← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 507–546 · переход к 512.

стр. 507

[الباب الرابع] باب سترة المصلِّي تشديد الوعيد في المرور بين المصلي وسترته ١/ ٢١٥ - عَنْ أَبِي جُهَيمِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ مِنَ الإثْم لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيرًا لهُ مِنْ أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ في الْبَزَّارِ (٢) مِنْ وَجْه آخَرَ: "أَربْعِينَ خَريفًا". [صحيح] (عنْ أبي جُهَيمٍ) بضم الجيمِ، مصغرُ جهمٍ، وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ جهيمٍ. وقيلَ: هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنُ الصِمَّةِ، بكسرِ المهملةِ وتشديدِ الميمِ، الأنصاريِّ، لهُ حديثان [يعني اتفق الشيخان على إخراجهما] (٣) هذا أحدُهما، والآخرُ في السلامِ على مَنْ يبولُ. وقالَ فيهِ أبو داودَ: أبو الجهيمِ بنُ الحارثِ بنُ الصمةِ. وقدْ قيلَ: أن راويَ حديثِ البولِ رجلٌ آخرُ هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ، والذي هنَا عبدُ اللَّهِ بنُ جُهَيْمٍ، وأنَّهما اثنانِ. (قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلَّي مَاذَا عَلَيْهِ الإثم) لفظُ مِنَ الإثم ليسَ منْ ألفاظِ البخاريِّ ولا مسلمٍ، بلْ قال المصنفُ في فتحِ

стр. 508

الباري (١): إنَّها لا توجدُ في البخاري إلَّا عندَ بعضِ رُواتِهِ، وقدحَ فيهِ بأنهُ ليسَ منْ أهلِ العلمِ، قالَ: وقدْ عِيْبَ على الطبريِّ نسبتُها إلى البخاريِّ في كتابه الأحكام، وكذَا عِيْبَ على صاحب العُمدةِ نسبتُها إلى الشيخينِ، معًا اهـ. فالعجبُ [منْ] (٢) نسبةِ المصنفِ لها هنَا إلى الشيخينِ، فقدْ وقعَ لهُ منَ الوهمِ ما وقعَ لصاحبِ العمدةِ، (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ). وليسَ فيهِ ذكرٌ مميزٌ الأربعينَ (ووقَعَ في الْبَزَّارِ) أي منْ حديثِ أبي جهيمٍ (مِنْ وَجْه آخَرَ) أي منْ طريق رجالها غيرِ رجالِ المتفقِ عليهِ (أَرْبَعِينَ خَريفًا) أي عامًا، أُطِلقَ الخريفُ على العامِ منْ إطلاقِ الجزءِ على الكلِّ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ المرورِ بينَ يدي المصلِّي، أي ما بينَ موضع جبهتهِ في سجودهِ وقدميهِ، وقيلَ غيرُ هذَا، وهوَ عامٌّ في كلِّ مصلٍّ فرضًا أوْ نفلًا سواءٌ كانَ إمامًا أو منفردًا، وقيلَ يختصُّ بالإمامِ والمنفردِ إلَّا المأموم فإنهُ لا يضرهُ مَنْ مرَّ بينَ يديهِ، لأنَّ سترةَ الإمامِ سترةٌ لهُ، وإمامهُ سترةٌ لهُ. إلَّا أَنهُ قدْ رُدَّ هذَا القولُ بأنَّ السترةَ إنَّما تَرْفَعُ الحرجَ عن المصلّي لا [عن] (٣) المارِّ، ثمَّ ظاهرُ الوعيدِ يختصُّ بالمارِّ لا بِمنْ وقفَ عامدًا مثلًا بينَ يدي المصلِّي، أوْ قعدَ، أو رَقَدَ. ولكنْ إذا كانتِ العلةُ فيهِ التشويشَ على المصلِّي فهوَ في معنى المارِّ. ٢/ ٢١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ - عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل)، بضم الميمِ وهمزةٍ ساكنةٍ وكسرِ الخاءِ المعجمةِ. وفيْها لغاتٌ أُخرُ (الرَّحْل) هوَ العودُ الذي في آخرِ الرحلِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). وفي الحديث ندبٌ للمصلي إلى اتخاذِ سترةٍ، وأنهُ يكفيهِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ

стр. 509

وهي قدرُ ثُلُثَي ذراعٍ، وتحصلُ بأيِّ شيءٍ أقامهُ بينَ يديهِ، قال العلماءُ (١): ما الحكمة من السترة؟ " والحكمةُ في السترةِ كفُّ البصرِ عما وراءَها، ومنعُ مَنْ [يجتازُ] (٢) بقربهِ". وأُخِذَ مِنْ هذَا أنهُ لا يكفي الخطُّ بينَ يدي المصلّي وإنْ كانَ قدْ جاءَ به حديثٌ أخرجهُ أبو داودَ (٣) إلَّا أنهُ ضعيفٌ مضطربٌ [ويأتي للمصنف تحسينه ورد قول من قال أنه مضطرب] (٤). وقدْ أخذَ بهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ فقال: يكفي الخطُّ. وينبغي لهُ أن يدنُوَ منَ السترةِ ولا يزيدَ ما بينَهُ وبينَها على ثلاثةٍ أذُرع فإنْ لمْ يجدْ عَصًا أو نحوَها جمعَ أحجارًا، أوْ تُرَابًا، أو متاعَهُ. قال النوويُّ (٥): استحبَّ أهلُ العلمِ الدنوَّ مَن السترةِ بحيثُ يكونُ بينَهُ وبينَها قَدْرَ مكانِ السجودِ وكذلكَ بينَ الصفوفِ. وقدْ وردَ الأمرُ بالدنوِّ منْها، وبيانِ الحكمةِ في اتخاذِها، وهوَ ما رواهُ أبو داودَ (٦) وغيرُه منْ حديثِ سهلٍ بن أبي حَثْمَةَ مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدُكُم إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْها، لا يَقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَهُ". ويأتي في الحديثِ الرابع ما يفيدُ ذلكَ. والقول بأنَّ أقلَّ السترةِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ يردُّهُ الحديثُ [الآتي] (٧): مقدار ما يجزئ في السترة ٣/ ٢١٧ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكمْ في الصلاةِ وَلَو بِسَهْم"، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (٨). [حسن]

стр. 510

ترجمة سبرة بن معبد (وَعَنْ سَبْرَةَ) (١) بفتحِ السينِ [المهملة] (٢) وسكونِ الموحدةِ، وهوَ أبو ثُرَيّة، بضمِّ المثلثةِ وفتحِ الراءِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، وهوَ سبرةُ (بن مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ)، سكنَ المدينةَ وعدادُهُ في البصريينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ في الصلَاةِ وَلَوْ بِسَهْم. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ). فيهِ الأمرُ بالسترةِ وحملهُ الجماهيرُ على الندبِ، وعرفتَ أن فائدةَ اتخاذِها أنهُ معَ اتخاذِها لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ، ومعَ عدمِ اتخاذِها يقطعُها ما يأتي. وفي قولهِ: (ولوْ بسهمٍ) ما يفيدُ أنَّها تجزئُ السترةَ غلظتْ أو دقتْ، وأنهُ ليسَ أقلُّها مثلَ مؤخرةِ الرحلِ كما قيلَ. قالُوا: والمختارُ أنْ يجعلَ السترةَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ ولا يصمدُ إليْها. مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود بين يدي المصلي ٤/ ٢١٨ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْطَعُ صَلاةَ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ - إذَا لم يكُنْ بَينَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ - الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأسوَدُ - الحَدِيثَ"، وَفِيهِ: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيطَانٌ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبي ذَرٍّ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ وقدْ تقدمتْ ترجمتُه (٤) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقْطَعُ صَلَاةَ المرءِ الْمُسْلِمِ) أي يفسدُها أو يقلِّلُ ثوابَها (إذَا لم يكُنْ

стр. 511

بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ)، أي مثلًا، وإلَّا فقدْ أجزأَ السهمُ كما عرفتَ، (الْمَرْأَةُ) هوَ فاعلُ يقطعُ أي مرورُ المرأةِ، (وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، الحديث)، أي: أتمَّ الحديثَ. وتمامهُ: "قلتُ: فما بالُ الأسودِ منَ الأحمرِ منَ الأصفرِ من الأبيضِ؟ قالَ: يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عما سألتني [عنه] (١) فقالَ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ". (وفيهِ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ)، الجارُّ يتعلقُ بمقدَّرٍ أي وقالَ [فيه] (٢)، (أَخْرَجَه مُسْلِمٌ)، وأخرجهُ الترمذيُّ (٣)، والنسائيُّ (٤)، وابنُ ماجه (٥) مختَصَرًا ومطولًا. الحديثُ دليلٌ على أنهُ يقطعُ صلاةَ مَنْ لا سترةَ لهُ مرورُ هذهِ المذكوراتِ، وظاهرُ القطعِ الإبطالُ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في العملِ بذلكَ، فقالَ قومٌ: [يقطعهَا] (٦) المرأةُ، والكلبُ الأسودَ دونَ الحمارِ، لحديثٍ وردَ في ذلكَ عن ابن عباس "أنهُ مرَّ بينَ يدي الصفِّ على حمارٍ - والنبيُّ ﷺ يصلِّي - ولمْ يعدِ الصلاةَ، ولا أمرَ أصحابَه بإعادتِها"، أخرجهُ الشيخان (٧). فجعلوهُ مخصَّصًا لما هُنَا. وقال أحمدُ: يقطعُها الكلبُ الأسودُ. قالَ: وفي نفسي منَ المرأةِ والحمارِ، أمَّا الحمارُ فلحديثِ ابن عباسٍ، وأما المرأةُ فلحديثِ عائشةَ عندَ البخاريّ (٨) أنَّها قالتْ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي منَ الليلِ وهيَ معترضةٌ [في قبلته] (٩)؛ فإذا سجدَ غمزَ

