← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 647–686 · переход к 652.

стр. 647

وائلٍ، عنْ أبيهِ ونسبهُ المصنفُ في التلخيصِ (١) إلى عبدِ الجبارِ بن وائلٍ، وقالَ: لمْ يسمعْ منْ أبيهِ فأعلَّه بالانقطاعِ، وهُنَا قالَ صحيحٌ. وراجعْنا سننَ أبي داودَ فرأيناهُ رواهُ عنْ علقمةَ بن وائلٍ، عنْ أبيهِ. وقدْ صحَّ سماعُ علقمةَ عنْ أبيهِ، فالحديثُ سالمٌ عن الانقطاعِ، فتصحيحهُ هنا هوَ الأَوْلى وإنْ خالفَ ما في التلخيصِ. وحديثُ التسليمتينِ رواهُ خمسةَ عشرَ من الصحابةِ (٢) بأحاديثَ مختلفةٍ، ففيه

стр. 648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 649

صحيحٌ، وحسنٌ، وضعيفٌ، ومتروكٌ، وكُلُّها بدونِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا في روايةِ وائلٍ هذهِ، وروايةٍ عن ابن مسعودٍ، وعندَ ابن ماجه، وعندَ ابن حبانَ. ومعَ صحةِ إسنادِ حديثِ وائلٍ كما قالَ المصنفُ هنا يتعينُ قبولُ زيادتهِ؛ إذْ هيَ زيادةُ عدْلٍ. وعدمُ ذكرِها في روايةِ غيرهِ ليستْ روايةً لعدمها. قالَ الشارحُ: إنهُ لم يرَ مَنْ قالَ بوجوبِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا أنهُ قالَ: قالَ الإمامُ يحيى: إذا زادَ وبركاتُهُ ورضوانُهُ وكرامتُهُ أجزأَ إذ هي زيادةُ فضيلةٍ، وقدْ عرفتَ أن الواردَ زيادةُ وبركاتُهُ وقدْ صحتْ، ولا عذرَ عن القولِ بها. وقالَ بهِ السرخسيُّ، والإمامُ، والرويانيُّ في الحليةِ، وقولُ ابنُ الصلاحِ: إنها لم تثبتْ قدْ تعجبَ منهُ المصنفُ (١). وقالَ هي ثابتةٌ عندَ ابن حبانَ في صحيحهِ، وعندَ أبي داودَ، وعندَ ابن ماجه. قالَ المصنفُ: إلَّا أنهُ قالَ ابنُ رسلانَ في شرحِ السننِ: لم نجدْها في ابن ماجْه. قلتُ: راجعْنا [سنن] (٢) ابن ماجَهْ (٣) منْ نسخةٍ صحيحةٍ مقروءةٍ فوجدْنا فيهِ ما لفظهُ: بابُ التسليمِ حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنُ نُمَيْرٍ، حدَّثنا [عُمَرُ] (٤) بنُ عُبَيْدٍ عن أبي إسحاقَ، عن ابن الأَحْوَصِ (٥)، عنْ عبدِ اللَّهِ "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُسَلِّمُ عنْ يمينهِ، وعنْ شمالهِ حتَّى يُرَى بياضُ خَدِّهِ: السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه"، انتهى بلفظهِ. وفي تلقيحِ الأفكارِ تخريجُ الأذكارِ للحافظِ ابن حجرٍ لما

стр. 650

ذكرَ النوويُّ أن زيادةَ وبركاتُهُ زيادةٌ فَرْدَةٌ ساقَ الحافظُ طُرُقًا عدةً لزيادةِ وبركاتُهُ ثمَّ قالَ: فهذهِ عدةُ طرقٍ ثبتتْ بهَا وبركاتُهُ، بخلافِ ما يوهِمُهُ كلامُ الشيخ أنَّها روايةٌ فَرْدَةٌ، انتهَى كلامُهُ. (وحيثُ) ثبتَ أن التسليمتينِ منْ فعلهِ ﷺ في الصلاةِ، وقدْ ثبتَ قولُهُ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (١)، وثبتَ حديثُ: "تحريمُها التكبيرُ وتحليلُها السلامُ"، أخرجهُ أصحابُ السننِ (٢) بإسنادٍ صحيحٍ؛ فيجبُ التسليمُ لذلكَ. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بوجوبهِ الهادويةُ والشافعيةُ. وقالَ النوويُّ (٣): إنهُ قولُ جمهورِ العلماءِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم. وذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إلى أنهُ سنةٌ، مستدلينَ على ذلكَ بقولهِ ﷺ في حديثِ ابن عمرٍو (٤): "إذا رفعَ الإمامُ رأسهُ منَ السجدةِ وقعدَ ثمَّ أحدثَ قبلَ التسليمِ فقدْ تمتْ صلاتُهُ"؛ فدلَّ على أنَّ التسليمَ ليسَ بركنٍ واجبٍ وإلَّا لوجبتِ الإعادةُ، ولحديثِ المسيءِ صلاتُهُ، فإنَّهُ ﷺ

