← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 612–651 · переход к 617.

стр. 612

جاز، وعندهما والثلاثة بلا عذر انتهى. فدلَّ على أنه لا يقول بإجزاء السجود على الأنف فقط إلَّا أبو حنيفة وأنَّ صاحبيه محمد بن الحسن وأبا يوسف يخالفانه، فلا ينبغي نسبة ذلك إلى الحنفية، ثمَّ ظاهرهُ وجوبُ السجودِ على العضوِ جميعهِ ولا يكفي بعضُ ذلكَ، والجبهةُ يضعُ منْها على الأرضِ ما أمكَنهُ بدليلٍ: "وتمكِّنْ جبهتَكَ"، وظاهرُهُ أنهُ لا يجبُ كشفُ شيءٍ منْ هذهِ الأعضاء لأنَّ مُسَمَّى السجودِ عليْها يصدقُ بوضعِها منْ دونِ كشْفِها، ولا خلافَ أن كشفَ الركبتينِ غيرُ واجبٍ لما يخافُ منْ كشفِ العورةِ، واختلفَ في الجبهةِ فقيلَ يجبُ كشفُها لما أخرجهُ أبو داود في المراسيلِ (١): "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ . رَأَى رجلًا يسجدُ إلى جنبه (٢) وقدِ اعتمَّ على جَبْهَتِهِ فحسرَ عنْ جبهتِه"، إلَّا أنهُ قدْ علقَ البخاريُّ (٣) عن الحسنِ: "كانَ أصحابُ رسولِ ﷺ يسجدونَ وأيديْهِمْ في ثيابِهمْ ويسجدُ الرجلُ منْهم على عمامتِهِ". ووصلَهُ البيهقيُّ (٤) وقالَ: هذا أصحُّ ما في السجودِ موقوفًا على الصحابةِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ: "أنهُ ﷺ كانَ يسجدُ على كورِ عمامتهِ" منْ حديثٍ ابن عباسٍ أخرجه أبو نعيمٍ في الحليةِ (٥)، وفي إسناده ضعفٌ، ومنْ حديثٍ ابن أبي أَوْفَى أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٦) وفيهِ ضعفٌ، ومنْ حديثٍ جابرٍ عندَ ابن عديٍّ (٧) وفيهِ متروكانِ (٨)، ومنْ حديثٍ أنسٍ عندَ

стр. 613

ابن أبي حاتمٍ في العللِ (١) وفيهِ ضعيفٌ. وذكرَ هذهِ الأحاديثَ وغيرِها البيهقيُّ ثمَّ قالَ (٢): أحاديثُ "كانْ يسجدَ على كورِ عمامتهِ" لا يثبتُ [فيها] (٣) شيءٌ يعني مرفوعًا، والأحاديثُ منَ الجانبين غيرُ ناهضةٍ على الإيجابِ. وقولُهُ: "سجدَ على جبهتهِ" يصدقُ على الأمرينِ، وإنْ كانَ معَ عدمِ الحائلِ أظهرُ فالأصلُ جوازُ الأمرينِ. وأما حديثُ خبابٍ (٤): "شكوْنَا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ حرَّ الرمضاءِ في جباهِنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنَا" (٥) الحديثَ، فلا دلالةَ فيهِ على كشفِ هذهِ الأعضاءِ ولا عدمهِ، وفي حديثٍ أنسٍ عندَ مسلمٍ (٦): "أنهُ كانَ أحدُهم يبسطُ ثوبَهُ منْ شدةِ الحرِّ ثمَّ يسجدُ عليهِ" ولعلَّ هذَا مما لا خلافَ فيهِ، [أوالخلاف] (٧) في السجودِ على محمولهِ فهوَ محلُّ النزاعِ وحديثُ أنسٍ محتملٌ. مجانبة الذراعين عن الجنبين في السجود ٣٢/ ٢٨٣ - وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتى يَبْدُو بَيَاضُ إِبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح] ترجمة عبد الله بن مالك بن بُحينة (وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ) (٩) هو عبدُ اللَّهِ بنُ مالكِ بنُ بُحَيْنةَ، بضمِّ الباءِ الموحدةِ

стр. 614

وفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وبعدَها نونٌ، وهوَ اسم لأمِّ عبدِ اللَّهِ، واسمُ أبيهِ مالكُ بنُ القِشْبِ بكسرِ القافِ وسكونِ الشينِ المعجمةِ فموَّحدةِ، الأزديِّ. ماتَ عبدُ اللَّهِ في ولايةِ معاويةَ بينَ سنةِ أربعٍ وخمسينَ، وثمانٍ وخمسينَ (أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ) بفتحِ الفاءِ وتشديدِ الراءِ آخرُه جيمٌ، (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي باعدَ بينَهما، أي نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنبِ الذي يليْها (حَتى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ دليلٌ على فعلِ هذهِ الهيئةِ في الصلاةِ، قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنْ يظهرَ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ويتميزَ حتى يكونَ الأنسانُ الواحدُ في سجودهِ كأنهُ عددٌ. ومُقْتَضَى هذا أنْ يستقلَّ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ولا يعتمدُ بعضُ الأعضاءِ على بعضٍ. وقد ورد هذا المعنى مصرَّحًا به فيما أخرجه الطبراني (١) وغيره من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: "أنه قال: لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبِّد ضبعيك؛ فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك"، وعند مسلم (٢) من حديث مَيْمُونَة: "كَانَ النبيُّ ﷺ يجافي بيديه؛ فلو أن بَهيمة أرادت أَنْ تَمُرَّ مَرَّتْ". وظاهر الحديث الأول وهذا مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (٣) يقتضي الوجوب، ولكنه قد أخرج أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة ما يدل على أن ذلك غير واجب بلفظ: "شَكَا أَصْحَابُ النبي ﷺ له مَشَقَّةَ السُّجُودِ عليهم إذا تَفَرَّجُوا

стр. 615

فقالَ: استعينوا بالرُّكبِ". وترجم له (١) (الرخصة في ترك التفريج). قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود. وقوله: حتى يُرى بياض إبطيه، ليس فيه كما قيل دلالة على أنه لم يكن ﷺ لابسًا لقميص لأنه وإن كان لابسًا له فإنه قد يبدو منه أطراف إبطيه، لأنها كانت أكمام قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة فيمكن أن يرى الإبط من كمِّها، ولا دلالة فيه على أنه لم يكن على إبطيه شعر كما قيل، لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا يرى إلَّا بتكلف، وإن صح ما قيل [إنّ] (٢) من خواصه أنه ليس على إبطيه شعر فلا إشكال. ٣٣/ ٢٨٤ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] ترجمة البراء بن عازب (وَعَنْ الْبَرَاءِ) (٤) بفتحِ الموحدةِ، فراءٍ [وقيلَ بالقصرِ] (٥) ثمَّ همزةٍ ممدودةٍ، هوَ أبو عمارةَ في الأشهرِ، وهوَ (ابْنِ عَازِبٍ) بعيني مهملةٍ فزايٌ بعدَ الألفِ مكسورةٌ فموحدةٌ، ابن الحارثِ الأوسيِّ الأنصاريِّ الحارثيِّ. أولُ مشهدٍ شهدهُ الخندقُ، نزلَ

стр. 616

الكوفةَ وافتتحَ الريَّ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في قولٍ، وشهدَ معَ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ بن أبي طالب ﵇ الجَمَلَ، وصفينَ، والنهروانَ. ماتَ بالكوفةِ أيامَ مصعبِ بن الزبيرِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَع مِرْفَقَيْكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ هذهِ الهيئةِ للأمرِ بها، وحملَهُ العلماءُ على الاستحبابِ. قالُوا: والحكمةُ فيهِ أنهُ أشبهُ بالتواضعِ، وأتمُّ في تمكينِ الجبهةِ والأنفِ من الأرضِ، وأبعدُ منْ هيئةِ الكُسَالَى، فإنَّ المنبسطَ يشبهُ الكلبَ، ويشعرُ حالُهُ بالتهاونِ بالصلاةِ، وقلةِ الاعتناءِ بها، والإقبالِ عليْها. المرأة تضم بعضها إلى بعض في السجود وهذا في حقِّ الرجلِ لا المرأةِ؛ فإنَّها تخالفُهُ في ذلكَ لما أخرجهُ أبو داودَ في مراسيلهِ (١) عنْ زيدِ (٢) بن أبي حَبيب: "أن النبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتينِ تصليانِ فقالَ: إذا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بعضَ اللَّحْمِ إلى الأرضِ؛ فإنَّ المرأةَ في ذلكَ لَيْسَتْ كالرَّجُلِ". قالَ البيهقيَّ (٣): وهذَا المرسلُ أحسنُ منْ موصولَيْنِ فيهِ يعني منْ حديثينِ موصولينِ ذكرَهُما البيهقيُّ في سننهِ (٤) وضَعَّفَهُمَا. ومنَ السنةِ تفريجُ الأصابعِ في الركوعِ لما رواهُ أبو داودَ (٥) منْ حديثٍ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ: "أنهُ كانَ ﷺ يمسكُ يديْهِ على ركبتيهِ كالقابضِ عليْهِمَا، ويفرِّجُ بينَ أصابعهِ". ومنَ السنةِ في الركوعِ أن يوترَ يديه فيجافي عنْ جنبيهِ كما في حديثٍ أبي حُمْيَدٍ عندَ أبي داودَ (٦) بهذَا اللفظِ، ورواة ابنُ خزيمةَ (٧) بلفظِ: "ونحَّى يديْه عنْ جنبيهِ"، وتقدمَ قريبًا. وذكر المصنفُ حديثَ ابن بُحينةَ - هذا الذي ذكرهُ في بلوغِ المرامِ - في التلخيصِ (٨) [مرتينِ، أولًا: في وصفِ ركوعهِ، وثانيًا: في وصفِ سجودِه] (٩)، دليل

стр. 617

على التفريجِ في الركوع وهوَ صحيحٌ؛ فإنهُ قالَ: "إذا صلَّى فرَّجَ بينَ يديْهِ حتَّى يبدُو بياضُ إِبْطَيْهِ"؛ فإنهُ يصدق على حالهِ الركوعِ والسجودِ. ٣٤/ ٢٨٥ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ : كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ (١). [حسن] (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبيّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي أصابعِ يديْهِ (وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ). قالَ العلماءُ: الحكمةُ في ضمِّهِ أصابعَهُ عندَ سجودِهِ لتكونَ متوجهةً إلى سَمْتِ القبلةِ. كيفية قعود العليل إذا صلَّى من قعود ٣٥/ ٢٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). وَرَوَى البيهقيُّ (٤) منْ حديثٍ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ عنْ أبيهِ: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يدعُوا هكذَا، ووضعَ يديهِ على ركبتيهِ وهوَ متربعٌ جالسٌ". ورواهُ البيهقيُّ (٥) عنْ حميدٍ: "رأيتُ أَنسًا يصلِّي على فراشِهِ"، وعلقهُ البخاريُّ (٦). قالَ العلماءُ: وصفةُ التربُّعِ أنْ يجعلَ باطنَ قدمهِ اليمنى تحتَ الفخذِ اليُسرى، وباطنَ اليُسرى تحتَ اليُمنى، مطمئِنًا، وكفيهِ على ركبتيهِ مفرِّقًا أناملَه كالراكعِ.

