← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 402–441 · переход к 407.

стр. 402

(عَنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرِو [بن العاص] (١) ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشمسُ) أي: مالتْ إلى جهةِ المغربِ، وهوَ الدلوكُ الذي أرادهُ - تعالى - بقولهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢)، (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُل كَطُولِهِ) أي: ويستمرُّ وقتُها حتَّى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، فهذَا تعريفُ أول وقتِ الظهرِ وآخرهِ، فقولُهُ: "وكان" عطفٌ على زالتْ كما قرَّرنا، أي: ويستمرُّ وقتُ الظهرِ إلى صيْرورةِ ظلِّ الرجلِ مثله، (مَا لمْ يَحْضرْ وَقْتُ العَصْرِ) وحضورُهُ بمصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله كما يفيدهُ مفهومُ هذا، وصريحُ غيرهِ (وَوَقْتُ العَصْرِ) يستمرُّ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ). وقد عيَّن آخرَهُ في غيرهِ بمصيرِ ظلِّ الشيءِ مثليْهِ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْربِ) مِنْ عندِ سقوطِ قرصِ الشمسِ ويسمرُّ (ما لمْ يغِبِ الشَّفَقُ) الأحمر، [وتفسيرهُ بالحمرةِ سيأتي نصًّا] (٣). (وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ) من غيبوبةِ الشفقِ، ويستمرُّ (إلى نِصْفِ اللَّيلِ الأَوْسَطِ)، المرادُ بهِ الأولُ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ) أولُهُ (مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ)، ويستمرُّ (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. رواهُ مسلمٌ)، وتمامهُ في مسلم: "فإذا طَلَعتِ الشمسُ فأمسكْ عن الصلاةِ؛ فإنها تطلعُ بينَ قرني الشيطان" (٤). الحديثُ أفادَ تعيينَ [أكثر] (٥) الأوقاتِ الخمسةِ أولًا وآخرًا، فأولُ وقتِ الظهرِ زوالُ الشمسِ، وآخرهُ مصيرُ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ. وذكرُ الرجلِ في الحديثِ تمثيلًا، وإذا صارَ كذلكَ فهوَ أولُ العصرِ، ولكنهُ يشاركهُ الظهرَ في قدرِ ما يتسعُ لأربعِ ركعاتٍ، فإنهُ يكونُ وقتًا لهما، كما يفيدُه حديثُ جبريل (٦): فإنه صلَّى

стр. 403

بالنبيِّ ﷺ الظهرَ في اليومِ الأولِ بعدَ الزوالِ، وصلَّى بهِ العصرَ عندَ مصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ في الوقتِ الذي صلَّى فيهِ العصرَ اليومَ الأولَ. فدلَّ على أن ذلكَ وقتٌ يشتركُ فيهِ الظهرُ والعصرُ، وهذا هوَ الوقتُ المشتركُ وفيهِ خلافٌ، فمنْ أثبتهُ فحجتهُ ما سمعتَهُ، ومَنْ نفاهُ تأوَّلَ قولَهُ: "وصلَّى بهِ الظهرَ في اليومِ الثاني حينَ صارَ ظلُّ الشيءِ مثلَهُ"، بأنَّ معناهُ فرغَ منْ صلاةِ الظهرِ في ذلكَ الوقتِ وهوَ بعيدٌ. ثمَّ يستمرُّ وقتُ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ، وبعدَ الاصفرارِ ليسَ بوقتٍ للأداءِ بلْ وقتُ قضاءٍ، كما قالهُ أبو حنيفةَ [كذا في الشرح وغيره] (١). وقيلَ: بلْ أداءٌ إلى بقيةٍ تَسَعُ ركعةً لحديثِ: "منْ أدركَ ركعةً مِنَ العصرِ قبلَ أنْ تغيبَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ" (٢)، وأولُ وقتِ المغرب إذا وجبتِ الشمسُ، أيْ: غربتْ. كما وردَ عندَ الشيخينِ (٣) وغيرِهما، وفي لفظٍ (٤): "إذا غربتْ"، وآخرُه: ما لم يغبِ الشفقُ. وفيهِ دليلٌ على اتساعِ وقتِ المغربِ، وعارضهُ حديثُ جبريل" فإنهُ صلَّى بهِ ﷺ المغربَ في وقتٍ واحدٍ في اليومينِ، وذلكَ بعدَ غروبِ الشمس، والجمعُ بينهمَا أنهُ ليسَ في حديثِ جبريلَ حصرٌ لوقتهمَا في ذلكَ؛ ولأنَّ أحاديثَ تأخيرِ المغربِ إلى غروب الشفقِ متأخرةٌ، فإنَّها في المدينةِ، وإمامةُ جبريلَ في مكةَ، فهي زيادةٌ تفضَّلَ اللَّهُ بها. لو قيلَ: إنَّ حديثَ جبريلَ دالٌّ على أنهُ لا وقتَ

стр. 404

لها إلَّا الذي صلَّى فيهِ. وأولُ العشاءِ غيبوبةُ الشفقِ [الأحمر] (١) ويستمرُّ إلى نصفِ الليلِ (٢)، وقد ثبتَ في الحديثِ التحديدُ لآخرهِ بثُلُثِ الليلِ (٣)، لكنَّ أحاديثَ النصفِ صحيحةٌ فيجبُ العملُ بها، وأولُ وقتِ صلاةِ الصبح طلوعُ الفجرِ، ويستمرُّ إلى طلوعِ الشمسِ. فهذا الحديثُ الذي في مسلمٍ (٤)، قدْ أفادَ أولَ كلِّ وقتٍ منَ الخمسةِ وآخرَه.

стр. 405

وفيه دليلٌ أن لوقتِ كلِّ صلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وهلْ يكونُ بعدَ الاصفرارِ وبعدَ نصفِ الليلِ وقتٌ لأداءِ العصرِ والعشاءِ أوْ لا؟ هذا الحديثُ يدلُّ على أنهُ ليسَ بوقتٍ لهما، ولكنَّ حديثَ: "مَنْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ فقدْ أدركَ العصرَ" (١)، فإنهُ يدلُّ على أن بعدَ الاصفرارِ وقتًا للعصرِ، وإنْ كانَ في لفظِ: "أدركَ" ما يشعرُ بأنهُ إذا كانَ تراخيهِ عن الوقتِ المعروفِ لعذرٍ أو نحوِهِ. ووردَ في الفجرِ مثلُهُ وسيأتي، ولم يردْ مثلُه في العشاءِ، ولكنهُ وردَ في مسلم (٢): "ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنما التفريط على مَنْ لم يصلِّ الصلاةً حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى"؛ فإنهُ دليلٌ على امتدادِ وقتِ كلِّ صلاةٍ إلى دخولِ وقتِ الأخْرى، إلا أنهُ مخصوصٌ بالفجرِ، فإنَّ آخرَ وقتِها طلوعُ الشمسِ، وليس بوقتٍ للتي بعدَها، وبصلاةِ العشاءِ فإنَّ آخرَه نصفُ الليلِ وليسَ وقتًا للتي بعدها. وقد قسمَ الوقتُ إلى اختياريٍّ واضطراريٍّ، ولم يقمْ دليلٌ ناهضٌ على غيرِ ما سمعتَ. وقد استوفينا الكلامَ على المواقيتِ في رسالةٍ بسيطةٍ سمَّيناها: "اليواقيتُ في المواقيتِ" (٣).

стр. 406

٢/ ١٤١ - وَلَهُ (١) مِنْ حَدِيثِ بُريْدَةَ في الْعَصْرِ: "وَالشمْسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ". [صحيح] (وَلَهُ) أي: لمسلم (مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ) (٢) بضمِ الموحَّدةِ فراءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ [ساكنةٍ] (٣) فدالٍ مهملةٍ فتاءِ تأنيثٍ. ترجمة بُريدة هو أبو عبد اللَّهِ، أو أبو سهلٍ، أو أبو الحصيبِ بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ، بضمِّ الحاءِ المهملةِ فصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فموحَدةٍ، الأسلميِّ. أسلمَ قبلَ بدرٍ ولمْ يشهدْها، وبايعَ بيعةَ الرِّضوانِ. سكنَ المدينةَ ثم تحولَ إلى البصرةِ، ثم خرجَ إلى خُراسانَ غازيًا، فماتَ بمروٍ زمن يزيدَ بن معاويةَ سنةَ اثنتينِ، أو ثلاثٍ وستينَ. (في العصر) أي: في بيانِ وقتِها. (والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ) بالنونِ والقافِ ومثناةٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ، أي لم يدخلْها شيءٌ من الصفرةِ. ٣/ ١٤٢ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبي مُوسى: "وَالشمْسُ مُرْتَفِعَة". [صحيح] (وَمِنْ حَدِيث أبي مُوسى) أي: ولمسلم (٤) منْ حديثِ أبي مُوسى (٥).

стр. 407

ترجمة أبي موسى وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ قيسٍ الأشعريُّ أسلمَ قديمًا بمكةَ، وهاجرَ إلى الحبشةِ، وقيلَ: رجعَ إلى أرضهِ ثمَّ وصلَ إلى المدينةِ معَ وصولِ [مهاجرِي] (١) الحبشةِ. ولَّاهُ عمرُ بنُ الخطابِ البصرةَ بعدَ عزلِ المغيرةِ سنةَ عشرينَ، فافتتحَ أبو مُوسَى الأهوازَ، ولم يزلْ على البصرةِ إلى صدرِ خلافةِ عثمانَ، فعزلهُ فانتقلَ إلى الكوفةِ، وأقامَ بها ثم أقرَّهُ عثمانُ عاملًا على الكوفةِ إلى أن قتلَ عثمانُ. ثمَّ انتقلَ بعدَ أمرِ التحكيمِ إلى مكةَ، ولم يزلْ بها حتَّى ماتَ سنةَ خمسينَ، وقيلَ: بعدَها، ولهُ نيفٌ وستونَ سنةً. (والشمسُ مرتفعةٌ) أي: وصلَّى العصرَ وهي مرتفعةٌ لم تملْ إلى الغروبِ. وفي الأحاديثِ ما يدلُّ على المسارعةِ بالعصرِ، وأصْرحُ الأحاديثِ في تحديدِ أولِ وقتِها حديثُ جبريلَ (٢) ﵇ أنهُ صلَّاها بالنبيِّ ﷺ ، وظلُّ الرجلِ مثلُه، وغيرُه مِنَ الأحاديثِ كحديثِ بريدةَ، وحديثِ أبي موسى محمولةٌ عليهِ. ٤/ ١٤٣ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ في أقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أبي بَرْزَةَ) (٤) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الراءِ فزايٍ فهاءٍ.