стр. 512

رجليْها، فكفتْهُمَا فإذا قامَ بسطتْهُمَا"؛ فلوْ كانتِ الصلاةُ يقطعُها مرورُ المرأةِ لقطعَها اضطجاعُها بينَ يديهِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يقطعُها شيءٌ، وتأولُوا الحديثَ بأنَّ المرادَ بالقطعِ نقضُ الأجرِ لا الإبطالُ. قالُوا: لشغلِ القلب بهذهِ الأشياءِ. ومنهمْ مَنْ قالَ: هذَا الحديثُ منسوخٌ بحديثِ أبي سعيدٍ الآتي (١): "لا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ"، ويأتي الكلامُ عليهِ. وقدْ وردَ: "أنهُ يقطعُ الصلاةَ اليهوديُّ، والنصراني، والمجوسيُّ، والخنزيرُ"، وهوَ ضعيف أخرجهُ أبو داودَ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ وضعَّفَهُ. ٥/ ٢١٩ - وَلَهُ (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ دُونَ الْكَلْبِ. [صحيح] (وَلَهُ)، أي: لمسلمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ) [دُونَ الْكَلْب] (٤)، أي نحوَ حديثِ أبي ذرٍّ (دونَ الكدبِ) كذَا في نسخٍ بلوغِ المرامِ، ويريدُ أن لفظَ الكلبِ لمْ يذكرْ في حّديثِ أبي هريرةَ، ولكنْ راجعتُ الحديثَ فرأيتُ لفظَهُ في مسلمٍ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يقطعُ الصلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ، ويقي [منْ] (٥) ذلكَ مثلُ مؤخِرَةِ الرَّحْلِ". ٦/ ٢٢٠ - وَلأَبِي دَاوُدَ (٦) وَالنَّسَائِيِّ (٧) عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، دُونَ آخِره. وَقَيّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ. [ضعيف]

стр. 513

(وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحوهُ دُونَ آخرِهِ. وَقَيّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ). في أبي داودَ عنْ شعبةَ قالَ: حدثنَا قتادةُ قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ زيدٍ يحدثُ عن ابن عباسٍ رفعهُ شعبةُ قالَ: "يقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ"، وأخرجهُ النسائيُّ (١)، وابنُ ماجه (٢). وقولُهُ: (دونَ آخرهِ) يريدُ أنهُ ليسَ في حديثِ ابن عباسٍ آخرُ حديثِ أبي هريرةَ الذي في مسلمٍ (٣)، وهوَ قولَهُ: "ويقي منْ ذلكَ مِثْلُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ"؛ فالضميرُ في آخرهِ في عبارةِ المصنفِ لآخرِ حديثِ أبي هريرةَ، معَ أنهُ لم يأتِ بلفظهِ كما عرفتَ، ولا يصحُّ أنهُ يريدُ دونَ آخرِ حديثِ أبي ذرٍّ (٤) كما لا يخْفَى منْ أَنَّ حقَّ الضمير عودُهُ إلى الأقرب، ثمَّ راجعتُ سننَ أبي داودَ (٥) وإذا لفظُهُ: "يقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ" اهـ. فاحتملتْ عبارةُ المصنفِ أن مرادَهُ دونَ آخرِ حديثِ أبي ذرٍّ، وهوَ قولُهُ: "الكلبُ الأسودُ شيطانٌ"، أوْ دونَ آخرِ حديثِ أبي هريرةَ، وهوَ ما ذكرناهُ. والأولُ أقربُ؛ لأنهُ ذكرَ لفظَ حديثِ أبي ذرٍّ دونَ لفظِ حديثِ أبي هريرةَ، وإنْ صحَّ أنْ يعيدَ إليهِ الضميرَ، وإنْ لم يذكرْهُ إحالةً على الناظرِ، واللَّه أعلم. وتقييدُ المرأةِ بالحائضِ يقتضي معَ صحةِ الحديثِ حملُ المطلقِ على المقيدِ، فلا تقطعُ إلا الحائضُ كما أنهُ أُطْلِقَ الكلبُ عنْ وصفِهِ بالأسودِ في بعضِ الأحاديثِ، وقيدَ في بعضهِا بهِ، وحملوا المطلقَ على المقيدِ وقالُوا: لا يقطعُ إلَّا الأسودُ، فتعينَ في المرأةِ الحائضِ [والأسود] (٦) حملُ المطلقِ على المقيدِ (٧). يدفع المصلي المار بين يديه بلطف فإن لم يندفع دفعهُ بشدة ٧/ ٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَينَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ،

стр. 514

فَإنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وفي رِوَايَةٍ (٢): "فَإِن مَعَهُ الْقَرِينَ". [صحيح] (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرَيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا صَلَّى أحَدُكمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْترهُ مِنَ النَّاسِ) مما سلفَ تعيينهُ منَ السترةِ وقدْرِها، وقدرِ كَمْ يكونُ بينَها وبينَ المصلِّي (فَأَرَادَ أحَد أَنْ يَجْتَازَ) أي: يمضي (بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ) ظاهرهُ وجوبًا، (فَإِنْ أَبَى) أي عن الاندفاعِ (فَلْيُقَاتِلْه) ظاهرهُ كذلك، (فَإِنَّمَا هوَ شَيْطَانٌ)؛ تعليلٌ للأمرِ بقتالهِ، أو لعدمِ اندفاعهِ، أو لهمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِي رِوَايَةٍ) أي لمسلمٍ منْ حديثِ أبي هريرةَ: (فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ). في القاموسِ (٣): القرينُ الشيطانُ المقرونُ بالإِنسانِ لا يفارقهُ. وظاهرُ كلام المصنفِ أن روايةَ: (فإن معهُ القرينَ) متفقٌ عليْها بينَ الشيخينِ منْ حديثِ أَبي سعيدٍ، ولمْ أجدْها في البخاريِّ، ووجدتُها في صحيحِ مسلمٍ، لكنْ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ. والحديثُ دالٌ بمفهومهِ [على] (٤) أنهُ إذا لمْ يكنْ للمصلِّي سترةٌ فليسَ لهُ دفعُ المارِّ بينَ يديهِ، وإذا كانَ لهُ سترةٌ دفعهُ. قالَ القرطبيُّ: بالإشارةِ ولطيفِ المنعِ، [فإنْ] (٥) لمْ يمتنعْ عن الاندفاعِ قاتلَهُ أي [دفعهُ] (٦) دفْعًا أشدَّ منَ الأولِ. قالَ: وأجمَعُوا أنهُ لا يلزمُ أنْ يقاتلهُ بالسلاحِ لمخالفةِ ذلكَ قاعدةَ الصلاةِ منَ الإقبالِ عليْها، والاشتغالِ بها والخشوع. هذَا كلامُه. وأطلقَ جماعةٌ أن له قتالَه حقيقةً، وهوَ ظاهرُ اللفظِ. والقولُ بأَنهُ يدفعهُ بلعنهِ وسبِّهِ، يردهُ لفظُ هذَا الحديثِ، ويؤيدُه فعلُ أبي سعيدٍ راوي الحديثِ معَ الشابِّ الذي أرادَ أنْ يجتازَ بينَ يديهِ وهوَ يصلِّي، أخرجهُ البخاريّ (٧) عنْ

стр. 515

أبي صالحٍ السمانِ قالَ: "رأيتُ أبا سعيدٍ الخُدريِّ في يومِ جُمعةٍ يُصلّي إلى شيءٍ يَسْترُه منَ الناسِ، فأرادَ شابٌّ منْ بنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يجتازَ بينَ يدِيه فدفعَهُ أبو سعيدٍ في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلمْ يجدْ مَسَاغًا إلَّا بينَ يديهِ فعادَ ليجتازَ فدفعَهُ أبو سعيدٍ أشدَّ منَ الأولى - الحديثَ". وقيلَ يردهُ بأسهلِ الوجوهِ، فإنْ أَبَى فبأشدَّ، ولوْ أدَّى إلى قتلهِ، فإنْ قَتَلَهُ فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ الشارعَ أباحَ قتلَهُ. والأمرُ في الحديثِ، وإنْ كانَ ظاهرُه الإيجابُ لكنْ قالَ النووي (١): لا أعلمُ أحدًا منَ الفقهاءِ قالَ بوجوبِ هذَا الدفعِ، بلْ صرحَ أصحابُنا بأنهُ مندوبٌ. ولكنْ قالَ المصنفُ: قدْ صرحَ بوجوبهِ أهلُ الظاهرِ، وفي قولهِ: (فإنَّما هوَ شيطانٌ) تعليل بأنَّ فعلَه فعلُ الشيطانِ في إرادةِ التشويشِ على المصلِّي، وفيهِ دلالة على جوازِ إطلاقِ لفظِ الشيطانِ على الإنسانِ الذي يريدُ إفسادَ صلاةِ المصلِّي وفِتْنَتِهِ في دينهِ كما قالَ تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٢). وقيلَ: المرادُ بأنَّ الحاملَ لهُ على ذلكَ شيطانٌ، ويدلُّ لهُ روايةُ مسلمٍ (٣): (فإنَّ معهُ القرينُ). وقدِ اختُلِفَ في الحكمةِ المقتضيةِ للأمرِ بالدفعِ فقيلَ: لدفعِ الإثم عن المارِّ، وقيلَ: [لدفعِ الخلل] (٤) الواقعِ بالمرورِ في الصلاةِ، وهذا الأرجحُ لأَنَّ عنايةَ المصلِّي بصيانةِ صلاتِهِ أهمّ منْ دفعهِ الإثمَ عنْ غيرِه. قلتُ: ولو قيلَ: إنهُ لهما معًا لما بَعُدَ فيكونُ لدفعِ الإثمِ عن المارِّ الذي أفادهُ حديثُ: "لو يعلمُ المارُّ" (٥)، ولصيانةِ الصلاةِ عن النقصانِ مِنْ أجرِها، فقدْ أخرجَ أبو نعيم (٦) عنْ عمرَ: "لو يعلمَ المصلي ما ينقصُ منْ صلاتِهِ بالمرورِ بينَ يديهِ ما صلَّى إلَّا إلى شيءٍ يسترهُ مِنَ الناسِ". وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٧)

