← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 472–511 · переход к 477.

стр. 472

عمل [اليومِ والليلةِ] (١) اهـ. والحديثُ دليلٌ على قَبولِ الدعاءِ في هذهِ المواطنِ إذْ عدمُ الردِّ يرادُ بهِ القبولُ والإجابةُ، ثمَّ هوَ عامٌّ لكلِّ دعاءٍ، ولا بدَّ منْ تقييدهِ بمَا في الأحاديثِ غيرِهِ منْ أنهُ ما لمْ يكنُ دعاءً بإثمٍ أوْ قطيعةِ رحمٍ. هذا وقدْ وردَ تعيينُ أدعيةٍ تقالُ بعدَ الأذانِ، وهوَ ما بينَ الأذانِ والإقامةِ [الأول] (٢) أن يقولَ: "رضيتُ باللهِ رَبًّا وبالإسلامِ دِينًا وبمحمدٍ رسولًا"، قالَ ﷺ : " [إنَّ] (٣) منْ قالَ ذلكَ غُفِرَ لهُ ذنبُه" (٤). الثاني: أنْ يصلِّيَ على النبيِّ ﷺ بعدَ فراغهِ منْ إجابةِ المؤذنِ. قالَ ابنُ القيمِ في الهدي: [و] (٥) أكملُ ما يصلَّى بهِ ويصلُ إليهِ كما علَّمَ أمتهُ أن يصلُّوا عليهِ، فلا صلاةَ عليهِ أكملُ منْها. قلتُ: وستأتي صفتُها في كتابِ الصلاةِ (٦) إنْ شاءَ اللهُ تعالى. الثالثُ: أنْ يقولَ بعدَ صلاتهِ عليهِ: "اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدْتَهُ". [و] (٧) هذَا في صحيح البخاري (٨). وزادَ غيرُهُ (٩): "إنكَ لا تخلفُ الميعادَ".

стр. 473

الرابعَ: أنْ يدعوَ لنفسهِ بعدَ ذلكَ، ويسألَ الله مِنْ فضلِهِ كما في السننِ (١) عنهُ ﷺ : "قلْ: [مثلَما يقولُ] (٢) أي: [المؤذنُ] (٣)، فإذا انتهيتَ فسلْ تعطه"، وَرَوَى أحمدُ بنُ حنبلٍ (٤) [عنهُ ﷺ ] (٥) أنهُ [قالَ] (٥): "مَنْ قالَ حينَ ينادي المنادِي: اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ القائمةِ، والصلاةِ النافعةِ صلِّ على محمدٍ وارضَ عنهُ رضًا لا سُخْطَ بعدَه استجابَ اللهُ دعوتَه". وأخرجَ الترمذيُّ (٦) مِنْ حديثِ أم سلمةَ ﵂ قالتْ: "علمني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أقولَ عندَ أذانِ المغربِ: اللهمَّ هذَا إقبالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهارِكَ وأصوَاتُ دُعَاتِكَ فاغفرْ لي". وأخرجَ الحاكمُ (٧) عنْ أبي أمامةَ يرفعهُ قالَ: "كانَ إذا سمعَ المؤذنَ قالَ: اللهمَّ ربَ هذهِ الدعوةِ المستجابةِ المستجابِ لها، دعوةِ الحقِّ، وكلمةِ التقوى، توفَّني عليْها، وأحيني عليْها، واجعلْني مِنْ صالحي أهلِها عملًا يومَ القيامةِ". وقدْ عيَّنَ ﷺ ما يُدْعَى بهِ أيضًا لما قالَ: "الدُّعَاءُ بينَ الأذَانِ والإقامَةِ لا

стр. 474

يُرَدُّ"، قالُوا: فما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ". قالَ ابنُ القيمِ (١): إنهُ حديثٌ صحيحٌ (٢). وذكرَ البيهقيُّ (٣) أنهُ ﷺ كانَ يقولُ عندَ كلمةِ الإقامةِ: "أقامَها اللهُ وأدامَها". وفي المقامِ أدعيةٌ أخَرُ. * * *

стр. 475

[الباب الثالث] بابُ شروطِ الصلاة الشرطُ لغةً: العلامةُ، ومنهُ قولُه تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١) أي: علاماتُ الساعةِ، وفي لسانِ الفقهاءِ: ما يلزمُ مِنْ عدمِه العدمُ. ١/ ١٩٣ - عَنْ عَليِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وليتوضأ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ"، رَوَاهُ الْخَمْسَة (٢) وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٣). [ضعيف] (عَنْ عليِّ بن طلقٍ) تقدمَ طلقُ بنُ عليٍّ في نواقضِ الوضوءِ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: (٤) أظنهُ والدَ طلقِ بن علي الحنفيِّ. ومالَ أحمدُ والبخاريُّ إلى أن عليَّ بنَ طلقٍ، وطلقُ بنُ عليٍّ اسمٌ لذاتٍ واحدةٍ. (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إِذَا فَسَا أحدُكُم في الصَّلَاةِ) [- أي في صلاته كما يشعر به السياق -] (٥) (فلينصرف وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن حبانَ)، كأنهُ عبرَ بهذهِ العبارةِ اختصارًا وإلَّا فأصلُها: "وأخرجهُ ابنُ حبانَ

стр. 476

وصححهُ". وقدْ تقدمتْ لهُ هذهِ العبارةُ مرارًا، ويحتملُ أن ابنَ حبانَ صححَ أحاديثَ أخرجَها غيرُهُ، ولم يخرجْها هوَ، وهوَ بعيدٌ. وقدْ أعلَّ الحديثَ ابنُ القطانِ بمسلمِ بن سلامٍ الحنفي، فإنهُ لا يُعْرَفُ. وقالَ الترمذيُّ (١): قالَ البخاريُّ: لا أعلمُ لعليِّ بن طلقٍ غيرَ هذا الحديثِ الواحدِ. والحديثُ دليلٌ على أن الفساءَ ناقضٌ للوضوءِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ، ويقاسُ عليهِ غيرُهُ منَ النواقضِ، وأنهُ تبطلُ بهِ الصلاةُ. وقدْ تقدمَ حديثُ عائشةَ (٢) فيمنْ أصابهُ قيءٌ في صلاتهِ أو رُعافٌ؛ فإنهُ ينصرفُ ويبني على صلاتهِ حيثُ لمْ يتكلمْ وهوَ معارضٌ لهذَا (٣). وكلٌّ منهمَا فيهِ مقالٌ، والشارحُ جنحَ إلى ترجيحِ هذَا قالَ: لأنهُ مثبتٌ لاستئنافِ الصلاةِ، وذلكَ نافٍ، وقدْ يقالُ: هذا نافٍ لصحةِ الصلاةِ وذلكَ مثبتٌ لها، فالأوْلَى الترجيحُ بأنَّ هذَا قال بصحتِه ابنُ حبانَ، وذلكَ لمْ يقلْ أحدٌ بصحتهِ، فهذَا أرجحُ مِنْ حيثُ الصحةِ (٤). ستر العورة في الصلاة ٢/ ١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). [صحيح] (وَعَنْ عَائشةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: لا يَقْبَل اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ). المرادُ بهَا المكلَّفةُ وإنْ تكلَّفتْ بالاحتلام مثلًا، وإنَّما عبرَ بالحيضِ نظرًا إلى الأغلبِ (إلَّا بخمارٍ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ آَخرهُ راءٌ، هو [هنا] (٧) ما يُغَطَّى بهِ الرأسُ والعُنُقُ.

стр. 477

(رواهُ الخمسة إلَّا النسائيَّ، وصححة ابن خزيمةَ). وأخرجهُ أحمدُ (١)، والحاكمُ (٢)، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ (٣)، وقالَ: إنَّ وقْفَهُ أشبهُ [بالصواب] (٤). وأعلهُ الحاكمُ (٥) بالإرسالِ. ورواهُ الطبرانيُّ في الصغيرِ والأوسطِ (٦) منْ حديثِ أبي قتادةَ بلفظِ: "لا يقبلُ اللهُ منِ امرأةٍ صلاة حتَّى تُوَارِي زينتَها، ولا منْ جاريةٍ بلغتِ المحيضَ حتى تختمرَ". ونَفْيُ القَبولِ المرادُ بهِ هنا نفي الصحةِ والإجزاءِ. وقدْ يطلق القَبولُ ويرادُ بهِ كونُ العبادةِ بحيثُ يترتبُ عليها الثوابُ، فإذا نَفَى [كانَ نفيًا لما يترتبُ] (٧) عليها منَ الثوابِ لا نفيًا للصحةِ، كما وردَ: "إنَّ الله لا يقبلُ صلاةَ الآبقِ (٨)، ولا مَنْ في جوفهِ خمرٌ" (٩) كذا قيلَ. وقد بيَّنَّا في رسالةِ الإسبالِ