стр. 651

لمْ يأمرْهُ بالسلامِ، وأجيبَ [عنهُ] (١) بأنَّ حديثَ ابن عمرٍو ضعيفٌ باتفاقِ الحفَّاظِ؛ فإنهُ أخرجهُ الترمذيُّ (٢) وقالَ: هذا حديثٌ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقدِ اضطَّربُوا في إسنادهِ. وحديثُ المسيءِ صلاتُهُ لا ينافي الوجوبَ؛ فإنَّ هذهِ زيادةٌ وهيَ مقبولةٌ، والاستدلالُ بقولهِ تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣) على عدمِ وجوبِ السلامِ استدلالٌ غيرُ تامٍّ؛ لأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنَ المطلوبَ منهَا فعلُهُ ﷺ ، ولوْ عملَ بها وحدَها لما وجبتِ القراءةُ ولا غيرُها. ودلَّ الحديثُ على وجوبِ التسليمِ على اليمينِ واليسارِ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ وجماعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ تسليمةٌ واحدةٌ والثانيةُ مسنونةٌ. قالَ النوويُّ (٤): أجمعَ العلماءُ الذينَ يعتدُّ بهمْ [على] (٥) أنهُ لا يجبُ إلا تسليمةٌ واحدةٌ؛ فإنِ اقتصرَ عليها استُحِبَّ لهُ أنْ يسلِّمَ تلقاءَ وجههِ، فإنْ سلَّمَ تسليمتينِ جعلَ الأُولى عنْ يمينهِ والثانيةَ عنْ يسارهِ، ولعلَّ حجةَ الشافعيِّ حديثُ عائشةَ: "أنهُ ﷺ كانَ إذا أوترَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا في الثامِنَةِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَذْكُرُهُ، وَيَدْعُو، ثمَّ يَنْهَضُ ولا يُسلِّمَ، ثمَّ يصلِّي التاسِعَةَ فيجلس ويذكُرُ اللَّهَ ويدعُو ثمَّ يسلِّمُ تسليمةً"، أخرجهُ ابنُ حبانَ (٦)، وإسنادهُ على شرطِ مسلمٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يعارضُ حديثَ الزيادةِ كما عرفتَ منْ قبولِ الزيادةِ إذا كانتْ منْ عدلٍ، وعندَ مالكٍ أن المسنونَ تسليمةٌ واحدةٌ، وقدْ بيَّنَ ابنُ عبدِ البرِّ ضَعْفَ أدلةِ هذا القولِ منَ الأحاديثِ. واستدلَّ المالكيةُ على كفايةِ التسليمةِ الواحدةِ بعملِ أهلِ المدينةِ، وهوَ عملٌ توارثوهُ كابرًا عنْ كابرٍ. وأجيبُ عنهُ بأنهُ قدْ تقررَ في الأصولِ أن عَملَهم ليسَ بحجةٍ. وقولُه: (عنْ يمينِهِ وعنْ شمالِهِ) أي منحَرفًا إلى الجهتينِ؛ بحيثُ يُرَى بياضُ خدِّهِ كما وردَ في روايةِ سعدٍ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ سلم عنْ يمينهِ وعنْ شمالهِ حتَّى كأني أنظرُ إلى صفحةِ خدِّه"، وفي لفظٍ: "حتَّى أَرَى بياضَ خدِّهِ"، أخرجهُ مسلمٌ (٧) والنسائيُّ (٨).

стр. 652

ما كان يقول النبي ﷺ في دبر كل صلاة مكتوبة ٥٣/ ٣٠٤ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَة أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقول فِي دُبُرِ) قالَ في القاموسِ (٢): الدُّبُرُ بضمِّ الدالِ وبضمتينِ نقيضُ القُبُلِ منْ كلِّ شيءٍ: عَقِبُهُ ومؤخَّرُهُ. وقالَ في الدُّبُرُ محركةَ الدالِ والباءِ بالفتحِ، الصلاةُ في آخرِ وقتِها، وتسكنُ الباءُ، ولا يقالُ بضمتينِ فإنهُ مِنْ لحنِ المحدثينِ، (كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَة لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) ووقعَ عندَ عبدِ ابن حميدٍ (٣) بعدَهُ: "ولا رادَّ لما قضيتَ"، (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ)، زادَ الطبرانيُّ (٤) منْ طريقٍ أُخْرى عن المغيرةِ بعدَ قولهِ: لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ: "يُحْيي ويميتُ وهوَ حيٌّ لا يموتُ بيدهِ الخيرُ"؛ ورواتُهُ موثقونَ، وثبتَ مثلُه عندَ البزارُ (٥) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ بسندٍ صحيحٍ، لكنهُ في القولِ إذا أصبحَ وإذا أمسى ومعنَى: (لا مانعَ لما أعطيت) أن مَنْ قضيتَ له بقضاء منْ رزقٍ أو غيرِه [فلا] (٦) يمنعهُ

стр. 653

أحدٌ عنهُ. ومعنى (لا معطي لما منعتَ) [أنهُ] (١) مَنْ قضيتَ له بحرمانٍ لا معطي لهُ. والجَدُّ بفتحِ الجيمِ كما سلفَ. قالَ البخاريُّ: معناهُ الغِنى؛ والمرادُ لا ينفعهُ ولا ينجيهِ حظُّه في الدنيا بالمالِ والولدِ والعظمةِ والسلطانِ، وإمَّا ينجيهِ فضلُكَ ورحمتُكَ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ هذا الدعاءِ عقبَ الصلوات لما اشتملَ على توحيدِ اللَّهِ، ونسبةِ الأمرِ كلِّهِ إليهِ، والمنعُ والإعطاءُ وتمامُ القدرةِ. كان ﷺ يتعوَّذ دُبُر الصلاة من الجبن ٥٤/ ٣٠٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَاصٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوّذُ بِهِنّ [دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ] (٢): "اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عذَابِ الْقَبْرِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوّذ بِهِنّ [دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ] (٢): اللَّهُمَّ إِني أَعُوذ بِكَ). أي: ألتجئُ إليكَ (مِنَ الْبُخْلِ) بضمِّ الموحدةِ، وسكونِ الخاءِ، المعجمةِ، وفيهِ لغاتٌ. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ) بزنةِ البخلِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ عَذابِ الْقَبْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قولُهُ: دبرَ الصلاةِ هنا، وفي الأولِ يحتملُ أنهُ قبلَ الخروجِ؛ لأنَّ دبرَ الحيوانِ منهُ وعليهِ بعضُ أئمةِ الحديث، ويحتملُ أنهُ بعدَها وهوَ الأقرب. والمرادُ بالصلاةِ عندَ الإطلاقِ المفروضةُ. والتعوذُ من البخلِ قدْ كثرَ في الأحاديث، قيلَ: والمقصودُ منهُ منعُ ما يجبُ بذلُه منَ المالِ شرعًا أو عادةً. والجبنُ هوَ المهابةُ للأشياءِ والتأخرُ عنْ فعلِها، ويقالُ منهُ جبانُ كسحابِ لِمَنْ قَامَ بهِ، والمتعوَّذُ منهُ هو التأخرُ عن الإقدامِ بالنفسِ إلى الجهادِ الواجب، والتأخرِ عن الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ونحوِ ذلكَ. والمرادُ منَ الردِّ إلى أرذلِ العمرِ هوَ بلوغُ الهرمِ

