← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 542–581 · переход к 547.

стр. 542

(وَعَنْهُ) أي أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) بفتحِ المثناةِ التحتيةِ، وسكونِ النونِ، وضمِّ الشينِ المعجمةِ، مِنْ نَشَدَ الدابةَ إذا طَلَبها (ضَالَّة فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ) عقوبةً لهُ لارتكابهِ في المسجدِ ما لا يجوزُ. وظاهرُهُ أنهُ يقولهُ جَهْرًا، وأنهُ واجبٌ؛ (فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: بلْ بنيتْ لذكرِ اللَّهِ والصلاةِ والعلمِ والمذاكرةِ في الخيرِ ونحوِهِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ السؤال عن ضالةِ الحيوانِ في المسجدِ، وهلْ يلحقُ بهِ السؤالُ عنْ غيرها منَ المتاعِ، ولو ذهبَ في المسجدِ؟ قيلَ: يلحقُ للعلةِ؛ وهي قولُهُ: فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ لِهذَا، وأنَّ مَنْ ذهبَ عليهِ متاعٌ فيهِ أوْ في غيرِهِ قعدَ في بابِ المسجدِ يسألُ الخارجينَ والداخلينَ إليهِ. واختُلِفَ أيضًا في تعليمِ الصبيانِ القرآنَ في المسجدِ، وكأنَّ المانعَ يمنعُه لما فيه مِنْ رفعِ الأصواتِ المنهيِّ عنهُ في حديثِ واثلةَ: "جَنبُوا مساجدَكم مجانينَكم وصبيانَكم ورفعَ أصواتِكم"، أخرجهُ عبدُ الرزاق (١) والطبرانيُّ في الكبيرِ (٢) وابنُ ماجَهْ (٣). يحرم البيع والشراء في المساجد ٧/ ٢٤٢ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (٥). [صحيح]

стр. 543

(وَعَنْه) أي أبي هريرةَ (أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) [أي] (١) يشتري (فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ). فيهِ دلالةٌ على تحريمِ البيعِ والشراءِ في المساجدِ وأنهُ يجبُ على مَنْ رَأَى ذلكَ فيهِ أنْ يقولَ لكلٍّ مِنَ البائعِ والمشتري: لا أربحَ اللَّهُ تجارتَكَ، يقولُ جَهْرًا زَجْرًا للفاعلِ لذلكَ، والعلةُ هي قولُهُ فيما سلفَ: "فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ (٢) لذلكَ". وهلْ ينعقدُ البيعُ؟ قالَ الماورديُّ (٣): إنهُ ينعقدُ اتفاقًا. لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها ٨/ ٢٤٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ (٥). [حسن] ترجمة حكيم بن حزام (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) (٦) بالحاءِ المهملةِ مكسورةٍ والزاي. وحكيمٌ صحابيٌّ كانَ منْ أشرافِ قريشٍ في الجاهليةِ والإسلامِ. [أسلمَ عامَ الفتحِ، عاشَ مائةً

стр. 544

وعشرينَ سنةً؛ ستونَ في الجاهليةِ، وستونَ في الإسلامِ] (١)، وتوفيَ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، ولهُ أربعةُ أولادٍ صحابيونَ كلُّهم، عبدُ اللَّهِ، وخالدٌ، وَيحْيى، وهشامٌ. (قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : لَا تقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا)، أي يقامُ القَوَدُ فيْها (رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، ورواهُ الحاكمُ (٢)، وابنُ السكنِ (٣)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (٤)، والدارقطنيُّ (٥)، والبيهقيُّ (٦). وقالَ المصنفُ في التلخيصِ (٧): لا بأسَ بإسنادِهِ. والحديثُ دليل على تحريمِ إقامةِ الحدودِ في المساجدِ، وعلى تحريمِ الاستقادةِ فيْها. جواز النوم وبقاء المريض في المسجد ٩/ ٢٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٨). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ) (٩).

стр. 545

ترجمة سعد بن معاذ هوَ ابنُ معاذٍ، بضمِّ الميمِ فعينٍ مهملةٍ بعدَ الألفِ ذالٌ معجمةٌ، [وسعد] (١) هوَ أبو عمروٍ سعدُ بنُ معاذٍ الأوسيِّ، أسلمَ بالمدينةِ بينَ العقبةِ الأُوْلَى والثانيةِ، وأَسْلَمَ بإسلامهِ بنُو عبدِ الأشهلِ، وسماهُ رسولُ الله ﷺ سيِّدَ الأنصارِ، وكانَ مِقدَامًا مُطاعًا شَرِيْفًا في قومهِ مِنْ كبارِ الصحابةِ، شهدَ بدرًا وأُحدًا، وأصيبَ يومَ الخندقِ في أُكْحُلِهِ فلمْ يرقأْ دمُهُ حتَّى ماتَ بعدَ شهر، توفيَ في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ منَ الهجرةِ. (يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أي نصبَ عليهِ (خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ) أي: ليكونَ مكانُهُ قريبًا منهُ ﷺ فيعودُهُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ دلالةٌ على جوازِ النومِ في المسجدِ وبقاءِ المريضِ فيهِ وإنْ كانَ جريحًا، وضربِ الخيمةِ وإنْ منعتْ منَ الصلاةِ. اللعب المباح في المسجد ١٠/ ٢٤٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وَعَنْهَا) أي عنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، الْحَدِيثَ مُتفَقٌ عَلَيْهِ). قدْ بينَ في روايةٍ للبخاريِّ (٣) أنَّ لِعَبَهُمْ كانَ بالدَّرَقِ وَالحِراب، وفي روايةٍ لمسلم (٤): يلعبونَ في المسجدِ بالحرابِ، وفي روايةٍ للبخاريّ (٥): وكانَ يومَ عيدٍ، فهذَا يدلُّ على جوازِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ في يومِ مَسَرَّةٍ. وقيلَ: إنهُ منسوخٌ بالقرآنِ والسنةِ، أنها القرآنُ فقولُهُ

стр. 546

تعالى: ﴿في بيُوتٍ أَذنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١)، وأما السنةُ فبحديثِ: "جَنِّبُوا مساجدَكم صبيانَكم (٢)، [ومجانينكم، وسلِّ سيوفكم، وإقامة حدودكم وخصوماتكم، وجمِّروها في الجُمَع، واجعلوا على أبوابها المطاهر". أخرجه ابنُ عدي، والطبراني في الكبير، والبيهقي، وابن عساكر. وكان يقول القائل بالنسخ أنه إذا نهى عن الخصومة وسل السيوف فبالأولى عن اللعب بالحراب، وفيه بُعد] (٣)، وتُعُقّب بأنه حديثٌ ضعيفٌ، وليسَ فيهِ ولا في الآيةِ تصريحٌ [بما] (٤) ادَّعاهُ، ولا عرفَ التاريخُ فيتمُّ النسخُ. وقدْ حُكِيَ أن لعبهَم كانَ خارجَ المسجدِ، وعائشةُ كانتْ في المسجدِ. وهذَا مردودٌ بما ثبتَ في بعضِ طرقِ هذا الحديث (٥) أن عمرَ أنكرَ عليهمْ لعبَهم في المسجدِ، فقال لهُ النبيُّ ﷺ : "دعْهُم"، وفي بعض ألفاظِهِ (٦) أنهُ قال ﷺ لعمرَ: "لتعلم اليهودُ أن في دينِنَا فسحةً، وأني بُعِثْتُ بحنيفيةٍ سمحةٍ"، وكأنَّ عمرَ بَنَى عَلَى الأصلِ في تنزيهِ المساجدِ فبينَ لهُ ﷺ أن التعمقَ [والتشددَ] (٧) ينافي قاعدةَ شريعتِهِ ﷺ منَ التيسيرِ والتسهيلِ، وهذا يدفعُ قول الطبريِّ (٨): إنهُ يُغْتَفَرُ للحبشِ ما لا يُغْتَفَرُ لغيرِهم فيقرُّ حيثُ وردَ، ويدفعُ قول مَنْ قال: إنَّ اللعبَ بالحرابِ ليس لعبًا مجردًا بلْ فيهِ تدريبُ الشجعانِ على مواضعِ الحروبِ، والاستعدادِ للعدوِّ، ففي ذلكَ منَ المصلحةِ التي تجمعُ عامةَ المسلمينَ

стр. 547

ويحتاجُ إليها في إقامةِ الدينِ فأجيزَ فعلُها في المسجدِ. هذا وأما نظرُ عائشةَ إليهمْ وهمْ يلعبونَ وهي أجنبيةٌ ففيهِ دلالةٌ على جوازِ نظرِ المرأةِ إلى جملةِ الناسِ منْ دونِ تفصيلِ لأفرادِهم كما تنظرُهم إذا خرجتْ للصلاةِ في المسجدِ، وعندَ الملاقاة في الطرقات. ويأتي تحقيقُ هذهِ المسئلةِ في محلّها. المبيت والمقيل والخيمة في المسجد ١١/ ٢٤٦ - وَعَنْهَا أَنَّ وَليدَةَ سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِيني فَتَحَدَّثُ عِنْدِي - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْهَا) أي عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَة) الوليدةُ: الأَمةُ (سَوْدَاءَ [كان] (٢) لَهَا خِبَاءٌ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وموحدةٍ فهمزةٍ ممدودةٍ، الخيمةُ منْ وَبَرٍ أو غيرِهِ، وقيلَ: لا تكونُ إلَّا منْ شعرٍ (فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأتِيني فَتَحَدُّثُ عِنْدِي - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). والحديثُ برُمَّتهِ في البخاريِّ عنْ عائشةَ: "أَنَّ وَليدةَ سَوداءَ كانتْ لحيٍّ منَ العرب فأعتَقُوها فكانتْ معَهم، فخرجتْ صَبِيَّة لهم عليْها وشاحٌ (٣) أحمرُ منْ سُيورٍ (٤). قالتْ: فَوَضَعَتْهُ أو - وَقعَ منْها - فمرَّت حُدَيَّاةٌ (٥) وهوَ مُلْقًى فَحسِبَتْهُ لحمًا فَخَطِفَتْهُ قالتْ: فالتمَسوهُ فلم يَجدوهُ، فاتهموني بهِ فجعلُوا يفتشوني حتَّى فَتَّشُوا قُبُلهَا، قالتْ: إني واللَّهِ لقائمةٌ معهُم إذْ مرتِ الحدياةُ فألقتْهُ، قالتْ: فوقعَ بينَهم، فقلتُ: هذا الذي اتهمتموني بهِ زعمتمْ وأنا منه بريئةٌ وها هُوَ ذَا، قالتْ: فجاءتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فأسلمتْ، قالتْ عائشةُ: فكانَ لها خباءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ (٦) فكانتْ تأتيني فَتَحَدَّثُ عندي قالتْ فلا تجلسُ إلَّا قالتْ: ويومَ الوِشاحِ مِنْ تعاجيبِ رَبّنَا … إلَّا أنَّهُ مِنْ دارةِ الكفرِ نجاني