стр. 478

وحواشي [شرحِ] (١) العمدةِ (٢) أن نفي القبولِ يلازمُ نفيَ الصحةِ، وفي قولهِ: "إلَّا بخمارٍ"، ما يدلُّ على أنهُ يجبُ على المرأةِ سترُ رأسِها وعنقِها ونحوهِ مما يقعُ عليه الخمارُ. ويأتي في حديثِ أبي داودَ (٣) منْ حديثِ أمِّ سلمةَ في صلاةِ المرأةِ في درعٍ وخمارٍ ليس عليها إزارٌ، وأنهُ قالَ ﷺ : "إذا كانَ الدرعُ سابغًا يغطي ظهورَ قدميْها"؛ فيدلُّ على أنهُ لا بدَّ في صلاتِها منْ تغطيةِ رأسِها وَرَقَبتِهَا كمما أفادَه حديثُ الخمارِ، ومنْ تغطيةِ بقيةِ بدنِها حتَّى ظهْرِ قدميْها كما أفادَه حديثُ أمِّ سلمةَ، ويباحُ كشفُ وَجْهِهَا حيثُ لمْ يأتِ دليل بتغطيتهِ، والمرادُ كشفهُ عندَ صلاتِها بحيثُ لا يَرَاها أجنبيٌّ، فهذهِ عورتُها في الصلاةِ، وأما عورتُها بالنظرِ إلى نظرِ الأجنبيِّ إليها فكلها عورةٌ ما يأتي تحقيقُه. وذِكرُه هنا وجَعْلُ عورتِها في الصلاةِ هي عورتُها بالنظرِ إلى نظرِ الأجنبي، وذكرُ الخلافِ في ذلكَ ليسَ محلُّه هنا؛ إذْ لَها عورةٌ في الصلاة، وعورةٌ في نظرِ الأجانبِ، والكلامُ [الآن] (٤) في الأولِ والثاني يأتي [في] (٥) محلِّهِ. ٣/ ١٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِف بِهِ في الصَّلاةِ"، وَلمُسْلِمٍ: "فَخَالِفْ بَينَ طَرَفَيهِ، وَاِن كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ [له: إن] (٧) كانَ الثوب واسعًا فالتحفْ بهِ - يعني - في الصلاةِ. ولمسلمٍ: فخالفْ بينَ طرفيهِ)؛ وذلكَ بأنْ يجعلَ شيئًا منهُ على عاتقهِ، (وإنْ كانَ ضيقًا فاتزرْ بهِ. متفقٌ عليهِ). الالتحافُ في معنى الارتداء وهوَ

стр. 479

أن يتزرَ بأحدِ طرفي الثوبِ ويرتدي بالطرفِ الآخرِ. وقولُهُ: (يعْني في الصلاةِ) الظاهرُ أنهُ مدرجٌ منْ كلامِ أحدِ الرواةِ قيَّدَ بهِ أخذًا منَ القصةِ؛ فإنَّ فيْها أنهُ قالَ جابرٌ: "جئتُ إليهِ ﷺ وهوَ يصلِّي وعليَّ ثوبٌ فاشتملتُ بهِ وصليتُ إلى جانبهِ، فلما انصرفَ قالَ لي ﷺ : "ما هذَا الاشتمالُ الذي رأيتُ؟ "، قلتُ: كان ثوبٌ، قالَ: "فإنْ كانَ واسعًا فالتحفْ بهِ، وإذَا كانَ ضيقًا فاتزرْ بهِ". فالحديثُ قدْ أفادَ أنهُ إذا كانَ الثوبُ واسعًا التحف بهِ بعدَ اتزاره بطرفيهِ، [وإنْ] (١) كانَ ضيقًا اتزرَ بهِ لسترِ عورتهِ. فعورةُ الرجلِ منْ تحتِ السرةِ إلى الركبةِ على أشهر الأقوالِ. ٤/ ١٩٦ - وَلَهُمَا (٢) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءْ". [صحيح] (ولهمَا) أي الشيخينِ (منْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁: لا يصلِّي أحدُكمْ في الثوبِ الواحدِ ليسَ على عاتقهِ منهُ شيءٌ)، أي إذا كانَ واسعًا كما دلَّ لهُ الحديثُ الأولُ. والمرادُ ألا يتزرَ في وسطهِ، ويشدَّ طرفي الثوبِ في حقويهِ، بلْ يتوشحُ بهِ على عاتقهِ (٣)، فيحصلُ السترُ لأعالي البدنِ. وَحَمَلَ الجمهورُ هذا النهيَ على التنزيهِ، كما حملُوا الأمرَ في قولهِ: "فالتحفْ بهِ" على الندبِ، وحملَهُ أحمدُ على الوجوبِ، وأنَّها لا تصحُّ صلاةُ مَنْ قدرَ على ذلكَ فتركهُ. وفي روايةٍ عنهُ: تصحُّ الصلاةُ ويأثمُ، فجعلَه على الروايةِ الأُوْلَى منَ الشرائطِ، وعلى الثانيةِ منَ الواجباتِ. واستدلَّ الخطابيُّ للجمهورِ بصلاتهِ ﷺ في ثوبٍ واحدٍ كانَ أحدُ طرفيهِ على بعضِ نسائهِ وهي نائمةٌ قالَ: ومعلومٌ أن الطرفَ الذي هوَ لابسُهُ منَ الثوبِ غيرُ متسعٍ لأنْ يتزرَ بهِ ويفضلَ منهُ ما كانَ لعاتقهِ.

стр. 480

قلت: وقدْ يجابُ عنهُ [أن] (١) مرادَ أحمدَ معَ القدرةِ على ثوبٍ آخر لا أنهُ لا تصحُّ صلاتُه، أو يأثمُ، كما صرحَ بهِ قولُه لا تصحُّ صلاةُ مَنْ قدرَ على ذلكَ، ويحتملُ أنهُ في تلكَ الحالةِ لا يقدرُ على غيرِ ذلكَ الثوبِ، بلْ صلاتهُ فيهِ والحالُ أنَّ بعضَهُ على النائمِ أكبرُ دليلٍ على أنهُ لا يجدُ غيرَهُ. ٥/ ١٩٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبيّ ﷺ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ في دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَال: "إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطي ظُهُورَ قَدَمَيهَا"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ. [صحيح] (وَعَنْ أمِّ سَلمةَ: أنَّها سَألَتِ النَّبيَّ ﷺ : أَتُصَلِّي المَرْأَة في دِرْع وَخِمَارٍ بغيرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ) [في النهاية: درع المرأة قميصها] (٣) (سَابِغًا) بسينٍ مهملةٍ فموحدةٍ بعدَ الألفِ فغينٍ معجمةٍ، أي: واسعًا (يغطي ظهورَ قدميْها. أخرجه أبو داودَ، وصححَ الأئمة وقْفَهُ). وقدْ تقدمَ بيانُ معناهُ، ولهُ حكمُ الرفعِ، وإنْ كانَ موقوفًا؛ إذِ الأقربُ أنهُ لا مسرحَ للاجتهادِ [في ذلكَ] (٤). قدْ أخرجهُ مالكٌ (٥)، وأبو داودَ (٦) موقوفًا، ولفظه: عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيَّب ظهور قدميها.

стр. 481

إذا أشكلت عليه القبلة اجتهد وصلَّى ٦/ ١٩٨ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبيّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " (١)، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَضَعَّفَهُ. [حسن]

стр. 482

ترجمة عامر بن ربيعة العنزي (وَعَنْ عَامرِ بن ربيعةَ ﵁) (١) هوَ أبو عبدِ اللهِ عامرُ بنُ ربيعةَ بن مالكٍ العَنْزيُّ، بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ النونِ، وقيلَ: بفتحِها والزاي، نسبة إلى عَنْزِ بن وائلٍ، ويقال له العَدويُّ. أسلمَ قديمًا وهاجرَ الهجرتينِ وشهدَ المشاهدَ كلَّها، ماتَ سنةَ اثنتينِ، أوْ ثلاثٍ، أو خمسٍ وثلاثينَ (قالَ: كنَّا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ في ليلةٍ مظلمةٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَة فَصَلَّيْنَا)، ظاهرُهُ منْ غيرِ نظرٍ في الأماراتِ. (فلمَّا طلعتِ الشمسُ إذا نحن صلَّيْنَا إلى غيرِ القبلةِ فنزلتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أخرجه الترمذيُّ وضعفهُ)؛ لأنَّ فيه أشعثَ بنَ سعيدٍ السمانَ، وهوَ ضعيفُ الحديثُ (٢). والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ صلَّى إلى غيرِ القبلةِ لظلمةٍ أو غيمٍ أنَّها تجزئُه صلاتُه سواءٌ كانَ معَ النظرِ في الأماراتِ والتحرِّي أوْ لَا، وسواءٌ انكشفَ لهُ الخطأُ في الوقتِ أو بعدَه. ويدلُّ لهُ ما رواهُ الطبرانيُّ (٣) منْ حديثِ معاذِ بن جبلٍ قالَ: " [صلَّيت] (٤) معَ رسول اللهِ ﷺ في يومِ غيمٍ في سفرٍ إلى غيرِ القبلةِ، فلمَّا قضَى صلاتَهُ [تجلَّتِ] (٥) الشمسُ، فقلْنا: يا رسول اللهِ صلينَا إلى غيرِ القبلةِ، [فقال] (٦): "قدْ رُفِعَتْ صلاتُكم بحقِّها إلى اللهِ"، وفيهِ أبو عبلةَ وقدْ وثقُه ابنُ حبانَ (٧). وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذَا الحكمِ، فالقولُ بالإجزاءِ مذهبُ