стр. 408

ترجمة أبي برزة اسمُهُ نَضْلةُ، بفتحِ النونِ فضادٍ ساكنةٍ معجمةٍ، ابنُ عبيدٍ، وقيلَ: ابنُ عبدِ اللَّهِ، أسلمَ قديمًا وشهدَ الفتحَ، ولم يزلْ يغزو معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حتَّى تُوُفيَ ﷺ ، فنزلَ بالبصرةِ، ثمَّ غزا خراسانَ، وتوفيَ بمروٍ، وقيلَ: بغيرِها سنةَ ستينَ. (الأسلميِّ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي العصرَ، ثمَّ يرجعُ أحدُنا) أي: بعدَ صلاتِهِ (إلى رَحْلِهِ) بفتحِ الراءِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وهو مسكنهُ (في أقصى المدينةِ) حالٌ منْ رَحْلِهِ، وقيلَ: صفةٌ لهُ. (والشمسُ حيَّةٌ) أي: يصلُ إلى رحلِهِ حالَ كونها حيةً، أي بيضاءَ قويةَ الأثرِ حرارةً ولونًا وإنارةً. (وكانَ يستحبُّ أنْ يؤخرَ [منْ] (١) العشاءِ)، لم يبينْ إلى متَى، وكأنهُ يريدُ مطلقَ التأخيرِ، وقد بينهُ غيرُهُ منَ الأحاديثِ، (وكانَ يكرة النومَ قبلَها) لئلَّا يستغرقَ النائمُ فيهِ حتَّى يخرجَ اختيارُ وقتِها. (والحديثَ) التحادثَ معَ الناسِ (بَعْدَهَا) [فينامُ] (٢) عَقِبَ تكفيرِ الخطيئةِ بالصلاةِ؛ [فتكون] (٣) خاتمةَ عملِهِ؛ ولئلا يشتغلَ بالحديثِ عنْ قيامِ آخرِ الليلِ، إلَّا أنَّهُ قد ثبتَ أنهُ ﷺ كان يسْمُرُ [معَ] (٤) أبي بكرٍ في أمرِ المسلمينَ، (وكانَ ينفتلُ) بالفاءِ فمثناةٍ بعدَها فوقيةٍ مكسورةٍ، أي: يلتفتُ إلى مَنْ خلفَهُ أو ينصرفُ (منْ صلاةِ الغَدَاةِ) الفجرِ (حينَ يَعْرِفُ الرجُلُ جَلِيسَهُ) أي: بضوءِ الفجرِ؛ لأنهُ كانَ مسجدُهُ ﷺ ليسَ فيهِ مصابيحُ، وهوَ يدلُّ [على] (٥) أنهُ كانَ يدخلُ فيها والرجلُ لا يَعْرفُ جلِيسَهُ، وهوَ دليلُ التبكير بها، (وكانَ يقرأُ بالستينَ إلى المائةِ)؛ يريدُ أنهُ إذا اختصرَ قرأ بالستين في صلاتِهِ في الفجرِ، وإذا طوَّلَ فإلى المائةِ منَ الآياتِ (متفقٌ عليهِ). فيهِ ذكر [وقت] (٥) صلاةِ العصرِ، والعشاءِ، والفجرِ منْ دونِ تحديدٍ للأوقاتٍ، وقدْ سبقَ في الذي مضَى ما هُوَ أصرحُ وأشملُ.

стр. 409

٥/ ١٤٤ - وَعِنْدَهُمَا (١) مِنْ حديثِ جَابِرٍ: وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا؛ إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَأُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بغَلَسٍ. [صحيح] (وَعِنْدَهُمَا) أي: الشيخينِ، المدلولِ عليهما بقوله: متفقٌ عليهِ (مِنْ حديثِ جابرٍ: والعِشَاءَ أحيانًا يقدِّمها) أولَ وقتِها (وأحيانًا يؤخِّرُهَا) عنهُ كما فصَّلهُ قولهُ: (إذا رآهمْ) أي: الصحابةَ (اجتمعُوا) في أولِ وقتِها (عجَّلَ) رفقًا بهمْ، (وإذا رآهم أبطأوا) عنْ أولهِ (أخَّرَ) مراعاةً [لما هوَ] (٢) الأرفقُ بهمْ، وقدْ ثبتَ (٣) عنهُ أنهُ لولًا خوفُ المشقةِ عليهمْ لأخَّرَ بِهِمْ، (والصبحَ كانَ النبيُّ ﷺ يصليها بغَلسٍ) الغَلَسُ - محركةً - ظلمةُ آخِرِ الليلِ، كما في القاموسِ (٤)، وهوَ أولُ الفجرِ، ويأتي ما يعارضهُ في حديث رافعِ بن خديْج. التغليس بالفجر ٦/ ١٤٥ - وَلمُسْلِمٍ (٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [صحيح] (ولمسلمٍ) وحدَه (منْ حديثِ أبي موسى: فأقامَ الفجرَ حينَ انشقَّ الفجرُ، والناسُ لا يكادُ يعرفُ بعضُهم بعضًا)، وهوَ كما أفادهُ الحديثُ الأولُ. الحثُّ على المسارعة بصلاة المغرب ٧/ ١٤٦ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ

стр. 410

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصرُ مَوَاقِع نَبْلِهِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ رافعِ بن خَدِيجٍ) (٢) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وكسرِ الدالِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فجيمٍ. ترجمة رافع بن خديج ورافعٌ هوَ: أبو عبدِ اللَّهِ، ويقالُ: أبو خديجٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ الأوسيُّ منْ أهلِ المدينةِ، تأخرَ عن بدرٍ لصغرِ سنِّه، وشهدَ أُحُدًا وما بعدَها، أصابهُ سهمٌ يومَ أُحدٍ فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : "أنا أشهدُ لكَ يومَ القيامةِ" (٣)، وعاشَ إلى [زمان] (٤) عبدِ الملكِ بن مروانَ، ثمَّ انقضتْ جراحتُه فماتَ سنةَ ثلاثٍ أو أربعٍ وسبعينَ، ولهُ ستٌّ وثمانونَ سنةً، وقيل: [ومائة] (٥)، زمن يزيدَ بن معاويةَ.

стр. 411

(قالَ: كنَّا نصلِّي المغربَ معَ النبيِّ ﷺ ، فينصرفُ أحدُنا، وإنهُ ليبصرُ مواقعَ نَبْلِهِ)، بفتحِ النونِ وسكونِ الموحدةِ، وهي السهامُ العربيةُ، لا واحدَ لها منْ لفظِها، وقيلَ: واحدُها نَبْلَةٌ كتمرٍ وتمرةٌ (مُتفقٌ عليه). والحديثُ فيهِ دليلٌ على المبادرةِ بصلاةِ المغربِ بحيثُ ينصرفُ مِنْهَا والضوءُ باقٍ، وقدْ كثرَ الحثُّ على المسارعةِ بهَا. أفضل وقت العشاء آخره ٨/ ١٤٧ - وَعَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: أَعْتَمَ) بفتحِ الهمزة وسكونِ العينِ المهملةِ فمثناةٍ فوقيةٍ مفتوحةٍ، يقالُ: أعتمَ إذا دخلَ في العَتَمَةِ، والعتَمَةُ محركةً: ثلثُ الليلِ الأولِ بعدَ غيبوبةِ الشَّفَقِ، كما في القاموسِ (٢)، (رسولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بالعشاءِ) [أيْ] (٣): أخَّرَهَا (حتى ذَهَبَ عامةُ الليلِ) كثيرٌ منهُ لا أكثرُهُ، (ثمَّ خرجَ فصلَّى، وقالَ: إنهُ لوقْتُها) أي: المختارُ والأفضلُ (لولا أنْ أشقَّ على أمتي) أي: لأخَّرْتُها إليهِ. (رواهُ مسلمٌ). وهوَ دليلٌ على أن وقتَ العشاءِ ممتدٌّ، وأنَّ آخرَهُ أفضلُهُ، وأنهُ ﷺ كانَ يراعي الأخفَّ على الأمةِ، [وأنه] (٤) تركَ الأفضلَ وقتًا. وهي بخلافِ المغربِ فأفضلُهُ أولُه، وكذلكَ غيرُه إلَّا الظهرَ أيام [شدَّة] (٥) الحرِّ، كما يفيدُه [الحديث التاسع] (٥). الإبرادُ بالظهر ٩/ ١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اشْتَدَّ

стр. 412

الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، فَإِن شدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَّنَمَ" [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (وَعَنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْرِدُوا) بهمزةٍ مفتوحةٍ مقطوعةٍ وكسرِ الراءِ (بالصَّلاةِ) أي: صلاةِ الظهرِ؛ (فإنَّ شدةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) بفتحِ الفاءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فحاءٍ مهملةٍ، أي: سعةِ انتشَارِهَا وتنفسِها، (متفقٌ عليهِ). يقالُ: أبردَ إذَا دخلَ في وقتِ البردِ، كأظهرَ إذا دخل في [وقتِ] (٢) الظهرِ، كمَا يُقَالُ: أنجدَ وأتهمَ إذا بلغَ نجدًا وتهَامةَ، ذلكَ في الزمانِ وهذَا في المكانِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الإبرادِ بالظهرِ عندَ شدةِ الحرِّ؛ لأنهُ الأصلُ في الأمر، وقيلَ: إنهُ للاستحبابِ. وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وظاهرُهُ عامٌّ للمنفردِ والجماعةِ، والبلدِ الحارِّ وغيرِهِ، وفيهِ أقوالٌ غيرُ هذِهِ. وقيلَ: الإبرادُ سُنَّةٌ، والتعجيلُ أفضلُ؛ لعمومِ أدلةِ فضيلةِ أولِ الوقتِ، وأجيبَ بأنَّها عامةٌ مخصوصةٌ بأحاديثِ الإبرادِ، وعُورِضَ حديثُ الإبرادِ بحديثِ خبَّابٍ: "شَكَوْنَا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ حرَّ الرَّمْضَاءِ في جباهِنَا وأكُفِّنَا فلمْ يُشْكِنَا"، أي: لمْ يُزِلْ شكوانَا. وهوَ حديثٌ صحيحٌ رواهُ مسلمٌ (٣). وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ: أحسنُها بأنَّ الذي