стр. 654

والخوفِ حتى يعودَ كهيئتهِ الأولى في أوانِ [الطفولة] (١) ضعيفَ البنية، سخيفَ العقلِ، قليلَ الفهمِ، وأما فتنةُ الدنيا فهي الافتتانُ بشهواتِها وزخارِفها حتَّى تلهيهِ عن القيامِ بالواجباتِ التي خُلِقَ لها العبدُ، وهي عبادةُ بارئِه وخالقهِ. وهوَ المرادُ منْ قولِهِ تعالَى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢)، وتقدمَ الكلامُ على عذابِ القبرِ. الاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل دبر الصلاة ٥٥/ ٣٠٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمّ أَنْتَ السّلامُ وَمِنْكَ السّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) أيْ سلَّمَ منْها (اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا) بلفظِ: أستغفرُ اللَّهَ، وفي الأذكارِ للنوويِّ (٤): قيلَ للأوزاعي وهوَ أحدُ رواةِ هذا الحديثِ: كيفَ الاستغفارُ؟ قالَ: تقولُ: أستغفرُ اللَّهَ أستغفرُ اللَّهَ. (وقَالَ: اللَّهمّ أَنْتَ السّلَامُ وَمِنْكَ السّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). والاستغفارُ إشارةٌ إلى أن العبدَ لا يقومُ بحقِّ عبادةِ مولاهُ لما يعرضُ لهُ منَ الوسواسِ والخواطرِ؛ فَشُرِعَ لهُ الاستغفارُ تداركًا لذلكَ، وشرعَ له أن يصفَ ربهُ بالسلامِ كما وصفَ بهِ نفسَهُ. والمرادُ ذو السلامةِ منْ كلِّ نقصٍ وآفةٍ، مصدرٌ وُصِفَ بهِ للمبالغةِ، (ومنكَ السلامُ) أي: منكَ نطلبُ السلامةَ منْ شرورِ الدنيا والآخرةِ، والمرادُ بقولهِ ذو الجلالِ والإكرامِ: ذو الغنى المطلَقِ والفضلِ التامِّ، وقيلَ الذي عندَهُ الحلالُ والإكرامُ لعبادهِ المخلصينَ، وهوَ منْ عظائمِ صفاتهِ تعالى، ولِذَا قالَ ﷺ : "ألِظُّوا (٥) بيا ذا الجلالِ والإكرامِ" (٦). ومرَّ برجلٍ يصلِّي

стр. 655

وهوَ يقولُ: يا ذا الجلالِ والإكرامِ، فقالَ: "قدْ استجيبَ لكَ". ٥٦/ ٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَبّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثينَ، وكَبّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (٢): أَنَّ التّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ. [صحيح] (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ سَبّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثَينَ) يقولُ: سبحانَ اللَّهِ، (وَحَمِدَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثين) يقولُ: الحمدُ للَّهِ، (وكبَّرَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثينَ) يقولُ: اللَّهُ أكبرُ، (فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ) عددُ أسماءِ اللَّهِ الحسنَى (وَقَالَ تَمَامَ الْمائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)، هوَ ما يعلُو عليهِ عندَ اضطرابهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) لمسلمٍ عنْ أبي هريرةَ (أن التكبيرَ أربعٌ وثلاثونَ)، وبهِ تتمُّ المائةُ، فينبغي العملُ بهذا تارةً، وبالتهليلِ أُخْرى ليكونَ قدْ عملَ بالروايتينِ. وأمَّا الجمعُ بينهَما كما قالَ الشارحُ وسبقَهُ غيرُهُ فليسَ بوجهٍ لأنَّه لم يردِ الجمعُ بيَنهما، ولأنهُ يخرجُ العددُ عن المائةِ هذَا. وللحديثِ سببٌ وهوَ: "أن فقراءَ المهاجرينَ أَتَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قدْ ذهبَ أهلُ الدثورِ بالدرجاتِ العُلَى والنعيمِ المقيمِ، فقالَ: وما ذلكَ؟ قالوا: يصلونَ كما

стр. 656

نصلِّي، ويصومونَ كما نصومُ، ويتصدَّقونَ ولا نتصدَّقُ، ويعتقونَ ولا نعتقُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أفلا أعلِّمُكم شيئًا تدركونَ بهِ مَنْ سبقَكم، وتسبقونَ بهِ مَنْ بعدَكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منْكم إلَّا مَنْ صَنَعَ مثلَ ما صنعتُم! قالوا: بلى، قالَ [سبِّحوا] (١) اللَّهَ، الحديثَ"، وكيفيةُ التسبيح وأخوَيْهِ كما ذكرناهُ. وقيلَ: يقولُ سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، واللَّهُ أكبرُ ثلاثًا وثلاثينَ. وقدْ وردَ في البخاريِّ (٢) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أيضًا: "يسبّحونَ عشْرًا، ويحمِدونَ عشْرًا، ويكبرونَ عشْرًا". وفي صفةٍ أُخْرى (٣): "يسبحونَ خمسًا وعشرينَ تسبيحةً، ومثلَها تحميدًا، ومثلَها تكبيرًا، ومثلَها لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فتتمُّ مائة". وأخرجَ أبو داود (٤) منْ حديثِ زيدِ بن أرقمٍ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يقولُ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، أنا شهيد أنكَ أنتَ الربُّ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلّ شيءٍ إنَّا نشهدُ أن محمدًا ﷺ عبدُكَ ورسولُكَ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ أنَّا شهيدُ أن العبادَ كلَّهم إخوَةٌ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء اجعلْني مخلِصًا لكَ وأهلي في كلِّ ساعةٍ منَ الدنيا والآخرةِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ، استمعْ واستَجِبْ اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ، اللَّهُ نورُ السمواتِ والأرضِ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ، حسبَي اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ". وأخرجَ أبو داودَ (٥) منْ حديثِ عليٍّ ﵇: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا سلَّمَ منَ الصلاةِ قالَ: اللَّهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنتَ أعلمُ بهِ مني، أنتَ المقدِّمُ، وأنتَ المؤخِّرُ،

