَ في شوالَ سنةَ إحدى عشرةَ ومائتينِ، (وأصلُهُ متفقٌ عليهِ) بينَ الشيخينِ. الحديثُ دليلٌ على شرعية الغُسل بعدَ الإسلامِ، وقولُه: "أمرَهُ"، يدل على الإيجابِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فعندَ الهادويةِ أنهُ إذا كانَ قدْ أجنبَ حالَ كفرهِ وجبَ عليهِ الغسلُ للجنابةِ، وإنْ كانَ قدِ اغتسلَ حالَ كفرهِ فلا حكمَ لهُ، وحديثُ: "الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه" (١) لا يوافقُ هذا القولَ، وعندَ الحنفيةِ أنهُ إنْ كانَ قدِ اغتسلَ حالَ كفرهِ فلا غسلَ عليهِ. وعندَ الشافعيةِ وغيرِهم لا يجبُ الغسلُ عليهِ بعدَ إسلامِه للجنابةِ للحديثِ المذكورِ وهوَ: "إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه"، وأما إذا لم يكنْ أجنبَ حالَ كفرهِ؛ فإنهُ يستحبُّ لهُ الاغتسالُ لا غيره. وأما أحمد فقالَ: يجبُ عليهِ مطلقًا لظاهرِ حديثِ الكتابِ، ولما أخرجهُ أبو داودَ (٢) من حديثِ قيسِ بن عاصمٍ قالَ: "أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أريدُ الإسلامَ فأمرني أن أغتسلَ بماءٍ وسدرٍ"، وأخرجهُ الترمذيُّ (٣)، والنسائيُّ (٤)، بنحوِه.

стр. 344

هل غسل الجمعة واجب؟ ٦/ ١٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسلُ يَوْمِ الجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [صحيح] أخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: غُسْلُ يوم الجُمعَةِ واجبٌ على كُل مُحْتَلِمٍ. أخرجه السبعةَ). هذا دليلُ داودَ في إيجابهِ غسلَ الجمعةِ، والجمهورُ [يتأوَّلونهُ] (٢) بما عرفتَ قريبًا، وقدْ قيلَ إنهُ [قد] (٣) كانَ الإيجابُ أولَ الأمرِ [بالغسلِ لما كانُوا فيهِ منْ ضيقِ الحالِ، وغالبُ لباسِهم الصوفُ، وهمْ في أرضٍ حارةِ الهواءِ] (٤)، فكانُوا يعرَقونَ عندَ الاجتماعِ لصلاةِ الجمعةِ؛ فأمرهم بالغسلِ، فلمَّا وسَّعَ اللَّهُ عليهم ولبسُوا القطن رخَّصَ لهم في ذلك.

стр. 345

٧/ ١٠٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجمْعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفضَلُ". [حسن بمجموع طرقه] رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١) وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢). ترجمة سمُرة بن جُنْدَب (وَعَنْ سَمُرَةَ) (٣) تقدمَ ضبطهُ (ابنُ جُنْدَبٍ) بضمِّ الجيمِ، وسكونِ النونَ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، بعدَها موحدةٌ. هوَ أبو سعيد - في أكثرِ الأقوالِ - سمُرةُ بنُ جندَبٍ الفزاريِّ حليفُ الأنصارِ، نزلَ الكوفةَ، وولي البصرةَ، وعدادهُ في البصريينَ، كانَ منَ الحفاظِ المكثرينَ بالبصرة، ماتَ آخرَ سنةِ تسع وخمسينَ. (قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَن تَوضَّأ يومَ الجُمْعَةِ فبها) أي: بالسنَّةِ أخذَ (وَنَعِمَتْ) السنَّةُ، أو بالرخصةِ أخذَ ونعمتْ [الرخصة] (٤)؛ لأنَّ السنةَ الغسلُ، أو

стр. 346

بالفريضةِ أخذَ ونَعِمَتِ الفريضةُ؛ فإنَّ الوضوء هوَ الفريضةُ، (ومن اغتسلَ فالغسل أفضلُ. أخرجه الخمسة، وحسَّنهُ الترمذيُّ). ومنْ صحَّحَ سماعَ الحسنِ من سَمُرةَ قال: الحديثُ صحيحُ، وفي سماعهِ منهُ خلافٌ. والحديثُ دليلٌ على عدم وجوب الغسل، وهو كما عرفتَ دليلُ الجمهورِ على ذلكَ، وعلى تأويلِ حديثِ الإيجابِ، إلَّا أن فيهِ سؤالًا وهو: أنهُ كيفَ يُفَضَّلُ الغسلُ وهوَ سنَّةُ، على الوضوءِ، وهوَ فريضةٌ، والفريضةُ أفضلُ إجماعًا؟ والجوابُ: أنهُ ليسَ التفضيلُ على الوضوءِ نفسهِ بل على الوضوءِ الذي لا غسلَ معهُ، كأنهُ قالَ: منْ توضَأ واغتسلَ فهوَ أفضلُ ممن توضَأ فقط، ودلَّ لعدمِ [الفرضيةِ] (١) أيضًا حديثُ مسلم (٢): "منْ توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجُمعةَ، فاستمعَ وأنصتَ، غُفِرَ لهُ ما بينَ الجمعةِ إلى الجمعةِ وزيادةُ ثلاثةِ أيامٍ"، ولداودَ أن يقول: هوَ مقيَّدٌ بحديثِ الإيجابِ، فالدليلُ الناهضُ حديثُ سمرةَ وإنْ كان حديثُ الإيجابِ أصحَّ، فإنهُ أخرجهُ السبعةُ بخلافِ حديثِ سمرةَ، فلم يخرجهُ الشيخانِ، فالأحوطُ للمؤمنِ أنْ لا يتركَ [غسلَ] (٣) الجمعةِ. وفي الهدي النبوي (٤): الأمرُ بالغسلِ يومَ الجمعةِ مؤكدٌ جدًّا، ووجوبهُ أقوى

стр. 347

من وجوبِ الوترِ، وقراءةِ البسملةِ في الصلاةِ، ووجوب الوضوءِ من مسِّ النساءِ، ووجوبهُ من مسِّ الذَّكرِ، ووجوبه من القهقهةِ في الصلاةِ، ومنَ الرُّعافِ، ومنَ الحجامةِ والقيءِ. تحقيق عن الجُنب القرآن ٨/ ١٠٦ - وعَنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقرِئُنا القُرْآنَ مَا لَمْ يَكُن جُنُبًا. رَوَاه الخمْسَةُ (١)، وَهَذا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحّحَهُ، وحَسّنهُ ابنُ حِبَّانَ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ عليٍّ ﵇ قالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقْرئُنا القرآن ما لمْ يكنْ جُنُبًا. رواهُ أحمدُ والخمسةُ) (٣) هكذا في نُسَخِ "بلوغِ المرامِ"، والأَوْلَى: والأربعةُ، وقدْ وجدَ في بعضِها كذلكَ (وهذا لفظُ الترمذيِّ وحسنهُ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، [وذكرهُ] (٤) المصنفُ في "التلخيص" (٥) أنهُ حَكَمَ بصحتهِ الترمذيُّ، وابنُ السكنِ، وعبدُ الحقِّ، والبغويُّ. وروى ابنُ خزيمة (٦) بإسنادهِ عنْ شعبةَ أنهُ قال: هذا الحديثُ ثلثُ رأسِ مالي، وما أحدِّثُ بحديثٍ أحسنَ منهُ. وأما قولُ النوويِّ (٧): "خالفَ الترمذيَّ الأكثرون، فضعَّفوا هذا الحديث"، فقد قال المصنف: إن تخصيصه للترمذي بأنهُ صحَّحهُ دليلٌ على أنهُ لم يرَ تصحيحَه لغيرِه، وقد قدَّمْنَا مَنْ صحَّحهُ غيرَ الترمذيِّ. وروى الدارقطنيُّ (٨) عن