стр. 618

والحديثُ دليلٌ على كيفيةِ قعودِ العليلِ إذا صلَّى مَنْ قعودٍ، إذِ الحديثُ واردٌ في ذلكَ، وهوَ في صفةِ صلاتهِ ﷺ لما سقطَ عنْ فرسهِ فانفكتْ قدمُهُ فصلَّى متربِّعًا، وهذهِ القعدةُ اختارَها الهادويةُ في قعودِ المريضِ لصلاتهِ، ولغيرِهم اختيارٌ آخرُ. والدليلُ معَ الهادويةِ وهوَ هذَا الحديثُ. شرعية الدعاء في القعود بين السجدتين ٣٦/ ٢٨٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ: "اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْني، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْني". رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ (١)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَن النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْني، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْني. رَوَاهُ الأَرْبَعَة إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ)، ولفظُ الترمذيِّ: "واجبرني" بدلَ وارحمني، ولم يقلْ وعافني. وجمعَ ابنُ ماجه في لفظِ روايتهِ بينَ ارحمني واجبرني، ولمْ يقلْ اهدِني ولا عافني، وجمعَ الحاكمُ بينَهما إلَّا أنهُ لم يقلْ وعافني. والحديثُ دليل على شرعيةِ الدعاءِ في القعودِ بينَ السجدتينِ، وظاهرُهُ أنهُ كانَ ﷺ يقولُهُ جَهْرًا. جلسة الاستراحة سنَّة ٣٧/ ٢٨٨ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح]

стр. 619

(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى النَّبيّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وفي لفظٍ له (١): "فإذَا رَفعَ رأسَهُ منَ السجدةِ الثانيةِ جلسَ واعتمدَ على الأرضِ ثمَّ قامَ". وأخرجَ أبو داودَ (٢) منْ حديثٍ أبي حُمَيْدٍ في صفةِ صلاتهِ ﷺ وفيهِ: "ثمَّ أهوى ساجدًا، ثم ثَنى رجلَيْهِ وقعد حتى رجعَ كلُّ عُضْوٍ في موضعِهِ ثمَّ نهضَ". وقدْ ذكرتْ هذهِ القعدةُ في بعضِ ألفاظِ روايةٍ حديثٍ المسيءِ صلاتهِ. وفي الحديثِ دليل على شرعيةِ هذهِ القعدةِ بعدَ السجدةِ الثانيةِ منَ الركعةِ الأُولى والركعةِ الثالثةِ، ثمَّ ينهضُ لأداءِ الركعةِ الثانيةِ أو الرابعةِ، وتُسَمَّى جلسةَ الاستراحةِ. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بشرعيَّتِها الشافعيُّ في أحدِ قوليْهِ، وهوَ غيرُ المشهورِ عنهُ، والمشهورُ عنهُ وهوَ رأيُ الهادويةِ والحنفيةِ، ومالكٍ، وأحمدَ، وإسحاقَ أنهُ لا يشرعُ القعودُ هذَا، مستدلينَ بحديثِ وائلِ بن حجرٍ في صفةِ صلاتهِ ﷺ بلفظِ: "فكانَ إذا رفعَ رأْسَهُ منَ السجدتينِ استوى قائمًا"، أخرجهُ البزارُ (٣) في مُسْنَدهِ، إِلَّا أنهُ ضعَّفَهُ النوويُّ (٤)، وبما رواهُ ابنُ المنذرِ (٥) منْ حديثٍ النَّعمانِ بن أبي عياشٍ: "أدركتُ غيرَ واحدٍ منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فكانَ إذا رفعَ رأسَهُ منَ السجدةِ في أولِ ركعةٍ، وفي الثالثةِ قامَ كما هوَ ولم يجلسْ". ويجابُ عن الكلِّ بأنهُ لا منافاةَ إذْ مَنْ فعلَها فلأنَّها سنةٌ، ومَنْ تركَها فكذلكَ. وإنْ كانَ ذكرُها في حديثٍ المسيءِ يشعرُ بوجوبِها لكنْ لمْ يقلْ بهِ أحدٌ فيما أعلمُ. القنوت وموضعه والجمع بين أحاديثه ٣٨/ ٢٨٩ - وَعَنْ أَنْسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 620

- وَلأَحْمَدَ (١) وَالدَّارَقُطْنيِّ (٢) نَحْوَهُ مِنْ وَجْهٍ آاخَرَ، وَزَادَ: وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتى فَارَقَ الدُّنْيَا. [ضعيف] (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ) ووردَ تعيينُهم أنَّهم رعلٌ، وعصيةُ، وبنو لحيانَ (ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). لفظهُ في البخاريِّ (٣) مطوَّلًا عنْ عاصمٍ الأحولِ قالَ: "سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ عن القنوتِ فقالَ: قدْ كانَ القنوتُ، قلتُ: قبلَ الركوعِ أوْ بعدَهُ؟ قالَ: قبلهُ، قلتُ: فإنَّ فلانًا أخبرني عنكَ أنكَ قلتَ بعدَ الركوعِ، قالَ: كذبَ، إنما قنتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بعدَ الركوعِ شهرًا أُراهُ كانَ بعثَ قومًا يقالُ لهمُ القراءُ زهاءَ سبعينَ رجلًا إلى قومٍ منَ المشركينَ، فغدرُوا وقتلُوا القراءَ دونَ أولئكَ، وكانَ بينهَم وبينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عهدٌ، فقنتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ شهرًا يدعُو عليهمْ". (وَلأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنيِّ نحوُهُ) أي منْ حديثٍ أنسٍ (مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: فأمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتى فَارَقَ الدُّنْيَا)؛ فقولُهُ في الحديثِ الأولِ: "ثمَّ تركهُ " أي فيما عدا الفجرِ، ويدلُّ أنهُ أرادهُ قولُهُ: "فلمْ يزلْ يقنتُ [في كلِّ صلاتهِ"، هذَا] (٤) والأحاديثُ عنْ أنسٍ في القنوتِ قدِ اضطربتْ وتعارضتْ في صلاةِ الغداةِ، وقدْ جمعَ بينَها في الهدي النبوي (٥) فقالَ: أحاديثُ أنسٍ كلُّها صحاحٌ يُصدّقُ بعضُها بعضًا، ولا تناقضَ فيها، والقنوتُ الذي ذكرهُ قبلَ الركوعِ غيرُ الذي ذكرهُ بعدَهُ، والذي وقَّتهُ غيرُ الذي أطلقهُ، فالذي ذكرهُ قبلَ الركوعِ هوَ إطالةُ القيامِ للقراءةِ الذي قالَ فيهِ النبيُّ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القيامِ" (٦)، والذي ذكرهُ بعدُ هوَ إطالةُ القيامِ للدعاءِ، ففعلَهُ شهرًا يدعوَ على قومٍ، ويدعُو لقوم، ثمَّ استمرَّ تطويلُ هذا الركنِ للدعاءِ والثناءِ إلى أنْ فارقَ الدنيا كما دلَّ لهُ الحديث: "أن أَنَسًا كانَ إِذا رفعَ رأسهُ منَ الركوعِ انتصبَ قائمًا حتَّى يقولَ القائلُ قدْ نسِي، وأخبرَهم أن هذه صفةُ صلاتهِ ﷺ "، أخرجهُ عنهُ في الصحيحينِ (٧). فهذَا هوَ القنوتُ الذي قالَ فيهِ أنسٌ: "إنهُ ما زال ﷺ عليهِ

стр. 621

حتَّى فارقَ الدنيا". والذي تركهُ هوَ الدعاءُ على أقوامٍ منَ العربِ، وكانَ بعدَ الركوعِ، فمرادُ أنسٍ بالقنوتِ قبلَ الركوعِ وبعدَه الذي أخبرَ أنهُ ما زالَ عليهِ: هوَ إطالةُ القيامِ في هذينِ المحلينِ بقراءةِ القرآنِ، وبالدعاءِ، هذا مضمونُ كلامهِ. ولا يخْفَى أنهُ لا يوافقُ قولَهُ: " [وأما] (١) في الصبحِ فلمْ يزلْ يقنتُ حتَّى فارقَ الدنيا"، وأنهُ دلَّ أن ذلكَ خاصٌّ بالفجرِ. وإطالةُ القيامِ بعدَ الركوعِ عامٌّ للصلواتِ كلها. وأمَّا حديثُ أبي هريرةَ الذي أخرجهُ الحاكمُ (٢) وصححهُ: "بأنهُ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ منَ الركوعِ منْ صلاةِ الصبحِ في الركعةِ الثانيةِ يرفعُ يديْهِ فيدعُو بهذا الدعاءِ: اللَّهُمَّ اهدِني فيمنْ هديتَ إلى آخرهِ"، ففيهِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ المقبري (٣)، ولا تقومَ بهِ حجةٌ. وقدْ ذهبَ إلى أن الدعاءَ [عقيبَ] (٤) آخرِ ركوعٍ منَ الفجرِ سنةُ جماعةٍ منَ السلفِ، ومنَ الخلفِ الهادي، والقاسمُ، وزيدُ بنُ عليٍّ، والشافعيُّ. وإنِ اختلفُوا في ألفاظهِ فعندَ الهادي بدعاءٍ منَ القرآنِ، وعندَ الشافعيِّ بحديثِ: "اللهمَّ اهدني فيمنْ هديتَ إلى آخرهِ". القنوت في النوازل ٣٩/ ٢٩٠ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٥). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي أنسٍ (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). أَمَّا دعاؤُه لقومٍ فكما ثبتَ أنهُ كانَ يدعُو للمستضعفينَ منْ أهلِ مكةَ، وأما دعاؤُه على قومٍ فكما عرفتُهُ قريبًا. ومنْ هُنَا قالَ بعضُ العلماءِ:

