← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 367–406 · переход к 372.

стр. 367

هذَا القيدُ قرآنيٌّ معتبرٌ (١) في الحديثِ الأول كما بيَّناهُ. ٣/ ١١٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢): "وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا". [حسن] (وَعَنْ عَليٍّ ﵁ عندَ أحمدَ: وجُعِلَ الترابُ لي طهورًا)، هوَ وما قبلَهُ دليلُ مَنْ قالَ إنهُ لا يجزئُ إلا الترابُ، وقد أجيبَ بما سلفَ منْ أن التنصيصَ على بعضِ أفرادِ العامِ لا يكونُ مخصِّصًا معَ أنهُ منَ العملِ بمفهومِ اللَّقبِ، [ولا يقولُه] (٣) جمهورُ أئمةِ الأصولِ، ولكن الدليل على تعيين التراب ما قدَّمناه في الآية. تعليم النبي ﷺ التيمم لعمَّار ٤/ ١١٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدَ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِين، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. - وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٥): "وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". [صحيح]

стр. 368

ترجمة عمَّار بن ياسر (وَعَنْ عَمَّارٍ) (١) بفتحِ العينِ المهملةِ، وتشديدِ الميمِ، آخِرَهُ راءٌ. هوَ أبو اليقظانِ عمَّارُ (بن ياسرٍ) بمثناةٍ تحتيةٍ، وبعدَ الألفِ سينٌ مهملةٌ مكسورةٌ، فراءٌ. أسلمَ عمَّارٌ قديمًا، وعُذِّبَ في مكةَ [- من الكفار -] (٢) على الإسلامِ، وهاجرَ إلى الحبشةِ، ثمَّ إلى المدينةِ، وسمَّاهُ ﷺ الطيبَ والمطيِّبَ، وهوَ منَ المهاجرينَ الأولينَ، شهدَ بدرًا والمشاهدَ كلَّها، وقُتلَ بصفِّينَ معَ عليٍّ ﵇ وهوَ ابنُ ثلاث [وسبعينَ] (٣) سنةً، وهوَ الذي قالَ لهُ ﷺ : "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ" (٤). (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْت)؛ أي: صرتُ جُنُبًا، وقدَّمْنَا أنهُ يقالُ: أجنبَ الرجلُ صارَ جُنبًا، ولا يقالُ: اجتنبَ، وإنْ كثرَ في لسانِ الفقهاءِ (فلمْ أجدِ الماءَ فتمرَّغت) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، والميمِ، وتشديد الراءِ، فغينٍ

стр. 369

معجمةِ، وفي لفظ: "فتمعَّكتُ" ومعناهُ: تقلَّبتُ (في الصعيدِ كما تتمرَّغ الدابة، ثمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: إنَّما كانَ يكفيكَ أنْ تقولَ) أي: تفعل. والقولُ يطلقُ على الفعلِ، كقولِهِمْ: قالَ بيدِهِ هَكَذَا. (بِيَدَيْكَ هكذا) بَيَّنَهُ بقولِهِ: (ثمَّ ضربَ بيديْهِ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيهِ ووجهه. متفقٌ عليه) بينَ الشيخين (واللفظُ لمسلمٍ). استعملَ عمارٌ القياسَ، فرأى أنهُ لما كانَ الترابُ نائبًا عن الغسلِ فلا بدَّ منْ عمومهِ للبدنِ، فأبانَ لهُ ﷺ الكيفيةَ التي تجزئهُ، وأراهُ الصفةَ المشروعةَ، وأعلمهُ أنها التي فُرضتْ عليهِ، ودلَّ أنهُ يكفي ضربةٌ واحدةٌ، ويكفي في اليدينِ مسحُ الكفينِ، وأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنها ﷺ بالاقتصارِ على الكفينِ. وأفادَ أن الترتيبَ بينَ الوجهِ والكفينِ غيرُ واجبٍ، وإنْ كانتِ الواوُ لا تفيدُ الترتيبَ، إلَّا أنّهُ قدْ وردَ العطفُ في روايةٍ [للبخاري] (١) للوجِهِ على الكفينِ بثمَّ، وفي لفظٍ لأبي داودَ (٢): " [ثمَّ] (٣) ضربَ بشمالهِ على يمينهِ، وبيمينهِ على شمالِهِ على الكفينِ، ثمَّ مسحَ وجهَهُ". وفي لفظِ للإسماعيليِّ ما هوَ أوضحُ منْ هذَا: "إنما يكفيكَ أنْ تضربَ بيديكَ على الأرضِ، ثم تنفضهُما، ثم تمسحُ بيمينِك على شمالِكَ، وبشمالكَ على يمينكَ، ثمَّ تمسحُ على وجهكَ"، ودلَّ [على] (٤) أن التيممَ فرضُ مَنْ أجنبَ ولمْ يجدِ الماءَ. وقدِ اختُلفَ في كميةِ الضرباتِ وقدرِ التيممِ في اليدينِ: فذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ ومَنْ بعدَهم إلى أنَّها تكفي الضربةُ الواحدةُ، وذهبَ إلى أنَّها لا تكفي الضربةُ الواحدةُ جماعةٌ منَ الصحابةِ ومَنْ بعدَهم، وقالُوا: لا بدَّ منْ ضربتينِ؛ للحديثِ الآتي قريبًا، والذاهبونَ إلى كفايةِ الضرْبةِ جمهورُ العلماءِ وأهلُ الحديثِ، عملًا بحديثِ عمَّارٍ، فإنهُ أصحُّ حديثِ في البابِ، وحديثُ الضربتينِ يأتي

стр. 370

[على] (١) أنهُ لا يقْوى على معارضتهِ، قالُوا: وكلُّ ما عدَا حديثِ عمارٍ فهوَ [إمَّا] (٢) ضعيفٌ، أو موقوفٌ كما يأتي. وأما قَدْرُ ذلكَ في اليدينِ فقالَ جماعةٌ منَ العلماءِ وأهلُ الحديثِ: إنهُ يكفي في اليدينِ الراحتانِ وظاهرُ الكفينِ لحديثِ عمارٍ هذَا. وقد رويتْ عنْ عمارٍ رواياتٌ بخلافِ هذَا، لكنِ الأصحَّ ما في "الصحيحينِ". وقد كانَ يُفْتي بهِ عمارٌ بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ . وقالَ آخرونَ: إنها [تجبُ] (٣) ضربتانِ، ومسحُ اليدينِ معَ المرفقينِ، لحديثِ ابن عمرَ الآتي، ويأتي أنَّ الأصحَّ فيهِ أنهُ موقوفٌ، فلا يقاومُ حديثَ عمارٍ المرفوعَ الواردَ للتعليمِ. ومنْ ذلكَ اختلافُهم في الترتيبِ بينَ الوجهِ واليدينِ، وحديثُ عمارٍ - كما عرفتَ - قاضٍ بأنهُ لا يجبُ، وإليهِ ذهبَ مَنْ قالَ: تكفي ضربةٌ واحدةٌ، قالوا: والعطفُ في الآيةِ بالواوِ لا ينافي ذلكَ. وذهبَ مَنْ قالَ بالضربتينِ إلى أنهُ لا بدَّ منَ الترتيبِ بتقديمِ الوجهِ على اليدينِ، واليمنى على اليسرى. وفي حديثِ عمارٍ دلالةٌ على أن المشروعَ هوَ ضربُ الترابِ. وقالَ بعدمِ إجزاءِ غيرهِ الهادويةُ وغيرُهم، لحديثِ عمارٍ هذَا، وحديثِ ابن عمرَ الآتي. وقالَ الشافعي: يجزئُ وضعُ يدهِ في الترابِ لأنَّ في إحدى رِوايتي تيمُّمهِ ﷺ منَ الجدارِ أنهُ وضعَ يدهُ. (وفي روايةٍ) أي: منْ حديثِ عمارٍ (للبخاريِّ: وضربَ بكفَّيهِ الأرضَ، ونفخَ فيهمَا، ثمَّ مسحَ بهمَا وجهَة وكفَّيهِ) أي: ظاهرَهما - كما سلفَ - وهوَ كاللفظِ الأولِ إلَّا أنهُ خالفهُ بالترتيبِ وزيادةِ النفخِ، فأما نفخُ الترابِ فهوَ مندوبٌ، وقيلَ: لا يندبُ، وسلفَ الكلامُ في الترتيبِ. وهذا التيممُ واردٌ في كفايةِ الترابِ للجُنُبِ الفاقدِ للماءِ، وقدْ قاسُوا عليهِ الحائضَ والنفساءَ، وخالفَ فيهِ ابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ. وأما كونُ الترابِ يرفعُ الجنابةَ أوْ لَا؟ فسيأتي في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ وهو [حديثُ مائةٍ وتسعةَ عشر] (٤).

стр. 371

التيمم ضربة للوجهِ والكفين ٥/ ١٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهٍ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ). [ضعيف] رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (٢). (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : التيممُ ضربتانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقين. رواهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ في سننهِ عقبَ روايتهِ: "وقفهُ يحيى القطانُ وهشيمٌ وغيرُهما، وهوَ الصوابٌ" اهـ. ولذَا قالَ المصنفُ: (وصحَّح الأئمةُ وَقْفَهُ) على ابن عمرَ. قالُوا: وإنهُ مِنْ كلامهِ، وللاجتهادِ مسرحٌ في ذلكَ. وفي معناهُ عدةُ رواياتٍ كلّها غيرُ صحيحةٍ، بلْ إمَّا موقوفةٌ أوْ ضعيفةٌ، فالعُمدةُ حديثُ عمارٍ، وبهِ جزمَ البخاريُّ في صحيحه (٣) [فقال] (٤): (بابُ التيممِ للوجهِ والكفينِ). قالَ المصنفُ في "الفتح" (٥) "أيْ: هوَ الواجبُ المجزئُ، وأتَى بصيغةِ الجزمِ في ذلكَ - معَ شهرةِ الخلافِ فيهِ - لقوةِ دليلهِ، فإنَّ الأحاديثَ الواردةَ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سِوَى حديثِ أبي جُهَيمٍ (٦)، وعمارٍ (٧)، ومَا عداهُما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعهِ وَوَقْفهِ، والراجحُ عدمُ رفعهِ.