стр. 548

قَالَتْ عائشةُ: [فقلت] (١) لها ما شأنُكِ لا تَقعُدِينَ إلَّا قُلتِ هذا؟ فحَدّثَتني بهذا الحديثِ". [فهذا] (٢) الذي أشار إليهِ المصنفُ بقولهِ (الحديثَ). وفي الحديثِ دلالةٌ على إباحةِ المبيتِ والمقيلِ في المسجدِ لمنْ ليسَ لهُ مسكنٌ منَ المسلمينَ، رجلًا كان أو امرأةٌ عندَ [مْنِ الفتنةِ] وجوازِ ضربِ الخيمةِ لهُ ونحوِها. تنظيف المساجد عن القاذورات ١٢/ ٢٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبُصَاقُ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَة وَكَفارَتُهَا دَفْنُها"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : الْبُصَاقُ) في القاموسِ (٤): البُصَاقُ كغُرابٍ، والبُساقُ والبزاقُ: ماءُ الفمِ إذا خرجَ منهُ، وما دامَ فيهِ فهوَ ريقٌ، وفي لفظٍ للبخاريِّ: البزاقُ، ولمسلمٍ: التفلُ، (في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُها دَفْنُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ دليل على أن البصاقَ في المسجدِ خطيئةٌ والدفنُ يكفّرُها، وقدْ عارضَهُ ما تقدمَ منْ حديثِ فليبصقْ عنْ يسارهِ، أو تحتَ قدمهِ؛ فإنَّ ظاهرَهُ سواءٌ كانَ في المسجدِ أو غيرِهِ. قالَ النوويُّ: هما عمومانِ لكنَّ [عموم] (٥) الثاني مخصوصٌ بمَا إِذَا لمْ يكنْ في المسجدِ، ويبقَى عمومُ الخطيئةِ إذا كانَ في المسجدِ منْ دونِ تخصيصِ، وقالَ القاضي عياضُ: إنَّما يكونُ البصاقُ في المسجدِ خطيئة إذا لم يدفنْه، وأما إذا [أراد] (٦) دفنَه فلَا. وذهبَ إلى هذا أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ، ويدلُّ لهُ حديثُ أحمدَ (٧)، والطبرانيّ (٨) بإسنادٍ حسنٍ منْ حديثِ أبي أمامةَ

стр. 549

مرفوعًا: "منْ تنخَّعَ في المسجدِ فلمْ يدفنْهُ فسيئةٌ، فإنْ دَفَنَهُ فحسنةٌ"؛ فلم يجعلْه سيئة إلَّا بقيدِ عدمِ الدفنِ. ونحوهُ حديثُ أبي ذرّ عندَ مسلمٍ (١) مرفُوعًا: "وَجَدْتُ في مَسَاوِي أمتي النُّخَاعةَ تكونُ في المسجدِ لا تُدْفنُ"، وهكذَا فهمَ السلفُ ففي سننِ سعيدِ بن منصورٍ (٢) عنْ أبي عبيدةَ بن الجراحِ: "أنهُ تنخَّمَ في المسجدِ ليلةً، فنسيَ أنْ يدفنَها حتى رجعَ إلى منزلهِ، فأخذَ شعلة منْ نارٍ ثمَّ جاءَ فطلبَها حتَّى دفنَها، وقالَ: الحمدُ للَّهِ حيثُ لمْ تكْتَبْ عليَّ خطيئةٌ الليلةَ"؛ فدلَّ على أنهُ فهمَ أن الخطيئةَ مختصة بمنْ تركهَا، وقَدَّمْنَا وجْهًا منَ الجمعِ، وهوَ أن الخطيئةَ حيثُ كانَ التفلُ عن اليمينِ أوْ إلى جهةِ القبلةِ، لا إذا كانَ عن الشمالِ أو تحتَ القدمِ؛ فالحديثُ هذَا مخصصٌ بذلكَ ومقيدٌ بهِ، قالَ الجمهورُ: والمرادُ - أي منْ دَفْنِها -[دفنُها] (٣) في ترابِ المسجدِ ورملِهِ وحصاهُ، وقولُ مَنْ قَالَ: المرادُ مِنْ دفْنِها إخراجُها منَ المسجدِ بعيدٌ. النهي عن زخرفة المساجد وتشييدها ١٣/ ٢٤٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٥). [صحيح]

стр. 550

(وَعَنْهُ) أي أنسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى) يتفاخرُ (النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ) بأنْ يقولَ واحدٌ مسجدي [خير] (١) مِنْ مسجدِكَ، علوًا وزينةً وغيرَ ذلكَ. (أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ). الحديثُ مِنْ أعلامِ النبوةِ. وقولُهُ: (لا تقومُ الساعةُ) قدْ يؤخذُ منهُ أنهُ منْ أشراطِها، والتباهي إمَّا بالقولِ كما عرفتَ، أوْ بالفعلِ كأنْ يبالغَ كلُّ واحدٍ في تزيينِ مسجدهِ ورفع بِنائهِ وغيرِ ذلكَ. وفيهِ دلالة مفهمة بكراهةِ ذلكَ، وأنهُ منْ أشراطِ الساعةِ، وأنَّ الله لا يحبُّ تشييدَ المساجدِ ولا عمارتِها إلَّا بالطاعةِ. ١٤/ ٢٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عما قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : مَا أمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ. أَخْرَجَه أَبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَه ابْن حِبَّانَ). وتمامُ الحديثِ: قالَ ابنُ عباسٍ: "لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَت اليهودُ والنَّصَارى"، وهذَا مدرجٌ (٤) منْ كلامِ ابن عباس، كأنهُ فهمهُ منَ الأخبارِ النبويةِ منْ أن هذهِ الأمةَ تحذُو حذوَ بني إسرائيلَ. والتشييدُ

стр. 551

رفعُ البناءِ وتزيينُه بالشِّيدِ، وهوَ الجصُّ، كذَا في الشرحِ. والذي في القاموسِ (١): شادَ الحائِطَ يَشِيدُهُ طَلاهُ بالشِّيدِ، وهوَ ما [يطلَى به الحائطُ] (٢) منْ جِصٍّ [ونحوهِ] (٣) انتهى. فلمْ يجعلْ رفعَ البناءِ منْ مسمَّاهُ. [وأما قوله تعالى: ﴿فِي بيُوُتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ﴾ (٤) ففي الكشاف رفعها بناؤها. كقوله: ﴿بَنَاهَا (٢٧) سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (٥)، ﴿وَإِذْ يَرفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ (٦). وعن ابن عباس ﵄: هي المساجد تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن ما أمر الله بالرفع بالبناء ولكن التعظيم] (٧). والحديثُ ظاهرٌ في الكراهة أو التحريمِ لقولِ ابن عباسٍ كما زخرفتِ اليهودُ والنَّصارى، فإنَّ التشبهَ بهمْ محرمٌ، وذلكَ أنهُ ليسَ المقصودُ منْ بناءِ المساجدِ إلَّا أنْ [تَكِنَّ] (٨) الناسَ منَ الحرِّ والبردِ، وتزيينُها يشغلُ القلوبَ عن الإقبال على الطاعةِ، ويذهب الخشوع الذي هوَ روحُ جسمِ الصلاة. والقولُ بأنهُ يجوزُ تزيينُ المحرابِ باطلٌ. قالَ المهديُّ في البحرِ (٩): إنَّ تزيينَ الحرمينِ لم يكنْ برأي ذي حلٍّ وعقد، ولا سكوتِ رضا، أي منَ العلماءِ، وإنَّما فَعَلَهُ أهلُ الدولِ الجبابرةِ مِنْ غيرِ مؤاذنةٍ لأحدٍ منْ أهلِ الفضلِ، وسكتَ المسلمونَ والعلماءُ منْ غيرِ رضًا. و [هذا] (١٠) كلامٌ حسنٌ. وفي قولهِ ﷺ : (ما أمرتُ) إشعارٌ بأنهُ لا يحسنُ ذلكَ؛ فإنهُ لو كانَ حسنًا لأمرهُ اللَّهُ بهِ ﷺ . وأخرجَ البخاريُّ (١١) منْ حديثِ ابن عمرَ: "أن مسجدهُ ﷺ كانَ على عهدهِ ﷺ مَبنِيًا باللبِنِ، وسَقفهُ الجَريدُ، وعَمَدُهُ خَشبُ النَّخل، فلمْ يَزِدْ فيهِ أبو بكرٍ شَيئًا، وزادَ فيهِ عُمرُ وبَناهُ على بنائهِ في عَهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ باللّبنِ والجَريدِ، وأعادَ عَمدُهُ خَشَبًا، ثمَّ غَيَّرهُ عُثمانُ فزادَ فيهِ زيادةً [كبيرة] (١٢)، وبنى جدرانه بالأحجارِ المنقوشةِ، والجصِّ، وجعلَ عَمَدهُ مِنْ حِجارةٍ منقوشةٍ، وسَقَفَهُ بالساجِ". قالَ ابنُ بطالٍ (١٣): وهذَا

стр. 552

يدلُّ على أن السنةَ في بنيانِ المساجدِ القصدُ وتركُ الغلوِّ في [تحسينها] (١)؛ فقدْ كانَ عمرُ معَ كثرةِ الفتوحاتِ في أيامهِ، وكثرةِ المالِ عندَهُ لم يغيِّر المسجدَ عمَّا كانَ عليهِ، وإِنَّما احتاجَ إلى تجديدِهِ؛ لأنَّ جريدَ النخلِ كانَ قدْ نَخَرَ في أيامهِ، ثمَّ قالَ عندَ عمارتِهِ: "أَكِنَّ الناسَ منَ المطرِ، وإياكَ أن تحمِّرَ أو تصفِّر، فتفتِنَ الناسَ" (٢)، ثمَّ كانَ عثمانَ والمالُ في زمنهِ أكثرُ فَحَسَّنَهُ بما لا يقتضِي الزخرفةَ، ومعَ ذلكَ أنكرَ بعضُ الصحابةِ عليهِ. وأولُ مَنْ زخرفَ المساجدَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ، [وذلك] (٣) في أواخرِ عصرِ الصحابةِ، وسكتَ كثيرٌ منْ أهلِ العلمِ عنْ إنكارِ ذلكَ خوفًا من الفتنةِ. ١٥/ ٢٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتي، حَتى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٥)، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). [ضعيف] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : عُرِضَتْ عَلَى أُجُورُ أُمَّتِي حَتى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ وَصَحَّحَه ابْنُ خزَيْمَةَ). القذاةُ بزنةِ حصاةٍ، هي مستعملةٌ في كلِّ شيءٍ يقعُ في البيتِ وغيرِه إذا كانَ يسيرًا، وهذا إخبارٌ بأنَّ ما يخرجهُ الرجلُ منَ المسجدِ وإنْ قلَّ وحَقُرَ