стр. 483

الشعبيِّ، والحنفية، والكوفيينَ فيما عدَا مَنْ صَلَّى بغيرِ تحرٍّ وتيقَّنَ الخطأ؛ فإنهُ حَكَى في البحرِ (١) الإجماعَ على وجوبِ الإعادةِ عليهِ، فإنْ تمَّ الإِجماعُ خصَّ بهِ عمومَ الحديثِ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا تجبُ عليهِ الإعادةُ إذا صلَّى بتحرٍّ وانكشفَ له الخطأُ وقدْ خرجَ الوقتُ، وأما إذا تيقنَ الخطأَ والوقتُ باقٍ وجبتْ عليهِ الإعادةُ لتوجهِ الخطابِ معَ بقاءِ الوقتِ، فإنْ لمْ يتيقَّنْ فلا يأمنُ منَ الخطأ في الآخرِ، فإنْ خرجَ الوقتُ فلا إعادةَ للحديثِ، واشترطُوا التحرِّي إذِ الواجبُ عليهِ تيقنُ الاستقبالِ، فإنْ تعذرَ اليقينُ فعلَ ما أمكنهُ منَ التحزي، فإنْ قصَّرَ فهوَ غيرُ معذورٍ إلَّا إذا تيقَّنَ الإصابةَ. وقالَ الشافعي: تجبُ الإعادةُ عليهِ في الوقتِ وبعدهُ لأنَّ الاستقبالَ واجبٌ قطعًا وحديثُ السريةِ فيهِ ضعيفٌ. قلتُ: الأظهرُ العملُ بخبرِ السريةِ لتقويهِ بحديثِ معاذٍ بلْ هوَ حجةٌ وحدَهُ (٢) والإجماعُ قد عرفَ كثرةُ دعواهم لهُ ولا يصِحُّ. ٧/ ١٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا بَينَ الْمَشرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ (٣)، وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ. [صحيح]

стр. 484

(وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب قِبْلَةٌ. رَوَاه التِّرْمِذِيُّ [وقوَّاه البخاري]) (١). وفي التلخيصِ (٢) حديثُ: "ما بينَ المَشرقِ والمغربِ قبلةٌ" رواهُ الترمذيُّ عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا، وقالَ: حسنْ صحيحٌ. فكانَ عليهِ هنَا أنْ يذكرَ تصحيحَ الترمذيِّ لهُ على قاعدته، ورأيناهُ في الترمذيِّ (٣) بعدَ سياقهِ لهُ بسندهِ، [وساقه] (١) مِنْ طريقينِ حسَّن إحداهُما [وصحَّحَها] (٤) ثم قَالَ: (٥) "وقدْ رويَ عنْ غيرِ واحدٍ مِنَ أصحابِ النبيِّ ﷺ : "ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ"؛ منهمْ: عمرُ بنُ الخطابُ (٦)، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (٧)، وابنُ عباسٍ (٧). وقالَ ابنُ عمرَ: إذا جَعَلْتَ المغربَ عنْ يمينِكَ، والمشرقَ عنْ يسارِكَ فما بينَهما قِبْلةٌ إذا استقبلتَ القبلةَ. وقالَ ابنُ المباركِ: ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلة لأهلِ المشرقِ" اهـ. والحديثُ دليلٌ على أن الواجبَ استقبالُ الجهةِ لا العين في حقِّ مَنْ تعذَّرتْ عليهِ العينُ، وقد ذهبَ إليهِ جماعةٌ منَ العلماءِ لهذا الحديثِ. ووجهُ الاستدلالِ بهِ على ذلكَ أن المرادَ أن بينَ الجهتينِ قبلةً لغيرِ المعاينِ وَمنْ في حكمهِ؛ لأنَّ

стр. 485

المعاينَ لا تنحصرُ قبلتُه بينَ الجهتينِ المشرقِ والمغرب بلْ كلُّ الجهاتِ في حقّهِ سواءٌ متى قابلَ العينَ أوْ شطرَها، فالحديثُ دليلٌ على أن ما بينَ الجهتينِ قبلةً، وأنَّ الجهةَ كافيةٌ في الاستقبالِ، وليسَ فيهِ دليلٌ على أن المعاينَ يتعيَّنُ عليهِ العينُ بلْ لا بدَّ مَن الدليلِ على ذلكَ، وقولُه تعالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) خطابٌ لهُ ﷺ وهوَ في المدينةِ، واستقبالُ العينِ فيْها متعسّرٌ أو متعذرٌ إلا ما قيلَ في محرابهِ ﷺ ، لكنَّ الأمرَ بتوليتهِ وجهَهُ شطرَ المسجدِ الحرام عامٌّ لصلاتهِ في محرابهِ وغيرهِ. وقولُه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١) دالٌّ على كفايةِ الجهةِ؛ إذِ العينُ في كلِّ محلٍّ [تتعذرُ] (٢) على كلّ مصلٍّ، وقولُهم يقسمُ الجهاتِ حتى يحصلَ لهُ أنهُ توجهَ إلى العينِ تَعَمُّقٌ لم يردْ [عليه] (٣) دليل، ولا فعلَهُ الصحابةُ، وهمْ خيرُ قبيلٍ، فالحقُّ أن الجهةَ كافيةٌ ولو لمنْ كانَ في مكةَ وما يليْها. صلاة النافلة على الراحلة صحيحة ٨/ ٢٠٠ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، زَادَ الْبُخَارِيُّ (٥): "يُومِئُ بِرَأسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ في الْمَكْتُوبَةِ". [صحيح] (وَعَنْ عَامِرِ بن رَبيعَةَ ﵁ قَالَ: رأيت رسولَ اللهِ ﷺ يصلِّي على راحلتهِ حيثُ توجهتْ بهِ. متفقٌ عليهِ). هوَ في البخاريِّ (٦) عنْ عامرِ بن ربيعةَ بلفظِ: "كانَ يسبِّحُ على الراحلةِ"، وأخْرجهُ (٧) عن ابن عمرَ بلفظِ: "كان يسبِّحُ على ظهرِ راحلتهِ"، وأخرجَ الشافعيُّ (٨) نحوَهُ منْ حديثِ جابرٍ بلفظِ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يصلِّي وهوَ على راحلتهِ النوافلَ". وقولُهُ: (زَادَ البخاريُّ: يومئُ برأسهِ) أي في سجودهِ وركوعهِ. زادَ ابنُ خزيمةَ (٩): "ولكنهُ يخفضُ السجدتينِ منَ الركعةِ"، (ولم يكنْ

стр. 486

يصنعُه) أي هذَا الفعلَ وهوَ الصلاةُ على ظهرِ الراحلةِ (في المكتوبةِ) أي الفريضةِ. الحديثُ دليلٌ على صحة [صلاةِ] (١) النافلةِ على الراحلةِ، وإنْ فاتهُ استقبالُ القبلةِ. وظاهرُهُ سواءٌ كانَ على محملٍ [أم لا] (٢)، وسواءٌ كانَ السفرُ طويلًا أو قصيرًا، إلا أن في روايةِ رزينٍ في حديثِ جابرٍ زيادةً في سفر القصر، وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء، وقيل: لا يشترط، بل يجوزُ في الحضرِ، وهو مرويٌّ عنْ أنسٍ منْ قولهِ وفعلهِ (٣). والراحلةُ هي الناقةُ. والحديثُ ظاهرٌ في جوازِ ذلكَ للراكبِ، وأمَّا الماشي فمسكوتٌ عنهُ. وقدْ ذهبَ إلى جوازهِ جماعةٌ منَ العلماءِ قياسًا على الراكبِ بجامعِ التيسيرِ للمتطوعِ، إلَّا أنهُ قيلَ لا يُعْفَى لهُ عدمُ الاستقبالِ في ركوعهِ وسجودِه وإتمامِهمَا، وأنهُ لا يمشي إلَّا في قيامهِ وتشهدِه، ولهمْ في جوازِ مشيْهِ عندَ الاعتدالِ منَ الركوعِ قولانِ. وأما اعتدالُه بينَ السجدتينِ فَلا يمشي فيهِ؛ إذْ لا يمشي إلَّا معَ القيامِ وهوَ يجبُ عليهِ القعودُ بينَهمَا، وظاهرُ قولهِ: (حيثُ توجهتَ) أنهُ [لا يَعْتدِلُ] (٤) لأجلِ الاستقبالِ لا في حالِ صلاتهِ، ولا في أولها، إلَّا أن في [الحديث التاسع وهو] (٥) قوله: ٩/ ٢٠١ - وَلأَبي دَاوُدَ (٦) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: "وَكَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ". وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [حسن] (ولأبي داودَ منْ حديثِ أنسٍ: وكانَ إذَا سافرَ فأرادَ أنْ يتطوَّعَ استقبلَ بناقتهِ القبلةَ، [فكبر فصلّى] (٧) حيثُ كانَ وجه رِكَابه. واسنادهُ حسنٌ) ما يدلُّ على أنهُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ يستقبلُ القبلةَ، وهي زيادةٌ مقبولةٌ [حديثها] (٨) حسنٌ فيُعملُ بهَا. وقولُهُ: (ناقتُهُ)، وفي الأولِ (راحلتُه) هما بمعنًى واحدٍ، وليسَ بشرطٍ أنْ يكونَ