стр. 372

فأما حديثُ أبي جهيمٍ فوردَ بذكرِ اليدينِ مجمَلًا، وأما حديثُ عمارٍ فوردَ بلفظِ الكفينِ في "الصحيحين"، وبلفظِ المرفقينِ في "السنن"، وفي روايةٍ: إلى نصفِ الذراعِ، وفي روايةٍ: إلى الآباطِ. فأما روايةُ المرفقين، وكذا نصفُ الذراع ففيهمَا مقالٌ. وأما روايةُ الآباطِ فقالَ الشافعي وغيرهُ: إنْ كانَ ذلكَ وقعَ بأمرِ النبيِّ ﷺ فكلُّ تيمُّمٍ صحَّ عن النبيِّ ﷺ بعدَه فهوَ ناسخٌ لهُ، وإنْ كانَ وقعَ بغيرِ أمرهِ فالحجةُ فيما أمرَ بهِ. ويؤيدُ روايةَ "الصحيحين" في الاقتصارِ على الوجهِ والكفينِ أن عمارًا كانَ يفتي بعدَ النبيِّ ﷺ بذلكَ، وراوي الحديثِ أعرفُ بالمرادِ بهِ مِنْ غيرهِ، ولا سيَّما الصحابيُّ المجتهدُ" اهـ. الصعيدُ وضوء المسلم ما لم يجد الماءَ ٦/ ١٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسّهُ بَشَرَتَهُ". [حسن] رَوَاهُ الْبَزَّارُ (١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ (٢)، لكِنْ صَوَّبَ الدَّارقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ (٣). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : الصعيدُ) هوَ عندَ الأكثرينَ الترابُ. وعنْ بعضِ أئمةِ اللغةِ أنهُ وجهُ الأرضِ ترابًا كانَ أو غيرَهُ، وإنْ كانَ صخرًا لا ترابَ عليهِ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، (وضوءُ المسلمِ، وإنْ لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين)، فيهِ دليلٌ على تسميةِ التيممِ وضوءًا، (فإذا وجدَ) أي: المسلمُ (الماءَ فليتَّق اللَّهَ وَلَيمِسَّه بَشرَتَهُ. رواهُ البزاز وصحَّحه ابن القطانِ)، تقدَّمَ الكلامُ على ضبطِ ألفاظِهما، والتعريفِ بحالِهما، (لكنْ صوَّبَ الدارقطنيُّ إرسالهُ).

стр. 373

قالَ الدارقطني في كتابِ "العللِ": إرسالُهُ أصحُّ. وفي قولهِ: (إذا وجدَ الماءَ) دليلٌ على أنهُ إنْ وجدَ الماءَ وجبَ إمساسُهُ بشَرَتَهُ، [فتمسَّكَ] (١) بهِ مَنْ قالَ: إنَّ الترابَ لا يرفعُ الحدثَ، وأنَّ المرادَ أنهُ يمسهُ بشَرتهُ، لما سلفَ منْ جنابةٍ، فإنها باقيةٌ عليها، وإنما أباحَ لهُ الترابَ للصلاةِ لا غيرُ، وإذا فرغَ منْها عادَ عليهِ حكمُ الجنابةِ، ولذا قالُوا: لا بدَّ لكلِّ صلاةٍ من تيمُّمٍ. واستدلُوا بحديثِ عمروٍ بن العاصِ (٢) وقولُهُ ﷺ : "صلَّيتَ بأصحابكَ وأنتَ جُنُبٌ"، وقولُ الصحابةِ لهُ ﷺ : إنَّ عَمْرًا صلَّى بهمْ وهوَ جنُبٌ، فأقرَّهمْ على تسميتِهِ جُنُبًا. ومنهمْ منْ قالَ: إنَّ الترابَ حكمُهُ حكمُ الماءِ يرفعُ الجنابةَ ويصلِّي بهِ ما شاءَ، وإذا وجدَ الماءَ لم يجبْ عليهِ أنْ يمسهُ إلا للمستقبلِ منَ الصلاةِ، واستدلُّوا بأنهُ تعالى جعلهُ بدلًا عن الماءِ فحكمهُ حكمهُ، وبأنهُ ﷺ مسمَّاهُ طهورًا، وسمَّاهُ وضوءًا - كما سلفَ قريبًا. والحقُّ أن التيممَ يقومُ مقامَ الماءِ، ويرفعُ الجنابةَ رفعًا مؤقتًا إلى حالِ وُجدانِ الماءِ، أما أنهُ قائمٌ مقامَ الماءِ؛ فلأنهُ تعالى جعلَهُ عِوَضًا عنهُ عندَ عدمهِ، والأصلُ أنهُ قائمٌ مقامَهُ في جميعِ أحكامِهِ، فلا يخرجُ عنْ ذلكَ إلا بدليلٍ. وأما أنهُ إذا وجدَ الماءَ اغتسلَ، فلتسميتهِ ﷺ عَمْرًا جُنُبًا، ولقولهِ ﷺ : "فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ اللَّهَ"؛ فإنَّ الأظهرَ أنهُ أمرَ بإمساسهِ الماءَ لسببَ قدْ تقدمَ على وُجدانِ الماءِ، إذْ إمساسهُ - لما يأتي من أسبابِ وجوبِ الغسلِ أو الوضوءِ - معلومٌ منَ الكتابِ والسنةِ، والتأسيسُ خيرٌ منَ التأكيدِ. ٧/ ١٢٢ - وَللتِّرْمِذِيِّ (٣) - عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ (٤). [حسن]

стр. 374

(وَلِلترمِذِيِّ عنْ أبي ذرٍ) (١) بذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ [قراءٍ] (٢). ترجمة أبي ذر الغفاري اسمُهُ جُندبُ - بضمِ الجيمِ، وسكونِ النونِ، وضمِّ الدالِ المهملةِ، وفتحِها أيضًا - ابنُ جُنادةَ بضمِ الجيمِ، وتخفيفِ النونِ، بعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ. وأبو ذرٍّ منْ أعيانِ الصحابةِ وزُهَّادِهِم والمهاجرينَ، وهوَ أولُ مَنْ حيَّا النبيَّ ﷺ بتحيةِ الإسلامِ، وأسلمَ قديمًا بمكةَ، [يقالُ] (٣): كانَ خامسًا في الإسلامِ، ثمَّ انصرفَ إلى قومهِ إلى أن قدِمَ المدينةَ على النبيّ ﷺ بعدَ الخندقِ، ثمَّ سكنَ بعدَ وفاتِهِ ﷺ الربذة (٤) إلى أنْ ماتَ بها سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ في خلافةِ عثمانَ، وصلَّى عليهِ ابنُ مسعودٍ. ويقالُ: إنهُ ماتَ بعده بعشرةِ أيامٍ. (نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرة ولفظهُ: "قالَ أبو ذرٍّ: اجتويتُ المدينةَ فأمرَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ بإبل، فكنتُ فيها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: هلك أبو ذرٍّ، [فقال] (٥): ما حالك؟ قلت: كنت أتعرضُ للجنابةٍ وليسَ قربي ماءٌ، قالَ: الصعيدُ طهورٌ لِمَنْ لمْ يجدِ الماءَ، ولو عشرَ سنينَ". (وصحَّحهُ) أي: حديثَ أبي ذرٍّ "الترمذيُّ". قالَ المصنِّفُ في "الفتح": إنهُ صحَّحهُ - أيضًا - ابنُ حبانَ (٦) والدارقطنيُّ (٧).

стр. 375

لا يعيد من صلَّى بالتيمُّم ثم وجد الماء في الوقت ٨/ ١٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ - وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ - فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَال للذي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ"، وَقَالَ لِلآخَرِ: "لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَينِ". [حسن] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢). (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدَرِي ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فحضرتِ الصلاة) أي: وقتها (- وليسَ معهمَا ماءٌ - فتيمَّمَا صعيدًا طيبًا) هوَ الطاهرُ الحلالُ، وقدْ قيَّدَ اللَّهُ الصعيدَ بهِ في الآيتينِ في القرآنِ (٣)، فإطلاقهُ في حديثِ أبي هريرةَ مقيدٌ بالآياتِ والأحاديثِ، (فصلَّيا ثمَّ وجدَا الماءَ في الوقت) أي: وقتِ الصلاةِ التي صلَّيَاها (فأعادَ أحدُهما الصلاةَ والوضوءَ) سمَّاهُ إعادةً تغليبًا، وإلا فلمْ يكنْ قدْ توضأَ، أو سمَّى التيممَ وضوءًا مجازًا. (وَلم يُعِدِ الآخرُ، ثم أتيا رسولَ اللَّهِ ﷺ فذكرا ذلكَ لهُ فقالَ للذي لم يُعِدْ: أصبتَ السنةَ) أي: الطريقةَ الشرعيةَ (وأجزأتْكَ صلاتك)؛ لأنَّها وقعتْ في وقتِها، والماءُ مفقودٌ، فالواجبُ الترابُ، (وقالَ للآخرِ) الذي أعادَ (لكَ الأجرُ مرتينِ) أجرُ [الصلواتِ] (٤) بالترابِ، وأجرُ الصلاةِ بالماءِ.