стр. 348

عليٍّ موقوفًا: اقرؤُا القرآن ما لم تصبْ أحَدكم جنابةٌ؛ فإن أصابتهُ فلا ولا حرفًا. وهذا يعضدُ حديثَ البابِ، إلا أنَّهُ قالَ ابنُ خزيمةَ (١): لا حجةَ في الحديثِ لمن منعَ الجنبَ منَ القراءةِ، لأنهُ ليسَ فيهِ نهيٌ، وإنما هيَ حكايةُ فعلٍ، ولم يبيِّن ﷺ أنهُ إنما [امتنعَ] (٢) من ذلكَ لأجلِ الجنابةِ. وروى البخاريُّ (٣) عن ابن عباسٍ أنهُ لم يرَ بالقراءةِ للجنبِ بأسًا، والقولُ بأنَّ روايةَ: "لم يكن يحجبُ النبيَّ ﷺ ، أو يحجزُهُ عن القرآنِ شيءٌ سوى الجنابةِ"، أخرجهُ أحمدُ (٤)، وأصحابُ السننِ (٥)، وابنُ خزيمةَ (٦)، وابنُ حبانَ (٧)، والحاكمُ (٨)، والبزارُ (٩)، والدارقطنيُّ (١٠)، والبيهقيُّ (١١)، أصرحُ في الدليلِ على

стр. 349

تحريم القراءةِ على الجنبِ من حديثِ البابِ: غيرُ ظاهرٍ؛ فإنَّ الألفاظَ كلَّها إخبارٌ عن [تركه] (١) ﷺ القرآنَ حالَ الجنابةِ. ولا دليلَ في التركِ على حكمٍ معينٍ. وتقدم حديثُ عائشة (٢): "أنهُ ﷺ كانَ يذكرُ اللَّهَ على كلِّ أحيانهِ"، وقدَّمْنَا أنهُ مخصَّصٌ بحديثِ عليٍّ ﵇ هذا، ولكنَّ الحقَّ أنهُ لا ينهضُ على التحريمِ، بل يحتملُ أنهُ تركَ ذلكَ حالَ الجنابةِ للكراهةِ أو نحوها، إلا أنهُ أخرجَ أبو يعلى (٣) من حديث عليٍّ ﵇ قال: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأَ ثمَّ قرأَ شيئًا منَ القرآنِ ثمَّ قالَ: "هكذا لمنْ ليسَ بجنبٍ، فأما الجنبُ فلا ولا آيةً"، قال الهيثميُّ (٤): "رجالُهُ موثقونَ"، وهوَ يدلُّ على التحريمِ، لأنهُ نَهْيٌ، وأصلُهُ ذلكَ، ويعاضدُ ما سلفَ. وأما حديثُ ابن عباسٍ (٥) مرفوعًا: "لو أن أحدَكم إذا أتى أهلَهُ فقالَ: بسمِ الله" الحديثَ؛ فلَا دلالةَ فيهِ على جوازِ القراءةِ للجنبِ، لأنهُ يأتي بهذا اللفظِ غيرَ قاصدٍ للتلاوةِ، لأنهُ قبلَ غشيانهِ أهلَهُ وصيروريهِ جُنُبًا. وحديثُ ابن أبي شيبةَ (٦) أنه ﷺ كانَ إذا غشيَ أهلَه فأنزلَ قالَ: "اللهمَّ لا تجعلْ للشيطانِ فيما رزقتني نصيبًا"، ليسَ فيه تسميةٌ فلا يُرَدُّ بهِ إشكالٌ. من أتى ثم أراد أن يعود فليتوضأ ٩/ ١٠٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا

стр. 350

أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأ بَينَهُمَا وُضُوءًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] - زَادَ الْحَاكِمُ (٢): "فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ". (وَعَنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قَالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إذا أتى أحدُكُمْ أهلَهُ ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ) إلى إتيانِها، (فليتوضأ بينَهُمَا وضوءًا)، كأنهُ أكَّدهُ، لأنهُ قدْ يطلقُ على غَسْلِ بعضِ الأعضاءِ، فأبانَ بالتأكيدِ أنهُ أرادَ بهِ الشرعيَّ. وقدْ وردَ في روايةِ ابن خزيمةَ (٣)، والبيهقيِّ (٤): "وضوءَهُ للصلاةِ"، (رواهُ مسلمٌ. زادَ الحاكمُ) عنْ أبي سعيدٍ: (فإنهُ أنشط للعوْدِ)، فيهِ دلالةٌ على شرعيةِ الوضوءِ لمنْ أرادَ معاودةَ أهلِه. وقد ثبتَ أنهُ ﷺ غشيَ نساءَهُ ولم يحدثْ وضوءًا بينَ الفعلينِ (٥). وثبتَ أنهُ اغتسلَ بعدَ غشيانِهِ عندَ كلِّ واحدةٍ (٦)، فالكلُّ جائزٌ، [وإن كان الوضوء مندوبًا،

стр. 351

وإنما صرف الأمر عن الوجوب التعليل، وفعله ﷺ ] (١). عدم وجوب الوضوء على من أراد النوم جنبًا ١٠/ ١٠٨ - وَللأَرْبَعَةِ (٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غيرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلُولٌ. [صحيح بشواهده] (ولَلأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ينامُ وهوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلولٌ)، بَيَّنَ المصنفُ العلةَ أنهُ منْ روايةِ أبي إسحاقَ عن الأسودِ، عَنْ عائشةَ. قَالَ أحمَدُ (٣): إنهُ ليسَ بصحيحٍ. وقالَ أبو داودَ (٤): وَهْمٌ. ووجههُ أن أبا إسحاقَ لم يسمعْه منَ الأسودِ، وقدْ صحَّحهُ البيهقيُّ (٥) وقالَ: إنَّ أبا إسحاقَ سمعهُ منَ الأسودِ، فبطلَ القولُ بأنهُ أجمعَ المحدِّثونَ بأنه خطأٌ منْ أبي إسحاقَ. قالَ الترمذيُّ (٦): وعلى تقديرِ صحتهِ فيحتملُ أن المرادَ لا يمسُّ ماء للغسلِ. قلتُ: فيوافقُ أحاديثَ "الصحيحينِ"؛ فإنَّها مصرَّحةٌ بأنهُ يتوضأُ ويغسلُ فرجَهُ لأجلِ النومِ والأكلِ والشربِ والجماعِ. وقد اختلفَ العلماءُ هلْ هوَ واجبٌ أو غيرُ واجب؟ فالجمهورُ قالُوا بالثاني لحديثِ البابِ هذا؛ فإنهُ صريحٌ أنهُ لا يمسُّ ماءً، وحديثُ طوافهِ على نسائِهِ بغُسلٍ واحدٍ كذا قيلَ، ولا يخفى أنهُ ليسَ فيهِ على المدَّعي هنا دليل.