стр. 413

شكوهُ شدةُ الرمضاءِ في الأكفِّ والجباهِ، وهذهِ لا تذهبُ عن الأرضِ إلَّا آخرَ الوقتِ أوْ بعدَ آخرِهِ، ولذَا قالَ لهمْ ﷺ : "صلُّوا الصلاةَ لوقتِها"، كما ذلكَ ثابتٌ في روايةِ خبابٍ هذهِ بلفظِ: "فلمْ يشكنا"، وقال: "صَلُّوا الصَلاةَ لوقْتِها"، رواها ابنُ المنذرِ؛ فإنهُ دالٌّ [على] (١) أنَّهمْ طلبوا تأخيرأ زائدًا عنْ وقتِ الإبرادِ، فلا يعارضُ حديثَ الأمرِ بالإبرادِ، وتعليل الإبرادِ بأنَّ شدةَ الحرِّ منْ فيحِ جهنمَ، يعني: وعندَ شدَّتِه يذهبُ الخشوعُ الذي هوَ روحُ الصلاةِ، وأعظمُ المطلوبِ منْها. قيلَ: وإذا كانَ العلةُ ذلكَ فلا يُشْرعُ الإبرادُ في البلادِ الباردةِ. وقالَ ابنُ العربيِّ في القبسِ: ليسَ في الإبرادِ تحديدٌ، إلَّا ما وردَ في حديثِ ابن مسعودٍ - يعني الذي أخرجهُ أبو داودَ (٢)، والنسائيُّ (٣)، والحاكمُ (٤) مِنْ طريقِ الأسودِ عنهُ -: "كانَ قَدْرُ صلاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ في الصيفِ ثَلاثَة أقدامٍ إلى خمسةِ أقدامٍ، وفي الشتاءِ خمسةَ أقدامٍ إلى سبعةِ أقدامٍ"، ذكرهُ المصنفُ في "التلخيص" (٥). وقد بيَّنَّا ما فيهِ، وأنهُ لا يتمُّ بهِ الاستدلالُ في المواقيتِ، وقد عرفتَ أن حديثَ الإبرادِ يخصِّصُ فضيلةَ صلاةِ الظهرِ في أولِ وقتِها بزمانِ شدةِ الحرِّ، كما قيلَ: إنهُ مخصصٌ [بالفجر] (٦). الإسفار بالفجر ١٠/ ١٤٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأجُورِكُمْ". [صحيح]

стр. 414

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (٣). (وَعَنْ رَافِعِ بن خَديجٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أصْبِحُوا بالصُّبْحِ) وفي رواية: "أسفِروا"؛ (فإنهُ أعظمُ لأجورِكُم. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ) وهذا لفظُ أبي داودَ، وبهِ إحتجتِ الحنفيةُ على تأخيرِ الفجرِ إلى الإسفارِ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ استمرارَ صلاتِهِ ﷺ بِغَلَسٍ، وبما أخرجَ أبو داودَ (٤) منْ حديثِ أنسٍ: "أنهُ ﷺ أسفرَ بالصبحِ مرةً، ثمَّ كانتْ صلاتُهُ بعدُ بغلسٍ حتى ماتَ"، يُشعرُ بأنَّ المرادَ بأصْبِحُوا غيرُ ظاهرِهِ، فقيلَ: [إن] (٥) المرادَ بهِ تحققُ طلوعِ الفجرِ، وأنَّ أعظمَ ليسَ للتفضيلِ. وقيل: [المرادُ] (٦) بهِ إطالةُ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ حتى يخرجَ منها مُسْفِرًا. وقيلَ: المرادُ بهِ الليالي المقمرةُ، فإنهُ لا يتضحُ أولُ الفجرِ معهَا؛ لغلبةِ نورِ القمرِ لنورِه، أوْ أنهُ فعلهُ ﷺ مرةً واحدةً لعذرٍ، ثمَّ استمرَّ على خلافهِ،

стр. 415

كما [يفيده] (١) حديثُ أنسٍ. وأما الردُّ على حديثِ الإسفارِ بحديثِ عائشة (٢) عندَ ابن أبي شيبةَ وغيرِهِ بِلفظِ: "ما صلَّى النبيُّ ﷺ الصلاةَ لوقتِها الآخَرِ حتى قبضهُ اللَّهُ"، فليس بتامٍ؛ لأنَّ الإسفارَ ليسَ آخرَ وقتِ صلاةِ الفجرِ، بلْ آخرُهُ ما يفيدُه: من أدرك من الصبح أو العصرِ ركعة فقد أدركها ١١/ ١٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ رَكْعَةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ)، أي: وأضافَ إليها أخرَى بعدَ طلوعِها، (فقدْ أدركَ الصبحَ) ضرورةَ أنهُ ليسَ المرادُ مَنْ صلَّى ركعةً فقطْ. والمرادُ فقدْ أدركَ صلاتَهُ أداءً لوقوعِ ركعةٍ في الوقتِ، (ومنْ أدركَ ركعةً من العصرِ) ففعلَها (قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ)، وإنْ فعلَ الثلاثَ بعدَ الغروبِ، (متفقٌ عليهِ). وإنما حملْنا الحديثَ على ما ذكرناهُ منْ أن المرادَ الإتيانُ بالركعةِ بعدَ الطلوعِ، وبالثلاثِ بعدَ الغروبِ

стр. 416

للإجماعِ على أنهُ ليسَ المرادُ مَنْ أَتَى بركعةٍ فقطْ من الصلاتينِ صارَ مدرِكًا لهما. وقدْ وردَ في الفجرِ صريحًا في روايةِ البيهقي (١) بلفظ: "مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ، وركعة بعدَ أنْ تطلعَ [الشمسُ] (٢)، فقدْ أدركَ الصلاةَ"، وفي روايةٍ (٣): "مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ فليصلِّ إليها أخْرى"، وفي العصر مِنْ حديثِ أبي هريرةَ (٤) بلفظِ: "مَنْ صلَّى مِنَ العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ ثمَّ صلَّى ما بقيَ بعدَ غروبِها لم يفُتْهُ العصرُ". والمرادُ مِنَ الركعةِ الإتيانُ بها بواجباتِها منَ [قراءةِ] (٥) الفاتحةِ، واستكمالِ الركوعِ والسجودِ. وظاهرُ الأحاديثِ أنّ الكلَّ أداءٌ، وأنَّ الإتيان ببعضِها قبلَ خروج الوقتِ ينسحبُ حكمهُ على ما بعدَ خروجهِ، فضلًا مِنَ اللَّهِ، ثمَّ مفهومُ ما ذُكِرَ أَنهُ مَنْ أدركَ دونَ ركعةٍ لا يكونُ مُدْرِكًا للصلاةِ، إلَّا أن الحديث الثاني عشر وهو قوله: ١٢/ ١٥١ - وَلِمُسْلِمٍ (٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوَهُ، وَقَالَ: "سَجْدَةً" بَدَلَ "ركعةً". ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ. [صحيح] (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نحوُهُ وقالَ: "سجدةٍ" بدلَ "ركعة")؛ فإنهُ ظاهرٌ أن مَنْ أدركَ سجدةً صارَ مُدْرِكًا للصلاةِ، إلَّا أن قولَه (ثمَّ قَالَ) أي الراوي، ويحتملُ أنهُ النبيُّ ﷺ : (والسجدةُ إنَّما هيَ الركعةُ) يدفعُ أنْ يرادَ بالسجدةِ نفسُها؛ لأنَّ هذَا التفسيرَ إنْ كانَ مِنْ كلامِه ﷺ فلا إشكالَ، وإنْ كانَ منْ كلامِ الراوي فهوَ أعرفُ بمَا رَوَى. وقالَ الخطابيُّ: المرادُ بالسجدةِ الركعةُ بسجودِهَا وركوعِها، والركعةُ إنَّما تكونُ تامةً بسجودِها، فسمِّيتْ على هذَا المعنى سجدةً اهـ. ولو بقيتِ السجدةُ على بابِها لأفادتْ أن مَنْ أدركَ ركعةً بإحدى سجدتيْها صارَ مُدْرِكًا، وليسَ بمرادٍ لورودِ سائرِ الأحاديثِ بلفظِ الركعةِ، فتُحملُ روايةُ السجدةِ عليها فيبقى مفهومُ مَنْ أدركَ ركعةً سالمًا عما يعارضُه. ويحتملُ أن من أدركَ سجدةً فقدْ صارَ

стр. 417

مدرِكًا للصلاةِ كمنْ أدركَ ركعةً، ولا يُنافي ذلكَ ورودُ مَنْ أدركَ ركعةً لأنَّ مفهومَه غيرُ مرادٍ بدليلِ: "مَنْ أدركَ سجدةً"، ويكُونُ اللَّهُ تعالى قدْ تفضَّلَ فجعلَ مَنْ أدركَ سجدة مُدْرِكًا كمنْ أدركَ ركعة، ويكونُ إخبارُهُ ﷺ بإدراكِ الركعةِ قبلَ أنْ يعلِّمهُ اللَّهُ جعلَ منْ أدركَ السجدةَ مدركًا للصلاةِ، فلا يردُّ أنهُ قدْ علمَ أن مَنْ أدركَ الركعة فقدْ أدركَ الصلاةَ بطريقِ الأَوْلَى. وأما قولُهُ: والسجدةُ إنَّما هي الركعةُ، فهوَ محتملٌ أنهُ مِنْ كلامِ الراوي، وليس بحجةٍ، وقولُهم: تفسيرُ الراوي مقدَّمٌ، كلامٌ أغلبيٌّ، وإلَّا فحديثُ: "فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعَى مِنْ سامعٍ" (١)، وفي لفظ: "أفقهُ" (٢)، يدلُّ على أنهُ يأتي بعدَ السلفِ مَنْ هوَ أفقهُ منْهم. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أن مَنْ أدركَ الركعةَ مِنْ صلاةِ الفجرِ، أو العصرِ، لا تكرهُ الصلاةُ في حقهِ عندَ طلوعِ الشمس وعندَ غروبها، وإنْ كانا وقتيْ كراهةٍ، ولكنْ في حقِّ المتنفِّلِ فقطْ، وهوَ الذي أفادهُ الحديث الثالث عشر وهو: بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة ١٣/ ١٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ "لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ

стр. 418

الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، ولفظ مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر". [صحيح] (وَعَنْ أَبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: (لا صَلاةَ) أي نافلةً (بعدَ الصُّبْحِ)، أي صلاتُه أو زمانهُ (حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعدَ العَصْرِ) أيْ صلاتُهُ أو وقتُه (حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ. مُتفقٌ عليهِ. ولفظُ مسلمٍ: لا صلاةَ بعدَ صلاة الفجرِ). فعينت المرادَ مِنْ قولِهِ: بعد الفجرِ، فإنهُ يحتملُ ما ذكرْناهُ كما وردَ في روايةِ: "لا صلاةَ بعدَ صلاةَ العصرِ"، نسبَها ابنُ الأثيرِ إلى الشيخينِ، وفي روايةٍ: "لا صلاةَ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلا ركعتي الفجرِ" (٢)، ستأتي. فالنفيُ قدْ توجهَ إلى ما بعدَ فعلِ صلاةِ الفجرِ، وفعلِ صلاةِ العصرِ، ولكنهُ بعدَ طلوعِ الفجرِ لا صلاةَ إلَّا [نافلتَهُ] (٣) فقطْ. وأما بعدَ دخولِ العصرِ فالظاهرُ إباحةُ النافلةِ مطلقًا ما لم يصلِّ العصرَ، وهذا نفيٌ للصلاةِ الشرعيةِ، [لا الحسية] (٤)؛ وهوَ في معنى النهي والأصلُ فيهِ التحريمُ، فدلَّ على تحريمِ النفلِ في هذينِ الوقتينِ مطلقًا. والقولُ بأنَّ ذاتَ السببِ تجوزُ كتحيةِ المسجدِ مثلًا وما لا سببَ لها لا تجوزُ، قدْ بينَّا أنهُ لا دليلَ عليهِ في حواشي شرح العمدةِ (٥)، وأما صلاتُهُ ﷺ ركعتينِ بعدَ [صلاةِ] (٦) العصرِ في منزلهِ كما أخرجهُ البخاريُّ (٧) منْ حديثِ عائشةَ: "ما تركَ السجدتينِ بعدَ العصرِ عندي قطٌّ"، وفي لفظٍ (٨): "لم يكن يدعُهُمَا سِرًّا ولا عَلانِيةً"؛ فقدْ أجيبَ عنهُ بأنهُ ﷺ صلَّاهُمَا قضاءً لنافلةِ الظهر لما فاتتْهُ ثمَّ استمرَّ عليهمَا، لأنهُ كانَ إذا عملَ عملًا أثبتهُ، فدلَّ علَى جوازِ قضاءِ الفائتةِ في وقتِ الكراهةِ، وبأنهُ مِنْ خصائصهِ جوازُ النفلِ

стр. 419

في ذلكَ الوقتِ كما دلَّ لهُ حديثُ أبي داودَ (١) عنْ عائشة: "أنهُ كانَ يصلِّي بعدَ العصرِ وينْهى عنْها، وكانَ يواصلُ وينهى عن الوصالِ". وقد [ذهبت] (٢) طائفةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا كراهةَ للنفلَ بعدَ [فعل] (٣) صلاتي الفجرِ والعصرِ لصلاتهِ ﷺ هذهِ بعدَ العصرِ، ولتقريرهِ ﷺ لمن رآهُ يصلِّي بعدَ صلاةِ الفجرِ نافلةَ الفجرِ (٤). [ولكنْ] (٥) يقالُ: هذانِ دليلانِ على جوازِ قضاءِ النافلةِ في وقتِ الكراهةِ، لا أنَّهما دليلانِ على أنهُ لا يكرهُ النفلُ مطلقًا؛ إذِ الأخصُّ لا يدلُّ على رفعِ الأعمِّ بلْ يخصصهُ، وهوَ مِنْ تخصيصِ الأقوالِ بالأفعالِ، على أنهُ يأتي النصُّ على أن مَنْ فاتتْهُ نافلةُ الظهرِ فلا يقضيْها بعدَ العصرِ، ولأنه لو تعارضَ القولُ والفعلُ كانَ القولُ مقدَّمًا عليه. فالصوابُ أن هذينِ الوقتينِ يحرُمُ فيهمَا [أداء] (٦) النوافلُ كما تحرمُ في الأوقاتِ الثلاثة التي أفادَهَا الحديث الرابع عشر: ١٤/ ١٥٣ - وَلَهُ (٧) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 420

يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وأَنْ نَقْبُرَ فِيهنَّ مَوْتَانًا: "حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْس بَازغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ". [صحيح] (وَلَهُ) أي لمسلمٍ (عَنْ عُقْبَةَ) (١) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ القافِ فموحَّدةٍ مفتوحةٍ. ترجمة عقبة بن عامر (ابن عَامِرٍ) هو أبو حماد، أو أبو عامر، عقبة بن عامر الجهني. كان عاملًا لمعاوية على مصر، وتوفي بها سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وذكرَ خليفةُ أنهُ قتلَ يومَ النهَرَوانِ معَ عليٍّ ﵇، وغلَّطهُ ابنُ عبدِ البرِّ. (ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ينهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ وأنْ نَقْبُرَ)، بضمِ الباءِ وكسرِها، (فيهنَّ موتانا: حينَ تطلعُ الشمسُ بَازِغَةً حَتَّى ترتفِعَ)، بيَّنَ قدْرِ ارتفاعِها الذي عندَه تزولُ الكراهةُ حديثُ عَمرِو بن عَبَسَةَ بلفظِ: "وترتفعُ قِيْس رُمْحٍ، أو رُمْحينِ"، وقِيْسُ: بكسرِ القاف وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فسينِ مهملةٍ؛ أي قَدْرَ. أخرجهُ أبو داودَ (٢)، والنسائيُّ (٣). (وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ) في حديث ابنِ عبسةَ: "حتى يعدلَ الرُّمْحُ ظلَّهُ". (حَتَّى تزولَ الشمسُ) أي: تميلُ عنْ كبدِ السماءِ، (وحينَ تَتَضَيَّفُ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ فمثناةٌ بعدَها وفتحِ الضادِ المعجمةِ وتشديدِ الياءِ وفاءٍ؛ أي تميلُ (الشمس للغروبِ)؛ فهذهِ ثلاثةُ أوقاتٍ [إن] (٤) انضافتْ إلى الأوَّلَينِ

стр. 421

كانتْ خمسةً، إلَّا أن الثلاثةَ تختصُّ بكراهةِ أمرينِ: دفنِ الموتى، والصلاةِ. والوقتانِ الأوَّلانِ يختصانِ بالنهيِ عن الثاني منهمَا. وقدْ وردَ تعليلُ النهي عنْ هذهِ الثلاثةِ في حديثِ ابن عَبَسَةَ عندَ منْ ذكرَ "بأنَّ الشمسَ عندَ طلوعِها تطلعُ بينَ قرني شيطانِ"، فيصلِّي لها الكفارُ، وبأنهُ عندَ قيامِ قائمِ الظهيرةِ تُسْجَر جهنمُ وتفتحُ أبوابُها، وبأنَّها تغربُ بينَ قرني شيطانٍ، ويصلِّي لها الكفارُ. ومعنى قولهِ: (قائمُ الظهيرةِ) قيامُ الشمسِ وقتَ الزوالِ، منْ قولهمْ قامتْ بهِ دابتُه وقفتْ، والشمسُ إذا بلغتْ وسطَ السماءِ أبطأتْ حركةُ الظلِّ إلى أنْ تزولَ فيتخيلُ الناظرُ المتأملُ أنَّها وقفتْ وهي سائرةٌ. والنهيُ عنْ هذه الأوقاتِ الثلاثةِ عامٌ بلفظهِ لفرضِ الصلاةِ ونفلِها. والنهيُ للتحريم كما عرفتَ مِنْ أنهُ أصلُه، وكذَا يحرمُ قبرُ الموتَى فيها، ولكنَّ فرضَ الصلاةِ أَخرجهُ [حديث] (١): "منْ نامَ عنْ صلاتهِ" (٢) الحديثُ. وفيهِ: "فوقتُها حينَ يذكُرُها"، ففي أيِّ وقتٍ ذكرَها، أو استيقظَ من نومهِ أتى بِهَا، وكذا مَنْ أدركَ ركعة قبلَ غروبِ الشمسِ، وقبلَ طلوعِها لا يحرمُ عليهِ بلْ يجبُ عليهِ أداؤُها في ذلكَ الوقتِ؛ فيخُصُّ النهيُ