стр. 657

لا إلهَ إلَّا أنتَ". وأخرجَ أبو داودَ (١)، والنسائيُّ (٢) منْ حديثِ عقبْةَ بن عامرٍ: "أمرني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أقرأَ بالمعوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ". وأخرجَ مسلمٌ (٣) منْ حديثِ البراءِ أنهُ ﷺ كانَ يقولُ بعدَ الصلاةِ: "ربِّ قِني عذابَكَ يومَ تبعثُ عبادَكَ". ووردَ بعدَ صلاةِ المغربِ، وبعدَ صلاةِ الفجرِ بخصوصِهِما قولُ: "لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ عشْرَ مراتٍ"، أخرجهُ أحمدُ (٤)؛ وهوَ زيادةٌ على ما ذُكِرَ في غيرِهما. وأخرجَ الترمذيُّ (٥) عنْ أبي ذرٍّ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ قَالَ في دُبُرِ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ثانٍ رجليْهِ، قبلْ أنْ يتكلَّمَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشر مراتٍ، كتبَ اللَّهُ لهُ عشْرَ حسناتٍ، ومحا عنهُ عشْرَ سيئاتٍ، ورفعَ لهُ عشْرَ درجاتٍ، وكانَ يومَهُ ذلكَ في حِرْزٍ مِنْ كلِّ مَكْروهٍ، وحِرْزٍ منَ الشيطانِ، ولم يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليومِ إِلَّا الشركَ باللَّهِ "، قالَ الترمذيُّ: غريبٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرجهُ النسائيُّ (٦) منْ حديثِ معاذٍ

стр. 658

وزادَ فيهِ: "بيدهِ الخيرُ"، وزادَ فيه أيضًا: "وكانَ لهُ بكلِّ واحدةٍ قالَها عِتْقُ رَقَبةٍ"، وأخرجَ الترمذيُّ (١)، والنسائيُّ (٢) منْ حديثِ عمارةَ بن شبيبٍ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قالَ لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ. الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشْرَ مراتٍ على إِثْرِ المغربِ، بعثَ اللَّهُ لهُ ملائكةً يحفظونهُ منَ الشيطانِ الرجيمِ حتَّى يصبحَ، كتبَ لهُ بها عشرُ حسناتٍ، ومحا عنهُ عشْرَ سيئاتٍ موبقاتٍ، وكانتْ لهُ [تعدلُ] (٣) عشْرَ رقباتٍ مؤمناتٍ". قالَ الترمذيُّ: حسنٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، ولا نَعْرِفُ لِعِمَارَةَ سَمَاعًا منَ النبيِّ ﷺ . وأمَّا قراءةُ الفاتحةِ بنيةِ كذا، وبنيةِ كذَا، كما يفعلُ الآنَ، فلمْ يردْ بها دليلٌ بلْ هي بدعةٌ. وأما الصلاةُ على النبيِّ بعدَ تمامِ التسبيحِ وأخويهِ منَ الثناءِ فالدعاءُ بعدَ الذكرِ سنةٌ، والصلاةُ عليهِ ﷺ أمامَ الدعاءِ كذلكَ سنةٌ، [إنَّما] (٤) الاعتيادُ لذلكَ، وجعلُهُ في حكمِ السننِ الراتبةِ، ودعاءُ الإمامِ مستقبلًا القبلةَ، مستدبرًا للمأمومينَ، فلمْ يأتِ بهِ سُنَّةٌ، بلْ الذي وردَ أنهُ ﷺ كانَ يستقبلُ المأموينَ إذا سلَّمَ. قالَ البخاريُّ (٥): (بابُ يستقبلُ الإمامُ الناسَ إذا سلَّمَ). ووردَ حديثُ سمرةَ بن جندبٍ (٦)، وحديثُ زيدِ بن خالدٍ (٧): " [أنه] (٨) كانَ إذا صلَّى صلاةً أقبلَ علينا بوجههِ". وظاهرُهُ المداومةُ على ذلكَ. ٥٧/ ٣٠٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أُوصيكَ يَا مُعاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي علَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ

стр. 659

عِبَادَتِكَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣) بِسَنَدٍ قَويٍّ (٤). (وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ)؛ هو نَهْيٌ مِنْ ودعهِ إلَّا أنهُ هجرَ ماضيْهِ في الأكثرِ استغناءً عنهُ بترك. وقدْ وردَ قليلًا، وقرئَ ما ودَّعَكَ ربُّكَ، (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوَيٍّ). النهيُ أصلُهُ التحريمُ فيدلُّ على إيجابِ هذهِ الكلماتِ دُبُرَ الصلاةِ، وقيلَ: إنهُ نَهْيُ إرشادٍ ولا بدَّ منْ قرينةٍ على ذلكَ، وقيلَ: يحتملُ أنها في حقِّ معاذٍ نَهْيُ تحريمٍ وفيهِ بُعْدٌ، وهذهِ الكلماتُ عامةٌ لخير الدنيا والآخرةِ. قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد بعد الصلاة ٥٨/ ٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتوبَةٍ لمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٥)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦). [صحيح] وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانيُّ (٧): "وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ". (وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ) ﵁ هوَ إياسٌ - على الأصحِّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٨) -