стр. 352

وذهبَ داودُ وجماعةٌ إلى وجوبهِ لورودِ الأمرِ بالغسلِ عندَ مسلمٍ (١): "ليَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيَنَمْ". وفي البخاريِّ (٢): "اغسلْ فرجَكَ ثمَّ توضأْ"، وأصلُهُ الإيجابُ. وتأولهُ الجمهورُ أنهُ للاستحبابِ جمعًا بينَ الأدلةِ، ولما رواهُ ابنُ خزيمةَ (٣) وابنُ حبانَ (٤) في صحيحيهمَا منْ حديثِ ابن عمرَ: أنهُ سألَ النبيَّ ﷺ : أينامُ أحدُنا وهوَ جُنُبُ؟ قالَ: "نعمْ ويتوضأُ إنْ شاء"، وأصلهُ في "الصحيحينِ" (٥) دونَ قولهِ: "إنْ شاءَ"، إلَّا أن تصحيحَ مَنْ ذكرَها وإخراجُها في "الصحيح" منْ كتابهِ كافٍ في العملِ. ويؤيدُ حديثَ: "ولا يمسّ ماءً"، ولا يحتاجُ إلى تأَويلِ الترمذيِّ، ويعضدُ الأصلَ وهوَ عدمُ وجوبِ الوضوءِ على مَنْ أرادَ النومَ جنبًا كما قالهُ الجمهورُ. صفة غسل النبي ﷺ - ١١/ ١٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٧). [صحيح] ١٢/ ١١٠ - وَلَهُمَا (٨)، مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: ثُمَّ أَفْرَغَ عَلى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. [صحيح]

стр. 353

- وَفي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمَنْدِيلِ، فَرَدّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابةِ)، أيْ: أرادَ ذلكَ (يَبْدَأ فَيَغْسِل يَدَيْهِ)، في حديثِ ميمونةَ: "مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا"، (ثم يُفْرِغُ) أيْ: الماءَ (بيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِل فَرْجَهُ ثمَّ يَتَوَضَّأ)، في حديث ميمونةَ "وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ"، (ثمَّ يأخُذ الماءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أصُولِ الشَّعْرِ) أيْ: شعرِ رأسهِ، وفي روايةِ البيهقيِّ (١): "يخلِّلُ بها شقَّ رأسهِ الأيمنَ، فيتتبَّعُ بها أصولَ الشعرِ، ثمَّ يفعلُ بشقِّ رأسهِ الأيسرِ كذلكَ"، (ثمَّ حَفَنَ عَلَى رأسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ) الحَفْنَةُ - بالمهملةِ فنونٍ - ملءُ الكفِّ كما في "النهايةِ" (٢)، وبكسرِ الحاءِ وفتحِها كما في "القاموس" (٣)، وفي حديثِ ميمونةَ: "ثم أفْرَغَ على رأسهِ ثلاثَ حَفَنَاتٍ ملءَ كفيهِ"، إلَّا أن أكثرَ رواياتِ مسلمٍ: ملءَ كفِّهِ، بالإفرادِ، (ثمَّ أفاضَ) أيْ: الماءَ (على سائرِ جَسَدِهِ) أي: بقيتِهِ، ولفظُ حديثِ ميمونةَ: "ثمَّ غسلَ" بدلَ أفاضَ، (ثمَّ غسَلَ رجليهِ. متفق عليهِ واللفظُ لمسلمٍ). (ولهمَا) أي: الشيخينِ (مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ) في صفةِ الغسلِ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ، إلَّا أن المصنفَ اقتصرَ على ما لمْ يذكرْ في حديثِ عائشةَ فقطْ، (ثم أفْرَغَ على فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. وفي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَها بالتُّرَابِ، وفَي آخِرِهِ: ثم أَتَيْتهُ بالمِنْدِيلِ) بكسرِ الميمِ، وهوَ معروفٌ (فَرَدَّهُ، وفيهِ: وَجَعَلَ يَنْفضُ الماءَ بِيدِهِ)، وقيلَ هذا اللفظُ في حديثِهِمَا: "ثم تنحَّى عنْ مقامهِ ذلكَ، فغسلَ رجليهِ، ثم أتيتهُ"، إلى آخرهِ. وهذان الحديثانِ مشتملانِ على بيانِ كيفيةِ الغسلِ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ؛ فابتداؤُه غسلُ اليدينِ قبلَ إدخالِهما في الإِناءِ إذا كانَ مستيقظًا منَ النومِ كما وردَ صريحًا، وكانَ الغسلُ منَ الإناءِ، وقدْ قيدَهُ في حديثِ ميمونةَ مرتينِ أو ثلاثًا، ثم غسلَ الفرجَ. وفي الشرحِ أن ظاهرَهُ مطلقُ الغسلِ فيكفي مرةً واحدةً، ودَلكُ

стр. 354

الأرضِ لأجلِ إزالةِ الرائحةِ منَ اليدِ، ولم يذكرْ أنهُ أعادَ غَسْلَ الفرجِ بعدَ ذلكَ، معَ أنها إذا كانتِ الرائحةُ في اليدِ فهي باقيةٌ في الفرجِ، هذا ما يُفْهَمُ منَ الحديثِ. ويدلُّ على أن الماءَ الذي يطهرُ بهِ محلُّ النجاسةِ طاهرٌ مطهرٌ، وعلى تشريكِ النيةِ للغسلِ الذي يزيلُ النجاسةَ برفعِها الحدثَ. واستدلَّ على أن بقاءَ الرائحةِ بعدَ غَسْلِ المحلِّ لا يضرُّ. ويدلُّ على أن غسلَ الجنابةِ مرةً واحدةً. هذَا كلامهُ، ويحتملُ أنَّها لم تبقَ رائحةٌ، بلْ ضربُ الأرضِ لإزالةِ لُزُوجَةِ اليدِ إنْ سُلِّمَ أنها تفارقُ الرائحةَ، وأما وضوءهُ قبلَ الغسلِ فإنهُ يحتملُ أنهُ وضوؤه للصلاةِ، وأنهُ يصحُّ قبلَ رفعِ الحدثِ الأكبرِ. وأنْ يكونَ غَسْلُ هذهِ الأعضاءِ كافيًا عنْ غسلِ الجنابةِ. وأنهُ تتداخلُ الطهارتانِ وهوَ رأي زيدِ بن عليّ والشافعيِّ وجماعةٍ. ونقلَ ابنُ بطالٍ الإجماعَ على ذلكَ، ويحتملُ أنهُ غسلَ أعضاءَ الوضوءِ للجنابةِ وقدَّمَها تشريفًا لها، ثمَّ وضَّأها للصلاةِ، لكنَّ هذَا لمْ يُنْقَلْ أصلًا، ويحتملُ أنهُ وضَّاهَا للصلاةِ ثمَّ أفاضَ عليها الماءَ معَ بقيةِ الجسدِ للجنابةِ، ولكنَّ عبارة أفاضَ الماءَ على سائرِ جسدِهِ لا تناسبُ هذا؛ إذْ هيَ ظاهرةٌ أنهُ أفاضهُ على ما بقي منْ جسدهِ مما لمْ يمسَّهُ الماءُ، فإنَّ السائر الباقي لا الجميعُ. قال في "القاموس" (١): والسائرُ الباقي لا الجميعُ، كما توهَّمَ جماعاتٌ. فالحديثانِ ظاهرانِ في كفايةِ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ مرةً واحدةً عن الجنابةِ والوضوءِ، وأنهُ لا يشترطُ في صحةِ الوضوءِ رفعُ الحدثِ الأكبرِ، ومَن قَالَ لا يتداخلانِ، وأنَّهُ يتوضأُ بعدَ كمالِ الغُسلِ لم ينهضْ لهُ على ذلكَ دليلٌ. وقدْ ثبتَ في "سنن أبي داودَ" (٢): "أنهُ ﷺ يغتسلُ ويُصلِّي الركعتينِ، وصلاةَ الغداةِ، ولا يمسُّ ماءً"؛ فبطلَ القولُ بأنهُ ليسَ في حديثِ ميمونةَ وعائشةَ أنهُ