стр. 622

يُسَنُّ القنوتُ في النوازلِ، فيدعو بما يناسبُ الحادثةَ. وإذا عرفتَ هذا فالقولُ بأنهُ يسن في النوازلِ قولٌ حسنٌ تأسيًا بما فعلهُ ﷺ في دعائِهِ على أولئكَ الأحياءِ منَ العربِ، إلَّا أنهُ قدْ يقالُ: قدْ نزلَ بهِ ﷺ حوادثٌ كحصارِ الخندقِ وغيرِه، ولم يُرْوَ أنهُ قنتَ فيهِ، ولعلَّهُ يقالُ التركُ لبيانِ الجوازِ. وقدْ ذهبَ أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ إلى أنهُ منهيٌّ عن القنوتِ في الفجرِ، وكأنَّهم استدلُّوا بقولِهِ: النهي عن القنوت في الفجر ٤٠/ ٢٩١ - وَعَنْ سَعْد بْنِ طَارِقِ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لأَبي: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعلِيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ (١). [صحيح] ترجمة سعد بن طارق الأشجعي (وَعَنْ سَعيدٍ) كذَا في نُسَخِ البلوغِ سعيدٌ وهوَ سعدٌ (٢) بغيرِ مثناةٍ تحتيةٍ، (ابْنِ طَارِقِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لأَبي) وهوَ طارقُ بنُ أَشْيَمِ بفتحِ الهمزةِ فشينٍ معجمةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ مفتوحةٍ، بزِنَةِ أحمرَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: يعدُّ في الكوفيينَ. روى عنهُ ابنهُ أبو مالكِ سعدُ بنُ طارقٍ (يَا أَبَتِ إِنَّكَ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلَيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؛ فَقَالَ: أَيْ بنيَّ مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ). وقدْ رُوِيَ خلافَه عمنْ ذُكِرَ، والجمعُ بينهَما أنهُ وقعَ القنوتُ لهم تارةً، وتركوهُ أُخْرَى. وأمَّا أبو حنيفةَ ومنْ ذُكِرَ معهُ فإنَّهم جعلوهُ منهيًا عنهُ لهذا الحديثِ، لأنهُ إذا كانَ محدثًا فهوَ بدعةٌ، والبدعةُ منْهِيٌّ عنْها.

стр. 623

القنوت الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي ٤١/ ٢٩٢ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: عَلَّمَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّني فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَاليْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١). وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ (٢)، وَالْبَيْهَقيُّ (٣): "وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"، زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (٤) فِي آخرِهِ: "وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبيِّ". [حسن] ترجمة الحسن بن علي ﵄ - (وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇) (٥) هوَ أبو محمدٍ الحسنُ بنُ عليٍّ سِبْطُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، [وريحانته] (٦)، ولدَ في النصفِ منْ شهرِ رمضانَ سنةَ ثلاثٍ منَ

стр. 624

الهجرةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١): إنهُ أصحُّ ما قيلَ في ذلكَ. وقالَ أيضًا: كانَ الحسنُ حليمًا، ورِعًا، فاضلًا. ودعاهُ ورعُهُ وفضلُه إلى أنهُ تركَ الدنيا والملكَ رغبةً فيما عندَ اللَّهِ، بايعوهُ بعدَ أبيهِ ﵇، فبقيَ نحوًا منْ سبعةِ أشهرٍ خليفةً بالعراقِ وما وراءَها منْ خراسانَ، وفضائله لا تُحصَى. وقدْ ذكرنَا منْها شطرًا صالحًا في الروضةِ النديةِ (٢). وفاتهُ سنةَ إحدى وخمسينَ بالمدينةِ النبويةِ، ودفنَ في البقيعِ. وقدْ أطالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ في عدِّهِ لفضائلهِ. (قَالَ: عَلَّمَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الْوِتْرِ) أي في دعائهِ، وليسَ فيهِ بيانٌ لمحلهِ، (اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّني فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَيْهَقيُّ) بعدَ قولِهِ: وَلا يذلُّ مَنْ واليتَ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ. زَادَ النَّسَائِيَّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ في آخرِهِ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبيِّ) إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في تخريجِ أحاديثِ الأذكارِ (٣): إنَّ هذهِ الزيادةَ غريبة لا تثبتُ لأنَّ فيها عبدَ اللَّهِ بنَ علي لا يُعْرَفُ وعلى القولِ بأنهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عليٍّ بن الحسينِ بن عليٍّ فالسندُ منقطعٌ، فإنهُ لم يسمع منْ عمِّه الحسنِ. ثمَّ قالَ: فتبينَ أن هذَا الحديثَ ليسَ منْ شرطِ الحسنِ لانقطاعهِ، أو جهالةِ رُوَاتهِ انتَهى. فكانَ عليه أنْ يقولَ: [إن هذه الزيادة لا تثبت] (٤). والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ القنوتِ في صلاةِ الوترِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ في النصفِ الأخيرِ منْ رمضانَ. [وذهبَ] (٥) الهادويةُ وغيرهُم إلى أنهُ يشرعُ أيضًا في غيرهِ، إلَّا أن الهادويةَ لا يجيزونَهُ بالدعاءِ منْ غيرِ القرآنِ. والشافعيةُ يقولونَ: إنهُ يقنتُ بهذَا الدعاءِ في صلاةِ الفجرِ ومستندُهم في ذلكَ قولهُ: ٤٢/ ٢٩٣ - وَللْبَيْهَقيِّ (٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح. وَفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]

стр. 625

(وَلِلْبَيْهَقيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاء نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صلاةِ الصُّبْح). قلت: أجملهُ هنا وذكرَهُ [المصنف] (١) في تخريجِ الأذكارِ (٢) منْ روايةٍ البيهقيِّ وقالَ: "اللهمَّ اهدني - الحديثَ" إلى آخرهِ، رواهُ البيهقيُّ (٣) منْ طرقٍ أحدُها عنْ بُريدٍ [بالموحدةِ والراءِ، وتصغيرُ بُرْدٍ وهوَ ثقبةُ] (٤) بنُ أبي مريمَ، سمعتُ ابنَ الحنفيةِ وابنَ عباسٍ يقولانِ: "كانَ النبيُّ ﷺ يقنتُ في صلاةِ الصبحِ ووترِ الليلِ بهؤلاءِ الكلماتِ". وفي إسنادهِ مجهولٌ. ورُويَ منْ طريقٍ أُخْرى وهي التي ساقَ المصنفُ لفظَها عن ابن جُرَيْجٍ بلفظِ: "يعلِّمُنا دعاءً ندعُو بهِ في القنوتِ، وصلاةِ الصبحِ". وفيهِ عبدُ الرحمنِ بن هرمزٍ (٥) ضعيفٌ، ولذَا قالَ المصنفُ: (وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ). يقدم المصلي يديه قبل ركبته عند الهويِّ للسجود ٤٣/ ٢٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكِ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ"، أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (٦)، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ ابْنِ حُجْرٍ. [صحيح]

стр. 626

(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكِ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ). هذا الحديثُ أخرجهُ أهلُ السننِ، وعلَّلَهُ البخاريُّ، والترمذيُّ، والدارقطنيُّ. قالَ البخاريُّ (١): محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الحسنِ لا يُتَابَعُ عليهِ، وقالَ: لا أدري سمعَ منْ أبي الزنادِ أمْ لَا. وقالَ الترمذيُّ (٢): غريبٌ لا نعرفُهُ منْ حديثٍ أبي الزنادِ إلَّا من هذا الوجه. وقدْ أخرجهُ النسائيُّ منْ حديثٍ أبي هريرةَ أيضًا عنهُ: "أنَّ النبيَّ ﷺ "، ولمْ يذكر فيهِ "وليضع يديهِ قبلَ ركبتيهِ". وقدْ أخرجَ ابنُ أبي داودَ منْ حديثٍ أبي هريرةَ: "أنَّ النبيِّ ﷺ كانَ إذا سجدَ بدأَ بيديهِ قبلَ ركبتيه" (٣)، ومثلَه أخرجَ الدراورْدِيُّ منْ حديثٍ ابن عمرَ (٤)، وهوَ الشاهدُ الذي سيشيرُ المصنفُ إليهِ (٥). وقد أخرجَ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (٦) منْ حديثٍ مُصْعَبِ بن سعدِ بن

стр. 627

أبي وقاصٍ عنْ أبيهِ قالَ: "كنَّا نضعُ اليدينِ قبلَ الركبتينِ، فأُمِرْنَا بوضعِ الركبتينِ قبلَ اليدينِ". والحديثُ دليلٌ على أنهُ يقدِّمُ المصلِّي يديهِ قبلَ ركبتيهِ عندَ الانحطاطِ إلى السجودِ. وظاهرُ الحديثِ الوجوبُ لقولهِ: لا يبركنَّ؛ وهوَ نَهْيٌ، وللأمرِ بقولهِ: "وليضعْ". قيلَ: ولمْ يقلْ أحدٌ بوجوبهِ فتعينَ أنهُ مندوبٌ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهب الهادويةُ، وروايةٌ عنْ مالكٍ، والأوزاعيِّ إلى العملِ بهذَا الحديثِ حتَّى قالَ الأوزاعي: أدركْنَا الناسَ يضعونَ أيديَهمْ قبلَ رُكَبِهمْ. وقالَ ابنُ أبي داودَ: وهوَ قولُ أصحابِ الحديثِ. وذهبتِ الشافعيةُ، والحنفيةُ، وروايةٌ عنْ مالكٍ إلى العملِ بحديثِ وائلٍ، وهوَ قولُهُ؛ (وَهُوَ) أي حديثُ أبي هريرةَ هذَا (أَقْوَى) في سندهِ (مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ) وهوَ أنهُ قَالَ: ٤٤/ ٢٩٥ - رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ : إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١). [ضعيف] فَإِنَّ لِلأَوّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا صَحّحَهُ