стр. 553

مأجورٌ فيهِ؛ لأنَّ فيهِ تنظيفُ بيتِ اللَّهِ، وإزالةُ ما يؤذي المؤمنينَ. ويفيدُ بمفهومهِ أن مِنَ الأوزارِ إدخالَ القذاةِ إلى المسجدِ. تحية المسجد ١٦/ ٢٥١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ لله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يصَلِّيَ رَكعَتَينِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسَ حَتَّى يصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الحديثُ. نَهَى عن جلوسِ الداخلِ إلى المسجدِ إلَّا بعدَ صلاتهِ ركعتينِ، وهُما تحيةُ المسجدِ. وظاهرهُ وجوبُ ذلكَ، وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ندبٌ واستدلُّوا بقولهِ ﷺ للذي رآهُ يتخطَّى: "اجلسْ فقدْ آذيتَ" (٢)، ولم يأمرهُ بصلاتِهمَا، وبأنهُ قالَ ﷺ لمنْ علمهُ الأركانَ الخمسةَ فقالَ: لا أزيدُ عليْها: "أفلحَ إنْ صدقَ" (٣). والأولُ مردودٌ بأنهُ لا دليلَ على أنهُ لم يصلِّهِمَا؛ فإنهُ يجوزُ أنهُ صلَّاهُما في طرفِ المسجدِ، ثمَّ جاءَ يتخطَّى الرقابَ. والثاني بأنهُ قدْ وجبَ غيرُ ما ذُكِرَ كصلاةِ الجنائزِ ونحوِها، ولا مانعَ مِنْ أنهُ وجبَ بعدَ قولِهِ: (لا أزيدُ) واجباتٌ وأعلمَهُ ﷺ بهَا. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنهُ يصليهمَا في أيِّ وقتٍ شاءَ ووقتِ الكراهةِ، وفيهِ خلافٌ، وقرَّرناهُ في حواشي شرحِ العمدةِ (٤) أنهُ لا يصليْهِمَا مَنْ دخلَ المسجدَ،

стр. 554

أي: أوقاتِ الكراهةِ، وقرَّرْنَا أيضًا أن وجوبَهما هوَ الظاهرُ لكثرةِ الأوامرِ الواردةِ [به] (١)، وظاهر أنهُ إذا جلسَ ولمْ يصلِّهِمَا لا يشرعُ لهُ أنْ يقومَ فيصلّيهِمَا. وقالَ جماعةٌ: يشرعُ لهُ التداركُ لما رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (٢) منَ حديثِ أبي ذرّ أنهُ دخلَ المسجدَ فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : "ركعتَ ركعتينِ؟ قالَ: لا، قالَ: قمْ فاركعْهُما". وترجمَ عليهِ ابنُ حبانَ تحيةَ المسجدِ لا تفوتُ بالجلوسِ، وكذلكَ ما يأتي منْ قصةِ سُلَيْكٍ الغطفانيِّ (٣). وقولُهُ (ركعتينِ) لا مفهومَ لهُ في جانبِ الزيادةِ، بلْ في جانبِ القلةِ، فلا تتأدَّى سنةُ التحيةِ بركعةٍ واحدةٍ. قالَ في الشرحِ: وقدْ أخرجَ منْ عمومِ المسجدِ المسجدَ الحرامِ فتحيتُهُ الطوافُ، وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ بدأَ فيهِ بالطوافِ. قلتُ: هكذَا ذكرهُ ابنُ القيمِ في الهدي (٤). وقدْ يقالُ: إنهُ لم يجلسْ فلا تحيةَ للمسجدِ الحرامِ؛ إذ التحيةُ إنَّما تُشرعُ لمِنْ جلسَ، والداخلُ المسجدِ الحرامِ يبدأُ بالطوافِ، ثمَّ يصلِّي صلاةَ المقامِ؛ فلا يجلسُ إلَّا وقدْ صلَّى، نعمْ لوْ دخلَ المسجدَ الحرامَ وأرادَ القعودَ قبلَ الطوافِ فإنهُ يشرعُ لهُ [صلاةُ] (٥) التحيةِ [كغيرهِ] (٦) منَ المساجدِ، وكذلكَ قدِ استثْنَوا صلاةَ العيدِ؛ لأنهُ ﷺ لم يصلِّ قبلها ولا بعدَها، ويجابُ عنهُ بأنهُ ﷺ ما جلسَ حتَّى يتحققَ في حقِّهِ أنهُ تركَ التحيةَ، بلْ وصلَ إلى الجبَّانةِ أوْ إلى المسجدِ، فإنهُ صلَّى العيدَ في مسجدهِ مرةً واحدةً ولم يقعدْ بلْ وصلَ إلى المسجدِ ودخلَ في صلاةِ العيدِ، وأمَّا الجبَّانةُ فلا تحيةَ لها؛ إذْ ليستْ بمسجدٍ إِذًا، وأما إذا اشتغلَ الداخلُ بالصلاةِ كأنْ يدخلَ وقدْ أقيمتِ الفريضةُ، فيدخلُ فيها فإنَّها تجزئُهُ عنْ ركعتي التحيةِ، بلْ هوَ منهيٌّ عنْهَا بحديث: "إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةَ" (٧).

стр. 555

[الباب السابع] بابٌ صفةِ الصلاةِ حديث المسيء لصلاته وتعليم النبي ﷺ له ١/ ٢٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَطمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطمئِن سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ في صَلَاِتكَ كلِّهَا"، أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢)، وَلابنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ (٣): "حَتَّى تَطمئِنَّ قَائِمًا". [صحيح] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ) مخاطبًا للمسيءِ في صلاتِه، وهوَ خلادُ بنُ رافعٍ: (إذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضوءَ). تقدمَ أن [إسباغَ الوضوءِ] (٤) إتمامُهُ، (ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فكبِّرْ) تكبيرةَ الإحرامِ، (ثُمَّ اقرَأْ مَا تَيَسّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ). فيهِ أنهُ لا يجبُ دعاءُ الاستفتاحِ؛ إذْ لو وجبَ لأمرهُ بهِ، وظاهرُهُ أنهُ

стр. 556

يجزئُه منَ القرآنِ غيرُ الفاتحةِ ويأتي تحقيقُهُ. (ثُمَّ ارْكَعْ حَتى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) فيهِ إيجابُ [الرجوعِ] (١)، والاطمئنانِ فيهِ (ثُمَّ ارْفَعْ) منَ الركوعِ (حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) منَ الركوعِ، (ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطْمَئِنَّ ساجدًا) فيهِ أيضًا [وجوبُ] (٢) السجودِ، ووجوبُ الاطمئنانِ فيهِ. (ثُمَّ ارْفَعْ) منَ السجودِ (حَتى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) بعدَ السجدة الأُوْلَى (ثُمَّ اسْجُدْ) الثانيةَ (حَتى تَطْمئنَّ سَاجِدًا) كالأُولى؛ فهذهِ صفةُ ركعةٍ منْ ركعاتِ الصلاةِ قيامًا، وتلاوة، ورُكُوعًا، واعتدالًا منهُ، وسجودًا، وطمأنينة، وجلوسًا بينَ السجدتينِ، ثمَّ سجدةً باطمئنانٍ كالأُولى؛ فهذهِ صفةُ ركعةٍ كاملةٍ، (ثُمَّ افْعَلْ ذلِكُ) أي جميعَ ما ذُكِرَ منَ الأقوال والأفعالِ إلَّا تكبيرةَ الإحرامِ؛ فإنَّها مخصوصةٌ بالركعةِ الأُولَى لما عُلمَ شَرعًا منْ عدمِ تكرارِها، (في صَلَاتِكَ) في ركعاتِ صلاتِكَ (كُلِّهَا. أَخْرَجهُ السَّبْعَةُ) بألفاظٍ متقاربةٍ، (وَ) هذا (اللَّفْظُ) الذي ساقهُ [المصنفُ] (٣) هُنَا (لِلبُخَارِيِّ) وحدَهُ، (وَلاِبْنِ مَاجَهْ) أي منْ حديثِ أبي هريرةَ (بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ)، أي باسنادٍ رجالُهُ رجالُ مسلم، (حتَّى تطمئنَّ قائمًا) عِوَضًا عنْ قولِهِ في لفظِ البخاريِّ: حتَّى تعتدلَ؛ فدلَّ على إيجابِ الاطمئنانِ عندَ الاعتدالِ منَ الركوعِ، (ومثلُهُ) أي مثلُ ما أخرجهُ ابنُ ماجهْ ما في قولِهِ: ٢/ ٢٥٣ - وَمِثْلُهُ في حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع (٤) عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ: "حَتى تَطمَئِنَّ قَائِمًا". [صحيح]

стр. 557

- ولأَحْمَدَ: "فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتى تَرْجِعَ الْعِظَامُ". - وَللنَّسَائِي وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديث رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع: "إِنَّهَا لَا تُتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهُ تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ وَيُثْني عَلَيهِ"، وَفِيهَا: "فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرآن فَأقَرَأَ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ الله وَكبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ". - وَلأَبي دَاوُدَ: "ثُمَّ اقْرَأ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ". - وَلاِبْنِ حِبَّانَ: "ثُمَّ بِمَا شِئْتَ". (في حَدِيثِ رِفَاعَةَ) (١) بكسرِ الراءِ، هوَ ابنُ رافعٍ، صحابي أنصاريٌّ، شهدَ بدرًا وأُحُدًا وسائرَ المشاهدِ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وشهدَ معَ علي ﵇ الجملَ وصفينَ، وتُوُفيَ أولَ إمارةِ معاويةَ. (عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ) فإنهُ عندَهما بلفظِ: (حَتى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا، وفي لفظٍ لأحمدَ: فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتي تَرْجِعَ العِظَامُ)، أي التي انخفضتْ حالَ الركوعِ ترجعُ إلى ما كانتْ عليهِ حالَ القيامِ للقراءةِ؛ وذلكَ بكمالِ الاعتدالِ. (وللنسائيِّ وأبي داودَ منْ حديثِ رفاعةَ بن رافعٍ) أي مرفوعًا (إنَّهَا لَا تُتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) في آيةِ المائدةِ (٢)، (ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهُ) تكبيرةَ الإحرامِ، (وَيَحْمَدَهُ) بقراءةِ الفاتحةِ إلَّا أن قولُهُ: ([فإنْ] (٣) كانَ معكَ قرآن) يشعرُ

