← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 577–616 · переход к 582.

стр. 577

الأحاديثُ المفرداتُ، وقدْ كثرتْ كثرةً لا تُوَازَى، وصحَّتْ صحةً لا تمنعُ، ولذَا لم يقعِ الخلافُ المحققُ فيهِ إلا للهادي فقطْ، فَهِيَ منَ النوادرِ التي تقعُ لأفرادِ العلماءِ مثلِ مالك والشافعيِّ وغيرِهما، ما أحدٌ منْهم إلَّا لهُ نادرةٌ ينبغي أنْ تغمرَ في [جنبِ فضلِهِ] (١) وتجتنبَ"، انتهى. وخالفتِ الحنفية فيْما عدا الرفعَ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، واحتجُّوا بروايةِ مجاهدٍ (٢): "أنهُ صلَّى خلف ابن عمرَ فلمْ يرهُ يفعلُ ذلكَ"، وبما أخرجهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ ابن مسعودٍ: "بأنهُ رَأَى النبيَّ ﷺ يرفعُ يديهِ عندَ الافتتاحِ ثمَّ لا يعودُ". وأجيبَ بأنَّ الأولَ فيهِ أبو بكرٍ بنُ عياشٍ (٤) وقدْ ساءَ حِفْظُهُ، ولأنهُ معارَضٌ بروايةِ نافعٍ وسالمٍ ابن ابن عمرَ لذلكَ، وهما مثبتانِ، ومجاهدُ نافٍ، والمثبتُ مقدَّمٌ، وبأنَّ تركهُ لذلكَ إذا ثبتَ كما رواهُ مجاهدُ يكونُ

стр. 578

مبيِّنًا لجوازِه، وأنهُ لا يراهُ واجبًا، وبأنّ الثاني وهو حديثُ ابن مسعودٍ لم يثبتْ كما قالَ الشافعيُّ، ولوْ ثبتَ لكانت روايةُ ابن عمرَ مقدَّمةٌ عليهِ لأنَّها إثباتٌ، وذلكَ نفْيٌ، والإثباتُ مقدَّمٌ. وقدْ نقلَ البخاريُّ عن الحسنِ (١)، وحميدِ بن هلالِ (٢) أن الصحابةَ ﵃ كانُوا يفعلونَ ذلكَ. قالَ البخاريُّ (٣): ولمْ يستثنِ الحسنُ أحدًا. ونقلَ عن شيخهِ عليٍّ بن المديني أنهُ قالَ: حق على المسلمينَ أنْ يرفعُوا أيدَيهُمْ عندَ الركوعِ والرفعِ منهِ لحديثِ ابن عمرَ هذا، وزادَ البخاريُّ (٤) في موضع آخرَ بعدَ كلامِ ابن المديني: وكانَ علي أعلمَ أهلِ زمانِهِ. قالَ (٥): ومَنْ زَعَمَ أنهُ بدعةٌ فقدْ طعنَ في الصحابةِ ويدل لهُ قولُهُ: ١٠/ ٢٦١ - وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبي دَاوُدَ (٦): يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ. ثُمَّ يُكَبِّرُ. [صحيح] (وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ ثمَّ يُكَبِّرُ). تقدمَ حديثُ أبي حميدٍ منْ روايةِ البخاريِّ، لكنْ ليسَ فيهِ ذكرُ الرفعِ إلَّا عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، بخلافِ حديثهِ عندَ أبي داودَ ففيهِ إثباتُ الرفعِ في الثلاثةِ المواضع كما أفادُه حديثُ ابن عمرَ، ولفظُهُ عندَ أبي داودَ (٧): "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ اعتدلَ قائمًا، ورفعَ يدْيهِ حتَّى يحاذيَ بهمَا منكبيهِ، فإذَا أرادَ أنْ يركعَ رفعَ يديْهِ حتى يحاذَي بهمَا منكبيهِ - الحديثُ [تمامه] (٨): ثمَّ قالَ: اللَّهُ أكبرُ وركعَ، ثمَّ اعتدلَ ولم يصوِّبْ رأسَهُ، ولمْ يقنعْ، ووضعَ يديهِ على ركبتيهِ، ثمَّ قالَ: سمعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ورفعَ يديهِ، واعتدلَ حتَّى رجعَ كلُّ عَظْمٍ إلى موضعِهِ معتدلًا - الحديثَ"، فأفادَ رفعُهُ ﷺ يديهِ في الثلاثةِ المواضعِ، وكانَ على

стр. 579

المصنفِ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ ثمَّ يكبرُ: الحديثَ، ليفيدَ أن الاستدلالَ بهِ جميعَهُ، فإنهُ قدْ يتوهمُ أن حديثَ أبي حميدٍ ليسَ فيهِ إلَّا الرفعُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، كما أن [قولَهُ] (١): ١١/ ٢٦٢ - وَلمُسْلِمٍ (٢) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. [صحيح] (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نحوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أي في الرفعِ في الثلاثةِ المواضعِ (لَكِنْ قَالَ حَتى [يحَاذِيَ] (٣) بِهِمَا) أي اليدينِ (فُرُوعَ أُذُنَيْهِ) أطرافَهُمَا، فخالفَ روايةَ ابن عمرَ وأبي حميدٍ في هذا اللفظِ. فذهبَ البعضُ إلى ترجيحِ روايةِ ابن عمرَ لكونِها متَّفَقًا عليْها، وجمعَ آخرونَ بينَهما، فقالُوا: يحاذي بظهرِ كفيهِ المنكبينِ، وبأطرافِ أناملِهِ الأذنينِ، [وأيَّدُوا ذلكَ] (٤) بروايةِ أبي داودَ (٥) عنْ وائل بلفظِ: حتَّى كانتْ حيالَ منكبيهِ وحاذى بإبهاميهِ أذنيْهِ"، وهذا جمعٌ حسنٌ. السنة وضع اليدين على الصدر في الصلاة ١٢/ ٢٦٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبي ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. [صحيح بطرقه] أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). ترجمة وائل بن حجر (وَعَنْ وَائِلِ) (٧) بفتحِ الواوِ وألفٍ فهمزةٍ، هوَ أبو هُنَيْدِ، بضمِ الهاءِ وفتح

стр. 580

النونِ (ابْنِ حُجْرِ) بن ربيعةِ الحضرميِّ، كانَ أبوهُ منْ ملوكِ حضرموتَ. وفدَ وائلٌ على النبيِّ ﷺ فأسلمَ، ويقالُ إنهُ ﷺ بَشَّرَ أصحابَهُ قبلَ قدومهِ [فقالَ] (١): "يقدمُ عليكمْ وائلُ بنُ حجرٍ منْ أرضٍ بعيدةٍ طائعًا راغبًا في اللَّهِ ، وفي رسولهِ، وهوَ بقيةُ أبناء الملوكِ، فلمَّا دخلَ عليهِ ﷺ رحَّبَ بهِ وأدناهُ منْ نفسهِ، وبسطَ لهُ رداءَهَ فأجلسهُ عليهِ، وقالَ: اللَّهمَّ باركْ على وائلٍ وولدِهِ، [واستعملهُ] (٢) على الأقيالِ منْ حضرموتَ" (٣). رَوَى لهُ الجماعةُ إلا البخاريَّ، وعاشَ إلى زمنِ معاويةَ وبايعَ لهُ. (قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رسول الله ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى يدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. أَخْرَجَهُ ابْن خزَيْمَةَ)، [وأخرجَ] (٤) أبو داودَ (٥) والنسائيُّ (٦) بلفظِ: "ثمَّ وضعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ظَهِرِ كفِّهِ اليُسْرَى والرُّسْغَ والسَّاعدِ" الرسغُ، بضمّ الراءِ وسكونِ السينِ المهملةِ، بعدَها معجمة، هوَ المفصلُ بينَ الساعدِ والكفِّ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الوضع المذكورِ في الصلاةِ ومحلُّهُ على الصدرِ كما أفادَ هذَا الحديثُ. وقالَ النوويُّ في المنهاجِ (٧): [ويجعلُ] (٨) يديْهِ تحتَ صدرهِ. قالَ في شرحه النجمَ الوهاجُ: عبارةُ الأصحابِ "تحتَ صدرهِ" يريدُ: والحديثُ بلفظِ: "على صدرهِ"، قالَ: وكأنَّهمْ جعلُوا التفاوتَ بينَهما يسيرًا. وقدْ ذهبَ إلى مشروعيتهِ زيدَ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عِيْسَى. ورَوَى أحمدُ بْنُ عِيْسَى حديثَ وائلٍ هذَا في كتابهِ الأمالي، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ (٩). وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ مشروعيتهِ، وأنهُ يبطلُ الصلاةَ لكونهِ فعلا كثيرًا (١٠). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١١) لم يأتِ عن النبي ﷺ فيهِ خلاف، وهوَ قولُ جمهورِ الصحابةِ

стр. 581

والتابعينَ. قال: وهوَ الذي ذكرهُ مالكٌ في الموطأِ (١)، ولم يحكِ ابنُ المنذرِ وغيرهُ عنْ مالكِ، ورُوي عنْ مالك الإرسال وصارَ إليهِ أكثرُ أصحابهِ (٢). حجة من قال بوجوب الفاتحة في كل ركعة ١٣/ ٢٦٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "لَا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرآنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] - وَفِي رِوَايةٍ لابْنِ حِبَّانَ (٤) وَالدَّارقُطْنيِّ (٥): "لَا تُجْزِئُ صَلاة لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" [إسناده صحيح] - وَفي أُخْرَى، لأَحْمَدَ (٦)، وَأَبي دَاوُدَ (٧)، وَالتّرْمِذِيِّ (٨)، وَابْنِ حِبَّانَ (٩): "لَعلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: "لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بِهَا". [ضعيف]