стр. 376

(رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ)، وفي "مختصرِ السننِ" للمنذريِّ (١) أنهُ أخرجهُ النسائيُّ مسندًا ومرسلًا. وقالَ أبو داودَ (٢): إنهُ مرسل عنْ عطاءِ بن يسارٍ، لكنْ قالَ المصنفُ (٣): هذهِ الروايةُ رواها ابنُ السكنِ في صحيحه. [ولهُ] (٤) شاهدٌ منْ حديثِ ابن عباسٍ رواهُ إسحاقُ في مسندهِ (٥): أنهُ ﷺ بالَ ثمَّ تيممَ، فقيلَ لهُ: إنَّ الماءَ قريبٌ منكَ، قالَ: فلعلي لا أبلغهُ". والحديثُ دليلٌ على جوازِ الاجتهادِ في عصرهِ ﷺ ، و [على] (٦) أنهُ لا يجبُ الطلبُ والتلومُ لهُ [أي: الانتظارُ] (٦)، ودلَّ على [أنها] (٧) لا تجبُ الإعادةُ على مَنْ صلَّى بالترابِ ثمَّ وجدَ الماءَ في الوقتِ بعدَ الفراغِ منَ الصلاةِ، وقيلَ: بلْ يعيدُ الواجدُ في الوقتِ؛ لقولهِ ﷺ : "فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ اللَّهَ وليمسه بشرتَهُ"، وهذَا قدْ وجدَ الماءَ. وأجيبَ بأنه مطلقٌ فيمنْ وجدَ الماءَ بعدَ الوقتِ وقبلَ خروجهِ، وحالَ الصلاةِ وبعدَها، وحديثُ أبي سعيدٍ هذا فيمنْ لم يجدِ الماءَ في الوقتِ حالَ الصلاةِ، فهوَ مُقيدٌ، فيحملُ عليهِ المطيلقُ، فيكونُ معناهُ: فإذا وجدتَ الماءَ قبلَ الصلاةِ في الوقتِ فأمسهُ بشرتَكَ، أي: إذا وجدتَهُ وعليكَ جنابةٌ متقدمةٌ، فيقيَّدُ بهِ كما قدَّمناهُ. واستدلَّ القائلُ بالإعادةِ في الوقتِ بقولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٨) والخطابُ متوجهٌ معَ بقاءِ الوقتِ، وأجيبَ بأنهُ بعدَ فعلِ الصلاةِ لم يبقَ للخطابِ توجهٌ إلى فاعلِها، وكيف وقدْ قالَ ﷺ : "وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ" للذي لم يُعدْ؟ إذِ الإجزاءُ عبارةٌ عنْ كونِ الفعلِ مسقطًا لوجوبِ إعادةِ العبادةِ. والحقُّ أنهُ قدْ أَجزأهُ.

стр. 377

٩/ ١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَولهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قَالَ: إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنِ اغْتَسَلَ: تيَمَّمَ. [ضعيف] رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا (١)، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣) وَالْحَاكِمُ (٤). (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قولهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قالَ: إذا كانتْ بالرجلِ الجراحة في سبيلِ اللَّهِ) أي: الجهادِ. (والقروحُ) جمعُ قَرْحٍ، وهي البثورُ التي تخرجُ في الأبدانِ كالجُدَري ونحوه، (فيجنبُ) تصيبُهُ الجنابةُ (فيخافُ) [أي] (٥): يظنُّ (أن يَمُوتَ إنِ اغتسلَ تيمَّمَ. رواهُ الدارقطنيُّ موقوفًا) على ابن عباسٍ (ورفعهُ) إلى النبيِّ ﷺ (البزارُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ). وقالَ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ (٦): أخطأَ فيهِ عليُّ بنُ عاصمٍ. وقالَ البزارُ: لا نعلمُ مَنْ رفعهُ عنْ عطاءٍ من الثقاتِ إلا جريرٌ، وقدْ قالَ ابنُ معينٍ: إنهُ سمعَ منْ عطاءٍ بعدَ [الاختلاط] (٧)، وحينئذٍ فلا يتم رفعهُ. وفيه دليلٌ على شرعيةِ التيممِ في حقِّ الجُنب، إنْ خافَ الموتَ، فأما لوْ لم يخفْ إلا الضررَ فالآيةُ - وهي قولُه تعالى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (٨)، دالةٌ على إباحة [التيمُّم للمريض] (٩) سواءٌ خافَ تَلفًا أو دونَه.

стр. 378

والتنصيصُ في كلامِ ابنُ عباسٍ على الجراحةِ والقروحِ إنما هوَ مجردُ أمثالٍ، وإلَّا فكلُّ مرضِ كذلكَ. ويحتملُ أن ابنَ عباسٍ يخصُّ هذينِ منْ بين الأمراضِ، وكذلكَ كونُها في سبيلِ اللَّهِ مثالٌ، فلوْ كانتِ الجراحةُ من سقطةٍ فالحكمُ واحدٌ، وإذْ كانَ مثالًا فلا ينفي جوازَ التيممِ لخشيةِ الضررِ إلَّا أن قولَهُ: (أن يموتَ) يدلُّ على أنهُ لا يجزئُ التيممُ إلا لمخافةِ الموتِ، وهوَ قولُ أحمدَ وأحدُ قولَي الشافعي. وأما الهادويةُ، ومالكٌ وأحدُ قولي الشافعي، والحنفيةُ، فأجازُوا التيممَ لخشيةِ الضررِ، قالُوا: لإطلاقِ الآيةِ. وذهبَ داودُ والمنصورُ إلى إباحتهِ للمرضِ، وإن لم يخفْ ضررًا، وهو ظاهرُ الآيةِ. ١٠/ ١٢٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، "فأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًا (١). [باطل] (وَعَنْ عليٍّ ﵇ قالَ: انكسرتْ إحدى زنْدَيَّ)، بتشديدِ المثناةِ تثنيةُ زَنْدٍ، وهوَ مفصل طرفِ الذراعِ في الكفِّ. (فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ) أيْ: عن الواجبِ منَ الوضوءِ في ذلكَ (فأمرني أنْ أمسحَ على الجبائرِ) هي ما يجبرُ بهِ العظمُ المكسورُ ويلفُّ عليهِ (رواه ابنُ ماجه بسندٍ واهٍ جدًّا) بكسرِ الجيمِ وتشديدِ الدالِ المهملةِ، وهوَ منصوبٌ على المصدرِ أي: أجدُ ضعفَه جدًّا. والجِدُّ التحقيقُ كما في "القاموس" (٢)؛ فالمرادُ أحققُ ضعفَهُ تحقيقًا. والحديثُ أنكرهُ يحيى بنُ معينٍ، وأحمدُ، وغيرُهما، قالُوا: وذلكَ أنهُ منْ

стр. 379

روايةِ عمرِو بن خالدٍ الواسطيِّ (١)، وهوَ كذابٌ. ورواهُ الدارقطنيُّ (٢) والبيهقيُّ (٣) منْ طريقينِ أوهى منهُ. قال النوويُّ (٤): اتفقَ الحفاظُ على ضعفِ هذا الحديثِ. وقالَ الشافعيُّ: لو عرفتُ إسنادَهُ بالصحةِ لقلتُ بهِ، وهذَا مما أستخيرُ اللَّهَ فيهِ. وفي معناهُ أحاديثُ أخرُ قال البيهقيُّ: إنهُ لا يصحُّ منها شيءٌ إلا أن الحديث الحادي عشر يقوِّيه وهو قوله: المسح على الجبيرةِ ١١/ ١٢٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ في الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمسَحُ عَلَيهَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ". [حسن بشواهده] رَوَاهُ أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ فيهِ ضَعْفٌ (٥)، وَفِيهِ اخْتِلافٌ عَلَى رُوَاتِهِ. (وَعَنْ جَابرِ ﵁ في الرجلِ الذي شُجَّ) بضمِ الشينِ المعجمةِ، وجيمٍ - مِنْ شجَّهُ يشِجُّه بكسرِ الشينِ وضمِها - كَسَرَهُ، كما في "القاموس" (٦)، (فَاغْتَسَلَ فماتَ:

стр. 380

إنما كانَ يكفيهِ أنْ يتيممَ ويعصبَ على جرحهِ خرقةً، ثم يمسحُ عليها، ويغسل سائرَ جسدهِ. رواهُ أبو داودَ بسندِ فيه ضعفٌ)، لأنهُ تفردَ بهِ الزبيرُ بنُ خُريقٍ (١) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، فراء مفتوحةٍ، ومثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ وقافٍ. قالَ الدارقطنيُّ (٢): ليسَ بالقويِّ. قلت: وقالَ الذهبيُّ (٣): إنهُ صدوقٌ (وفيهِ اختلافٌ على رواتهِ) وهوَ عطاءٌ، فإنهُ رواهُ [عنه] (٤) الزبيرُ بن خُريقٍ عنْ جابرٍ، ورواهُ عنهُ الأَوزاعيُّ بلاغًا عنْ عطاء، عن ابن عباسٍ فالاختلافُ وقعَ في روايةٍ عطاءٍ: هلْ عنْ جابرٍ، أو عن ابن عباسٍ. وفي إحدَى الروايتينِ ما ليسَ في الأخرَى. وهذَا الحديثُ، وحديثُ عليٍّ الأولُ قد تعاضدَا على وجوبِ المسحِ على الجبائرِ بالماءِ. وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ، منهمْ مَنْ قالَ: يمسحُ؛ لهذينِ الحديثينِ - وإن كانَ فيهما ضعفٌ - فقدْ تعاضدا؛ ولأنهُ عضوٌ تعذَّرَ غسله بالماءِ فمسحَ ما فوقَه كشعرِ الرأسِ، وقياسًا على [مسحِ أعْلَى] (٥) الخفينِ وعلى العمامةِ. وهذا القياسُ يقوي النصَّ. قلت: مَنْ قالَ بالمسحِ عليهمَا قَوِيَ عندهُ المسحُ على الجبائرِ، وهوَ الظاهرُ. ثم في حديثِ جابرٍ دليلٌ على أنهُ يُجمَعُ بينَ التيممِ والمسح والغسلِ، وهوَ مشكلٌ؛ حيثُ جمعَ بينَ التيممِ والغسلِ، قيلَ: فيحملُ على أَنَّ أعضاءَ التيممِ كانتْ جريحةً فتعذَّرَ إمساسُها بالماءِ، فَعُدِلَ إلى التيممِ، ثم أفاضَ الماءَ على بقيةِ جسدِهِ، وأما الشجَّةُ فقدْ كانتْ في الرأسِ، والواجبُ فيهِ الغسلُ لكنْ تعذرَ لأجلِ الشجَّةِ، فكانَ الواجبُ عليهِ عصبَها والمسحَ عليْهَا، إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في "التلخيصِ" (٦): إنهُ لم يقعْ في روايةٍ عطاء عن ابن عباسٍ ذكرُ التيمم، فثبتَ أن