стр. 660

ابنُ ثعلبةَ الحارثيِّ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، لمْ يشهدْ بدْرًا [إلَّا أنهُ] (١) عذرَهُ ﷺ عن الخروج لعِلَّتِهِ بمرضِ والدتهِ، وأبو أمامةَ الباهليِّ تقدمَ فِي أولِ الكتابِ (٢)؛ [فإذا] (٣) أُطْلِقَ فالمرادُ بهِ هذَا، وإذا أريدَ الباهليُّ قُيِّدَ بهِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتوبَةٍ) أي مفروضةٍ (لمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخولِ الجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْت. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحّحَه ابْن حِبَّانَ، وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانيُّ: وَقلْ هوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وقدْ وردَ نحوُهُ منْ حديثِ عليٍّ ﵇ بزيادةِ: "مَنْ قَرأَها حينَ يأخذُ مضجعهُ أمَّنَهُ اللَّهُ على دارهِ، ودارٍ جارهِ، وأهلِ دُوَيْرَاتٍ حولَهُ". رواهُ البيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ (٤)، وضعَّفَ إسنادُهُ. وقولُهُ: "لمْ يمْنعه مِنْ دخولِ الجنةِ إلَّا الموتُ"، هوَ على حذفِ مضافٍ، أي: لا يمنعهُ إلَّا عدمُ موتِهِ، حُذِفَ لدلالةِ المعنَى عليه، وأختُصَّتْ آية الكرسيِّ بذلكَ لما اشتملتْ عليهِ من أصولِ الأسماءِ والصفاتِ الإلهيةِ، والوحدانيةِ، والحياةِ، والقيُّوميةِ، والعلمِ، والملكِ، والقدرةِ، والإرادةِ. وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ متمحضةٌ لذكرِ صفاتِ الربِّ تَعَالَى. أفعال النبي ﷺ وأقواله في الصلاة بيان لما أُجْمل من الأمر بالصلاة ٥٩/ ٣١٠ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِث ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). هذَا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في دلالتهِ على أن أفعالَهُ ﷺ في الصلاةِ، وأقوالَه، بيانٌ لما أُجْمِلَ منَ الأمرِ بالصلاةِ في القرآنِ، وفي الأحاديثِ. وفيهِ دلالةٌ على وجوبِ التأسي بهِ ﷺ فيما فعلَهُ في الصلاةِ، فكلُّ ما حافظَ عليهِ منْ أفعالِها وأقوالها وجبَ على الأمةِ، إلَّا لدليلٍ يخصِّصُ شيئًا منْ ذلكَ.

стр. 661

وقدْ أطالَ العلماءُ الكلامَ في الحديث، واستوفاهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في [شرحِ] (١) العمدةِ (٢)، وزدْناهُ تحقيقًا في حواشيْها (٣). صلاة المريض على قدر استطاعته ٦٠/ ٣١١ - وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبْيَّ ﷺ قَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعلَى جَنْبٍ؛ وَإِلَّا فَأَوْمِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [صحيح] (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ ﷺ : "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لمْ تَسْتَطِعْ) أي: الصلاةَ قائمًا (فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أي: وإنْ لم تستطعِ الصلاةَ قاعدًا (فَعلَى جَنْبٍ وَإِلَّا) أي: وإنْ لم تستطعِ الصلاةَ على جنبٍ (فَأَوْمِ). لمْ نجدْهُ في نُسَخِ [بلوغ المرام] (٥) منسوبًا. وقدْ أخرجهُ البخاريُّ دونَ قولهِ: وإلَّا فأومِ. والنسائيُّ (٦)، وزادَ: "فإنْ لمْ تستطعْ فمستلقٍ، لا يكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وسْعَهَا".

стр. 662

وقدْ [روى] (١) الدارقطنيُّ (٢) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ بلفظِ: "فإنْ لم تستطعْ أنْ تسجدَ أومِ واجعلْ سجودَكَ أخفضَ منْ ركوعِكَ، فإنْ لم يستطعْ أنْ يصلِّيَ قاعدًا صلَّى على جَنْبِهِ الأَيمنِ، مستقبلَ القبلةِ، فإنْ لم يستطعْ أنْ يصلِّيَ على جَنْبِهِ الأيمنِ صلَّى مستلقيًا، رجلاهُ مما يلي القبلةَ" وفي إسنادهِ ضَعْفٌ، وفيهِ متروكٌ. وقالَ المصنفُ (٣): لم يقعْ في الحديثِ ذكرُ الإيماءِ، وإنَّما أوردهُ الرافعيُّ قالَ: ولكنهُ وردَ في حديثِ جابرٍ: "إنِ استطعتَ وإلَّا فأومِ إيماءً، واجعلْ سجودَك أخفضَ منْ ركوعِكَ" أخرجهُ البزارُ (٤)، والبيهقيُّ في المعرفةِ (٥). قالَ البزارُ (٦): وقدْ سُئلَ عنهُ أبو حاتمٍ فقالَ: الصوابُ عنْ جابرٍ موقُوفًا، ورفعهُ خطأ. وقدْ رُوِيَ أيضًا منْ حديثِ ابن عمرَ (٧)، وابنِ عباسٍ (٨)، وفي إسناديْهِمَا ضعْفٌ. والحديثُ [يدل] (٩) على أنهُ لا يصلِّي الفريضةَ قاعدًا إلا لعذرٍ، وهوَ عدمُ الاستطاعةِ، ويلحقُ بهِ ما إذا خشي ضررًا لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٠)، وكذَا قولُهُ: "فإنْ لمْ تستطعْ فعلى جَنْبٍ". وفي قولهِ في حديثِ الطبرانيِّ: "فإنْ نالتْهُ مشقةٌ فجالِسًا، فإنْ نالتْهُ مشقةٌ فنائمًا، أي مضطجعًا، وفيهِ