стр. 582

ترجمة عبادة بن الصامت (وَعَنْ عُبَادَةَ) (١) بضمّ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الموحدةِ وبعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ، [وهو] (٢) أبو الوليدِ عبادةُ (بن الصَّامِتِ) بنُ قيسٍ الخزرجيِّ الأنصاريِّ السالميِّ، كانَ مِنْ نقباءِ الأنصارِ، وشهدَ العقبةَ الأولى والثانيةَ والثالثةَ، وشهدَ بَدْرًا والمشاهدَ كلَّها، وجَّهَهُ عمرُ إلى الشامِ قاضيًا ومعلمًا، فأقامَ بحمصَ، ثمَّ انتقلَ إلى فلسطينَ وماتَ بها في الرملةِ، وقيلَ في بيتِ المقدسِ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ، وهوَ ابنُ اثنتينِ وسبعينَ سنةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بأمُّ الْقُرآنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). هوَ دليل على نفي الصلاةِ الشرعيةِ إذا لم يقرأْ فيْها المصَلِّي بالفاتحةِ؛ لأنَّ الصلاةَ مركبةٌ منْ أقوالٍ وأفعالٍ، والمركَّب ينتفي بانتفاءِ جميعِ أجزائهِ، وبانتفاءِ البعضِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ نفي الكمالِ؛ لأنَّ التقديرَ إنَّما يكونُ عندَ تعذرِ صدقِ نفي الذاتِ إلَّا أنَّ الحديثَ الذي أفادهُ قولُهُ: (وفي روايةٍ لابنِ حبانَ والدارقطنيِّ: لا تجزئُ صلاةٌ لا يَقْرَأُ فيها بفاتحةِ الكتاب) فيهِ دلالةٌ على أنّ النفيَ متوجهٌ إلى الإجزاءِ، وهوَ كالنفي للذاتِ في المآلِ؛ لأنَّ ما لَا يجزئُ فليسَ بصلاةٍ شرعيةٍ. والحديثُ دليل على وجوبِ قراءةِ الفاتحةِ في الصلاةِ، ولا يدلّ على إيجابِها في كلِّ ركعةٍ بلْ في الصلاةِ جملةً، وفيهِ احتمالُ أنهُ في كلّ ركعةٍ لأنَّ الركعةَ تُسَمَّى صلاةً. وحديثُ المسيءِ صلاتُهُ قدْ دلَّ على أن كلَّ ركعةٍ تُسَمَّى صلاةً لقولهِ ﷺ بعدَ أنْ علَّمهُ ما يفعلُه في كل ركعةٍ: "وافعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلِّها" (٣)؛ فدلَّ على إيجابِها في كلِّ ركعةٍ لأنهُ أمرهُ أنْ يقرأَ [فيها] (٤) بفاتحةِ الكتابِ. وإلى وجوبِها في كلِّ ركعةٍ ذهبتِ الشافعيةُ وغيرُهم. وعندَ الهادويةِ وآخرينَ أنَّها لا تجبُ قراءتُها في كلِّ ركعةٍ، بلْ في جملةِ الصلاةِ،

стр. 583

والدليلُ ظاهرٌ [معَ أهل القولِ الأولِ] (١). وبيانهُ منْ وجهينِ، (الأولِ): أن في بعضِ ألفاظِه بعدَ تعليمهِ ﷺ لهُ ما ذكرهُ منَ القراءةِ والركوعِ والسجودِ والاطمئنانِ [إلى] (٢) [آخرِه أنهُ] (٣) قالَ الراوي: فوصفَ [أي] (٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ الصلاةَ هكذَا أربعَ ركعاتٍ حتَّى فرغَ ثمَّ قالَ: "لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتَّى يفعلَ ذلكَ". ومعلومٌ أن المرادَ منْ قولِهِ: يفعلُ ذلِكَ أيْ كلَّ ما ذكرَهَ منَ القراءةِ بأمِّ الكتاب وغيرها في كلِّ ركعةٍ لقولهِ: فوصفَ الصلاةَ هكذا أربعَ ركعاتٍ، (والثاني): أن ما ذكرهُ ﷺ معَ القراءةِ منْ صفاتِ الركوعِ والسجودِ والاعتدالِ ونحوِهِ مأمورٌ بهِ في كل ركعةٍ كما يفيده هذا الحديث، والمخالف في قراء الفاتحة في كل ركعة لا يقولُ إنهُ يكفي الركوعُ والسجودُ والاطمئنانُ في ركعةٍ واحدةٍ منْ صلاتهِ أوْ يفرقُها في [ركعاتِها] (٤)، فكيفَ يقولُ إنَّ القراءةَ بالفاتحةِ تنفردُ منْ بين هذهِ المأموراتِ بأنَّها لا تجبُ إلَّا في ركعةٍ واحدةٍ، أو [يفرقُ] (٥) بينَ الركعاتِ، وهذا تفريقٌ بينَ أجزاءِ الدليلِ بلا دليلٍ، فتعيَّنَ حينئذٍ أن المرادَ منْ قولهِ: "ثمَّ افعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلّها"، في ركعاتِها. ثمَّ رأيتُ بعدَ كتب هذا أنهُ أخرجَ أحمدُ (٦)، والبيهقيُّ (٧)، وابنُ حبانَ (٨) بسندٍ صحيحٍ أنهُ ﷺ قالَ لخلادِ بن رافع وهوَ المسيءُ صلاتَهُ: "ثمَّ اصنعْ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ"، ولأنهُ ﷺ كانَ يقرأُ بها في كلِّ ركعةٍ كما رواهُ مسلمٌ وقالَ: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٩). ثمَّ ظاهرُ الحديثِ [وجوبُ قراءتِها] (١٠) في سريةٍ وجهريةٍ للمنفردِ والمؤتَمِّ، أما المنفردُ فظاهرٌ، وأما المؤتمُّ فدخولُهُ في ذلكَ واضحٌ وزادهُ إيضاحًا في قولهِ: (وفي أخْرَى) منْ روايةِ عُبَادَةَ (لأَحْمَدَ، وَأَبَي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: لا تفعلُوا إلا بفاتحةِ الكتاب فإنهُ لا صلاةَ لمنْ لمْ يقرأْ بِها)؛ فإنهُ [دليل] (١١) عَلَى

стр. 584

إيجابِ فراءةِ الفاتحةِ خلفَ الإمامِ تخصيصًا كما دلَّ اللفظُ الذي عندَ الشيخينِ لعمومهِ، وهوَ أيضًا ظاهرٌ في عمومِ الصلاةِ الجهريةِ والسريةِ، وفي كلِّ ركعةٍ أيضًا، وإلى هذا ذهبَ الشافعيةُ. وذهبتِ الهادويةُ إلى [أنْ] (١) لا يقرأَها المؤتمُّ خلفَ إمامِهِ في الجهريةِ إذا كانَ يسمعُ قراءتَه، ويقرأَها في السريةِ، وحيثُ لا يسمعُ في الجهريةِ. وقالتِ الحنفيةُ: لا يقرأُها المأمومُ في سريةٍ ولا جهريةٍ. وحديثُ عبادةَ حجةٌ على الجميعِ، واستدلالُهم بحديثِ: "مَنْ صلَّى خلفَ الإمامِ فقراءةُ الإمامِ قراءةٌ لهُ" (٢) معَ كونهِ ضعيفًا قالَ المصنفُ في التلخيصِ (٣) بأنهُ مشهورٌ منْ حديثِ جابرٍ، ولهُ طرقٌ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ كلُّها معلولة انتهى. وفي المنتقى رواهُ الدارقطني (٤) منْ طرقٍ كلِّها ضعاف والصحيحُ أنهُ مرسلٌ: لا يتم [به] (٥) الاستدلالُ لأنهُ عام؛ لأنَّ لفظَ قراءةِ الإمامِ اسمُ جنسٍ مضافٍ يعمّ كلَّ ما يقرأهُ الإمامُ، وكذلكَ قولهُ تَعَالى: ﴿وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وَأَنصِتُوا﴾ (٦)، وحديثُ: "إذا قرأ فأَنْصِتُوا" (٧)، فإنَّ هذه

стр. 585

عموماتٌ في الفاتحةِ وغيرِها، وحديثُ عبادةَ خاصٌّ بالفاتحةِ، فيختصُّ بهِ العامةُ ثمّ اختلفَ القائلونَ بوجوبِ قراءتِها خلفَ الإمامِ فقيلَ في محلِّ سكتاتهِ بينَ الآياتِ، وقيلَ في سكوتهِ بعدَ تمامِ قراءةِ الفاتحةِ، ولا دليلَ على هذينِ القولينِ في الحديثِ، بلْ حديثُ عبادةَ دالٌّ أنَّها تُقْرَأُ عندَ قراءةِ الإمامِ الفاتحةَ، ويزيدهُ إيضاحًا ما أخرجهُ أبو داودَ (١) منْ حديثِ عبادةَ: "أنهُ صلَّى خلفَ أبي نعيمٍ وأبو نعيمٍ يجهرُ بالقراءةِ - فجعلَ عبادةُ يقرأُ بأمّ القرآنِ، فلمَّا انصرفُوا منَ الصلاةِ قالَ لعبادةَ بعضُ مَنْ سمَعهُ يقرأ: سمعتُكَ تقرأُ بأمِّ القرآنِ، وأبو نعيمٍ يجهرُ. قالَ: أجلْ، صلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ بعضَ الصلواتِ التي يُجْهَرُ فيها بالقراءةِ قال: فالتبستْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ أقبلَ علينا بوجهه فقالَ: هل تقرأونَ إذا جهرتُ بالقراءةِ؟ فقالَ بعضُنَا: نعمْ إنَّا نصنعُ ذلكَ، قالَ: فلا وأَنَا أقولُ: ما لي ينازعُني القرآنُ فلا تقرَأوا بشيءٍ إذا جَهَرْتُ إلَّا بأمِّ القرآنِ"؛ فهذَا عُبَادةُ راوي الحديثِ قرأَ بِها جَهْرًا خلفَ الإمامِ لأنهُ فهمَ مِنْ كلامه ﷺ أنه يقرأُ بها خلفَ الإمامَ جَهْرًا، وإنْ نازعهُ. وأمَّا أبو هريرةَ فإنه أخرجَ عنهُ أبو داودَ (٢) أنهُ لما حدثَ بقولهِ ﷺ : "مَنْ صلَّى

стр. 586

صلاةً لا يقرأُ فيها بأمِّ القرآنِ فهيَ خِداجٌ، فهيَ خِداجٌ، فهيَ خِداجٌ غيرُ تمام"، قالَ لهُ الراوي عنهُ وهوَ أبو السائبِ مولى هشام بن زِهرةَ: يا أبا هريرةَ، إني أكونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ فغمزَ ذراعي، وقالَ: اقرأْ بها في نفسكَ - الحديثَ. وأخرج (١) عنْ مكحولٍ أنهُ كانَ يقولُ: اقرأْ في المغربِ والعشاءِ والصبحِ بفاتحةِ الكتابِ في كلِّ ركعةٍ سرًا، [ثمَّ] (٢) قالَ مكحولٌ: اقرأْ بِها فيما جهرَ بهِ الإمامُ إذا قرأَ بفاتحةِ الكتابِ وسكتَ سرًا، فإنْ لمْ يسكتْ قرأتَها قبله ومعهُ وبعدَهُ لا تتركْها على حالٍ. وقدْ أخرج أبو داودَ (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ: "أنهُ أمرهُ ﷺ أنْ ينادَى في المدينةِ أنهُ لا صلاةَ [إلا بقراءةِ فاتحةِ] (٤) الكتابِ فما زادَ"، وفي لفظٍ (٥): إلَّا "بقرآنٍ ولو بفاتحةِ الكتابِ فما زادَ"، إلَّا أنهُ [أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: "وإن لم يزد على أم القرآن أجزأت". ولابن خزيمة من حديث ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب] (٦)، يحملُ على المنفردِ جمعًا بينَه وبينَ حديثِ عبادةَ الدالِّ على أنهُ لا يقرأُ خلفَ الإمامِ إلَّا بفاتحةِ الكتابِ. حجة من لا يجهر بالبسملة في الصلاة والجمع بين أحاديثها ١٤/ ٢٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِالْحَمْدِ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح] - زَادَ مُسْلِمٌ (٨): لَا يَذْكُرُونَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) في أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا في آخِرِهَا. [صحيح]