стр. 628

ابْنُ خُزَيْمَةَ (١)، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا (٢). [إسناده صحيح] (رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. فَإِنَّ لِلأَوَّلِ) أي حديثٍ أبي هريرةَ (شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمرَ صَحَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). تقدمَ ذِكْرُ الشاهدِ هذَا قريبًا (٣). (وَذَكَرَهُ) أي الشاهد (الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا) فقالَ: "قالَ نافعٌ: كانَ [ابنُ عمرَ] (٤) يضعُ يديهِ قبلَ ركبتيهِ". وحديثُ وائلٍ أخرجهُ أصحابُ السننِ الأربعةِ، وابنُ خزيمةَ (٥)، وابنُ السكنِ (٦) في صحيحيْهِمَا منْ طريقِ شُرَيْكٍ، عنْ عاصمِ بن كُلَيْبٍ، عنْ أبيهِ. قالَ البخاريُّ، والترمذيُّ، وابنُ أبي داودَ، والبيهقيُّ: تفردَ بهِ شريكٌ، ولكنْ لهُ شاهدٌ عنْ عاصمٍ الأحولِ، عنْ أنسٍ قالَ: "رأَيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ انحطَّ بالتكبيرِ حتى سبقتْ ركبتاهُ يديهِ"، أخرجهُ الدارقطنيُّ (٧)، والحاكمُ (٨)، والبيهقيُّ (٩). وقالَ الحاكمُ: هوَ علَى شرطِهِمَا (١٠). وقالَ البيهقيُّ: تفردَ بهِ العلاءُ بنُ العطارِ، والعلاءُ مجهولٌ. وهذَا حديثُ وائلٍ هوَ دليلُ الحنفيةِ والشافعيةِ، وهوَ مرويٌّ عنْ عمرَ أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (١١)، وعنِ ابن مسعودٍ أخرجهُ الطحاويُّ (١٢). وقالَ بهِ أحمدُ، وإسحاقُ، وجماعةٌ منَ العلماءِ. وظاهرُ كلامِ المصنفِ ترجيحُ حديثٍ أبي هريرةَ وهوَ خلافُ مذهبِ إمامهِ

стр. 629

الشافعيِّ، وقالَ النوويُّ (١): لا يظهرُ ترجيحُ أحدُ المذهبينِ على الآخرَ. ولكنَّ أهلَ هذا المذهبِ رجَّحُوا حديثَ وائلٍ، وقالُوا في [حديث] (٢) أبى هريرةَ: إنهُ مضطربٌ؛ إذْ قدْ رُوِيَ عنهُ الأمرانِ. وحقَّقَ ابنُ القيمِ المسألةَ وأطالَ فيها (٣)، وقالَ: إنَّ في حديثٍ أبي هريرةَ قلبًا منَ الراوي حيثُ قالَ: وليضعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ، وإنَّ أصلَهُ: وليضعْ ركبتيهِ قبلَ يديهِ. قالَ: ويدلُّ عليهِ أولُ الحديثِ، وهوَ قولُهُ: فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ؛ فإنَّ المعروفَ مِنْ بروكِ البعيرِ هوَ تقديمُ اليدينِ على الرجلينِ. وقدْ ثبتَ عن النبيِّ ﷺ الأمرُ بمخالفةِ سائرِ الحيواناتِ في هيئاتِ الصلاةِ؛ فَنَهَى عن التفاتٍ كالتفاتِ الثعلبِ، وعنِ افتراشٍ كافتراشِ السَّبُعِ، وإقعاءٍ كإقعاءِ الكلْبٍ، ونقْرِ كنقرِ الغرابِ، ورفعِ الأيدي كأذنابِ خيلٍ شُمسٍ؛ أي حالَ السلامِ، وقدْ تقدمِ (٤)، ويجمعُها قولُنا: إذا نحنُ قمنا للصلاة … فإنَّنَا نُهينَا عن الإتيانِ فيها بستةِ بروكِ بعير والتفاتٍ كثعلب … ونقرِ غرابٍ في سجودِ الفريضةِ وإقعاءِ كلبٍ أوْ كبسطِ ذراعهِ … وأذنابِ خيلٍ عندَ فعلِ التحيةِ وزدْنا على ما ذكرهُ فِي الشرحِ قولَنا: وزدْنا كتدبيحِ الحمارِ بمدِّهِ … لعنقٍ وتصويبٍ لرأسِ بركعةِ هذا السابعُ وهوَ بالدالِ [المهملة] (٥)، بعدَها موحدةٍ ومثناةٍ تحتيةٍ وحاءٍ مهملةٍ، ورُوِيَ بالذالِ المعجمةِ. قيلَ: وهوَ تصحيفٌ. قالَ في النهايةِ (٦): هوَ أنْ يُطأطئَ المصلِّي رأسَهُ حتَّى يكونَ أَخْفَضُ منْ ظَهْرِهِ، انتهَى. إلَّا أنَّهُ قالَ النوويُّ: حديثُ التدبيحِ ضعيفٌ. وقيلَ: كانَ وضعُ اليدينِ قبلَ الركبتينِ [أول الأمر] (٥)، ثمَّ أُمِرُوا بوضعِ الركبتينِ قبلَ اليدينِ. وحديثُ ابن خزيمةَ (٧) الذي أخرجهُ عنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ، وقدَّمناهُ قريبًا يشعرُ بذلكَ. وقولُ المصنفِ: إنَّ لحديثِ أبي هريرةَ شاهدًا يقوَى بهِ، مُعَارضٌ بأنَّ لحديثِ وائلٍ أيضًا شاهدًا قدْ قدْمنَاهُ. وقالَ الحاكمُ، إنهُ على شرطِهِمَا. وغايتهُ وإنْ لم يتمَّ كلامَ الحاكمِ فهوَ مثلُ شاهد [حديث] (٥)

стр. 630

أبي هريرةَ الذي تفردَ بهِ شريكٌ؛ فقدِ اتفقَ حديثُ وائلٍ، وحديثُ أبي هريرةَ في القوةِ. وعلى تحقيقِ ابن القيِّم فحديثُ أبي هريرةَ عائدٌ إلى حديثٍ وائلٍ، وإنَّما وقعَ فيهِ قلبٌ ولا ينكرُ ذلكَ، فقدْ وقعَ القلبُ في ألفاظِ الحديثِ. وضع اليدين على الركبتين في الجلوس ٤٥/ ٢٩٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنى عَلَى الْيُمْنى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٢): وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإِبْهَامَ. [صحيح] (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ)، قالَ العلماءُ: خُصَّتِ السبابةُ بالإشارةِ لاتصالها بنياطِ القلبِ، فتحريكُها سببٌ لحضورهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإِبْهَامَ)، ووضعَ اليدينِ على الركبتينِ مُجْمَعٌ على استحبابهِ. قبض الأصابع في التشهد وتحريك السبابة وقولُهُ: "وعقدَ ثلاثًا وخمسينَ" قالَ المصنفُ في التلخيصِ: صورتُها أنْ يجعلَ الإبهامَ (مفتوحةً) (٣) تحتَ [المسبِّحةَ] (٤). وقولُه: "وقبضَ أصابِعَهُ كُلَّها"، أي أصابعَ يدِهِ اليُمنى، قبضَها على الراحةِ، وأشارَ بالسبابةِ، [وقوله: التي تلي الإبهام، وصف كاشف لتحقيق السبابة، وقوله] (٥): في روايةِ وائلِ ابن حجرٍ: "حَلَّقَ بينَ الإبهامِ والوُسْطى"، أخرجهُ ابنُ ماجَه (٦): فهذهِ ثلاثُ هيئاتٍ جعلَ الإبهامَ تحتَ المسبِّحةِ

стр. 631

مفتوحةً. وسكتَ في هذهِ عنْ بقيةِ الأصابع هلْ تُضَمُّ إلى الراحةِ، أو تبقى منشورةً على الركبةِ؟ (الثانيةُ): ضمُّ الأصابعِ كلِّها على الراحةِ والإشارةِ بالمسبِّحةِ. (الثالثةُ): التحليقُ بينَ الإبهامِ والوسْطَى، ثمَّ الإشارةُ بالسبابةِ. وورد بلفظِ الإشارة كما هُنَا، وكما في حديثٍ ابن الزبيرِ: "أنهُ ﷺ كانَ يشيرُ بالسبابةِ ولا يحرِّكُها". أخرجهُ أحمدُ (١)، وأبو داودَ (٢)، والنسائيُّ (٣)، وابنُ حبانَ في صحيحهِ (٤). الحكمة من الإشارة بالسبابة وعندَ ابن خزيمةَ (٥)، والبيهقيِّ (٦) منْ حديثٍ وائلٍ: "أنهُ ﷺ رفعَ أُصبُعهُ فرأيتهُ يحرِّكُها يدعُو بهَا". قالَ البيهقيُّ (٧): يحتملُ أنْ يكونَ مرادَهُ بالتحريكِ الإشارةُ لا تكريرُ تحريكِها حتَّى لا يعارِضَ حديثَ ابن الزبيرِ. وموضعُ الإشارةِ عندَ قولهِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، لما رواهُ البيهقيُّ منْ فعلِ النبيِّ ﷺ . وينْوي بالإشارةِ التوحيدَ والإخلاصَ فيهِ، فيكونُ جامعًا في التوحيدِ بينَ القولِ والفعلِ والاعتقادِ، ولذلكَ نَهَى النبيُّ ﷺ عن الإشارةِ بالإصبعينِ وقالَ: "أحِّد أحِّد" (٨) لمنْ رآهُ يشر بأصبعيهِ، ثمَّ الظاهرُ أنهُ مخيرٌ بينَ هذهِ الهيئاتِ. ووجهُ الحكمةِ شغلُ كلِّ عضوٍ بعبادةٍ. ووردَ في اليدِ اليُسرى عندَ الدارقطنيِّ (٩) منْ حديثٍ ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ

стр. 632

ألقمَ كفَّهُ اليُسرى ركبتَهُ"، وفسَّرَ الإلقامَ بعطفِ الأصابعِ على الركبةِ. وذهبَ إلى هذا بعضُهم عملًا بهذهِ الروايةِ. قالَ: وكأنَّ الحكمةَ فيهِ منعُ اليدِ عن العبثِ. طريقة العرب في عد الحساب واعلمْ أن قولَهُ في حديثٍ ابن عمرَ: (وعقدَ ثلاثًا وخمسينَ) إشارةٌ إلى طريقةٍ معروفةٍ، تواطأتْ عليْها العربُ في عقودِ الحسابِ، وهي أنواعٌ منَ الآحادِ، والعشراتِ، والمئينَ، والألوفِ. أما الآحادُ فللواحدِ عقدُ الخنصرِ إلى أقربِ ما يليهِ منْ باطنِ الكفِّ، وللاثنينِ عقدُ البنصرِ معَها كذلكَ، وللثلاثةِ عقدُ الوسُطى معَها كذلكَ، وللأربعةِ حلُّ الخنصرِ، وللخمسةِ حلُّ البنصرِ معَها دونَ الوسْطى، وللستةِ عقدُ البنصرِ وحلُّ جميعِ الأناملِ، وللسبعةِ بسطُ الخنصرِ إلى أصلِ الإبهامِ مما يلي الكفَّ، وللثمانيةِ بسطُ البنصرِ فوقَها كذلكَ، وللتسعةِ بسطُ الوسْطَى فوقَها كذلكَ. وأما العشراتُ فلَها الإبهامُ والسبابةُ، فللعشرةِ الأُولى عقدُ رأسِ الإبهامِ على طرفِ السبابةِ، وللعشرينَ إدخالُ الإبهامِ بينَ السبابةِ والوْسطى، وللثلاثينَ عقدُ رأسِ السبابةِ على رأسِ الإبهامِ عكسَ العشرةِ، وللأربعينَ تركيبُ الإبهامِ على العقد الأوسطِ منَ السبابةِ، وعطفُ الإبهامِ إلى أصلِها، وللخمسينَ عطفُ الإبهامِ إلى أصلِها، وللستينَ تركيبُ السبابةِ على ظهرِ الإبهامِ عكسَ الأربعينَ، وللسبعينَ إلقاءُ رأسِ الإبهامِ على العقدِ الأوسطِ منَ السبابةِ، وردُّ طَرَفِ السبابةِ إلى الإبهامِ، وللثمانين ردُّ طرفِ السبابةِ إلى أصلِها وبسطُ الإبهامِ على جَنْبِ السبابةِ منْ ناحيةِ الإبهامِ، وللتسعينَ عطفُ السبابةِ إلى أصلِ الإيهامِ وضمِّها بالإبهامِ، وأمَّا المئينُ فكالآحادِ إلى تسعمائةٍ في اليدِ اليُسرى، والألوفُ كالعشراتِ في اليُسرى. أصح ما روي في التشهد حديث ابن مسعود ٤٦/ ٢٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ

стр. 633

عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] - وَللنَّسَائِيِّ (٢): كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ. - وَلأَحْمَدَ (٣): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمهُ النَّاسَ. [ضعيف] (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقلْ: التَّحِيّاتُ)، جمعُ تحيةٍ، ومعناها: البقاءُ، والدوامُ، أو العظمةُ، أو السلامةُ منَ الآفاتِ، أو كلُّ أنواعِ التعظيمِ (للَّهِ، وَالصَّلَوَات) قيلَ: الخمسُ أو ما هوَ أعمُّ منَ الفرضِ، أو النفلِ، أو العباداتِ كلِّها، أو الدعواأتِ أو الرحمةِ. وقيلَ: التحيَّاتُ: العباداتُ القوليةُ، والصلواتُ: العباداتُ الفعليةُ. (والطيباتُ) أي ما طابَ مِنَ الكلامِ وحَسُنَ أنْ يُثْنَى بهِ على اللَّهِ، أو ذكرُ اللَّهِ، أوِ الأقوالُ الصالحةُ، أوِ الأعمالُ الصالحةُ، أو ما هوَ أعمُّ منْ ذلكَ. وطيبُها كونُها كاملةً خالصةً عن الشوائبِ. والتحيَّاتُ مبتدأٌ خبرُها للَّهِ، والصلواتُ والطيباتُ عطفٌ عليهِ،

стр. 634

وخبرُهما محذوفٌ، وفيهِ تقاديرُ أُخَرُ. (السَّلَامُ) أي: السلامُ الذي [يعرفه] (١) كلُّ أحدٍ. (عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) خصُّوهُ ﷺ أولًا بالسلامِ عليهِ لعظمِ حقِّهِ عليْهمْ، وقدموهُ على التسليمِ على أنفسِهم لذلكَ، ثم أتبعوهُ بالسلامِ عليهمْ في قولِهمْ: (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ). وقد وردَ أنهُ يشملُ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ، وفُسِّرَ الصالحُ بأنهُ القائمُ بحقوقِ اللَّهِ وحقوقِ عبادِه، ودرجاتُهم متفاوتةٌ. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) لا مستحقَّ للعبادةِ بحقٍّ غيرُهُ؛ فهوَ قصرُ إفرادٍ لأنَّ المشركينَ كانُوا يعبدونهُ ويشركونَ معهُ غيرَهُ. (وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) هكذَا هو بلفظِ عبدِهِ ورسولِهِ في جميعِ رواياتِ الأمهاتِ الستِّ. ووهمَ ابنُ الأثيرِ في جامعِ الأصولِ (٢) فساقَ حديثَ ابن مسعودٍ بلفظِ: "وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ" ونسبَهُ إلى الشيخينِ وغيرِهما، وتبعهُ على وهْمِهِ صاحبُ تيسيرِ الوصولِ (٣)، وتبعَهُمَا على الوهمِ الجلالُ في ضوءِ النهارِ (٤)، وزادَ أنهُ لفظُ البخاريِّ، ولفظُ البخاريِّ كما قالهُ المصنفُ فتنبَّه، (ثمَّ لِيَتَخَيّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ). قالَ البزارُ (٥): "أصحُّ حديثٍ عندي في التشهد حديثُ ابن مسعودٍ، يُرْوَى عنهُ منْ نيفٍ وعشرينَ طريقًا، ولا نعلمُ رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في التشهدِ أثبتُ منهُ، ولا أصحُّ إسنادًا، ولا أثبتَ رجالًا، ولا أشدَّ تضافرًا بكثرةِ الأسانيدِ والطرقِ. وقالَ مسلمٌ: إنَّما أجمع الناسُ على تشهدِ ابن مسعودٍ لأنَّ أصحابَهُ لا يخالفُ بعضُهم بعضًا، وغيرهُ قدِ اختلفَ عنهُ أصحابهُ. وقالَ محمدُ بنُ يحيى الذهلي: هوَ أصح ما رُوِيَ في التشهدِ". وقدْ رَوَى حديثَ التشهدِ أربعةٌ وعشرونَ صحابيًا بألفاظٍ مختلفةٍ، اختارَ الجماهيرُ منْها حديثَ ابن مسعودٍ. والحديثُ فيهِ دلالةٌ على وجوبِ التشهدِ لقولهِ: "فليقلْ"، وقدْ ذهبَ إلى وجوبهِ أئمةٌ منَ الآلِ وغيرُهم منَ العلماءِ. وقالتْ طائفةٌ: إنهُ غيرُ واجبٍ لعدمِ تعليمهِ ﷺ المسيءَ صلاتِهِ. ثمَّ اختلفُوا في الألفاظِ التي تجبُ عندَ مَنْ أَوْجَبَهُ أوْ عندَ مَنْ قالَ إنهُ سنةٌ. وقدْ سمعتَ [أرجحية] (٦) حديثٍ ابن مسعودٍ، وقدِ اختارهُ الأكثرُ فهوَ الأرجحُ. وقدْ

стр. 635

رجَّحَ جماعةٌ غيرَهُ منْ ألفاظِ التشهدِ الواردةِ عن الصحابةِ. وزادَ ابنُ أبي شيبةَ (١) قولَ: "وحدَهُ لا شريكَ لهُ" في حديث ابن مسعودٍ منْ روايةٍ أبي عبيدةَ عنْ أبيه، وسندُهُ ضعيفٌ. لكنْ ثبتتْ هذهِ الزيادةُ منْ [حديث] (٢) أبي موسى عندَ مسلمٍ (٣). وفي حديثٍ عائشةَ الموقوفِ في الموطأِ (٤)، وفي حديثٍ ابن عمرَ عندَ الدارقطنيِّ (٥) إلَّا أنهُ بسندٍ ضعيفٍ. وفي سننِ أبي داودَ (٦): "قالَ ابنُ عمرَ: زدت فيهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ". وظاهرُه أنهُ موقوفٌ على ابن عمرَ وقولُهُ: "ثمَّ ليتخيْر منَ الدعاءِ [أعجبَه] (٧) "، زادَ أبو داودَ (٨): فيدعُو بهِ. ونحوُه للنسائي منْ وجهٍ آخر (٩) بلفظِ: فليدعُ. وظاهرُه الوجوبُ أيضًا للأمرِ بهِ، وأنهُ يدعُو بما شاءَ منْ خير الدنيا والآخرةِ. وقدْ ذهبَ إلى وجوبِ الاستعاذةِ الآتيةِ طاوسُ فإنهُ أمرَ ابنَهُ بالإعادةِ للصلاةِ لمَّا لمْ يَتَعَوَّذْ منَ الأربعِ الآتي ذكرُها، وبهِ قالَ بعضُ الظاهريةِ. وقالَ ابنُ حزمٍ (١٠): ويجبُ أيضًا في التشهدِ الأولِ، والظاهرُ معَ القائلِ بالوجوبِ. ما يدعو به بعد التشهد وذهبَ الحنفيةُ، والنخعيُّ، وطاوسُ إلى أنهُ لا يدعُو في الصلاةِ إلَّا بما يوجدُ في القرآنِ. وقالَ بعضُهم: لا يدعُو إلَّا بما كانَ مأثورًا. ويردُّ القولينِ قولُهُ ﷺ : "ثمَّ ليتخيرْ منَ الدعاءِ أعجبَهُ"، وفي لفظٍ: "ما أحبَّ"، وفي لفظٍ

стр. 636

للبخاريِّ: "منَ الثناءِ ما شاءَ"؛ فهوَ إطلاقٌ للداعي أنْ يدعوَ بما أرادَ. وقالَ ابنُ سيرينَ: لا يدعُو في الصلاة إلَّا بأمر الآخرةِ. وقدْ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (١) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: "فَعَلَّمَنَا [التشهدَ في الصلاةِ، أي النبيُّ ﷺ ] (٢) ثمَّ يقولُ: إذا فرغَ أحدُكم منَ التشهدِ فليقلْ: اللهمَّ إني أسألكَ منَ الخيرِ كلِّه ما علمتُ منه وما لمْ أعلمُ، وأعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه ما علمتُ منهُ وما لمْ أعلمْ، اللَّهم إني أسألكَ من خيرِ ما سألكَ منهُ عبادكَ الصالحونَ، وأعوذُ بكَ منْ شرِّ ما استعاذَكَ منهُ عبادَكَ الصالحونَ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (٣) الآيةَ. الأدلة على وجوب التشهد ومنْ أدلةِ وجوب التشهدِ ما أفادَهُ قولُهُ: (وَلِلنَّسَائِيَ) أي: منْ حديث ابن مسعودٍ: (كنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ) حذفَ المصنفُ تمامهُ وهوَ: "السلامُ على اللَّهِ، السلامُ على جبريلَ وميكائيلَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تقولُوا هَذا ولكنْ قولُوا التحيَّاتُ [لله] (٤) إلى آخرهِ"، ففي قولهِ يفرضُ عليه دليل على الإيجابِ، إلَّا أنهُ أخرجَ النسائيُّ (٥) هذَا الحديثَ منْ طريقِ ابن عيينةَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ: تفردَ ابنُ عيينةَ بذلكَ. وأخرجَ مثلَهُ الدارقطنيُّ (٦)، والبيهقيُّ (٧)، وصحَّحاهُ. (وَلأَحْمَدَ) أي منْ حديثٍ ابن مسعودٍ وهوَ منْ أدلةِ الوجوب أيضًا: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمهُ النَّاسَ)، أخرجهُ أحمدُ (٨) عن أبي عبيدةَ عنْ عبدِ اللَّهِ قالَ: "علمهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ التشهدَ وأمرهُ أن يعلمهُ الناسَ التحياتُ [لله] (٩) وذكرَهُ إلخ".