стр. 381

الزبيرَ بنَ خُريقٍ تفردَ بهِ، نبَّهَ على ذلكَ ابنُ القطانِ ثمَّ قالَ: ولم يقعْ في روايةٍ عطاءٍ ذكرُ المسحِ على الجبيرةِ، فهوَ مِنْ أفرادِ الزبير - أيضًا - انتهى. ثمَّ سياقُ المصنفِ لحديثِ جابرٍ يدلُّ على أن قولَهُ: "إنَّما كانَ يكفيهِ" غيرُ مرفوع، وهوَ مرفوعٌ، وإنما لما اختصرهُ المصنفُ فاتتْهُ العبارةُ الدالةُ على رفعه. وهوَ حديثٌ فيهِ قصةٌ، ولفظُها عندَ أبي داودَ (١) عن جابرٍ: خرجْنا في سفر؛ فأصابَ رجلًا منَّا حجرٌ فشجَّهُ في رأسهِ، ثم احتلمَ، فسألَ أصحابهُ [فقال] (٢): هلْ تجدونَ لي رخصةً في التيممِ؟ قالُوا: ما نجدُ لكَ رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ فماتَ، فلما قدمْنَا على رسولِ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بذلكَ فقالَ: "قتلوهُ قتلَهم اللَّهُ، ألا سألُوا [إن] (٣) لمْ يَعلمُوا؟ فإنما شفاءُ العِيّ (٤) السؤالُ، إنما كَان … " إلخ. لم يصح في التيمم لكل صلاة شيء ١٢/ ١٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلاةِ الأُخرَى". [ضعيف] رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًا (٥). (وَعَنِ ابْنِ عباس ﵄ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: سنَّةِ النبيِّ ﷺ ، والمرادُ طريقتُه وشرعهُ (أنْ لا يصَلِّيَ الرجُل) والمرأةُ أيضًا (بالتيممِ إلَّا صلاة واحدةً، ثمَّ يتيمَّم للصلاةِ الأخرَى. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، لأنهُ مِنْ روايةٍ الحسنِ بن عمارةَ، وهوَ ضعيفٌ (جدًّا)، نصبَ على المصدرِ كما عرفتَ.

стр. 382

وفي البابِ عنْ عليٍّ (١) ﵁ وابنِ عمرَ (٢) حديثانِ ضعيفانِ، وإن قيلَ: إنَّ أثرَ أبنِ عمرَ أصحُّ، فهوَ موقوفٌ، فلا تقومُ بالجميعِ حجةٌ. والأصلُ أنهُ - تعالى - قَدْ جعلَ الترابَ قائمًا مقامَ الماء، وقدْ علمَ أنهُ لا يجبُ الوضوءُ بالماءِ إلَّا منَ الحدَثِ فالتيممُ مثلُه. وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الحديثِ وغيرِهمِ، وهو الأقوَمُ دليلًا. * * *

стр. 383

[الباب العاشر] بابُ الحيض الحيضُ مصدرُ حاضتِ المرأةُ تحيضُ حيضًا ومحيضًا، فهي حائضٌ، ولما كانتْ لهُ أحكامٌ شرعيةٌ من أفعالٍ وتروكٍ، عقدَ لهُ المصنفُ بابًا ساقَ فيهِ ما وردَ فيه منْ أحكامهِ. أحكام المستحاضة ١/ ١٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إِن دَمَ الْحَيضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وَصَلِّي". [حسن] رَوَاهُ أَبُو دَاودَ (١) وَالنَّسَائيُّ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) وَالْحَاكِمُ (٤)، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم (٥).

стр. 384

(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن فاطِمَةَ بِنْتَ أبي حُبَيْشٍ) تقدَّمَ ضبطُه في أولِ بابِ النواقضِ، (كانتْ تُسْتَحَاضُ) تقدمَ أنَّ الاستحاضةَ جريانُ الدمِ منْ فرجِ المرأةِ في غيرِ أوانهِ، وتقدمَ فيهِ: أنَّ فاطمةَ جاءتِ النبيَّ ﷺ فقالتْ: إني امرأةٌ أسْتَحَاضُ فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ (فقالَ لها رسول الله ﷺ : إنَّ دمَ الحيضِ دمٌ أسودُ يُعْرَفُ) بضمِّ حرفِ المضارَعةِ، وكسرِ الراءِ، أي: له عَرفٌ ورائحةٌ. وقيلَ: بفتحِ الراءِ أي: تعرفُه النساءُ. (فإذا كانَ ذلكِ) بكسرِ الكافِ (فأمسكي عن الصلاةِ، فإذا كانَ الآخرُ) أي: الذي ليسَ بتلكَ الصفةِ (فتوضئي وصلِّي. رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ، واستنكرهُ أبو حاتمِ)؛ لأنهُ من حديثِ عديِّ بن ثابتٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ، وجدُّهُ لا يُعْرَفُ، وقدْ ضعَّفَ الحديثَ أبو داودَ. وهذا الحديثُ فيهِ ردُّ المستحاضةِ إلى صفةِ الدمِ بأنهُ إذَا كانَ بتلكَ الصفةِ فهوَ حيضٌ، وإلا فهي استحاضةٌ. وقدْ قالَ بهِ الشافعيُّ في حقِّ المبتدِأَةِ، وقد تقدمَ في النواقضِ أنهُ ﷺ قَالَ لها: "إنما ذلكَ عِرْقٌ، فإذا أقبلتْ حيضتُكَ فدعيْ الصلاةَ، وإذا أدبرتْ فاغسلِي عنكِ الدمَ [وصلِّي] " (١). ولا ينافيهِ هذا الحديثُ، فإنهُ يكونُ قولُه: "إنَّ دمَ الحيضِ أسودُ يعرفُ"، بيانًا لوقتِ إقبالِ الحيضةِ وإدبارهَا، فالمستحاضةُ إذَا ميَّزتْ أيامَ حيضِها: إما بصفةِ الدمِ، أو بإتيانهِ في وقتِ عادتِها إنْ كانتْ معتادةً وعلمتْ بعادتها، ففاطمةُ هذه يحتملُ أنها كانتْ معتادةً فيكونُ قولهُ: "فإذا أقبلتْ حيضتُكِ"، أيْ: بالعادةِ، أو غيرَ معتادة، فيرادُ بإقبالِ حيضتِها بالصفةِ، ولا مانعَ منِ اجتماعِ المعرفينِ في حقِّها وحقِّ غيرِها. هذا وللمستحاضةِ أحكامٌ [خمسةٌ] (٢)، قد سلفتْ إشارةٌ إلى الوعدِ بِهَا. منها: جوازُ وطئِها في حالِ جريانِ دمِ الاستحاضةِ عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ لأنَّها كالطاهرِ في الصلاةِ والصومِ وغيرِهما، فكذا في الجماعِ؛ ولأنهُ لا يحرمُ إلَّا عنْ دليلٍ، ولم يأتِ دليل بتحريمِ جماعِهَا. قال ابنُ عباسٍ: المستحاضةُ يأتيهَا زوجُها إذا صلَّتْ، الصلاةُ أعظمُ. يريدُ

стр. 385

إذا جازتْ لها الصلاةُ ودمُها جارٍ وهي أعظمُ ما يُشْتَرَطُ لهُ الطهارةُ، جازَ جماعُها. ومنها: أنَّها تُؤمَرُ بالاحتياطِ في طهارةِ الحدثِ والنجسِ، فتغسلُ فرجَها قبلَ الوضوءِ وقبلَ التيممِ، وتحشو فرجَها بقُطنةٍ أوْ خِرقةٍ، دفعًا للنجاسةِ، وتقليلًا لها، فإنْ لم [يندفع] (١) الدمُ بذلكَ شدَّتْ معَ ذلكَ على فرجِها وتلجَّمتْ واستثفرتْ، كما هو معروفٌ في الكتبِ المطولةِ، وليسَ بواجبٍ عليها، وإنما هوَ الأَوْلَى؛ تقليلًا للنجاسةِ بحسبِ القدرةِ، ثمَّ تتوضأُ بعدَ ذلكَ. ومنها: أنهُ ليسَ لها الوضوءُ قبلَ دخولِ وقتِ الصلاةِ عندَ الجمهورِ، إذْ طهارتُها ضروريةٌ، فليسَ لها تقديمُهَا قبلَ وقتِ الحاجة. المستحاضة تتوضأ لكل صلاة ٢/ ١٢٩ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٢): "وَلْتَجْلِسْ في مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةَ فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ للِظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا، وَتَتَوَضأُ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ". [صحيح] ترجمة أسماء بنت عميس (وفي حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ) (٣) بضمِّ المهملةِ، وفتحِ الميمِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فسينٍ مهملةٍ.