стр. 587

- وَفي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ (١)، وَالنَّسَائِيِّ (٢)، وَابْنِ خُزْيَمَةَ (٣): لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ. [إسناده صحيح] - وفي أُخْرَى لابْنِ خُزَيْمَةَ (٤): كَانُوا يُسِرُّونَ. [إسناده ضعيف] وعلى هذا يُحْمَلُ النَّفيُ في روايةِ مُسلمٍ خِلافًا لِمَنْ أعَلَّها. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعمَرَ كَانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِالْحَمْدِ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: القراءةَ في الصلاةِ بهذَا اللفظِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَلَا يتمُّ هنَا أنْ يقالَ ما قلْناهُ في حديثِ عائشةَ إنَّ المرادَ بالحمدِ للَّهِ ربِّ العالمينَ السورةُ، فلا يدلُّ على حذفِ البسملةِ، بلْ يكونُ دليلًا عليْها؛ إذْ هيَ منْ مسمَّى السورةِ لقولهِ: (زَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكرُونَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" في أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا في آخِرِهَا)، زيادةً في المبالغةِ في النفي، وإلَّا فإنهُ ليسَ في آخرِها بسملةٌ، ويحتملُ أنْ يريدَ بآخرِها السورةَ الثانيةَ التي تُقْرَأُ بعدَ الفاتحةِ. والحديثُ دليل أن الثلاثةَ كانُوا لا يُسْمِعُونَ مَنْ خَلْفَهم لفظَ البسملةِ عندَ قراءةِ الفاتحةِ جَهْرًا مَعَ احتمالِ أنَّهم يقرأونَ البسملةَ سِرًا، ولا يقرأونَها أصلًا، إلَّا أن قولَهُ: (وَفي رِوَايَةٍ) أي عن أنسٍ (لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ) يدلُّ بمفهومهِ أنهمْ يقرأونَها سرًا، ودلَّ قولُهُ: (وَفي أُخرَى) أي روايةٍ أُخْرَى عَنْ أنسٍ (لابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يسِرُّونَ) فمنطوقهُ [على] (٥) أنَّهم كانُوا يقرأونَ بها سِرًا، ولذَا قالَ المصنفُ: (وعلى هذَا) أي على قراءةِ النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ البسملةِ سرًا (يحملُ النفيُ في روايةِ مسلمٍ) حيثُ قالَ: [لا يذكرونَ، أي] (٦) لا يذكرونَها جهرًا (خلافًا لمنْ أعلَّها) أي أَبْدَى علةً لما زادهُ مسلمٌ. والعلةُ هي أن الأوزاعيَ روى هذهِ الزيادةَ عنْ قتادة مكاتبةً، وقدْ وردتْ هذهِ العلةُ بأنَّ الأوزاعيَ لم ينفردْ بها بلْ قدْ رواها غيرُه روايةً صحيحةً. والحديثُ قد استدلَّ بهِ مَنْ يقولُ: إن البسملةَ لا يجهرُ بها في الفاتحةِ ولا في غيرِها بناء على أن قولَهُ ولا في آخرِها مرادٌ بهِ أولَ السورة [الثانية] (٧)، ومَنْ أثبتَها

стр. 588

قالَ: المرادُ أنهُ لمْ يجهرْ بها الثلاثةُ حالَ جهرِهمْ بالفاتحةِ بلْ يقرأونَها سرًا كما قررهُ المصنفُ. وقدْ أطالَ العلماءُ في هذهِ المسألةِ الكلامَ، وألَّفَ فيها بعضُ الأعلامِ، وبيَّنَ [على] (١) أن حديثَ أنسٍ مضَّطِربٌ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ بعدَ سردهِ رواياتِ حديثِ أنسٍ هذه ما لفظهُ: هذَا الاضطرابُ لا تقومُ معهُ حجةٌ لأحدٍ منَ الفقهاءِ الذينَ يقرأونَ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، والذينَ لا يقرأونَهَا، وقدْ سُئِلَ عنْ ذلكَ أنسٌ فقالَ: كبرتْ سِنِّي ونسيتُ، انتهى، فلا حجةَ فيهِ. والأصلُ أن البسملةَ مِنَ القرآنِ، وأطالَ الجدالَ بينَ العلماءِ مِنَ الطوائفِ لاختلافِ المذاهبِ، والأقربُ أنهُ ﷺ كان يقرأُ بها تارةً جَهْرًا وتارةً يُخفيْها. وقد طولنا البحثَ في حواشي شرحِ العمدةِ (٢) بما لا زيادةَ عليهِ. واختارَ جماعةٌ منَ المحققينَ أنها مثلُ سائرِ آياتِ القرآنِ يجهرُ بها فيما يجهرُ فيهِ ويُسِرُّ بها فيما يُسِرُّ فيهِ. وأما الاستدلالُ بكونهِ ﷺ لمْ يقرأُ بها في الفاتحةِ، ولا في غيرِها في صلاتهِ على أنَّها ليستْ بآيةٍ، والقراءةُ بها تدلُّ على أنَّها آيةٌ فلا ينهضُ؛ لأنَّ تركَ القراءةِ بها في الصلاةِ لو ثبتَ لا يدلُّ على نفي قُرْآنِيَّتِها، فإنهُ ليسَ الدليلُ على القرآنيةِ الجهرُ بالقراءةِ بالآيةِ في الصلاةِ، بلِ الدليلُ أعمُّ منْ ذلكَ. وإذا انتفَى الدليلُ الخاصُّ لم ينتفِ الدليلُ العامُّ. ١٥/ ٢٦٦ - وَعَنْ نُعَيْمِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَرَأَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتى إِذَا بَلَغَ (ولَا الضالين) قَالَ: "آمِينَ"، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٤). [صحيح]

стр. 589

ترجمة نعيم المُجمر (وَعَنْ نُعَيْمِ) (١) بضمّ النونِ وفتحِ العينِ المهملةِ، مصغرٌ (الْمُجْمِرِ) بضمِّ الميم وسكونِ الجيمِ وكسرِ الميمِ وبالراءِ، ويقالُ: وتشديدُ الميمِ الثانيةِ، ذكرهُ الحلبيُّ في شرحِ العمدةِ، هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مولى عمرَ بن الخطابِ، سمعَ منْ أبي هريرةَ وغيرِهِ، وسُمِّيَ مجمرًا لأنهُ أُمِرَ أنْ يجمرَ مسجدَ المدينةِ كلَّ جمعةٍ حينَ ينتصفَ النهارُ. (قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هرَيْرَةَ، فَقَرَأَ بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثمَّ قَرَأَ بأمِّ الْقرآنِ حَتى إِذَا بَلَغَ وَلَا الضالينَ قَالَ: آمِينَ، وَيَقَول كلَّمَا سَجَدَ وَإذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ) أي التشهدِ الأوسطِ، وكذلكَ إذا قامَ مِنَ السجدةِ الأُوْلى والثانيةِ (اللَّهُ أكبَرُ)، وهوَ تكبيرُ النَّقْلِ، (ثمَّ يَقولُ) أي: أبو هريرةَ ﵁ (إذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: روحي في تصرُّفِهِ (إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاه النَّسَائِيُّ وَابْن خزَيْمَةَ)، وذكرهُ البخاريُّ تعليقًا، وأخرجهُ السراجُ، وإبنُ حبانَ (٢)، وغيرُهم وبَوَّبَ عليهِ النسائيُّ (٣) (الجهرُ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ) وهوَ أصحُّ حديثٍ وردَ في ذلكَ، فهوَ مَؤيِّدٌ للأصلِ، وهوَ كون - البسملةِ حكمُهُا حكمُ الفاتحةِ في القراءةِ جَهْرًا [وسرًا] (٤)؛ إذْ هوَ ظاهرٌ في أنهُ كانَ ﷺ يقرأُ بالبسملة لقولِ أبي هريرةَ: إني لأشبُهكم صلاةً برسولِ اللَّهِ ﷺ . وإنْ كانَ محتملًا أنهُ يريدُ في أكثرِ أفعالِ الصلاةِ وأقوالِها، إلَّا أنهُ خلافُ الظاهرِ، ويبعدُ مِنَ الصحابيِّ أنْ يبتدعَ في صلاتهِ شيئًا لم يفْعلهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ فيها، ثمَّ يقولُ: والذي نفسي بيده إني لأشبهُكم. وفيهِ دليل على شرعيةِ التأمينِ للإمامِ. وقدْ أخرجَ الدارقطنيُّ في السننِ (٥) منْ حديثِ وائلٍ بن

стр. 590

حجرٍ: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ: غيرِ المغضوبِ عليهمْ ولا الضالينَ، قال: آمينَ، يمدُّ بها صوتَهُ"، وقالَ إنهُ حديثٌ صحيحٌ، ودليلٌ على تكبيرِ النقلِ ويأتي ما فيهِ مُسْتَوْفَى في حديثِ أبي هريرةَ. ١٦/ ٢٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذا قَرَأتُمُ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فَإنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (١)، وَصَوَّبَ وَقْفَه (٢). [ضعيف] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَرَأْتُمُ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا بِسْمِ إلا الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَصَوَّبَ وَقْفَهُ). لا يدلُّ الحديثُ [هذا] (٣) على الجهرِ بها، ولا الإسرارِ، بلْ يدلُّ على الأمرِ بمطلقِ قراءتِها. وقدْ ساقَ الدارقطنيُّ (٤) في السننِ لهُ أحاديثَ في الجهرِ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ

стр. 591

الرحيمِ في الصلاةِ واسعةً مرفوعةً: عنْ عليٍّ ﵇، وعنْ عمارٍ، وعنِ ابن عباسٍ، وعنِ ابن عمرَ، وعنْ أبي هريرةَ، وعنْ أمِّ سلمةَ، وعنْ جابرٍ، وعنْ أنسٍ بن مالكٍ، ثمَّ قالَ (١) بعدَ سردِ أحاديثِ هؤلاءِ وغيرهم ما لفْظُهُ: "ورَوى الجهرَ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ عن النبيِّ ﷺ مِنْ أصحابهِ ومِنْ أزواجهِ غيرُ مَنْ سمَّيْنَا. كَتَبْنَا أحاديثَهم بذلكَ في كتابِ الجهرِ بها مفرَدًا، واقتصرْنا على ما ذكرْنَا هنا طلبًا للاختصارِ والتخفيف"، انتهى لفظُهُ. والحديثُ دليل على قراءةِ البسملةِ وأنَّها إحدى آياتِ الفاتحةِ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ. تأمين الإمام والمأموم في الصلاة ١٧/ ٢٦٨ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: "آمِينَ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وحَسّنَهُ (٢)، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ (٣). [صحيح بطرقه] (وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رسول اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: "آمِينَ"، رَوَاهُ الدَّارَقطْنيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ). قَالَ الحاكمُ: إسنادهُ صحيحٌ على شرطِهِمَا. وقالَ البيهقيُّ (٤): حسنٌ صحيحٌ. والحديثُ دليل على أنهُ يُشْرَعُ للإمامِ التأمينُ بعدَ قراءةِ الفاتحةِ جهرًا، وظاهرُهُ في الجهريةِ [وفي] (٥) السريةِ، وبشرعيتهِ قالتِ الشافعيةُ. وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ شرعيتهِ لما يأتي. وقالتِ الحنفيةُ: يُسِرُّ بها في الجهريةِ. ولمالكٍ قولانِ،