стр. 637

تشهُّد ابن عباس ٤٧/ ٢٩٨ - وَلِمُسْلِمٍ (١) عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للَّهِ - إِلَى آخِرِهِ". [صحيح] (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للَّهِ … إلخ) تمامهُ: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّهِ الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ". هذا لفظُ مسلمٍ، وأبي داودَ (٢). ورواهُ الترمذيُّ (٣) وصحَّحهُ كذلكَ، لكنهُ ذكرَ السلامَ منكرًا. ورواهُ ابنُ ماجه (٤) كمسلمٍ لكنهُ قالَ: "وأَشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ". ورواهُ الشافعيُّ (٥)، وأحمدُ (٦) بتنكيرِ السلامِ أيضًا، وقالا فيهِ: "وأنَّ محمدًا [عبده ورسوله] (٧). ولمْ يذكرْ أشهدُ، وفيهِ زيادةُ المباركاتِ، وحذفَ الواوَ منَ الصلواتِ ومن الطيباتِ. وقدِ اختارَ الشافعيُّ تشهُّدَ ابن عباسٍ هذَا، قالَ المصنفُ (٨): إنهُ قالَ الشافعيُّ لما قيلَ لهُ كيفَ صرتَ إلى حديثٍ ابن عباسٍ في التشهدِ؟ قالَ: لما رأيتُهُ واسعًا، وسمعتُهُ عن ابن عباسٍ صحيحًا كانَ عندي أجمعَ وأكثرَ لفظًا منْ غيرِه، فأخذتُ بهِ غيرَ معنِّفٍ لمنْ [أخذ] (٩) بغيرِه مما صحَّ. وجوب التحميد والثناء والصلاة عليه ﷺ - ٤٨/ ٢٩٩ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا

стр. 638

يَدْعُو في صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَجِلَ هذَا" ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: "إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاء عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالثَّلَاثَةُ (٢)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤)، وَالْحَاكِمُ (٥). [حسن] ترجمة فضالة بن عبيد (وَعَنْ فَضَالَة) (٦) بفتحِ الفاءِ بزنةِ سحابةَ، هوَ أبو محمد فضالةُ (ابْنِ عُبَيْدٍ) بصيغةِ التصغيرِ لعبدٍ، أنصاري أوسيٍّ، أولُ مشاهدِه أُحُدٌ، ثمَّ شهدَ ما بعدَها، وبايعَ تحتَ الشجرةِ، ثمَ انتقلَ إلى الشامِ، وسكنَ دمشقَ، وتولَّى القضاءَ بها، وماتَ بها، وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قَالَ: سَمِعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صَلَاتِهِ وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ على النبيِّ ﷺ فَقَالَ: عَجِلَ هذَا) أي بدعائهِ قبلَ تقديمِ أمرينِ، (ثُمَّ دَعَاهُ فقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) هوَ عطفٌ تفسيريّ، ويحتملُ أنْ يرادَ بالتحميدِ نفسهِ وبالثناءِ مَا هوَ أعمُّ [بأي] (٧) عبارةِ، فيكونُ منْ عطفِ العامِ على الخاصِّ، (ثُمَّ يُصَلِّي) هوَ خبر، أي ثمَّ هوَ يصلِّي عطفَ جملةً على جملةٍ، فلِذَا لم تجزمْ، (عَلَى النَّبيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ) من خيرِ الدنيا

стр. 639

والآخرةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحّحَهُ التِّزْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ ما ذُكِرَ منَ التحميدِ والثناءِ والصلاةِ عليه ﷺ ، والدعاءِ بما شاءَ، وهوَ موافقٌ في المعنى لحديثِ ابن مسعودٍ وغيرِه؛ فإنَّ أحاديثَ التشهدِ تتضمنُ ما ذكرَ منَ الحمدِ والثناءِ وهي مبيِّنةٌ لما أجملَهُ هذا، ويأتي الكلامُ في الصلاةِ عليهِ ﷺ . وهذَا إذا ثبتَ أن هذَا الدعاءَ الذي سمعهُ النبيُّ ﷺ منَ ذلكَ الرجلِ كانَ في قعدةِ التشهدِ، وإلَّا فليسَ في هذَا الحديثِ دليلٌ على أنهُ كانَ ذلكَ حالَ قعدةِ التشهدِ إلَّا أن ذكرَ المصنف لهُ هُنَا يدلُّ على أنهُ كانَ في قعودِ التشهدِ وكأنهُ عرفَ ذلكَ منْ سياقهِ، وفيهِ دليلٌ على تقديمِ الوسائلِ بينَ يدي المسائلِ، و [هو] (١) نظيرُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، حيثُ قدَّمَ الوسيلةَ وهي العبادةُ على طلب الاستعانةِ. وجوب الصلاة والسلام على النبي وآله في الصلاة ٤٩/ ٣٠٠ - وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: "قُولُوا اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣) فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟ [صحيح] ترجمة أبي مسعود الأنصاري (وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ) (٤) الأنصاريِّ. أبو مسعودٍ اسمهُ عقبةُ بنُ

стр. 640

[عمروِ] (١) بنُ ثعلبةَ الأنصاري الخزرجيِّ البدريِّ، شهدَ العقبةَ الثانيةَ وهوَ صغيرٌ، ولمْ يشهدْ بدرًا وإنما نزلَ بهِ فنسبَ إليهِ. سكنَ الكوفةَ وماتَ بها في خلافةِ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ ﵇ (قَالَ: قَالَ بَشَيرُ بْنُ سَعْدٍ) (٢). ترجمة بشير بن سعد الأنصاري هوَ أبو النعمانِ بشيرُ بنُ سعد بن ثعلبةَ الأنصاريِّ الخزرجيِّ والدُ النعمانِ بن بشيرٍ، شهدَ العقبةَ وما بعدَها (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عليك) يريدُ في قولِهِ تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، (فَكَيْفَ نُصَلِّيِ عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ) أي رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وعندَ أحمدَ (٤) ومسلمٍ (٥) زيادةٌ: "حتَّى تمنيْنَا أنهُ لمْ يسأَلْهُ"، (ثُمَّ قالَ: قُولُوا: اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَي مُحَمَّدٍ وَعَلَي آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). الحميدُ صيغةُ مبالغةٍ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، يستوي فيهِ المذكرُ والمؤنثُ، أي: إنكَ محمودٌ بمحامدِكَ اللائقهِ بعظمةِ شأنكَ، وهوَ تعليلٌ لطلبِ الصلاةِ، أي: لأنكَ محمودٌ ومنْ محامدِكَ إفاضتُكَ أنواعَ العناياتِ وزيادةِ البركاتِ على نبيِّكَ الذي تقربَ إليكَ بامتثالِ ما أهَّلْتَهُ لهُ من أداءِ الرسالةِ، ويحتملُ أنَّ حميدًا بمعنَى حامدٍ، أي: إنكِ حامدٌ مَنْ يستحقُّ أنْ يُحْمَدَ، ومحمدٌ منْ أحقِّ عبادكَ بحمدِكَ، وقَبولِ دعاءِ مَنْ يدعو لهُ ولآلهِ، وهذَا أنسبُ بالمقامِ. (مجيدٌ) مبالغةُ ماجدِ، والمجدُ الشرفُ (وَالسّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ) بالبناءِ للمجهولِ وتشديدِ اللامِ، وفيهِ روايةٌ بالبناءِ للمعلومِ، وتخفيف اللَّامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خزَيْمَةَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟) وهذهِ الزيادةُ رَوَاهَا أيضًا ابنُ حبانَ (٦)، والدارقطنيُّ (٧)،

стр. 641

والحاكمُ (١). وأخرجَها أبو حاتمٍ (٢)، وابنُ خزيمةُ (٣)، في صحيحيْهما. وحديثُ الصلاةِ أخرجهُ الشيخانِ (٤) عنْ كعبِ بن عُجْرَةَ، عنْ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ (٥). وأخرجهُ البخاريُّ (٦) عنْ أبي سعيدٍ، والنسائيّ (٧) عنْ طلحةَ، والطبرانيُّ (٨) عنْ سهلِ بن سعدٍ، وأحمدُ (٩) والنسائيُّ (١٠) عنْ زيدِ بن خارجةَ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الصلاةِ عليهِ ﷺ في الصلاةِ لظاهرِ الأمرِ؛ (أعني) قولُوا، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ، والأئمةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. ودليلُهم الحديثُ معَ زيادتهِ الثابتةِ، ويقتضي أيضًا وجوبَ الصلاةِ على الآلِ، وهوَ قولُ الهادي، والقاسمِ، وأحمدَ بن حنبلٍ. ولا عذرَ لمنْ قالَ بوجوبِ الصلاةِ عليهِ ﷺ مستدلًا بهذَا الحديث منَ القولِ بوجوبِها على الآلِ؛ إذِ المأمورُ بهِ واحدٌ، ودعوى النوويِّ وغيرهِ الإجماع على أن الصلاةَ على الآلِ مندوبةٌ غيرُ مسلَّمةٍ (١١)، بلْ نقولُ الصلاةُ عليهِ ﷺ لا تتمُّ ويكونُ العبدُ ممتثلًا بها حتَّى يأتي بهذا اللفظِ النبويِّ الذي فيهِ ذكرُ الآلِ لأنهُ قالَ السائلُ: "كيفَ نصلي عليكَ؟ "، فأجابهُ بالكيفيةِ إنَّها الصلاةُ عليهِ وعلى آلهِ، فمنْ لم يأتِ بالآلِ فما صلَّى عليهِ بالكيفيةِ التي أمرَ بها، فلا يكونُ ممتثلًا للأمرِ، فلا يكونُ مصليًا عليهِ ﷺ ،