стр. 663

حجةٌ على مَنْ قالَ: إنَّ العاجزَ عن القعود تسقطُ عنهُ الصلاةُ، وهوَ يدلُّ على أن مَنْ نالتْهُ مشقةٌ ولو بالتألم [يباح] (١) لهُ الصلاةُ منْ قعودٍ، وفيهِ خلافٌ. والحديثُ مَعَ مَنْ قالَ إنَّ التألمَ يبيحُ ذلكَ، ومِنَ المشقةِ صلاةُ مَنْ يخافُ دورانَ رأسِهِ إنْ صلَّى قائمًا في السفينةِ، أوْ يخافُ الغرقَ أبيحَ لهُ القعودُ. هذَا ولمْ يبينِ الحديثُ هيئةَ القعودِ على أي صفةٍ، ومقتضَى صحتُهُ على أي هيئةٍ شاءَها المصلِّي، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ. وقالَ الهادي وغيرُهُ: إنهُ يتربعُ واضعًا يدَهُ على رُكبتيْهِ، ومثلُه عندَ الحنفيةِ، وذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وجماعةٌ إلى أنهُ مثلُ قعودِ التشهدِ. قيلَ: والخلافُ في الأفضلِ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (٢): اخْتُلِفَ في الأفضلِ؛ فعندَ الأئمةِ الثلاثةِ التربعُ وقيل: مفترشًا، وقيل: متورِّكًا، وفي كلِّ منْها أحاديثُ. وقولُهُ في الحديثِ: [فعلى] (٣) جنبٍ، الكلامُ في الاستطاعةِ هنا كما مرَّ، وهوَ هنا مطلقٌ، وقيَّدَهَ [في] (٤) حديثِ عليٍّ ﵇ عندَ الدارقطنيُّ (٥) على جنبهِ الأيمنِ مستقبلَ القبلةِ بوجههِ، وهوَ حجةُ الجمهورِ، وأنهُ يكونُ على هذهِ الصفةِ كتوجُّهِ الميتِ في القبرِ، ويؤخذُ منَ الحديثِ أنهُ لا يجبُ شيءٌ بعدَ تعذرِ الإيماءِ [على الجنبِ] (٦). وعنِ الشافعيِّ والمؤيدِ: يجب الإيماءُ بالعينينِ والحاجبينِ، وعن زفرَ: الإيماءُ بالقلبِ. وقيلَ: يجبُ إمرارُ القرآنِ والذكرِ على اللسانِ، ثمَّ على القلبِ، إلَّا أن هذهِ [الكلمة لم تأت] (٧) في الأحاديث، وفي الآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٨)، وإنْ كانَ عدمُ الذكرِ لا ينفي الوجوبَ بدليلٍ آخر وقدْ وجبتِ الصلاةُ على الإطلاقِ وثبتَ: "إذا أُمِرْتمْ بأمرٍ فأتوا منهُ ما استطعتُم" (٩)؛ فإذا استطاعَ شيئًا مما يفعلُ في الصلاةِ وجبَ عليهِ لأنهُ مستطيعٌ لهُ.

стр. 664

لا يتخذ المريض ما يسجدُ عليه ٦١/ ٣١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: "صَلِّ عَلَى الأرضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بسندٍ قَوِيٍّ (١)، وَلَكِنْ صَحّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (٢). [ضعيف] (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكوعِكَ. رَوَاه الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلكِنْ صَحّحَ أَبو حاتم وَقْفَهُ). الحديثُ أخرجهُ البيهقيُّ في المعرفةِ منْ طريقِ سفيانَ الثوريِّ، وفي الحديثِ: "فرمى بها وأخذَ عودًا ليصلِّي عليهِ فأخذَهُ [ورمى] (٣) بهِ" وذكرَ الحديثَ. وقالَ البزارُ (٤): لا يُعْرَفُ أحدٌ رواهُ عن [سفيان] (٥) الثوريِّ غيرُ أبي بكرٍ الحنفيِّ. وقدْ سُئِلَ عنهُ أبو حاتمٍ فقالَ: الصوابُ عنْ جابرٍ موقوفًا، ورفْعُهُ خطأٌ. وقد رَوَى الطبرانيُّ (٦) منْ حديثِ طارقِ بن شهابٍ عن ابن عمرَ قالَ: "عادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مريضًا فذكرهُ". وفي إسنادهِ ضعفٌ. والحديثُ دليل على أنهُ لا يتخذِ المريضُ ما يسجدُ عليهِ حيثُ تعذرَ سجودُه على الأرضِ، وقد أرشدَهُ إلى أنهُ يفصِلُ بينَ ركوعهِ وسجودهِ، ويجعلُ سجودَهُ أخفضَ منْ ركوعهِ، فإنْ تعذَّرَ عليهِ القيامُ والركوعُ فإنهُ يومئُ منْ قعودٍ لهما جاعلًا الإيماءَ بالسجودِ أخفضَ منَ الركوعِ، أوْ لم يتعذرْ عليهِ القيامُ فإنهُ يومئُ للركوعِ منْ قيامٍ، ثمَّ يقعدُ ويومئُ للسجودِ منْ قعودٍ. وقيلَ: في هذهِ الصورةِ يومئُ لهما منْ قيامٍ ويقعدُ للتشهدِ، وقيلَ: يومئُ لهما كليْهما منَ القعودِ ويقومُ للقراءةِ، وقيلَ: يسقطُ عنهُ القيامُ ويصلِّي قاعدًا؛ فإنْ صلَّى قائمًا جازَ، وإنْ تعذَّرَ عليهِ القعودُ أومأَ لهما منْ قيامٍ.