стр. 592

(الأولُ): كالحنفيةِ، (والثاني): [أنهُ] (١) لا يقولُها. والحديثُ حجةٌ بينةٌ للشافعيةِ. وليسَ في الحديثِ تَعُرُّضٌ لتأمينِ المأمومِ والمنفردِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٢) في شرعيةِ التأمين للمأمومِ منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنهُ مَنْ وَافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غَفَرَ اللَّهُ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ". وأخرجه أيضًا (٣) منْ حديثِهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذا قالَ الإمامُ ولا الضالينَ فقولُوا آمينَ" الحديثَ. وأخرجَ أيضًا (٤) منْ حديثهِ مرفوعًا: "إذا قالَ أحدُكم آمينَ، وقالتِ الملائكةُ في السماءِ آمينَ؛ فوافقَ أحدُهما الآخرَ غفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ منْ ذنبهِ". فدلتِ الأحاديثُ على شرعيتهِ للمأمومِ، والأخيرُ يعمُّ المنفردَ. وقد حملهُ الجمهورُ مِنَ القائلينَ بهِ على الندبِ، وعنْ بعضِ [أهل الظاهرِ] (٥) أنهُ للوجوبِ عملًا بظاهرِ الأمرِ فأَوْجَبُوهُ على كلِّ مصلٍّ. واستدلتِ الهادويةُ على أنهُ بدعةٌ مفسدةٌ للصلاةِ بحديثِ: "إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ منْ كلامِ الناسِ" (٦) [الحديث] (٧). ولا يتمُّ بهِ الاستدلالُ لأنَّ [هذَا] (٨) قامَ الدليلُ على أنهُ مِنْ أذكار الصلاةِ كالتسبيحِ ونحوِهِ، وكلامُ الناسِ المرادُ بهِ مكالمتُهُمْ ومخاطبتهُمْ كما عرفتَ.

стр. 593

١٨/ ٢٦٩ - وَلأَبي دَاوُدَ (١) وَالتّرْمِذِيّ (٢) مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نحوُهُ. [صحيح] (وَلأَبي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرةَ. ولفظُهُ في السننِ: "إذا قرأ الإمامُ ولا الضالينَ قالَ آمينَ، ورفعَ بها صوتَهُ". وفي لفظٍ لهُ عنْهُ: "أنهُ صلَّى خلفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فجهرَ بآمينَ". وآمينُ بالمدِّ والتخفيفِ في جميعِ الرواياتِ، وعنْ جميعِ القراءِ، وحُكِيَ فيها لغاتٌ، ومعناها: اللَّهمَّ استجبْ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. ماذا يصنع من لم يحسن شيئًا من القرآن ١٩/ ٢٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِني لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْني مَا يُجْزِئُني مِنْهُ. فَقَالَ؟ "قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا الله، واللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَليِّ الْعَظِيمِ"، الحَدِيث. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالنَّسَائِي (٥). وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦)، وَالدَّارَقُطْني (٧)، وَالْحَاكِمُ (٨). [حسن] ترجمة عبد الله بن أبي أوفى (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفى) (٩) هوَ أبو إبراهيمَ، أوْ محمدٍ، أو معاويةَ،

стр. 594

واسمُ أبي أَوْفَى علقمةُ بنُ قيسِ بن الحرْثِ الأسلميِّ، شهدَ الحديبيةَ وخيبرَ وما بعدَهما، ولمْ يزلْ [في المدينةِ] (١) حتَّى قبضَ ﷺ ، فتحولَ إلى الكوفةِ وماتَ بها، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ بالكوفةِ منَ الصحابةِ. (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِني لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْني مَا يُجْزِئُني [مِنْهُ، فَقَالَ] (٢): قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا الله، واللَّهُ أَكبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِّي الْعَظِيمِ. الْحَدِيثَ) (٣) بالنصبِ، أي أتمَّ الحديثَ. وتمامُهُ في سننِ أبي داودَ: "قالَ: - أي الرجلَ - يا رسولَ اللَّهِ، هذَا للَّهِ فما لي؟ قالَ: قلِ اللَّهمَّ ارحمْني وارزقني، وعافني واهدني، فلمَّا قامَ قالَ هكذَا [بيديهِ] (٤)، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أمَّا هذَا فقدْ ملأَ [يديهِ] (٥) منَ الخيرِ" انتَهَى. إلَّا أنهُ ليسَ في سننِ أبي داودَ: العليِّ العظيمِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ). الحديثُ [دليل] (٦) على أن هذه الأذكارَ قائمةٌ مقامَ القراءةِ للفاتحةِ وغيرِها لمنْ لا يحسنُ ذلكَ. وظاهرُهُ أنهُ لا يجبُ عليهِ تَعُلُّمُ القرآنِ ليقرأَ بهِ في الصلاةِ؛ فإنَّ معنَى لا أستطيعُ لا أحفظُ الآنَ منهُ شيئًا، فلمْ يأمرْهُ بِتَحَفُّظِهِ، وأمرَهُ بهذهِ الألفاظِ، معَ أنهُ يمكنهُ حفظُ الفاتحةِ كما يحفظُ هذهِ [الألفاظ] (٧). وقدْ تقدمَ في حديثِ المسيءِ صلاتُهُ. قراءة الفاتحة في كل ركعة وتطويل الأولى ٢٠/ ٢٧١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - في الرّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ - بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، ويُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى، وَيَقْرَأُ في الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح]

стр. 595

(وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصلِّي بِنَا فَيَقْرَأ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ في الرّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ) بيائينِ تثنيةُ أُوْلَى (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، أي في كلِّ ركعةٍ منْهمَا، (وَسُورَتَيْنِ) أي: يقرأُهُما في كلِّ ركعةٍ سورةً، (وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيانًا)، وكأنهُ منْ هُنَا علمُوا مقدارَ قراءتِهِ، (وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى)؛ يجعلُ السورةَ فيها أطولَ مِنَ التي في الثانيةِ، (وَيَقْرَأ في الأُخْرَيَيْنِ) تثنيةُ أُخْرى [بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ] (١) منْ غيرِ زيادةٍ عليْها (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). [في الحديث دلالة] (٢) على شرعيةِ قراءةِ الفاتحةِ في الأربعِ الركعاتِ في كلِّ واحدةٍ، وقراءةِ سورةٍ معَها في كلِّ ركعةٍ منَ الأوليينِ، وأنَّ هذَا كانَ عادَتهُ ﷺ كما يدلُّ لهُ كانَ يصلّي؛ إذْ هيَ عبارةٌ تفيدُ الاستمرارَ غالبًا، وإسماعُهم الآيةَ أحيانًا دليل على أنهُ لا يجبُ الإسرارُ في السِّريةِ، وأنَّ ذلكَ لا يقتضي سجودَ السهوِ. وفي قولهِ: أحيانًا ما يدلُّ على أنهُ تكررَ ذلكَ منهُ ﷺ . وقدْ أخرجَ النسائيُّ (٣) منْ حديثٍ البراءِ قالَ: "كنَّا نصلِّي خَلْفَ النبيِّ ﷺ الظُّهْرَ، ونَسْمَعُ مِنْهُ الآيةَ بعدَ الآيةِ منْ سُورَةِ لُقْمَانَ، والذَّارِياتِ". وأخرجَ ابنُ خزيمةَ (٤) منْ حديثٍ أنسٍ نحوَه، ولكنْ قالَ: "سبِّح اسمَ ربِكَ الأعْلَى، وهل أتاكَ حديثُ الغاشيةِ". وفي الحديث دليل على تطويلِ الركعةِ الأُولى. ووجهُه ما أخرجَه عبدُ الرزاقِ (٥) في آخرِ حديثِ أبي قتادةَ هذَا: "وظَنَّنَا أنهُ يُريدُ بذلكَ أنْ يُدْرِكَ الناسُ الركعةَ الأولى"، [وأخرجَ أبو داودَ منْ حديثِ] (٦) عبدِ الرزاقِ عنْ عطاءٍ: "إني لأحبُّ أنْ يطَوِّلَ الإمامُ الركعةَ الأولى" من كل صلاة حتى يكثر الناس في الأولى، ويقصر

стр. 596

في الثانية. والظاهر أن التطويل يكون بطول السورة في الركعة الأولى. وقدِ ادَّعَى ابنُ حبانَ [أن] (١) التطويل إِنَّما هوَ بترتيلِ القراءةِ فيْها معَ استواءِ المقروءِ. وقدْ رَوَى مسلمٌ (٢) منْ حديثٍ حفصةَ: "كانَ يرتلُ السورةَ حتَّى تكونَ أَطْولَ منْ أطولَ منْها"، وقيلَ: إِنَّما طالتِ الأُولى بدعاءِ الافتتاحِ والتعوذِ، وأما القراءةُ فيها فهمَا سواءٌ. وفي حديثٍ أبي سعيدِ الآتي (٣) ما يرشدُ إلى ذلكَ. وقالَ البيهقيُّ (٤): يطول في الأُولى إنْ كانَ ينتظرُ أحدًا، وإلا فيسوي بينَ الأوليينِ. وفيهِ دليل على أنهُ لا يزادُ في الأخريينِ على الفاتحةِ، وكذلكَ الثالثةُ في المغربِ، وإنْ كانَ مالكٌ قدْ أخرجَ في الموطأِ (٥) منْ طريقِ الصّنَابحيِّ أنهُ سمعَ أبا بكرٍ يقرأُ فيها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٦) الآيةَ. وللشافعيِّ قولانِ في استحبابِ قراءةِ السورةِ في الأخريينِ. وفيهِ دليل علَى جوازه أنْ يخبرَ الإنسانُ بالظنِّ فإن معرفةَ القراءةِ بالسورةِ لا طريقَ فيهِ إلى اليقينِ. وإسماعُ الآيةِ أحيانًا لا يدلُّ على قراءةِ كلِّ [السورةِ] (٧). وحديثُ أبي سعيدٍ الآتي يدلُّ على الإخبارِ عنْ ذلكَ بالظنِّ، وكذَا حديثُ خبابٍ (٨) حينَ سُئِلَ: "بمَ كنتمْ تعرفونَ قراءةَ النبيِّ ﷺ في الظهرِ والعصرِ؟ قالَ: باضطرابِ لحيتهِ"، ولوْ كانُوا يعلمونَ قراءتَه فيهمَا بخبرٍ عنهُ ﷺ لذكرُوهُ. مقدار قراءة النبي ﷺ في الصلاة ٢١/ ٢٧٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ في الرّكْعَتَينِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ

стр. 597

قَدْرَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ والسَّجْدَةِ. وَفي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. وَفي الأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ) بفتحِ النونِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وضمّ الزاي، نخرصُ ونقدِّرُ. وفي قولهِ: (كنا نحزُرُ) ما يدلّ على أن المقدرينَ لذلكَ جماعةٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجَهْ (٢) روايةَ أن الحازرينَ ثلاثونَ رجلًا منَ الصحابةِ، (قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَزنَا قِيَامَة في الرّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ آلم تنزيل السَّجْدَةِ)، أي في كلّ ركعةٍ بعدَ قراءةِ الفاتحةِ، (وَفي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ). فيهِ دلالَةٌ على قراءةِ غيرِ الفاتحةِ معَها في الأخريينِ، [ويزيدهُ] (٣) دلالةٌ [على ذلكَ] (٤) قولُهُ: (وَفي الأُولَيَيْنِ منَ العصرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ). ومعلومٌ أنهُ كانَ يقرأُ في الأُوليينِ منَ العصرِ سورةً غيرَ الفاتحةِ، (وَالأُخْرَيَيْنِ) أي منَ العصرِ (على النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ)، أي منَ الأوليينِ منهُ (رَوَاه مُسْلِمٌ). الأحاديثُ في هذَا قدِ اختلفتْ فقدْ وردَ أنَّهَا "كانتْ صلاة الظهرِ تُقَامُ فيذهبُ الذاهبُ إلى البقيعِ، فيقضي حاجَتهُ، ثمَّ يأتي إلى أهلِهِ، فيتوضأُ [ويدركَ] (٥) النبيَّ ﷺ في الركعةِ الأُولى مما يطيلُها"، أخرجهُ مسلمٌ (٦)، والنسائيَّ (٧) عنْ أبي سعيدٍ، وأخرجَ أحمدُ (٨) ومسلمٌ (٩) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ أيضًا: "أن النبيَّ ﷺ كانَ يقرأُ في صلاةِ الظهرِ في الركعتينِ الأُوليينِ في كلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آيةً، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أوْ قالَ

стр. 598

نصفَ ذلكَ. وفي العصرِ في الركعتينِ الأوليينِ في كلِّ ركعةٍ قدرَ خمسَ عشْرةَ آيةً، وفي الأخريينِ قدرَ نصفِ ذلكَ". هذا لفظُ مسلمٍ، وفيهِ دليل على أنهُ لا يقرأُ في الأخريينِ منَ العصرِ إلَّا الفاتحةَ، وأنهُ يقرأُ في الأخريينِ منَ الظهرِ غيرَها معَها، وتقدمَ حديثُ أبي قتادةَ (١): "أنهُ ﷺ كانَ يقرأُ في الأخريينِ منَ الظهرِ بأمِّ الكتابِ، ويسمعُنا الآيةَ أحيانًا". وظاهرُهُ أنهُ لا يزيدُ على أمِّ الكتابِ فيهمَا، ولعلَّهُ أرجحُ منْ حديثٍ أبي سعيدٍ منْ حيثُ الروايةُ لأنهُ اتفقَ عليهِ الشيخانِ منْ حيثُ الروايةُ، ومنْ حيثُ الدرايةُ، لأنهُ إخبارٌ مجزومٌ بهِ، وخبرُ أبي سعيدٍ انفردَ بهِ مسلمٌ، ولأنهُ خبرٌ عنْ حُزْرٍ وتقديرٍ وتَظَنُّنٍ، ويحتملُ أنْ يجمعَ بينهَما بأنهُ ﷺ كانَ يصنعُ هذا تارةً فيقرأُ في الأخريينَ غيرَ الفاتحةِ معَها ويقتصرُ فيهما أحيانًا (٢)، فتكونُ الزيادةُ عليْها [فيهما سنة] (٣) تفعلُ أحيانًا وتتركُ أحيانًا. ٢٢/ ٢٧٣ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلَ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَفي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ، وَفي الصُّبْحِ بِطِوالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ (٤). [صحيح] ترجمة سليمان بن يسار (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) (٥) هوَ أبو أيوبَ سليمانُ بنُ يسارٍ بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وتخفيفِ السينِ المهملة، وهوَ مولى ميمونةَ أمِّ المؤمنينَ وأخو عطاءِ بن يسارٍ منْ أهلِ المدينةِ وكبارِ التابعينَ. كانَ فقيهًا فاضلًا ثقةً عابدًا ورِعًا حجةً، وهوَ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ. (قَالَ: كَانَ فُلَانٌ) في شرح السنةِ للبغويِّ أن فلانًا يريدُ بهِ

стр. 599

أميرًا [كان] (١) على المدينةِ قيلَ اسمهُ (عمرُو بنُ سلمةَ) وليسَ هوَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كما قيلَ لأنَّ ولادةَ عمرَ بن عبدِ العزيزِ كانتْ بعدَ وفاةِ أبي هريرةَ، والحديثُ مصرحٌ بأنَّ أبا هريرةَ صلَّى خلفَ فلانٍ هذَا (يُطِيلَ الأُوْلَيَيْنِ في الظُّهْرِ، وَيخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بقِصَارِ الْمفَصَّلِ) اختُلِفَ في أولِ المفصلِ فقيلَ إنَّها منَ الصافاتِ، أو الجاثيةِ، أَو القتالِ، أو الفتحِ، أو الحجراتِ، أو الصفِ، أو تباركَ، أو سبحِ، أو الضُّحى، واتُّفِقَ أنَّ منتهاهُ آخرُ القرآنِ، (وَفي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). قالَ العلماءُ: السنةُ أنْ يقرأَ في الصبحِ والظهرِ بطوالِ المفصلِ، ويكونُ الصبحُ أطولَ، وفي العشاءِ والعصرِ بأوسطِهِ، وفي المغربِ بقصارهِ. قالُوا: والحكمةُ في تطويلِ الصبحِ والظهرِ أنَّهما وقْتَا غفلةٍ بالنومِ في آخرِ الليلِ والقائلةِ فطولُهما ليدْرِكَهُما [المتأخرونَ لغفلةٍ أوْ نومِ ونحوهما] (٢)، وفي العصرِ ليستْ كذلكَ بلْ هيَ في وقتِ الأعمالِ فخُفَّتْ لذلكَ، وفي المغربِ لضيقِ الوقتِ، فاحتيجَ إلى زيادةِ تخفيفِها ولحاجةِ الناسِ إلى عشاءِ صائِمِهمْ وضيفهِمْ، وفي العشاءِ لغلبةِ النومِ ولكنَ وقتَها واسعٌ فأشبهتِ العصرَ هكذا قالُوه. وستعرفُ اختلافَ أحوالِ صلاتهِ ﷺ مما يأتي قريبًا بما لا يتمُّ بهِ هذا التفصيلُ. قراءة النبي ﷺ في المغرب ٢٣/ ٢٧٤ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁) تقدمَ [ضبطُهُما] (٤) وبيانُ حالِ جبيرٍ (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قدْ بيَّنَ في فتحِ

стр. 600

الباري (١) أن سَمَاعهُ لذلكَ كانَ قبلَ إسلامه، وهوَ دليل على أن المغربَ لا يختصُّ بقصارِ المفصّلِ. وقدْ وردَ أنهُ ﷺ قرأَ في المغربِ بـ ﴿المَصَ﴾ (٢)، وأنهُ قرأَ فيهَا بالصافاتِ، وأنهُ قرأَ فيْها بحم الدخانِ (٣)، وأنهُ قرأَ فيْها سبحِ اسمَ ربكَ الأعلى (٤)، وأنهُ قرأَ فيْها بالتينِ والزيتونِ (٥)، وأنهُ قرأَ فيْهَا بالمعوذتينِ، [وأنهُ قرأَ فيْها] (٦) بالمرسلاتِ (٧)، وأنهُ كانَ يقرأُ فيها بقصارِ المفصَّلِ (٨)، وكلُّها أحاديثُ صحيحةٌ. وأمَّا المداومة في المغربِ على قُصَارَى المفصلِ؛ فإنما هوَ فعلُ مروانَ بن الحكمِ، وقدْ أنكرَ عليهِ زيدُ بنُ ثابتٍ، وقالَ لهُ: "مَا لَكَ تقرأُ بقصارِ المفصَّلِ، وقدْ رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقرأُ في المغربِ بطولى الطوليينِ [تثنيةُ طولى، والمرادُ بهمَا الأعرافُ والأنعامُ، والأعرافُ أطولُ منَ الأنعامِ، إلى هنا] (٩)

стр. 601

أخرجهُ البخاريُّ (١)، وهي الأعرافُ. وقدْ أخرجَ النسائيُّ (٢): أنهُ ﷺ فرقَ الأعرافَ في ركعتيْ المغربِ. وقدْ قرأَ في العشاءِ بالتينِ والزيتونِ (٣)، ووقَّتَ لمعاذٍ فيها بالشمسِ وضحَاهَا، وبالليلِ إذا يغشَى، وسبحِ اسمَ ربِّكَ الأعلى ونحوِها (٤) ". والجمعُ بَيْنَ هذهِ الرواياتِ أنهُ وقعَ ذلكَ منهُ ﷺ باختلافِ الحالاتِ والأوقاتِ والأشغالِ عدمًا ووجُودًا. قراءة النبي ﷺ في فجر الجمعة ٢٤/ ٢٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ) أي في الركعةِ الأُولى، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ أي في الثانيةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ دليل على أن ذلكَ كانَ دأبُهُ ﷺ في تلكَ الصلاةِ، وزادَ استمرارُهُ على ذلكَ بيانًا قولُهُ: ٢٥/ ٢٧٦ - وَلِلطَّبَرَانيِّ (٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذلِكَ. [ضعيف]

стр. 602

(وَلِلطَّبَرَانيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُدِيمُ ذلِكَ) أي: يجعلهُ عادةً دائمةً لهُ. قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ (١): السرُّ في قراءتِهمَا في صلاةِ فجرِ الجمعةِ أنَّهما تضمَّنَتَا ما كان وما يكونُ في يومِهِمَا، فإنَّهما اشْتَمَلَتَا على خَلْقِ آدمَ وعلى ذكرِ المعادِ وحشرِ العبادِ، وذلكَ يكونُ يومَ الجمعةِ، ففي قراءَتِهمَا تذكيرٌ للعبادِ بما كانَ فيهِ ويكونُ. قلت: ليعتبروا بذكرِ ما كانَ ويستدُّوا لما يكونُ. ما يقول في الركوع والسجود ٢٦/ ٢٧٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (٢)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ) أي: يطلبُ منَ اللَّهِ رحمتَهُ، (وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا) مما ذُكِرَ فيْها. (أَخْرَجَه الْخَمْسَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ). في الحديثِ دليل على أنهُ ينبغي للقارئِ في الصلاةِ تَدَبُّرُ ما يقرؤُهُ، وسؤالُ اللَّهِ رحمتَه، والاستعاذةُ منْ عذابهِ. ولعلَّ هذَا كانَ في صلاةِ الليلِ، وإنَّما قلْنا ذلكَ لأنَّ حديثَ حذيفةَ مطلقٌ، ووردَ تقييدُهُ بحديثِ عبدِ الرحمنِ ابن أبي ليلى عنْ أبيهِ: قالَ: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 603