стр. 487

ركوبُهُ على ناقةٍ بلْ قدْ صحَّ في روايةِ مسلمٍ (١): ﷺ صلَّى على حمارِه". وقولُهُ: (إذا سافرَ) تقدَّمَ أن السفرَ شرطٌ عندَ بعضِ العلماءِ، وكأنهُ يأخذُهُ منْ هذَا وليس بظاهرٍ في الشرطيةِ، وفي هذا الحديثِ والذي قبلَه أن ذلكَ في النفلِ لا الفرضِ بلْ صرَّحَ البخاريُّ (٢) أنهُ لا يصنَعُهُ في المكتوبةِ إلَّا أنهُ قدْ وردَ في روايةِ الترمذيِّ (٣) والنسائي (٤): "أنهُ ﷺ أتى إلى مضيقٍ هوَ وأصحابه والسماءُ مِنْ فوقهِم، والبلَّةُ من أسفلَ منْهم، فحضرتِ الصلاةُ، فأمرَ المؤذنَ [فأذن] (٥) وأقامَ، ثمَّ تقدمَ رسولُ اللهِ ﷺ على راحلتهِ فصلَّى بهمْ يومئُ إيماءً، [فيجعلُ] (٦) السجودَ أخفضَ منَ الركوعِ". قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ. وثبتَ ذلكَ عنْ أنسٍ منْ فعلِهِ (٧)، وصححهُ عبدُ الحقِّ، وحسنهُ الثوريُّ، وضعفهُ البيهقيُّ. وذهبَ البعضُ إلى أن الفريضةَ تصحُّ على الراحلةِ إذا كانَ مستقبلَ القبلةِ في هودجٍ، ولوْ كانتْ سائرةً كالسفينةِ؛ فإنَّ الصلاةَ تصحُّ فيها إجماعًا (٨). قلتُ: وقدْ يُفَرَّقُ بأنهُ قدْ يتعذرُ في البحرِ وجدانُ الأرضِ، فعُفي عنهُ بخلاف راكب الهودجِ. وأمَّا إذا كانتِ الراحلةُ واقفةً، فعندَ الشافعيِّ تصحُّ الصلاةُ للفريضةِ كما تصحُّ عندهمْ في الأرجوحةِ المشدودةِ بالحبالِ، وعلى السريرِ المحمولِ على الرجالِ إذا كانُوا واقفينَ، والمرادُ منَ المكتوبةِ التي كُتِبَتْ على جميعِ المكلَّفينَ، فلا يردُّ عليهِ أنهُ ﷺ كانَ يوترُ على راحلتِه والوترُ واجبٌ عليهِ.

стр. 488

المواضع المنهي عن الصلاة فيها ١٠/ ٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١). وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح] (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، رَوَاه التِّرْمِذِي. وَلَهُ عِلَّةٌ)؛ وهيَ الاختلافُ في وصْلهِ وإرسالهِ، فرواهُ حمادُ موصولًا عنْ عمروِ بن يحيَى، عنْ أبيهِ، عنْ أبي سعيدٍ، ورواهُ الثوريُّ مرسلًا عنْ عمرِو بن يحيَى، عنْ أبيهِ، عن النبيِّ ﷺ ، وروايةُ الثوريِّ أصحُّ وأثبتُ. وقالَ الدارقطنيُّ (٢): المحفوظُ المرسلُ، ورجحهُ البيهقيُّ. والحديثُ دليلٌ على أن الأرضَ كلَّها تصحُّ فيها الصلاةُ ما عدَا المقبرة، وهي التي تدفنُ فيها الموتَى، فلا تصحُّ فيها الصلاةُ، وظاهرُه سواءٌ كانَ على القبرِ أو بينَ القبورِ، وسواءٌ كانَ قبرَ مؤمنٍ أو كافرٍ، فالمؤمنُ تكرمةً لهُ، والكافرُ بعدًا منْ خبثه، وهذَا الحديثُ يخصِّصُ: "جُعلتْ لي الأرضُ كلُّها مسجدًا" (٣) الحديثُ، وكذلكَ الحمامُ؛ فإنهُ لا تصحُّ فيهِ الصلاةُ، فقيلَ للنجاسةِ فيختصُّ بما فيهِ النجاسةُ منهُ، وقيلَ: تكرهُ لا غيرُ. وقالَ أحمدُ بنُ حنبل: لا تصحُّ فيهِ الصلاةُ ولوْ على سطحهِ، عملًا بالحديثِ. وذهبَ الجمهورُ إلى صحتِها ولكنْ معَ كراهتهِ.

стр. 489

وقدْ وردَ النهيُ معلَّلًا بأنهُ محلُّ الشياطينِ، والقولُ الأظهرُ معَ أحمدَ، ثمَّ ليسَ التخصيصُ لعمومِ حديثِ: "جُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا" (١) بهذينِ المحلينِ فقطْ، بلْ بما يفيدُه الحديثُ الآتي وهوَ قولُهُ: ١١/ ٢٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى "أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنِ: الْمزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ تَعَالى" رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ (٢)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى: أَنْ يُصلى في سبع: الْمزَبْلَةِ) وهي مجتمعُ إلقاءِ الزبلِ، (والمَجْزَرَةِ) محلِّ جَزْرِ الأنعامِ، (والمَقْبَرَةِ) وهما بزنةِ مفعلةٍ بفتحِ العينِ، [وكذا مزبل بفتح الموحدة وجاء ضمها كما في القاموس] (٣) ولحوقِ التاءِ بهما شاذٌّ، (وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) ما تقرعهُ الأقدامُ بالمرورِ عليْها، (والحمَّامِ) تقدمَ فيهِ الكلامُ، (وَمَعَاطنِ) بفتحِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ وكسرِ الطاءِ المهملةِ فنونٍ (الإبلِ)، وهوَ مبركُ الإبلِ حولَ الماءِ، (وفوقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ تعالى، رواهُ الترمذيُّ وضعفهُ)؛ فإنهُ قالَ بعدَ إخراجهِ ما لفظهُ (٤): "وحديثُ ابن عمرَ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقدْ تُكلمَ في زيدِ بن جَبِيرةَ منْ قِبَلِ حفظهِ"، وجبيرةُ بفتحِ الجيمِ وكسرِ الموحدةِ فمثناةٍ تحتيةٍ فراءٍ. وقالَ البخاريُّ (٥) فيهِ: متروكٌ. وقدْ تكلفَ استخراجَ علل للنهي عنْ هذهِ المحلاتِ، فقيلَ: [المقبرةُ] (٦) والمجزرةُ للنجاسةِ، وقارعةُ الطريقِ كذلكَ، وقيلَ: لأنَّ فيه حقًّا للغيرِ، فلا تصحُّ فيها الصلاةُ واسعةً كانتْ أو ضيقةً لعمومِ النهي،

стр. 490

وَمَعَاطِنُ الإبلِ وَرَدَ التعليلُ فيها منصوصًا بأنَّها [مأوى] (١) الشياطينِ، أخرجهُ أبو داودَ (٢)، ووردَ بلفظِ: (مَبَارِكُ الإبلِ)، و [في] (٣) لفظٍ: (مزابلُ الإبلِ)، وفي أَخْرى: (مناخُ الإبلِ)، وهي أعمُّ منْ معاطنِ الإبلِ. وعلَّلُوا النهيَ عن الصلاةِ على ظهرِ بيتِ اللهِ، وقيدوهُ بأنهُ إذا كانَ على طرفٍ بحيثُ يخرجُ [منه] (٤) عنْ هوائِها لمْ تصحَّ صلاتُه وإلَّا صحَّتْ، إلا أنهُ لا يخفَى أن هذَا التعليلَ أبطلَ معنَى الحديثِ؛ فإنهُ إذا لمْ يستقبلْ بطلتِ الصلاةُ لعدمِ الشرطِ لا لكونِها على ظهرِ الكعبةِ، فلوْ صحَّ هذَا الحديثُ لكانَ بقاءُ النهي على ظاهره في جميعِ ما ذُكِرَ هوَ الواجبَ، وكانَ مخصِّصًا لعمومِ: "جعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا" (٥)، لكنْ قدْ عرفتَ ما فيهِ، إِلَّا أن الحديثَ في القبورِ منْ بين هذهِ المذكوراتِ قدْ صحَّ كما يفيدهُ: تحريم الصلاة إلى القبر ١٢/ ٢٠٤ - وَعَنْ أَبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] ترجمة أبي مرثد الغنوي (وَعَنْ أَبي مَرْثَدٍ) (٧) بفتحِ الميمِ وسكونِ الراءِ وفتحِ المثلثةِ (الْغَنَوِيِّ) بفتحِ [الغين] (٨) المعجمةِ والنونِ. وهوَ مَرْثَدُ بنُ أبي مرثدٍ، أسلمَ هوَ وأبوهُ، وشهدَا بدرًا، وقُتِلَ مرثدُ يومَ غزوةِ الرجيعِ شهيدًا في حياتهِ ﷺ .

стр. 491

(قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مَسْلِمٌ)، وفيهِ دليلٌ على النهي عن الصلاةِ [إلى] (١) القبرِ، والأصلُ التحريمُ. ولمْ يذكرِ المقدارَ الذي يكونُ بهِ النهيُ عن الصلاةِ إلى القبرِ. والظاهرُ أنهُ ما يعدُّ مستقبلًا له عُرْفًا. ودلَّ على تحريمِ الجلوسِ على القبرِ. وقدْ وردتْ بهِ أحاديثُ كحديثِ جابرٍ (٢) في وَطءِ القبرِ، وحديثِ أبي هريرةَ: "لأنْ يَجْلِسَ أَحدُكُم على جَمْرَةٍ؛ فَتُحْرِقَ ثيابَهُ، فتخلُصَ إلى جِلْدِهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ أنْ يجلسَ على قبرٍ"، أخرجهُ مسلمٌ (٣). وقدْ ذهبَ إلى تحريمِ ذلكَ جماعةٌ منَ العلماءِ، وعنْ مالكٍ أنهُ لا يكرهُ القعودُ عليْها ونحوُه، وإنَّما النهيُ عن القعودِ لقضاءِ الحاجةِ. وفي الموطأ (٤) عنْ عليّ [بن أبي طالب] (٥) ﵇: "أنهُ كانَ يَتَوَسَّدُ القبرَ ويضطجعُ عليهِ"، ومثلُهُ في البخاريِّ (٦) عن ابن عمر، وعنْ غيرِه. والأصلُ في النهي التحريمُ كما عرفتَ غيرَ مرةٍ، وفعلُ الصحابيِّ لا يعارضُ الحديثَ المرفوعَ إلَّا أنْ يُقَالَ: إنَّ فعلَ الصحابي دليلٌ لحملِ النهي على الكراهةِ ولا يخْفَى بُعدُهُ. الصلاة بالنعلين ١٣/ ٢٠٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا جَاءَ أَحَدْكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى في نَعْلَيهِ أَذى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٨). [حسن]