стр. 422

بالنوافلِ دونَ الفرائضِ. وقيلَ: بلْ يعمُّهما بدليلِ أنهُ ﷺ لما نام [في الوادي] (١) عنْ صلاةِ الفجرِ، ثمَّ استيقظَ لم يأتِ بالصلاةِ في ذلكَ الوقتِ، بلْ أخَّرَها إلى أنْ خرجَ الوقتُ المكروهُ (٢). وأُجيبَ عنهُ أولًا: بأنهُ ﷺ لم يستيقظْ هوَ وأصحابهُ إلَّا حينَ أصابَهُم حرُّ الشمسِ كما ثبتَ في الحديثِ، ولا يوقظُهم حرُّها إلَّا وقدِ ارتفعتْ وزالَ وقتُ الكراهةِ. وثانيًا: بأنهُ قدْ بينَ ﷺ وجهَ تأخيرِ أدائِها عندَ الاستيقاظِ بأنَّهم في وادٍ حضرَ فيهِ الشيطانُ، فخرجَ ﷺ عنهُ وصلَّى في غيرِه. وهذا التعليلُ يشعرُ بأنهُ ليسَ التأخيرُ لأجلِ وقتِ الكراهةِ لوْ سُلِّم أنهمْ استيقظُوا ولمْ يكنْ قدْ خرجَ [الوقت] (٣)، فتحصل منَ الأحاديثِ أنها تحرمُ النوافلُ في الأوقاتِ الخمسةِ، وأنهُ يجوزُ أنْ تُقْضَى النوافلُ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وبعدَ صلاةِ العصرِ، أما صلاةُ العصرِ فلِما سلفَ منْ صلاتهِ ﷺ قاضيًا لنافلةِ الظهرِ بعدَ العصرِ إنْ لم نقلْ إنهُ خاصٌّ بهِ. وأما صلاةُ الفجرِ فلتقريرِهِ لِمنْ صلَّى نافلةَ الفجرِ بعدَ صلاتهِ. وأنها تصلَّى الفرائضُ في أيِّ الأوقات الخمسةِ لنائمٍ، وناسٍ، ومؤخِّرٍ عمدًا، وإنْ كانَ آثمًا بالتأخيرِ، والصلاةُ أداءٌ في الكلِّ ما لمْ يخرجْ وقتُ العاملِ فهيَ قضاءٌ في حقِّه. ويدلُّ على تخصيصِ وقتِ الزوالِ يومُ الجمعةِ منْ هذهِ الأوقاتِ بجوازِ النفلِ فيهِ الحديثُ الآتي، وهوَ قولُهُ: تخصيصُ زوالِ الجمعةِ عن عموم النهي عن النافلةِ ١٥/ ١٥٤ - والْحُكْمُ الثَّاني (٤) عِنْدَ الشَّافِعيِّ مَنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ (٥) بِسَنَدٍ ضَعيفٍ، وَزَادَ: "إِلَّا يَوْمَ الْجُمْعَةِ". [ضعيف]

стр. 423

(والحكمُ الثاني) وهوَ النهيُ عن الصلاةِ وقتَ الزوالِ. والحكمُ الأولُ النهيُ عنْها عندَ طلوعِ الشمسِ، إلا أنهُ تسامحَ المصنفُ في تسميتهِ حكمًا؛ فإنَّ الحكمَ في الثلاثةِ الأوقاتِ واحدٌ، وهوَ النَهيُ عن الصلاةِ فيها. وإنَّما هذا الثاني أحدُ محلاتِ الحكمِ لا أنهُ حكمٌ ثانٍ. وفسَّرَ الشارحُ الحكمَ الثاني بالنهيِ عن الصلاةِ في الأوقاتِ الثلاثةِ كما أفادهُ حديثُ أَبي سعيدٍ (١)، وحديثُ عقبةَ، لكنْ فيهِ أنهُ الحكمُ الأولُ؛ لأنَّ الثاني هوَ النهيُ عنْ قبرِ الأمواتِ، فإنهُ الثاني في حديث عقبة (٢)، وفيهِ أنهُ يلزمُ أن زيادةَ استثناءِ يومِ الجمعةِ يعمُّ الثلاثةَ الأوقاتِ في عدمِ الكراهةِ، وليسَ كذلكَ اتفاقًا، إنَّما الخلافُ في ساعةِ الزوالِ يومَ الجمعةِ (عندَ الشافعي منْ حديثِ أبي هريرةَ بسندٍ ضعيفٍ، وزادَ) فيهِ: (إلَّا يومَ الجمعةِ). [والحديثُ المشارُ إليهِ] (٣) أخرجهُ البيهقيُّ في المعرفةِ (٤) منْ حديثِ عطاءٍ بن عِجلانَ عنْ أبي نضرةَ، عنْ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ قالا: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ينْهى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ إلَّا يومَ الجمعةِ"، [وقال] (٥): إنَّما كانَ ضعيفًا لأنَّ فيهِ إبراهيمَ بنَ يحيى (٦)، وإسحاقَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنَ أبي فروةَ (٧)؛ وهما ضعيفانِ، ولكنهُ يشهدُ لهُ الحديث السادس عشر وهو قوله:

стр. 424

١٦/ ١٥٥ - وَكَذَا لأَبِي دَاوُدَ (١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوهُ. [ضعيف] (وكذا لأبي داودَ عنْ أبي قتادةَ نحوَهُ) ولفظهُ: وَكرهَ النبيُّ ﷺ الصلاةَ نصفَ النهارِ إلَّا يومَ الجمعةِ وقالَ: "إنَّ جهنمَ تُسَجَّرُ إلَّا يومَ الجمعةِ". وقالَ أبو داودَ (٢): إنهُ مرسلٌ وفيهِ ليثُ بنُ أبي سليمٍ وهوَ ضعيفٌ (٣)، إلَّا أنهُ أيَّدهُ فعلُ أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنهمْ كانُوا يصلونَ نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ، ولأنهُ ﷺ حثَّ على التبكيرِ إليها ثمَّ رغَّبَ في الصلاةِ إلى خروجِ الإمامِ من غيرِ تخصيصٍ ولا استثناءٍ. ثمَّ أحاديثُ النهيِ عامةٌ لكلِّ محلٍّ يُصلَّى فيهِ إلا أنه قد خصَّها بمكة قوله: لا يكره الطواف ولا الصلاةُ عند البيتِ في أي ساعة ١٧/ ١٥٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ". [صحيح] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥)، وَابْنُ حِبَّانَ (٦). ترجمة جبير بن مطعم (وَعَنْ جُبَيْرٍ) (٧) بضمِّ الجيمِ وفتحِ الموحدةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فراءٍ

стр. 425

(ابن مُطْعِم) بضمِّ الميمِ وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العينِ المهملةِ. هوَ أبو محمدٍ جبيرُ بنُ مطعمٍ بن عديٍّ بن نوفلِ القرشيِّ النوفليِّ، كنيتُه أبو أميةَ. أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ بها سنةَ أربعٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ وخمسينَ. وكان جبيرُ عالمًا بأنسابِ قريشٍ. قيلَ إنهُ أخذَ ذلكَ مِنْ أبي بكر. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : يا بني عبدِ مَنَافٍ، لا تمنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى أَيَّةَ ساعةٍ شاءَ منْ ليلٍ أو نهارٍ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ)، وأخرجهُ الشافعيُّ (١)، وأحمدُ (٢)، والدارقطنيُّ (٣)، وابنُ خزيمه (٤)، والْحاكمُ (٥) مِنْ حديثِ جبيرٍ أيضًا. وأخرجهُ الدارقطنيُّ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ، وأخرجهُ غيرُهم. وهوَ دالٌّ على أنهُ لا يكرهُ الطوافُ بالبيتِ، ولا الصلاةُ فيهِ في أيِّ ساعةٍ [شاء] (٧) من ساعاتِ الليلِ [أو] (٨) النهارِ. وقدْ عارضَ ما سلفَ، فالجمهورُ عملُوا بأحاديث النهيِ ترجيحًا لجانبِ الكراهةِ، ولأنَّ أحاديثَ النهي ثابتةٌ في الصحيحينِ وغيرِهما، وهي أرجحُ منْ غيرِها. وذهبَ الشافعيُّ وغيرُهُ إلى العملِ بهذَا الحديثِ. قالوا: لأن أحاديثَ النهي قدْ دخلَها التخصيصُ بالفائتةِ، والمنومِ عنها، والنافلةِ التي تُقْضَى؛ [فضعَّفُوا] (٩) جانبَ عمومِها، فتخصصُ أيضًا بهذا الحديثِ. ولا تكرهُ النافلةُ بمكةَ في أي ساعةٍ منَ الساعاتِ، وليسَ هذا خاصًّا بركعتي الطوافِ، بلْ يعمُّ كلَّ نافلةٍ، لروايةِ ابن حبانَ في صحيحه (١٠): "يا بَنِي

стр. 426

عَبْدِ المُطلبِ، إنْ كانَ لكمْ منَ الأمرِ شيءٌ فَلا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا منكم يمنعُ مَنْ يُصلِّي عندَ البيتِ أيَّ ساعةٍ شَاءَ مِنْ لَيلٍ أو نهارٍ". قالَ في "النجم الوهاجِ": وإذا قلنا بجواز النفلِ يعني في المسجدِ الحرامِ في أوقاتِ الكراهةِ فهلْ يختصُّ ذلكَ بالمسجدِ الحرامِ، أو يجوزُ في جميعِ بيوتِ حرمِ مكةَ؟ فيهِ وجهانِ، والصوابُ [أنه] (١) يعمُّ جميعَ الحرمِ (٢). الشفق: الحمرة ١٨/ ١٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ". [ضعيف] رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤)، وَغَيْرُهُ وَقَفَهُ على ابْنِ عُمَرَ. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: الشَّفَقُ الحُمْرَةُ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصححهُ ابنُ خزيمةَ. وغيرُه وقفَهُ على ابن عمرَ). وتمامُ الحديثِ: "فإذا غابَ الشفقُ وجبتِ الصلاةُ"، وأخرجهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحه (٥) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا. وقالَ البيهقيُّ (٦): رُوِيَ هذا الحديثَ عنْ عليٍّ، وعمرَ، وابنِ عباسٍ، وعُبادةِ بن الصامتِ، وشدادِ بن أوسٍ، وأبي هريرةَ، ولا يصحُّ منْها شيءٌ. قلتُ: البحثُ لُغويٌّ، والمرجعُ فيهِ إلى أهلِ اللغةِ. وابنُ عمرَ منْ أهلِ اللغةِ،