стр. 516

عن ابن مسعودٍ: "إنَّ المرورَ بينَ يدي المصلِّي يقطعُ نصفَ صلاتهِ"، ولهما حكمُ الرفعِ وإنْ كانا موقوفينِ، إلَّا أنهُ في الأولِ فيمنْ لمْ يتخذْ سترةً، والثاني مطلقٌ فيحملُ عليهِ. وأمَّا مَنِ اتخذَ السترةَ فلا نقصَ في صلاتهِ بمرورِ المارِّ لأنهُ قدْ صرَّحَ الحديثُ أنهُ معَ اتخاذِ السترةِ لا يضرُّهُ مرورُ مَنْ مرَّ، فأمرهُ بدفعهِ للمارِّ لعلَّ وجهَهُ إنكارُ المنكرِ على المارِّ لتعدِّيه ما نهاهُ عنهُ الشارعُ، ولذا يقدَّمُ الأخفُّ على الأغلظِ. ٨/ ٢٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءِ وجْهِهِ شَيئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَن مَرَّ بَينَ يَدَيْهِ"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّان (٣)، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَّرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ (٤). [ضعيف] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخطَّ خَطًا، ثمَّ لَا يَضُرُّهُ مَن مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّان. وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ) وهوَ ابنُ الصلاحِ (٥) (أَنَّهُ مُضْطَّرِبٌ)؛ فإنهُ أوردهُ مثالًا للمضطربِ

стр. 517

[فيهِ] (١). (بَلْ هُوَ حَسَنٌ) ونازعَهُ المصنف في النكتِ. وقدْ صححهُ أحمدُ وابنُ المديني (٢). وفي مختصرِ السننِ (٣) قالَ سفيانُ بنُ عيينةَ: لمْ نجدْ شيئًا نشدُّ بهِ هذَا الحديثَ، ولم يجئْ إلَّا مِنْ هذَا الوجهِ، وكانَ إسماعيلُ بنُ أميةَ إذَا حدَّثَ بهذا الحديثِ يقولُ: هلْ عندكمْ شيءٌ تشدونهُ بهِ؟ وقدْ أشارَ الشافعيُّ إلى ضعفهِ. وقال البيهقيُّ: لا بأسَ بهِ في مثلِ هذا الحكمِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. والحديثُ دليلٌ على أن السترةَ تجزئُ بأي شيءٍ كانتْ. وفي مختصر السنن (٣) قال سفيانُ بنُ عيينةَ: رأيتُ شُرَيكًا صلَّى بِنَا في جنازةٍ العصرَ فوضعَ قَلنْسُوَتَهُ بينَ يدَيهِ (٤). وفي الصحيحينِ (٥) مِنْ روايةِ ابن عمرَ أنهُ ﷺ "كانَ يعرضُ راحلتَهُ فيصلِّي إليها". وقدْ تقدمَ أنهُ [أي المصلِّي] (٦) إِذَا لَمْ يجدْ جَمَعَ ترابًا أو أحجارًا. واختارَ أحمدُ بنُ حنبلٍ أنْ يكونَ الخطُّ كالهلال. وفي قولهِ: (ثمَّ لا يضرُّهُ شيءٌ) ما يدلُّ أنهُ يضرُّهُ إذا لم يفعلْ إمَّا بنقصانٍ منْ صلاتهِ، أو بإبطالِها على ما ذكرَ أنهُ يقطعُ الصلاةَ، إذْ في المرادِ بالقطعِ الخلافُ كما تقدمَ. وهذا فيما إذا كانَ المصلِّي إمامًا أو منفردًا لا إذا كانَ مؤتَمًّا؛ فإنَّ الإِمامَ سترةٌ لهُ أو سترتُه سترةٌ لهُ [كما سلف] (٧) قريبًا. وقد بوبَ لهُ البخاريُّ (٨)، وأبو داودَ (٩). وأخرجَ الطبراني في الأوسطِ (١٠) مِنْ حديثِ أنسٍ مرفُوعًا: "سترةُ الإمامِ [سترةٌ] (١١) لمِنْ خلْفَهُ"، وإنْ كانَ فيهِ ضعيفٌ. واعلمْ أن الحديثَ عامٌ في الأمرِ باتخاذِ السترةِ في الفضاءِ وغيرِه، فقدْ ثبتَ أنهُ ﷺ "كانَ إذا صلَّى إلى جدارٍ جعلَ بينَهُ وبينَهُ قَدْرِ ممرّ الشاةِ" (١٢)، ولمْ يكنْ يتباعدُ منهُ بلْ أمرَ بالقربِ منَ السترةِ، وكانَ إذا صلَّى إلى

стр. 518

عودٍ أو عمود أو شجرةٍ جعلَهُ على جانبهِ الأيمن أو الأيسرِ، ولم يصمدْ لهُ صمْدًا، وكانَ يُرْكِزُ الحربةَ في السفرِ أو العنَزةِ فيصلِّي إليها فتكونُ سترتُهُ، وكانَ يعرضُ راحلتَهُ فيصلِّي إليها. وقاسَ الشافعيةُ على ذلكَ بسطَ المصلِّي لنحوِ سجادةٍ بجامعِ إشعارِ [المار] (١) أنهُ في الصلاةِ وهوَ صحيحٌ. ٩/ ٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وَادْرَأُوا مَا اسْتَطَعْت"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ وَادْرَأُوا مَا اسْتَطَعْتم. أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ). في مختصرِ المنذريِّ (٣): في إسنادهِ مجالدُ، وهوَ ابن سعيدِ بنَ عميرٍ الهمداني الكوفي، وقد تكلمَ فيهِ غيرُ واحدٍ (٤)، وأخرجَ لهُ مسلمٌ حديثًا مقرونًا بغيرِه منْ أصحابِ الشعبيِّ. وأخرجَ نحوَه أيضًا الدارقطني منْ حديثِ أنسٍ (٥) وأبي أمامةَ (٦)، والطبرانيُّ (٧) منْ حديثِ جابرٍ، وفي إسنادِهِما ضعفٌ. وهذَا الحديثُ معارضٌ لحديثِ أبي ذرٍّ وفيهِ: أنهُ يقطعُ صلاةَ مَنْ ليسَ لهُ سترةٌ، المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ. ولما تعارضَ الحديثانِ اختلفَ نظرُ

стр. 519

العلماءِ فيهمَا، فقيلَ: المرادُ بالقطعِ في حديثِ أبي ذرٍّ نقصُ الصلاةِ لشغلِه القلبَ بمرورِ المذكورات، وبعدم القطع في حديث أبي سعيدٍ عدمُ البطلانِ، أي أنهُ لا يبطلُها شيءٌ، وإنْ نقصَ ثوابُها بمرور ما ذكر في حديث أبي ذر. وقيلَ: حديثُ أبي سعيدٍ (١) هذَا ناسخ لحديثِ أبي ذرٍّ، وهذَا ضعيفٌ لأنهُ لا نسخَ معَ إمكانِ الجمعِ لما عرفتَ؛ ولأنهُ لا يتمُّ النسخُ إلَّا بمعرفةِ التاريخِ، ولا يعلمُ هنَا المتقدمُ منَ المتأخرِ، على أنهُ لو تعذرَ الجمعُ بينَهما لرجعَ إلى الترجيحِ، وحديثُ أبي ذرٍّ أرجحُ لأنهُ أخرجهُ مسلمٌ في صحيحهِ، وحديثُ أبي سعيدٍ في سندهِ ضعفٌ كما عرفتَ. * * *

стр. 520

[الباب الخامس] بابُ الحثِّ على الخشوعِ في الصلاة في القاموس (١): الخشوعُ الخضوعُ أو قريبٌ منَ الخضوعِ، أو هوَ في البدنِ، والخشوعُ في الصوتِ، والبصرِ والسكونِ والتذللِ. وفي الشرحِ: الخضوعُ تارةً يكونُ في القلبِ، وتارةً يكونُ من قِبَلِ البدنِ، كالسكوتِ. وقيلَ: لا بدَّ منِ اعتبارهِما. حكاهُ الفخرُ الرازيُّ في تفسيرِه. ويدل على أنهُ منْ عملِ القلبِ حديثُ عليٍّ ﵇: "الخشوعُ في القلبِ"، أخرجهُ الحاكم (٢). قلت: ويدلُّ لهُ حديثُ: "لو خشعَ قلبُ هذَا لخشعتْ جوارحُهُ" (٣)، وحديثُ الدعاءِ في الاستعاذةِ: "وأعوذُ بكَ منْ قلبٍ لا يخشعُ" (٤). وقدِ اختُلِفَ في وجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ؛ فالجمهورُ على عدمِ وجوبهِ. وقدْ أطالَ الغزاليُّ في

стр. 521

الإحياء (١) الكلامَ في ذلكَ، وذكرَ أدلةَ وجوبهِ، وادَّعَى النوويُّ (٢) الإجماعَ على عدمِ وجوبِه. النهي عن الاختصار في الصلاة لأنه فعل اليهود ١/ ٢٢٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ مُخْتَصِرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَل يَدهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ. (عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁: نَهي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هذَا إخبارٌ مِنْ أبي هريرةَ عنْ نهيهِ ﷺ ولمْ يأتِ بلفظهِ الذي أفادَ النهيَ، لكنَّ هذَا لهُ حكمُ الرفعِ (أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ)، ومثلهُ المرأةُ (مُخْتَصِرًا) بضمِ الميمِ وسكونِ الخاءِ المعجمةِ، وفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، فصادٍ مهملةٍ مكسورةٍ فراءٍ، وهوَ منتصِبٌ على الحالِ، وعاملُه يصلِّي، وصاحبُها الرجلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظ لِمسْلِمٍ) وفسَّرهُ المصنفُ [أيضًا] (٤) بقولهِ: (وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَل يَدَهُ) اليُمنَى أو اليُسْرى (عَلَى خَاصِرَتِهِ) كذلكَ، [أي الخاصرةِ اليمنى أو اليسرى] (٤)، أو هُما معًا عليهمَا، إلا أن تفسيرَهُ بما ذكرَ يعارضُهُ ما في القاموسِ (٥) منْ قولهِ: وفي الحديثِ: "المختصِرونُ يومَ القيامةِ على وجوهِهمْ النورُ" (٦)، أي المصلونَ بالليلِ؛ فإذا تعبُوا وضعُوا أيديَهم على خواصرِهم اهـ.