стр. 355

صلَّى بعدَ ذلكَ الغسلِ، ولا يتمُّ الاستدلالُ بالتداخلِ إلَّا إذا ثبتَ أنهُ صلَّى بعدَهُ. قلْنا: قد ثبتَ في حديثِ السننِ صلاتُهُ بهِ. نعمْ لم يذكرِ المصنفُ في وضوءِ الغسلِ أنهُ مسحَ رأسَه، إلَّا أنْ يقالَ قدْ شملهُ قولُ ميمونةَ: "وضوءَه للصلاةِ". وقولُها: "ثم أفاضَ الماءَ". الإفاضةُ: الإسالةُ. وقدِ استُدِلَّ بهِ على عدمِ وجوب الدَّلكِ، وعلى أن مسمَّى غسلٍ لا يدخلُ فيهِ الدلكُ لأنَّها عبَّرتْ ميمونةُ بالغسلِ، وعبَّرتْ عائشةُ بالإفاضةِ، والمعنى واحدٌ، والإفاضةُ لا دلكَ فيها فكذلكَ الغسلُ. وقالَ الماورديُّ: لا يتمُّ الاستدلالُ بذلكَ، لأنَّ أفاضَ بمعنى غسلَ والخلافُ في الغسلِ قائمٌ. هذا وأما هلْ يُكَرِّرُ غَسْلَ الأعضاءِ ثلاثًا عندَ وضوءِ الغُسْلِ؟ فَلَمْ يذكرْ ذلكَ في حديثِ عائشةَ وميمونةَ، قالَ القاضي عياضُ: إنهُ لم يأتِ في شيءٍ منَ الرواياتِ ذلكَ. قالَ المصنفُ: بلْ قد وردَ ذلكَ في روايةٍ صحيحةٍ عنْ عائشةَ. وفي قولِ ميمونة: "إنهُ ﷺ أخَّرَ غسلَ الرجلينِ"، ولم يردْ في روايةِ عائشةَ، قيلَ: يحتملُ أنهُ أعادَ غسلَ رجليهِ بعدَ أنْ غسلَهما أوَّلًا للوضوءِ لظاهرِ قولِها: "توضأ وضوءه للصلاةِ"؛ فإنهُ ظاهرٌ في دخولِ الرجلينِ في ذلكَ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فمنهمْ مَنِ اختارَ غسلَهما أولًا، ومنهمْ منِ اختارَ تأخيرَ ذلكَ. وقد أُخِذَ منهُ جوازُ تفريقِ أعضاءِ الوضوءِ. وقولُ ميمونةَ: "ثمَّ أَتيتُهُ بالمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ"، فيهِ دليلٌ على عدمِ شرعيةِ التنشيفِ للأعضاءِ. وفيهِ أقوالٌ: الأشهرُ أنهُ يستحبُّ تركهُ، وقيلَ مباحٌ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وفيهِ دلالةٌ على أن نفضَ اليدِ منْ ماءِ الوضوءِ لا بأسَ بهِ، وقدْ عارضهُ حديثُ: "لا تنفضُوا أيديكم؛ فإنَّها مراوحُ الشيطانِ" (١)، إلَّا أنهُ حديث ضعيفٌ (٢) لا يقاوِمُ حديثَ البابِ.

стр. 356

هل تنقض المرأة شعرها في الغسل ١٣/ ١١١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغَسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ قَالَ: "لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني امرأةٌ أشدُّ شعرَ رأْسي أفأنقضُهُ لغسلِ الجنابةِ؟ وفي روايةِ: والحيضةِ؟ فقال: لا، إِنَّما يكفيكِ أنْ تحثي على رأسِكِ ثلاثَ حثياتٍ. رواهُ مسلمٌ)، لكنَّ لفظهُ: "أشُدُّ ضَفْرَ رأسيْ" بدلَ: "شعرَ رأسيْ"، وكأنهُ رواهُ المصنفُ بالمعنَى، وضَفْرَ بفتحِ الضادِ وإسكانِ الفاءِ هوَ المشهورُ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ نقضَ الشعرِ على المرأةِ في غُسلِها منْ جنابةٍ أو حيضٍ، وأنهُ لا يشترطُ وصولُ الماءِ إلى أصولِهِ وهي مسألةُ خلافٍ. فعندَ الهادويةِ لا يجبُ النقضُ في غسلِ الجنابةِ، ويجبُ في الحيضِ والنفاسِ لقولِهِ ﷺ لعائشةَ: "انقضي شعرَك واغتسلي" (٢)، وأجيبَ بأنهُ معارَضٌ

стр. 357

بهذا الحديثِ، ويُجْمَعُ بينهُما بأنَّ الأمرَ بالنقضِ للندبِ، أو يجابُ بأنَّ شعرَ أمِّ سلمةَ كانَ خفيفًا فعلمَ ﷺ أنهُ يصلُ الماءُ إلى أصولهِ. وقيلَ: يجبُ النقضُ إنْ لمْ يصلِ الماءُ إلى أصولِ الشعرِ، وإنْ وصلَ لخفَّةِ الشعرِ لم يجبْ نقضهُ، أو بأنهُ إنْ كانَ مشدودًا نُقِضَ، وإلَّا لمْ يجبِ نقضُهُ، لأنهُ يبلغُ الماءُ أصولَه. وأما حديثُ: "بُلُّوا الشعرَ وأنقوا البَشَرَ" (١)، فلا يقْوى على معارضةِ حديثِ أمِ سلمةَ. وأما فعلهُ ﷺ وإدخالُ أصابعهِ كما سلفَ في غسلِ الجنابةِ، ففِعلٌ لا يدلُّ على الوجوبِ، ثم هوَ في حقِّ الرجالِ، وحديثُ أمِّ سلمةَ في غُسْلِ النساءِ، هكذا حاصلُ ما في الشرحِ، إلا أنهُ لا يخفى أن حديثَ عائشةَ كانَ في الحجِّ، فإنَّها أحرمتْ بعمرةٍ ثم حاضتْ قبلَ دخولِ مكةَ، فأمرهَا ﷺ أنْ تنقضَ رأسَها وتمتشطَ وتغتسلُ، وتهلَّ بالحجِّ، وهي حينئذٍ لم تطهرْ من حيضها فليسَ إلا غسلُ تنظيفٍ لا حيضٍ، فلا يعارضُ حديثَ أمِّ سلمةَ أصلًا، فلا حاجةَ إلى هذهِ التآويلِ التي في غايةِ الرِّكَّةِ، فإنَّ خفةَ شعرِ هذهِ دونَ هذهِ يفتقرُ إلى دليلٍ. والقولُ بأنَّ هذا مشدودٌ، وهذا [خلافُه] (٢) - والعبارةُ عنهما من الراوي بلفظِ النقضِ - دعوى بغيرِ دليلٍ. نعمْ في المسألةِ حديثٌ واضحٌ، فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ في الأفرادِ (٣)، والطبرانيُّ (٤)، والخطيبُ في "التلخيص" (٥)، والضياءُ المقدسيُّ (٦) منْ حديثِ أنسٍ