стр. 558

بأنَّ المرادَ بقولَهِ يحمدُه غيرُ القراءةِ، وهوَ دعاءُ الافتتاحِ، فيؤخذُ منهُ وجوبُ مطلقِ الحمدِ والثناءِ بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ. ويأتي الكلامُ في ذلك، (وَيُثْنِي عَلَيْهِ) بهَا. (وفيْها) أي في روايةِ النسائيِّ وأبي داودَ عن رِفاعةَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقَرَأْ وَإِلَّا) أي وإنْ لمْ يكنْ معكَ قرآنٌ (فَاحْمَدِ اللَّهَ)، أيْ ألفاظِ الحمدُ للَّهِ، والأظهرُ أنْ يقولَ: الحمدُ لله، (وَكَبِّرْهُ) بلفظِ: اللَّهُ أكبرُ، (وَهَلِّلْهُ) بقولِ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؛ فدلَّ [على] (١) أن هذهِ عوض [القراءة] (٢) لِمَنْ ليسَ لهُ قرآنٌ يحفظهُ. (وَلأَبي دَاوُدَ [أي] (٣) منْ روايةِ رفاعةَ: ثمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ، وَلاِبْنِ حِبَّانَ: ثمَّ بِمَا شِئْتَ). هذا حديثٌ جليلٌ يعرفُ بحديثِ المسيءِ صلاتُهُ، وقد اشتملَ على تعليم ما يجبُ في الصلاة وما لا تتمُّ إلا به، فدلَّ على وجوب الوضوءِ لكلِّ قائم إلى الصلاةِ وهوَ كما دلتْ عليهِ الآيةُ: ﴿إِذَا قُمتُمْ إِلَى الْصَّلَاة﴾ (٤)، والمرادُ لمنْ كانَ محدِثًا كما عُرِفَ مِنْ غيرِهِ. وقدْ فصَّلَ ما أجملتْهُ رواية البخاري روايةُ النسائيِّ بلفظِ: "حتَّى يسبغَ الوضوءَ كما أمرهُ اللَّهُ فيغسلُ وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ، ويمسحُ برأسِهِ ورجليْهِ إلى الكعبينِ". وهذا التفصيلُ دلَّ على عدمِ وجوبِ المضمضة والاستنشاقِ، ويكونُ هذا قرينة على حملِ الأمرِ بهمَا حيثُ وردَ علىَ الندبِ، ودلَّ على [وجوب] (٥) استقبالِ القبلةِ قبلَ تكبيرةِ الإحرامِ. وقدْ تقدمَ وجوبُهُ وبيانُ عفوِ الاستقبالِ للمتنفلِ الراكبِ، ودلَّ على وجوبِ تكبيرةِ الإحرام، وعلى تعيينِ [ألفاظِها] (٦) روايةُ الطبرانيِّ لحديثِ رفاعةَ بلفظِ: "ثمَّ يقولُ اللهُ أكبرُ"، وروايةُ ابن ماجَهْ (٧) التي صحَّحها ابنُ خزيمةَ (٨)، وابنُ حبانَ (٩) منْ حديثِ أبي حُمَيْدٍ مِنْ فعلِهِ ﷺ : "إذا قامَ إلى الصلاةِ اعتدلَ قائمًا، ورفع يديه، ثمَّ قالَ اللَّهُ أكبرُ"، ومثلُهُ أخرجهُ البزارُ (١٠) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ بإسنادٍ صحيح على شرطِ مسلمٍ: "أنهُ ﷺ كانَ إذا قامَ إلى الصلاةِ قالَ: اللَّهُ أكبرُ"، فهذَا يبينُ أن المرادَ مِنْ

стр. 559

تكبيرةِ الإحرامِ هذا اللفظُ. ودلَّ على وجوبِ قراءةِ القرآنِ في الصلاةِ سواء كانَ الفاتحةُ أو غيرُها لقولهِ: "ما تيسَّرَ مَعكَ منَ القرآنِ"، وقولُهُ: "فإنْ كانَ معكَ قرآنٌ"، ولكنَّ روايةَ أبي داودَ بلفظِ: "فاقرأ بأم الكتابِ"، وعندَ أحمد وابنِ حبانَ: "ثمَّ أقرأ بأمِّ القرآنِ، ثمَّ اقرأ بما شئتَ". وترجمَ لهُ ابنُ حبانَ (١) (بابُ فرضِ المصلِّي فاتحةَ الكتابِ في كلّ ركعةٍ) فمعَ تصريحِ الروايةِ بأمِّ القرآنِ يُحْمَلُ قولُه: ما تيسرَ معكَ على الفاتحةِ؛ لأنَّها كانتْ المتيسرة لحفظِ المسلمينَ لها أو يحملُ أنهُ ﷺ عرفَ منْ حالِ المخاطبِ أنهُ لا يحفظُ الفاتحةَ، ومنْ كانَ كذلكَ وهوَ يحفظُ غيرَها فلهُ أن يقرأَهُ، أو أنهُ منسوخٌ بحديثِ تعيينِ الفاتحةِ، أوْ أن المرادَ ما تيسرَ فيما زادَ على الفاتحةِ. ويؤيدُهُ روايةُ أحمدَ وابنِ حبانَ؛ فإنَّها عيَّنتِ الفاتحةَ وجعلتْ ما تيسَّرَ لما عدَاها، فيحتملُ أن الراوي حيثُ قالَ ما تيسرَ ولمْ يذكرِ الفاتحةَ ذهلَ عنْها، ودلَّ على إيجابِ غيرِ الفاتحةِ معها لقولهِ بأمّ الكتابِ وبما شاءَ اللَّهُ أو شئتَ. ما يدل عليه حديث المسيء صلاته ودلَّ على أن مَنْ [لمْ] (٢) يحفظِ القرآنَ يجزئُه الحمدُ والتكبيرُ والتهليلُ، وأنهُ لا يتعينُ عليهِ منهُ قدرٌ مخصوصٌ، ولا لفظٌ مخصوصٌ. وقدْ وردَ تعيينُ الألفاظِ بأنْ يقولَ: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ. ودلَّ على وجوبِ الركوعِ ووجوبِ الاطمئنانِ فيهِ. وفي لفظٍ لأحمدَ (٣) بيانُ كيفيتِهِ فقالَ: "فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيْكَ على ركبتيْكَ، وامددْ ظهرَكَ، ومكِّنْ ركوعَك"، وفي روايةٍ (٤): "ثمَّ [تكبرُ وتركعُ حتى تطمئنَّ مفاصلَك وتسترخي"] (٥). ودلَّ على وجوبِ الرفعِ منَ الركوعِ، وعلى وجوبِ الانتِصابِ قائمًا، وعلى وجوبِ الاطمئنانِ [قائمًا] (٦) لقولهِ: " [حتى

стр. 560

تطمئنَّ] (١) قائمًا". وقدْ قالَ المصنفُ (٢): إنَّها بإسنادِ مسلمٍ وقدْ أخرجَها السراجُ أيضًا بإسنادٍ على شرطِ البخاريِّ، فهيَ على شرطِ الشيخينِ. ودلَّ على وجوبِ السجودِ والطمأنينةِ فيهِ. وقدْ فصَّلتْها روايةُ النسائيِّ (٣) عنْ إسحاقَ بن أبي طلحة بلفظِ: "ثمَّ يكبرَ ويسجدُ حتى يُمَكِّنَ وجهَهُ وجبَهتُه حتَّى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخي". ودلَّ على وجوبِ القعودِ بينَ السجدتينِ، وفي روايةِ النسائيّ (٤): "ثمَّ يكبرُ فيرفعُ رأسَهُ حتَّى يستويَ قاعدًا على مقعدتِهِ ويقيمَ صلبَهُ"، وفي روايةٍ (٥): "فإذا رفعتَ رأسَكَ فاجلِسْ على فخذِكَ اليسرَى"؛ فدلَّ على أن هيئةَ القعودِ بينَ السجدتينِ بافتراشِ اليُسرى. ودلَّ على أنهُ يجبُ أنْ يفعلَ كلَّ ما ذكرَ في بقيةِ ركعاتِ صلاتهِ إلا تكبيرةَ الإحرامِ؛ فإنهُ معلومٌ أن وجوبَها خاصٌّ بالدخولِ في الصلاةِ أولَ ركعةٍ، ودلَّ على إيجابِ القراءةِ في كلِّ ركعةٍ وعلى ما عرفتَ منْ تفسيرِ ما تيسرَ بالفاتحةِ فتجبُ الفاتحةُ في كلّ ركعةٍ، وتجبُ قراءةُ ما شاء معهَا في كلّ ركعةٍ. ويأتي الكلامُ على إيجابِ ما عدَا الفاتحةِ في الآخرتينِ، والثالثةِ منَ المغربِ. كل ما ذكر في حديث المسيء فهو واجب (واعلمْ) أن هذَا حديثٌ جليلٌ تكررَ منَ العلماءِ الاستدلالُ بهِ على وجوبِ كلِّ ما ذُكِرَ فيهِ، وعدمُ وجوب كلِّ ما لا يذكرُ فيهِ. أمَّا الاستدلالُ على أن كلَّ ما ذُكِرَ فيهِ واجبٌ فلأنهُ ساقهُ ﷺ بلفظِ الأمرِ بعدَ قولِهِ: "لنْ تتمَّ الصلاةُ" إلَّا بما ذكرَ فيهِ، وأمَّا الاستدلالُ بأنَّ كلَّ ما لمْ يُذْكَرْ فيهِ لا يجبُ فلأنَّ المقامَ مقامُ تعليمِ الواجباتِ في الصلاةِ، فلوْ تركَ ذكرَ بعضَ ما يجبُ لكانَ فيهِ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ، وهوَ لا يجوزُ بالإجماعِ؛ فإذا حصرتْ ألفاظُ هذَا الحديثِ الصحيحِ أُخِذَ منْها بالزائدِ، ثمَّ إنْ عارضَ الوجوبَ الدالَّ عليهِ ألفاظُ هذَا الحديثِ أوْ عدمُ الوجوبِ دليلٌ أقْوَى منهُ عملَ بهِ، وإنْ جاءتْ صيغةُ أمرٍ بشيءٍ لمْ يذكرُ في هذا

стр. 561

الحديثِ [احتملَ] (١) أنْ يكونَ هذا الحديثُ قرينةً على حملِ الصيغةِ على الندبِ، واحتملَ البقاءَ على الظاهرِ فيحتاجُ إلى مرجِّع للعملِ بهِ. ومنَ الواجباتِ المتفَقِ [عليها] (٢) ولمْ تُذْكَرْ في هذا الحديثِ النيةُ. قلتُ: كَذَا في الشرحِ. ولقائلٍ أنْ يقول: قولُهُ إذا قمتَ إلى الصلاةِ دال على إيجابِها، إذْ ليسَ النيةُ إلَّا القصدُ إلى فعلِ الشيءِ. وقولُهُ: فتوضأ أي قاصدًا لهُ ثمَّ قال: والقعودُ الأخيرُ أي منَ الواجبِ المتفقِ عليهِ ولم يذكرُه في الحديثِ، ثمَّ قال: ومنَ المختلَفِ فيهِ التشهدُ الأخيرُ، والصلاةُ على النبي ﷺ فيهِ، والسلامُ في آخرِ الصلاةِ. ٣/ ٢٥٤ - وَعَنْ أَبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ؛ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِع رِجْلَيْهِ الْقبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ في الرّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنى، وَإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ونَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أبِي حُمَيْدٍ) (٤) بصيغةِ التصغيرِ (السّاعِدِيِّ)، هوَ أبو حميدِ ابن عبدِ الرحمنِ بن سعد الأنصاريِّ الخزرجيِّ الساعديِّ، منسوبٌ إلى ساعدةَ وهوَ أبو الخزرجِ، المدنيُّ، غلبَ عليهِ كنيتُهُ، ماتَ [في أواخر] (٥) ولايةِ معاويةَ. (قَالَ: رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ) أي للإحرامِ (جَعَلَ يَدَيْهِ) أي كفيهِ (حَذْوَ)