стр. 522

إلا [أنني] (١) لم أجدِ الحديثَ مخرَّجًا؛ فإنْ صحَّ فالجمعُ بينَهُ وبينَ حديثِ الكتابِ أنْ يتوجَه النهيُ إلى مَنْ فعلَ ذلكَ [بغير] (٢) تعب كما يفيدُهُ قولُهُ في تفسيرِه: فإذا تعبُوا، إلَّا أنَّهُ يخالفُه تفسيرُ النهايةِ، فإنهُ قالَ أرادَ أنّهم يأتونَ ومعَهم أعمالٌ صالحةٌ يتكئونَ عليها. في القاموس (٣): الخاصِرَةُ الشاكِلَةُ، وما بينَ الحَرْقَفَةِ والقُصَيْرَى. وفسَّرَ الحَرْقَفَةَ بعظمِ الحجبةِ أي رأسِ الوركِ. وهذا التفسيرُ الذي ذكرَهُ المصنفُ عليهِ الأكثرُ. وقيلَ: الاختصارُ في الصلاةِ هوَ أن يأخذَ بيدِهِ عَصَا يتوكأ عليْها، وقيلَ: أن يختصرَ السورةَ، ويقرأ من آخرِها آية أو آيتينِ. وقيلَ: أن يحذفَ منَ الصلاةِ فلا يمدُّ قيامَها، وركوعَها، وسجودَها، وحدودَها. والحكمةُ في النهي عنهُ بيّنها قولُهُ: ٢/ ٢٢٥ - وَفي الْبُخَارِيِّ (٤) عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذلِكَ فِعْلَ الْيَهُودِ في صَلَاتِهِمْ. [صحيح] (وَفي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ذلِكَ) أي: الاختصارُ في الصلاةِ (فِعْلَ الْيَهُودِ في صَلَاتِهِمْ)، وقدْ نُهِينَا عن التشبهِ بهمْ في جميعِ أحوالِهم، فهذَا وجهُ حكمةِ النهي لا ما قيلَ إنهُ فعلُ الشيطانِ، أوْ إنَّ إبليسَ أُهْبِطَ مِنَ الجنةِ كذلكَ، أوْ إنهُ فِعْلُ المتكبرينَ؛ لأنَّ هذه عللٌ تخمينيةٌ، وما وردَ منصوصًا أي عن الصحابيِّ، [هوَ العمدةُ لأنهُ أعرف] (٥) بسببِ الحديثِ، ويحتملُ أنهُ مرفوعٌ [وهو العمدة] (٦)، وما وردَ في الصحيحِ مقدمٌ على غيرِه لورودِ هذهِ الأشياءِ أثرًا. وفي ذكرِ المصنفِ للحديثِ في بابِ الخشوعِ ما يشعرُ بأنَّ العلةَ في النهي عن الاختصارِ أنهُ ينافي الخشوعَ. يقدم العَشاء إذا حضر على الصلاة ٣/ ٢٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ

стр. 523

فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلوا الْمَغْرِبَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ أنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ) ممدودٌ كسماءٍ، طعامُ العشيِّ كما في القاموس (٢)، (فَابْدَأوا بِهِ) أي بأكلهِ، (قَبْلَ أَنْ تصَلُّوا الْمَغْرِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وقدْ وردَ بإطلاقِ لفظِ الصلاةِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: فيحملُ المطلقُ على المقيدِ، ووردَ بلفظِ (٣): "إذا وُضِعَ العشاءُ وأحدُكم صائمٌ" فلا يقيدُ بهِ لما عرفَ في الأصولِ منْ أن ذكرَ حكم الخاصِّ الموافقِ لا يقتضي تقييدًا ولا تخصيصًا. والحديثُ دالٌّ على إيجابِ تقديمِ أكلِ العَشَاءِ إذا حضرَ على صلاةِ المغربِ. والجمهورُ حملوهُ على الندبِ. وقالتِ الظاهريةُ: بلْ يجبُ تقديمُ أكلِ العَشَاءِ، فلوْ قدمَ الصلاةَ [بطلت] (٤) عملًا بظاهرِ الأمرِ. ثمَّ الحديثُ ظاهرٌ [في] (٥) أنهُ يقدمُ العشاءُ مطلقًا، سواءً كانَ محتاجًا إلى الطعام أوْ لا، وسواءٌ خشيَ فسادَ الطعامِ أو لا، وسواءً كانَ خفيفًا أوْ لَا. وفي [تأويل] (٦) الحديثِ تفاصيلُ أخرُ بغيرِ دليلٍ، بلْ تتبَّعُوا علةَ الأمرِ بتقديمِ الطعامِ فقالُوا: [هوَ] (٧) تشويشُ الخاطرِ بحضورِ الطعامِ، وهو يُفْضِي إلى ترك الخشوعِ في الصلاةِ، وهي علةٌ ليسَ عليْها دليل إلَّا ما يُفْهَمُ مِنْ كلامِ بعضِ الصحابةِ؛ فإنهُ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٨) عنْ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ "أنَّهما كانَا يأكلانِ طعامًا، وفي التنورِ شواءٌ، فأرادَ المؤذنُ أنْ يقيمَ الصلاةَ، فقالَ لهُ ابنُ عباسٍ: لا تعجلْ لا نقوم وفي أنفسِنا منهُ شيءٌ"، وفي روايةٍ (٩): "لئلَّا يعرضُ لنا في صلاتِنا". وله (١٠) عن الحسنِ بن عليّ ﵇ أنهُ

стр. 524

قَالَ: "العَشاءُ قبلَ الصلاة يذهِبُ النفسَ اللوَّامِةَ"، ففي هذهِ الآثارِ إشارةٌ إلى التعليلِ بما ذكرَ. ثمَّ هذا إذا كانَ الوقتُ موسَعًا. واختُلِفَ إذا تضيَّقَ بحيثُ لو قدمَ أكلَ العَشَاءَ خَرجَ الوقتُ فقيلَ: يقدّمُ الأكلَ وإنْ خرجَ الوقتُ محافظةً على تحصيلِ الخشوعِ في الصلاةِ، قيلَ: وهذَا على قولِ مَنْ يقولُ بوجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ، وقيلَ: بلْ يبدأُ بالصلاةِ محافظةً على حرمةِ الوقتِ، وهوَ قولُ الجمهورِ منَ العلماءِ. وفيهِ أن حضورَ الطعامِ عذرٌ في تركِ الجماعةِ عندَ مَنْ أوجبَها وعندَ غيرِهِ. قيلَ: وفي قولهِ: (فابدأوا) ما يشعرُ بأنهُ إذا كانَ حضورُ الصلاةِ وهوَ يأكلُ فلا يتمادى فيهِ. وقد ثبتَ عن ابن عمر (١) أنهُ كانَ إذا حضرَ عشاؤُه وسمعَ قراءةَ الإمامِ في الصلاةِ لمْ يقمْ حتَّى يفرغَ منْ طعامهِ. وقد [قيسَ] (٢) على الطعامِ غيرهُ مما يحصلُ بتأخيرِه تشويشُ الخاطرِ فالأوْلى البَدَاءةُ بهِ. النهي عن تقليب الحصى ومسحه في الصلاة إلا لضرر ٤/ ٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكمُ في الصلاةِ فَلا يَمْسَحُ الْحَصَى، فَإِن الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٣) بِإِسْنَادٍ

стр. 525

صحِيح، وَزَادَ أَحْمَدُ (١): "وَاحِدَةً أَوْ دَعْ". [صحيح] (وَعَنْ أَبي ذرٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَامَ أَحدُكم في [الصلاة] (٢) أي دخلَ فيْها (فلا يَمْسَحُ الحصَى) أي منْ جبهتهِ أوْ من محلِّ سجودهِ، (فإنَّ الرحمةَ تواجههُ. رواة الخمسة بإسنادٍ صحيحٍ، وزادَ أحمدُ) في روايتهِ: (واحدةً أو دعْ). في هذَا النقلِ قلقٌ لأنهُ يفهمُ أنهُ زادَ أحمدُ على هذا اللفظِ الذي ساقهُ المصنفُ، ومعناهُ على هذَا فلا يمسحُ واحدةً أو دعْ وهوَ غيرُ مرادٍ، ولفظُهُ عندَ أحمدَ عنْ أبي ذرٍّ: "سألتُ النبي ﷺ عنْ كلِّ شيءٍ حتَّى سألتُهُ عنْ مسحِ الحصاةِ فقالَ واحدةً أو دعْ" أي امسحْ واحدةً أو اتركِ المسح. فاختصارُ المصنفِ أخلَّ بالمعنَى، كأنهُ اتَّكلَ في بيانِ معناهُ على لفظِه لمنْ عرفَهُ، ولوْ قالَ: وفي روايةٍ لأحمدَ الإذْنُ بمسحةٍ واحدةٍ لكانَ واضحًا. والحديثُ دليلٌ على النهي عنْ مسحِ الحصاةِ بعدَ الدخولِ في الصلاةِ لا قبلَه، فالأوْلَى لهُ أنْ يفعلَ ذلكَ لئَلَّا يشغلَ بالُه وهوَ في الصلاةِ. والتقييدُ بالحصَى أو الترابِ كما في روايةٍ للغالبِ. ولا يدلُّ على نفيهِ عمَّا عداهُ. قيلَ: والعلةُ في النهي المحافظةُ على الخشوعِ كما يفيدهُ سياقُ المصنفِ للحديثِ في هذا البابِ، أوْ لِئَلَّا يكثرُ العملُ في الصلاةِ. وقدْ نص الشارعُ على العلةِ بقولِهِ: فإنَّ الرحمةَ تواجههُ. أي: تكونُ تلقاءَ وجهِهِ فلا يغيرُ ما تعلقَ بوجههِ مِنَ الترابِ والحصَى ولا ما [يسجدُ] (٣) عليهِ، إلَّا أنْ يُولِمَهُ فلهُ ذلكَ ثمَّ النهيُ ظاهرٌ في التحريمِ. ٥/ ٢٢٨ - وَفي الصَّحِيحِ (٤) عَنْ مُعَيْقِيب نَحْوَه بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ. [صحيح] ترجمة معقيب بن أبي فاطمة (وفي الصحيحِ) أي المتفقِ عليهِ (عنْ مُعَيقيب) (٥) بضمّ الميمِ وفتحِ العينِ