стр. 358

مرفوعًا: "إذا اغْتَسَلتِ المرأةُ منْ حَيْضِها نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقضًا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ (١)، وَأُشْنَانٍ (٢)، وإن اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةِ صَبَّتْ الماءَ على رأسِهَا صبًّا وَعَصَرَتْهُ"؛ فهذَا الحديثُ معَ إخراجِ الضياءِ لهُ وهوَ يشترطُ الصحةَ فيما يخرجهُ، يثمرُ الظنُّ في العمل بهِ (٣)، ويحملُ على الندبِ لذكرِ الخطميِّ والأشنانِ، إذْ لا قائلَ بوجوبِهِما فهوَ قرينةٌ على الندبِ (٤)، وحديثُ أمِّ سلمةَ محمولٌ على الإيجابِ كما قال: "إنما يكفيك"، فإذا زادتْ نقضَ الشعر كانَ ندبًا. ويدلُّ [على عدم] (٥) وجوبِ النقضِ ما أخرجهُ مسلمٌ (٦) وأحمدُ (٧): "أنهُ بلغَ عائشةَ أن ابنَ عمرَ كانَ يأمرُ النسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أنْ يَنْقُضْنَ رؤوسَهُنَّ، فقالتْ: [يا عجبًا] (٨) لابنِ عمرَ وهوَ يأمرُ النساءَ أنْ ينقُضْنَ شعرَهُنَّ، أفلا يأمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رؤوسَهُنَّ؟ لقدْ كنتُ أَغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ، فما أزيدُ أنْ أُفْرغَ على رأسي ثَلاثَ إِفْرَاغاتٍ"، وإنْ كان حديثُها في غسلِها منَ الجنابةِ. وظاهرُ ما نقلَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ يأمرُ النساءَ [بنقضِ الشعر مطلقًا] (٩) في حيضٍ وجنابةٍ (١٠).

стр. 359

نهي الجنب والحائض عن المكث في المسجد ١٤/ ١١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ"، رواهُ أَبُو داودَ (١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ) أي: دخولَهُ والبقاءَ فيهِ (لِحائِضٍ وَلا جُنُبٍ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ)، ولا سماعَ لقولِ ابن الرفعةِ: إنَّ في رواتهِ متروكًا، لأنهُ قد ردَّ قولَه بعضُ الأئمةِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجوزُ للحائضِ والجنبِ دخولَ المسجدِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ داودُ وغيرهُ، يجوزُ وكأنهُ بنى على البراءةِ الأصليةِ، وأنَّ هذا الحديثَ لا يرفعُها. وأما عبورُهما المسجدَ فقيلَ يجوزُ لقولهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣) في الجُنبِ، وتقاسُ الحائضُ عليهِ، والمرادُ بهِ مواضعُ الصلاةِ. وأجيبَ بأنَّ الآيةَ فيمنْ أجنبَ في المسجدِ، فإنهُ يخرجُ منهُ للغسلِ وهوَ خلافُ الظاهرِ، وفيه تأويلٌ آخرُ. جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد ١٥/ ١١٣ - وَعَنْها ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ

стр. 360

وَاحِدٍ، تَخْتِلَفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ (٢): وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا. [صحيح] (وَعَنْهَا) أي: عائشةَ (قالتْ: كُنْتُ اغْتَسِلُ أَنَا وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فيهِ) أي: في الاغترافِ منهُ، (مِنَ الجنابةِ) بيانٌ [لأغتسل] (٣) (متفقٌ عليهِ، زادَ ابنُ حبانَ: وتلتقي) أي تلتقي (أيدينَا) فيهِ. وهوَ دليلٌ على جوازِ اغتسالِ الرجلِ والمرأةِ منْ ماءٍ واحدٍ في إناءٍ واحدٍ، والجوازُ هوَ الأصلُ. وقد سلفَ الكلامُ في هذا في بابٍ المياهِ. ١٦/ ١١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشعْرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَ". [ضعيف] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٥)، وَضَعَّفَاهُ. (وَعَنْ أَبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابةً فاغْسِلَّوا الشَّعْرَ)، لأنهُ إذا كانَ تحتَهَ جنابةٌ فبالأَوْلى أنها فيهِ ففرَّعَ غسلَ الشعرِ على الحكمِ بأنَّ تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةً (وَأَنْقُوا الْبَشَرَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وضعَّفاهُ)، لأنهُ عندَهما من روايةِ الحارثِ بن وجيهٍ بفتحِ الواوِ، فجيمٍ فمثناةٍ تحتيةٍ. قالَ أبو داودَ (٦): وحديثهُ منكرُ، وهوَ ضعيفٌ. وقال الترمذيُّ (٧): غريبٌ لا نعرفهُ إلَّا منْ حديثِ الحارثِ، وهوَ شيخٌ ليسَ بذاكَ.

стр. 361

وقال الشافعيُّ (١): هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ. وقالَ البيهقيُّ (٢): أنكرهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ، البخاريُّ، وأبو داود، وغيرُهُما، ولكنْ في البابِ من حديثِ عليٍّ ﵇ مرفوعًا: "مَنْ تركَ موضعَ شعرةٍ منْ جنابةٍ لمْ يغسلْها فُعِلَ بهِ كذا وكذا"، فمنْ ثمَّ عاديتُ رأسِي، فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا. وكانَ يجزُّهُ. وإسنادهُ صحيحٌ كما قالَ المصنفُ، ولكنْ قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: إنَّ حديثَ عليٍّ هذا مِنْ روايةِ عطاءِ بن السائبِ وهو سيِّءُ الحفظِ. وقال النوويُّ (٣): إنهُ حديثٌ ضعيفٌ. قلتُ: وسببُ اختلافِ الأئمةِ في تصحيحهِ وتضعيفهِ: أن عطاءَ بنَ السائبِ اختلط في آخرِ عمرِه، فمنْ رَوَى عنهُ قَبْلَ اختلاطهِ فروايتهُ عنه صحيحةٌ، وَمَنْ رَوى عنهُ بعدَ اختلاطهِ فروايتهُ عنهُ ضعيفةٌ. وحديثُ عليٍّ (٤) هذا اختلفوا هلْ رواهُ