يقرأُ في صلاةٍ ليستْ بفريضةٍ، فمرَّ بذكرِ الجنةِ والنارِ فقالَ: أعوذُ باللَّهِ منَ النارِ، ويلٌ لأهلِ النارِ" رواهُ أحمدُ (١)، وابنُ ماجَهْ (٢) بمعناهُ. وأخرجَ أحمدُ (٣) عنْ عائشةَ: "قمتُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ليلةَ التمامِ، فكانَ يقرأُ بالبقرةِ، والنساء، وآلِ عمرانَ ولا يمرُّ بآيةٍ فيها تخويفٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ واستعاذَ، ولا يمرُّ بآيةٍ فيْها استبشارٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ ورَغِبَ إليهِ". وأخرجَ النسائيُّ (٤)، وأبو داودَ (٥) منْ حديثٍ عوفِ بن مالكٍ: "قمتُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فبدأَ فاستاكَ، وتوضأَ، ثمَّ قامَ فصلَّى فاستفتحِ بالبقرةَ؛ لا يمرُّ بآيةٍ رحمةٍ إلَّا وقفَ [يسأل] (٦)، ولا يمرُّ بآيةٍ عذابٍ إلَّا وقفَ وتعوَّذ" الحديثَ. وليسَ لأبي داودَ ذكْرُ السواكِ والوضوءِ، فهذَا كلُّهُ في النافلةِ كما هوَ صريحٌ الأولِ، وفي قيامِ الليلِ كما يفيدُهُ الحديثانِ الآخرانِ؛ فإنهُ لمْ يأتِ عنهُ ﷺ في روايةٍ قطُّ أنهُ أمَّ الناسَ بالبقرةِ وآلِ عمرانَ في فريضةٍ أصلًا. ولفظُ: قمتُ، يُشعِرُ أنهُ في الليلِ، [فتمّ ما ترجَّيْنا بقولِنَا] (٧). ولعلَّ هذَا في صلاةِ الليلِ، فهذَا باعتبارِ ما ورد، فلوْ فعلَهُ أَحدٌ في الفريضةِ فلعلهُ لا بأسَ [فيه] (٨)، ولا يخلُّ بصلاتِهِ سيَّما إذا كانَ منفردًا [لئلا] (٩) يشقَّ على غيرهِ [إذا] (١٠) كانَ إمامًا. وقولُها: (ليلةَ التمامِ)، في القاموس (١١): وليلةُ التِّمامِ ككِتابِ، وليلٌ تِماميٌ: أطولُ ليالي الشتاءِ، أو هي ثلاثٌ لا يُسْتبانُ نُقْصانُها، أوْ هي إذا بَلَغَتِ اثْنَتَي عَشْرَةَ ساعةً فصاعدًا، انتهى. قراءة القرآن حرام حال الركوع والسجود ٢٧/ ٢٧٨ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا وَإِني نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرآنَ رَاكعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ

стр. 604

فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابُ لَكُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا وَإِنِي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا)؛ فكأنهُ قيلَ فماذا تقولُ فيْهِمَا؟ فقالَ: (فَأَمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ)، قدْ بيَّنَ كيفيةَ هذا التعظيمِ حديثُ مسلمٍ (٢) عنْ حذيفةَ: "فجعلَ يقولُ أي رسولُ اللَّهِ ﷺ : سبحانَ ربيَ العظيمِ". (وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ) بفتحِ القافِ، وكسرِ الميمِ، ومعناهُ حقيقٌ (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ دليل على تحريمِ قراءةِ القرآنِ حالَ الركوعِ والسجودِ؛ لأنَّ الأصلَ في النهي التحريمُ. وظاهرُهُ وجوبُ تسبيحِ الركوعِ [والسجود] (٣)، ووجوبُ الدعاءِ [في السجودِ] (٤) للأمرِ بهمَا. وقدْ ذهبَ إلى ذلكَ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وطائفةٌ منَ المحدثينَ. وقالَ الجمهورُ: إنهُ مستحبٌ لحديثِ المسيءِ صلاتِهِ؛ فإنهُ لمْ يعلِّمْهُ ﷺ ذلكَ، ولو كانَ واجبًا لأمرهُ بهِ. ثمَّ ظاهرُ قولهِ: (فعظِّمُوا فيهِ الربَّ) أنها تجزئُ المرةُ الواحدةُ، ويكونُ بها ممتثلًا ما أُمِرَ بهِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٥) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: "إِذَا ركَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثلاثَ مراتٍ سبحانَ ربيَ العظيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ" ورواهُ الترمذيُّ (٦)، وابنُ ماجَهْ (٧)، إِلَّا أنهُ قالَ أبو داودَ فيهِ: إرسالٌ. وكذَا قال البخاريُّ، والترمذيُّ. وفي قولهِ: "ذلكَ أدناهُ"، ما يدلُّ على أَنَّها لا تجزئُ المرةُ الواحدةُ. والحديثُ دليل على مشروعيةِ الدعاءِ حالَ السجودِ بأي دعاءٍ كانَ، منْ طلبِ خيرِ الدنيا والآخرةِ، والاستعاذةِ من شرِّهِمَا، وأنهُ محل الإجابةِ. وقد بينَ بعضَ الأدعيةِ ما أفادهُ قولُهُ:

стр. 605

الدعاء في السجود وتعظيم الرب في الركوع ٢٨/ ٢٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [رَبَّنَا] (٢) وَبِحَمْدِكَ). الواو للعطفِ، والمعطوفُ عليهِ ما يفيدهُ ما قبلهُ، والمعطوفُ يتعلقُ بحمدكَ. والمعنى أنزِّهكَ وأتلبسُ بحمدِكَ، ويحتملُ أنْ تكونَ للحالِ، والمرادُ أسبِّحكُ وأنا متلبسٌ بحمدِكَ، أي حالَ كوني متلبسًا بهِ. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الحديثُ وردَ بألفاظٍ منْها (٣) أنَّها قالتْ عائشةُ: "ما صلَّى النبيُّ ﷺ بعدَ أنْ أُنزلتْ عليهِ إذا جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتحُ إلَّا يقولُ سبحانكَ رَبَّنَا وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفرْ لي". والحديثُ دليل على أنَّ هذَا منْ أذكارِ الركوعِ والسجودِ ولا ينافيهِ حديثُ: "أمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ"، لأنَّ هذَا الذكرَ زيادةٌ على ذلكَ التعظيمِ الذي كانَ يقولُهُ ﷺ ، فَيُجْمَعُ بينهُ وبينَ هذَا. وقولُهُ: (اللهمَّ اغفرْ لي) امتثالٌ لقولهِ تعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٤)، وفيهِ مسارعتُه ﷺ إلى امتثالِ ما أمرهُ اللَّهُ بهِ قيامًا بحقِّ العبوديةِ، وتعظيمًا لشأنِ الربوبيةِ، زادهُ اللَّهُ شرفًا وفضلًا، وقد غُفِرَ لهُ ما تقدمَ منْ ذنبهِ وما تأخرَ. ما يقول عند كل خفض ورفع ٢٩/ ٢٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكِبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ

стр. 606

حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع، ثُمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ في الصَّلَاةِ كلِّها، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) أيْ إذا قامَ فيْها (يُكبِّرُ)، أيْ تكبيرةَ الإحرامِ (حِينَ يَقُومُ). فيهِ دليل أنهُ لا يتوجهُ، ولا يصنعُ قبلَ التكبيرةِ شيئًا. (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) تكبيرةَ النقْلِ، (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ اللَّهُ مَنْ حَمِدَهُ؛ فإنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ تعالى متعرِّضًا لثوابهِ استجابَ اللَّهُ لهُ وأعطاهُ ما تعرضَ لهُ، فناسبَ بعدَهُ أنْ يقولَ: ربَّنا ولكَ الحمدُ (حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَة مِنَ الرُّكُوعِ)، فهذَا في حالِ أخذ في رفعِ صلبهِ منْ هويه للقيامِ (ثمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بإثباتِ الواوِ للعطفِ على مقدرٍ، أي: ربَّنا أطعناكَ وحمدناكَ، أو للحالِ، أوْ زائدةٌ. ووردَ في روايةٍ بحذفِها، وهي نسخةٌ في بلوغِ المرامِ (٢). (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا) تكبيرَ النقْلِ، (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ)، أي منَ السجودِ الأولِ، (ثمَّ يُكَبِّرْ حِينَ يَسْجُدُ) أي السجدة الثانية، (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ) أي منَ السجدةِ الثانيةِ. هذا كلُّهُ تكبيرُ النقلِ، (ثُمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ) أي ما ذكرَ ما عدا التكبيرةَ الأولى التي للإحرامِ (في الصَّلَاةِ كلِّها) أي ركعاتِها كلِّها. (وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ) للتشهدِ الأوسطِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ دليل على [مشروعية] (٣) ما ذُكِرَ فيهِ منَ الأذكارِ، فأما أولُ التكبيرِ [فهي] (٤) تكبيرةُ الإحرامِ. وقدْ تقدمَ الدليلُ على وجوبِها منْ غيرِ هذا الحديثِ. وأما ما عداها منَ التكبيرِ الذي وصفهُ فقدْ كانَ وَقَعَ منْ بعضِ أمراءِ بني أميةَ تركُهُ تساهلًا، ولكنهُ استقرَّ العملُ منَ الأمةِ على فعلهِ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، في كلِّ

стр. 607

ركعةٍ خمسَ تكبيراتٍ كما عرفتَهُ منْ [لفظ] (١) هذا الحديث، ويزيدُ في الرباعيةِ والثلاثيةِ تكبيرَ النهوض منَ التشهدِ [الأوسط] (٢)، فيتحصلُ في المكتوباتِ الخمسِ بتكبيرةِ الإحرامِ أربعٌ وتسعونَ تكبيرةً، ومنْ دونِها تسعُ وثمانونَ تكبيرةً. واختلفَ العلماءُ في حكمِ تكبيرِ النقلِ، فقيلَ: إنهُ واجبٌ. ورَويَ قولًا لأحمدَ بن حنبلٍ، وذلكَ لأنهُ ﷺ داومَ عليهِ. وقدْ قالَ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (٣). وذهبَ الجمهورُ إلى نَدْبِهِ، لأنهُ ﷺ لم يعلِّمْه المسيءَ صلاتِهِ، وإنَّما علَّمَهُ تكبيرةَ الإحرامِ، وهوَ موضعُ البيانِ للواجبِ. ولا يجوزُ تأخيرُهُ عنْ وقتِ الحاجةِ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ قدْ أخرجَ تكبيرةَ النقلِ في حديث المسيءِ أبو داودَ (٤) منْ حديثٍ رفاعةَ بن رافعٍ؛ فإنهُ ساقهُ وفيهِ: "ثمَّ يقولُ: اللَّهُ أكبرُ، ثمَّ يركعُ" وذَكَرَ فيهِ قولَهُ: سمعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ، وبقيَّةُ تكبيراتِ النقلِ. [وأخرجها الترمذيُّ (٥)، والنسائيُّ (٦). ولِذَا ذهبَ أحمدُ، وداودُ إلى وجوبِ تكبيرةِ النقلِ] (٧). وظاهرُ قولِهِ: يكبرُ حينَ كذا وحينَ كذا أن التكبيرَ يقارن هذه الحركات فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن، وأما القول بأنه يمد التكبير حتى يتمَّ الحركةَ كما في الشرحِ وغيرهِ، فلا وجهَ لهُ، بلْ يأتي باللفظِ منْ غيرِ زيادةٍ على أدائهِ ولا نقصانٍ منهُ. وظاهرُ قولهِ: (ثمَّ يقولُ: سمعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ رَبَّنا لكَ الحمدُ) أنهُ يشرعُ ذلكَ لكلِّ مصلٍّ منْ إمامٍ ومأمومٍ؛ إذْ [هوَ] (٨) حكايةٌ لمطلقِ صلاتِهِ ﷺ ، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ حكايةٌ لصلاتهِ ﷺ إمامًا؛ إذِ المتبادرُ منَ الصلاةِ عندَ إطلاقِها الواجبةُ. وكانت صلاتهُ ﷺ الواجبةُ جماعةً، وهوَ الإمامُ فيها، إلَّا أنهُ لو فرضَ هذَا فإنَّ قولَهُ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٩) أمرٌ لكلِّ مصلٍّ أنْ يصلِّي كصلاتهِ ﷺ منْ إمامِ [أوَ] (١٠) منفردٍ، [وإليه] (١١) ذهبتِ الشافعيةُ،