стр. 427

وقحُّ العربِ، فكلامُه حجةٌ، وإنْ كانَ موقوفًا عليه. وفي "القاموس" (١): الشفقُ محركةً: الحمرةُ في الأُفُقِ منَ الغروبِ إلى العِشاءِ وإلى قَرِيبهِا أو إلى قريبِ العَتَمَةِ. اهـ. الحق أن للمغرب وقتين والشافعيُّ يرى أن وقتَ المغرب عقيبَ غروب الشمسِ بما يتسعُ لخمسِ ركعاتٍ، ومضيّ قدرُ الطهارةِ، وسترُ العورةِ، وَأذانٌ وإقامةٌ، لَا غيرُ. وحجتُه حديثُ جبريلَ (٢) أنهُ صلَّى بهِ ﷺ المغربَ في اليومينِ معًا في وقت واحدٍ عقيبَ غروب الشمسِ. قالَ: فلوْ كانَ للمغربِ وقتٌ ممتدٌ لأخَّرهُ إليهِ كما أخَّرَ الظهرَ إلى مصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ في اليومِ الثاني، وأجيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ جبريلَ متقدمٌ في أولِ فرضِ الصلاةِ بمكةَ اتفاقًا، وأحاديثُ أن آخِرَ وقتِ المغربِ الشفقُ متأخرةٌ واقعةٌ في المدينةِ أقوالًا وأفعالًا، فالحكمُ لها، وبأنَّها أصحُّ إسنادًا منْ حديثِ توقيتِ جبريلَ، فهيَ مقدمةٌ عندَ التعارضِ. وأما الجوابُ بأنَّها أقوالٌ، وخبرُ جبريلَ فعلٌ، فغيرُ ناهضٍ؛ فإنَّ خبرَ جبريلَ فِعْلٌ وقولٌ، فإنهُ قالَ لهُ ﷺ بعدَ أنْ صلَّى بهِ الأوقاتَ الخمسةَ: "ما بينَ هذينِ الوقتينِ وقتُ لكَ ولأمتكَ". نعمْ لا بينيةَ بينَ المغربِ والعشاءِ على صلاةِ جبريلَ، فيتمُّ الجوابُ [عنه] (٣) بأنهُ فِعلُ [فقط] (٣) بالنظرِ إلى وقتِ المغربِ، والأقوالُ مقدمةٌ على الأفعالِ عندَ التعارضِ على الأصحِّ. وأما هنا فما ثمَّ تعارضٌ، إنما الأقوالُ أفادتْ زيادةً في الوقتِ للمغربِ منَّ اللَّهُ بها. قلتُ: لا يخفى أنهُ كانَ الأوْلى تقديمُ هذا الحديثِ في أولِ بابِ الأوقاتِ عقبَ أولِ حديثٍ فيهِ، وهوَ حديثُ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ ﵁. واعلمْ أن هذَا القولَ [هوَ] (٤) قولُ الشافعي في الجديدِ، وقوله [في] (٥) القديمُ أن [لها] (٦) وقتينِ، أحدُهما: هذا، والثاني: يمتدُّ إلى مغيبِ الشفقِ. وصحَّحهُ أئمةٌ منْ أصحابِهِ كابنِ خزيمةَ، والخطابيِّ، والبيهقيِّ، وغيرِهم. وقدْ ساقَ النوويُّ في "شرحِ المهذبِ" (٧) الأدلةَ على امتدادهِ إلى

стр. 428

الشفقِ، فإذا عرفتَ الأحاديثَ الصحيحةَ تعيّنَ القولُ بهِ جزْمًا؛ لأنَّ الشافعيَّ نصَّ عليهِ في القديمِ، وعلَّقَ القولَ بهِ في الإملاءِ على ثبوتهِ. وقد ثبتَ الحديثُ بلْ أحاديثُ. ما هو الفجر الذي تجب به الصلاة؟ ١٩/ ١٥٨ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلاةُ - أيْ صَلاةُ الصبْحِ - وَيَحِلُّ فيهِ الطعَامُ". [صحيح] رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١)، وَالْحَاكِمُ (٢)، وَصَحَّحَاهُ. (وَعَن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : الفَجْرُ) أي لغةً (فَجْرَانِ: فجْرٌ يحرِّمُ الطعامَ) يريدُ على الصائم، (وَتَحِلُّ فيهِ الصلاةُ)، أي: يدخل وقتُ وجوبِ صلاةِ الفجرِ، (وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فيهِ الصلاة، أي: صلاةُ الصبحِ)، فسَّرَهُ بها لئلَّا يُتَوَهَّمَ أنها تحرمُ فيه [مطلقُ الصلاة] (٣). والتفسيرُ يحتملُ أنهُ منهُ ﷺ ، وهوَ الأصلُ، ويحتملُ أنهُ منَ الراوي (وَيَحِلُّ فيهِ الطعامُ. رواهُ ابن خزيمةَ، والحاكمُ، وصحَّحاهُ)، لما كانَ الفجرُ لغةً مشتركًا بينَ الوقتينِ، وقدْ أطلقَ في بعضِ أحاديثِ الأوقاتِ أن أولَ صلاةِ الصبحِ الفجرُ: بَيَّنَ ﷺ المرادَ بهِ، وأنهُ الذي لهُ علامةٌ ظاهر واضحةٌ، وهي التي أفادَها الحديث العشرون وهو قوله: ٢٠/ ١٥٩ - وَلِلْحَاكِم (٤) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ في الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: "إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا في الأُفُقِ"، وفي الآخَرِ: "إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ". [صحيح]

стр. 429

(وَلِلْحَاكِمِ منْ حديثِ جَابِر نحوُهُ)، نحوُ حديثِ ابن عباسٍ ولفظُهُ في "المستدرك": "الفجر فجرانِ. فأما الفجرُ الذي يكونُ كذنبِ السِّرْحَانِ فلا يُحلُّ الصلاةَ، ويُحلُّ الطعامَ. وأما الذي يذهبُ مستطيلًا في الأُفقِ فإنهُ يُحِلُّ الصلاةَ ويُحَرِّمُ الطعامَ"، وقدْ عرفتَ معنى قولِ المصنفِ: (وزادَ في الذي يحرمُ الطعامَ: "إنهُ يذهبُ مستطيلًا) أي: ممتدًا (في الأفقِ)، وفي روايةٍ للبخاري (١): "أنهُ ﷺ مدَّ يدَه منْ عنْ يمينِهِ ويسارِهِ" (وفى الآخرِ:) وهوَ الذي لا تحلُّ فيهِ الصلاةُ ولا يحرمُ فيهِ الطعامُ أي وقالَ في الآخرِ (إنهُّ) في صفتهِ (كذنب السِّرْحَانِ) بكسرِ السينِ المهملة وسكونِ الراءِ فحاءٍ مهملةٍ وهوَ الذئب. والمرادُ أَنهُ لا يذهبُ مستطيلًا ممتدًا بلْ يرتفعُ في السماءِ كالعمود، وبينَهما ساعةٌ، فإنهُ يظهرُ الأولُ وبعدَ ظهورهِ يظهرُ الثاني ظهورًا بيِّنًا. فهذَا فيهِ بيانُ وقتِ الفجرِ وهوَ أولُ وقتهِ، وآخرُه ما يتسعُ لركعةٍ كما عرفتَ. ولما كانَ لكلِ وقتٍ أولٌ وآخِرٌ بَيَّنَ ﷺ الأفضلَ منْهما في الحديث الآتي وهوَ: أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها ٢١/ ١٦٠ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِهَا". [صحيح] رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣)، وَصحّحَاهُ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (٤).

стр. 430

(وَعَنِ ابن مسْعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أفضل الأعمال الصلاةُ في أولِ وقتِها"، رواهُ الترمذيُّ، والحاكم، وصحَّحاهُ. وأصلهُ في الصحيحينِ)، أخرجهُ البخاريُّ (١) عن ابن مسعودٍ بلفظِ: "سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصلاةُ لوقتِها" وليسَ فيهِ لفظُ "أولِ"، [فالحديث دلَّ] (٢) على أفضليةِ الصلاةِ في أولِ وقتِها، على كلِّ عملٍ منَ الأعمالِ كما هوَ ظاهرُ التعريفِ [للأعمالِ] (٣) باللامِ، وقدْ عُورِضَ بحديثِ: ("أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ باللَّهِ" (٤). ولا يخْفَى أنهُ معلومٌ أن المرادَ مِنَ الأعمالِ في حديثِ ابن مسعودٍ ما عدَا الإيمانَ؛ فإنهُ إنما سألَ عن أفضلِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ، فمرادهُ غيرُ الإيمانِ. قال ابنُ دقيقِ العيدِ: الأعمالُ هنا أي في حديثِ ابن مسعودٍ محمولةٌ على البدنيةِ، فلا تتناولُ أعمالَ القلوبِ، فلا [تعارضُ] (٥) حديثَ أبي هريرةَ (٦) "أفضلُ

стр. 431

الأعمالِ الإيمانُ باللَّهِ "، ولكنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ أُخَرُ في أنواعٍ منْ أعمالِ البرِ بأنها أفضلُ الأعمالِ، فهي التي تُعارِضُ حديثَ البابِ ظاهِرًا. وقدْ أجيبَ بأنهُ ﷺ أخبرَ كلَّ مخاطَبٍ بِمَا هوَ أليقُ بهِ، وهُوَ بهِ أقْوَمُ وإليهِ أرغبُ، ونفعهُ فيهِ أكثرُ، فالشجاعُ أفضلُ الأعمالِ في حقِّه الجهادُ؛ فإنهُ أفضلُ منْ تخلِّيهِ للعبادةِ، والغنيُّ أفضلُ الأعمالِ في حقِّه الصدقةُ وغيرُ ذلكَ، أوْ أن كلمةَ "مِنْ" مقدرةٌ؛ والمرادُ منْ أفضلِ الأعمالِ، أوْ كلمةِ "أفضلَ" لمْ يردْ بهَا الزيادةُ بلِ الفضلُ المطلقُ. وعورضَ بتفضيلِ الصلاةِ في أولِ وقتِها على ما كانَ منها في غيرهِ بحديثِ العشاءِ؛ فإنهُ قالَ ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأخَّرْتُها" (١)، يعني إلى النصف أو قريبٍ منه، و [بحديث] (٢) الإصباحِ أو الإسفارِ بالفجر (٣)، وبأحاديثِ الإبرادِ بالظهرِ (٤)، والجوابُ أن ذلكَ تخصيصٌ لعمومِ أولِ الوقتِ، ولا معارضةَ بينَ عامٍ وخاصٍ، وأما القولُ بأنَّ ذكرَ أولِ وقتِها تفردَ بهِ عليُّ بنُ حَفْصٍ مِنْ بين أصحابِ شعبةَ، وأنَّهم كلُّهمْ رووهُ بلفظِ: على وقتِها، منْ دونِ ذكرِ أولٍ، فقدْ أجيبَ عنهُ منْ حيثُ الروايةِ: بأنَّ تفردَهُ لا يضرُّ، فإنهُ شيخٌ صدوقٌ منْ رجالِ مسلم (٥). ثمَّ قدْ صححَ هذهِ الروايةَ الترمذيُّ (٦)، والحاكمُ (٧)، وأخرجَها ابنُ خزيمةَ