стр. 362

قبلَ [اختلاطه] (١) أو بعده، فَلِذَا اختلفُوا في تصحيحهِ وتضعيفهِ. والحقُّ [الوقوف] (٢) عنْ تصحيحهِ وتضعيفهِ حتَّى يتبيَّنَ الحالُ فيهِ، وقيلَ: الصوابُ وقفُهُ على عليٍّ ﵇. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ غسلُ جميعِ البدنِ في الجنابةِ، ولا يُعْفَى عن شيءٍ منهُ. قيلَ: وهوَ إجماعٌ إلا المضمضةُ والاستنشاقُ ففيهما خلافٌ، قيل: يجبانِ لهذَا الحديثِ، وقيلَ: لا يجبانِ لحديثِ عائشةَ - الذي تقدَّمَ وميمونةَ - وحديثُ إيجابهمَا هذا غيرُ صحيح ولا يقاومُ ذلكَ. وأما أنهُ ﷺ توضأ وضوءهَ للصلاةِ، ففعلٌ لا ينهضُ على الإيجابِ، إلا أنْ يقالُ: إنهُ بيانٌ لمُجملٍ، فإنَّ الغسلَ مُجملٌ في القرآنِ يبيِّنهُ الفعلُ. ١٧/ ١١٥ - وَلأَحْمَدَ (٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نحوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. [ضعيف] (ولأحمدَ عنْ عائشةَ نحوُهُ. وفيه راوٍ مجهولٌ). لمْ يذكرِ المصنفُ الحديثَ في "التلخيصِ"، ولا عيَّنَ مَنْ فيهِ. وإذا كانَ فيهِ مجهولٌ فلا تقومُ بهِ حجةٌ. وأحاديثُ البابِ عدَّتُها سبعة عشرَ. * * *

стр. 363

[الباب التاسع] بابُ التيمُّم التيمُّمُ هوَ في اللغةِ: القصدُ. وفي الشرعِ: القصدُ إلى الصعيدِ لمسحِ الوجهِ واليدينِ بنيَّةِ استباحةِ الصلاةِ ونحوِها. واختلفَ العلماءُ هلِ التيمُّمُ رخصةٌ أو عزيمةٌ؟ وقيلَ: هوَ لعدمِ الماءِ عزيمةٌ، وللعذرِ رخصةٌ. جواز التيمُّم بجميع أجزاء الأرض ١/ ١١٦ - عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١). [صحيح] (عَنْ جَابرٍ) هوَ إذا أطلقَ [جابرُ] (٢) (بنُ عبدِ اللَّهِ، أَن النبيَّ ﷺ قالَ) متحدثًا بنعمةِ اللَّهِ ومبيِّنًا لأحكامِ شريعتهِ، (أُعْطِيتُ) حُذِفَ الفاعلُ للعلمِ بهِ (خَمْسًا) أي: خصالًا، أوْ فضائلَ، أو خصائصَ، والآخرُ يناسبهُ. قولُهُ: (لم يعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي)، ومعلومٌ أنهُ لا يُعطاهنَّ أحدٌ بعدَهُ، فتكونُ خصائصَ له (إذِ الخاصةُ ما توجدُ في الشيءِ ولا توجدُ في غيرِهِ.

стр. 364

ومفهومُ العددِ غيرُ مرادٍ لأنهُ قد ثبتَ أنهُ أعطيَ أكثرَ منَ الخمسِ. وقدْ عدَّها السيوطي في "الخصائصِ" فبلغتِ الخصائصُ زيادةً على المائتينِ، وهذا إجمالٌ فصَّلهُ، (نُصِرْتُ بالرُّعْبِ)؛ وهوَ الخوفُ (مسِيرَةَ شَهْرٍ) أي: بيني وبينَ العدوِّ مسافةُ شهرٍ. وأخرجَ الطبراني (١): "نُصرتُ بالرُّعبِ على عدوِّي مسيرةَ شهرينِ". وأخرجَ أيضًا (٢) تفسيرَ ذَلكَ عن السائبِ بن يزيد [بلفظ] (٣): شهرٌ خلفيٌّ، وشهرٌ أماميٌّ. قيلَ: وإنما جعلَ مسافةَ شهرٍ لأنهُ لمْ يكنْ بينهُ ﷺ وبينَ أحدٍ من أعدائهِ أكثرُ منْ هذهِ المسافةِ، وهي حاصلةٌ لهُ وإنْ كانَ وحدَه، وفي كونِها حاصلةٌ لأمتهِ خِلافٌ. (وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا) موضعُ سجودٍ، ولا يختصُّ بهِ موضعٌ دونَ غيرِه، وهذهِ لم تكنْ لغيرهِ ﷺ كما صرَّحَ بهِ في روايةٍ (٤): وكانَ مَنْ قَبْلِي إنما كانوا يصلُّون في كنائِسِهم"، وفي أخرى (٥): "ولم يكنْ أحدٌ منَ الأنبياءِ يصلِّي حتى يبلغَ محرابَهُ"؛ وهوَ نصٌّ [على] (٦) أنَّها لم تكنْ هذهِ الخاصيَّةُ لأحدٍ منَ الأنبياءِ قبلهَ (وَطَهُورًا) بفتحِ الطاءِ أي: مطهِّرةٌ تستباحُ بها الصلاةُ. وفيهِ دليلٌ أن الترابَ يرفعُ الحدثَ كالماءِ لاشتراكهمَا في الطهوريةِ، وقد يمنعُ ذلكَ، ويقالُ الذي لهُ منَ الطهوريةِ استباحةُ الصلاةِ بهِ كالماءِ. ويدلُّ على جوازِ التيممِ بجميعِ أجزاءِ الأرضِ، وفي روايةٍ: "وجُعِلَتْ لي الأرضُ كُلُّها،

стр. 365

ولأُمتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا"، وهوَ منْ حديثِ أبي أمامةَ عندَ أحمدَ (١) وغيرِه. وأما مَنْ منعَ مِنْ ذلكَ مستدِلًّا بقولهِ في بعضِ رواياتِ "الصحيحِ": "وجُعِلَتْ تُرْبَتُها طَهُورًا" أخرَجَهُ مسلمٌ (٢)؛ فلا دليلَ فيهِ على اشتراطِ الترابِ لما عرفتَ في الأصولِ منْ أن ذكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يُخَصَّصُ بهِ، ثمَّ هوَ مفهومُ لقب لا يعملُ بهِ عندَ المحقِّقينَ، نعمْ في قولهِ تعالى في آيةِ التيمم في المائدةِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)، لفظ "منه" دليلٌ على أن المرادَ الترابُ، وذلكَ أن كلمةَ مِنْ للتبعيضِ كما قال في "الكشاف" (٤)، حيثُ قالَ: "إنهُ لا يفهمُ أحدٌ منَ العربِ قولَ القائلِ مسحتُ برأسي من الدهنِ، ومنَ الترابِ، إلَّا معنى التبعيضِ" اهـ. والتبعيضُ لا يتحققُ إلَّا في المسحِ مِنَ الترابِ، لا منَ الحجارةِ ونحوِها. (فأيُّما رجلٍ) هوَ للعمومِ في قوةِ كلِ رجلٍ (أدركتْهُ الصلاة فليصل) أي: على كلِّ حالٍ وإنْ لم يجدْ مسجدًا ولا ماءً، أي: بالتيممِ، كما بيَّنتْهُ روايةُ أبي أمامةَ (٥): "فأيُّما رجلٍ منْ أمتي أدركتْهُ الصلاةُ فلم يجدْ ماءً وجدَ الأرضَ مسجدًا وطهورًا"، وفي لفظٍ (٦): "فعندَه طَهُورُه ومسْجِدُهُ"، وفيهِ أنهُ لا يجبُ على فاقدِ الماءِ طلبه (وذكرَ الحديث) أي: ذكرَ جابرٌ بقيةَ الحديثِ، فالمذكورُ في الأصلِ اثنتانِ ولنذكرْ بقيةَ الخمس. فالثالثةُ: قولُه: "وأحِلَّتْ لي الغنائمُ"، وفي روايةٍ: "المغانمُ". قالَ الخطابي: كانَ مَنْ تقدَّمَ [أيْ: منَ الأنبياءِ] (٧) على ضربينِ: منهمْ مَنْ لم يُؤذَنْ له