стр. 608

والهادويةُ، وغيرُهم إلى أن التسميعَ مطلقًا لمتنفلٍ أو مفترضٍ للإمامِ والمنفردِ والحمدُ للمؤتمِ لحديثِ: "إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدَه فقولُوا ربَّنا لكَ الحمدُ" أخرجهُ أبو داودَ (١). وأجيبَ بأنَّ قولَهُ: "إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ فقولُوا ربَّنا لكَ الحمدُ" لا ينفي قولطَ المؤتمِّ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ، وإنَّما يدلُّ على أنهُ يقولُ المؤتمُّ ربنا لكَ الحمدُ عقبَ قولِ الإمامِ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ، والواقعُ هوَ ذلكَ لأنَّ الإمامَ يقولُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ في حالِ انتقالهِ، والمأمومُ يقولُ التحميدَ في حالِ اعتدالهِ، واستُفيْدَ الجمعُ بينهَما منَ الحديثِ الأولِ. قلتُ: لكنْ أخرجَ أبو داودَ (٢) عن الشعبيِّ: "لا يقولُ المؤتمُّ خلْفَ الإمامِ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ ولكنْ يقولُ ربنا لكَ الحمدُ"، ولكنهُ موقوفٌ على الشعبيِّ، فلا تقومُ بهِ حجة. وقد ادَّعى الطحاويُّ، وابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على كونِ المنفردِ يجمعُ بينهَما. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يجمعُ بينهَما الإمامُ والمنفردُ ويحمدُ المؤتمُّ. قالُوا: والحجةُ جمعُ الإمامِ بينَهما لاتحادِ حكمِ الإمامِ والمنفردِ. ما يقول عند الاعتدال من الركوع ٣٠/ ٢٨١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلءَ السّمَواتِ وَالأَرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح]

стр. 609

(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمّ) لمْ أجدْ لفظَ اللهمَّ في مسلمٍ في روايةٍ أبي سعيدٍ، ووجدتُها في روايةِ ابن عباسٍ (١) (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلءَ) بنصبِ الهمزةِ على المصدريةِ، ويجوزُ رفعهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (السّموَاتِ وَالأَرْضِ)، وفي سننِ أبي داودَ (٢) وغيرِه؛ "وَمِلءَ الأرضِ" وهي في روايةٍ ابن عباسٍ عندَ مسلمٍ؛ فهذهِ الروايةُ كلُّها ليستْ لفظَ أبي سعيدٍ لعدمِ وجودِ [لفظ] (٣) اللهمَّ في أولهِ، ولا لفظَ ابن عباسٍ لوجودِ ملءِ الأرضِ فيْها، (وملءَ ماشئتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ) بضمِّ الدالِ على البناءِ للقطعِ عن الإضافةِ ونيةِ المضافِ إليهِ، (أَهْلَ) بنصبهِ على النداءِ أو رفعهِ أي أنتَ أهلُ (الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ) بالرفعِ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وما مصدريةٌ تقديرِه هذا، أي قولُه: اللهمَّ لكَ الحمدَ أحقُّ قولِ العبدِ وإنما لم يجعلْ (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) خبرًا وأحقُّ مبتدأ لأنهُ محذوفٌ في بعضِ الرواياتِ، فجعلناهُ جملة استئنافية إذا حذفَ تمَّ الكلامُ منْ دونِ ذكْرِهِ. وفي الشرحِ جعلَ أحقَّ مبتدأ، وخبرُهُ لا مانعَ لما أعطيتَ، وفي شرحِ المهذبِ (٤) نقلًا عن ابن الصلاحِ معناهُ: أحقُّ ما قالَ العبدُ قولُهُ لا مانعَ لما أعطيتَ إلى آخرهِ. وقولُهُ: (وكلنا لك عبدُ) اعتراضٌ بينَ المبتدأ والخبرِ، قالَ: أو يكونُ قولُهُ: أحقَّ ما قالَ [العبدُ] (٥) خَبرًا لما قبلَهُ أي قولُه: ربَنا لكَ الحمدُ إلى آخرهِ أحقُّ ما قالَ العبدُ. قالَ: والأولُ أَوْلى. قالَ النوويُّ (٦): لما فيهِ منْ كمالِ التفويضِ إلى اللَّهِ تعالى، والاعترافِ بكمالِ قدرتهِ، وعظمتهِ، وقهرهِ، وسلطانهِ، وانفرادهِ بالوحدانيةِ، وتدبيرِ مخلوقاتهِ انتهى. (مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ)، ثمَّ استأنفَ فقالَ: (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ هذَا الذكرِ في هذا الركنِ لكلِّ مصلٍّ، وقدْ جعلَ الحمدَ كالأجسامِ وجعلهُ سادًا لما ذكرهُ منَ الظروفِ مبالغةً في كثرةِ الحمدِ، وزادَ مبالغةً بذكرِ ما يشاؤهُ تعالى مما لا يعلمهُ العبدُ، والثناءُ الوصفُ بالجميلِ،

стр. 610

والمدحُ، والمجدُ، والعظمةُ، ونهايةُ الشرفِ. والجَدُّ بفتحِ الجيمِ معناهُ الحظُّ، أي: لا ينفعُ ذا الحظِّ منْ عقوبتكَ حظُّهُ بلْ ينفعهُ العملُ الصالحُ، ورُويَ بالكسرِ للجيمِ أي لا ينفعهُ جِدُّهُ واجتهادُه، وقد ضعفتْ روايةُ الكسرِ. أعضاء السجود ٣١/ ٢٨٢ - وَعنَ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَينِ، وَأَطرَافِ الْقَدَمَينِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنَ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَي سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَى [الْجَبْهَةِ] (٢) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطرَافِ الْقَدَمَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وفي روايةٍ (٣): "أُمِرْنَا" أي أيُّها الأمةُ، وفي روايةٍ (٤): "أُمِرَ النبيُّ ﷺ ". والثلاثُ الرواياتِ للبخاريِّ. وقولُهُ: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ) [فسَّرْتها] (٥) روايةُ النسائيُّ (٦). قالَ ابنُ طاوسٍ: "ووضعَ يدَهُ على جبهتهِ وأمرَّها على أنفهِ وقالَ: هذا واحدٌ"، قال القرطبيُّ: هذا يدلُّ على أن الجبهةَ الأصلُ في السجودِ، والأنفُ تبعٌ لها. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٧): معناهُ أنهُ جعلَهُما كأنَّهما عضوٌ واحدٌ وإلّا لكانتِ الأعضاءُ ثمانيةً. والمرادُ منَ اليدينِ الكفَّانِ. وقدْ وقعَ بلفظِهما في روايةٍ، والمرادُ منْ قولهِ: (وأطرافِ القدمينِ) أنْ يجعلَ قدميْهِ قائمتينِ على بطونِ أصابِعِهمَا، وعقباهُ مرتفعتانِ، فيستقبلُ بظهورِ قدميهِ القبلةَ، وقدْ وردَ هذا في حديثٍ أبي حميدٍ في صفةِ السجودِ. وقيلَ: يندبُ ضمُّ أصابعِ اليدينِ لأنَّها لو انفرجتْ انحرفتْ رؤوسُ بعضِها عن القبلةِ، وأما أصابعُ الرجلينِ فقد تقدمَ في

стр. 611

حديثٍ أبي سعيدٍ الساعدي في بابِ صفةِ الصلاةِ بلفظِ: "واستقبل بأصابعِ رجليهِ القبلةَ". هذا والحديثُ دليلٌ على وجوبِ السجودِ على ما ذُكِرَ؛ لأنهُ ذكرهُ ﷺ بلفظِ الإخبارِ عنْ أمرٍ اللَّهِ لهُ، أوْ لَهُ ولأُمَّتِهِ، والأمرُ لا يردُّ إلَّا بنحوِ صيغةِ أفعلُ، وهي تفيدُ الوجوبَ. وقدِ اختُلِفَ في ذلكَ، فالهادويةُ، وأحدُ قوليْ الشافعيِّ أنهُ للوجوبِ لهذا الحديثِ. وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يجزئُ السجودُ على الأنفِ فقطْ مستدلًا بقولهِ: "وأشارَ بيدهِ إلى أنفهِ". قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (١): قدِ احْتُجَّ لأبي حنيفة بهذَا في السجودِ على الأنفِ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٢): والحقُّ أَنَّ مثلَ هذَا لا يعارضُ التصريحَ بالجبهةِ، وإنْ أمكنَ أنْ يعتقدَ أنَّهما كعضوٍ واحدٍ، فذلكَ في التسميةِ والعبارةِ، لا في الحكمِ الذي دلَّ عليهِ أنتهى. واعلمْ أنهُ وقعَ هنا في الشرحِ أنهُ ذهبَ أبو حنيفةَ، وأحدُ قولي الشافعيِّ، وأكثرُ الفقهاءِ إلى أنَّ الواجبَ الجبهةُ فقطْ لقولهِ ﷺ في حديث المسيءِ صلاتِهِ: " [ومكِّنْ] (٣) جبهتكَ"؛ فكانَ قرينةً على حملِ الأمرِ هنا على غيرِ الوجوبِ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ هذَا لا يتمُّ إلَّا بعدَ معرفةِ تقدمِ هذَا على حديثٍ المسيءِ صلاتِهِ، ليكونَ قرينةً على حملِ الأمرِ على الندبِ. وأما لو فرضَ تأخرُهُ لكانَ في هذا زيادةُ شرعٍ ويمكنُ أنْ تتأخرَ شرعيتُه، ومعَ جهلِ التاريخِ يرجحُ العملُ بالموجبِ لزيادةِ الاحتياطِ، كذا قالهُ الشارحُ، وجعلَ السجودَ على الجبهةِ والأنفِ مَذْهبًا للعترةِ، فحولنَا عبارتَه إلى الهادوية معَ أنهُ ليس مذهبهم إلا السجودُ على الجبهةِ فقطْ كما في البحرِ (٤) وغيرِه (٥)، ولفظُ الشرحِ هنَا: والحديثُ فيهِ دلالةٌ على وجوبِ السجودِ على ما ذكر فيهِ. وقد ذهبَ إلى هذا العترةُ وأحدُ قوليْ الشافعيِّ انتهِى. وعرفتَ أنهُ وَهِمَ في قولهِ: إنَّ أبا حنيفةَ يوجبهُ على الجبهةِ؛ فإنهُ يجيزُهُ عليْها أو على الأنفِ، وأنهُ مخيَّر في ذلكَ. هذا الذي في الشرح، والذي في البحر أنهُ يقول أبو حنيفة أيهما سجد أجزأه لأنهما عضو واحدةٌ انتهى. فجعل الخلاف بأبي حنيفة وحده دون أصحابه، وفي عيون المذاهب للطحاوي أن أبا حنيفة يقول لو اقتصر على الأنف