стр. 562

بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ (مَنْكِبَيْهِ)، وهذا هوَ رفعٌ [لليدين] (١) عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، (وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ). تقدمَ بيانهُ في روايةِ أحمدَ (٢) لحديث المسيءِ صلاتُه: "فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيْكَ على ركبتيْكَ، وامددْ ظهرَكَ، ومكِّنْ ركوعَك"، (ثُمَّ هَصَرَ) بفتحِ الهاءِ فصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ (ظَهْرَهُ)، قال الخطابيُّ (٣): أي ثناهُ في استواءٍ مِنْ غيرِ تقويسٍ، وفي روايةٍ للبخاريِّ: (ثمَّ حَنَى) بالحاءِ المهملةِ والنونِ، وهوَ بمعناهِ، وفي روايةٍ: "غيرَ مقنعٍ رأسَهُ ولا مصوِّبهُ"، وفي روايةٍ: "وفرَّجَ بينَ أصابعهِ"، (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي منَ الركوعِ (اسْتَوَى) زادَ أبو داودَ: "فقالَ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ اللهمَّ ربَّنَا لكَ الحمدُ ورفعَ يديهِ"، وفي روايةٍ لعبدِ الحميدِ زيادةٌ: "حتَّى يحاذِيَ بهمَا منكبيهِ مُعْتَدِلًا"، (حَتى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ) بفتحِ الفاءِ والقافِ آخرَهُ راءٌ، جمعُ فقارةٍ؛ وهي عظامُ الظهرِ. وفيْها روايةٌ بتقديمِ القافِ على الفاءِ (مَكَانَة)؛ وهي التي عبَّرَ عنْها في حديثِ رِفَاعَةَ (٤) بقولَهِ: "حتَّى تَرجعَ العِظَامُ"، (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) أي لهما، وعندَ ابن حبانَ: "غيرَ مفترشٍ ذراعيْهِ" (وَلَا قَابِضِهِمَا)، بأنْ يضمَّهُمَا إليهِ (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ)، ويأتي بيانُهُ في شرحِ حديثِ (٥): "أُمِرْتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ أعظُمٍ"، (وَإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ) جلوسَ التشهدِ الأوسطِ (جلس على رجلهِ اليُسرى، نصبَ اليمنى، وإذا جلس في الركعةِ الأخيرةِ) للتشهدِ الأخيرِ (قدمَ رجلَهُ اليسرى ونَصَب [اليمنى] (٦)، وقعدَ على مَقْعَدَتِهِ. أخرجهُ البخاريُّ) حديثُ أبي حميدٍ هذَا رُوِيَ عنهُ قولًا، وَرُوِيَ عنهُ فعلًا واصفًا فيهمَا صلاتَهُ ﷺ ، وفيه بِيانُ صلاتِهِ ﷺ ، وأنهُ كانَ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ يرفعُ يديهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ، ففيهِ دليلٌ عَلَى أَنَّ ذلكَ منْ أفعالِ الصلاةِ، وأنَّ رفعَ اليدينِ مقارِنٌ للتكبيرِ، وهوَ الذي دلَّ عليهِ حديثُ وائلِ بن حجرٍ عندَ أبي داودَ (٧): وقدْ وردَ تقديمُ الرفعِ على التكبيرِ

стр. 563

وعكسُهُ، فوردَ بلفظِ: رَفَعَ يديْه ثمَّ كَبَّرَ، وبلفظِ: كبَّرَ ثمَّ رفعَ يديْهِ. وللعلماءِ قولانِ، (الأولُ): مقارنةُ الرفعِ للتكبيرِ، (والثاني): تقديمُ الرفع على التكبيرِ. ولمْ يقلْ أحدٌ بتقديم التكبيرِ على الرفع فهذهِ صفتُهُ. وفي المنهاجِ (١) وشرحِهِ "النجمُ الوهاجُ": والأولُ رفعُهُ [وهو الأصحّ] (٢) معَ ابتدائِهِ لمَا رَوَاهُ الشيخانِ (٣) عن ابن عمرَ: "أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يرفعُ يديْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ حينَ يكبِّرُ،"؟ فيكونُ ابتدَاؤُهُ معَ ابتدائهِ، [ولا استصحابَ] (٤) في انتهائهِ؛ فإنْ فرغَ منَ التكبيرِ قبلَ تمامِ الرفعِ أوْ بالعكسِ أتمَّ الآخرُ، فإنْ فرغَ منْهما حطَّ يديْهِ ولمْ يستدم الرفعَ. (والثاني): يرفعُ غيرَ مكبِّرٍ ثمَّ يكبِّرُ - ويداه قارَّتانِ - فإذا فرغَ أرسلَهُمَا؛ لأنَّ أَبا داودَ رواهُ (٥) كذلكَ بإسنادِ حسنٍ. وصححَ هذا البغداديُّ، واختارهُ الشيخُ النووي، ودليلُه في مسلم (٦) منْ روايةِ ابن عمرَ. (والثالثُ) يرفعُ معَ ابتداءِ التكبيرِ، ويكونُ انتهاؤُه معَ انتهائِه، ويحطُّهُمَا بعدَ فراغِ التكبيرِ لا قبلَ فراغِهِ؛ لأنَّ الرفعَ للتكبيرِ فكانَ معهُ، وصحَّحهُ المصنفُ (٧) ونسبهُ إلى الجمهورِ. انتهى بلفظهِ وفيهِ (٨) تحقيقُ الأقوالِ وأدلتها. ودلَّتِ الأدلةُ أنهُ مِن العمل المخيَّرِ فيهِ، فلا يتعينُ شيءٌ [بعينه] (٩). وأمَّا حكمهُ، فقالَ داودُ، والأوزاعيُّ، والحُمَيْدِيُّ شيخُ البخاريِّ، وجماعةٌ: إنهُ واجبٌ لثبوتِهِ مِنْ فعلِهِ ﷺ ؛ فإنهُ قالَ المصنفُ (١٠): إنهُ رَوَى رفعَ اليدينِ في

стр. 564

أول الصلاةِ خمسونَ صحابيًا، منهمْ: العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ (١). وَرَوَى

стр. 565

البيهقيُّ عن الحاكمِ قال: لا نعلم سنةٌ اتفقَ [على روايتَها] (١) عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ الخلفاءُ الأربعةُ، ثمَّ العَشَرَةُ المشهودُ لهمْ بالجنةِ فَمَنْ بعدَهم منَ الصحابةِ معَ تفرُّقِهم في البلادِ الشاسعةِ غيرَ هذهِ السنةِ. قالَ البيهقيُّ: هوَ كما قالَ أستاذُنا أبو عبدِ اللَّهِ. قالَ الموجبونَ: قد ثبتَ الرفعُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ هذا الثبوتَ. وقدْ قالَ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٢)، فَلِذَا قلْنَا بالوجوبِ. وقالَ غيرُهم: إنهُ سنةٌ منْ سننِ الصلاةِ، وعليهِ الجمهورُ، وزيدُ بنُ عليٍّ، والقاسمُ، والناصريُّ، والإمامُ يحيى. وبهِ قالتِ الأئمةُ الأربعةُ منْ أهلِ المذاهبِ، ولمْ يخَالفْ فيهِ ويقولُ إنهُ ليسَ سنةً إلا الهادي. وبهذَا تعرفُ أن مَنْ رَوَى عن الزيديةِ أنَّهم لا يقولونَ بهِ فقدْ عمَّمَ النقلَ بِلا علم هذَا، وأما إلى أي محلٍّ يكونُ الرفعُ فروايةُ أبي حُمَيْدٍ هذه (٣) تفيدُ أنهُ إلى مقابلِ المنكبينِ، والمنكبُ مجمعُ رأسِ عظمِ الكتفِ والعضدِ، وبهِ أخذتِ الشافعيةُ. وقيلَ: إنهُ يرفعُ حتَّى يحاذيَ بهمَا فروعَ أذنيهِ لحديثِ وائل بن حجرٍ (٤) بلفظه: "حتَّى حاذَى أذنيْهِ" وجُمِعَ بينَ الحديثينَ بأنَّ المرادَ أنهُ يحاذي بظهرِ كفيهِ المنكبينِ، وبأطرافٍ أناملِهِ الأذنينِ، كما تدلُّ لهُ روايةٌ [لوائل] (٥) عندَ أبي داودَ (٦) بلفظِ: "حتَّى كانتْ حيالَ منكبيهِ، ويحاذي بإبهاميهِ أذنْيهِ". وقولُهُ: (أمكنَ يديْهِ منْ ركبتيهِ) قدْ فسرَ هذَا الإمكانَ روايةُ أبي داودَ (٧):

стр. 566

"كأنهُ قابضٌ عَليْهِمِا"، وقولُهُ: (هصرَ ظهرَهُ) تقدمَ قولُ الخطابيِّ فيهِ، وتقدمَ في روايةِ: "ثمَّ حَنَى" بالحاءِ المهملةِ والنونِ، وهوَ بمعناهُ، وفي روايةِ: "غيرَ مقنعٍ رأسَه ولا مصوِّبهُ"، وفي روايةِ: "وفرَّجَ بينَ أصابِعِه"، [وقد سبقتْ] (١). وقولُهُ: (حتَّى يعودَ كلَّ فَقارٍ) المرادُ منهُ كمالُ الاعتدالِ، وتفسِّرهُ روايةُ: "ثمَّ يمكثُ قائمًا حتَّى يقعَ كلُّ عضو [موقعهُ] " (٢). وفي ذكرهِ كيفيةِ الجلوسينِ: الجلوسِ الأوسطِ والأخيرِ دليلٌ على تغايرِهِما، وأنهُ في الجلسةِ الأخيرةِ يتوركُ أي يفضي بورِكِه إلى الأرضِ وينصبُ رجلَه اليمنى. وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ سيأتي. وبهذا الحديثِ عملَ الشافعي ومَنْ تابَعَهُ. دعاء الاستفتاح عن علي بن أبي طالب ٤/ ٢٥٥ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ - إِلى قَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَئي وَأَنا عَبْدُكَ - إِلَى آخِرِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣)، وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (٤): إِنَّ ذَلِكَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ. [صحيح] (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ) أي قصدتُ بعبادتي، (إلى قَوْلِهِ مِنَ

