← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 437–476 · переход к 442.

стр. 437

فشغلهُ عن الركعتينِ بعدَ الظهرِ" (فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ)، أي قضاءً عنْ ذلكَ. وقدْ فهمتْ أمُّ سلمةَ أنَّهما قضاءٌ فَلِذَا قالتْ: (قُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا) أي كما قضيتَهما في هذا الوقتِ؟ (قَالَ: لا) أي لا تقضوهُما في هذا الوقتِ بقرينةِ السياقِ، وإنْ كانَ [النفي] (١) غيرَ مقيَّدٍ. (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ)، إلَّا أنهُ سكتَ عليهِ المصنفُ هنا. وقالَ بعدَ سياقه لهُ في فتحِ الباري: (٢) إنَّها روايةٌ ضعيفةٌ لا تقومُ بها حجةٌ، ولم يبينْ هنالِكَ وجهَ ضعْفِها وما كانَ يحسنُ منهُ أن يسكتَ هنَا عمَّا قيلَ فيهِ. والحديثُ دليلٌ على ما سلفَ منْ أن القضاءَ في ذلكَ الوقتِ كانَ منْ خصائصهِ ﷺ . وقدْ دلَّ على هذَا حديثُ عائشةَ: "أنهُ ﷺ كانَ يصلِّي بعدَ العصرِ وينْهى عنها، ويواصلُ وينْهى عن الوصالِ"، أخرجهُ أبو داودَ (٣). ولكنْ قالَ البيهقيُّ: الذي اختصَّ بهِ ﷺ المداومةُ على الركعتينِ [بعد العصرِ] (٤)، لا أصلُ القضاءِ اهـ. ولا يخفى أن حديثَ أمِّ سلمةَ المذكورِ يردُّ هذا القولَ، ويدلُّ على أن القضاءَ خاصٌ بهِ أيضًا، وهذا الذي أخرجهُ أبو داودَ وهو الذي أشارَ إليهِ المصنفُ بقولهِ في الحديث السابعُ والعشرون: ٢٧/ ١٦٦ - وَلأبي داودَ (٥) عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِمَعْنَاهُ. [ضعيف] (وَلأبي داودَ عائشةَ ﵂ بمعناهُ)، تقدمَ الكلامُ فيهِ.

стр. 438

[الباب الثاني] بابُ الأذانِ الأذانُ لغة: الإِعلامُ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، وشرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصلاةٍ بألفاظٍ مخصوصةٍ. وكانَ فرضهُ بالمدينةِ في السنةِ الأُولى منَ الهجرةِ، ووردتْ أحاديثُ تدلُّ على أنهُ شُرعِ بمكةَ، والصحيحُ الأولُ. ١/ ١٦٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: طَافَ بي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ - بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، والإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهَا لَرُؤَيا حَقٍّ" الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٥). [صحيح] ترجمة عبد الله بن زيد (عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) (٦) هوَ أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بْنُ زيدٍ، (ابن عبدِ ربِّهِ)

стр. 439

الأنصاريِّ الخزرجيِّ. شهدَ عبدُ اللَّهِ العقبةَ، وبدْرًا، والمشاهدَ بعدَها. ماتَ بالمدينةِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ. (قالَ: طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ). وللحديثِ سببٌ؛ وهوَ ما في الرواياتِ أنهُ لما كثرَ الناسُ ذكرُوا أن يعلَموا وقتَ الصلاةِ بشيءٍ يجمعُهم لها فقالُوا: لو اتَّخذْنا ناقوسًا، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ذلكَ للنَّصارى"، فقالُوا: لو اتَّخذْنَا بُوقًا، قالَ: "ذلكَ لليهودِ"، فقالُوا: لو رفعنا نارًا، قالَ: "ذلكَ للمجوسِ"، فافترقُوا، فرأَى عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: طافَ بي، الحديثُ. وفي سننِ أبي داودَ (١): "فطافَ بي وأنَا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ اللَّهِ، أتبيعُ الناقوسَ؟ قالَ: وما تصنعُ بهِ؟ قلتُ: ندعو بهِ إلى الصلاةِ، قالَ: أفلا أدلُّكَ على ما هُوَ خيرٌ منْ ذلكَ؟ قلتُ: بلى"، (فقالَ: تقول اللَّهُ أَكبرُ اللَّه أَكبرُ فذكرَ الأذانَ) أي إلى آخرهِ، (بتربيعِ التكبيرِ) تكريرهُ أربعًا ويأتي ما عاضدَهُ وما عارضَهُ (بغيرِ ترجيعٍ)، أي في الشهادتينِ، قالَ في شرحِ مسلمٍ (٢): هوَ العَوْدُ إلى الشهادتينِ [مرتين] برفعِ الصوت بعدَ قولهِمَا مرتينِ بخفضِ الصوتِ، ويأتي قريبًا. (والإقامة فرادَى) لا تكريرَ في شيءٍ منْ ألفاظِها (إلا قد قامتَ الصلاةَ)؛ فإنَّها تكررُ. (قالَ: فلما أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: إِنها لرؤْيا حقٍّ، الحديثُ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الأذانِ للصلاةِ دعاءً للغائبينَ ليحضُروا إليْها، ولِذَا اهتمَّ ﷺ في النظرِ في أمرٍ يجمعُهم للصلاةِ [فهو دعاء إلى الصلاة] (٣)، وهوَ إعلامٌ بدخولِ وقتها أيضًا. بيان حكم الأذان واختلفَ العلماءُ في وجوبهِ: ولا شَكَّ أنهُ منْ شعارِ أهلِ الإسلامِ، ومنْ محاسنِ ما شرعهُ اللَّهُ. وأمَّا وجوبهُ فالأدلةُ فيهِ محتملةٌ، وتأتي. وكميةُ ألفاظهِ قدِ اختُلِفَ فيهَا، وهذا الحديثُ دلَّ على أنهُ يُكَبِّرُ في أولهِ أربعَ مراتٍ، وقدِ اختلفتِ

стр. 440

الروايةُ: فوردتْ بالتثنيةِ في حديثِ أبي محذورةَ (١) في بعضِ رواياتِهِ؛ وفي بعضها بالتربيع أيضًا، فذهب الأكثر إلى العمل بالتربيع لشهرة روايته ولأنَّها زيادةُ عدلٍ فهي مقبولةٌ. ودلَّ الحديثُ على عدمِ مشروعيةِ الترجيعِ. وقدِ اختلفَ [العلماء] (٢) في ذلكَ، فَمَنْ قَالَ: إنهُ غيرُ مشروعٍ، عملَ بهذهِ الروايةِ، ومَن قالَ: إنهُ مشروعٌ، عملَ بحديثِ أبي محذورة وسيأتي (٣). ودلَّ على أن الإقامةَ تفردُ ألفاظُها إلَّا لفظَ الإقامةِ، فإنهُ يكررُها. وظاهرُ الحديثِ أنهُ يفردُ التكبيرَ في أولها، ولكنَّ الجمهورَ على أن التكبيرَ في أولِها يكررُ مرتينِ. قالُوا: ولكنهُ بالنظرِ إلى تكريرهِ في الأذانِ أربعًا كأنهُ غيرُ مكررٍ فيْها، وكذلكَ يكررُ في آخرهَا، ويكررُ لفظُ الإقامةِ، وتفردُ بقيةُ الألفاظِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ حديثَ: "أمر بلالٍ أنْ يُشْفِعَ الأذانَ ويوترَ الإقامةَ إلَّا الإقامةَ" وسيأتي (٤)، وقدِ استدلَّ بهِ مَنْ قالَ: إن الأذانَ في كلِّ كلماتهِ مثْنَى مَثنى، وأَن الإقامةَ ألفاظُها مفردةٌ، إلَّا قدْ قامتِ الصلاةُ. وقدْ أجابَ أهلُ التربيعِ بأنَّ هذهِ الروايةَ صحيحةٌ دالةٌ على ما ذُكِرَ، لكنَّ روايةَ التربيعِ قدْ صحَّتْ بلا مريةٍ، وهي زيادةٌ منْ عدلٍ مقبولةً، فالقائلُ بتربيعِ التكبيرِ أولَ الأذانِ قدْ عملَ بالحديثينِ، ويأتي أن روايةَ: "يشفعُ الأذانَ" لا تدلُّ على عدمِ التربيعِ للتكبيرِ. هذَا ولا يخْفى أن لفظَ كلمةِ التوحيدِ في آخرِ الأذانِ والإقامةِ مفردةٌ بالاتفاقِ، فهوَ خارجٌ عن الحكمِ بالأمرِ بشفع الأذانِ. قالَ العلماءُ: والحكمةُ في تكريرِ الأذانِ وإفرادِ ألفاظِ الإقامةِ هي أن الأذانَ لإعلامِ الغائبينَ، فاحتيجَ إلى التكريرِ، ولذا يشرعُ فيهِ رفعُ الصوتِ وأنْ يكونَ على محلٍّ مرتفعٍ بخلافِ الإقامةِ؛ فإنها لإعلامِ الحاضرينَ، فلا حاجةَ إلى تكريرِ ألفاظها، ولذا شرعَ فيها خَفضُ الصوتِ والحدْرُ، وإنَّما كررتْ جملةُ: (قدْ قامتِ الصلاةُ)؛ لأنَّها مقصودُ الإقامةِ، (وزادَ أحمدُ في آخرهِ) [ظاهرُه] (٥) في [آخر] (٦) حديثِ عبدَ اللَّهِ بن زيدٍ [هذا] (٧).

стр. 441

زيادة "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر الأول ٢/ ١٦٨ - وَزَادَ أَحْمَدُ (١) في آخِرِهِ قِصّةَ قول بِلَال في أَذَانِ الْفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. [ضعيف] (قصةُ قول بِلالٍ في أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ) رَوَى الترمذيُّ (٢)، وابنُ ماجَهْ (٣)، وأحمدُ (٤) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى عنْ بلالٍ قَالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تُثَوِّبَنَّ في شيءٍ منَ الصلاةِ إلَّا في صلاةِ الفجرِ"، إلَّا أن فيهِ ضعيفًا، وفيهِ انقطاعٌ أيضًا. وكانَ على المصنفِ أنْ يذكرَ ذلكَ على عادتِه.