стр. 386

هي امرأةُ جعفرَ [بن أبي طالب ﵁] (١). هاجرتْ معهُ إلى أرضِ الحبشةِ، وَوَلَدَتْ لهُ هناكَ أولادًا: منهمْ عبدُ اللَّهِ. ثمَّ لما قُتِلَ جعفرُ تزوَّجَها أبو بكرٍ الصديقُ، فولدتْ لهُ محمدًا، ولما ماتَ أبو بكرٍ تزوَّجَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ فولدتْ له يَحْيَى. (عندَ أبي داودَ: ولتجلسْ) هوَ عطفٌ على ما قبلَهُ في الحديثِ؛ لأنَّ المصنفَ إنَّما ساقَ شطرَ حديثِ أسماءَ، لكنْ في لفظِ أبي داودَ عنْها هكذَا: "سبْحانَ اللَّهِ هذَا منَ الشيطانِ لتجلسْ" إلى آخره بدونِ واوٍ. وفي نسخةٍ في "بلوغ المرامِ" (في مِرْكَنٍ) بكسرِ الميمِ: الإجَّانةُ التي تغسلُ فيهَا الثيابُ، (فإذا رَأَتْ صُفْرَةَ فوقَ الماءِ) الذي تقعدُ فيهِ، فتصبُّ عليها الماءَ، فإنَّها تظهرُ الصفرةُ فوقَ الماءِ (فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا واحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَتَتَوَضَّأُ فيمَا بينَ ذَلِكَ). هذا الحديثُ وحديثُ حَمنةَ الآتي (٢) فيهِ الأمرُ بالاغتسالِ في اليومِ والليلةِ ثلاثَ مراتٍ، وقدْ بيَّنَ في حديثِ حمنةَ أن المرادَ إذا أخَّرتِ الظهرَ والمغربَ، ومفهومُه أنَّها إذا وقَّتتْ اغتسلتْ لكلِّ فريضةٍ. وقدِ اختلفَ العلماءُ: فرُويَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ أنهُ يجبُ عليها الاغتسالُ لكلِّ صلاةٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى [أنَّها] (٣) لا يجبُ عليهَا ذلكَ، وقالُوا روايةُ أنهُ ﷺ يأمرَها بالغسلِ لكلِّ صلاةٍ ضعيفةٌ، وبيَّنَ البيهقيُّ (٤) ضعفَها. وقيلَ: بلْ هوَ حديثٌ منسوخٌ بحديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ أنَّها تتوضَّأُ [لكلِّ] (٥) صلاةٍ. قلتُ: إلا أن النسخَ يحتاجُ إلى معرفةِ المتأخرِ، ثمَّ إنهُ قالَ المنذريُّ: إنَّ حديثَ أسماءَ بنتَ عميسٍ حسنٌ، فالجمعُ بينَ حديثِها وحديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ أنْ يُقَالَ: إنَّ الغسلَ مندوبٌ بقرينةِ عدمِ أمرِ فاطمةَ بهِ واقتصارهِ على أمرِها بالوضوءِ، فالوضوءُ هو الواجبُ، وقد جنحَ الشافعيُّ إلى هذَا.

стр. 387

حديث حَمنة بنت جحش في استحاضتها ٣/ ١٣٠ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلاتَينِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأمرَيْنِ إِلَيَّ". [حسن] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائيَّ (١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَحَسّنَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (وَعَنْ حَمْنَةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، فنونٍ (بنتِ جحشٍ) بفتح الجيمِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ فشينٍ معجمةٍ هي: أختَ زينبَ أمِّ المؤمنين، وامرأةُ طلحة بن عبيدِ اللَّهِ (قالتْ: كنتُ أُستحاضُ حيضة كثيرةً شديدةً). في "سننِ أبي داودَ" (٤) بيانٌ لكثرتِها، قالتْ: "إنَّما أثجُّ ثجًّا"، (فأتيتُ النبيَّ ﷺ أستفتيهِ فقال: إنما هي ركضةٌ من الشيطانِ) معناهُ: أنَّ الشيطانَ قدْ وجدَ سبيلًا إلى التلبيسِ عليها في أمرِ دينِها وطُهرِهَا وصلاتِها حتى أنْسَاها عادتَها، وصارتْ في التقديرِ، كأنّها ركضةٌ منهُ، ولا ينافي ما تقدَّمَ منْ أنهُ عرقٌ يقالُ لهُ: العاذلُ؛ لأنهُ يحمَلُ على أن الشيطانَ

стр. 388

ركضهُ حتَّى انفجرَ، والأظهرُ أنها ركضةٌ منهُ حقيقةً، إذْ لا مانعَ منْ حملِها عليهِ. (فَتَحَيَّضِي ستةَ أيامٍ، أو سبعةَ أيامٍ، ثمَّ اغتسلي، فإذَا اسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ) [إنْ] (١) كانتْ أيامُ الحيضِ ستةً (أو ثَلاثَةً وَعِشْرِينَ) [إِنْ] (١) كانتْ أيامُ الحيضِ سبعةً (وَصُومي وَصَلِّي) أي: ما شئتِ منْ فريضةٍ وتطوعٍ؛ (فإنَّ ذلكَ يُجْزِئُكِ وكذلِكَ فَافْعَلِي) فيما يستقبلُ منَ الشهورِ. ولفظُ أبي داودَ: "فافعلي كلَّ شهرٍ" (كما تحيضُ النساءُ) في "سننِ أبي داودَ" (٢) زيادةٌ: "وكما يطهرنَ ميقاتَ حيضهنَّ وطُهرهنَّ"، فيهِ الردُّ لها إلى غالبِ أحوالِ النساءِ. (فإنْ قويتِ) أي: قدرتِ (على أنْ تؤخري الظهرَ وتعجِّلي العصرَ) هذا لفظُ أبي داود (٢)، وقولُهُ: "وتعجِّلي العصرَ" يريدُ أنْ تؤخري الظهرَ، أي: فتأتي بها في آخرِ وقتِها قبلَ خروجِهِ، وتعجِّلي العصرَ فتأتي بهِ في أولِ وقتهِ، فتكونُ قدْ أتتْ بكلِّ صلاةٍ في وقتها، وجمعتْ بينَهما جمعًا صُوريًا. (ثمَّ تَغْتَسِلي حينَ تَطْهُرِينَ) هذا اللفظُ ليسَ في "سننِ أبي داودَ"، بلْ لفظهُ هكذا: "فتغتسلينَ فتجمعينَ بينَ الصلاتينِ الظهرِ والعصرِ"، أي: جمعًا صُوريًا كما عرفت، (وتصلِّينَ الظهرَ والعصرَ جميعًا). هذا غيرُ لفظِ أبي داودَ كما عرفتَ. (ثمَّ تؤخِّرينَ المغربَ والعشاءَ) لفظُ أبي داودَ (٢): "وتؤخِّرينَ المغربَ وتعجِّلينَ العِشَاءَ"، وما كانَ يحسنُ منَ المصنفِ حذفُ ذلكَ كما عرفتَ. (ثم تغتسلينَ وتجمعينَ بينَ الصحتينِ فافعلي، وتغتسلينَ معَ الصبعِ وتُصَلِّينَ قالَ) أي: النبيُّ ﷺ (وهوَ أعجبُ الأمرينِ إليَّ). ظاهرُهُ أنهُ منْ كلامهِ ﷺ ، إلَّا أنهُ قالَ أبو داودَ (٣): رواهُ عمرُو بنُ ثابتٍ عن [ابن] (٤) عقيلٍ قالَ: فقالتْ حَمنةُ: "هذا أعجبُ الأمرينِ إليَّ، لم يجعلْهُ منْ قولِ النبيِّ ﷺ . (رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ وصحَّحهُ الترمذيُّ، وحسَّنهُ البخاريُّ)، قالَ المنذريُّ في "مختصر سننِ أبي داودَ" (٥): قالَ الخطابيُّ: "قد تركَ بعضُ العلماءِ القولَ بهذَا

стр. 389

الحديثِ؛ لأنَّ ابنَ عقيلٍ راويهِ ليسَ بذاكَ"، وقالَ أبو بكرٍ البيهقيُّ: تفرَّدَ بهِ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بن عقيلٍ، وهوَ مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ. هذا آخرُ كلامهِ. وقدْ أخرجهُ الترمذيُّ (١)، وابنُ ماجه (٢). وقالَ الترمذيُّ (٣): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال أيضًا: وسألتُ محمدًا - يعني البخاريَّ - عنْ هذَا الحديثِ فقالَ: هوَ حديثٌ حسنٌ. وقالَ أحمدُ: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ اهـ. فعرفتَ أن القولَ بأنهُ حديثٌ غيرُ صحيحٍ غير صحيح، بلْ قدْ صحَّحهُ الأئمةُ، وقدْ عرفتَ مما سقناهُ منْ لفظِ روايةٍ أبي داودَ أن المصنفَ نقلَ غيرَ لفظِ أبي داودَ منْ ألفاظ أحدِ الخمسةِ، ولكنْ لا بدَّ منْ تقييدِ ما أطلقتْهُ الرواياتُ بقولهِ: ("وتعجلينَ العشاءَ" كما قالَ: [وتعجلين] (٤) العصرَ) لأنهُ أرشدَها ﷺ إلى ذلكَ لملاحظةِ الإتيانِ بكلِّ صلاةٍ في وقتِها، هذهِ في آخرِ وقتها وهذهِ في أولِ وقتِها. وقولُه في الحديثِ: "ستة أو سبعةَ أيامٍ" ليستْ فيهِ كلمةُ (أو) شكًا من الراوي ولا للتخييرِ، [بل] (٥) للإعلامِ بأنَّ للنساءِ أحدَ العددينِ، فمنهنَّ مَنْ تحيضُ ستًا، ومنهنَّ منْ تحيضُ سبعًا، فترجعُ إلى مَنْ هي في سنِّها وأقربُ إلى مزاجِها، ثم قوله: "فإنْ قويتِ" يُشْعِرُ بأنهُ ليسَ بواجبٍ عليها، وإنَّما هوَ مندوبٌ لها، وإلَّا فإنَّ الواجبَ إنَّما هوَ الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ بعدَ الاغتسالِ عن الحيضِ بمرورِ الستةِ أو السبعةِ الأيام، وهوَ الأمرُ الأولُ الذي أرشَدها ﷺ إليهِ، فإنَّ في صدرِ الحديثِ: "آمرُكِ بَأمرينِ، أيَّهما فعلتِ أجزأَ عنكِ منَ الآخرِ، وإنْ قويتِ عليهمَا فأنتِ أعلمُ". ثمَّ ذكرَ لها الأمرَ الأولَ أنها تحيضُ ستًا أو سبعًا، ثمَّ تغتسلُ وتصلِّي، كما ذكرهُ المصنفُ، وقد عُلمَ أنَّها تتوضأُ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ استمرارَ الدمِ ناقضٌ فلمْ يذكرْهُ في هذهِ الروايةِ، وقد ذكرهُ في غيرِهَا، ثمَّ ذكرَ الأمرَ الثاني منْ جمعِ الصلاتينِ والاغتسالِ كما عرفتَ.