стр. 432

في صحيحه (١)، ومنْ حيثُ الدرايةِ أن لفظَ روايةٍ على وقتِها: تفيدُ معنى لفظِ أولٍ؛ لأنَّ كلمةَ عَلَى تقتضي الاستعلاء على جميعِ الوقتِ. وروايةُ لوقتِها باللام تفيدُ ذلكَ، لأنَّ المرادَ لاستقبالِ وقتِها، ومعلومٌ ضرورةً شرعيةً أنها لا تَصِحُّ قبلَ دخولِهِ، فتعينَ أن المرادَ لاستقبالِكُمُ الأكثرَ منْ وقتِها، وذلكَ بالإتيانِ بها في أولِ وقتِها، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٢)؛ ولأنه ﷺ كانَ دأبَهُ دائمًا الإتيانِ بالصلاةِ في أولِ وقتِها، ولا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، [أي بما] (٣) ذكرناهُ، ولحديثِ عليٍّ عندَ أبي داودَ (٤): "ثلاثٌ لا تُؤَخَّرُ"، ثمَّ ذكرَ منها: "الصلاةَ إذا حضرَ وقتُها". والمرادُ أن ذلكَ الأفضلُ، وإلَّا فإن تأخيرَها بعد حضورِ وقتِها جائزٌ، ويدلُّ له أيضًا قولُهُ. حديث: أول الوقت رضوان الله، موضوع ٢٢/ ١٦١ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ". [موضوع] أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ (٥) بسندٍ ضعيفٍ جدًّا. (وَعَنْ أبي مَحْذورَةَ) (٦) بفتحِ الميمِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وضمِّ الذالِ المعجمةِ بعدَ الواوِ راءٌ.

стр. 433

ترجمة أبي محذورة اختلفُوا في اسمهِ على أقوالٍ أصحُّها سمرةُ بنُ [مِعْيَر] (١) بكسرِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ وفتحِ المثناةِ التحتيةِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إنهُ اتفقَ العالمونَ بطَريقِ أنساب قريشٍ أن اسمَ أبي محذورةَ أوسٌ. وأبو محذورةَ مؤذنُ النبيِّ ﷺ ، أسلمَ عامَ الفتحِ، وأقامَ بمكةَ إلى أنْ ماتَ يؤذنُ بها [للصلاةِ] (٢)، ماتَ سنةَ تسعٍ وخمسينَ. (أن النبيَّ ﷺ قالَ: أولُ الوقتِ) أي للصلاةِ المفروضةِ (رضوانُ اللَّهِ)، أي يحصلُ بأدائِها فيهِ رضوانُ اللَّهِ تعالى عنْ فاعلِها، (وأوسطُهُ رحمةُ اللَّهِ) أي يحصلُ لفاعلِ الصلاةِ فيهِ رحمتُه، ومعلومٌ أن رتبةَ الرضوانِ أبلغُ، (وآخرُهُ عفوُ الله)، ولا عفوً إلَّا عن ذَنبٍ. (أخرجهُ الدارقطنيُّ بسندٍ ضعيفٍ)؛ لأنهُ منْ روايةِ يعقوبَ بن الوليدِ المدنيِّ (٣). قالَ أحمدُ: كانَ من الكذابينَ الكبارِ، وكذَّبَهُ ابنُ معينٍ، وتركهُ النسائيُّ، ونسبهُ ابنُ حبانَ إلى الوضع، كذا في حواشي القاضي. وفي الشرحِ أن في إسنادِهِ إبراهيمَ بن زكريا البجليِّ (٤) وهوَ متَّهمٌ، ولِذَا قالَ المصنفُ (جدًّا) مؤكدًا لضعفهِ، وقدَّمنا إعراب جدًّا، ولا يقالُ إنهُ يشهدُ لهُ قولُهُ: ٢٣/ ١٦٢ - وَللتِّرْمِذِيِّ (٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، دونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أيْضًا. [باطل]

стр. 434

(وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حديثِ ابن عمرَ نحوَهُ) في ذكرِ أولِ الوقتِ وآخرِه (دونَ الأوسطِ وهوَ ضعيفٌ أيضًا)، لأنَّ فيهِ يعقوبَ بنَ الوليدِ أيضًا، [وفيه] (١) ما سمعتَ، وإنَّما قلْنا: لا يصحُّ شاهدًا؛ لأن الشاهدَ والمشهودَ لهُ فيهمَا مَنْ قالَ الأئمةُ إنهُ كذابٌ، فكيفَ يكونُ شاهدًا أو مشهودًا لهُ. وفي البابِ عنْ [جريرٍ] (٢)، وابنِ عباسٍ (٣)، وأنسٍ (٤)، وكلُّها ضعيفةٌ. وفيهِ عنْ عليٍّ (٥) ﵇ من رواية موسى بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. قَالَ البيهقيُّ (٦): إسنادُهُ فيما أظنُّ أصحُّ ما رُويَ في هذا البابِ، معَ أنهُ معلولٌ؛ فإنَّ المحفوظَ روايتُهُ عنْ جعفرَ بن محمدٍ عنْ أبيهِ موقوفًا، قالَ الحاكمُ: لا أعرفُ فيهِ حديثًا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ ، ولا عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ، وإنَّما الروايةُ فيهِ عنْ جعفرَ بن محمدٍ عنْ أبيهِ موقوفًا. قلتُ: إذا صحَّ هذا الموقوفُ فلهُ حكمُ الرفعِ، لأنهُ لا يقالُ في الفضائلِ بالرأْيِ، وفيهِ احتمالٌ. ولكنَّ هذهِ الأحاديثَ - وإنْ لم تصحَّ - فالمحافظةُ ﷺ على الصلاةِ أولَ الوقتِ دالةٌ على أفضليتِهِ، وغيرُ ذلكَ منَ الشوهدِ التي قدَّمْنَاهَا (٧). لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ٢٤/ ١٦٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا صَلاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدتَينِ". [صحيح بطرقه]

стр. 435

أَخْرَجَهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيِ (١). وفي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٢): "لا صَلاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتيِ الْفَجْرِ". (وَعَنْ ابْنِ عمرَ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا صلاةَ بعدَ الفجر إلَّا سجدتينِ)، أي ركعتي الفجرِ كما يفسرُه ما بعدَهُ، (أخرجه الخمسةُ إلَّا النسائيُّ)، وأخرجهُ أحمدُ (٣)، والدارَقطنيُّ (٤). قالَ الترمذيُّ (٥): إنه غريبٌ لا يُعْرَفُ إلَّا منْ حديثِ قدامةَ بن موسى (٦). والحديثُ دليلٌ على تحريمِ النافلةِ بعدَ طلوعِ الفجرِ قبلَ صلاتهِ إلا سنةَ الفجرِ، وذلكَ لأنهُ - وإنْ كانَ لفظُه نفيًا - فهوَ في معنى النهي، وأصلُ النهي التحريمُ. قالَ الترمذيُّ (٥): أجمعَ أهلُ العلمِ على كراهةِ أنْ يصليَ الرجلُ بعدَ الفجرِ إلَّا ركعتيِ الفجرِ، قالَ المصنفُ (٧): "دعْوى الترمذي الإجماعَ عجيبٌ؛ فإنَّ الخلافَ فيهِ مشهورٌ، حكاهُ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ. وقالَ الحسنُ البصريُّ: لا بأسَ بها، وكانَ مالكٌ يرى أنْ [يفعله] (٨) مَنْ فاتتهُ الصلاةُ في الليلِ". والمرادُ ببعدِ الفجرِ بعدَ طلوعهِ كما دلَّ [عليه] (٩) قولهُ: (وفي روايةِ عبدِ الرزاق)، أي عن ابن عمرَ: (لا صلاةَ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلَّا ركعتيِ الفجرِ)، وكما يدلُّ لهُ قولُهُ:

стр. 436

٢٥/ ١٦٤ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ (١) عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁. [صحيح بطرقه] (ومثلهُ للدارقطنيِّ عن ابن عمرِو بن العاصِ)؛ فإنهمَا فسَّرَا المرادَ ببعدِ الفجرِ، وهذَا وقتٌ سادسٌ منَ الأوقاتِ التي نُهِيَ عن الصلاةِ فيْها، وقدْ عرفتَ الخمسةَ الأوقاتِ مما مَضَى إلَّا أنَّهُ قدْ [عورض] (٢) النهيُّ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ [الذي] (٣) هوَ أحدُ الستةِ الأوقاتِ. صلاة النبي ﷺ بعد صلاة العصر نافلة ٢٦/ ١٦٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: "شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَينِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ"، فَقُلْتُ: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: "لَا"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٤). [حسن] (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ)؛ في سؤالهِا ما يدلُّ على أنهُ ﷺ لم يصلِّهِمَا قبلَ ذلكَ عندَها، أوْ أنَّها قدْ كانتْ علمتْ بالنهي فاستنكرت مخالفةَ الفعلِ لهُ. (فَقَالَ: شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ)، قدْ بيَّنَ الشاغلَ لهُ ﷺ أنهُ "أتاهُ ناسٌ منْ عبدِ القيس" (٥)، وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ عندَ الترمذي (٦): "أنهُ ﷺ أتاهُ مالٌ