стр. 442

ويقالُ: التثويبُ مرتينِ كما في سننِ أبي داودَ (١)، وليس "الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ" في حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ، كما رُبَّما تُوهِمهُ عبارةُ المصنفِ حيثُ قالَ في آخرهِ: وإنَّما يريدُ أن أحمدَ ساقَ روايةَ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ ثمَّ وصلَ بها روايةَ بلالٍ. ٣/ ١٦٩ - وَلاِبْنِ خُزَيْمَةَ (٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ في الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. [صحيح] (وَلابْنِ خُزَيْمةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: طريقةِ النَّبيِّ ﷺ (إذا قالَ المؤذنُ في الفجرِ: حي على الفلاحِ) الفلاحُ: هوَ الفوزُ والبقاءُ، أي: هلمُّوا إلى سببِ ذلكَ. (قالَ: الصلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ) وصححهُ ابنُ السكنِ (٣)، وفي روايةِ النسائي (٤): (الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، في الأذانِ الأولِ منَ الصبحِ) وفي هذا تقييدٌ لما أطلقتهُ الرواياتُ. قالَ ابنُ رسلانَ: وصححَ هذهِ الروايةِ ابنُ خزيمةَ (٥). قالَ: فشرعيةُ التثويبِ إنَّما [هي] (٦) في الأذانِ الأولِ للفجرِ؛ لأنهُ لإيقاظِ النائمِ، وأمَّا الأذانُ الثاني فإنهُ إعلامٌ بدخولِ الوقتِ ودعاءٌ إلى الصلاةِ. ولفظُ النسائي في سننهِ الكبرى (٧) منْ جهةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أبي محذورةَ قالَ: "كنتُ أؤذنُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ فكنتُ أقولُ - في أذانِ الفجرِ الأولِ - حي على الصلاة، حيَّ على الفلاحِ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، الصلاةُ خيرٌ

стр. 443

منَ النومِ" قالَ ابنُ حزمٍ (١): وإسنادهُ صحيحٌ اهـ. منْ تخريج الزركْشيِّ لأحاديثِ الرافعي. ومثلُ ذلكَ في سننِ البيهقي الكُبرَى (٢) مِنْ حديثِ أَبي محذورةَ "أنهُ كانَ يثوِّبُ في الأذانِ الأولِ منَ الصبحِ بأمرهِ ﷺ ". قلتُ: وعلى هذا ليسَ [الصلاةُ خيرٌ منَ النوم] (٣) منْ ألفاظِ الأذانِ المشروعِ للدعاءِ إلى الصلاةِ والإخبارِ بدخولِ وقتِها، بلْ هوَ من الألفاظِ التي شُرِعَتْ لإيقاظِ النائمِ، فهوَ كألفاظِ التسبيح الأخيرِ الذي اعتادهُ الناسُ في هذهِ الأعصارِ المتأخرةِ عِوضًا عن الأذانِ الأولِ (٤). وإذا عرفتَ [ذلك] (٥)؛ هانَ عليكَ ما اعتادهُ الفقهاءُ منَ الجدالِ في التثويبِ: هلْ هوَ منْ ألفاظِ الأذانِ أوْ لَا؟ وهلْ هوَ بدعةٌ أوْ لَا؟ ثمَّ المرادُ منْ معناهُ: اليقظةُ للصلاةِ، "خيرٌ منَ النومِ"، أي: الراحةُ التي يعتاضونها في الآجلِ خيرٌ منَ النومِ. ولنا كلامٌ في هذه الكلمةِ [أودعناها] (٦) رسالةً لطيفةً. زيادة الترجيع في الأذان ٤/ ١٧٠ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَر فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٧).

стр. 444

وَلِكنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ في أَوَّلهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) فَذَكَرُوهُ مُرَبّعًا. [صحيح] (وعن أبي مَحْذُورةَ) تقدمَ ضبطُه وبيانُ حالهِ (٢)، (أَنَّ النبيَّ ﷺ علمهُ الأذانَ) أي: ألقاهُ ﷺ عليهِ بنفسِه في قصةٍ حاصلُها: أنهُ خرجَ أبو محذورةَ بعدَ الفتحِ إلى حنينٍ هوَ وتسعةٌ منْ أهلِ مكةَ، فلمَّا سمعُوا الأذانَ أَذَّنُوا استهزاءً بالمؤمنينَ، فقال ﷺ : "قدْ سمعتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسنِ الصوتِ"، فأرسلَ إلينا فأذَّنَّا رجلًا رجلًا وكنتُ آخِرهم، فقالَ حينَ أذنتُ: "تعالَ" فأجْلَسَنِي بينَ يديهِ فمسحَ على ناصيتي وبرَّكَ عليَّ ثلاثَ مراتٍ ثم قالَ: "اذهبْ فأذنْ عندَ المسجد الحرامِ"، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فعلِّمني، الحديثُ (فذكرَ فيه الترجيعَ) أي في الشهادتينِ. ولفظُهُ عندَ أبي داودَ (٣): "ثمَّ تقولُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، تخفضُ بها صوتكَ"، قيلَ: المرادُ أن يُسِمعُ مَنْ بقربهِ، قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنْ يأتيَ بِهمَا أولًا بتدبرٍ وإخلاص، ولا يتأتَّى كمالُ ذلكَ إلا معَ خفضِ الصوتِ. قالَ: "ثمَّ ترْفعُ صوتكَ بالشهادةِ أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ"؛ فهذا هو الترجيعُ الذي ذهب جمهورُ العلماءِ إلى أنهُ مشروعٌ لهذا الحديثِ الصحيحِ، وهوَ زيادةٌ على حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ، وزيادةُ العدلِ مقبولةٌ. وإلى عدمِ القولِ بهِ ذهبَ الهادي

стр. 445

وأبو حنيفةَ وآخرونَ عملًا منْهم بحديثِ عبدِ اللهِ بن زيدِ الذي تقدَّمَ (١). (أخرجهُ مسلمٌ، ولكنْ ذكرَ التكبيرَ في أولهِ) [أي في أول الأذان] (٢) (مرتينِ فقطْ)، لا كما ذكرهُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ آنفًا، وبهذهِ الروايةِ عملتِ الهادويةُ ومالكٌ وغيرُهم. (ورواهُ) أي: حديثَ أبي محذورةَ هذَا (الخمسةُ) [هم] (٣) أهلُ السننِ الأربعةِ، وأحمدُ (فذكروهُ) أي: الكبيرَ في أولِ الأذاقِ (مربعًا)، كرواياتِ حديثِ عبدِ اللهِ بن زِيدٍ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ: التكبيرُ أربعُ مراتٍ في أولِ الأذانِ محفوظٌ منْ روايةِ الثقاتِ منْ حديثِ أبي محذورةَ، ومنْ حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ، وهي زيادةٌ يجب قَبولُها. واعلمْ أنَّ ابنَ تيميةَ في المنتقَى (٤) نسبَ التربيعَ في حديثِ أبي محذورةَ إلى روايةِ مسلمٍ، والمصنفُ لم ينسبهُ إليهِ بلْ نسبهُ إلى روايةِ الخمسةِ، فراجعتُ صحيحَ مسلم وشرحه (٥) فقالَ النَّوويُّ: إنَّ أكثرَ أصولِه فيها التكبيرُ مرتينِ في أوله، وقالَ القاضي عياضٌ: إنَّ في بعضِ طرقِ الفارسي لصحيحِ مسلم ذكر التكبير أربع مراتٍ في أولهِ، وبهِ تعرفُ أنَّ المصنفَ اعتبرَ أكثر الرواياتِ، وابنُ تيميةَ اعتمدَ بعضَ طرقهِ فلا يُتَوَهمُ المنافاةُ بينَ كلامِ المصنفِ وابنِ تيميةَ. وقال ابن الأثير - في الجامع بعد سياقه الروايات وذكر روايات التربيع في أوله - وقال: وأخرج مسلم من هذه الروايات انتهى كلامه. وليس بصحيح؛ فقد أخرج مسلم الرواية بتربيع التكبير في أوله كما قرَّرنا. انتهى. تربيع التكبير في أول الأذان ٥/ ١٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ شَفْعًا، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ - يَعْني: إلا قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦)، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ. [صحيح]

стр. 446

(وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ مبنيٌّ لما لمْ يسمَّ [فاعله] (١)، بُنِي كذلكَ للعلمِ بالفاعلِ؛ فإنهُ لا يأمرُ [بالأمور] (٢) الشرعيةِ إلَّا النبيُّ ﷺ ، ويدلُّ له الحديثُ الآتي قريبًا (بلالٌ) نائبُ الفاعلِ (أنْ يَشْفَعَ) بفتح أولهِ (الأذانَ) يأتي بكلماتهِ (شفْعًا) أي: مثْنى مثْنى، أو أربعًا أربعًا، فالكلُّ يصدقُ عليهِ أنهُ شفعٌ، وهذا إجمالٌ بَيَّنَهُ حديثُ عبدِ اللهِ بن زيدٍ وأبي محذورةَ، [فشفعُ] (٣) التكبير [أنْ] (٤) يأتي بهِ أربعًا أربعًا، وشفعُ غيرهِ أن يأتي [بهِ] (٥) مرتينِ مرتينِ، وهذا بالنظرِ إلى الأكثرِ، وإلَّا فإنَّ كلمةَ التهليلِ في آخرِه مرةً واحدةً اتفاقًا، (وَيُوتِرَ الإقامةَ) يفردُ ألفاظَها (إلَّا الإقامةَ) بَيَّنَ المرادَ بها بقولهِ: (يعني قدْ قَامَتِ الصلاةُ)؛ فإنهُ يشرعُ أنْ يأتيَ بهَا مرتينِ ولا يوترُها، (متفقٌ عليهِ، ولمْ يذكر مسلمٌ الاستثناءَ) أعني قولَه: (إلا الإقامةَ)؛ فاختلفَ العلماءُ في هذا على ثلاثةِ أقوالٍ: الأولُ للهادويةِ [فقالوا]: (٦) تُشْرَعُ تثنية ألفاظِ الإقامةِ كلِّها لحديثِ: "إنَّ بلالًا كان يُثنِّي الأذانَ والإقامةَ"، رواهُ عبدُ الرزاقِ (٧) والدارقطنيُّ (٨) والطحاويُّ (٩). إلَّا أنهُ قدْ ادَّعى فيهِ الحاكمُ الانقطاعَ (١٠)، ولهُ طرقٌ فيها ضعفٌ (١١). وبالجملة لا تُعارضُ