стр. 390

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يباحُ جمعُ الصلاتينِ في وقتِ أحدِهما للعذرِ، إذْ لو أُبِيحَ لعذرٍ لكانتِ المستحاضةُ أولَ مَنْ يباحُ لها ذلكَ، [ولم يبحْ لها ذلك] (١) بلْ أمرَهَا بالتوقيتِ كما عرفتَ. المستحاضة تتحرَّى أيام عادتها ٤/ ١٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: "امْكُثي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي"؛ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] - وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٣): "وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ"، وَهِيَ لأبي دَاوُدَ (٤) وَغَيْرِهِ (٥)، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن أمَّ حبيبةَ) بالحاءِ المهملةِ المفتوحةِ (بنتَ جحشٍ) قيلَ: الأصحُّ أن اسمَها حبيبةٌ، وكنيتَها أمُّ حبيبٍ بغيرِ هاءٍ، وهي أختُ حَمنَة [التي] (٦) تقدم حديثُها، (شكتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ الدمَ، فَقَالَ: أمكثي قدرَ ما كانتْ تحبسُكِ حيضُتُكِ)، أيْ: قبلَ استمرارِ جريانِ الدمِ، (ثم اغتسلي) أي: غسلَ الخروجِ عن الحيضِ. (فكانتْ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ) منْ غيرِ أمرٍ منهُ ﷺ لها بذلكَ (رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: توضَّئي لكلِّ صلاةٍ، وهيَ) أي: الروايةُ (لأبي داودَ وغيرِهِ منْ وجهٍ آخرَ). أمُّ حبيبةَ كانتْ تحتَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ. وبناتُ جحشٍ ثلاثٌ: زينبُ أمُّ المؤمنينَ، وحَمنةُ، وأمُّ حبيبةَ، قيلَ: إنهنَّ كنَّ مستحاضاتٍ كلُّهن. وقدْ ذكرَ البخاريُّ ما يدلُّ على أنَّ بعضَ أمهاتِ المؤمنينَ كانتْ مستحاضةً، فإنْ صحَّ أن الثلاثَ مستحاضاتٌ فهي زينبُ، وقدْ عدَّ العلماءُ المستحاضاتِ في عصرهِ ﷺ فبلغنَ عشرَ نسوةٍ.

стр. 391

والحديثُ دليلٌ على إرجاعِ المستحاضةِ إلى أحدِ المعرِّفاتِ: وهي أيامُ عادتِها، وعرفتَ أن المعرِّفاتِ إما العادةُ التي كانتْ لها قبلَ الاستحاضةِ، أو صفةُ الدمِ بكونهِ أسودَ يعرفُ، أو العادةُ التي للنساءِ منَ الستةِ الأيامِ أو السبعةِ، أوْ إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها، كلُّ هذهِ قد تقدَّمتْ في أحاديثِ المستحاضةِ، فبأيِّها وقعَ معرفةُ الحيضِ - والمرادُ حصولُ الظنِّ لا اليقين - عملت بهِ، سواءٌ كانتْ ذاتَ عادةٍ أو لا كما يفيدُه إطلاقُ الأحاديثِ، بلْ ليسَ المرادُ إلَّا ما يحصلُ لها ظنٌّ أنهُ حيضٌ، وإنْ تعدَّدتِ الأماراتُ كانَ أقوى في حقِّها، ثمَّ متى حصلَ ظنُّ زوالِ الحيضِ وجبَ عليها الغسلُ، ثمَّ [تتوضأ] (١) لكلِّ صلاةٍ أو تجمعُ جمعًا صُوريًا بالغسلِ. وهلْ لها أنْ تجمعَ الجمعَ الصُّوريَّ بالوضوءِ؟ هذا لم يردْ بهِ النصُّ في حقِّها، إلَّا أنهُ معلومٌ جوازُهُ لكل أحدٍ من غيرِهِ. وأما هلْ لها أنْ تصلِّيَ النوافلَ بوضوءِ الفريضةِ؟ فهذا مسكوتٌ عنهُ أيضًا، والعلماءُ مختلفونَ في ذلكَ كلِّه. لا تعدُّ الكُدرةُ والصُّفرَةُ بعدَ الطهر حيضًا ٥/ ١٣٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنَّا لا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا". [صحيح] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ. ترجمة أم عطية (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) (٤).

стр. 392

اسمُها نُسيبةُ - بضمِّ النونِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وفتحِ الموحدةِ - بنتُ كعبٍ. وقيلَ: بنتُ الحرث الأنصاريةُ، بايعتِ النبيَّ ﷺ . كانتْ منْ كبارِ الصحابياتِ، وكانتْ تغزو معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، تمرِّضُ المرضَى، وتداوي الجرحَى. (قالتْ: كنَّا لا نعدُّ الكُدْرَةَ) (١) أيْ: ما هوَ بلونِ الماءِ الوسخِ الكدرِ، (والصُّفْرَةَ) هوَ الماءُ الذي تراهُ المرأةُ كالصديدِ يعلوه [صفرة] (٢) اصفرارٌ (بعدَ الطُّهْرِ) أي: بعدَ رؤيةِ القَصَّةِ البيضاءِ والجفوفِ (شيئًا) أي: لا نعدُهُ حيضًا (رواه [البخاري و] (٣) أبو داودَ واللفظُ لهُ). وقولُها: (كنَّا) قدِ اختلفَ فيهِ العلماءُ، فقيلَ: لهُ حكمُ الرفعِ إلى النبيِّ ﷺ ، لأنَّ المرادَ كنَّا في زمانهِ ﷺ معَ علمِهِ فيكونُ تقريرًا منهُ، وهذا رأيُ البخاريِّ وغيرِهِ مِنْ علماءِ الحديثِ فيكونُ حجةً. وهوَ دليلٌ على أنهُ لا حكمَ لما ليسَ بدمٍ غليظٍ أسودَ يعرفُ، فلا يعدُّ حيضًا بعدَ أنْ ترى القَصَّةَ بفتحِ القافِ، وتشديدِ الصادِ المهملةِ. قيلَ: إنه شيء كالخيطِ الأبيضِ يخرجُ منَ الرحمِ بعدَ انقطاعِ الدمِ أو بعدَ الجفوفِ، وهو أنْ يخرجَ ما يُحْشَى بِهِ الرحمُ جافًا، ومفهومُ قولِها: (بعدَ الطهرِ) أي بأحدِ الأمرينِ أن قبلهُ تعدُّ الكُدْرَةُ والصُّفْرَةُ شيئًا، أي: حيضًا، وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ معروفٌ في الفروعِ. يباح الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج ٦/ ١٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﷺ ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلَّا النِّكَاحَ". [صحيح] رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤).

стр. 393

(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أن اليهودَ كانُوا إذا حاضتِ المرأةُ فيهم لم يُؤاكِلُوها، فقالَ النبيُّ ﷺ : اصنعُوا كلَّ شيءٍ إِلَّا النِّكاحَ، رواهُ مسلمٌ). الحديثُ قد بيَّنَ المرادَ منْ قولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١)، أن المأمورَ بهِ منَ الاعتزالِ، والمنهيَّ عنهُ منَ القربانِ هوَ النكاحُ، أي: اعتزلُوا نكاحَهُنَّ ولا تقربوهنَّ لهُ، وما عدَا ذلكَ منَ المؤاكلةِ، والمجالسةِ، والمضاجعةِ، وغيرِ ذلكَ، جائزٌ، وقدْ كانَ اليهودُ لا [يساكنون] (٢) الحائضَ في بيتٍ واحدٍ، ولا يجامعونَها، ولا يؤاكلونَها، كما صرَّحتْ بهِ روايةُ مسلمٍ. وأما الاستمتاعُ منهنَّ فقدْ أباحهُ هذا الحديثُ كما يفيدُه أيضًا. ٧/ ١٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرني فأَتَّزِرُ، فيُباشرني وأنا حائضٌ. متفقٌ عليهِ)، أي: يلصقُ بشرتَهُ ببشَرتي فيما دونَ الإزارِ، وليسَ بصريحٍ بأنهُ يستمتعُ منها إنَّما فيهِ إلصاقُ البشرةِ بالبشرةِ. والاستمتاعُ فيما بينَ الركبةِ والسرَّةِ في غيرِ الفرجِ أجازهُ البعضُ، وحجتهُ: "اصنعُوا كلَّ شيءٍ إلَّا النكاحَ" (٤)، ومفهومُ هذا الحديثِ. وقال بعضٌ بكراهتِهِ، وآخرُ بتحريمهِ، فالأولُ أوْلى للدليلِ. فأما لو جامعَ وهي حائضٌ فإنهُ يأثمُ إجماعًا، ولا يجبُ عليهِ شيءٌ. وقيلَ: تجبُ عليهِ الصدقةُ لما يفيدُه:

стр. 394

كفارة من يأتي زوجته وهي حائض ٨/ ١٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - قَالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ". [صحيح] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢) وَابْنُ الْقَطَّانِ (٣)، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ. (وَعَنِ ابن عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ في الذي يأتي امرأتَهُ وهيَ حائضٌ - قالَ: يتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينارٍ. رواهُ الخمسةُ وصحَّحهُ الحاكِمُ، وابنُ القطانِ، ورجَّحَ غيرُهما وقْفَهُ) على ابن عباسٍ.