стр. 665

الباب الثامن باب سجود السهو وغيره (من سجود التلاوة والشكر) التشهد الأول يُجبر بسجود السهو ١/ ٣١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظر النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهَوَ جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجَدْتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١)، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِس، ويَسْجُد، وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ. [صحيح] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بحَيْنَةَ ﵁) تقدَّمَ ضبطُه وترجمتُه (٣)، وتكررَ على الشارحِ ترجمتُه فأعادَها هنا (أَنَّ النَّبيّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأْولَيَينِ)

стр. 666

بالمثناتينِ التحتَّيتين، (وَلَمْ يَجْلِسْ) هوَ تأكيدٌ لقامَ مِنْ "بابِ أقولُ لهُ ارحلْ لا تقيمنَّ عندنَا". (فَقَامَ النَّاسُ مَعَه حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهَوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَه السَّبْعَة، وَهَذَا اللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ). الحديثُ دليلٌ على أن تركَ التشهدِ الأولِ سهوًا يجبرهُ سجودُ السهوِ، وقولُهُ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (١) يدلُّ على وجوبِ التشهدِ الأولِ، وجبرانُهُ هنا عندَ تركِهِ دلَّ على أنهُ وإنْ كانَ واجبًا فإنهُ [يُجْبَرُ بسجودِ] (٢) السهوِ، والاستدلالُ على عدمِ وجوبهِ بأنهُ لو كانَ واجبًا لما جَبَرَهُ [سجود السهو] (٣)؛ إذْ حقَّ الواجبِ أنْ يفعلَ بنفسهِ لا يتمُّ إذْ يمكنُ أنهُ كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ واجبُ، ولكنهُ إنْ تُرِكَ سهوًا جبرَهُ سجودُ السهوِ، وحاصلُهُ أنهُ لا يتمٌّ الاستدلالُ على عدمِ وجوبِهِ حتَّى يقومَ الدليلُ أن كلَّ واجبٍ لا يجزئُ عنهُ سجودُ السهوِ إنْ تُرِكَ سهوًا، وقولُهُ: "كبَّر" دليلٌ على شرعيةِ تَكبيرةِ الإحرامِ لسجودِ السهوِ، وأنَّها غيرُ مختصةٍ بالدخولِ في الصلاةِ، وأنهُ يُكَبِّرُها وإنْ كانَ لمْ يخرجْ منْ صلاتِهِ بالسلامِ منْها. وأما تكبيرةُ النقل فلمْ تذكرْ هنَا، ولكنَّها ذكرتْ في قولهِ: (وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) أيْ: عنْ عبدِ اللَّهِ بن بحينةَ (يُكَبِّرُ فِي كلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِس، ويَسْجُد وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ) فيهِ دليلٌ على شرعيةِ تكبيرِ النَّقْلِ كما سلفَ في الصلاةِ. وقولُهُ: (مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ) كأنهُ عرفَ الصحابيُّ ذلكَ منْ قرينةِ الحالِ، فهذَا لفظٌ مدرجٌ (٤) منْ كلامِ الراوي، ليسَ حكايةً لفعلهِ ﷺ الذي شاهدَهُ، ولا لقولهِ ﷺ ، ثمَّ فيهِ دليلٌ على أن محلَّ مثلِ هذَا السجودِ قبلَ السلامِ، ويأتي [ما يخالف هذا] (٥) والكلامُ عليهِ. وفي روايةِ مسلمٍ دلالةٌ على وجوبِ متابعةِ الإمامِ. وفي الحديثِ دلالةٌ أيضًا على وجوبِ متابعتهِ وإنْ تركَ ما هذَا حالهُ، فإنهُ ﷺ

стр. 667

أقرَّهم على متابعتهِ معَ تَرْكِهمْ للتشهدِ عَمْدًا، وفيهِ تأملٌ لاحتمالِ أنهُ ما ذكرَ أنهُ [تركَ] (١) وتركُوا إلا بعدَ تَلَبُّسهِ وَتَلبُّسِهِمْ بواجبٍ آخرَ. نية الخروج مع ظن التمام وكلام الجاهل والناسي لا يبطل الصلاة ٢/ ٣١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صلاتَيَ الْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ"، فَقَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمّ كَبّرَ، ثُمّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبّرَ، ثُمّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٣): صَلَاةَ الْعَصْرِ. [صحيح] - وَلأَبي دَاوُدَ (٤)، فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَأَوْمَأُوا: أيْ نَعَمْ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا. [صحيح] - وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (٥): وَلَمْ يَسْجُدْ حَتى يَقَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ. [ضعيف] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ) هوَ بفتحِ العينِ المهملةِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، قالَ الأزهريُّ (٦):

стр. 668

[هو] (١) ما بينَ زوالِ الشمسِ وغروبها، وقدْ عيَّنَها أبو هريرةَ في روايةٍ لمسلمٍ أنَّها الظهرُ، وفي أُخرى أنَّها العصرُ ويأتي. وقدْ جمعَ بينَهمَا بأنَّها تعددتِ القصةُ، (رَكْعَتَيْنِ [ثُمَّ سَلَّمَ] (٢)، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِي الْقَوْمِ) المصلينَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ فَهَابَا أَنْ يكَلِّمَاهُ) أي: بأنهُ سلَّم على ركعتينِ، (وَخَرَجَ) منَ المسجدِ (سَرَعَانَ النَّاسِ) بفتحِ السينِ المهملةِ وفتحِ الراءِ، هوَ المشهورُ، وُيرَوى بإسكانِ الراءِ همُ المسرعونَ إلى الخروجِ، قيلَ: وبضمِّها، وسكونِ الراءِ، على أنهُ جمعُ سريعٍ كقفيزٍ وقفزانَ. (فَقَالُوا [أَقُصِرَتِ]) (٣) بضمِّ القاف وكسرِ الصادِ (الصَّلَاة)، ورُوِيَ بفتحِ القافِ وضمِّ الصادِ. وكلاهما صحيحٌ، والأولُ أشهرُ. (ورَجُلٌ يَدْعُوهُ) أي: يسميهِ (النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ)، وفي روايةٍ [رجلٌ] (٤) يُقالُ لهُ الخِرباقُ [بنُ عمرو] (٤) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ فباءٍ موحدةٍ آخرَهُ قافٌ، لُقِّبَ ذي اليدينِ لطولٍ كانَ في يديهِ. وفي الصحابةِ رجلٌ آخرَ يقالُ لهُ ذو الشمالينِ وهوَ غيرُ ذي اليدينِ. ووهمَ الزهريُّ فجعلَ ذا اليدينِ وذا الشمالينِ واحدًا. وقدْ بيَّنَ العلماءُ وهْمَهُ (٥) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قصِرَتِ