стр. 612

جاز، وعندهما والثلاثة بلا عذر انتهى. فدلَّ على أنه لا يقول بإجزاء السجود على الأنف فقط إلَّا أبو حنيفة وأنَّ صاحبيه محمد بن الحسن وأبا يوسف يخالفانه، فلا ينبغي نسبة ذلك إلى الحنفية، ثمَّ ظاهرهُ وجوبُ السجودِ على العضوِ جميعهِ ولا يكفي بعضُ ذلكَ، والجبهةُ يضعُ منْها على الأرضِ ما أمكَنهُ بدليلٍ: "وتمكِّنْ جبهتَكَ"، وظاهرُهُ أنهُ لا يجبُ كشفُ شيءٍ منْ هذهِ الأعضاء لأنَّ مُسَمَّى السجودِ عليْها يصدقُ بوضعِها منْ دونِ كشْفِها، ولا خلافَ أن كشفَ الركبتينِ غيرُ واجبٍ لما يخافُ منْ كشفِ العورةِ، واختلفَ في الجبهةِ فقيلَ يجبُ كشفُها لما أخرجهُ أبو داود في المراسيلِ (١): "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ . رَأَى رجلًا يسجدُ إلى جنبه (٢) وقدِ اعتمَّ على جَبْهَتِهِ فحسرَ عنْ جبهتِه"، إلَّا أنهُ قدْ علقَ البخاريُّ (٣) عن الحسنِ: "كانَ أصحابُ رسولِ ﷺ يسجدونَ وأيديْهِمْ في ثيابِهمْ ويسجدُ الرجلُ منْهم على عمامتِهِ". ووصلَهُ البيهقيُّ (٤) وقالَ: هذا أصحُّ ما في السجودِ موقوفًا على الصحابةِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ: "أنهُ ﷺ كانَ يسجدُ على كورِ عمامتهِ" منْ حديثٍ ابن عباسٍ أخرجه أبو نعيمٍ في الحليةِ (٥)، وفي إسناده ضعفٌ، ومنْ حديثٍ ابن أبي أَوْفَى أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٦) وفيهِ ضعفٌ، ومنْ حديثٍ جابرٍ عندَ ابن عديٍّ (٧) وفيهِ متروكانِ (٨)، ومنْ حديثٍ أنسٍ عندَ

стр. 613

ابن أبي حاتمٍ في العللِ (١) وفيهِ ضعيفٌ. وذكرَ هذهِ الأحاديثَ وغيرِها البيهقيُّ ثمَّ قالَ (٢): أحاديثُ "كانْ يسجدَ على كورِ عمامتهِ" لا يثبتُ [فيها] (٣) شيءٌ يعني مرفوعًا، والأحاديثُ منَ الجانبين غيرُ ناهضةٍ على الإيجابِ. وقولُهُ: "سجدَ على جبهتهِ" يصدقُ على الأمرينِ، وإنْ كانَ معَ عدمِ الحائلِ أظهرُ فالأصلُ جوازُ الأمرينِ. وأما حديثُ خبابٍ (٤): "شكوْنَا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ حرَّ الرمضاءِ في جباهِنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنَا" (٥) الحديثَ، فلا دلالةَ فيهِ على كشفِ هذهِ الأعضاءِ ولا عدمهِ، وفي حديثٍ أنسٍ عندَ مسلمٍ (٦): "أنهُ كانَ أحدُهم يبسطُ ثوبَهُ منْ شدةِ الحرِّ ثمَّ يسجدُ عليهِ" ولعلَّ هذَا مما لا خلافَ فيهِ، [أوالخلاف] (٧) في السجودِ على محمولهِ فهوَ محلُّ النزاعِ وحديثُ أنسٍ محتملٌ. مجانبة الذراعين عن الجنبين في السجود ٣٢/ ٢٨٣ - وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتى يَبْدُو بَيَاضُ إِبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح] ترجمة عبد الله بن مالك بن بُحينة (وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ) (٩) هو عبدُ اللَّهِ بنُ مالكِ بنُ بُحَيْنةَ، بضمِّ الباءِ الموحدةِ

стр. 614

وفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وبعدَها نونٌ، وهوَ اسم لأمِّ عبدِ اللَّهِ، واسمُ أبيهِ مالكُ بنُ القِشْبِ بكسرِ القافِ وسكونِ الشينِ المعجمةِ فموَّحدةِ، الأزديِّ. ماتَ عبدُ اللَّهِ في ولايةِ معاويةَ بينَ سنةِ أربعٍ وخمسينَ، وثمانٍ وخمسينَ (أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ) بفتحِ الفاءِ وتشديدِ الراءِ آخرُه جيمٌ، (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي باعدَ بينَهما، أي نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنبِ الذي يليْها (حَتى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ دليلٌ على فعلِ هذهِ الهيئةِ في الصلاةِ، قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنْ يظهرَ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ويتميزَ حتى يكونَ الأنسانُ الواحدُ في سجودهِ كأنهُ عددٌ. ومُقْتَضَى هذا أنْ يستقلَّ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ولا يعتمدُ بعضُ الأعضاءِ على بعضٍ. وقد ورد هذا المعنى مصرَّحًا به فيما أخرجه الطبراني (١) وغيره من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: "أنه قال: لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبِّد ضبعيك؛ فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك"، وعند مسلم (٢) من حديث مَيْمُونَة: "كَانَ النبيُّ ﷺ يجافي بيديه؛ فلو أن بَهيمة أرادت أَنْ تَمُرَّ مَرَّتْ". وظاهر الحديث الأول وهذا مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (٣) يقتضي الوجوب، ولكنه قد أخرج أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة ما يدل على أن ذلك غير واجب بلفظ: "شَكَا أَصْحَابُ النبي ﷺ له مَشَقَّةَ السُّجُودِ عليهم إذا تَفَرَّجُوا

стр. 615

فقالَ: استعينوا بالرُّكبِ". وترجم له (١) (الرخصة في ترك التفريج). قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود. وقوله: حتى يُرى بياض إبطيه، ليس فيه كما قيل دلالة على أنه لم يكن ﷺ لابسًا لقميص لأنه وإن كان لابسًا له فإنه قد يبدو منه أطراف إبطيه، لأنها كانت أكمام قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة فيمكن أن يرى الإبط من كمِّها، ولا دلالة فيه على أنه لم يكن على إبطيه شعر كما قيل، لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا يرى إلَّا بتكلف، وإن صح ما قيل [إنّ] (٢) من خواصه أنه ليس على إبطيه شعر فلا إشكال. ٣٣/ ٢٨٤ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] ترجمة البراء بن عازب (وَعَنْ الْبَرَاءِ) (٤) بفتحِ الموحدةِ، فراءٍ [وقيلَ بالقصرِ] (٥) ثمَّ همزةٍ ممدودةٍ، هوَ أبو عمارةَ في الأشهرِ، وهوَ (ابْنِ عَازِبٍ) بعيني مهملةٍ فزايٌ بعدَ الألفِ مكسورةٌ فموحدةٌ، ابن الحارثِ الأوسيِّ الأنصاريِّ الحارثيِّ. أولُ مشهدٍ شهدهُ الخندقُ، نزلَ

стр. 616

الكوفةَ وافتتحَ الريَّ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في قولٍ، وشهدَ معَ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ بن أبي طالب ﵇ الجَمَلَ، وصفينَ، والنهروانَ. ماتَ بالكوفةِ أيامَ مصعبِ بن الزبيرِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَع مِرْفَقَيْكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ هذهِ الهيئةِ للأمرِ بها، وحملَهُ العلماءُ على الاستحبابِ. قالُوا: والحكمةُ فيهِ أنهُ أشبهُ بالتواضعِ، وأتمُّ في تمكينِ الجبهةِ والأنفِ من الأرضِ، وأبعدُ منْ هيئةِ الكُسَالَى، فإنَّ المنبسطَ يشبهُ الكلبَ، ويشعرُ حالُهُ بالتهاونِ بالصلاةِ، وقلةِ الاعتناءِ بها، والإقبالِ عليْها. المرأة تضم بعضها إلى بعض في السجود وهذا في حقِّ الرجلِ لا المرأةِ؛ فإنَّها تخالفُهُ في ذلكَ لما أخرجهُ أبو داودَ في مراسيلهِ (١) عنْ زيدِ (٢) بن أبي حَبيب: "أن النبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتينِ تصليانِ فقالَ: إذا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بعضَ اللَّحْمِ إلى الأرضِ؛ فإنَّ المرأةَ في ذلكَ لَيْسَتْ كالرَّجُلِ". قالَ البيهقيَّ (٣): وهذَا المرسلُ أحسنُ منْ موصولَيْنِ فيهِ يعني منْ حديثينِ موصولينِ ذكرَهُما البيهقيُّ في سننهِ (٤) وضَعَّفَهُمَا. ومنَ السنةِ تفريجُ الأصابعِ في الركوعِ لما رواهُ أبو داودَ (٥) منْ حديثٍ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ: "أنهُ كانَ ﷺ يمسكُ يديْهِ على ركبتيهِ كالقابضِ عليْهِمَا، ويفرِّجُ بينَ أصابعهِ". ومنَ السنةِ في الركوعِ أن يوترَ يديه فيجافي عنْ جنبيهِ كما في حديثٍ أبي حُمْيَدٍ عندَ أبي داودَ (٦) بهذَا اللفظِ، ورواة ابنُ خزيمةَ (٧) بلفظِ: "ونحَّى يديْه عنْ جنبيهِ"، وتقدمَ قريبًا. وذكر المصنفُ حديثَ ابن بُحينةَ - هذا الذي ذكرهُ في بلوغِ المرامِ - في التلخيصِ (٨) [مرتينِ، أولًا: في وصفِ ركوعهِ، وثانيًا: في وصفِ سجودِه] (٩)، دليل
следующие страницы →