стр. 447

روايةُ التربيع في التكبيرِ روايةَ الإفرادِ في الإقامةِ لصحتِها، فلا يقالُ: إنَّ التثنيةَ في ألفاظِ [كلمات] (١) الإقامةِ زيادةُ عدل فيجبُ قبولُها؛ لأنكَ قدْ عرفتَ أنَّها لم تصحَّ. والثاني لمالك فقالَ: تفردُ ألفاظُ الإقامةِ حتَّى "قدْ قامتِ الصلاةُ". والثالثُ للجمهورِ: أنها تفرَدُ ألفاظُها إلَّا "قدْ قامتِ الصلاةُ" فتكرَّرُ؛ عملًا بالأحاديثِ الثابتةِ بذلكَ. ٦/ ١٧٢ - وَللنَّسَائِيِّ (٢): أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِلَالًا. [صحيح] (وَلِلنَّسَائِيِّ: أمَرَ) أي: عنْ أنسٍ بالبناءِ للفاعلِ، وهوَ (النبيُّ ﷺ بلالًا)، وإنما أتَى بهِ المصنفُ ليفيدَ أن الحديثَ الأولَ المتفقِ عليهِ مرفوعٌ وإنْ وردَ بصيغةِ البناءِ للمجهولِ، قالَ الخطابيُّ (٣): إسنادُ تثنيةِ الأذانِ وإفرادُ الإقامةِ أصحُّها أي الرواياتِ وعليهِ أكثرُ علماءِ الأمصارِ، وجرى العملُ بهِ في الحرمينِ، والحجازِ، والشام، واليمنِ، وديارِ مصرَ، ونواحي الغربِ إلى أقصى حجرٍ منْ بلادِ الإسلامِ، ثمَّ عدَّ مَنْ قالهُ منَ الأئمةِ. قلتُ: وكأنهُ أرادَ باليمنِ مَنْ كانَ فيها شافعيَّ المذهبِ، وإلَّا فقدْ عرفتَ مذهبَ الهادويةِ، وهمْ سكانُ غالبِ اليمنِ، وما أحسنَ ما قالهُ بعضُ المتأخرينَ - وقدْ ذكرَ الخلافَ في ألفاظِ الأذانِ: هلْ مثْنى أو أربعٌ؟ أي: التكبيرُ في أولهِ - وهلْ فيهِ ترجيعُ الشهادتينِ أوْ لا، والخلافُ في الإقامةِ - ما لفظُه: هذهِ المسألةُ مِنْ غرائبِ الواقعاتِ يقلُّ نظيرها في الشريعةِ بلْ وفي العاداتِ، وذلكَ أن هذهِ الألفاظَ في الأذانِ والإقامةِ قليلةٌ محصورةٌ معيَّنةٌ، يصاحُ بها في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مراتٍ في أعلى مكانٍ، وقدْ أمرَ كلَّ سامعٍ أنْ يقولَ كما يقولُ المؤذنُ وهمْ خيرُ القرونِ في غرةِ الإسلامِ شديدو المحافظة على الفضائلِ، ومع هذَا كلِّه لمْ يذكرْ خوضَ الصحابةِ ولا التابعينَ واختلافَهم فيها، ثمَّ جاءَ الخلافُ الشديدُ في المتأخرينَ، ثمَّ كلٌّ منَ المتفرقينَ أدلى بشيءٍ صالحٍ في الجملةِ وإنْ تفاوتَ وليسَ بينَ الرواياتِ تنافٍ لعدمِ المانعِ منْ أنْ يكونَ كلٌّ سنة، كما نقولُه. وقدْ قيلَ في أمثالِه كألفاظِ التشهدِ وصورةِ صلاةِ الخوفِ.

стр. 448

الالتفات يمينًا وشمالًا عند الحيعلتين في الأذانِ ٧/ ١٧٣ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ، أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ في أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَصَحُّحَهُ. [صحيح] وَلاِبْنِ مَاجَهْ (٣): وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. [صحيح] وَلأَبي دَاوُدَ (٤): لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ "حَيّ عَلَى الصَّلَاةِ" يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ. وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (٥). [صحيح] ترجمة أبي جُحيفة (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) (٦) بضمِّ الجيمِ وفتحِ الحاء المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ ففاءٍ، هوَ وهبُ بنُ عبدِ اللهِ، وقيلَ ابنُ مسلمٍ السُوائيِّ [بضمِّ السينِ المهملةِ وتخفيفِ الواوِ وهمزةٍ بعدَ الألفِ] (٧) العامريٌّ. نزلَ الكوفةَ وكانَ منْ صغارِ الصحابةِ، توفي رسولُ اللهِ ﷺ ولمْ يبلغْ الحلُمَ ولكنهُ سمعَ منهُ. جعلهُ عليٌّ على بيتِ المالِ، وشهدَ معهُ المشاهدَ كلَّها، توفيَ بالكوفةِ سنةَ أربعٍ وسبعينَ. (قالَ: رأيت بلالًا يُؤَذِّن وأَتَتَبَّع [أي أنا] (٨) فاهُ) أي أنظرُ إلى فيهِ متتبعًا (ههُنا) أي يَمنةً، (وههُنا) أي يَسرةً (وأصْبُعَاهُ) أي إبهامُهُمَا، ولمْ يردْ تعيينُ الأصبعينِ. وقالَ النوويُّ: هما المسبِّحتانِ (في أذنيه. رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وصحَّحه. ولابنِ ماجه) أي:

стр. 449

منْ حديثِ أبي جحيفةَ [أيضًا] (١): (وجعلَ أصبعيهِ في أدنيهِ. ولأبي داودَ) منْ حديثهِ [أيضًا] (١) (لوى عنقَهُ لما بلغَ "حيَّ على الصلاةِ" يمينًا وشمالًا)؛ هوَ بيانٌ لقولهِ: ههُنا وههُنا. (ولمْ يستدرْ) بجملةِ بدنِهِ (وأصلهُ في الصحيحينِ). الحديثُ دلَّ على آدابٍ للمؤذنِ وهي: الالتفاتُ إلى جهةِ اليمينِ وإلى جهةِ الشمالِ، وقدْ بينَ محلَّ ذلكَ لفظُ أبي داودَ (٢) حيثُ قالَ: (لوى عنقَه لما بلغَ حيَّ على الصلاةِ). وأصرحُ منهُ حديثُ مسلمٍ بلفظِ: "فجعلتُ أتتبعُ فاهُ ههنا وههنا يمينًا وشمالًا يقولُ: حي على الصلاةِ، حي على الفلاحِ"؛ ففيهِ بيانُ الالتفاتِ عندَ الحيعلتينِ. وبوَّبَ عليهِ ابنُ خزيمةَ (٣) بقولهِ: "انحرافُ المؤذنِ عندَ قولهِ: حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاح بفمهِ لا ببدنهِ كلِّهِ"، قالَ: وإنَّما يمكنُ الانحرافُ بالفمِ بِانحرافِ الوجهِ، ثمَّ ساقَ (٤) مِنْ طريقِ وكيعٍ، "فجعلَ يقولُ في أذانهِ هكذا، وحرفَ رأسَهُ يمينًا وشمالًا". وأما روايةُ أن بلالًا استدارَ في أذانهِ فليستْ بصحيحةٍ (٥)، وكذلكَ روايةُ أنهُ ﷺ أمرهُ أنْ يجعلَ أُصبعيهِ في أذنيهِ روايةٌ ضعيفةٌ (٦). وعنْ أحمدَ بن حنبلَ: لا

стр. 450

يدورُ إلَّا إذا كانَ على منارةٍ قصدًا لإسماعِ أهلِ الجهتينِ. وذكرَ العلماءُ أن فائدةَ التفاتهِ أمران، أحدُهما: أنهُ أرفعُ لصوتهِ، وثانيهمَا: أنهُ علامةٌ للمؤذنِ ليعرفَ مَنْ يراهُ على بُعدٍ أوَ منْ كانَ بهِ صممٌ أنهُ يؤذنُ، وهذَا في الأذانِ. وأما الإقامةُ فقال الترمذيُّ (١): إنهُ استحسنَهُ الأوزاعيُّ. ٨/ ١٧٤ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوَرَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ. رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَةَ (٢). [صحيح] (وعنْ أَبي مَحْذورَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ أعجبهُ صوتُهُ فعلَّمه الأذانَ. رواهُ ابن خزيمةَ) وصحَّحهُ. وقدْ قدَّمنَا القصةَ واستحسانَهُ ﷺ لصوتهِ وأمرَهُ لهُ بالأذانِ بمكةَ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يستحبُّ أنْ يكونَ صوتُ المؤذنِ حَسَنًا. لا يؤذَّن للعيد ولا يقال الصلاة جامعة ٩/ ١٧٥ - وَعَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَان وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ جَابِرٍ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رسولَ اللهِ ﷺ العِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ) أي: بلْ مرَّاتٍ كثيرةً (بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ)، أي: حالَ كونِ الصلاةِ غيرَ مصحوبةٍ بأذانٍ ولا إقامةٍ (رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يشرعُ لصلاةِ العيدينِ أذانٌ ولا إقامةَ، وهوَ كالإجماعِ. وقد رُوِي خلافُ هذَا عن ابن الزبيرِ ومعاويةَ وعمرَ بن عبدِ العزيزِ قياسًا منهمْ

стр. 451

للعيدينِ على الجمعةِ، وهوَ قياسٌ غيرُ صحيحٍ، بلْ فعلُ ذلكَ بدعةٌ؛ إذْ لم يُؤْثَرْ عن الشارعِ ولا عنْ خلفائهِ الراشدينَ. ويزيدُهُ تأكيدًا قولُهُ: ١٠/ ١٧٦ - وَنَحْوُهُ في الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (١) عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ. [صحيح] (وَنَحْوُهُ) أي: نحوُ حديثِ جابرِ بن سمرَةَ (في المتفقِ عليهِ) أي: الذي اتفقَ على إخراجهِ الشيخانِ (عن ابن عباسٍ ﵁ وغيره) منَ الصحابةِ. وأما القولُ بأنهُ يقالُ في العيدِ عوضًا عن الأذانِ: الصلاةُ جامعةٌ، فلمْ تردْ بهِ سنةٌ في صلاةِ العيدينِ، قالَ في الهدي النبويِّ (٢): "وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى أخذَ في الصلاةِ - أي: صلاةِ العيدِ - منْ غيرِ أذانٍ، ولا إقامةٍ، ولا قولِ الصلاةُ جامعةٌ. والسنَّةَ: أنْ لا يفعلَ شيءٌ منْ ذلكَ". وبهِ يُعْرفُ أن قولَه في الشرحِ: ويستحبُّ في الدعاءِ إلى الصلاةِ في العيدينِ وغيرِهما مما لا يُشْرَعُ فيهِ أذانٌ كالجنازةِ: الصلاةُ جامعةٌ، غيرُ صحيحٍ، إذْ لا دليلَ على الاستحبابِ، ولوْ كانَ مُسْتَحَبًّا لما تركهُ ﷺ والخلفاءُ الراشدونَ منْ بعدهِ، نعمْ ثبتَ ذلكَ في صلاةِ الكسوتِ لا غيرُ، ولا يصحُّ فيهِ القياسُ؛ لأنَّ ما وجدَ سببهُ في عصرهِ ولم يفعلْه ففِعلُه بعدَ عصرهِ بدعةٌ فلا يصحُّ إثباتُه بقياسٍ ولا غيرِهِ. مشروعية الأذان للفائتة ١١/ ١٧٧ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ في الْحَدِيثِ الطَّويلِ في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ - ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبيُّ ﷺ كما كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أبي قَتَادَةَ - في الحديثِ الطَّويلِ في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ -) أي: عنْ صلاةِ