стр. 642

وكذلكَ بقيةُ الحديثِ منْ قولهِ: "كما صليتَ إلى آخرهِ" يجبُ إذْ هوَ منَ الكيفيةِ المأمورِ بهَا، ومَنْ فَرَّقَ بينَ ألفاظِ هذهِ الكيفيةِ بإيجاب بعضِها وندبِ بعضِها فلا دليلَ لهُ على ذلكَ. وأما استدلالُ المهديِّ في البحر (١) [للمخالف] (٢) على أن الصلاةَ على الآلِ سنةٌ بالقياسِ على الأذانِ فإنَّهم لم يذكرُوا معهُ ﷺ فيهِ فكلامٌ باطلٌ، فإنهُ كما قيلَ لا قياسَ معَ النصِّ [ولأنه لم] (٣) يذكرِ الآلَ في تشهدِ الأذانِ لا ندبًا ولا وجوبًا؛ ولأنهُ ليسَ في الأذانِ دعاءٌ لهُ ﷺ ، بلْ شهادةٌ بأنهُ رسولُ اللَّهِ، والآلُ لم يأتِ تعبدٌ بالشهادةِ بأنَّهم آلهُ. ومنْ هنَا تعلمُ أن حذفَ لفظِ الآلِ منَ الصلاةِ كما يقعُ في كتبِ الحديثِ ليسَ على ما ينبغي، وكنتُ سُئِلْتُ عتهُ قديمًا فأجبتُ [بأنه] (٤) قدْ صحَّ عندَ أهلِ الحديثِ بلا ريبٍ كيفيةُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ ، وهمْ رواتُها وكأنَّهم حذفُوها خطأ تقيةً لما كانَ في الدولةِ الأمويةِ مَنْ يكرهُ ذكرَهم، ثمَّ استمرَّ عليهِ عملُ الناسِ متابعةً من الآخرِ للأوَّلِ، [وإلا فلا] (٥) وجهَ لهُ. وبسطتُ هذا الجوابَ في حواشي شرحِ العمدةِ بسطًا شافيًا (٦). من هم آل النبي ﷺ - وأمَّا مَنْ هُم الآلُ ففي ذلكَ أقوالٌ، الأصحُّ أنهمْ مَنْ حرِّمَتْ عليهمُ الزكاةُ، فإنهُ بذلكَ فسَّرهمْ زيدُ بن أرقمَ، والصحابيُّ أعرفُ بمرادِه ﷺ ، فتفسيرُه قرينةٌ على تعيينِ المرادِ منَ اللفظِ المشتركِ. وقد فسَّرهمْ بآلِ عليٍّ، وآلِ جعفرَ، وآلِ عقيلٍ، وآلِ العباسِ. فإنْ قيلَ يحتملُ أنْ يرادَ بقولهِ: "إذا نحنُ صلينا عليكَ في صلاتنا"، أي: إذا فحنُ دعونا لكَ في دعائِنا، فلا يدلُّ على إيجابِ الصلاةِ عليهِ في الصلاةِ، (قلتُ): الجوابُ منْ وجهينِ، الأولِ: المتبادرِ في لسانِ الصحابةِ منَ الصلاةِ في قولهِ صلاتُنا الشرعيةُ لا اللغويةُ، والحقيقةُ العرفيةُ مقدمةٌ إذا تردَّدتْ بينَ المعنيينِ. الثاني: أنهُ قد ثبتَ وجوبُ الدعاءِ في آخرِ التشهدِ كما عرفتَ منَ الأمرِ

стр. 643

بهِ، والصلاةُ عليهِ ﷺ قبلَ الدعاءِ واجبةٌ لما عرفتَ منْ حديثٍ فضالةَ (١)، وبهذَا يتمُّ إيجابُ الصلاةِ عليهِ بعدَ التشهدِ قبلَ الدعاءِ الدالِّ على وجوبهِ. يتعوَّذ من أربع بعد التشهد ٥٠/ ٣٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلَيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذّابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمَنِ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَفي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ (٣): "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ". [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) مطلقٌ في التشهدِ الأوسطِ والأخيرِ، (فَلَيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ) بَيَّنَها بقولهِ: (يَقُولُ: اللَّهُمّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمَنِ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ)، هذه الروايةُ قيَّدتْ إطلاقُ الأولى، وأبانتْ أن الاستعاذةَ المأمورَ بها بعدَ التشهدِ الأخيرِ. ويدلُّ التعقيبُ بالفاءِ أنَّها تكونُ قبلَ الدعاءِ المخيَّرِ فيهِ بما شاءَ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الاستعاذةِ مما ذكرَ، وهوَ مذهبُ الظاهرية. وقالَ ابنُ حزمٍ منْهم: ويجبُ أيضًا في التشهدِ الأولِ عملًا منهُ بإطلاقِ اللفظِ المتفقِ عليهِ، وأمرِ طاوسَ ابنَه بإعادةِ الصلاةِ لمَّا لمْ يستعذْ فيها، [فكأنه] (٤) يقولُ بالوجوبِ وبطلانِ الصلاةِ منْ ترْكها. والجمهورُ حملُوهُ على الندبِ.

стр. 644

ما يُستفاد من حديث أبي هريرة وفيه [دلالةٌ] (١) على ثبوتِ عذابِ القبرِ، والمرادُ منْ فتنةِ المحيا ما يعرضُ للإنسانِ مدةَ حياتِه منَ الافتتانِ بالدنيا، والشهواتِ، والجهالاتِ، وأعظمُهها والعياذُ باللَّهِ أمرُ الخاتمةِ عندَ الموتِ. وقيلَ هيَ الابتلاءُ معَ عدمِ الصبرِ. وفتنةُ المماتِ قيل: المرادُ بها الفتنةُ عندَ الموتِ أضيفتْ إليهِ لقربها منهُ، ويجوزُ أنْ يرادَ بها فتنةَ القبرِ، وقيلَ أرادَ بها السؤالَ معَ الحيرةِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٢): "إنكمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قريبًا منْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ". ولا يكونُ هذا تكريرٌ لعذابِ القبرِ لأنَّ عذابَ القبرِ متفرعٌ على ذلكَ. وقولُهُ: "فتنةِ [المسيحِ] (٣) الدجالِ"، قالَ [العلماء] (٤) أهلُ اللغةِ: الفتنةُ الامتحانُ والاختبارُ، وقدْ يطلقُ على القتلِ، والإحراقِ، والتهمةِ، وغيرِ ذلكَ. والمسيحُ بفتحِ الميمِ وتخفيفِ السينِ المهملةِ، وآخِرَهُ حاءٌ مهملةٌ، وفيهِ ضبطٌ آخرَ، وهذَا الأصحُّ. ويطلقُ على الدجالِ وعلى عِيْسى، ولكنْ إذا أريدَ بهِ الدجالُ قُيِّدَ باسمهِ، [سُمِّيَ] (٥) المسيحُ لمسحهِ الأرضَ، وقيلَ لأنهُ ممسوحُ العينِ. وأما عيْسى ﵇ فقيلَ لهُ المسيحُ لأنهُ خرجَ منْ بطنِ أمِّهِ ممسوحًا بالدهنِ، وقيلَ لأنَّ زكريا مسحهُ، وقيلَ لأنهُ كانَ لا يمسحُ ذا عاهةٍ إلَّا بَرِئَ، وذكرَ صاحبُ القاموسِ (٦) أنهُ جمعَ في وجهِ تسميتهِ بذلكَ خمسينَ قولًا. ما كان يدعو به أبو بكر الصديق في الصلاة ٥١/ ٣٠٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْني دُعاءً أَدْعُو بهِ في صَلَاتي، قَالَ قُلْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفِسي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةَ مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحِيمُ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 645

(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : علِّمْني دُعَاءً أَدْعُو بهِ في صَلَاتي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفِسي ظُلْمًا كَثِيرًا)، يُرْوَى بالمثلثةِ، وبالموحدةِ، فيخيرُ الداعي بينَ اللفظينِ، ولا يجمعُ بينَهما لأنهُ لمْ يردْ إلَّا أحُدهما. (وَلَا يَغِفْرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) إقرارٌ بالوحدانيةِ، (فَاغْفِرْ لِي) استجلابٌ للمغفرةِ، (مَغْفِرَةً) نكَّرَها للتعظيمِ، أي: مغفرةً عظيمةً وزادَها تعظيمًا بوصفِها بقولهِ: (مِنْ عِنْدِكَ)، لأنَّ ما يكونُ منْ عندهِ تعالى لا تحيطُ بوصفهِ عبارةٌ، (وَارْحَمْني إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحِيمُ) توسلٌ إلى نيلِ مغفرةِ اللَّهِ ورحمتهِ بصفتيْ غفرانهِ ورحمتهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). ما يُستفاد من حديث أبي بكر الحديثُ دليلٌ على شرْعيةِ الدعاءِ في الصلاةِ على الإطلاقِ منْ غيرِ تعيينِ محلِّ لهُ، ومنْ محلاتهِ بعدَ التشهدِ والصلاةِ عليهِ ﷺ والاستعاذةِ لقولهِ: "فليتخيرْ منَ الدعاءِ ما شاءَ". والإقرارُ [بظلم] (١) نفسهِ اعترافٌ بأنهُ لا يخلُو [أحد] (٢) البشرِ عن [ظلم] (٣) نفسهِ بارتكابهِ ما نُهيَ عنهُ أو تقصيرِه عنْ أداءِ ما أُمِرَ بهِ. وفيهِ التوسلُ إلى اللَّهِ تعالى بأسمائهِ عندَ طلبِ الحاجاتِ، واستدفاعِ المكروهاتِ، وأنهُ يأتي منْ صفاتهِ في كلِّ مقامٍ ما يناسبُه، كلفظِ الغفورِ الرحيمِ عندَ طلبِ المغفرةِ، ونحوِ: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ عندَ طلبِ الرزقِ. والقرآنُ والأدعيةُ النبويةِ مملوءةٌ بذلكَ. وفي الحديثِ دليلٌ على طلب التعليمِ منَ العالمِ سيَّما في الدعواتِ المطلوبِ فيها جوامعُ الكلمُ. واعلمْ أَنهُ قدْ وردَ في الدعاءِ بعدَ التشهدِ ألفاظٌ غيرُ ما ذكِرَ. أخرجَ النسائيُّ (٤) عنْ جابرٍ: "أنهُ ﷺ كانَ يقولُ في صلاتهِ بعدَ التشهدِ: أَحْسَنُ الكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وأَحْسَنُ الهدي هَدْيُ مُحمدٍ". وأخرجَ أبو داودَ (٥) عن