стр. 366

في الجهادِ فلمْ تكنْ لهمْ مغانمُ، ومنهمْ من أُذِنَ لهمْ فيهِ، ولكنْ إذا غنِمُوا شيئًا لم يحلَّ لهمْ أنْ يأكلُوه، وجاءتْ نارٌ فأحرقَتْهُ. وقيل: أُجيزَ ليَ التصرفُ فيها بالتنفيلِ والاصطفاءِ، والصرفِ في الغانمينَ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). والرابعةُ: قولُهُ: "وأعطيتُ الشفاعةَ"، قدْ عدَّ في الشرح الشفاعاتِ اثنتي عشْرةَ شفاعةً، واختارَ أنَّ الكلَّ منْ حيثُ هو مختصٌ بهِ وإنْ كانَ بعض أنواعِها يكونُ لغيرِه، ويحتملُ أنهُ ﷺ أرادَ بها الشفاعةَ العظمَى (٢) في إراحةِ الناسِ [منَ] (٣) الموقفِ، لأنَّها الفردُ الكاملُ، [ولذلك] (٤) يظهرُ شرفُها لكلِّ مَنْ في الموِقفِ. والخامسةُ: قولُهُ: "وكانَ النبيُّ يُبعثُ في قومِهِ خاصة، وبُعثتُ إلى الناسِ كافة"؛ فعمومُ الرسالةِ خاصٌّ بهِ، وأما نوحٌ فإنهُ بعثَ إلى قومهِ خاصة. نعم صارَ بعدَ إغراقِ مَنْ كذَّبَ بهِ مبعوثًا إلى أهلِ الأرضِ، لأنهُ لم يبقَ إلَّا مَنْ كان مؤمنًا بهِ، ولكنْ ليسَ العمومُ في أصلِ البعثةِ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وبهذا عرفتَ أنهُ ﷺ مختصٌ بكلِّ واحدةٍ منْ هذهِ الخمسِ، لا أنهُ مختصٌّ بالمجموعِ. وأما الأفرادُ فقدْ شاركهُ غيرُهُ فِيهَا كما قيلَ: فإنهُ قولٌ مردودٌ. وفي الحديثِ فوائدٌ جليلةٌ مبيَّنةٌ في الكتبِ المطوَّلةِ، وكان ينبغي للمصنفِ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ: "وذكرَ الحديثَ"، متفقٌ عليهِ، ثمَّ يعطفُ عليهِ قولَهُ: وفي حديثِ حذيفةَ إلى آخرهِ، لأنهُ بقي حديثُ جابرٍ غيرَ منسوبٍ إلى مُخْرِجٍ وإنْ كانَ قد فهمَ أنهُ متفقٌ عليه لعطفِ [الحديث الثاني أعني قوله] (٥): ٢/ ١١٧ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٌ (٦): "وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ". [صحيح] [(حديث حذيفةَ عندَ مسلمٍ: وَجُعِلَتْ تُرْبتُها لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الماءَ)] (٧)،

стр. 367

هذَا القيدُ قرآنيٌّ معتبرٌ (١) في الحديثِ الأول كما بيَّناهُ. ٣/ ١١٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢): "وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا". [حسن] (وَعَنْ عَليٍّ ﵁ عندَ أحمدَ: وجُعِلَ الترابُ لي طهورًا)، هوَ وما قبلَهُ دليلُ مَنْ قالَ إنهُ لا يجزئُ إلا الترابُ، وقد أجيبَ بما سلفَ منْ أن التنصيصَ على بعضِ أفرادِ العامِ لا يكونُ مخصِّصًا معَ أنهُ منَ العملِ بمفهومِ اللَّقبِ، [ولا يقولُه] (٣) جمهورُ أئمةِ الأصولِ، ولكن الدليل على تعيين التراب ما قدَّمناه في الآية. تعليم النبي ﷺ التيمم لعمَّار ٤/ ١١٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدَ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِين، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. - وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٥): "وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". [صحيح]

стр. 368

ترجمة عمَّار بن ياسر (وَعَنْ عَمَّارٍ) (١) بفتحِ العينِ المهملةِ، وتشديدِ الميمِ، آخِرَهُ راءٌ. هوَ أبو اليقظانِ عمَّارُ (بن ياسرٍ) بمثناةٍ تحتيةٍ، وبعدَ الألفِ سينٌ مهملةٌ مكسورةٌ، فراءٌ. أسلمَ عمَّارٌ قديمًا، وعُذِّبَ في مكةَ [- من الكفار -] (٢) على الإسلامِ، وهاجرَ إلى الحبشةِ، ثمَّ إلى المدينةِ، وسمَّاهُ ﷺ الطيبَ والمطيِّبَ، وهوَ منَ المهاجرينَ الأولينَ، شهدَ بدرًا والمشاهدَ كلَّها، وقُتلَ بصفِّينَ معَ عليٍّ ﵇ وهوَ ابنُ ثلاث [وسبعينَ] (٣) سنةً، وهوَ الذي قالَ لهُ ﷺ : "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ" (٤). (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْت)؛ أي: صرتُ جُنُبًا، وقدَّمْنَا أنهُ يقالُ: أجنبَ الرجلُ صارَ جُنبًا، ولا يقالُ: اجتنبَ، وإنْ كثرَ في لسانِ الفقهاءِ (فلمْ أجدِ الماءَ فتمرَّغت) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، والميمِ، وتشديد الراءِ، فغينٍ