стр. 452

الفجرِ، وكانَ عندَ قُفُولِهم منْ غزوةِ خيبرَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هوَ الصحيحُ (ثمَّ أذنَ بلالٌ) أي بأمرهِ ﷺ كما في سننِ أبي داودَ (١)، ثمَّ "أمرَ بلالًا أنْ ينادي بالصلاةِ فنودي بِها"، (فصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ كما كانَ يصنعُ كلَّ يومٍ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دلالةٌ على شرعيةِ التأذينِ للصلاةِ الفائتةِ بنومٍ ويلحقُ بها المنسيةُ؛ لأنهُ ﷺ جمعُهما في الحكمِ حيثُ قالَ: "منْ نامَ عنْ صلاتهِ أو نسيَها" (٢) الحديثَ. وقدْ رَوَى مسلمٌ (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ ﷺ : "أمرَ بلالًا بالإقامةِ ولمْ يذكرِ الأذانَ"، وبأنهُ ﷺ لما فاتتهُ الصلاةُ يومَ الخندقِ أمرَ لها بالإقامةِ ولمْ يذكرِ الأذانَ كما في حديثِ أبي سعيدٍ عندَ الشافعيِّ (٤). وهذهِ لا تعارضُ روايةَ أبي قتادةَ؛ لأنهُ مثبتٌ، وخبرُ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ ليسَ فيهمَا ذكرُ الأذانِ بنفي ولا إثباتٍ، فلا معارضةَ؛ إذْ عدمُ الذكرِ لا يعارضُ الذكرَ. تعدُّد الأذان والإقامة في الصلاتين المجموعتين ١٢/ ١٧٨ - وَلَهُ (٥) عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. [صحيح] (وَلَهُ) أي: لمسلم (عَنْ جَابِرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتَى المُزْدَلِفَةَ) أي: منصرفًا

стр. 453

[عنْ] (١) عرفاتٍ، (فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ)، جمعَ بينهما (بأذانٍ واحدٍ وإقامتينٍ). وقدْ رَوَى البخاريُّ (٢) منْ حديثِ ابن مسعود: "أنهُ صلَّى أي [في المزدلفة] (٣) المغربَ بأذانٍ وإقامةٍ، والعشاءِ بأذانٍ وإقامةٍ، وقال: رأيتُ رسول اللهِ ﷺ يفعلهُ"، ويعارضُهما معًا قولُهُ: ١٣/ ١٧٩ - وَلَهُ (٤) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁: جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (٥): لِكُلِّ صَلَاةٍ، وفي رِوَايَةٍ لَهُ (٦): وَلَمْ يُنَادِ في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [صحيح] (ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن ابن عمرَ ﵁ جمعَ النبيُّ ﷺ بينَ المغربِ والعشاءِ بإقامةٍ واحدةٍ) [لكل صلاة] (٧). وظاهرهُ أنهُ لا أذانَ فيهمَا. [والحديث] (٨) صريحٌ في مسلمٍ أن ذلكَ بالمزدلفةِ فإنَّ فيهِ: قال سعيدُ بنُ جبير أفضْنَا معَ ابن عمرَ حتى أتينَا جَمْعًا أي: المزدَلفةَ، فإنهُ اسمٌ لها، وهو بفتحِ الجيمِ وسكونِ الميمِ، فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بإقامةٍ واحدةٍ ثمَّ انصرفَ، وقال: هكذَا صلَّى بنا رسول اللهِ ﷺ هذَا المكانِ. وقد دلَّ على أنهُ لا أذانَ [فيهما] (٩)، وأنهُ لا إقامةَ إلا واحدةً للصلاتينِ، وقدْ دلَّ قولُهُ: (زادَ أبو داودَ) أي: منْ حديثِ ابن عمرَ (لكلِّ صلاةٍ) أي: أنهُ أقامَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنهُ زادَ بعدَ قولهِ: بإقامة واحدةٍ لكلِّ صلاةٍ، فدلَّ على أن لكلِّ صلاةٍ إقامةً. فروايةُ مسلمٍ تقيَّدُ بروايةِ أبي داودَ هذهِ. (وفي روايةٍ لهُ) أي: لأبي داودَ عن ابن عمرَ (ولم يناد في واحدةٍ منْهما)؛ وهوَ صريحٌ في نفي الأذانِ. وقدْ تعارضتْ هذهِ الرواياتُ فجابرٌ أثبتَ أذانًا واحدًا وإقامتينِ، وابنُ عمرَ نفى الأذانَ وأثبتَ الإقامتينِ، وحديثُ ابن مسعودٍ الذي ذكرناهُ أثبتَ الأذانينِ والإقامتينِ، فإنْ قلْنا: المثبتُ مقدَّمٌ على النافي عملْنا بخبرِ

стр. 454

ابن مسعودٍ. والشارحُ ﵀ قالَ: يقدَّمُ خبرُ جابرٍ، أي: لأنهُ مثبتٌ للأذانِ على خبرِ ابن عمرَ؛ لأنهُ نافٍ لهُ، ولكنْ نقولُ: [بل] (١) نقدمُ خبرَ ابن مسعودٍ لأنهُ أكثرُ إثباتًا (٢). أذان بلال قبل الفجر لإيقاظ النائم ١٤/ ١٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُناديَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ"، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْت. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَفي آخِرِهِ إِدْراجٌ (٤). [صحيح]

стр. 455

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵂ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ بِلالًا يؤَذنُ بِليلٍ) قدْ بيَّنت روايةُ البخاريِّ أن المرادَ بهِ قُبَيْلَ الفجرِ، فإنَّ فيها: "ولم يكنْ بينَهما إلَّا أنْ يرقى ذَا وينزلَ ذَا"، وعندَ الطحاويِّ (١) بلفظِ: "إلَّا أنْ يصعدَ هذَا وينزلَ هذَا"، (فكلُوا واشربُوا حتى ينادي ابنُ أمِّ مكْتُوم)، واسمُه عمروٌ (وكانَ) أي ابنُ أمِّ مكتومٍ (رجلًا أعمى لا ينادي حتَّى يقالَ له أصبْحَتَ أصْبَحْتَ)، أي دخلتَ في الصباحِ. (متفقٌ عليهِ، وفي آخرهِ إدراجٌ)، أي كلامٌ ليسَ مِنْ كلامهِ ﷺ يريدُ بهِ قولَهُ: "وكانَ رجلًا أعمى إلى آخرهِ". ولفظُ البخاريِّ هكذَا: "قالَ: وكانَ رجلًا أعمى بزيادةِ لفظِ قالَ"، وبَيَّنَ [الشارحُ] (٢) فاعلَ قالَ أنهُ ابنُ عمرَ، وقيلَ الزهريُّ، فهوَ كلامٌ مدرجٌ منْ كلام أحدِ الرجلينِ. وفي الحديثِ شرعيةُ الأذانِ قبلَ الفجرِ لا لما شُرعَ لهُ الأذانُ؛ فإنَّ الأذانَ شُرعَ كما سلفَ للإِعْلامِ بدخولِ الوقتِ، ولدعاءِ السامعينَ لحضورِ الصلاةِ، وهذا الأذانُ الذي قبلَ الفجرِ قدْ أخبرَ ﷺ بوجهِ شرعيتِه بقولهِ: "ليوقظَ نائمَكم، ويُرجعَ قائمكَم"، رواهُ الجماعةُ إلا الترمذيَّ (٣). والقائمُ هُو الذي يصلِّي صلاةَ الليلِ ورجوعُه عَوْدة إلى نومهِ أو قعودُه عنْ صلائهِ إذا سمعَ الأذانَ، فليسَ للإعلامِ بدخولِ وقتٍ، ولا لحضورِ الصلاةِ، وإنَّما هوَ كالتسبيحةِ الأخيرةِ التي تفعلُ في هذهِ الأعصارِ، غايتُه أنهُ كانَ بألفاظِ الاذانِ، وهوَ مثلُ النداءِ الذي أحدثهُ عثمانُ في يومِ الجمعةِ لصلاتِها؛ فإنهُ كان يأمرُ بالنداءِ [لها] (٤) في محلٍّ يقالُ لهُ الزوراءُ (٥) [ليجتمعَ] (٦) الناسُ للصلاةِ، وكان ينادِي لها بألفاظِ الأذانِ