стр. 437

فشغلهُ عن الركعتينِ بعدَ الظهرِ" (فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ)، أي قضاءً عنْ ذلكَ. وقدْ فهمتْ أمُّ سلمةَ أنَّهما قضاءٌ فَلِذَا قالتْ: (قُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا) أي كما قضيتَهما في هذا الوقتِ؟ (قَالَ: لا) أي لا تقضوهُما في هذا الوقتِ بقرينةِ السياقِ، وإنْ كانَ [النفي] (١) غيرَ مقيَّدٍ. (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ)، إلَّا أنهُ سكتَ عليهِ المصنفُ هنا. وقالَ بعدَ سياقه لهُ في فتحِ الباري: (٢) إنَّها روايةٌ ضعيفةٌ لا تقومُ بها حجةٌ، ولم يبينْ هنالِكَ وجهَ ضعْفِها وما كانَ يحسنُ منهُ أن يسكتَ هنَا عمَّا قيلَ فيهِ. والحديثُ دليلٌ على ما سلفَ منْ أن القضاءَ في ذلكَ الوقتِ كانَ منْ خصائصهِ ﷺ . وقدْ دلَّ على هذَا حديثُ عائشةَ: "أنهُ ﷺ كانَ يصلِّي بعدَ العصرِ وينْهى عنها، ويواصلُ وينْهى عن الوصالِ"، أخرجهُ أبو داودَ (٣). ولكنْ قالَ البيهقيُّ: الذي اختصَّ بهِ ﷺ المداومةُ على الركعتينِ [بعد العصرِ] (٤)، لا أصلُ القضاءِ اهـ. ولا يخفى أن حديثَ أمِّ سلمةَ المذكورِ يردُّ هذا القولَ، ويدلُّ على أن القضاءَ خاصٌ بهِ أيضًا، وهذا الذي أخرجهُ أبو داودَ وهو الذي أشارَ إليهِ المصنفُ بقولهِ في الحديث السابعُ والعشرون: ٢٧/ ١٦٦ - وَلأبي داودَ (٥) عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِمَعْنَاهُ. [ضعيف] (وَلأبي داودَ عائشةَ ﵂ بمعناهُ)، تقدمَ الكلامُ فيهِ.

стр. 438

[الباب الثاني] بابُ الأذانِ الأذانُ لغة: الإِعلامُ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، وشرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصلاةٍ بألفاظٍ مخصوصةٍ. وكانَ فرضهُ بالمدينةِ في السنةِ الأُولى منَ الهجرةِ، ووردتْ أحاديثُ تدلُّ على أنهُ شُرعِ بمكةَ، والصحيحُ الأولُ. ١/ ١٦٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: طَافَ بي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ - بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، والإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهَا لَرُؤَيا حَقٍّ" الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٥). [صحيح] ترجمة عبد الله بن زيد (عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) (٦) هوَ أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بْنُ زيدٍ، (ابن عبدِ ربِّهِ)

стр. 439

الأنصاريِّ الخزرجيِّ. شهدَ عبدُ اللَّهِ العقبةَ، وبدْرًا، والمشاهدَ بعدَها. ماتَ بالمدينةِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ. (قالَ: طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ). وللحديثِ سببٌ؛ وهوَ ما في الرواياتِ أنهُ لما كثرَ الناسُ ذكرُوا أن يعلَموا وقتَ الصلاةِ بشيءٍ يجمعُهم لها فقالُوا: لو اتَّخذْنا ناقوسًا، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ذلكَ للنَّصارى"، فقالُوا: لو اتَّخذْنَا بُوقًا، قالَ: "ذلكَ لليهودِ"، فقالُوا: لو رفعنا نارًا، قالَ: "ذلكَ للمجوسِ"، فافترقُوا، فرأَى عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: طافَ بي، الحديثُ. وفي سننِ أبي داودَ (١): "فطافَ بي وأنَا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ اللَّهِ، أتبيعُ الناقوسَ؟ قالَ: وما تصنعُ بهِ؟ قلتُ: ندعو بهِ إلى الصلاةِ، قالَ: أفلا أدلُّكَ على ما هُوَ خيرٌ منْ ذلكَ؟ قلتُ: بلى"، (فقالَ: تقول اللَّهُ أَكبرُ اللَّه أَكبرُ فذكرَ الأذانَ) أي إلى آخرهِ، (بتربيعِ التكبيرِ) تكريرهُ أربعًا ويأتي ما عاضدَهُ وما عارضَهُ (بغيرِ ترجيعٍ)، أي في الشهادتينِ، قالَ في شرحِ مسلمٍ (٢): هوَ العَوْدُ إلى الشهادتينِ [مرتين] برفعِ الصوت بعدَ قولهِمَا مرتينِ بخفضِ الصوتِ، ويأتي قريبًا. (والإقامة فرادَى) لا تكريرَ في شيءٍ منْ ألفاظِها (إلا قد قامتَ الصلاةَ)؛ فإنَّها تكررُ. (قالَ: فلما أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: إِنها لرؤْيا حقٍّ، الحديثُ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الأذانِ للصلاةِ دعاءً للغائبينَ ليحضُروا إليْها، ولِذَا اهتمَّ ﷺ في النظرِ في أمرٍ يجمعُهم للصلاةِ [فهو دعاء إلى الصلاة] (٣)، وهوَ إعلامٌ بدخولِ وقتها أيضًا. بيان حكم الأذان واختلفَ العلماءُ في وجوبهِ: ولا شَكَّ أنهُ منْ شعارِ أهلِ الإسلامِ، ومنْ محاسنِ ما شرعهُ اللَّهُ. وأمَّا وجوبهُ فالأدلةُ فيهِ محتملةٌ، وتأتي. وكميةُ ألفاظهِ قدِ اختُلِفَ فيهَا، وهذا الحديثُ دلَّ على أنهُ يُكَبِّرُ في أولهِ أربعَ مراتٍ، وقدِ اختلفتِ

стр. 440

الروايةُ: فوردتْ بالتثنيةِ في حديثِ أبي محذورةَ (١) في بعضِ رواياتِهِ؛ وفي بعضها بالتربيع أيضًا، فذهب الأكثر إلى العمل بالتربيع لشهرة روايته ولأنَّها زيادةُ عدلٍ فهي مقبولةٌ. ودلَّ الحديثُ على عدمِ مشروعيةِ الترجيعِ. وقدِ اختلفَ [العلماء] (٢) في ذلكَ، فَمَنْ قَالَ: إنهُ غيرُ مشروعٍ، عملَ بهذهِ الروايةِ، ومَن قالَ: إنهُ مشروعٌ، عملَ بحديثِ أبي محذورة وسيأتي (٣). ودلَّ على أن الإقامةَ تفردُ ألفاظُها إلَّا لفظَ الإقامةِ، فإنهُ يكررُها. وظاهرُ الحديثِ أنهُ يفردُ التكبيرَ في أولها، ولكنَّ الجمهورَ على أن التكبيرَ في أولِها يكررُ مرتينِ. قالُوا: ولكنهُ بالنظرِ إلى تكريرهِ في الأذانِ أربعًا كأنهُ غيرُ مكررٍ فيْها، وكذلكَ يكررُ في آخرهَا، ويكررُ لفظُ الإقامةِ، وتفردُ بقيةُ الألفاظِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ حديثَ: "أمر بلالٍ أنْ يُشْفِعَ الأذانَ ويوترَ الإقامةَ إلَّا الإقامةَ" وسيأتي (٤)، وقدِ استدلَّ بهِ مَنْ قالَ: إن الأذانَ في كلِّ كلماتهِ مثْنَى مَثنى، وأَن الإقامةَ ألفاظُها مفردةٌ، إلَّا قدْ قامتِ الصلاةُ. وقدْ أجابَ أهلُ التربيعِ بأنَّ هذهِ الروايةَ صحيحةٌ دالةٌ على ما ذُكِرَ، لكنَّ روايةَ التربيعِ قدْ صحَّتْ بلا مريةٍ، وهي زيادةٌ منْ عدلٍ مقبولةً، فالقائلُ بتربيعِ التكبيرِ أولَ الأذانِ قدْ عملَ بالحديثينِ، ويأتي أن روايةَ: "يشفعُ الأذانَ" لا تدلُّ على عدمِ التربيعِ للتكبيرِ. هذَا ولا يخْفى أن لفظَ كلمةِ التوحيدِ في آخرِ الأذانِ والإقامةِ مفردةٌ بالاتفاقِ، فهوَ خارجٌ عن الحكمِ بالأمرِ بشفع الأذانِ. قالَ العلماءُ: والحكمةُ في تكريرِ الأذانِ وإفرادِ ألفاظِ الإقامةِ هي أن الأذانَ لإعلامِ الغائبينَ، فاحتيجَ إلى التكريرِ، ولذا يشرعُ فيهِ رفعُ الصوتِ وأنْ يكونَ على محلٍّ مرتفعٍ بخلافِ الإقامةِ؛ فإنها لإعلامِ الحاضرينَ، فلا حاجةَ إلى تكريرِ ألفاظها، ولذا شرعَ فيها خَفضُ الصوتِ والحدْرُ، وإنَّما كررتْ جملةُ: (قدْ قامتِ الصلاةُ)؛ لأنَّها مقصودُ الإقامةِ، (وزادَ أحمدُ في آخرهِ) [ظاهرُه] (٥) في [آخر] (٦) حديثِ عبدَ اللَّهِ بن زيدٍ [هذا] (٧).

стр. 441

زيادة "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر الأول ٢/ ١٦٨ - وَزَادَ أَحْمَدُ (١) في آخِرِهِ قِصّةَ قول بِلَال في أَذَانِ الْفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. [ضعيف] (قصةُ قول بِلالٍ في أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ) رَوَى الترمذيُّ (٢)، وابنُ ماجَهْ (٣)، وأحمدُ (٤) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى عنْ بلالٍ قَالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تُثَوِّبَنَّ في شيءٍ منَ الصلاةِ إلَّا في صلاةِ الفجرِ"، إلَّا أن فيهِ ضعيفًا، وفيهِ انقطاعٌ أيضًا. وكانَ على المصنفِ أنْ يذكرَ ذلكَ على عادتِه.
следующие страницы →