стр. 395

الحديثُ فيهِ رواياتٌ، هذهِ إِحدَاها، وهي التي خرَّجَ لرجالِها في "الصحيحِ"، وروايتُهُ معَ ذلكَ مضطربةٌ، [وَقَدْ] (١) قَالَ الشافعيُّ (٢): لو كانَ هذا الحديثُ ثابتًا لأخذنا بهِ، قالَ المصنفُ (٣): الاضطرابُ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنهِ كثيرٌ جدًّا. وقدْ ذهبَ إلى إيجابِ الصدقةِ الحسنُ وسعيدٌ لكنْ قالا: يُعْتِقُ رقبةً، قياسًا على مَنْ جامعَ في رمضانَ. وقالَ غيرُهما: بل يتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينارٍ، وقالَ الخطابيُّ (٤): قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا شيءَ عليهِ، وزعموا أن هذَا مرسلٌ أو موقوفٌ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: حجةُ مَنْ لم يوجبْ اضطرابُ هذا الحديثِ، وأنَّ الذمَّةَ على البراءةِ، ولا يجبُ أنْ يثبتَ فيها شيءٌ لمسكينٍ ولا غيرِهِ، إلَّا بدليلٍ لا مَدْفَعَ فيهِ ولا مطعنَ عليهِ، وذلكَ معدومٌ في هذهِ المسألةِ. قلتُ: أمَّا مَنْ صحَّ لهُ كابنِ القطانِ، فإنهُ أمعنَ النظرَ في تصحيحهِ، وأجابَ عنْ طرقِ الطعنِ فيهِ، وأقرَّه ابنُ دقيقِ العيدِ وقواهُ في كتابه "الإلمامِ"؛ فلا عذرَ لهُ عن العملِ بهِ. وأما منْ لمْ يصحَّ عندَه كالشافعيِّ، وابنِ عبدِ البرِّ، فالأصلُ براءةُ الذمةِ، فلا تقومُ بهِ الحجةُ على رفعها (٥). ما يحرم على الحائض فعله ٩/ ١٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦)، في حديثٍ طَويلٍ. [صحيح]

стр. 396

(وَعَنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أليسَ إذا حَاضَتِ المرأةُ لمْ تصَلِّ ولَم تَصُمْ. مُتفقٌ عليهِ في حديثٍ طويلٍ) تمامهُ: "فذلكَ منْ نقصانِ دينِها". رَواهُ مسلمٌ (١) من حديثِ ابن عمرَ بلفظِ: "تمكثُ اللياليَ ما تصلِّي، وتفطرُ في شهرِ رمضانَ، فهذَا نقصانُ دينِها"؛ وهوَ إخبارٌ يفيدُ تقريرَها على تركِ الصومِ والصلاةِ، وكونهمَا لا يجبانِ عليهَا، وهوَ إجماعٌ (٢) في أنَّهما لا يجبانِ حالَ الحيضِ، ويجبُ قضاءُ الصومِ لأدلةٍ أُخر (٣). وأما كونُها لا تدخلُ المسجدَ فلحديثِ: "لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ"، وتقدمَ (٤). وأما أنَّها لا تقرأُ القرآنَ فلحديثِ ابنِ عمرَ (٥) مرفوعًا: "ولا تقرأُ الحائضُ

стр. 397

ولا الجنبُ شيئًا منَ القرآنِ"، وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ (١). [وكذلكَ] (٢) لا تمسُّ المصحفَ لحديثِ عمرِو بن حزمٍ، تقدَّم (٣) وتقدَّمتْ شواهدُه (٤)، والأحاديثُ لا تقصرُ عن الكراهةِ لكلِّ ما ذُكرَ، وإنْ لمْ تبلغْ درجةَ التحريمِ؛ إذْ لا تخلُو عن مقالٍ في طرقِها، ودلالةُ ألفاظِها غيرُ صريحةٍ في التحريمِ. الحائض تعملُ أعمال الحج إلا الطواف ١٠/ ١٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حضْتُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: لَمَّا جِئْنَا) أي: عامَ حَجْةِ الوداعِ وكانتْ قدْ أحرمتْ معهُ ﷺ ، (سَرِفَ) بالسينِ المهملةِ مفتوحةً وكسرِ الراءِ، ففاءٍ، اسمُ محلٍّ منعهُ من الصرفِ للعلَميةِ والتأنيثِ، وهو محلٌّ بينَ مكةَ والمدينةِ. (حِضْتُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُرِي. متفقٌ عليهِ في حديثٍ طويلٍ) فيهِ صفةُ حجهِ ﷺ . وفيهِ دليل على أن الحائضَ يصحُّ منْها جميعُ أفعالِ الحجِّ غيرَ الطوافِ بالبيتِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ. واختُلِفَ في علَّتهِ، فقيلَ: لأنَّ مِنْ شرطِ الطوافِ الطهارةُ، وقيلَ: لكونِها ممنوعةً منْ دخولِ المسجدِ. وأما ركعتا الطوافِ فقدْ عُلم أنَّهما لا يصحَّانِ منْها، إذْ هُما مرتبتانِ على الطوافِ والطهارةِ.

стр. 398

١١/ ١٣٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النبيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: "مَا فَوْقَ الإِزَارِ". [ضعيف] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَضَعَّفَهُ. ترجمة معاذ بن جبل [وَعَنْ مُعَاذٍ] (٢) بضمِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ خفيفةٍ آخِرَهُ ذالٌ معجمةٌ. وهوَ أبو عبدِ الرحمنِ معاذُ بنُ جبلٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، أحدُ مَنْ شهدَ العقبةَ مِنَ الأنصارِ، وشهدَ بدرًا وغيرَها مِنَ المشاهدِ، وبعثهُ ﷺ إلى اليمنِ قاضيًا ومعلِّمًا، وجعلَ إليهِ قبضَ الصدقاتِ منَ العمَّالِ باليمنِ، وكانَ منْ أجلَّاءِ الصحابةِ وعلمائِهم. استعملهُ عمرُ على الشامِ بعدَ أبي عبيدةَ فماتَ في طاعونِ عمواسٍ سنةَ ثماني عشرةَ، وقيلَ: سبعَ عشرةَ، ولهُ ثمانٍ وثلاثونَ سنةً. (أنهُ سألَ النبيَّ ﷺ : ما يحلُّ للرجلِ منِ امرأتهِ وهي حائضٌ؟ قال: ما فَوْقَ الإِزارِ. رواهُ أبو داودَ وضعَّفهُ). وقالَ: ليسَ بالقويِّ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ مباشرةِ محلِّ الإزارِ: وهوَ ما بينَ السرة [والركبة] (٣). والحديثُ قدْ عارضهُ حديثُ: "اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ" (٤) تقدَّمَ، وهوَ أصحُّ منْ هذا فهوَ أرجحُ منهُ، ولو ضمَّهُ المصنفُ إليهِ لكانَ أولى. وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، وفي حديثِ عائشةَ: "كانَ يأمرني فأتَّزرُ" (٥).

стр. 399

١٢/ ١٣٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. [حسن] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (١)، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ (٢): وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلاةِ النِّفَاسِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣) [حسن] (وَعَنْ أمِّ سَلمةَ ﵄: كانتِ النفساءُ تقعدُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بعدَ نفاسِها أربعينَ يومًا. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، واللفظُ لأبي داودَ. وفي لفظٍ: ولمْ يأمرْهَا ﷺ بقضاءِ صلاةِ النفاسِ. وصحَّحهُ الحاكمُ) وضعَّفهُ جماعةٌ، لكنْ قالَ النوويُّ (٤): قولُ جماعةٍ مِنْ مصنفي الفقهاءِ إنَّ هذَا الحديثَ ضعيفٌ، مردودٌ عليهم. ولهُ شاهد عندَ ابن ماجه (٥) منْ حديثِ أنسٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ : "وقَّتَ

стр. 400

للنفساءِ أربعينَ يومًا إلَّا أنْ ترى الطُّهرَ قبلَ ذلكَ"، وللحاكم (١) مِنْ حديثِ عثمانَ بن أبي العاصِ: "وقَّتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للنساءِ في نفاسهنَّ أربعينَ يومًا". فهذهِ الأحاديثُ يعضدُ بعضُها بعضًا، وتدلُّ على أنَّ الدمَ الخارجَ عقيبَ الولادةِ حكمهُ يستمرُّ أربعينَ يومًا، تقعدُ فيهِ المرأةُ عن الصلاةِ وعنِ الصومِ، وإنْ لم يصرِّحْ بهِ الحديثُ فقدْ أفيدَ منْ غيرِهِ. وأفادَ حديثُ أنسٍ أنها إذا رأتِ الطهرَ قبلَ ذلكَ طهرتْ، وأنهُ لا حدَّ لأقلِّهِ. تمَّ بحمد الله المجلَّد الأول من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجلَّد الثاني وأوله: (الكتاب الثاني) كتاب الصلاة (الباب الأول) بابُ المواقيت * * *