стр. 526

المهملةِ والمثناةِ التحتيةِ وكسر القافِ بعدَها تحتيةٌ ساكنة بعدَها موحَّدةٌ، هوَ معيقيبُ بنُ أبي فاطمةَ الدوسيِّ، شهدَ بدرًا وكانَ أسلمَ قديمًا بمكةَ، وهاجرَ إلى الحبشةِ الهجرةَ الثانيةَ، وأقامَ بهَا حتَّى قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وكانَ على خاتمِ النبيِّ ﷺ ، واستعملَهُ أبو بكرٍ ﵁ وعمرُ على بيتِ المالِ، ماتَ سنةَ ستٍ وأربعينَ، وقيلَ في آخرِ خلافةِ عثمانَ، (نحوَهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي ذرٍّ، ولفظُهُ: "لا تمسح الحصَى وأنتَ تصلِّي، فإنْ كنتَ لا بدَّ فاعلًا فواحدةٌ لتسويةِ الحصى" (بغيرِ تعليلٍ) أي: ليسَ فيهِ أن الرحمةَ تواجههُ. كراهة الالتفات في الصلاة ٦/ ٢٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] - وَللتِّرْمِذِيّ (٢) وَصَحّحَهُ: "إِيَّاكِ وَالالْتِفَاتَ في الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَابُدّ فَفي التَّطَوُّعِ". [ضعيف] (وَعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الالتفاتِ في الصلاةِ [قالَ] (٣): هوَ اختلاسٌ) بالخاءِ المعجمةِ فمثناةٍ فوقيةٍ آخرَهُ سينٌ مهملةٌ، هوَ الأخذُ للشيءِ على غفلةٍ، (يختلسهُ الشيطانُ منْ صلاةِ العبدِ. رواهُ البخاريُّ). قالَ

стр. 527

الطيبي (١): سماهُ اختلاسًا لأنَّ المصلِّي يُقْبلُ على ربِّه تَعَالى، [ويترصَّدُ] (٢) الشيطانُ فواتَ ذلكَ عليهِ فإذا التفتَ استلبهَ [ذلكَ] (٣). وهوَ دليل على كراهةِ [الالتفاتِ] (٤) في الصلاةِ، وحملَهُ الجمهورُ على ذلك إذا كانَ التفاتًا لا يبلغُ إلى استدبارِ القبلةِ بصدرهِ أو عنقهِ كلِّه، وإلَّا كانَ مبطلًا للصلاةِ. وسببُ الكراهةِ نقصانُ الخشوعِ كما أفادَهُ إيرادُ المصنفِ للحديثِ في هذا البابِ، أو تركُ استقبالِ القبلةِ ببعض البدنِ، أولما فيه منَ الإعراضِ عن التوجهِ إلى الله تَعَالى كما أفادهُ ما أخرَجهُ أحمدُ (٥) وابنُ ماجهَ (٦) منْ حديثِ أبي ذرٍّ: "لا يزالُ اللَّهُ مقبلًا على العبدِ في صلاتِهِ ما لم يلتفتْ؛ فإذَا صرفَ وجهَهُ انصرفَ" أخرجهُ أبو داودَ (٧)، والنسائيُّ (٨). (وللترمذيِّ) أي: عنْ [عائشةَ] (٩) وصححهُ (إياكِ) بكسرِ الكافِ، لأنهُ خطابُ المؤنثِ، (والالتفاتُ) بالنصبِ لأنهُ محذَّرٌ منهُ (في الصلاةِ فإنهُ هلكةٌ)، لإخلالهِ بأفضلِ العباداتِ. وأيُّ هَلَكَةٍ أعظمُ منْ هلكةِ الدينِ، (فإنْ كانَ لا بدَّ) مِنَ الالتفاتِ (ففي التطوعِ)، قيلَ: والنهيُ عن الالتفاتِ إذا كانَ لغيرِ حاجةٍ وإلَّا فقدْ ثبتَ "أن أبا بكرٍ ﵁ التفتَ لمجيءِ النبيِّ ﷺ في صلاةِ الظهرِ"، "والتفتَ الناسُ لخروجهِ ﷺ في مرضِ موتهِ حيثُ أشارَ إليهمْ، ولوْ لم يلتفتُوا ما علمُوا بخروجهِ ولا إشارتهِ، وأقرَّهم على ذلكَ". لا يبصق المصلي أمامه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه ٧/ ٢٣٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ في

стр. 528

الصَّلاةِ فَإنهُ يُنَاجِي رَبّهُ، فَلَا يَبْصُقَنَّ بَينَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ: "أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : إذا كانَ أحدكم في الصلاةِ؛ فإنه يناجي رَبَّه)، وفي روايةِ في البخاريّ: "فإنَّ ربهُ بينَهُ وبينَ القبلةِ". والمرادُ منَ المناجاةِ إقبالهُ تعالى عليهِ بالرحمةِ والرضوانِ (فلا يبصقنَّ بينَ يديهِ ولا عن يمينهِ) قدْ عُلّلَ في حديث أبي هريرةَ بأن عنْ يمينِهِ مَلَكًا، (ولكنْ عنْ شمالِهِ تحتَ قدمِهِ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ: أو تحتَ قدمِهِ). الحديثُ نَهَى عن البصاقِ إلى جهةِ القبلةِ، أو جهةِ اليمينِ، إذَا كانَ العبدُ في الصلاةِ. وقدْ وردَ النهيُ مطلقًا عنْ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ "رأى نخامةً في جدارِ المسجدِ فتناولَ حصاة فحتَّها وقالَ: إذا تنخَّمَ أحدُكم فلا يتنخمنَّ قِبلَ وجهِهِ ولا عنْ يمينهِ، وليبصقنَّ عنْ يسارهِ، أوْ تحتَ قدمهِ اليسرَى"، متفقٌ عليهِ (٢). وقدْ جزمَ النوويُّ (٣) بالمنع في كل حالةٍ داخلَ الصلاةِ وخارجَها، سواءٌ كانَ في المسجدِ أو غيرهِ. وقدْ أَفادهُ حديثُ أنسٍ في حقِّ المصلِّي إلَّا أن غيرَهُ منَ الأحاديثِ قدْ أفادتْ تحريمَ البُصاقِ إلى القبلةِ مُطْلقًا في مسجد وغيرِهِ، وَلمصلٍ وغيرِهِ؛ ففي صحيحِ ابن خزيمةَ (٤)، وابنِ حبانَ (٥) منْ حديثِ حذيفةَ مرفوعًا: "منْ تَفَلَ تجاهَ القبلةِ جاءَ يومَ القيامةِ وتفلتهُ بينَ عينيهِ". ولابنِ خزيمةَ (٦) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "يبعثُ صاحبُ النخامةِ في القبلةِ

стр. 529

يومَ القيامةِ وهي في وجههِ". وأخرجَ أبو داودَ (١) وابنُ حبانَ (٢) منْ حديثِ السائبِ بن خلادٍ: "أن رجلًا أمَّ قومًا فبصقَ في القبلةِ، فلمَّا فرغَ قالَ رسولُ الله ﷺ : لا يصلِّي [لكمْ] (٣) ". ومِثلُ البصاقِ إلى القبلةِ البصاق عن اليمينِ؛ فإنهُ منْهيٌّ عنهُ مطلقًا أيضًا. وجزم بالمنع منه النووي في كل حال داخل الصلاة وخارجها في مسجد وغيره. وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (٤) عن ابن مسعودٍ: "أنهُ كرهَ أنْ يبصقَ عنْ يمينهِ وليسَ في الصلاةِ". وعنْ معاذِ بن جبل (٥) [قالَ] (٦): "ما بصقتُ عنْ يميني منذُ أسلمتُ". وعنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ (٧) أنهُ نَهَى عنهُ أيضًا. وقدْ أرشدَ ﷺ إلى أي جهةٍ يبصقُ فقالَ: "عنْ شمالِه تحتَ قدمهِ"؛ فبينَ الجهةَ أنَّها جهةُ الشمالِ، والمحلَّ أنهُ تحتَ القدمِ. ووردَ في حديثِ أنسٍ عِندَ أحمدَ ومسلمٍ بعدَ قولِهِ: "ولكنْ عنْ يسارهِ، أو تحتَ قدمهِ - زيادةٌ: ثمَّ أخذَ طرفَ ردائهِ فبصقَ فيهِ وردَّ بعضَهُ على بعضٍ فقالَ: أو يفعلُ هكَذَا". وقولُه: أو تحتَ قدمِه خاصٌّ بمنْ ليسَ في المسجدِ، وأمَّا إذا كانَ فيهِ ففي ثوبهِ لحديثِ: "البصاقُ في المسجدِ خطيئة" (٨)، إلَّا أنهُ قدْ يقالُ: المرادُ البصاقُ إلى جهةِ القبلةِ أو جهةِ اليمينِ خطيئةٌ لا تحتَ القدمِ أوْ عنْ شمالهِ، لأنهُ قدْ أذِنَ فيهِ الشارعُ ولا يأذنُ في

стр. 530

خطيئةٍ. هذَا وقدْ سمعتُ أنهُ علَّلَ ﷺ النهيَ عن البصاقِ على اليمينِ بأنَّ عنْ يمينهِ مَلَكًا فَأُورِدَ سؤالٌ وهوَ: أن على الشمالِ أيضًا مَلَكًا وهوَ كاتبُ السيئاتِ؟ وأجيبَ بأنهُ اختصَّ بذلكَ مَلَك اليمينِ تخصيصًا لهُ وتشريفًا وإكرامًا. وأجابَ بعض المتأخرينَ بأنَّ الصلاةَ أمُّ الحسناتِ البدنيةِ فلا دَخْلَ لكاتبِ السيئاتِ فيْها. واستشهد لذلكَ بما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (١) منْ حديثِ حذيفةَ موقوفًا في هذا الحديثِ: "ولا عنْ يمينهِ؛ فإنَّ عنْ يمينهِ كاتبُ الحسناتِ". وفي الطبرانيِّ (٢) منْ حديثِ أمامةَ في هذا الحديثِ: "فإنهُ يقومُ بينَ يدي اللَّهِ وَمَلَكٌ عنْ يمينهِ وقرينُه عنْ يسارِهِ"، وإذا ثبتَ هذا فالتفْلُ يقعُ على القرينِ وهوَ الشيطانُ، ولعلَّ مَلَكَ اليسارِ [حينئذٍ بحيثُ] (٣) لا يصيبُه شيءٌ منْ ذلكَ أوْ أنهُ يتحولُ في الصلاةِ إلى جهةِ اليمينِ. وجوب إزالة ما يلهي المصلي عن الخشوع ٨/ ٢٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا. فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ ﷺ : "أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لي في صِلَاتي"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [صحيح] (وعنهُ) أي: أنسٍ ﵁ (قالَ: كانَ قِرَام) بكسرِ القافِ وتخفيفِ الراءِ، السترُ الرقيقُ، وقيلَ: الصفيقُ منْ صوفٍ ذي ألوانٍ (لعائشةَ سترتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : أميطي [عنَّا] (٥) أي: أزيلي [عنا] (٦) (قِرَامَكِ هذا؛ فإنهُ لا تزالُ تصاويرُهُ تعرضُ)، بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ وكسرِ الراءِ (لي في صلاتي. رواهُ البخاريُّ). في الحديثِ دلالةٌ على إزالةِ ما يشوِّشُ على المصلِّي صلاتَهُ مما في منزلهِ أو في