стр. 492

(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا جَاءَ أَحَدُكمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ) أي نعليهِ كما دلَّ لهُ قولُه: (فَإِنْ رَأَى فلي نَعْلَيْهِ أذًى أَوْ قَذَرًا) شكٌّ منَ الراوي، (فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). اختُلِفَ في وصلِهِ وإرسالِهِ، ورجَّحَ أبو حاتمٍ (١) وصلَه، ورواهُ الحاكمُ منْ حديثِ أنسٍ (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣)، ورواهُ الدارقطنيُّ منْ حديثِ ابن عباسٍ (٤)، وعبدِ اللهِ بن

стр. 493

الشخِّيرِ (١)، وإسنادُهُمَا ضعيفٌ. [وفي] (٢) الحديثِ [دليل] (٣) على شرعيةِ الصلاةِ في النعالِ (٤)، وعلى أن مسحَ النعلِ منَ النجاسةِ مطهرٌ لهُ منَ القذرِ والأذَى، والظاهرُ فيهمَا عندَ الإطلاقِ النجاسةُ سواءٌ كانت [النجاسة] (٥) رطبةً أو جافةً، ويدلُّ لهُ سببُ الحديثِ، وهوَ إخبار جبريلَ لهُ ﷺ أن في نعلهِ أَذًى فخلَعهُ في صلاتهِ واستمرَّ فيهَا؛ فإنهُ سببُ هذَا، وأنَّ المصلِّيَ إذا دخلَ في الصلاةِ وهوَ متلبسٌ بنجاسةٍ غيرُ عالمٍ بها أوْ ناسَيًا لها ثمَّ عرفَ بها في أثناءِ صلاتهِ أنهُ يجبُ عليهِ إزالتُها، ثمَّ يستمرُّ في صَلاتِه ويبني على ما [قد] (٦) صلَّى، وفي الكلِّ خلافٌ إلَّا أنهُ لا دليلَ للمخالفِ يقاومُ [هذا] (٦) الحديثَ فلا نطيلُ بذكرهِ. ويؤيدُ طهوريةَ النعالِ بالمسحِ بالترابِ الحديثُ [الآتي وهوَ] (٦): تطهر النعل بالدَّلك في التراب ١٤/ ٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٨). [صحيح لغيره] (وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الأَذَى بِخفَّيْهِ) أي: [مثلًا أو] (٩) نعليهِ، أوْ أيِّ ملبوسٍ لقدميهِ (فَطَهُورُهمَا) أي: الخفينِ (التُّرَابُ.

стр. 494

أَخْرَجَهُ أَبو دَاودَ وَصَحَّحَه ابْن حِبّانَ)، وأخرجَه ابنُ السكنِ (١)، والحاكمُ (٢)، والبيهقي (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ، وسندُهُ ضعيفٌ. وأخرجهُ أبو داودَ (٤) منْ حديثِ عائشةَ، وفي البابِ غيرُ هذهِ بأسانيدَ لا تخلُو عنْ ضعي إلَّا أنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا. وقدْ ذهبَ الأوزاعيُّ إلى العملِ بهذهِ الأحاديثِ، وكذا النَّخَعِيُّ، وَقَالا: يجزيهِ أنْ يمسحَ خفيهِ إذا كانَ فيهمَا نجاسةٌ بالترابِ ويصلِّي فيهمَا. ويشهدُ لهُ أن أمَّ سلمةَ سألتِ النبيَّ ﷺ فقالتْ: إني أمرأةٌ أطيلُ ذيلي وأمشي في المكانِ القذرِ فقال: "يطهرُهُ ما بعدَهُ". أخرجهُ أبو داودَ (٥)، والترمذيُّ (٦)، وابن ماجَهْ (٧)، ونحوُهُ: "أن امرأةً منْ بني عبدِ الأشهلِ قالتْ: قلتُ يا رسول اللَّهِ، إنَّ لنَا طريقًا إلى المسجدِ منتنةً فكيفَ نفعلُ إذا مُطِرْنا؟ فقال: "أليسَ منْ بعدِها طريقٌ هي أطيبُ منْها؟ "، قلتُ: بلى، قال: "فهذهِ بهذهِ"، أخرجهُ أبو داودَ (٨)، وابنُ ماجَهْ (٩). قال الخطابي (١٠): وفي إسنادِ الحديثينِ مقالٌ وتأولهُ الشافعي بأنهُ

стр. 495

إنَّما هوَ فيما جَرَى على ما كانَ يابِسًا لا يعلقُ بالثوبِ منه شيءٌ. قلت: ولا يناسبُ قولَها إذا مُطِرْنَا. وقالَ مالكٌ: معنى كونِ الأرضِ يُطَهِّرُ بعضُها بعضًا، أنْ يطأَ الأرضَ القذرةَ ثمَّ يصلُ للأرضِ الطيبةِ اليابسةِ؛ فإنَّ بعضَها يطهرُ بعضًا. أما النجاسةُ تصيبُ الثوبَ أو الجسدَ فلا يطهرُها إلا الماءُ قالَ: وهوَ إجماعٌ. قيلَ: ومما يدلُّ لحديثِ البابِ، وأنهُ على ظاهرِه ما أخرجهُ البيهقيّ (١) عنْ أبي المعلَّى عنْ أبيهِ عنْ جدهِ قالَ: "أقبلتُ مع عليّ بن أبي طالبٍ إلى الجمعةِ - وهوَ ماشٍ - فحالَ بينَهُ وبينَ المسجدِ حوضٌ منْ ماءٍ وطينٍ، فخلعَ نعليهِ وسراويلهِ، قالَ: قلتُ: هاتِ يا أميرَ المؤمنينَ أحملْه عنكَ، قالَ: لا، فخاضَ فلما جاوزهُ لبسَ نعليهِ وسراويلَه ثمَّ صلَّى بالناسِ ولمْ يغسلْ رجليهِ". ومنَ المعلومِ أن الماءَ المجتمعَ في القرى لا يخلُو عن النجاسةِ. النهي عن الكلام في الصلاة ١٥/ ٢٠٧ - وَعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرآنِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) هوَ معاويةُ بنُ الحكمِ السّلميُّ كانَ ينزلُ المدينةَ،

стр. 496

وعدادهُ في أهلِ الحجازِ، (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِير، وَقِرَاءَة الْقُرآنِ. رَوَاه مُسْلِمٌ). وللحديثِ سببٌ حاصلُهُ: "أنهُ عطس [في الصلاة] (١) رجلٌ فشمَّتهُ معاويةُ وهوَ في الصلاةِ، فأنكرَ عليهِ مَنْ لديهِ منَ الصحابةِ بما أفهمَه ذلكَ ثمَّ قالَ لهُ النبيُّ ﷺ بعدَ ذلكَ: إنَّ هذهِ الصلاةَ - الحديثُ" ولهُ عدةُ ألفاظٍ. والمرادُ منْ عدمِ الصلاحيةِ عدمُ صِحَّتِها، ومنَ الكلامِ مكالمةُ الناسِ ومخاطبتُهم كما هوَ صريحُ السببِ. فدلَّ على أن المخاطبةَ في الصلاةِ تبطلُها سواءٌ كانتْ لإصلاحِ الصلاةِ أوْ غيرِهَا، وإذا احتيِجَ إلى تنبيهِ [الداخلِ] (٢) فيأتي حكمُهُ وبماذَا [يثبت] (٣). ودلَّ الحديثُ على أن تكلم الجاهلِ في الصلاةِ لا يُبِطلُها، وأنهُ معذورٌ لجهلهِ، فإنه ﷺ لمْ يأمرْ معاويةَ بالإعادةِ. وقولُهُ: (إنَّما هوَ) أي الكلامُ المأذونُ فيهِ في الصلاةِ أو الذي يصلحُ فيْها، (التسبيحُ والتكبيرُ وقراءة القرآنِ)، أي إنَّما يشرعُ فيها ذلكَ وما انضمَّ إليهِ منَ الأدعيةِ ونحوِها [لدليلهِ الآتي وهوَ] (٤): ١٦/ ٢٠٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) فَأمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرقَمَ أنَّهُ قَالَ: إِنْ كنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). والمرادُ ما لا بدَّ منهُ منَ الكلام، كردِّ السلامِ ونحوِهِ، لا أنَّهم كانُوا يتحادثونَ فيها تحادثَ المتجالسينَ، كما يدلُّ لهُ قولُه: (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ

стр. 497

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) وهي صلاةُ العصرِ على أكثرِ الأقوالِ، وقد ادُّعِيَ فيهِ الإجماعُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ). قالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (١): "فيهِ دليلٌ على تحريمِ جميعِ أنواعِ كلامِ الآدميينَ"، وأجمعَ العلماءُ على أن المتكلمَ فيها عامَدًا عالمًا بتحريمهِ لغيرِ مصلحتِها، ولغيرِ إنقاذِ هالكٍ وشبههِ مبطلٌ للصلاةِ، وذكرَ الخلافَ في الكلام لمصلحتِها، ويأتي في شرح حديثِ ذي اليدينِ في أبوابِ السهوِ (٢). وفهمَ الصحابة الأمرَ بالسكوتِ من قولهِ: ﴿قَانِتِينَ﴾، لأنهُ أحدُ معاني القنوتِ، ولهُ أحدَ عشرَ معنى معروفةٌ (٣)، وكأنَّهم أخذُوا خصوصَ هذَا المعنى من القرائنِ، أوْ منْ تفسيرهِ ﷺ لهمْ ذلكَ. والحديثُ فيهِ أبحاثٌ قدْ سُقْنَاها في حواشي شرحِ العمدةِ (٤). فإنِ اضطرَّ المصلِّي إلى تنبيه غيرِه، فقدْ أباحَ لهُ الشارعُ نوعًا منَ الألفاظِ كما يفيدُهُ الحديثُ. ماذا يصنع من نابه أمر وهو في الصلاة ١٧/ ٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التسْبِيحُ للرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، زَادَ مُسْلِمٌ: "في الصَّلاةِ". [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ)، وفي روايةٍ: "إذا نَابَكم أمرٌ فالتسبيحُ للرجالِ". (وَالتَّصْفِيقُ للِنِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: في الصَّلَاةِ)، وهوَ المرادُ منَ السياقِ وإنْ لم ياتِ بلفظهِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ

стр. 498

يُشرعُ لمنْ نابهُ في الصلاةِ أمرٌ منَ الأمورِ كأنْ [يريدَ تنبيهَ الإمامِ على] (١) أمرٍ سَهَا عنْهُ، وتنبيهَ المارّ أو مَنْ يريدُ منهُ أمرًا وهوَ لا يدري أنهُ يصلّي فينبههُ على أنهُ في [صلاةٍ] (٢)، فإنْ كانَ المصلّي رجلًا قالَ: سبحانَ اللَّهِ. وقدْ وردَ في البخاريّ (٣) بهذَا اللفظِ وأُطلِقَ فيما عداهُ (٤). وإنْ كانتِ المصليةُ امرأةً نبهتْ بالتصفيقِ، وكيفيته كما قالَ عيسى بنُ أيوبَ أن تضربَ بأُصبُعَينِ منْ يمينِها على كفّها اليُسرى. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بهذَا الحديثِ جمهورُ العلماءِ، وبعضُهم فَصَّلَ بلا دليلٍ ناهضٍ فقالَ: إنْ كانَ ذلكَ للإعلامِ بأنهُ في صلاةٍ فلا يبطلُها، وإنْ كانَ لغيرِ ذلكَ فإنهُ يبطلُها ولو كانَ فتحًا على الإمامِ، قالُوا: لِما أخرجهُ أبو داودَ (٥) منْ قولهِ ﷺ : "يا علي، لا تفتحْ على الإمامِ في الصلاةِ". وأجيبَ بأنَّ أبا داودَ ضعفهُ بعدَ سياقهِ لهُ، فحديثُ البابِ باقٍ على إطلاقهِ لا تخرجُ منهُ صورةٌ إلا بدليلٍ. ثمَّ الحديثُ لا يدلُّ على وجوبِ التسبيحِ تنبيهًا أو التصفيقِ، إِذْ ليسَ فيه أمرٌ، إلَّا أنهُ قد وردَ بلفظِ الأمرِ في روايةِ (٦): "إذا نابَكَم أمرٌ فليسبّحِ الرجالُ وليصفّق النساءُ". وقدِ اختلفَ في ذلكَ العلماءُ. قالَ شارحُ التقريبِ: الذي ذكرهُ أصحابُنا، ومنْهمُ الرافعيُّ والنوويُّ أنهُ سنةٌ، وحكاهُ عن الأصحابِ ثمَّ قالَ بعدَ [كلامٍ] (٧): والحق انقسامُ التنبيهِ في الصلاةِ إلى ما هوَ واجبٌ ومندوبٌ ومباحٌ بحسبِ ما يقتضيهِ الحالُ. البكاء والأنين لا يبطل الصلاة ١٨/ ٢١٠ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، مِنَ الْبُكَاءِ. أَخْرَجَهُ

стр. 499

الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). [صحيح] ترجمة مطرف بن عبد الله بن الشخير (وَعَنْ مُطَرِّفٍ) (٣) بضمِّ الميمِ، وفتحِ [الطاءِ] (٤) المهملةِ، وتشديدِ الراءِ، المكسورةِ، وبالفاءِ (ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخَيرِ) بكسرِ الشينِ المعجمةِ وكسرِ الخاءِ المعجمةِ المشددةِ، ومطرفٌ تابعيٌّ جليلٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبدِ اللَّهِ بن الشِّخيرِ، وهوَ ممنْ وَفَدَ إلى النبيِّ ﷺ في بني عامرٍ يُعَدُّ في البصريينَ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يصَلِّي وَفي صَدْرِهِ أزِيزٌ) بفتحِ الهمزةِ فزاي مكسورة فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فزاي، وهوَ صوتُ القِدْرِ عندَ غَلَيَانِها (كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ الراءِ وفتحِ الجيمِ، هوَ القِدْرُ، (مِنَ البكَاءِ) بيانٌ للأزيزِ (أَخْرَجَهُ الْخَمْسَة). [همْ عندَهُ على ما ذكرهُ في الخطبةِ مَنْ عدَا الشيخينِ، فهمْ أصحابُ السننِ، وأحمدُ إلَّا أنهُ هنا أرادَ بهمْ غيرَ ذلكَ وهمْ أهلُ السننِ الثلاثةِ، وأحمدُ كما بينهُ بقولهِ] (٥): (إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَه ابْن حِبَّانَ)، وصححهُ أيضًا ابنُ خزيمةَ (٦)، والحاكمُ (٧). ووهمَ مَنْ قالَ: إنَّ مسلمًا أخرجهُ، ومثلُه ما رُوِيَ "أن عمرَ صلَّى صلاةَ الصبحِ وقرأَ سورةَ يوسفَ حتَّى بلغَ إلى قولهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فَسُمِعَ نشيجُهُ"، أخرجهُ البخاريُّ (٨)

стр. 500

مقطوعًا، ووصلهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (١) وأخرجهُ ابنُ المنذرِ (٢). والحديثُ دليلٌ على أن مِثْلَ ذلكَ لا يُبْطلُ الصلاةَ وقِيْسَ عليهِ الأنينُ. ١٩/ ٢١١ - وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لي. رَوَاهُ النَّسَائيُّ (٣)، وَابْنُ مَاجَهْ (٤). [ضعيف] (وَعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ) بفتحِ الميمِ ودالٍ مهملةٍ وخاءٍ معجمةِ، تثنيةُ مَدْخَل بزنِةِ مقتلٍ، أي: وقتانِ أدخلُ عليهِ فيهمَا، (فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وصححهُ ابنُ السكنِ (٥). وقدْ رُويَ بلفظِ (٦): "سبَّحَ" مكانَ "تنحنحَ" منْ طريقٍ أخرى ضعيفةٍ. والحديثُ دليلٌ على أن التنحنحَ غيرُ مبطلٍ للصلاةِ، وقد ذهبَ إليهِ الناصرُ والشافعي عملًا بهذا الحديثِ، وعندَ الهادويةِ أنهُ مفسدٌ إذا كانَ بحرفينِ فصاعدًا إلحاقًا لهُ بالكلامِ المفسدِ، قالُوا: وهذا الحديثُ فيهِ اضطرابٌ، [ولكنْ قدْ سمعتُ أن روايةَ تنحنحَ صحَّحها ابنُ السكنِ، وروايةُ سبَّحَ ضعيفةٌ فلا تتمُّ دعوى الاضطرابِ] (٧). ولو ثبتَ الحديثانِ معًا لكانَ الجمعُ بينهمَا بأنهُ ﷺ كان تارةً يسبِّحُ، وتارةً يتنحنحُ [تنحنحًا] (٨). [ولكن قد عرفت أن رواية تنحنح صحَّحها ابن السكن، ورواية سبح ضعيفة. ولا تتم دعوى الاضطراب؛ إذ لا يكون

стр. 501

الاضطراب إلا في الأحاديث الصحيحة كما علم في علوم الحديث] (١). السلام على المصلي وكيف يرد عليه المصلي ٢٠/ ٢١٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَال: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَصَحَّحَهُ. [صحيح] (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ)، أي على الأنصارِ كما دلَّ لهُ السياقُ (حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هكَذَا، وبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ)، وأخرجهُ أيضًا أحمدُ (٤)، والنسائي (٥)، وابنُ ماجه (٦). وأصلُ الحديثِ "أنهُ خرجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى قباء يصلِّي فيهِ، فجاءتِ الأنصارُ وسلَّمُوا عليهِ، فقلتُ لبلالٍ: كيفَ رأيتَ؟ الحديثَ". ورواهُ أحمدُ (٧) وابنُ حبانَ (٨)، والحاكمُ (٩) أيضًا منْ حديثِ ابن عمرَ "أنهُ سألَ صهيبًا عنْ ذلكَ" بدل بلالٍ. وذكرَ الترمذيّ (١٠) أن الحديثينِ صحيحانِ جميعًا. والحديثُ دليلٌ أنهُ إذا سلَّمَ أحدٌ على المصلِّي ردَّ ﵇ بالإشارةِ دونَ النطقِ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ (١١) عن جابرٍ: أن رسول اللَّهِ ﷺ بعثهُ لحاجةٍ قال: ثمَّ