стр. 401

[الكتاب الثاني] كتابُ الصَّلاةِ [الباب الأول] بابُ المواقيتِ الصلاةُ - لغةً - الدعاءُ، سميتْ هذهِ العبادةُ الشرعيةُ باسمِ الدعاءِ؛ لاشتمالها عليهِ، (والمواقيتُ) جمعُ ميقاتٍ، والمرادُ بهِ: الوقتُ الذي عيَّنهُ اللَّهُ لأداءِ هذهِ العبادةِ، وهوَ القدرُ المحدودُ للفعلِ منَ الزمانِ. مواقيت الصلاة ١/ ١٤٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "وَقْتُ الظهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوسَطِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشمْسُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح]

стр. 402

(عَنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرِو [بن العاص] (١) ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشمسُ) أي: مالتْ إلى جهةِ المغربِ، وهوَ الدلوكُ الذي أرادهُ - تعالى - بقولهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢)، (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُل كَطُولِهِ) أي: ويستمرُّ وقتُها حتَّى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، فهذَا تعريفُ أول وقتِ الظهرِ وآخرهِ، فقولُهُ: "وكان" عطفٌ على زالتْ كما قرَّرنا، أي: ويستمرُّ وقتُ الظهرِ إلى صيْرورةِ ظلِّ الرجلِ مثله، (مَا لمْ يَحْضرْ وَقْتُ العَصْرِ) وحضورُهُ بمصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله كما يفيدهُ مفهومُ هذا، وصريحُ غيرهِ (وَوَقْتُ العَصْرِ) يستمرُّ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ). وقد عيَّن آخرَهُ في غيرهِ بمصيرِ ظلِّ الشيءِ مثليْهِ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْربِ) مِنْ عندِ سقوطِ قرصِ الشمسِ ويسمرُّ (ما لمْ يغِبِ الشَّفَقُ) الأحمر، [وتفسيرهُ بالحمرةِ سيأتي نصًّا] (٣). (وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ) من غيبوبةِ الشفقِ، ويستمرُّ (إلى نِصْفِ اللَّيلِ الأَوْسَطِ)، المرادُ بهِ الأولُ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ) أولُهُ (مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ)، ويستمرُّ (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. رواهُ مسلمٌ)، وتمامهُ في مسلم: "فإذا طَلَعتِ الشمسُ فأمسكْ عن الصلاةِ؛ فإنها تطلعُ بينَ قرني الشيطان" (٤). الحديثُ أفادَ تعيينَ [أكثر] (٥) الأوقاتِ الخمسةِ أولًا وآخرًا، فأولُ وقتِ الظهرِ زوالُ الشمسِ، وآخرهُ مصيرُ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ. وذكرُ الرجلِ في الحديثِ تمثيلًا، وإذا صارَ كذلكَ فهوَ أولُ العصرِ، ولكنهُ يشاركهُ الظهرَ في قدرِ ما يتسعُ لأربعِ ركعاتٍ، فإنهُ يكونُ وقتًا لهما، كما يفيدُه حديثُ جبريل (٦): فإنه صلَّى

стр. 403

بالنبيِّ ﷺ الظهرَ في اليومِ الأولِ بعدَ الزوالِ، وصلَّى بهِ العصرَ عندَ مصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ في الوقتِ الذي صلَّى فيهِ العصرَ اليومَ الأولَ. فدلَّ على أن ذلكَ وقتٌ يشتركُ فيهِ الظهرُ والعصرُ، وهذا هوَ الوقتُ المشتركُ وفيهِ خلافٌ، فمنْ أثبتهُ فحجتهُ ما سمعتَهُ، ومَنْ نفاهُ تأوَّلَ قولَهُ: "وصلَّى بهِ الظهرَ في اليومِ الثاني حينَ صارَ ظلُّ الشيءِ مثلَهُ"، بأنَّ معناهُ فرغَ منْ صلاةِ الظهرِ في ذلكَ الوقتِ وهوَ بعيدٌ. ثمَّ يستمرُّ وقتُ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ، وبعدَ الاصفرارِ ليسَ بوقتٍ للأداءِ بلْ وقتُ قضاءٍ، كما قالهُ أبو حنيفةَ [كذا في الشرح وغيره] (١). وقيلَ: بلْ أداءٌ إلى بقيةٍ تَسَعُ ركعةً لحديثِ: "منْ أدركَ ركعةً مِنَ العصرِ قبلَ أنْ تغيبَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ" (٢)، وأولُ وقتِ المغرب إذا وجبتِ الشمسُ، أيْ: غربتْ. كما وردَ عندَ الشيخينِ (٣) وغيرِهما، وفي لفظٍ (٤): "إذا غربتْ"، وآخرُه: ما لم يغبِ الشفقُ. وفيهِ دليلٌ على اتساعِ وقتِ المغربِ، وعارضهُ حديثُ جبريل" فإنهُ صلَّى بهِ ﷺ المغربَ في وقتٍ واحدٍ في اليومينِ، وذلكَ بعدَ غروبِ الشمس، والجمعُ بينهمَا أنهُ ليسَ في حديثِ جبريلَ حصرٌ لوقتهمَا في ذلكَ؛ ولأنَّ أحاديثَ تأخيرِ المغربِ إلى غروب الشفقِ متأخرةٌ، فإنَّها في المدينةِ، وإمامةُ جبريلَ في مكةَ، فهي زيادةٌ تفضَّلَ اللَّهُ بها. لو قيلَ: إنَّ حديثَ جبريلَ دالٌّ على أنهُ لا وقتَ

стр. 404

لها إلَّا الذي صلَّى فيهِ. وأولُ العشاءِ غيبوبةُ الشفقِ [الأحمر] (١) ويستمرُّ إلى نصفِ الليلِ (٢)، وقد ثبتَ في الحديثِ التحديدُ لآخرهِ بثُلُثِ الليلِ (٣)، لكنَّ أحاديثَ النصفِ صحيحةٌ فيجبُ العملُ بها، وأولُ وقتِ صلاةِ الصبح طلوعُ الفجرِ، ويستمرُّ إلى طلوعِ الشمسِ. فهذا الحديثُ الذي في مسلمٍ (٤)، قدْ أفادَ أولَ كلِّ وقتٍ منَ الخمسةِ وآخرَه.

стр. 405

وفيه دليلٌ أن لوقتِ كلِّ صلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وهلْ يكونُ بعدَ الاصفرارِ وبعدَ نصفِ الليلِ وقتٌ لأداءِ العصرِ والعشاءِ أوْ لا؟ هذا الحديثُ يدلُّ على أنهُ ليسَ بوقتٍ لهما، ولكنَّ حديثَ: "مَنْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ فقدْ أدركَ العصرَ" (١)، فإنهُ يدلُّ على أن بعدَ الاصفرارِ وقتًا للعصرِ، وإنْ كانَ في لفظِ: "أدركَ" ما يشعرُ بأنهُ إذا كانَ تراخيهِ عن الوقتِ المعروفِ لعذرٍ أو نحوِهِ. ووردَ في الفجرِ مثلُهُ وسيأتي، ولم يردْ مثلُه في العشاءِ، ولكنهُ وردَ في مسلم (٢): "ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنما التفريط على مَنْ لم يصلِّ الصلاةً حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى"؛ فإنهُ دليلٌ على امتدادِ وقتِ كلِّ صلاةٍ إلى دخولِ وقتِ الأخْرى، إلا أنهُ مخصوصٌ بالفجرِ، فإنَّ آخرَ وقتِها طلوعُ الشمسِ، وليس بوقتٍ للتي بعدَها، وبصلاةِ العشاءِ فإنَّ آخرَه نصفُ الليلِ وليسَ وقتًا للتي بعدها. وقد قسمَ الوقتُ إلى اختياريٍّ واضطراريٍّ، ولم يقمْ دليلٌ ناهضٌ على غيرِ ما سمعتَ. وقد استوفينا الكلامَ على المواقيتِ في رسالةٍ بسيطةٍ سمَّيناها: "اليواقيتُ في المواقيتِ" (٣).

стр. 406

٢/ ١٤١ - وَلَهُ (١) مِنْ حَدِيثِ بُريْدَةَ في الْعَصْرِ: "وَالشمْسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ". [صحيح] (وَلَهُ) أي: لمسلم (مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ) (٢) بضمِ الموحَّدةِ فراءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ [ساكنةٍ] (٣) فدالٍ مهملةٍ فتاءِ تأنيثٍ. ترجمة بُريدة هو أبو عبد اللَّهِ، أو أبو سهلٍ، أو أبو الحصيبِ بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ، بضمِّ الحاءِ المهملةِ فصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فموحَدةٍ، الأسلميِّ. أسلمَ قبلَ بدرٍ ولمْ يشهدْها، وبايعَ بيعةَ الرِّضوانِ. سكنَ المدينةَ ثم تحولَ إلى البصرةِ، ثم خرجَ إلى خُراسانَ غازيًا، فماتَ بمروٍ زمن يزيدَ بن معاويةَ سنةَ اثنتينِ، أو ثلاثٍ وستينَ. (في العصر) أي: في بيانِ وقتِها. (والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ) بالنونِ والقافِ ومثناةٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ، أي لم يدخلْها شيءٌ من الصفرةِ. ٣/ ١٤٢ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبي مُوسى: "وَالشمْسُ مُرْتَفِعَة". [صحيح] (وَمِنْ حَدِيث أبي مُوسى) أي: ولمسلم (٤) منْ حديثِ أبي مُوسى (٥).
следующие страницы →