стр. 531

محلِّ صلاتهِ. ولا دليلَ فيهِ على بطلانِ الصلاةِ، لأنه لم يُرْوَ أنهُ ﷺ أعادَها، ومثلُهُ: ٩/ ٢٣٢ - وَاتَّفَقَا (١) عَلَى حَدِيثِهَا (٢) في قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ، "فَإِنَّها أَلْهَتْني عَنْ صَلَاتي". [صحيح] (واتفقَا) أي: الشيخانِ (على حديثِها) أي: عائشةَ (في قصةِ أنبجانيةِ) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ النونِ وكسرِ الموحدةِ وتخفيفِ الجيمِ وبعدَ النونِ ياءُ النسبةِ؛ كساءٌ غليظٌ لا عَلَم فيهِ، (أبي جهمٍ) بفتحِ الجيمِ وسكونِ الهاءِ، هو عامرُ بنُ حذيفةَ (وفيهِ: فإنَّها) أي: الخميصةُ "وكانتْ ذاتَ [أعلامٍ] (٣) أهداها لهُ ﷺ أبو جَهْم"؛ فالضميرُ لها، وإنْ لمْ يتقدمْ في كلام المصنفِ ذكرُها. ولفظُ الحديثِ عنْ عائشةَ: "أن النبيَّ ﷺ صلَّى في خميصةٍ لها أعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نظرةً، فلمَّا انصرفَ [قال] (٤): اذهبُوا بخميصتي هذهِ إلى أبي جهمٍ وأتوني بأنبجانيةِ أبي جهم؛ فإنَّها ألهتني آنفًا عنْ صلاتي"، هذا لفظُ البخاريِّ، وعبارةُ المصنفِ تفهمُ أن ضميرَ فإنَّها للأنبجانيةِ، [ومنه يعرف أنه كان الأولى أن يقول المصنف قصة خميصة أبي جهم ألهتني عن صلاتي] (٥) وكذا ضمير (ألهتني عنْ صلاتي) وذلكَ أن أبا جهمٍ أَهْدَى للنبيِّ ﷺ خميصة لها أعلامٌ [كما روى مالكٌ في الموطأِ (٦) عن عائشةَ قالتْ: "أَهْدَى أبو جهمٍ بنُ حذيفةَ إلى رسول الله ﷺ خميصةً لها علم، فشهدَ فيها الصلاةَ، فلمَّا انصرفَ قال: ردِّي هذهِ الخميصةَ إلى أبي جهمٍ". وفي روايةٍ (٧) عنْها: "كنتُ أنظرُ إلى عَلمِهَا وأنا في الصلاةِ فأخافُ أنْ يفتني"] (٨).

стр. 532

وقالَ ابنُ بطال: إنَّما طلبَ منهُ ثوبًا غيرَها ليُعْلِمَهُ أنهُ لم يردَّ [عليه] (١) هديتَه استخفافًا به. وفي الحديث دليلٌ على كراهةِ ما يشغلُ [المصلي] (٢) عن الصلاةِ منَ النقوش [ونحوها] (٣) مما يشغلُ القلبَ، وفيهِ مبادرتُهُ ﷺ إلى صيانةِ الصلاةِ عمَّا يلهي، وإزالةُ ما يشغلُ عن الإقبالِ عليْها. قالَ الطيبي: فيهِ إيذانٌ بأنَّ للصورِ والأشياءِ الظاهرةِ تأثيرًا في القلوبِ الطاهرةِ والنفوسِ الزكيةِ فضلًا عما دونَها. وفيهِ كراهةُ الصلاةِ على المفارشِ والسجاجيدِ المنقوشةِ، وكراهةِ نقشِ المساجدِ ونحوِهِ. النهي عن رفع البصر في الصلاة ١٠/ ٢٣٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَنْتَهِينَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّماءِ في الصَّلاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيهِمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وَعَنْ جَابرِ بْنِ سَمرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِيَنْتَهِينَّ) [بكسرِ] (٥) اللامِ وفتحِ المثناةِ التحتيةِ وسكونِ النونِ وفتحِ المثناةِ الفوقيةِ وكسرِ الهاء، (أقوَامٌ يَرفَعونَ أَبْصَارَهمْ إِلَي السَّماءِ في الصّلاةِ) أي: إلى [ما فوقهم] (٦) مطلقًا (أَوْ لَا تَرجِعُ إِلَيْهِمْ. رَوَاه مُسْلِمٌ). قالَ النوويُّ في شرحِ مسلم (٧): فيهِ النهيُ الأكيدُ والوعيدُ الشديدُ في ذلكَ، وقدْ نقلَ الإجماعُ على ذلكَ. والنهيُ يفيدُ تحريمهُ. وقالَ ابنُ حزمٍ: تبطلُ بهِ الصلاةُ. قالَ القاضي عياضُ: واختلفُوا في غيرِ الصلاةِ في الدعاءِ، فكرهَهُ قومٌ وجَوَّزهُ الأكثرونَ.

стр. 533

١١/ ٢٣٤ - وَلَهُ (١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وهُوَ يُدَافِعَهُ الأَخْبَثَانِ". [صحيح] (وَلَهُ) أي لمسلمٍ (عَنْ عَائِشَةَ [قَالَتْ] (٢): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ). تقدمَ الكلامُ في ذلكَ إلَّا أن هذَا يفيدُ أنَّها لا تقامُ الصلاةُ في موضعٍ حضرَ فيهِ الطعامُ، وهوَ عامٌ للنفلِ والفرضِ، وللجائعِ وغيرِهِ. والذي تقدمَ أخصُّ مِنْ هذَا، (ولَا) أي لا صلاةَ، (وهُوَ) أي المصلي (يُدَافِعَة الأَخْبَثَانِ) البولُ والغائطُ، ويلحقُ بهمَا مدافعةُ الريحِ فهذَا معَ المدافعةِ، وأمَّا إذا كانَ يجدُ في نفسهِ ثِقَلُ ذلكَ وليسَ هناك مدافعةٌ فلا نَهْيَ عن الصلاةِ معهُ، ومَعَ المدافعةِ فهيَ مكروهةٌ، قيلَ: تنزيهًا لنقصانِ الخشوعِ، فلو خَشي خروجَ الوقتِ إنْ قدَّمَ التبرزَ وإخراجَ الأخبثينِ قدمَ الصلاةَ، وهي صحيحةٌ مكروهةٌ، كذَا قال النوويُّ (٣)، ويستحبُّ إعادتُها، وعنِ الظاهريةِ أنَّها باطلةٌ. النهي عن التثاؤب في الصلاة ١٢/ ٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "التثاؤُبُ مِنَ الشيطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٥)، وَزَادَ: "فَي الصَّلاةِ". [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤبُ مِنَ الشيْطَانِ)، لأنهُ يصدرُ عن الامتلاءِ والكسلِ، وهمَا مما يحبهُ الشيطانُ، فكأنَّ التثاؤبَ منهُ (فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ) أي: يمنعهُ ويمسكهُ (مَا اسْتَطَاعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالترْمِذِيُّ وَزَادَ) أيْ: الترمذيُّ (فِي الصَّلَاةِ) فقيَّدَ الأمرَ بالكظمِ بكونهِ في الصلاةِ، ولا ينافي النهيَ عنْ

стр. 534

تلكَ الحالةِ مُطْلقًا لموافقةِ المقيَّدِ والمطلقِ في الحكمِ، وهذهِ الزيادةُ هي في البخاريّ (١) [أيضًا] (٢). وفيهِ (٣) بعدَها: "ولا يقلْ: ها، فإنَّما ذلكَ منَ الشيطانِ يضحكُ منهُ". وكلُّ هذَا مما ينافي الخشوعَ. وينبغي أنْ يضعَ يدَهُ على فيهِ لحديثٍ: "إذا تثاءبَ أحدُكم فليضَعْ يدَهُ على فيهِ؛ فإن الشيطانَ يدخلُ معَ التثاؤبِ"، وأخرجهُ أحمدُ (٤)، والشيخانِ (٥)، وغيرُهمْ. * * *

стр. 535

[الباب السادس] باب المساجد المساجدُ جمعُ مسجدٍ، بفتحِ العينِ وكسرِها، فإنْ أريدَ بهِ المكانَ المخصوصَ فهوَ بكسرِ العينِ لا غيرُ، وإنْ أريدَ بهِ موضعَ السجودِ وهوَ موضعُ وقوعِ الجبهةِ في الأرضِ فإنهُ بالفتحِ لا غيرُ، وفي فضائلِ المساجدِ أحاديثُ (١) واسعةٌ، وأنَّها أحبُّ البقاعِ إلى اللَّهِ، وأنَّ "مَنْ بَنَى للَّهِ مسجدًا من مال حلال بَنَى اللَّهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ" (٢). وأحاديثُها في مجمعِ الزوائدِ (٣) وغيرِه. ١/ ٢٣٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ في الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو دَاوُدَ (٥)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَ إِرْسَالَهُ (٦). [صحيح]