стр. 567

الْمُسْلِمِينَ)، وفيهِ روايتانِ أنْ يقول: [وأنا أول المسلمينَ بلفظِ الآيةِ، ورِواية] (١): وأنَا مِنَ المسلمينَ، وإليها أشارَ المصنفُ (٢). (اللَّهُمَّ أَنتَ الْمَلِكُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، إِلَى آخِرِهِ. رَوَاه مُسْلِمٌ)، تمامُهُ: "ظَلَمْتُ نفسي، واعتَرَفْتُ بذنبي فَاغفِرْ لي ذنوبي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ، واهدِني لأحسنِ الأخْلاقِ؛ لا يهدي لأحسَنِها إلا أنْتَ، وَاصْرِفْ عنِّي سيئَها لا يَصْرِفُ عني سَيّئهَا إلا أنْتَ، لبيكَ وسعَدْيكَ والخيرُ كلُّهُ في يديكَ، والشرُّ ليسَ إليكَ، أنا بكَ وإليكَ، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ". وقولُهُ: (فطرَ السمواتِ والأرضَ) أي: ابتدأَ خلْقَهُما منْ غيرِ مثالٍ [سبق] (٣)، وقولُهُ: (حنيفًا) أي مائلًا إلى الدينِ الحقِّ وهوَ الإسلامُ، وزيادةُ (وما أنا من المشركينَ) بيانٌ للحنيفِ، وأيضًا لمعناهُ. والنسكُ العبادةُ وكلُّ ما يتقربُ بهِ إلى اللَّهِ. وعطْفُهُ على الصلاةِ مِنْ عطفِ العامِ على الخاصِّ. وقولُهُ: (ومحيايَ ومماتي) أي: حياتي وموتي للَّهِ، أي: هوَ المالكُ لهما والمختصّ بِهَمَا. وقولُهُ: (ربِّ العالمينَ) الربُّ الملكُ، والعالمينَ جمعُ عَالَمٍ، مشتقٌّ منَ العلم وهو اسمٌ لجميعِ المخلوقاتِ كذا قيلَ. وفي القاموسِ (٤): العالَمِ الخَلْقُ كُلُّهُ، أَو مَا حَواهُ بَطْنُ الفَلَكِ، ولا يُجْمَعُ فاعل بالواوِ والنونِ غَيْرُهُ، وغَيْرُ ياسَمٍ (٥). وقولُهُ: (لا شريكَ له) [تأكيد] (٦) لقولهِ ربّ العالمينَ المفهومِ منهُ الاختصاصُ، وقولُهُ: (اللَّهمَّ أنتَ الملكُ) أي: مالكُ لجميعِ المخلوقاتِ. وفي قوله: (ظلمتُ نفسي)، اعترافٌ بظلمِ نفسِهِ، قدَّمَهُ على سؤالِ المغفرةِ. ومعنَى (لبيكَ) أقيمُ على طاعتِكَ وامتثالِ أمرِكَ إقامةً متكررةً، (وسعديْكَ) أي: أُسْعِدُ أمَرَكَ وأتبعُهُ إسعادًا متكررًا. ومعنَى: (الخيرُ كلُّهُ في يديكَ) الإقرارُ بانَّ كلَّ خيرٍ واصلٍ إلى العبادِ ومرجوٍّ وصولُهُ فهوَ في يديهِ تَعَالَى. ومعنى (والشرُّ ليسَ إليكَ) أي ليسَ مما يَتَقَرَّبُ إليكَ بهِ، أي يضافُ إليكَ؛ فلا يقالُ: يا ربّ الشرُّ، أو لا يصعدُ إليكَ؛

стр. 568

فإنهُ إنما يصعدُ إليه الكلمُ الطيبُ. ومعنَى: (أنا بكَ وإليكَ) أي: التجائي [وانتهائي] (١) إليكَ، وتوفيقي بكَ. ومعنى: (تباركتَ) استحققتَ الثناءَ أو ثبتَ الخيرُ عندَك، فهذَا ما يقالُ في الاستفتاح مطلقًا، (وفي روايةٍ لهُ) أي لمسلمٍ: (أن ذلكَ) كانَ يقولُهُ ﷺ (في صلاةِ الليلِ) [لم نجده في مسلم هذا الذي ذكره المصنف من أنه كان يقول في صلاة الليل، وإنما ساق حديث علي ﵇ هذا في قيام الليل. وقد] (٢) نقلَ المصنفُ في التلخيصِ (٣) عن الشافعيِّ، وابنِ خزيمةَ أنهُ يقالُ في المكتوبةِ، وأنَّ حديثَ عليٍّ ﵇ وردَ فيها، فعَلى كلامِهِ هُنَا يحتملُ أنهُ مختصٌّ بها هذَا الذكرُ، ويحتملُ أنهُ عامٌ، وأنهُ يخيَّرُ العبدُ بينَ قولِه عقيبَ التكبيرِ، أو قولِ ما أفادَهُ: دعاء الاستفتاح عن أبي هريرة ٥/ ٢٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ للِصّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمّ بَاعِدْ بَيني وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّني مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْني مِنْ خَطَايَايَ بالْمَاءِ وَالثلْجِ وَالْبَرَدِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ في الصّلَاةِ) أي تكبيرةَ الإحرامِ (سَكَتَ هُنَيْهَةً) بضمِ الهاءِ فنونٍ فمثناةٍ [تحتية] (٥) فهاءٍ مفتوحةٍ [فهاء] (٦)، أي ساعةً لطيفةً (قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ) أي عنْ سكوتِهِ ما يقولُ فيهِ؟ (قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) المباعدةُ المرادُ بها محوُ ما حَصَلَ منْها، أو العصمةُ عمَّا

стр. 569

يأتي منْها (كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فكما لا يجتمعُ المشرقُ والمغربُ لا يجتمعُ هوَ وخطاياهُ. (اللَّهُمَّ نَقِّني مِنْ خَطَايَايَ كَمَا ينَقَّى الثَّوْب الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتحِ الدالِ المهملةِ والنونِ فسينٍ مهملةٍ، في القاموسِ (١) أنهُ الوسخُ، والمرادُ أزلْ عني الخطايا [بهذه] (٢) الإنابةِ. (اللَّهمَّ اغْسِلْني مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) بالتحريكِ، جمعُ بردةٍ. قالَ الخطابيُّ (٣): ذكرَ الثلجَ والبردَ تأكيدًا، أوْ لأنَّهما ماءانِ لم تستعْملهُما الأيدي. وقال ابنُ دقيقِ (٤) العيدِ: عبَّرَ بذلكَ عنْ غايةِ المحو؛ فإنَّ الثوبَ الذي تكررَ عليهِ ثلاثةُ أشياءَ منقيةً يكونُ في غايةِ النَّقَا. وفيهِ أقوالُ أُخَرُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يقولُ هذا الذكرَ بينَ التكبيرةِ والقراءةِ سرًا، وأنهُ يخيرُ بينَ هذا الدعاءِ والدعاءِ الذي [سلف] (٥) في حديثِ عليٍّ ﵇، أو يجمعُ بينهمَا. دعاء الاستفتاح عن عمر ٦/ ٢٥٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، بسندٍ مُنْقَطِعٍ (٦). وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا (٧) وَمَوْقُوفًا (٨). [موقوف] (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقولُ) أي بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ) أي: أسبِّحُكَ حالَ كوني متلبِّسًا بحمدِكَ (وتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ). قالَ الحاكمُ (٩): قدْ صحَّ عنْ عمرَ. وقالَ في الهدَى النبويِّ (١٠): إنَّهُ قدْ صحَّ عنْ عمرَ أنهُ كانَ يستفتحُ بهِ في مقامِ النبيِّ ﷺ ، ويجهرُ بهِ ويعلِّمُهُ الناسَ، وهوَ بهذَا الوجهِ في حكمِ المرفوعِ، ولذَا فالَ الإمامُ

стр. 570

أحمدُ: أمَّا أنا فأذهبُ إلى ما رُويَ عنْ عمرَ، ولوْ أن رجلًا استفتحَ ببعضِ ما رَوَى [لكانَ] (١) حَسَنًا. وقدْ [روى] (٢) في التوجهِ ألفاظ كثيرةٌ، والقولُ بأنهُ يُخَيَّرُ العبدُ بينَها قولٌ حَسَنٌ، وأما الجمعُ بينَ هذَا وبينَ وجَّهتُ وجهيَ الذي تقدمَ [فقدْ وردَ] (٣) في حديث ابن عمرَ، رواهُ الطبرانيُّ في الكبير (٤)، وفي رُوَاتِهِ ضعفٌ. (والدَّارَقُطْنِيُّ) عطفٌ على مسلمٍ، أي رواهُ الدارقطنيُّ (مَوْصُولًا) [وَمَوْقُوفًا] (٥) على عمرَ، وأخرجهُ أبو داودَ (٦)، والحاكمُ (٧) منْ حديثِ عائشةَ مرفوعًا [قالتْ] (٨): "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا استفتحَ الصلاةَ قالَ: سبحانكَ" الحديثُ. ورجالُ إسنادهِ ثقاتٌ، وفيهِ انقطاعٌ، وأعلَّهُ أبو داودَ، وقالَ الدارقطنيُّ: ليسَ بالقويِّ. ٧/ ٢٥٨ - وَنَحْوَه عَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ (٩)، وَفِيهِ:

стр. 571

وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكبِيرِ: "أَعوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، منْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفَثِهِ". [صحيح] (وَنَحْوَه) أي نحوَ حديثٍ عمرَ (عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفوعًا عِنْدَ الخَمْسَةٍ وفِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبيرِ: "أَعوذ بِاللَّهِ السَّمِيعِ" لأقوالهم (الْعَلِيمِ) بأقوالهِم وأفعالِهم وضمائرِهمْ (مِنْ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) المرجومِ (مِنْ هَمْزِهِ) المراد به الجنون (ونَفْخِهِ) بالنونِ فالفاءِ فالخّاء [المعجمة] (١)؛ والمرادُ بهِ الكبرُ (وَنَفَثِهِ) بالنونِ والفاءِ والمثلثة؛ المرادُ بهِ الشِّعْرُ وكأنه أرادَ بهِ الهجاء. والحديثُ دليلٌ على الاستعاذةِ وأنَّها بعدَ التكبيرةِ، والظاهرُ أنَّها أيضًا بعدَ التوجهِ بالأدعيةِ لأنَّها تعوُّذُ القراءةَ [وهوَ] (٢) قبلَها. ٨/ ٢٥٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بِالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذلِكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مِنَ الركُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ جالسًا. وَكَانَ يَقُولُ في كلِّ رَكعَتَينِ التَّحِيَّةَ. وَكَان يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى. وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقبَةِ الشّيْطَانِ، وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاة بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣)، وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح بشواهده]