стр. 456

المشروعِ، ثمَّ جعلهُ الناسُ مِنْ [بعدهِ] (١) تسبيحًا بالآيةِ والصلاةِ على النبيِّ ﷺ . فذِكرُ الخلافِ في المسألةِ، والاستدلالُ للمانع وللمجيزِ لا يلتَفِتُ إليهِ مَنْ همُّهُ العملُ بما ثبتَ. وفي قولِه: "كلُوا واشربُوا"، أَيْ: أيُّها المريدونَ للصيامِ "حتى يؤذِّنَ ابن أمّ مكتومٍ"، ما يدل على إباحةِ ذلكَ إلى أذانهِ. وفي قولهِ: "إنهُ كانَ لا يؤذنُ" أي: ابنُ أمِّ مكتومٍ "حتَّى يقالَ لهُ أصبحتَ أصبحتَ"، ما يدلُّ على جوازِ الأكلِ والشربِ بعدَ دخولِ الفجرِ. وبهِ قالَ جماعةٌ، ومَنْ منعَ مِنْ ذلكَ قالَ: معنى قولهِ: "أصبحتَ أصبحتَ" قاربتَ الصباحَ، وأنَّهم يقولونَ لهُ ذلكَ عندَ آخرِ جزءٍ منْ أجزاءِ الليلِ، وأذانهُ يقعُ في أولِ جزءٍ منْ طلوعِ الفجرِ. ما يؤخذ من الحديث وفي الحديث دليلٌ على جواز اتخاذِ مؤذنَينِ في مسجدٍ واحدٍ، ويؤذنُ واحدٌ بعدَ واحدٍ، وأما أذانُ اثنينِ معًا، فمنعهُ قومٌ وقالُوا: أولُ منْ أحدثهُ بنو أميةَ. وقيلَ: لا يكرهُ إلَّا أنْ يحصلَ بذلكَ تشويشٌ، قلتُ: وفي هذا المأخذِ نظرٌ؛ لأنَّ بِلالًا لم يكنْ يؤذنُ للفريضةِ - كما عرفتَ - بل المؤذنُ لها واحدٌ [هو ابنُ أمِّ مكتومٍ] (٢). واستُدِلَّ بالحديثِ على جوازِ تقليدِ المؤذنِ الأعمى والبصيرِ، وعلى جوازِ تقليدِ الواحدِ، وعلى جوازِ الأكلِ والشربِ معَ الشكِّ في طلوعِ الفجرِ؛ إذ الأصلُ بقاءُ الليلِ، وعلى جوازِ الاعتمادِ على الصوتِ في الروايةِ إذا عرفهُ، وإنْ لم يشاهدِ الراوي. وعلى جوازِ ذكرِ الرجلِ بما فيهِ منَ العاهةِ إذا كان القصدُ التعريفَ [بهِ ونحوَه] (٣)، وجوازُ نسبتهِ إلى أمهِ إذا اشتهرَ بذلكَ. ١٥/ ١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِلالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: "أَلَا إِن الْعَبْدَ نَام"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف]

стр. 457

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ بِلالًا أَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ فَأَمَرهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يرجِعَ فينادِي: "أَلَا إنَّ العبدَ نامَ". رواهُ أبو داودَ وضعفهُ)، فإنهُ قالَ عقبَ إخراجهِ: هذا حديثٌ لمْ يروِهِ عن أيوبَ إلا حمادُ بنُ سلمةَ. وقالَ المنذريُّ (١): قالَ الترمذيُّ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. وقالَ علي بنُ المدينيِّ: حديثُ حمادِ بن سلمةَ غيرُ محفوظٍ، وأخطأ فيه أي: أخطأ في رفعه، والصواب وقفه على ابن عمر، وأنه الذي وقع له ذلك مع مؤذِّنه. وقدِ استدلَّ بهِ مَنْ قالَ لا يُشْرَعُ الأذانُ قبلَ الفجرِ. ولا يخْفى أنهُ لا يقاومُ الحديثَ الذي اتفقَ عليهِ الشيخانِ، ولو ثبتَ أنهُ صحيحٌ لَتُؤُوّلَ على أنَّهُ قبلَ شرعيةِ الأذانِ الأولِ، [فإن] (٢) بلالًا هوَ المؤذنُ الأولُ الذي أمرَ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ أنْ يُلْقي عليهِ ألفاظَ الأذانِ، ثمَّ اتخذَ ابنَ أمّ مكتومٍ بعدَ ذلكَ مؤذنًا معَ بلالٍ، فكانَ بلالٌ يؤذن الأذانَ الأولَ لما ذكرهُ ﷺ منْ فائدةِ أذانهِ، ثمَّ إذا طلعَ الفجرُ أذنَ ابنُ أمِّ مكتومٍ. يقول سامع المؤذن كما يقول المؤذن ١٦/ ١٨٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مثْلَمَا يَقُولُ الْمُؤذنُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: إذا سمعتمُ النداءَ فقولُوا

стр. 458

مثلَما يقول المؤذِّنُ. متفقٌ عليه). فيهِ شرعيةُ القولِ لمنْ سمعَ المؤذنَ أنْ يقولَ كما يقولُ على أي حالٍ كانَ منْ طهارةٍ وغيرِها، ولو جُنُبًا أوْ حائضًا، إلا حالَ الجماعِ، وحالَ التخلي لكراهةِ الذكرِ فيهمَا. وأما إذا كانَ السامعُ في حالِ الصلاةِ ففيهِ أقوالٌ: الأقربُ أنه يؤخِّرُ الإجابةَ إلى بعدِ خروجهِ منْها. والأمرُ يدلُّ على الوجوب علَى السامعِ لا علَى مَنْ رآهُ فوقَ المنارةِ ولمْ يسمعْهُ، أوْ كانَ أصمَّ. وقدِ اختُلِفَ في وجوبِ الإجابةِ، فقالَ بهِ الحنفيةُ وأهلُ الظاهرِ وآخرونَ، وقالَ الجمهورُ: لا يجبُ، واستدلُّوا بأنهُ ﷺ سمعَ مؤذنًا [فلما كبَّرَ قالَ: "على الفطرةِ"] (١)، فلما تشهَّدَ قالَ: "خرجتَ منَ النَّارِ"، أخرجهُ مسلمٌ (٢). قالُوا: فلو كانتِ الإجابةُ واجبةً لقالَ ﷺ كما قالَ المؤذنُ، فلمَّا لم يقلْ دلَّ على أن الأمرَ في حديثِ أبي سعيدٍ للاستحبابِ، وتُعقِّبَ بأنهُ ليسَ في كلامِ الراوي ما يدلُّ على أنهُ ﷺ لمْ يقلْ كما قالَ، فيجوزُ أنهُ ﷺ قالَ مِثْلَ قولهِ ولم ينقلْه الراوي اكتفاءً بالعادةِ، ونقلَ الزائدَ. وقولُه: "مثلَما يقولُ"، يدلُّ أنهُ يتبعُ كلَّ كلمةٍ [يسمعُها] (٣) فيقولُ مثلَها. وقدْ روتْ أمُّ سلمةَ أنهُ ﷺ "كانَ يقولُ كما يقولُ المؤذنُ حتَّى يسكتَ"، أخرجهُ النسائيُّ (٤). فلو لمْ يجاوبهُ حتى فرغَ منَ الأذانِ استُحِبَّ لهُ

стр. 459

التداركُ إنْ لمْ يَطُلِ الفصلُ. وظاهرُ قولهِ" [في] (١) النداءِ" أنهُ يجيبُ كل مؤذن أذَّن بعد الأول، وإجابةُ الأول أفضلُ. قال في الشرح: إلا في الفجر والجمعة، فهمَا سواءٌ لأنَّهما مشروعانِ. قلتُ: يريدُ الأذانَ قبلَ الفجر، والأذانَ قبلَ حضورِ الجمعةِ، ولا يخفَى أن الذي قبلَ الفجرِ قدْ صحَّتْ مشروعيتُه، وسمَّاهُ النبيُّ ﷺ أذانًا في قولهِ: "إنَّ بلالًا يؤذنُ بليلٍ"، فيدخُلُ تحتَ حديثِ أبي سعيدٍ، وأمَّا الأذانُ قبلَ الجمعةِ فهوَ مُحْدَثٌ بعدَ وفاتهِ ﷺ ولا يُسمَّى أذانًا شرعيًّا (٢). وليسَ المرادُ منَ المماثلةِ أنْ يرفعَ صوتَه كالمؤذنِ، لأنَّ رفعهُ لصوتهِ لقصدِ الإعلامِ بخلافِ المجيبِ، ولا يكفي إمرارة الإجابةَ على خاطرهِ؛ فإنهُ ليسَ بقولٍ، وظاهرُ حديثِ أبي سعيدٍ والحديثِ الآتي وهوَ: ١٧/ ١٨٣ - وَللْبُخَارِيِّ (٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِثْلُهُ. [صحيح] (وللبخاريِّ عنْ معاويةَ [مثلُه) أَي] (٤) مثلُ حديث أبي سعيدٍ: أن السامَع يقولُ [كما يقول] (٥) المؤذنُ في جميعِ ألفاظِه إلَّا في الحيعلتينِ فيقولُ ما أفادهُ الحديث الثامن عشر وهو قوله: ١٨/ ١٨٤ - وَلمُسْلِمٍ (٦) عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ الْقَوْلِ كما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الحيْعلَتَينِ، فَيَقُولُ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ". [صحيح]

стр. 460

(ولمسلمٍ عنْ عمرَ في فضلِ القولِ كما يقولُ المؤذنُ كلمة كلمةً سِوى الحيعلتينِ) حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ؛ فإنهُ يخصصُ ما قبله [في الحيعلتين أو بعده] (١). (فيقولُ) أي السامعُ: (لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ) عندَ كلِّ واحدةٍ منْهمَا، وهذا المتنُ هوَ الذي رواهُ معاويةُ [كما في] (٢) البخاريِّ، وعمرُ كما في مسلمٍ، وإنَّما اختصرَ المصنفُ فقالَ: وللبخاريِّ عنْ معاويةَ أي القولُ كما يقولُ المؤذن إلى آخرِ ما ساقهُ في روايةِ مسلمٍ عنْ عمرَ. إذا عرفتَ هذَا فيقولُها أربعَ مراتٍ. ولفظُه عندَ مسلمٍ (٣): "إِذَا قَالَ المُؤَذنُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ فقالَ أحدُكُمْ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ" إلى أنْ قالَ: " [فإذَا قالَ] (٤): حيَّ على الصّلَاةِ [قَالَ] (٥) لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، ثمَّ قالَ حيَّ على الفَلاحِ قَالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ"، فيحتملُ أنهُ يريدُ إذا قالَ حيَّ عَلَى الصلاةِ [حَوْقَلَ] (٦) وإذَا قالَها ثانيًا [حوقلَ] (٦)، ومثلُهُ حيَّ على الفلاحِ فيكنْ أربعًا، ويحتملُ أنَّها تكفي [حوقلة] (٧) واحدةٌ عندَ الأُولى منَ الحيعلتينِ. وقدْ أخرج النسائيُّ (٨)، وابنُ خزيمةَ (٩)، حديثَ معاويةَ، وفيهِ: "يقولُ ذلكَ". وقولُ المصنف: "في فضلِ القولِ"، لأنَّ آخرَ الحديثِ أنَّهُ قالَ: "إذَا قالَ السامعُ ذلكَ مِنْ قلبهِ دخلَ الجنةَ". والمصنفُ لم يأتِ بلفظِ الحديثِ بلْ بمعناهُ. هذَا والحولُ هوَ الحركةُ، أي لا حركةَ ولا استطاعةَ إلَّا بمشيئةِ اللهِ، وقيلَ: لا حولَ في دفعِ شرٍّ ولا قوةَ في تحصيلِ خيبر إلَّا بِاللهِ، وقيلَ: لا حولَ عنْ معصيةِ اللهِ إلا بعصمتهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلَّا بمعونتهِ. وحُكيَ هذَا عن ابن مسعودٍ مرْفوعًا. واعلمْ أن هذَا الحديثَ مقيِّدٌ لإطلاقِ حديثِ أبي سعيدٍ (١٠) الذي فيهِ: "فقولُوا مثلَما يقولُ"، أي: فيمَا عدَا الحيعلةِ. وقيلَ: يَجْمَعُ السامعُ بينَ الحيعلةِ