стр. 369

معجمةِ، وفي لفظ: "فتمعَّكتُ" ومعناهُ: تقلَّبتُ (في الصعيدِ كما تتمرَّغ الدابة، ثمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: إنَّما كانَ يكفيكَ أنْ تقولَ) أي: تفعل. والقولُ يطلقُ على الفعلِ، كقولِهِمْ: قالَ بيدِهِ هَكَذَا. (بِيَدَيْكَ هكذا) بَيَّنَهُ بقولِهِ: (ثمَّ ضربَ بيديْهِ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيهِ ووجهه. متفقٌ عليه) بينَ الشيخين (واللفظُ لمسلمٍ). استعملَ عمارٌ القياسَ، فرأى أنهُ لما كانَ الترابُ نائبًا عن الغسلِ فلا بدَّ منْ عمومهِ للبدنِ، فأبانَ لهُ ﷺ الكيفيةَ التي تجزئهُ، وأراهُ الصفةَ المشروعةَ، وأعلمهُ أنها التي فُرضتْ عليهِ، ودلَّ أنهُ يكفي ضربةٌ واحدةٌ، ويكفي في اليدينِ مسحُ الكفينِ، وأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنها ﷺ بالاقتصارِ على الكفينِ. وأفادَ أن الترتيبَ بينَ الوجهِ والكفينِ غيرُ واجبٍ، وإنْ كانتِ الواوُ لا تفيدُ الترتيبَ، إلَّا أنّهُ قدْ وردَ العطفُ في روايةٍ [للبخاري] (١) للوجِهِ على الكفينِ بثمَّ، وفي لفظٍ لأبي داودَ (٢): " [ثمَّ] (٣) ضربَ بشمالهِ على يمينهِ، وبيمينهِ على شمالِهِ على الكفينِ، ثمَّ مسحَ وجهَهُ". وفي لفظِ للإسماعيليِّ ما هوَ أوضحُ منْ هذَا: "إنما يكفيكَ أنْ تضربَ بيديكَ على الأرضِ، ثم تنفضهُما، ثم تمسحُ بيمينِك على شمالِكَ، وبشمالكَ على يمينكَ، ثمَّ تمسحُ على وجهكَ"، ودلَّ [على] (٤) أن التيممَ فرضُ مَنْ أجنبَ ولمْ يجدِ الماءَ. وقدِ اختُلفَ في كميةِ الضرباتِ وقدرِ التيممِ في اليدينِ: فذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ ومَنْ بعدَهم إلى أنَّها تكفي الضربةُ الواحدةُ، وذهبَ إلى أنَّها لا تكفي الضربةُ الواحدةُ جماعةٌ منَ الصحابةِ ومَنْ بعدَهم، وقالُوا: لا بدَّ منْ ضربتينِ؛ للحديثِ الآتي قريبًا، والذاهبونَ إلى كفايةِ الضرْبةِ جمهورُ العلماءِ وأهلُ الحديثِ، عملًا بحديثِ عمَّارٍ، فإنهُ أصحُّ حديثِ في البابِ، وحديثُ الضربتينِ يأتي

стр. 370

[على] (١) أنهُ لا يقْوى على معارضتهِ، قالُوا: وكلُّ ما عدَا حديثِ عمارٍ فهوَ [إمَّا] (٢) ضعيفٌ، أو موقوفٌ كما يأتي. وأما قَدْرُ ذلكَ في اليدينِ فقالَ جماعةٌ منَ العلماءِ وأهلُ الحديثِ: إنهُ يكفي في اليدينِ الراحتانِ وظاهرُ الكفينِ لحديثِ عمارٍ هذَا. وقد رويتْ عنْ عمارٍ رواياتٌ بخلافِ هذَا، لكنِ الأصحَّ ما في "الصحيحينِ". وقد كانَ يُفْتي بهِ عمارٌ بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ . وقالَ آخرونَ: إنها [تجبُ] (٣) ضربتانِ، ومسحُ اليدينِ معَ المرفقينِ، لحديثِ ابن عمرَ الآتي، ويأتي أنَّ الأصحَّ فيهِ أنهُ موقوفٌ، فلا يقاومُ حديثَ عمارٍ المرفوعَ الواردَ للتعليمِ. ومنْ ذلكَ اختلافُهم في الترتيبِ بينَ الوجهِ واليدينِ، وحديثُ عمارٍ - كما عرفتَ - قاضٍ بأنهُ لا يجبُ، وإليهِ ذهبَ مَنْ قالَ: تكفي ضربةٌ واحدةٌ، قالوا: والعطفُ في الآيةِ بالواوِ لا ينافي ذلكَ. وذهبَ مَنْ قالَ بالضربتينِ إلى أنهُ لا بدَّ منَ الترتيبِ بتقديمِ الوجهِ على اليدينِ، واليمنى على اليسرى. وفي حديثِ عمارٍ دلالةٌ على أن المشروعَ هوَ ضربُ الترابِ. وقالَ بعدمِ إجزاءِ غيرهِ الهادويةُ وغيرُهم، لحديثِ عمارٍ هذَا، وحديثِ ابن عمرَ الآتي. وقالَ الشافعي: يجزئُ وضعُ يدهِ في الترابِ لأنَّ في إحدى رِوايتي تيمُّمهِ ﷺ منَ الجدارِ أنهُ وضعَ يدهُ. (وفي روايةٍ) أي: منْ حديثِ عمارٍ (للبخاريِّ: وضربَ بكفَّيهِ الأرضَ، ونفخَ فيهمَا، ثمَّ مسحَ بهمَا وجهَة وكفَّيهِ) أي: ظاهرَهما - كما سلفَ - وهوَ كاللفظِ الأولِ إلَّا أنهُ خالفهُ بالترتيبِ وزيادةِ النفخِ، فأما نفخُ الترابِ فهوَ مندوبٌ، وقيلَ: لا يندبُ، وسلفَ الكلامُ في الترتيبِ. وهذا التيممُ واردٌ في كفايةِ الترابِ للجُنُبِ الفاقدِ للماءِ، وقدْ قاسُوا عليهِ الحائضَ والنفساءَ، وخالفَ فيهِ ابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ. وأما كونُ الترابِ يرفعُ الجنابةَ أوْ لَا؟ فسيأتي في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ وهو [حديثُ مائةٍ وتسعةَ عشر] (٤).

стр. 371

التيمم ضربة للوجهِ والكفين ٥/ ١٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهٍ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ). [ضعيف] رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (٢). (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : التيممُ ضربتانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقين. رواهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ في سننهِ عقبَ روايتهِ: "وقفهُ يحيى القطانُ وهشيمٌ وغيرُهما، وهوَ الصوابٌ" اهـ. ولذَا قالَ المصنفُ: (وصحَّح الأئمةُ وَقْفَهُ) على ابن عمرَ. قالُوا: وإنهُ مِنْ كلامهِ، وللاجتهادِ مسرحٌ في ذلكَ. وفي معناهُ عدةُ رواياتٍ كلّها غيرُ صحيحةٍ، بلْ إمَّا موقوفةٌ أوْ ضعيفةٌ، فالعُمدةُ حديثُ عمارٍ، وبهِ جزمَ البخاريُّ في صحيحه (٣) [فقال] (٤): (بابُ التيممِ للوجهِ والكفينِ). قالَ المصنفُ في "الفتح" (٥) "أيْ: هوَ الواجبُ المجزئُ، وأتَى بصيغةِ الجزمِ في ذلكَ - معَ شهرةِ الخلافِ فيهِ - لقوةِ دليلهِ، فإنَّ الأحاديثَ الواردةَ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سِوَى حديثِ أبي جُهَيمٍ (٦)، وعمارٍ (٧)، ومَا عداهُما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعهِ وَوَقْفهِ، والراجحُ عدمُ رفعهِ.
следующие страницы →