стр. 646

ابن مسعودٍ "أنهُ ﷺ كانَ يعلِّمُهُمْ منَ الدعاءِ بعدَ التشهدِ اللهمَّ أَلِّفْ على الخيرِ بينَ قلوبِنَا، وأصلحْ ذاتَ بَيْنِنَا، واهدِنَا سُبُلَ السلامِ، ونجِّنا منَ الظلماتِ إلى النورِ، وجنِّبنا الفواحشَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وباركْ لنا في أسماعِنا، وأبصارِنا، وقلوبِنا، وأزواجِنا، وذرياتِنا، وتبْ علينا إنكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ، واجعلْنا شاكرينَ لنعمتِكَ مثنينَ بها قابليْها وأتِمَّها علينا"، أخرجهُ أبو داودَ (١). وأخرجَ أبو داودَ (٢) أيضًا عنْ بعضِ الصحابةِ أنهُ ﷺ لرجلٍ: "كيفَ تقولُ في الصلاةِ؟ "، قالَ: أتشهَّدُ ثمَّ أقولُ: اللَّهمَّ إني أسألكَ الجنةَ، وأعوذُ بكَ منَ النارِ، أما إني لا أحسنُ دنْدنَتكَ ولا دندنةَ معاذٍ، فقالَ ﷺ : "حولَ ذلكَ نُدَنْدِنُ أنا ومعاذٌ"، ففيهِ أنهُ يدعو الإنسانُ بأيِّ لفظٍ شاءَ منْ مأثورٍ وغيرِهِ. وجوب التسليم على اليمين والشمال ٥٢/ ٣٠٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ"، وَعَنْ شِمَالِهِ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (٣). [صحيح] (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). هذا الحديثُ أخرجهُ أبو داودَ منْ حديثِ علقمةَ بن

стр. 647

وائلٍ، عنْ أبيهِ ونسبهُ المصنفُ في التلخيصِ (١) إلى عبدِ الجبارِ بن وائلٍ، وقالَ: لمْ يسمعْ منْ أبيهِ فأعلَّه بالانقطاعِ، وهُنَا قالَ صحيحٌ. وراجعْنا سننَ أبي داودَ فرأيناهُ رواهُ عنْ علقمةَ بن وائلٍ، عنْ أبيهِ. وقدْ صحَّ سماعُ علقمةَ عنْ أبيهِ، فالحديثُ سالمٌ عن الانقطاعِ، فتصحيحهُ هنا هوَ الأَوْلى وإنْ خالفَ ما في التلخيصِ. وحديثُ التسليمتينِ رواهُ خمسةَ عشرَ من الصحابةِ (٢) بأحاديثَ مختلفةٍ، ففيه

стр. 648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 649

صحيحٌ، وحسنٌ، وضعيفٌ، ومتروكٌ، وكُلُّها بدونِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا في روايةِ وائلٍ هذهِ، وروايةٍ عن ابن مسعودٍ، وعندَ ابن ماجه، وعندَ ابن حبانَ. ومعَ صحةِ إسنادِ حديثِ وائلٍ كما قالَ المصنفُ هنا يتعينُ قبولُ زيادتهِ؛ إذْ هيَ زيادةُ عدْلٍ. وعدمُ ذكرِها في روايةِ غيرهِ ليستْ روايةً لعدمها. قالَ الشارحُ: إنهُ لم يرَ مَنْ قالَ بوجوبِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا أنهُ قالَ: قالَ الإمامُ يحيى: إذا زادَ وبركاتُهُ ورضوانُهُ وكرامتُهُ أجزأَ إذ هي زيادةُ فضيلةٍ، وقدْ عرفتَ أن الواردَ زيادةُ وبركاتُهُ وقدْ صحتْ، ولا عذرَ عن القولِ بها. وقالَ بهِ السرخسيُّ، والإمامُ، والرويانيُّ في الحليةِ، وقولُ ابنُ الصلاحِ: إنها لم تثبتْ قدْ تعجبَ منهُ المصنفُ (١). وقالَ هي ثابتةٌ عندَ ابن حبانَ في صحيحهِ، وعندَ أبي داودَ، وعندَ ابن ماجه. قالَ المصنفُ: إلَّا أنهُ قالَ ابنُ رسلانَ في شرحِ السننِ: لم نجدْها في ابن ماجْه. قلتُ: راجعْنا [سنن] (٢) ابن ماجَهْ (٣) منْ نسخةٍ صحيحةٍ مقروءةٍ فوجدْنا فيهِ ما لفظهُ: بابُ التسليمِ حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنُ نُمَيْرٍ، حدَّثنا [عُمَرُ] (٤) بنُ عُبَيْدٍ عن أبي إسحاقَ، عن ابن الأَحْوَصِ (٥)، عنْ عبدِ اللَّهِ "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ عنْ يمينهِ، وعنْ شمالهِ حتَّى يُرَى بياضُ خَدِّهِ: السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه"، انتهى بلفظهِ. وفي تلقيحِ الأفكارِ تخريجُ الأذكارِ للحافظِ ابن حجرٍ لما

стр. 650

ذكرَ النوويُّ أن زيادةَ وبركاتُهُ زيادةٌ فَرْدَةٌ ساقَ الحافظُ طُرُقًا عدةً لزيادةِ وبركاتُهُ ثمَّ قالَ: فهذهِ عدةُ طرقٍ ثبتتْ بهَا وبركاتُهُ، بخلافِ ما يوهِمُهُ كلامُ الشيخ أنَّها روايةٌ فَرْدَةٌ، انتهَى كلامُهُ. (وحيثُ) ثبتَ أن التسليمتينِ منْ فعلهِ ﷺ في الصلاةِ، وقدْ ثبتَ قولُهُ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (١)، وثبتَ حديثُ: "تحريمُها التكبيرُ وتحليلُها السلامُ"، أخرجهُ أصحابُ السننِ (٢) بإسنادٍ صحيحٍ؛ فيجبُ التسليمُ لذلكَ. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بوجوبهِ الهادويةُ والشافعيةُ. وقالَ النوويُّ (٣): إنهُ قولُ جمهورِ العلماءِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم. وذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إلى أنهُ سنةٌ، مستدلينَ على ذلكَ بقولهِ ﷺ في حديثِ ابن عمرٍو (٤): "إذا رفعَ الإمامُ رأسهُ منَ السجدةِ وقعدَ ثمَّ أحدثَ قبلَ التسليمِ فقدْ تمتْ صلاتُهُ"؛ فدلَّ على أنَّ التسليمَ ليسَ بركنٍ واجبٍ وإلَّا لوجبتِ الإعادةُ، ولحديثِ المسيءِ صلاتُهُ، فإنَّهُ ﷺ

стр. 651

لمْ يأمرْهُ بالسلامِ، وأجيبَ [عنهُ] (١) بأنَّ حديثَ ابن عمرٍو ضعيفٌ باتفاقِ الحفَّاظِ؛ فإنهُ أخرجهُ الترمذيُّ (٢) وقالَ: هذا حديثٌ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقدِ اضطَّربُوا في إسنادهِ. وحديثُ المسيءِ صلاتُهُ لا ينافي الوجوبَ؛ فإنَّ هذهِ زيادةٌ وهيَ مقبولةٌ، والاستدلالُ بقولهِ تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣) على عدمِ وجوبِ السلامِ استدلالٌ غيرُ تامٍّ؛ لأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنَ المطلوبَ منهَا فعلُهُ ﷺ ، ولوْ عملَ بها وحدَها لما وجبتِ القراءةُ ولا غيرُها. ودلَّ الحديثُ على وجوبِ التسليمِ على اليمينِ واليسارِ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ وجماعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ تسليمةٌ واحدةٌ والثانيةُ مسنونةٌ. قالَ النوويُّ (٤): أجمعَ العلماءُ الذينَ يعتدُّ بهمْ [على] (٥) أنهُ لا يجبُ إلا تسليمةٌ واحدةٌ؛ فإنِ اقتصرَ عليها استُحِبَّ لهُ أنْ يسلِّمَ تلقاءَ وجههِ، فإنْ سلَّمَ تسليمتينِ جعلَ الأُولى عنْ يمينهِ والثانيةَ عنْ يسارهِ، ولعلَّ حجةَ الشافعيِّ حديثُ عائشةَ: "أنهُ ﷺ كانَ إذا أوترَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا في الثامِنَةِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَذْكُرُهُ، وَيَدْعُو، ثمَّ يَنْهَضُ ولا يُسلِّمَ، ثمَّ يصلِّي التاسِعَةَ فيجلس ويذكُرُ اللَّهَ ويدعُو ثمَّ يسلِّمُ تسليمةً"، أخرجهُ ابنُ حبانَ (٦)، وإسنادهُ على شرطِ مسلمٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يعارضُ حديثَ الزيادةِ كما عرفتَ منْ قبولِ الزيادةِ إذا كانتْ منْ عدلٍ، وعندَ مالكٍ أن المسنونَ تسليمةٌ واحدةٌ، وقدْ بيَّنَ ابنُ عبدِ البرِّ ضَعْفَ أدلةِ هذا القولِ منَ الأحاديثِ. واستدلَّ المالكيةُ على كفايةِ التسليمةِ الواحدةِ بعملِ أهلِ المدينةِ، وهوَ عملٌ توارثوهُ كابرًا عنْ كابرٍ. وأجيبُ عنهُ بأنهُ قدْ تقررَ في الأصولِ أن عَملَهم ليسَ بحجةٍ. وقولُه: (عنْ يمينِهِ وعنْ شمالِهِ) أي منحَرفًا إلى الجهتينِ؛ بحيثُ يُرَى بياضُ خدِّهِ كما وردَ في روايةِ سعدٍ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ سلم عنْ يمينهِ وعنْ شمالهِ حتَّى كأني أنظرُ إلى صفحةِ خدِّه"، وفي لفظٍ: "حتَّى أَرَى بياضَ خدِّهِ"، أخرجهُ مسلمٌ (٧) والنسائيُّ (٨).
следующие страницы →