стр. 536

(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ببِنَاءِ الْمَسَاجِدِ في الدُّورِ) يحتمل أن المرادَ بها البيوت، [وهي المنازل بناء على أَنه يطلق عليها لفظ الدار. وفي القاموس (١): الدار المحل يجمع البناء والعرْض بسكون الراء والبلد ومدينة النبي ﷺ وموضع القبلة انتهى] (٢). ويحتملُ أن [المرادَ] (٣) المحالُّ التي تبنى فيها الدورُ (وَأَنْ تُنَظَّفَ) عن الأقذارِ (وَتطَيّبَ. رَوَاهُ أَحْمَد، وَأَبُو دَاودَ، وَالتَّرمِذِيّ، وَصَحّحَ إِرسَالَهُ)، والتطييبُ بالبخورِ ونحوِهِ. والأمرُ بالبناءِ للندبِ لقولهِ: "أينَما أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاة فَصَلِّ"، أخرَجهُ مسلمٌ (٤) ونحوهُ عندَ غيرِهِ (٥). قيلَ: وعلى إرادةِ المعنَى الأول [في الدورِ] (٦)؛ ففي الحديثِ دليلٌ على أن المساجدَ شرطُها قصدُ التسبيلِ إذْ لو كانَ يتمُّ [ما بنى] (٧) مسجدًا بالتسميةِ لخرجت تلكَ الأماكنُ التي اتُخِذَتْ في المساكنِ عنْ ملكِ أهلِها، وفي شرحِ السُّنَّة (٨) أن المرادَ المحالُّ التي فيها الدورُ، ومنهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٩)؛ لأنهمْ كانُوا يسمونَ المحلَّة التي اجتمعتْ فيْها القبيلةُ دارًا. قالَ سفيانُ: بناءُ [المساجدِ] (١٠) في الدورِ يعني القبائلِ. تغليظ النهي عن اتخاذ القبور مساجد ٢/ ٢٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ اتخَذُوا

стр. 537

قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَزَادَ مُسْلِمٌ (٢): "وَالنصَارَى". [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهودَ) أي: لعنَ كما جاءَ في روايةٍ، وقيلَ معناهُ قَتَلَهُمْ وأهلكَهُمْ (اتخذوا قبورَ أنبيائهمْ مساجدَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وفي مسلم (٣) عنْ عائشةَ قالتْ: "إنَّ أمَّ حبيبةَ، وأمَّ سلمةَ ذَكَرَتَا لرسولِ اللَّهِ ﷺ كنيسة رأتاها بالحبشةِ فيها تصاويرُ، فقالَ: إنَّ أولئكَ إذا كانَ فيهُمْ الرجلُ الصالحُ فماتَ بَنَوْا على قبرهِ مسجدًا، وصوَّرُوْا تلكَ التصاويرَ، أولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ". واتخاذُ القبورِ مساجدَ أعمُّ منْ أنْ يكونَ بمعْنَى الصلاةِ إليها، أو بمعنَى الصلاةِ عليْها. وفي مسلمٍ: (٤) "لا تَجلِسُوا على القُبورِ، ولا تُصَلُّوا إليْها ولا عليْها"، قالَ البيضاويُّ: لما كانتِ اليهودُ والنَّصَارى يسجدونَ لقبورِ أنبيائِهم تعظيمًا لشأنِهم، ويجعلونَها قبلة يتوجهونَ في الصلاةِ نحوَها اتخذُوها أوثانًا، لعنَهم ومنعَ المسلمينَ منْ ذلكَ. قالَ: وأما مَنِ اتخذَ مسجدًا في جوارِ صالحٍ وقصدَ التبركَ بالقربِ منهُ، لا لتعظيمٍ لهُ، ولا لتوجهِ نحوَهُ، فلا يدخلُ في ذلكَ الوعيدُ. قلتُ: قولُهُ لا لتعظيمٍ لهُ، يقالُ اتخاذِ المساجدِ بقربهِ وقصدُ التبركِ بهِ تعظيمٌ لهُ. ثمَّ أحاديثُ النَّهْي مطلقةٌ، ولا دليلَ على التعليلِ بما ذكرَ. والظاهرُ أن العلةَ سدَّ الذريعةِ والبعدُ عن التشبهِ بعَبَدَةِ الأوثانِ الذينَ [يعظِّمونَ] (٥) الجماداتِ التي لا تسمعُ ولا تنفعُ ولا تضرُّ، ولما في إنفاقِ المالِ في ذلكَ منَ العبثِ والتبذيرِ الخالي عن النفعِ بالكليةِ. ولأنهُ سببٌ لإيقادِ السُّرُجِ عليها الملعونُ فاعلُه. ومفاسدُ ما يُبْنَى علَى القبورِ منَ المشاهدِ والقِبَابِ لا تُحْصَرُ.

стр. 538

وقدْ أخرجَ أبو داودَ (١)، والترمذيُّ (٢)، والنسائيُّ (٣)، وابنُ ماجَهْ (٤) عن ابن عباسٍ قالَ: "لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ زائراتِ القبورِ والمتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ". وقد أوضحنا ذلك في رسالتنا المسمَّاة: "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" (٥). (وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَالنَّصَارَى) زادَ في حديثِ أبي هريرةَ هذَا بعدَ قولهِ اليهودِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ لأنَّ النصارى ليسَ لهمْ نبي إلَّا عيسى ﵇؛ إذْ لا نبيَّ بينَهُ وبينَ محمدٍ ﷺ ، وهوَ حيٌّ في السماءِ. وأجيبَ بأنهُ كانَ فيهمْ أنبياءُ غيرُ مرسلينَ كالحواريينَ ومريمَ في قول، أو أن المرادَ منْ قولهِ: أنبيائِهم المجموعُ منَ اليهودِ والنَّصارى، أوِ المرادُ الأنبياءُ وكبارُ أتباعِهْمِ، واكتفَى بذكرِ الأنبياءِ. ويؤيدُ ذلكَ قولُه في روايةِ مسلمٍ (٦): "كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبورَ أنبيائِهمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ"، ولهذَا لما أفردَ النَّصَارى كما في الحديث الثالث وهو قوله: ٣/ ٢٣٨ - وَلَهُمَا (٧) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا"، وَفيهِ: "أُولئكَ شِرَارُ الْخَلْقِ". [صحيح] (وَلَهُمَا) أي: البخاريِّ ومسلمٍ (مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ) أي النَّصَارَى (الرَّجُلُ الصَّالِحُ [بنَوْا على قبرهِ مسجدًا. وفيهِ: أولئكَ شرارُ الخلَقِ) اسمُ

стр. 539

الإشارةِ عائدٌ إلى الفريقينِ، وكفى بهِ ذمًا] (١). ولما أفردَ اليهودَ كما في حديثِ أبي هريرةَ قالَ: "أنبيائِهم"، وأحسنُ منْ هذَا أنْ يقالَ: أنبياءُ اليهودِ أنبياءُ النَّصَارَى؛ لأنَّ النَّصارى مأمورونَ بالإيمانِ بكلِّ رسولٍ، فرسلُ بني إسرائيلَ يُسَمَّوْنَ أنبياءَ في حقّ الفريقينِ. والمرادُ منَ الاتخاذِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ ابتداعًا أو اتباعًا، فاليهودُ ابتدعتْ والنصارى اتبعتْ. جواز دخول الكفار المساجد لحاجة من غير إيذاء ٤/ ٢٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجلٍ فَرَبَطوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الرجلُ هوَ ثمامةُ بنُ أثالٍ، صرحَ بذلكَ في الصحيحينِ وغيرِهمَا، وليسَ فيهِ أنَّ الربطَ عن أمرِهِ ﷺ ، ولكنهُ ﷺ قررَ ذلكَ لأنَّ في القصةِ أنهُ كانَ يمرُّ بهِ ثلاثةَ أيامٍ ويقولُ: "ما عندَك يا ثمامةُ - الحديثَ". وفيهِ دليلٌ على جوازِ ربطِ الأسيرِ بالمسجدِ وإنْ كانَ كافرًا، وأن هذَا [مخصِّصٌ] (٣) لقولهِ ﷺ : "إنَّ المسجدَ لذكرِ اللَّهِ والطاعةِ". وقدْ أنزلَ ﷺ وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ (٤). قالَ الخطابيُّ (٥): فيهِ جوازُ دخولِ المشركِ المسجدَ إذا كانَ

стр. 540

لهُ فيهِ حاجةٌ مثلَ أنْ يكونَ لهُ غريمٌ في المسجدِ لا يخرجُ إليهِ، ومثلَ أنْ يحاكمَ إلى قاضٍ هوَ في المسجدِ. وقدْ كانَ الكفارُ يدخلونَ مسجدَهُ ﷺ ويطيلونَ فيهِ الجلوسَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ: "أن اليهودَ أَتَوا النبيَّ ﷺ وهوَ في المسجدِ". وأما قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢)؛ فالمرادُ بهِ لا يُمكَّنونَ منْ حجٍّ ولا عمرةٍ كما وردَ في القصةِ التي بَعَثَ لأجلِها ﷺ بآياتِ براءةَ إلى مكةَ. وقولُهُ: "فلا يحجنَّ بعدَ هذا العامِ مشركٌ" (٣)، وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ (٤) لا يتمُّ بها دليلٌ على تحريمِ المساجدِ على المشركينَ لأنَّها نزلتْ في حقِّ مَنِ استولى عليْهَا وكانتْ لهُ الحكمةُ والمَنْعَةُ كما وقعَ في سببِ [نزولِ الآيةِ الكريمة] (٥)؛ فإنَّها نزلتْ في شأنِ النَّصَارى واستيلائِهمْ على بيتِ المقدسِ، وإلقاءِ الأَذَى فيهِ والأزبالِ، أوْ أنَّها نزلتْ في شأنِ قريشٍ ومَنْعُهُمْ له ﷺ عامَ الحديبيةِ عن العمرةِ. وأما دخولُهُ منْ غيرِ استيلاءِ ومنعٍ وتخريب فلمْ تفدْهُ الآيةُ الكريمةُ، وكأنَّ المصنفَ ساقهُ لبيانِ جوازِ دخول المشركِ المسجدَ، وهوَ مذهبُ إمامهِ فيما عدَا المسجدَ الحرامَ. جواز إنشاد الشعر في المساجد ٥/ ٢٤٠ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ في الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ، وَفِيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وَعَنْه) أي أبي هريرةَ (أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَانَ) (٧) بالحاءِ المهملةِ مفتوحة