стр. 502

أدركتهُ وهوَ يصلِّي فسلمتُ عليهِ، فأشارَ إليَّ فلما فرغَ دعاني وقالَ: إنكَ سلَّمتَ [عليَّ] (١)، فاعتذرَ إليهِ بعدَ الردّ بالإشارةِ. و [أمَّا] (١) حديثُ ابن مسعودٍ (٢): "أنَّهُ سلَّمَ عليهِ ﷺ وهوَ يصلِّي فلمْ يردَّ عليهِ ﷺ ، ولا ذكرَ الإشارةَ بلْ قالَ لهُ بعدَ فراغهِ منَ الصلاةِ: "إنَّ في الصلاةِ شغلًا"، إلا أنهُ قدْ ذكرَ البيهقيُّ (٣) في حديثهِ "أنهُ ﷺ أَوْمأَ له برأسهِ". أقوال العلماء في ردِّ السلام في الصلاة على من سلَّم على المصلي وقدِ اختلفَ العلماءُ في ردّ السلامِ في الصلاةِ على مَنْ سَلَّمَ على المصلِّي، فذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ يردُّ باللفظِ، وقالَ جماعةٌ: يردُّ بعدَ السلامِ مِنَ الصلاةِ، وقالَ قومٌ: يردُّ في نفسهِ، وقالَ قومٌ: يردُّ بالإشارة كما أفادهُ هذا الحديثُ، وهذَا هوَ أقربُ الأقوالِ للدليلِ، وما عداهُ لمْ يأتِ بهِ دليلٌ. قيلَ: وهذَا الردُّ بالإشارةِ استحبابٌ بدليلِ أنهُ لمْ يردَّ ﷺ بهِ على ابن مسعودٍ بلْ قالَ لهُ: "إنَّ في الصلاةِ [لشغلًا] (٤) ". قلتُ: قدْ عرفتَ منَ روايةِ البيهقيِّ أنهُ ﷺ ردَّ عليهِ بالإشارةِ برأسهِ، ثمَّ اعتذرَ إليهِ عن الردّ باللفظِ [له] (٥)، لأنهُ الذي كانَ يردُّ بهِ عليهمْ في الصلاةِ فلمَّا حَرُمَ الكلام ردَّ عليهِ ﷺ بالإشارةِ ثمَّ أخبره أن الله أحدث من أمره "أن لا يتكلَّموا في الصلاة"، فالعجب من قول من قال: يرد باللفظِ معَ أنهُ ﷺ قالَ هذا، أيْ: "أن اللَّهَ أحدثَ منْ أمرهِ [أن لا يتكلَّموا في الصلاة] (٥) "في الاعتذارِ عنْ ردّهِ على ابن مسعودٍ السلامَ باللفظِ، وجعلَ ردَّهُ السلامَ في الصلاةِ كلامًا، وأنَّ اللَّهَ نَهَى عنهُ. والقولُ بأنهُ مَنْ سَلَّمَ على المصلِّي لا يستحقُّ جوابًا يعني بالإشارةِ، ولا [باللفظِ] (٦): يردُّهُ رَدَّهُ ﷺ على الأنصارِ، وعلى جابرٍ بالإشارةِ، ولو كانُوا لا

стр. 503

يستحقونَ لأخبرَهم بذلكَ ولم يردَّ عليهمْ. وأما كيفيةُ الإشارةِ ففي المسندِ (١) منْ حديثِ صهيبٍ قالَ: "مررتُ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهوَ يصلِّي فسلَّمتُ عليهِ فردّ عليَّ إشارةً"، قالَ الراوي: لا أعلمهُ إلَّا قالَ: "إشارةً بأصبُعِهِ". وفي حديثِ ابن عمرَ (٢) في وصفهِ لردهِ ﷺ السلامَ على الأنصارِ "أنهُ ﷺ قالَ هكذَا، وبسطَ جعفرُ بنُ عونٍ - الراوي عن ابن عمرَ - كفَّهُ وجعلَ بطنَه أسفلَ، [وجعلَ] (٣) ظهرَهُ إلى فوقٍ"، فتحصلُ منْ هذَا أنه [يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه، أو بيديه، أو بإصبعه، والظاهر أنه واجب لأن الرد بالقول] (٣) واجبٌ وقدْ تعذرَ في الصلاةِ فبقيَ الردُّ بأيِّ ممكنٍ، وقدْ أمكنَ بالإشارةِ وجعلَهُ الشارعُ ردًا، وسماهُ الصحابةُ ردًا، ودخلَ تحتَ قولهِ تعالَى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. وأما حديثُ أبي هريرةَ أنهُ قالَ ﷺ : "مَنْ أشارَ في الصلاةِ إشارةً تفهمُ عنهُ فليُعِدْ صلاتَه" ذكرهُ الدارقطنيُّ (٤)، فهوَ حديثٌ باطلٌ، لأنهُ منْ روايةِ أبي غطفانَ عنْ أبي هريرةَ، وهوَ رجلٌ مجهولٌ. حمل الصبيان في الصلاة وطهارة ثيابهم وأبدانهم ٢١/ ٢١٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَة ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ

стр. 504

حَامِلٌ أُمَامةَ - بِنْتَ زَيْنَبَ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلمُسْلِمٍ (٢): وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ في الْمَسْجِدِ. [صحيح] (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ عَنْه قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يصَلِّي وَهوَ حَامِلٌ أمَامَةَ) بضمِّ الهمزةِ (بِنْتَ زَيْنَبَ)، هي أمُّها؛ وهي زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبوها أبو العاصِ بنُ الربيعِ، (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإذَا قَامَ حَمَلَهَا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلمُسْلِمٍ زيادةٌ: (وَهوَ يَؤُمّ النَّاسَ في الْمَسْجِدِ). في قولهِ: "كان يصلِّي" ما يدلُّ على أن هذه العبارةَ لا تدلُّ على التكرارِ مطلقًا؛ لأنَّ هذَا الحمْلَ لأُمامةَ وقعَ منهُ ﷺ مرةً واحدة لا غيرُ. والحديثُ دليلٌ على أن حمْلَ المصلِّي في الصلاةِ حيوانًا آدميًا أوْ غيرَهُ لا يضرُّ صلاتَهُ، سواءٌ كان ذلكَ لضرورةٍ أو غيرِها، وسواءٌ كانَ في صلاةِ فريضةٍ أو غيرِها، وسواءٌ كانَ إمامًا أو منفردًا. وقدْ صرَّحَ في روايةِ مسمٍ أنهُ كانَ إمامًا فإذَا جازَ في حالِ الإمامةِ جازَ في حالِ الانفرادِ، [وإذا جازَ] (٣) في الفريضةِ جازَ في النافلةِ بالأَولى. وفيهِ دلالةٌ على طهارةِ ثيابِ الصبيانِ وأبدانِهم، وأنهُ الأصلُ ما لمْ تظهرِ النجاسةُ، وأنَّ الأفعالَ التي مثلَ هذهِ لا تبطلُ الصلاةَ؛ فإنهُ ﷺ كانَ يحملُها ويضعُها. وقدْ ذهبَ إليهِ الشافعيُّ، ومنعَ غيرُه منْ ذلكَ وتأولُوا الحديثَ بتأويلات بعيدةٍ منْها أنهُ خاصٌّ بهِ ﷺ ، ومنْها أن أُمامةَ كانتْ تعلقُ بهِ منْ دونِ فعل منهُ، ومنْها أنهُ للضرورةِ، ومنهمْ مَنْ قالَ: إنهُ منسوخٌ. وكلُّها دَعَاوى بغيرِ برهان واضحٍ. وقدْ أطالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ العمدةِ (٤) القولَ في هذَا وزدناهُ إيضاحًا في حواشيْها. لا تبطل الصلاة بقتل الحية والعقرب فيها ٢٢/ ٢١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوا

стр. 505

الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، ولهُ شواهدُ كثيرةٌ (٣). والأسودانِ اسمٌ يطلقُ على الحيةِ والعقرب على أي لونٍ كانَا كما يفيدهُ كلامُ أئمةِ اللغةِ، [فلا] (٤) يُتَوهَّمُ أنهُ خاصٌّ بذي اللونِ الأسودِ فيهمَا. وهوَ دليل على وجوبِ

стр. 506

قتلِ الحيةِ والعقربِ في الصلاةِ إذْ هوَ الأصلُ في الأمرِ. وقيلَ: إنهُ للندبِ، وهو دليلٌ على أنْ الفعلَ الذي لا يتمُّ قتلُهُمَا إلَّا بهِ لا يبطلُ الصلاةَ سواءٌ كانَ بفعلٍ [يسير] (١) أوْ كثيرٍ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن ذلكَ يفسدُ الصلاةَ، وتأَوَّلُوا الحديثَ بالخروجِ منَ الصلاةِ قياسًا [على] (٢) سائرِ الأفعالِ الكثيرةِ التي تَدْعُو إليها الحاجةُ وتعرضُ وهوَ يصلِّي، كإنقاذِ الغريقِ ونحوِه؛ فإنهُ يخرجُ لذلكَ منْ صلاتِهِ، وفيهِ لغيرِهم تفاصيلُ أخرُ لا يقومُ عليْها دليلٌ. والحديثُ حجةٌ للقولِ الأولِ. وأحاديثُ الباب اثنانِ وعشرونَ، [وفي الشرحِ ستةٌ وعشرونَ] (٣). * * *