стр. 461

[والحوقلةِ] (١) عملًا بالحديثين، والأولُ أَوْلَى، لأنهُ تخصيصٌ للحديثِ العامِّ أوْ تقييدٌ لمطلقه؛ ولأنَّ المعنى مناسبٌ لإجابةِ الحيعلةِ مِنَ السامعِ [بالحوقلةِ] (١)؛ فإنه لما دُعِيَ إلى ما فيه الفوزُ والفلاحُ والنجاةُ وإصابةُ الخيرِ ناسبَ أنْ يقولَ هذا أمرٌ عظيمٌ لا أستطيعُ معَ ضعفي القيامَ بهِ إلَّا إذا وفَّقني اللهِ بحولهِ وقوتهِ، ولأنَّ ألفاظَ الأذانِ ذكرُ اللهِ فناسبَ أن يجيبَ بها، إذْ هوَ ذكرٌ لهُ تعالَى، وأما الحيعلةُ فإنَّما هيَ دعاءٌ إلى الصلاةِ، والذي يدعُو إليها هوَ المؤذنُ، وأما السامعُ فإنَّما عليهِ الامتثالُ والإقبالُ على ما دعي إليهِ، وإجابتُه في ذكرِ اللهِ لا فِيْما عداهُ. والعملُ بالحديثينِ كما ذكرنَا هوَ الطريقةُ المعروفةُ في حملِ المطلقِ على المقيَّدِ، أو تقديمِ الخاصِّ على العامِّ، [فهو] (٢) أَوْلَى بالاتباعِ. وهلْ يجيبُ عندَ الترجيعِ أوْ لَا يجيبُ وعندَ التثويبِ؟ فيهِ خلافٌ. وقيلَ يقولُ في جوابِ التثويبِ: صدقتَ وبررتَ، وهذا استحسانٌ منْ قائلهِ، وإلَّا فليسَ فيهِ سنةٌ تعتمدُ. (فائدةٌ): أخرجَ أبو داودَ (٣) عنْ بعضِ أصحابِ النبي ﷺ : أن بلالًا أخذَ في الإقامةِ، فلمَّا أنْ قالَ قدْ قامتِ الصلاةُ قالَ النبيُّ ﷺ : "أقامَها اللهُ وأدامَها". قالَ: وفي سائرِ الإقامةِ بنحوِ حديثِ عمرَ في الأذانِ انتهى. يريدُ بحديثِ عمرَ ما ذكرهُ المصنفُ وسقناهُ في الشرحِ منْ متابعةِ المقيمِ في ألفاظِ الإقامةِ كلِّها. النهي عن أخذ الأجرة على الأذان ١٩/ ١٨٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْني إِمَامَ قَوْمي، فَقَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أَذَانِهِ

стр. 462

أَجْرًا"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح] ترجمة عثمان بن أبي العاص (وَعَنْ عثمانَ بن أبي العاصِ) (٤)، هوَ أبو عبدِ اللهِ عثمانُ بنُ أبي العاصِ بن بشرٍ الثقفيُّ، استعملَهُ النبيُّ ﷺ على الطائف، فلمْ يزل عليها مدةَ حياتهِ ﷺ وخلافةَ أبي بكر وسنينَ منْ خلافةِ عمرَ، ثمَّ عزلهُ وولاهُ عُمَانَ والبحرينِ، وكانَ منَ الوافدينَ عليهِ ﷺ في وفدِ ثقيفٍ، وكانَ أصغرَهم سنًا لهُ سبعٌ وعشرونَ سنة، ولما تُوُفيَ رسولُ اللهِ ﷺ عزمتْ ثقيفٌ على الرِدَّةِ فقالَ لهمْ: يا ثقيفُ كنتمْ آخرَ الناسِ إسلامًا فلا تكونُوا أولَهم ردةً، فامتنعُوا من الردةِ. ماتَ بالبصرةِ سنةَ إحدى وخمسينَ (٥). (أنه قالَ: يا رسولَ اللهِ، اجعلني إمامَ قومي، قالَ: أنتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأَضْعَفِهِمْ)، أي: اجعلْ أضعفَهم [بمرض] (٦) أو زَمَانَةٍ أو نحوِهِما قدوةً لكَ تصلِّي بصلاتَه تخفيفًا، (واتخذ مؤذنًا لا يَأْخُذ عَلَى ادانِهِ أَجرًا. أخرجهُ الخمسةُ، وحسَّنهُ الترمذيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ). الحديثُ يدلُّ على جوازِ طلبِ الإمامةِ في الخيرِ. وقدْ وردَ في أدعيةِ عبادِ الرحمنِ الذينَ وصفَهم اللهُ بتلكَ الأوصافِ أنَّهم يقولونَ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٧) وليسَ منْ طلبِ الرياسةِ المكروهةِ؛ فإن ذلكَ فيما يتعلقُ برياسةِ الدنيا

стр. 463

التي لا يعانُ مَنْ طلبَها ولا يستحقُّ أنْ يُعطاها كما يأتي بيانُه، وأنهُ يجبُ على إمامِ الصلاةِ أنْ يلاحظَ حالَ المصلينَ خلفَه، فيجعلُ أضعفَهم كأنهُ المقتدي بهِ فيخففُ لأجلهِ، ويأتي في أبوابِ الإمامةِ في الصلاةِ تخفيفهُ، وأنهُ يتخذُ المتبوعُ مؤذنًا ليجمعَ الناسَ للصلاةِ، وأنَّ مِنْ صفةِ المؤذنِ المأمورِ باتخاذهِ أنْ لا يأخذَ على أذانهِ أجرًا، أي أجرةً، وهوَ دليلٌ على أن مَنْ أخذَ على أذانهِ أجرًا ليسَ مأمورًا باتخاذهِ، وهلْ يجوزُ له أَخذُ الأجرةِ؟ فذهب الشافعيةُ إلى جوازِ أخذِه الأجرةَ معَ الكراهةِ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّها تحرمُ عليهِ الأجرةُ لهذا الحديثِ. قلتُ: ولا يخفَى أنهُ لا يدلُّ على التحريمِ. وقيلَ: يجوزُ أخذُها على التأذينِ في محلٍّ مخصوصٍ؛ إذْ ليستْ على الأذان حينئذٍ بلْ على ملازمةِ المكانِ كأجرةِ الرصدِ. ٢٠/ ١٨٦ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لنا النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيؤَذنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ"، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). [صحيح] ترجمة مالك بن الحويرث (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) (٢) بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الواوِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وكسرِ الراءِ وثاءٍ مثلثةٍ. هوَ [أبو] (٣) سليمانَ مالكُ بنُ الحويرث الليثيُّ، وفَدَ على النبيِّ ﷺ ، وأقامَ عندَهُ عشرينَ ليلةً، وسكنَ البصرةَ، وماتَ سنةَ أربع وتسعينَ بها. (قالَ: قالَ [لنا] (٤) النبيُّ ﷺ : إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، الحديثُ أخرجهُ السبعةُ). هوَ مختصرٌ منْ حديثٍ طويل أخرجهُ البخاريُّ (٥) بألفاظٍ أحدُها قالَ مالكُ: "أتيتُ النبيَّ ﷺ في نفرٍ منْ قَوْمي؛ فأقمنَا عندَهُ عشرينَ ليلةً، وكانَ رَحيمًا رَفيقًا، فلمَّا رَأَى شَوقَنا إلى [أهلينَ] (٦) قَالَ: ارجعُوا، فكونُوا فيهمْ، وعَلِّموهمْ وصَلُّوا، فإذَا حَضَرتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذنْ لكمْ أحدُكم، وليؤُمَّكُم أكبَرُكم".

стр. 464

زادَ في روايةٍ: (١) "وصَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، فساقَ المصنفُ قطعةً منهُ هي موضعُ ما يريدُه منَ الدلالةِ على الحثِّ على الأذانِ. ودليلُ إيجابهِ الأمرُ بهِ. وفيهِ أنهُ لا يشترطُ في المؤذنِ غيرُ الإيمانِ؛ لقولهِ: "أحدِكمْ". ينتظرُ المؤذنُ وقتًا يتسع لحضور من يريد الجماعة ٢١/ ١٨٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: "إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَينَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أكلِهِ"، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف] (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لبلالٍ: "إذا أذنت فترسَّلْ)، أي: رتلْ ألفاظهُ، ولا تعجلْ وتسْرع في سردِها، (وإذا أقمتَ فاحدُرْ) بالحاءِ والدالِ المهملتينِ، والدالُ مضمومةٌ فراءٌ، والحدرُ الإسراعُ (واجعلْ بينَ أذانِكَ واقامتِكَ [مقدارَ] (٣) ما يفرغ الآكلُ مِنْ أكلِهِ) أي: تمهلْ وقْتًا يقدرُ فيهِ فراغُ الآكلِ منْ أكلهِ (الحديثَ)، بالنصبِ على أنهُ مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي قرأَ الحديث أوْ أتمَّ [الحديث] (٤) أو نحوَه، ويجوزُ رفعُه على خبريةِ مبتدإ محذوفٍ، وإنَّما يأتونَ بهذه العبارةِ إذا لم يستَوفُوا لفظَ الحديثِ، ومثلُه قولُهم الآيةَ والبيتَ. وهذا الحديثُ لم يستوفِهِ المصنفُ وتمامُهُ: "والشاربُ من شربهِ، والمعتصز إذا دخلَ لقضاءِ الحاجةِ، ولا تقومُوا حتى تروني". (رواهُ الترمذيُّ وضعفهُ). قالَ (٥): لا نعرفهُ إلَّا منْ حديثِ عبدِ المنعمِ، وإسنادهُ مجهولٌ. وأخرجه الحاكمُ (٦) أيضًا، ولهُ شاهدٌ