стр. 541

فسينٌ مشددةٌ، هوَ ابنُ ثابت شاعرُ رسولِ الله ﷺ ، يُكْنَى أبا عبدِ الرحمنِ، أطالَ ابنُ عبدِ البرِّ في ترجمتهِ في الاستيعابِ قالَ: وتوفيَ حسانُ قبلَ الأربعينَ في خلافةِ عليٍّ ﷺ ، وقيلَ: بلْ ماتَ سنةَ خمسينَ وهوَ ابنُ مائةٍ وعشرينَ سنةً، (يُنْشِدُ) بضمِ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ. (في المسجدِ فلحظ إليهِ)؛ أي نظرَ إليهِ، وكأنَّ حسانَ فَهِمَ منهُ نظرَ الإنكارِ (فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنشِدُ فيه، وفِيهِ) أي المسجد (مَنْ هُوَ خَيرٌ مِنْكَ) يعني رسولَ اللَّهِ ﷺ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وقدْ أشارَ البخاريُّ في باب بَدْءِ الخلقِ في هذه القصةِ أن حسانًا أنشدَ في المسجدِ ما أجابَ بهِ المشركينَ عنهُ ﷺ ، ففي الحديث [دلالةٌ] (١) على جوازِ إنشادِ الشعرِ في المسجدِ. وقدْ عارضَهُ أحاديثُ. أخرجَ ابنُ خزيمةَ (٢)، وصححهُ الترمذيُّ (٣) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ تناشدِ الأشعارِ في المسجدِ"، ولهُ شواهدُ. وجمعَ بينَها وبينَ حديثِ البابِ بأنَّ النَّهْي محمولٌ على تناشدِ أشعارِ الجاهليةِ وأهل البطالةِ، وما لمْ يكنْ فيهِ غرضٌ صحيحٌ، والمأذونُ فيِهِ ما سَلِمَ مِنْ ذلكَ. وقيلَ: المأذونُ فيهِ مشروطٌ بأنْ لا يكونَ ذلكَ مما يشغلُ مَنْ في المسجدِ. السؤال عن الضالة في المساجد منهي عنه ٦/ ٢٤١ - وَعَنْهُ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّة فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا الله عَلَيكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح]

стр. 542

(وَعَنْهُ) أي أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) بفتحِ المثناةِ التحتيةِ، وسكونِ النونِ، وضمِّ الشينِ المعجمةِ، مِنْ نَشَدَ الدابةَ إذا طَلَبها (ضَالَّة فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ) عقوبةً لهُ لارتكابهِ في المسجدِ ما لا يجوزُ. وظاهرُهُ أنهُ يقولهُ جَهْرًا، وأنهُ واجبٌ؛ (فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: بلْ بنيتْ لذكرِ اللَّهِ والصلاةِ والعلمِ والمذاكرةِ في الخيرِ ونحوِهِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ السؤال عن ضالةِ الحيوانِ في المسجدِ، وهلْ يلحقُ بهِ السؤالُ عنْ غيرها منَ المتاعِ، ولو ذهبَ في المسجدِ؟ قيلَ: يلحقُ للعلةِ؛ وهي قولُهُ: فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ لِهذَا، وأنَّ مَنْ ذهبَ عليهِ متاعٌ فيهِ أوْ في غيرِهِ قعدَ في بابِ المسجدِ يسألُ الخارجينَ والداخلينَ إليهِ. واختُلِفَ أيضًا في تعليمِ الصبيانِ القرآنَ في المسجدِ، وكأنَّ المانعَ يمنعُه لما فيه مِنْ رفعِ الأصواتِ المنهيِّ عنهُ في حديثِ واثلةَ: "جَنبُوا مساجدَكم مجانينَكم وصبيانَكم ورفعَ أصواتِكم"، أخرجهُ عبدُ الرزاق (١) والطبرانيُّ في الكبيرِ (٢) وابنُ ماجَهْ (٣). يحرم البيع والشراء في المساجد ٧/ ٢٤٢ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (٥). [صحيح]

стр. 543

(وَعَنْه) أي أبي هريرةَ (أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) [أي] (١) يشتري (فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ). فيهِ دلالةٌ على تحريمِ البيعِ والشراءِ في المساجدِ وأنهُ يجبُ على مَنْ رَأَى ذلكَ فيهِ أنْ يقولَ لكلٍّ مِنَ البائعِ والمشتري: لا أربحَ اللَّهُ تجارتَكَ، يقولُ جَهْرًا زَجْرًا للفاعلِ لذلكَ، والعلةُ هي قولُهُ فيما سلفَ: "فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ (٢) لذلكَ". وهلْ ينعقدُ البيعُ؟ قالَ الماورديُّ (٣): إنهُ ينعقدُ اتفاقًا. لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها ٨/ ٢٤٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ (٥). [حسن] ترجمة حكيم بن حزام (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) (٦) بالحاءِ المهملةِ مكسورةٍ والزاي. وحكيمٌ صحابيٌّ كانَ منْ أشرافِ قريشٍ في الجاهليةِ والإسلامِ. [أسلمَ عامَ الفتحِ، عاشَ مائةً

стр. 544

وعشرينَ سنةً؛ ستونَ في الجاهليةِ، وستونَ في الإسلامِ] (١)، وتوفيَ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، ولهُ أربعةُ أولادٍ صحابيونَ كلُّهم، عبدُ اللَّهِ، وخالدٌ، وَيحْيى، وهشامٌ. (قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : لَا تقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا)، أي يقامُ القَوَدُ فيْها (رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، ورواهُ الحاكمُ (٢)، وابنُ السكنِ (٣)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (٤)، والدارقطنيُّ (٥)، والبيهقيُّ (٦). وقالَ المصنفُ في التلخيصِ (٧): لا بأسَ بإسنادِهِ. والحديثُ دليل على تحريمِ إقامةِ الحدودِ في المساجدِ، وعلى تحريمِ الاستقادةِ فيْها. جواز النوم وبقاء المريض في المسجد ٩/ ٢٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٨). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ) (٩).

стр. 545

ترجمة سعد بن معاذ هوَ ابنُ معاذٍ، بضمِّ الميمِ فعينٍ مهملةٍ بعدَ الألفِ ذالٌ معجمةٌ، [وسعد] (١) هوَ أبو عمروٍ سعدُ بنُ معاذٍ الأوسيِّ، أسلمَ بالمدينةِ بينَ العقبةِ الأُوْلَى والثانيةِ، وأَسْلَمَ بإسلامهِ بنُو عبدِ الأشهلِ، وسماهُ رسولُ الله ﷺ سيِّدَ الأنصارِ، وكانَ مِقدَامًا مُطاعًا شَرِيْفًا في قومهِ مِنْ كبارِ الصحابةِ، شهدَ بدرًا وأُحدًا، وأصيبَ يومَ الخندقِ في أُكْحُلِهِ فلمْ يرقأْ دمُهُ حتَّى ماتَ بعدَ شهر، توفيَ في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ منَ الهجرةِ. (يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أي نصبَ عليهِ (خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ) أي: ليكونَ مكانُهُ قريبًا منهُ ﷺ فيعودُهُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ دلالةٌ على جوازِ النومِ في المسجدِ وبقاءِ المريضِ فيهِ وإنْ كانَ جريحًا، وضربِ الخيمةِ وإنْ منعتْ منَ الصلاةِ. اللعب المباح في المسجد ١٠/ ٢٤٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وَعَنْهَا) أي عنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، الْحَدِيثَ مُتفَقٌ عَلَيْهِ). قدْ بينَ في روايةٍ للبخاريِّ (٣) أنَّ لِعَبَهُمْ كانَ بالدَّرَقِ وَالحِراب، وفي روايةٍ لمسلم (٤): يلعبونَ في المسجدِ بالحرابِ، وفي روايةٍ للبخاريّ (٥): وكانَ يومَ عيدٍ، فهذَا يدلُّ على جوازِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ في يومِ مَسَرَّةٍ. وقيلَ: إنهُ منسوخٌ بالقرآنِ والسنةِ، أنها القرآنُ فقولُهُ

стр. 546

تعالى: ﴿في بيُوتٍ أَذنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١)، وأما السنةُ فبحديثِ: "جَنِّبُوا مساجدَكم صبيانَكم (٢)، [ومجانينكم، وسلِّ سيوفكم، وإقامة حدودكم وخصوماتكم، وجمِّروها في الجُمَع، واجعلوا على أبوابها المطاهر". أخرجه ابنُ عدي، والطبراني في الكبير، والبيهقي، وابن عساكر. وكان يقول القائل بالنسخ أنه إذا نهى عن الخصومة وسل السيوف فبالأولى عن اللعب بالحراب، وفيه بُعد] (٣)، وتُعُقّب بأنه حديثٌ ضعيفٌ، وليسَ فيهِ ولا في الآيةِ تصريحٌ [بما] (٤) ادَّعاهُ، ولا عرفَ التاريخُ فيتمُّ النسخُ. وقدْ حُكِيَ أن لعبهَم كانَ خارجَ المسجدِ، وعائشةُ كانتْ في المسجدِ. وهذَا مردودٌ بما ثبتَ في بعضِ طرقِ هذا الحديث (٥) أن عمرَ أنكرَ عليهمْ لعبَهم في المسجدِ، فقال لهُ النبيُّ ﷺ : "دعْهُم"، وفي بعض ألفاظِهِ (٦) أنهُ قال ﷺ لعمرَ: "لتعلم اليهودُ أن في دينِنَا فسحةً، وأني بُعِثْتُ بحنيفيةٍ سمحةٍ"، وكأنَّ عمرَ بَنَى عَلَى الأصلِ في تنزيهِ المساجدِ فبينَ لهُ ﷺ أن التعمقَ [والتشددَ] (٧) ينافي قاعدةَ شريعتِهِ ﷺ منَ التيسيرِ والتسهيلِ، وهذا يدفعُ قول الطبريِّ (٨): إنهُ يُغْتَفَرُ للحبشِ ما لا يُغْتَفَرُ لغيرِهم فيقرُّ حيثُ وردَ، ويدفعُ قول مَنْ قال: إنَّ اللعبَ بالحرابِ ليس لعبًا مجردًا بلْ فيهِ تدريبُ الشجعانِ على مواضعِ الحروبِ، والاستعدادِ للعدوِّ، ففي ذلكَ منَ المصلحةِ التي تجمعُ عامةَ المسلمينَ
следующие страницы →