стр. 507

[الباب الرابع] باب سترة المصلِّي تشديد الوعيد في المرور بين المصلي وسترته ١/ ٢١٥ - عَنْ أَبِي جُهَيمِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ مِنَ الإثْم لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيرًا لهُ مِنْ أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ في الْبَزَّارِ (٢) مِنْ وَجْه آخَرَ: "أَربْعِينَ خَريفًا". [صحيح] (عنْ أبي جُهَيمٍ) بضم الجيمِ، مصغرُ جهمٍ، وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ جهيمٍ. وقيلَ: هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنُ الصِمَّةِ، بكسرِ المهملةِ وتشديدِ الميمِ، الأنصاريِّ، لهُ حديثان [يعني اتفق الشيخان على إخراجهما] (٣) هذا أحدُهما، والآخرُ في السلامِ على مَنْ يبولُ. وقالَ فيهِ أبو داودَ: أبو الجهيمِ بنُ الحارثِ بنُ الصمةِ. وقدْ قيلَ: أن راويَ حديثِ البولِ رجلٌ آخرُ هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ، والذي هنَا عبدُ اللَّهِ بنُ جُهَيْمٍ، وأنَّهما اثنانِ. (قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلَّي مَاذَا عَلَيْهِ الإثم) لفظُ مِنَ الإثم ليسَ منْ ألفاظِ البخاريِّ ولا مسلمٍ، بلْ قال المصنفُ في فتحِ

стр. 508

الباري (١): إنَّها لا توجدُ في البخاري إلَّا عندَ بعضِ رُواتِهِ، وقدحَ فيهِ بأنهُ ليسَ منْ أهلِ العلمِ، قالَ: وقدْ عِيْبَ على الطبريِّ نسبتُها إلى البخاريِّ في كتابه الأحكام، وكذَا عِيْبَ على صاحب العُمدةِ نسبتُها إلى الشيخينِ، معًا اهـ. فالعجبُ [منْ] (٢) نسبةِ المصنفِ لها هنَا إلى الشيخينِ، فقدْ وقعَ لهُ منَ الوهمِ ما وقعَ لصاحبِ العمدةِ، (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ). وليسَ فيهِ ذكرٌ مميزٌ الأربعينَ (ووقَعَ في الْبَزَّارِ) أي منْ حديثِ أبي جهيمٍ (مِنْ وَجْه آخَرَ) أي منْ طريق رجالها غيرِ رجالِ المتفقِ عليهِ (أَرْبَعِينَ خَريفًا) أي عامًا، أُطِلقَ الخريفُ على العامِ منْ إطلاقِ الجزءِ على الكلِّ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ المرورِ بينَ يدي المصلِّي، أي ما بينَ موضع جبهتهِ في سجودهِ وقدميهِ، وقيلَ غيرُ هذَا، وهوَ عامٌّ في كلِّ مصلٍّ فرضًا أوْ نفلًا سواءٌ كانَ إمامًا أو منفردًا، وقيلَ يختصُّ بالإمامِ والمنفردِ إلَّا المأموم فإنهُ لا يضرهُ مَنْ مرَّ بينَ يديهِ، لأنَّ سترةَ الإمامِ سترةٌ لهُ، وإمامهُ سترةٌ لهُ. إلَّا أَنهُ قدْ رُدَّ هذَا القولُ بأنَّ السترةَ إنَّما تَرْفَعُ الحرجَ عن المصلّي لا [عن] (٣) المارِّ، ثمَّ ظاهرُ الوعيدِ يختصُّ بالمارِّ لا بِمنْ وقفَ عامدًا مثلًا بينَ يدي المصلِّي، أوْ قعدَ، أو رَقَدَ. ولكنْ إذا كانتِ العلةُ فيهِ التشويشَ على المصلِّي فهوَ في معنى المارِّ. ٢/ ٢١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ - عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل)، بضم الميمِ وهمزةٍ ساكنةٍ وكسرِ الخاءِ المعجمةِ. وفيْها لغاتٌ أُخرُ (الرَّحْل) هوَ العودُ الذي في آخرِ الرحلِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). وفي الحديث ندبٌ للمصلي إلى اتخاذِ سترةٍ، وأنهُ يكفيهِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ

стр. 509

وهي قدرُ ثُلُثَي ذراعٍ، وتحصلُ بأيِّ شيءٍ أقامهُ بينَ يديهِ، قال العلماءُ (١): ما الحكمة من السترة؟ " والحكمةُ في السترةِ كفُّ البصرِ عما وراءَها، ومنعُ مَنْ [يجتازُ] (٢) بقربهِ". وأُخِذَ مِنْ هذَا أنهُ لا يكفي الخطُّ بينَ يدي المصلّي وإنْ كانَ قدْ جاءَ به حديثٌ أخرجهُ أبو داودَ (٣) إلَّا أنهُ ضعيفٌ مضطربٌ [ويأتي للمصنف تحسينه ورد قول من قال أنه مضطرب] (٤). وقدْ أخذَ بهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ فقال: يكفي الخطُّ. وينبغي لهُ أن يدنُوَ منَ السترةِ ولا يزيدَ ما بينَهُ وبينَها على ثلاثةٍ أذُرع فإنْ لمْ يجدْ عَصًا أو نحوَها جمعَ أحجارًا، أوْ تُرَابًا، أو متاعَهُ. قال النوويُّ (٥): استحبَّ أهلُ العلمِ الدنوَّ مَن السترةِ بحيثُ يكونُ بينَهُ وبينَها قَدْرَ مكانِ السجودِ وكذلكَ بينَ الصفوفِ. وقدْ وردَ الأمرُ بالدنوِّ منْها، وبيانِ الحكمةِ في اتخاذِها، وهوَ ما رواهُ أبو داودَ (٦) وغيرُه منْ حديثِ سهلٍ بن أبي حَثْمَةَ مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدُكُم إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْها، لا يَقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَهُ". ويأتي في الحديثِ الرابع ما يفيدُ ذلكَ. والقول بأنَّ أقلَّ السترةِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ يردُّهُ الحديثُ [الآتي] (٧): مقدار ما يجزئ في السترة ٣/ ٢١٧ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكمْ في الصلاةِ وَلَو بِسَهْم"، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (٨). [حسن]

стр. 510

ترجمة سبرة بن معبد (وَعَنْ سَبْرَةَ) (١) بفتحِ السينِ [المهملة] (٢) وسكونِ الموحدةِ، وهوَ أبو ثُرَيّة، بضمِّ المثلثةِ وفتحِ الراءِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، وهوَ سبرةُ (بن مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ)، سكنَ المدينةَ وعدادُهُ في البصريينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ في الصلَاةِ وَلَوْ بِسَهْم. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ). فيهِ الأمرُ بالسترةِ وحملهُ الجماهيرُ على الندبِ، وعرفتَ أن فائدةَ اتخاذِها أنهُ معَ اتخاذِها لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ، ومعَ عدمِ اتخاذِها يقطعُها ما يأتي. وفي قولهِ: (ولوْ بسهمٍ) ما يفيدُ أنَّها تجزئُ السترةَ غلظتْ أو دقتْ، وأنهُ ليسَ أقلُّها مثلَ مؤخرةِ الرحلِ كما قيلَ. قالُوا: والمختارُ أنْ يجعلَ السترةَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ ولا يصمدُ إليْها. مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود بين يدي المصلي ٤/ ٢١٨ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْطَعُ صَلاةَ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ - إذَا لم يكُنْ بَينَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ - الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأسوَدُ - الحَدِيثَ"، وَفِيهِ: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيطَانٌ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبي ذَرٍّ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ وقدْ تقدمتْ ترجمتُه (٤) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقْطَعُ صَلَاةَ المرءِ الْمُسْلِمِ) أي يفسدُها أو يقلِّلُ ثوابَها (إذَا لم يكُنْ

стр. 511

بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ)، أي مثلًا، وإلَّا فقدْ أجزأَ السهمُ كما عرفتَ، (الْمَرْأَةُ) هوَ فاعلُ يقطعُ أي مرورُ المرأةِ، (وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، الحديث)، أي: أتمَّ الحديثَ. وتمامهُ: "قلتُ: فما بالُ الأسودِ منَ الأحمرِ منَ الأصفرِ من الأبيضِ؟ قالَ: يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عما سألتني [عنه] (١) فقالَ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ". (وفيهِ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ)، الجارُّ يتعلقُ بمقدَّرٍ أي وقالَ [فيه] (٢)، (أَخْرَجَه مُسْلِمٌ)، وأخرجهُ الترمذيُّ (٣)، والنسائيُّ (٤)، وابنُ ماجه (٥) مختَصَرًا ومطولًا. الحديثُ دليلٌ على أنهُ يقطعُ صلاةَ مَنْ لا سترةَ لهُ مرورُ هذهِ المذكوراتِ، وظاهرُ القطعِ الإبطالُ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في العملِ بذلكَ، فقالَ قومٌ: [يقطعهَا] (٦) المرأةُ، والكلبُ الأسودَ دونَ الحمارِ، لحديثٍ وردَ في ذلكَ عن ابن عباس "أنهُ مرَّ بينَ يدي الصفِّ على حمارٍ - والنبيُّ ﷺ يصلِّي - ولمْ يعدِ الصلاةَ، ولا أمرَ أصحابَه بإعادتِها"، أخرجهُ الشيخان (٧). فجعلوهُ مخصَّصًا لما هُنَا. وقال أحمدُ: يقطعُها الكلبُ الأسودُ. قالَ: وفي نفسي منَ المرأةِ والحمارِ، أمَّا الحمارُ فلحديثِ ابن عباسٍ، وأما المرأةُ فلحديثِ عائشةَ عندَ البخاريّ (٨) أنَّها قالتْ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي منَ الليلِ وهيَ معترضةٌ [في قبلته] (٩)؛ فإذا سجدَ غمزَ
следующие страницы →