стр. 572

(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسول اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِح) أي يفتتحُ (الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ)، أيْ [يقولُ] (١): اللَّهُ أكبرُ، كما وردَ بهذَا اللفظِ في الحليةِ لأبي نعيمٍ (٢). والمرادُ تكبيرةُ الإحرامِ، ويقال لها تكبيرةُ الافتتاح، (وَالْقِرَاءَةَ) منصوبٌ معطوفٌ على الصلاةِ، أي ويستفتحُ القراءةَ (بِالْحَمْدُ) بضمِّ الدالِ على الحكايةِ، (للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يشْخِصْ) بضمِّ المثناةِ التحتيةِ فشينٍ فخاءٍ معجمتين فصادٍ مهملةٍ، (رَأْسَهُ) أي لمْ يرفعْه (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) بضمِّها أيضًا وفتحِ الصادِ المهملةِ وكسرِ الواوِ المشددةِ، أي لم يخفضْهُ خفضًا بليغًا، بلْ بينَ الخفضِ والرفعِ، وهوَ التسويةُ كما دلَّ لهُ قولُهُ: (وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ) أيْ بينَ المذكورِ منَ الخفضِ والرفعِ (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ) أي: رأسَهُ (مِنَ الرُّكوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) تقدمَ في حديثِ أبي هريرةَ في أولِ البابِ: "ثمَّ ارفعْ حتَّى تعتدلَ قائمًا". (وَ) كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السجودِ أي الأولِ (لَمْ يسْجدْ) الثانية (حَتى يَسْتِويَ بينَهمَا) جالسًا. وتقدمَ: "ثم ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالسا"، (وكانَ يقول في كلِّ ركعتينِ) أي بعدَهما (التحيةَ) أي يتشهدُ بالتحياتِ [للَّهِ] (٣) كما يأتي، ففي الثلاثيةِ والرباعيةِ المرادُ بهِ الأوسطَ، وفي الثنائيةِ الأخيرَ. (وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى) ظاهرُهُ أن هذا جلوسُهُ في جميعِ الجلساتِ بينَ السجودينَ وحالَ التشهدينِ. وتقدَّمَ في حديثِ أبي حميدٍ (٤): "وإذا جلسَ في الركعتينِ جلسَ على رجلهِ اليُسرى ونَصبَ اليُمنى"، (وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ القافِ فموحَّدةٍ، ويأتي تفسيرُها. (وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجل ذِرَاعَيْهِ افتِرَاشَ السّبعِ) بأنَّ يبسطهُمَا في سجودهِ، وفسرَ السبعَ بالكلبِ، ووردَ في روايةِ بلفظهِ: (وَكَانَ يَخْتِتم الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ فسْلِمٌ وَلَه عِلَّةٌ)، وهي أنهُ أخرجهُ مسلمٌ منْ روايةِ أبي الجوزاءِ، بالجيمِ والزاي، عنْ عائشةَ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): هوَ مرسلٌ، أبو الجوزاءِ لم يسمع منْ عائشةَ. وأُعِلَّ أيضًا بأنهُ أخرجهُ مسلمٌ منْ طريقِ الأوزاعيِّ مكاتبةً.

стр. 573

والحديثُ فيهِ دلالةٌ على تعيينِ التكبيرِ عندَ الدخولِ في الصلاةِ. وتقدمَ الكلامُ فيهِ في حديثِ أبي هريرةَ أولَ البابِ (١). واستدلَّ بقولِها: "والقراءةُ بالحمدِ" على أن البسملةَ ليستْ منَ الفاتحةِ، وهوَ قولُ أنسٍ وأُبي منَ الصحابةِ، وقالَ بهِ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وآخرونَ، وحجَّتُهم هذا الحديثِ. وقد أجيبَ عنهُ بأنَّ مرادهَا بالحمدِ لله ربِّ العالمينَ السورةُ نفسُها لا هذَا اللفظُ؛ فإنَّ الفاتحةَ تُسَمَّى بالحمدِ للَّهِ ربّ العالمينَ، كما ثبتَ في صحيحِ البخاريّ (٢)؛ فلا حجةَ فيهِ على أن البسملةَ ليستْ منَ الفاتحةِ. ويأتي الكلامُ [عليهِ] (٣) مُسْتَوْفَى في حديثِ أنسٍ (٤) قريبًا. وتقدمَ الكلامُ على أنهُ في ركوعهِ لا يرفعُ رأسَهُ ولا يخفضُهُ كما تقدمَ على قولِهِ: (وكانَ إذا رفعَ رأسَه) إلى قولِهِ: (وكانَ يقول التحيةَ). والمرادُ بها الثناءُ المعروفُ بالتحياتِ للَّهِ الآتي لفظُهُ في حديثِ ابن مسعود (٥) [إن] (٦) [شاء اللَّهُ تعالى] (٧)، ففيه شرعيةُ التشهدِ الأوسطِ والأخيرِ. ولا يدلُّ على الوجوب لأنهُ فعلٌ إلَّا أنْ يقال إنهُ بيانٌ لإجمالِ الصلاةِ في القرآنِ المأمورِ بهَا وُجُوبًا. والأَفعالُ لبيانِ الواجبِ واجبةٌ أوْ يقالْ بإيجابِ أفعالِ الصلاةِ لقولهِ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٨). وقدِ اختُلِفَ في التشهدينِ، فقيلَ واجبانِ، وقيلَ [سنتانِ] (٩)، وقيلَ الأولُ سنةٌ والأخيرُ واجبٌ. ويأتي الكلامُ في حديثِ ابن مسعودٍ إنْ شاءَ اللَّهَ تعالَى على التشهدِ الأخير، وأما الأوسطِ فإنهُ استدلَّ مَنْ قالَ بالوجوب بهذا الحديثِ كما قررناهُ، وبقولهِ ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكمْ فليقلْ التحياتُ للَّهِ" (١٠) الحديثَ. ومَنْ قالَ بأنَّها سنةٌ استدلَّ بأنهُ ﷺ لما سَهَا عنهُ لمْ يعدْ لأدائِهِ وجبره بسجودِ السهوِ ولوْ وجبَ لمْ يجبرْهُ سجودُ السهوِ كالركوعِ وغيرِهِ منَ الأركانِ. وقدْ ردَّ هذا الاستدلالُ بأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ الوجوبُ معَ الذكرِ فإن نسيَ حتَّى دخلَ في

стр. 574

فرضٍ آخرَ [جبره] (١) سجودُ السهوِ، [وفي] (٢) قولِها: (وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى)، [ما] (٢) يدل أنَّهُ كانَ جلوسهُ ﷺ بينَ السجدتينِ وحالَ التشهدِ، وقدْ ذهبَ إليهِ الهادويةُ، والحنفيةُ، ولكنَّ حديثَ أبي حميدٍ (٣) الذي تقدَّمَ فرَّقَ بينَ الجُلوسينِ فجعلَ هذا صفة الجلوسِ [بعد] (٤) الركعتينِ، وجعلَ صفةَ الجلوسِ الأخيرِ تقديمَ رجلهِ اليُسرى ونَصْبَ الأخرى، والقعودَ على مَقْعَدِتِهِ، وللعلماءِ خلافٌ في ذلكَ، والظاهرُ أنهُ مِنَ الأفعالِ المخيَّرِ فيْها. وفي قولِها: (يَنْهَى عنْ عُقْبَةِ الشيطانِ) أي في القعودِ، وفُسِّرَتْ بتفسيرينِ، أحدِهما: أنْ يفترشَ قدميْهِ [ويجلس بأَليتيهِ] (٥) على عقبيهِ، ولكنَّ هذه القَعْدَةَ اختارَها العبادلةُ في القعودِ [غير] (٦) الأخيرِ، وهذه تُسَمَّى إقعاءً، وجعلوا المنهيَّ عنهُ هو الهيئةُ الثانيةُ تسمَّى أيضًا إقعاءً؛ وهو أنْ يلصقَ [الرجل] (٧) أليتيهِ في الأرض وينصبَ ساقيهِ وفخذيهِ، ويضعَ يديهِ على الأرضِ، كما يقعي الكلبُ. وافتراشُ الذراعينِ تقدَّمَ أنهُ بَسْطُهُمَا على الأرضِ حالَ السجودِ. وقدْ نَهَى ﷺ عن التشبهِ بالحيواناتِ، نهى عن بروكٍ كبُروكِ البعير (٨)، والتفات كالتفاتِ الثعلب (٩)، وافتراشٍ كافتراشِ السَّبُعِ (١٠)،

стр. 575

وإقعاء كإقعاءِ الكلب (١)، ونقرٍ كنقرِ الغرابِ (٢)، ورفعِ الأيدي وقتَ السلامِ كأذنابِ خيلٍ شُمُسٍ (٣). وفي قولِها: (وكانَ يختمُ الصلاةَ بالتسليمِ) دلالةٌ على شرعيةِ التسليمِ، وأما إيجابهُ فَيُسْتَدَلُّ لهُ بما قدَّمْنَاهُ سابِقًا. سنة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ٩/ ٢٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ، أي: مقابلَ (مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ). تقدمَ في حديثِ

стр. 576

أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ (١). (وإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ) رفعَهُما، (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: أرادَ أنْ يرفعَهُ (مِنَ الرُّكُوعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ شرعيةُ رفعِ اليدينِ في هذهِ الثلاثةِ المواضعِ، أمَّا عندَ تكبيرةِ الإحرامِ فتقدمَ فيهِ الكلامُ، وأما عندَ الركوعِ والرفعِ مِنْهُ فهذَا الحديثُ دلَّ على مشروعيةِ ذلكَ. قالَ محمدُ بن نصرٍ المروزيِّ: أجمعَ علماءُ الأمصارِ على ذلكَ إلَّا أهلَ الكوفةِ. قلتُ: والخلافُ فيهِ للهاوديةِ مطلقًا في المواضعِ الثلاثةِ، واستُدِلَّ للهادي ﵇ في البحرِ (٢) بقولِهِ ﷺ : "ما لي أراكم [الحديث] (٣) "، قلتُ: وهوَ إشارةٌ إلى حديثِ جابرِ بن سمرةَ أخرجَهُ مسلمٌ (٤)، وأبو داودَ (٥)، والنسائيُّ (٦)، ولفظهُ عنهُ قَالَ: "كنَّا إذا صَلَّيْنَا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ قلْنا بأيدينَا السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللَّهِ وأشارَ بيديهِ إلى الجانبينِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : علامَ تُوْمِئُونَ بأيديْكمْ، ما لي أرى أيديْكم كأذنابِ خيلِ شُمسٍ، اسكنُوا في الصلاةِ، وإنما يكفي أحدَكم أنْ يضعَ يدَهُ على فَخِذِهِ، ثمَّ يسلِّمَ على أخيهِ عنْ يمينهِ وشمالهِ" انتهى بلفظهِ. وهوَ حديثٌ صريحٌ في أنهُ كانَ ذلكَ في إيمائِهم بأيديهمْ عندَ السلامِ، والخروجِ منَ الصلاةِ، وسببهُ صريحٌ في ذلكَ. وأما قولُهُ: "اسكنُوا في الصلاةِ" فهوَ عائدٌ إلى ما أنكرهُ عليهمْ منَ الإيماءِ إلى كل حركة في الصلاةِ؛ فإنهُ معلومٌ أنَّ الصلاةَ مركبةٌ منْ حركاتٍ وسكونٍ وذكرِ [الله] (٧)، قالَ المقبليُّ في المنارِ (٨) على كلامِ الإمامِ المهديِّ: إنْ هذا كان غفلةً منَ الإمامِ إلى هذَا الحد فقدْ أبعدَ، وإنْ كانَ معَ معرفتهِ حقيقةُ الأمرِ، فهوَ أورعُ وأرفعُ منْ ذلكَ، والإكثارُ في هذا لجاجٌ مجردٌ، وأمرُ الرفعِ أوضحُ منْ أنْ تورَدَ لهُ