стр. 465

منْ حديثِ أبي هريرةَ (١)، ومنْ حديثِ سلمانَ [أخرجهما] (٢) أبو الشيخ (٣)، ومنْ حديثِ أبيّ بن كعبٍ أخرجهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (٤)، وكلُّها واهيةٌ إلَّا أنهُ يقويِّها المعنى الذي شرعَ لهُ الأذانُ؛ فإنهُ نداءٌ لغيرِ الحاضرينَ ليحضرُوا للصلاةِ فلا بدَّ منْ تقديرِ وقتٍ يتسعُ [للتأهب] (٥) للصلاةِ وحضورِهَا، وإلَّا لضاعتْ فائدةُ النداءِ. وقدْ ترجمَ البخاريُّ (٦): "بابُ كمْ بينَ الأذانِ والإقامة" ولكنْ لمْ يثبتِ التقديرُ. قالَ ابنُ بطالٍ: لا حدَّ لذلكَ غيرُ تمكن دخولِ الوقتِ واجتماعِ المصلينَ. وفيهِ دليل على شرعيةِ الترسلِ في الأذان؛ لأنَّ المرادَ منه الإعلامُ للبعيدِ، وهوَ معَ الترسلِ أكثرُ إبلاغًا، وعلى شرعيةِ الحدرِ والإسراع في الإقامةِ؛ لأنَّ المرادَ منْها إعلامُ الحاضرينَ، فكان الإسراعُ بها أنسبَ ليفرغَ مِنْها بسرعةٍ، فيأتي بالمقصودِ وهَو الصلاةُ. هل يشترط للأذان والإقامة الطهارة ٢٢/ ١٨٨ - وَلَهُ (٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النبيّ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤَذنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ"، وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. [ضعيف]

стр. 466

(وله) أي [للترمذي] (١)، (عنْ أبي هريرةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا يؤذن إلَّا متوضئٌ"، وضعفهُ أيضًا) أي كما ضعفَ الأولَ فإنهُ ضعفَ هذا بالانقطاعِ، إذْ هوَ عن الزهريِّ، عنْ أبي هريرةَ. قالَ الترمذيُّ (٢): والزهريُّ لمْ يسمعْ مِنْ أبي هريرةَ، والراوي عن الزهريِّ ضعيفٌ، وروايةُ الترمذيِّ (٣) منْ روايةِ يونسَ عن الزهريِّ عنهُ موقوفًا إلَّا أنهُ بلفظِ: "لا يُنادِي"، وهذا أصحُّ. ورواهُ أبو الشيخِ (٤) في كتابِ الأذانِ منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظ: "إنَّ الأذانَ متصلٌ بالصلاةِ فلا يؤذِّنْ أحدُكم إلَّا وهو طاهرٌ"، وهوَ دليلٌ على اشتراطِ الطهارةِ للأذانِ مِنَ الحدثِ الأصغرِ، ومنَ الحدثِ الأكبرِ بالأوْلى. وقالتِ الهادويةُ: يشترطُ فيهِ الطهارةُ منَ الحدثِ الأكبرِ، فلا يصحُّ أذانُ الجنُبِ، ويصحُّ منْ غيرِ المتوضئِ عملًا بهذَا الحديثِ كما قالهُ في الشرحِ. قلتُ: ولا يَخْفَى أن الحديثَ دالٌّ على شرطيةِ كونِ المؤذنِ متوضئًا فلا وجهَ لما قالوهُ منَ التفرقةِ بينَ الحديثينِ، وأما استدلالهم لصحتهِ منَ المحْدِثِ حدثًا أصغرَ بالقياسِ على جوازِ [قراءةِ] (٥) القرآنِ فقياسٌ في مقابلةِ النصِّ لا يعملُ بهِ عندَهم في الأصولِ. وقدْ ذهبَ أحمدُ [وآخرونَ] (٦) إلى أنهُ لا يصحُّ أذانُ المحْدِثِ حَدثًا أصغرَ عملًا بهذَا الحديثِ، وإنْ كانَ فيهِ ما عرفتَ والترمذيُّ صححَ وَقْفَهُ على أبي هريرةَ. وأمَّا الإقامةُ فالأكثرُ على شرطيةِ الوضوءِ لها قالُوا: لأنهُ لمْ يَردْ [أنَّها وقعتْ] (٧) على خلافِ ذلكَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يخْفَى ما فيهِ، وقالَ قومٌ: تجوز [بغيرِ] (٨) وضوءٍ وإن كانَ مكروهًا. وقالَ آخرونَ: تجوزُ [بغير] (٩) كراهةٍ.

стр. 467

يصح أن يقيم من لم يؤذن ٢٣/ ١٨٩ - وَلَهُ (١) عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ"، وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. [ضعيف] ترجمة زياد بن الحارث (وَلَهُ) أي الترمذيِّ (عنْ زيادِ بن الحارثِ) (٢) هوَ زيادُ بنُ الحارثِ الصُّدَائيُّ، بايعَ النبيُّ ﷺ [وأذنَ] (٣) بينَ يديهِ، يعدُّ في البصريينَ، وصُدَاءُ، بضمِّ الصادِ المهملةِ وتخفيفِ الدالِ المهملةِ، وبعدَ الألفِ همزةٌ، اسمُ قبيلةٍ. (قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : وَمَنْ أَذنَ) عطفٌ على ما قبلَه، وهوَ قولُه ﷺ : "إنَّ أخا صُداءٍ قدْ أذنَ"، ([فهو]) (٤) يقيمُ. وضعفهُ أيضًا) أي كما ضعفَ ما قبلَه. قالَ الترمذيُّ (٥): إنَّما يعرفُ منْ حديثِ زيادِ بن أَنْعُمَ الإفْريقيِّ، وقدْ ضعفهُ القطانُ وغيرُه. وقالَ البخاريُّ: هوَ مقاربُ الحديثِ، وضعفهُ أبو حاتمٍ وابنُ حبانَ، وقالَ الترمذيُّ (٦): والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ أن مَنْ أذنَ فهوَ يقيمُ. والحديثُ دليلٌ على أن الإقامةَ حقٌّ لمنْ أذنَ فلا تصحُّ منْ غيرِهِ، وعليهِ الهادويةُ، وعضدَ حديثَ البابِ حديثُ ابن عمرَ بلفظٍ: "مهلًا يا بلالُ، فإنَّما يقيمُ مَنْ أذنَ"، أخرجهُ الطبراني (٧)، والعقيليُّ (٨)، وأبو الشيخِ (٩)،

стр. 468

وإنْ كانَ قدْ ضعفهُ أبو حاتمٍ (١)، وابنُ حبانَ (٢). وقالتِ الحنفيةُ وغيرُهمْ: تجزئُ إقامةُ غيرِ مَنْ أذنَ؛ لعدمِ نهوضِ الدليلِ على ذلكَ ولما يدلُّ لهُ: ٢٤/ ١٩٠ - وَلأَبِي دَاوُدَ (٣) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ - يَعْني الأَذَانَ - وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ، قَالَ: "فَأقِمْ أَنْتَ"، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. [ضعيف] (وَلأَبي دَاوُدَ [مِنْ] (٤) حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ) [أي] (٥): ابن عبد ربهِ الذي تقدمَ حديثه أولَ البابِ (أنهُ قالَ) أي: النبيُّ ﷺ لما أمرهُ أن يلقيهُ على بلالٍ (أنا رأيتهُ - يعني الأذانَ -) في المنامِ، (وأنا كنت أريده، قالَ: فأقمْ أنت. وفيهِ ضعفٌ [أيضًا]) (٦) لمْ يتعرضِ الشارحُ ﵀ لبيانِ وجههِ، ولا بيَّنَه أبو داودَ بلْ سكتَ عليهِ، لكنْ [ذكرَ] (٧) الحافظُ المنذريُّ (٨) أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (٩) أن في إسنادِه ومتنهِ اختلافًا. وقالَ أبو بكرٍ الحازمي: في إسنادهِ مقالٌ، وحينئذٍ فلا يتمَّ بهِ الاستدلالُ. نعمْ الأصلُ جوازُ كونِ المقيمِ غيرَ المؤذنِ، والحديثُ يقوي ذلكَ الأصلَ. ٢٥/ ١٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ

стр. 469

بِالأذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ"، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ (١) وَضَعَّفَهُ. [ضعيف] - وَللْبَيْهَقِيِّ (٢) نَحْوُهُ عَنْ عَليٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ. [ضعيف] (وَعَنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : المؤذنُ أملكُ بالأذانِ) أي وقته موكولٌ إليه، لأنهُ أمينٌ عليهِ (والإمامُ أملكُ بالإقامةِ) فلا يقيمُ إلَّا بعدَ إشارتهِ (رواهُ ابن عديٍّ (٣). ترجمة ابن عدي هوَ الحافظُ الكبيرُ الإمامُ الشهيرُ أبو أحمدَ عبدُ اللهِ بنُ عديٍّ الجرجانيُّ، ويعرفُ أيضًا بابنِ القصارِ صاحبُ كتابِ الكاملِ في الجرْحِ والتعديلِ، كانَ أحدَ الأعلامِ، ولدَ سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومائتينِ، سمعَ على خلائقَ وعنهُ أممٌ. قالَ ابنُ عساكر: كان ثقةً على لحْنٍ فيهِ. قالَ حمزةُ السهميُّ: كانَ ابنُ عديٍّ حافظًا متقنًا لم يكنْ في زمانهِ أحدٌ مثلَه. قالَ الخليليُّ: كانَ عديمَ النظيرِ حِفْظًا وجلالةً، سألتُ [عنه محمد بن] (٤) عبدَ اللهِ بن محمدٍ الحافظَ فقالَ: زرُّ قميصِ بن عديٍّ أحفظُ منْ عبدِ الباقِي بن قانعٍ، تُوفيَ في جُمَادَى الآخرةِ سنةَ خمسٍ وستينَ وثلثمائةٍ، (وضعفهُ) لأنهُ أخرجهُ في ترجمةِ شريكٍ القاضي، وتفردَ بهِ شريكٌ. وقالَ البيهقيُّ (٥): ليسَ بمحفوظٍ، ورواهُ أبو الشيخِ (٦) وفيهِ ضعفٌ.