стр. 577

الأحاديثُ المفرداتُ، وقدْ كثرتْ كثرةً لا تُوَازَى، وصحَّتْ صحةً لا تمنعُ، ولذَا لم يقعِ الخلافُ المحققُ فيهِ إلا للهادي فقطْ، فَهِيَ منَ النوادرِ التي تقعُ لأفرادِ العلماءِ مثلِ مالك والشافعيِّ وغيرِهما، ما أحدٌ منْهم إلَّا لهُ نادرةٌ ينبغي أنْ تغمرَ في [جنبِ فضلِهِ] (١) وتجتنبَ"، انتهى. وخالفتِ الحنفية فيْما عدا الرفعَ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، واحتجُّوا بروايةِ مجاهدٍ (٢): "أنهُ صلَّى خلف ابن عمرَ فلمْ يرهُ يفعلُ ذلكَ"، وبما أخرجهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ ابن مسعودٍ: "بأنهُ رَأَى النبيَّ ﷺ يرفعُ يديهِ عندَ الافتتاحِ ثمَّ لا يعودُ". وأجيبَ بأنَّ الأولَ فيهِ أبو بكرٍ بنُ عياشٍ (٤) وقدْ ساءَ حِفْظُهُ، ولأنهُ معارَضٌ بروايةِ نافعٍ وسالمٍ ابن ابن عمرَ لذلكَ، وهما مثبتانِ، ومجاهدُ نافٍ، والمثبتُ مقدَّمٌ، وبأنَّ تركهُ لذلكَ إذا ثبتَ كما رواهُ مجاهدُ يكونُ

стр. 578

مبيِّنًا لجوازِه، وأنهُ لا يراهُ واجبًا، وبأنّ الثاني وهو حديثُ ابن مسعودٍ لم يثبتْ كما قالَ الشافعيُّ، ولوْ ثبتَ لكانت روايةُ ابن عمرَ مقدَّمةٌ عليهِ لأنَّها إثباتٌ، وذلكَ نفْيٌ، والإثباتُ مقدَّمٌ. وقدْ نقلَ البخاريُّ عن الحسنِ (١)، وحميدِ بن هلالِ (٢) أن الصحابةَ ﵃ كانُوا يفعلونَ ذلكَ. قالَ البخاريُّ (٣): ولمْ يستثنِ الحسنُ أحدًا. ونقلَ عن شيخهِ عليٍّ بن المديني أنهُ قالَ: حق على المسلمينَ أنْ يرفعُوا أيدَيهُمْ عندَ الركوعِ والرفعِ منهِ لحديثِ ابن عمرَ هذا، وزادَ البخاريُّ (٤) في موضع آخرَ بعدَ كلامِ ابن المديني: وكانَ علي أعلمَ أهلِ زمانِهِ. قالَ (٥): ومَنْ زَعَمَ أنهُ بدعةٌ فقدْ طعنَ في الصحابةِ ويدل لهُ قولُهُ: ١٠/ ٢٦١ - وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبي دَاوُدَ (٦): يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ. ثُمَّ يُكَبِّرُ. [صحيح] (وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ ثمَّ يُكَبِّرُ). تقدمَ حديثُ أبي حميدٍ منْ روايةِ البخاريِّ، لكنْ ليسَ فيهِ ذكرُ الرفعِ إلَّا عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، بخلافِ حديثهِ عندَ أبي داودَ ففيهِ إثباتُ الرفعِ في الثلاثةِ المواضع كما أفادُه حديثُ ابن عمرَ، ولفظُهُ عندَ أبي داودَ (٧): "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ اعتدلَ قائمًا، ورفعَ يدْيهِ حتَّى يحاذيَ بهمَا منكبيهِ، فإذَا أرادَ أنْ يركعَ رفعَ يديْهِ حتى يحاذَي بهمَا منكبيهِ - الحديثُ [تمامه] (٨): ثمَّ قالَ: اللَّهُ أكبرُ وركعَ، ثمَّ اعتدلَ ولم يصوِّبْ رأسَهُ، ولمْ يقنعْ، ووضعَ يديهِ على ركبتيهِ، ثمَّ قالَ: سمعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ورفعَ يديهِ، واعتدلَ حتَّى رجعَ كلُّ عَظْمٍ إلى موضعِهِ معتدلًا - الحديثَ"، فأفادَ رفعُهُ ﷺ يديهِ في الثلاثةِ المواضعِ، وكانَ على

стр. 579

المصنفِ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ ثمَّ يكبرُ: الحديثَ، ليفيدَ أن الاستدلالَ بهِ جميعَهُ، فإنهُ قدْ يتوهمُ أن حديثَ أبي حميدٍ ليسَ فيهِ إلَّا الرفعُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، كما أن [قولَهُ] (١): ١١/ ٢٦٢ - وَلمُسْلِمٍ (٢) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. [صحيح] (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نحوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أي في الرفعِ في الثلاثةِ المواضعِ (لَكِنْ قَالَ حَتى [يحَاذِيَ] (٣) بِهِمَا) أي اليدينِ (فُرُوعَ أُذُنَيْهِ) أطرافَهُمَا، فخالفَ روايةَ ابن عمرَ وأبي حميدٍ في هذا اللفظِ. فذهبَ البعضُ إلى ترجيحِ روايةِ ابن عمرَ لكونِها متَّفَقًا عليْها، وجمعَ آخرونَ بينَهما، فقالُوا: يحاذي بظهرِ كفيهِ المنكبينِ، وبأطرافِ أناملِهِ الأذنينِ، [وأيَّدُوا ذلكَ] (٤) بروايةِ أبي داودَ (٥) عنْ وائل بلفظِ: حتَّى كانتْ حيالَ منكبيهِ وحاذى بإبهاميهِ أذنيْهِ"، وهذا جمعٌ حسنٌ. السنة وضع اليدين على الصدر في الصلاة ١٢/ ٢٦٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبي ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. [صحيح بطرقه] أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). ترجمة وائل بن حجر (وَعَنْ وَائِلِ) (٧) بفتحِ الواوِ وألفٍ فهمزةٍ، هوَ أبو هُنَيْدِ، بضمِ الهاءِ وفتح

стр. 580

النونِ (ابْنِ حُجْرِ) بن ربيعةِ الحضرميِّ، كانَ أبوهُ منْ ملوكِ حضرموتَ. وفدَ وائلٌ على النبيِّ ﷺ فأسلمَ، ويقالُ إنهُ ﷺ بَشَّرَ أصحابَهُ قبلَ قدومهِ [فقالَ] (١): "يقدمُ عليكمْ وائلُ بنُ حجرٍ منْ أرضٍ بعيدةٍ طائعًا راغبًا في اللَّهِ ، وفي رسولهِ، وهوَ بقيةُ أبناء الملوكِ، فلمَّا دخلَ عليهِ ﷺ رحَّبَ بهِ وأدناهُ منْ نفسهِ، وبسطَ لهُ رداءَهَ فأجلسهُ عليهِ، وقالَ: اللَّهمَّ باركْ على وائلٍ وولدِهِ، [واستعملهُ] (٢) على الأقيالِ منْ حضرموتَ" (٣). رَوَى لهُ الجماعةُ إلا البخاريَّ، وعاشَ إلى زمنِ معاويةَ وبايعَ لهُ. (قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رسول الله ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى يدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. أَخْرَجَهُ ابْن خزَيْمَةَ)، [وأخرجَ] (٤) أبو داودَ (٥) والنسائيُّ (٦) بلفظِ: "ثمَّ وضعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ظَهِرِ كفِّهِ اليُسْرَى والرُّسْغَ والسَّاعدِ" الرسغُ، بضمّ الراءِ وسكونِ السينِ المهملةِ، بعدَها معجمة، هوَ المفصلُ بينَ الساعدِ والكفِّ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الوضع المذكورِ في الصلاةِ ومحلُّهُ على الصدرِ كما أفادَ هذَا الحديثُ. وقالَ النوويُّ في المنهاجِ (٧): [ويجعلُ] (٨) يديْهِ تحتَ صدرهِ. قالَ في شرحه النجمَ الوهاجُ: عبارةُ الأصحابِ "تحتَ صدرهِ" يريدُ: والحديثُ بلفظِ: "على صدرهِ"، قالَ: وكأنَّهمْ جعلُوا التفاوتَ بينَهما يسيرًا. وقدْ ذهبَ إلى مشروعيتهِ زيدَ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عِيْسَى. ورَوَى أحمدُ بْنُ عِيْسَى حديثَ وائلٍ هذَا في كتابهِ الأمالي، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ (٩). وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ مشروعيتهِ، وأنهُ يبطلُ الصلاةَ لكونهِ فعلا كثيرًا (١٠). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١١) لم يأتِ عن النبي ﷺ فيهِ خلاف، وهوَ قولُ جمهورِ الصحابةِ

стр. 581

والتابعينَ. قال: وهوَ الذي ذكرهُ مالكٌ في الموطأِ (١)، ولم يحكِ ابنُ المنذرِ وغيرهُ عنْ مالكِ، ورُوي عنْ مالك الإرسال وصارَ إليهِ أكثرُ أصحابهِ (٢). حجة من قال بوجوب الفاتحة في كل ركعة ١٣/ ٢٦٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "لَا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرآنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] - وَفِي رِوَايةٍ لابْنِ حِبَّانَ (٤) وَالدَّارقُطْنيِّ (٥): "لَا تُجْزِئُ صَلاة لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" [إسناده صحيح] - وَفي أُخْرَى، لأَحْمَدَ (٦)، وَأَبي دَاوُدَ (٧)، وَالتّرْمِذِيِّ (٨)، وَابْنِ حِبَّانَ (٩): "لَعلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: "لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بِهَا". [ضعيف]
следующие страницы →