стр. 470

والحديثُ دليلٌ على أن المؤذنَ أملكُ بالأذانِ، أي [أن] (١) ابتداءَ وقتِ الأذانِ إليهِ لأنهُ [الأمينُ] (٢) على الوقتِ والموكولُ بارتقابهِ، وعلى أن الإمامَ أملكُ بالإقامةِ فلا يقيمُ إلَّا بعدَ إشارةِ الإمام بذلكَ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٣): "إِذَا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تقومُوا حتى تَرَوْني"، فدلَّ على أن المقيمَ يقيمُ وإنْ لم يحضرِ الإمامُ، فإقامتُه غيرُ متوقفةٍ على إذْنهِ كذَا في الشرح، ولكنْ قدْ وردَ "أنهُ كانَ بلالٌ قبلَ أنْ يقيمَ يأتي إلى منزلهِ ﷺ بالصلاةِ" (٤). والإيذانُ لها بعدَ الأذانِ استئذانٌ في الإقامةِ. وقالَ المصنفُ: إنَّ حديثَ البخاريِّ معارضٌ بحديثِ جابرِ بن سمرةَ: "أن بلالًا كان لا يقيمُ حتَّى يخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ " (٥). قالَ: ويُجمعُ بينَهما بأنَّ بلالًا كانَ يراقبَ وقتَ خروجِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا رآهُ [يشرعُ] (٦) في الإقامةِ قبل أنْ يراهُ [عامة] (٧) الناسِ، [فإذا] (٨) رأوهُ قامُوا اهـ. وأمَّا تعيينُ وقتِ قيامِ [المؤتمِّين] (٩) إلى الصلاةِ فقالَ مالكٌ في الموطإِ (١٠): لمْ أسمعْ في قيامِ الناسِ حينَ تقامُ الصلاةُ حدًا محدودًا إلا أني أَرَى ذلكَ على طاقةِ الناسِ، فإنَّ منهمُ الثقيلَ والخفيفَ. وذهبَ الأكثرونَ إلى أن الإمامَ إنْ كان معَهم في المسجدِ لم

стр. 471

يقومُوا حتى تفرغَ الإقامةُ. وعنْ أنسٍ أنهُ كانَ يقومُ إذا قالَ المؤذنُ: قدْ قامتِ الصلاةُ، رواهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه. وعنِ ابن المسيبِ إذا قالَ المؤذنُ: اللهُ أكبرُ وجبَ القيامُ، وإذا قالَ: حيَّ على الصلاةِ عدلتِ الصفوفُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ كبَّرَ الإمامُ، ولكنَّ هذا رأيٌ منهُ لمْ يذكرْ فيهِ سنةً، (وللبيهقيِّ نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرةَ (عنْ عليٍّ ﵇ مِنْ قولهِ). الدعاء بين الأذان والإقامة ٢٦/ ١٩٢ - وَعَنْ أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُرَدُّ الدعَاءُ بَينَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). [صحيح] - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ - حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ -: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَنسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامةِ. رواه النسائي، وصحَّحهُ ابن خزيمةَ). والحديثُ في مرفوعِ سننِ أبي داودَ (٤) أيضًا. ولفظهُ هكذَا: عنْ أنسِ بن مالكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذانِ والإقامةِ" اهـ. ثم قال المنذريُّ (٥): وأخرجهُ الترمذيُّ (٦)، والنسائيُّ في

стр. 472

عمل [اليومِ والليلةِ] (١) اهـ. والحديثُ دليلٌ على قَبولِ الدعاءِ في هذهِ المواطنِ إذْ عدمُ الردِّ يرادُ بهِ القبولُ والإجابةُ، ثمَّ هوَ عامٌّ لكلِّ دعاءٍ، ولا بدَّ منْ تقييدهِ بمَا في الأحاديثِ غيرِهِ منْ أنهُ ما لمْ يكنُ دعاءً بإثمٍ أوْ قطيعةِ رحمٍ. هذا وقدْ وردَ تعيينُ أدعيةٍ تقالُ بعدَ الأذانِ، وهوَ ما بينَ الأذانِ والإقامةِ [الأول] (٢) أن يقولَ: "رضيتُ باللهِ رَبًّا وبالإسلامِ دِينًا وبمحمدٍ رسولًا"، قالَ ﷺ : " [إنَّ] (٣) منْ قالَ ذلكَ غُفِرَ لهُ ذنبُه" (٤). الثاني: أنْ يصلِّيَ على النبيِّ ﷺ بعدَ فراغهِ منْ إجابةِ المؤذنِ. قالَ ابنُ القيمِ في الهدي: [و] (٥) أكملُ ما يصلَّى بهِ ويصلُ إليهِ كما علَّمَ أمتهُ أن يصلُّوا عليهِ، فلا صلاةَ عليهِ أكملُ منْها. قلتُ: وستأتي صفتُها في كتابِ الصلاةِ (٦) إنْ شاءَ اللهُ تعالى. الثالثُ: أنْ يقولَ بعدَ صلاتهِ عليهِ: "اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدْتَهُ". [و] (٧) هذَا في صحيح البخاري (٨). وزادَ غيرُهُ (٩): "إنكَ لا تخلفُ الميعادَ".

стр. 473

الرابعَ: أنْ يدعوَ لنفسهِ بعدَ ذلكَ، ويسألَ الله مِنْ فضلِهِ كما في السننِ (١) عنهُ ﷺ : "قلْ: [مثلَما يقولُ] (٢) أي: [المؤذنُ] (٣)، فإذا انتهيتَ فسلْ تعطه"، وَرَوَى أحمدُ بنُ حنبلٍ (٤) [عنهُ ﷺ ] (٥) أنهُ [قالَ] (٥): "مَنْ قالَ حينَ ينادي المنادِي: اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ القائمةِ، والصلاةِ النافعةِ صلِّ على محمدٍ وارضَ عنهُ رضًا لا سُخْطَ بعدَه استجابَ اللهُ دعوتَه". وأخرجَ الترمذيُّ (٦) مِنْ حديثِ أم سلمةَ ﵂ قالتْ: "علمني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أقولَ عندَ أذانِ المغربِ: اللهمَّ هذَا إقبالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهارِكَ وأصوَاتُ دُعَاتِكَ فاغفرْ لي". وأخرجَ الحاكمُ (٧) عنْ أبي أمامةَ يرفعهُ قالَ: "كانَ إذا سمعَ المؤذنَ قالَ: اللهمَّ ربَ هذهِ الدعوةِ المستجابةِ المستجابِ لها، دعوةِ الحقِّ، وكلمةِ التقوى، توفَّني عليْها، وأحيني عليْها، واجعلْني مِنْ صالحي أهلِها عملًا يومَ القيامةِ". وقدْ عيَّنَ ﷺ ما يُدْعَى بهِ أيضًا لما قالَ: "الدُّعَاءُ بينَ الأذَانِ والإقامَةِ لا

стр. 474

يُرَدُّ"، قالُوا: فما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ". قالَ ابنُ القيمِ (١): إنهُ حديثٌ صحيحٌ (٢). وذكرَ البيهقيُّ (٣) أنهُ ﷺ كانَ يقولُ عندَ كلمةِ الإقامةِ: "أقامَها اللهُ وأدامَها". وفي المقامِ أدعيةٌ أخَرُ. * * *

стр. 475

[الباب الثالث] بابُ شروطِ الصلاة الشرطُ لغةً: العلامةُ، ومنهُ قولُه تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١) أي: علاماتُ الساعةِ، وفي لسانِ الفقهاءِ: ما يلزمُ مِنْ عدمِه العدمُ. ١/ ١٩٣ - عَنْ عَليِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وليتوضأ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ"، رَوَاهُ الْخَمْسَة (٢) وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٣). [ضعيف] (عَنْ عليِّ بن طلقٍ) تقدمَ طلقُ بنُ عليٍّ في نواقضِ الوضوءِ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: (٤) أظنهُ والدَ طلقِ بن علي الحنفيِّ. ومالَ أحمدُ والبخاريُّ إلى أن عليَّ بنَ طلقٍ، وطلقُ بنُ عليٍّ اسمٌ لذاتٍ واحدةٍ. (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إِذَا فَسَا أحدُكُم في الصَّلَاةِ) [- أي في صلاته كما يشعر به السياق -] (٥) (فلينصرف وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن حبانَ)، كأنهُ عبرَ بهذهِ العبارةِ اختصارًا وإلَّا فأصلُها: "وأخرجهُ ابنُ حبانَ

стр. 476

وصححهُ". وقدْ تقدمتْ لهُ هذهِ العبارةُ مرارًا، ويحتملُ أن ابنَ حبانَ صححَ أحاديثَ أخرجَها غيرُهُ، ولم يخرجْها هوَ، وهوَ بعيدٌ. وقدْ أعلَّ الحديثَ ابنُ القطانِ بمسلمِ بن سلامٍ الحنفي، فإنهُ لا يُعْرَفُ. وقالَ الترمذيُّ (١): قالَ البخاريُّ: لا أعلمُ لعليِّ بن طلقٍ غيرَ هذا الحديثِ الواحدِ. والحديثُ دليلٌ على أن الفساءَ ناقضٌ للوضوءِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ، ويقاسُ عليهِ غيرُهُ منَ النواقضِ، وأنهُ تبطلُ بهِ الصلاةُ. وقدْ تقدمَ حديثُ عائشةَ (٢) فيمنْ أصابهُ قيءٌ في صلاتهِ أو رُعافٌ؛ فإنهُ ينصرفُ ويبني على صلاتهِ حيثُ لمْ يتكلمْ وهوَ معارضٌ لهذَا (٣). وكلٌّ منهمَا فيهِ مقالٌ، والشارحُ جنحَ إلى ترجيحِ هذَا قالَ: لأنهُ مثبتٌ لاستئنافِ الصلاةِ، وذلكَ نافٍ، وقدْ يقالُ: هذا نافٍ لصحةِ الصلاةِ وذلكَ مثبتٌ لها، فالأوْلَى الترجيحُ بأنَّ هذَا قال بصحتِه ابنُ حبانَ، وذلكَ لمْ يقلْ أحدٌ بصحتهِ، فهذَا أرجحُ مِنْ حيثُ الصحةِ (٤). ستر العورة في الصلاة ٢/ ١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). [صحيح] (وَعَنْ عَائشةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: لا يَقْبَل اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ). المرادُ بهَا المكلَّفةُ وإنْ تكلَّفتْ بالاحتلام مثلًا، وإنَّما عبرَ بالحيضِ نظرًا إلى الأغلبِ (إلَّا بخمارٍ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ آَخرهُ راءٌ، هو [هنا] (٧) ما يُغَطَّى بهِ الرأسُ والعُنُقُ.
следующие страницы →