стр. 669

الصَّلَاة؟) أي: شرعَ اللَّهُ قصرَ الرباعيةِ إلى اثنتينِ (فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تْقْصَرْ)، أي: في ظنِّي (فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتُ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ، ثُمّ كَبّرَ ثمّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَع رَأْسَهُ [فَكَبّرَ] (١)، [ثمّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أطْوَلَ، ثمَّ رَفَع رَأْسَهُ وَكَبّرَ] (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ). فوائد قيمة في حديث ذي اليدين [هذا] (٢) الحديثُ قدْ أطالَ العلماءُ الكلامَ عليهِ، وتعرَّضوا لمباحثَ أصوليةٍ وغيرَها. وأكثرُهمْ استيفاءً لذلكَ القاضي عياضُ، ثمَّ المحققُ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ العمدةِ (٣)، وقدْ وفَّينا المقامَ حقَّهُ في حواشيْها (٤). والمهمُّ هنَا الحكمُ الفرعيُّ المأخوذُ منهُ، وهوَ أن الحديثَ دليلٌ على أن نيةَ الخروجِ منَ الصلاةِ وقطعِها إذا كانتْ بناءً على ظنِّ التمامِ لا يوجبُ بطلانَها، ولو سلَّمَ التسليمتينِ، وأنَّ كلامَ الناسي لا يبطلُ الصلاةَ، وكذا كلامُ مَنْ ظنَّ التمامَ. وبهذَا قالَ جمهورُ العلماءِ منَ السلفِ والخلفِ، وهوَ قولُ ابن عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، وأخيْهِ عروةَ، وعطاءٍ، والحسنِ وغيرهِم. وقالَ بهِ الشافعيُّ، وأحمدُ، وجميعُ أئمةِ الحديثِ. وقالَ بهِ الناصرُ منْ أئمةِ الآلِ. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: التكلُّمُ في الصلاةِ ناسيًا أو جاهلًا يبطلُها مستدلينَ بحديثِ ابن مسعودٍ (٥)، و [حديثِ] (٦) زيدِ بن أرقمٍ (٧) في النَّهي عن التكلمِ في الصلاةِ، وقالُوا: هما ناسخانِ لهذا الحديثِ. وأجيبَ بأنَّ حديثَ ابن مسعودٍ كانَ بمكةَ متقدِّمًا على حديث البابِ بأعوامٍ، والمتقدمُ لا ينسخُ المتأخرَ، وبأنَّ حديثَ زيدِ بن أرقمٍ، وحديثَ ابن مسعودٍ [أيضًا] (٨) عمومانِ، وهذا الحديثُ خاصٌّ بمنْ تكلَّمَ ظانًّا لتمامِ صلاتهِ، فَيُخَصُّ بهِ [الحديثانِ المذكورانِ] (٩)، فتجتمعُ الأدلةُ منْ غيرِ إبطالٍ لشيءٍ منْها. ويدلُّ الحديثُ أيضًا

стр. 670

[على] (١) أن الكلامَ عمدًا لإصلاحِ الصلاةِ لا يبطلُها كما في كلامِ ذي اليدينِ. وقولُهُ: "فقالُوا" يريدُ الصحابةُ: "نعم" كما في روايةٍ تأتي، فإنهُ كلامٌ عَمْدٌ لإصلاحِ الصلاةِ. وقدْ رُوِيَ عنْ مالكٍ أنَّ الإِمامَ إذَا تَكَلَّمَ بما تكلَّمَ بهِ النبيُّ ﷺ منَ الاستفسار والسؤالِ عندَ الشكِّ وإجابةِ المأمومِ: أنَّ الصلاةَ لا تفسدُ. وقدْ أجيبَ بأنهُ ﷺ تكلَّمَ معتقدًا للتمامِ، وتكلَّمَ الصحابةُ معتقدينَ للنسخ، وظنُّوا حينئذٍ التمامَ. قلتُ: ولا يخفى أنَّ الجزمَ باعتقادِهم التمامَ محلُّ نظرٍ بلْ فيهمْ مترددٌ بينَ القصرِ والنسيانِ، وهوَ ذو اليدينِ. (نعمْ) سرعانُ الناسِ اعتقدُوا القصرَ ولا يلزمُ اعتقادُ الجميعِ، ولا يخفى أنهُ لا عذرَ عن العملِ بالحديثِ لمنْ يتفقُ لهُ مثلُ ذلكَ، وما أحسنَ كلامَ صاحبِ المنارِ؛ فإنهُ ذكرَ كلامَ [الهادوية ودعواهم] (٢) نسخَهُ كما ذكرناهُ ثمَّ ردَّهُ بما رددناهُ ثمَّ قالَ: وأنا [أقولُ] (٣): أرجو اللَّهَ للعبدِ إذا لَقَيَ اللَّهَ عاملًا لذلكَ أن يثبتَهُ في الجوابِ بقولهِ صحَّ لي ذلكَ عنْ رسولِكَ، ولمْ أجدْ ما يمنعُهُ، وأنْ ينجوَ بذلكَ، ويثابَ على العملِ بهِ، وأخافُ على المتكلفينَ وعلى المجبرينَ على الخروجِ منَ الصلاةِ للاستئنافِ، فإنهُ ليسَ بأحوطَ كما تَرَى، لأنَّ الخروجَ بغيرِ دليلٍ ممنوعٌ، وإبطالٌ للعملِ. وفي الحديثِ دليلٌ على أن الأفعالَ الكثيرةَ التي ليستْ منْ جنسِ الصلاةِ إذا وقعتْ سهوًا، أو معَ ظنِّ التمامِ لا تفسدُ بها الصلاةُ؛ فإنَّ في روايةٍ أنهُ ﷺ خرجَ إلى منزلهِ، وفي أخرى يجرُّ رداءَهُ مغضبًا. وكذلكَ خروجُ سرعانِ الناسِ؛ فإنَّها أفعالُ كثيرةٌ قطعًا. وقد ذهبَ إلى هذا الشافعيِّ. وفيهِ دليلٌ على صحةِ البناءِ على الصلاةِ بعدَ السلامِ [سهوًا أو ظنًا للتمامِ، والجمهور عليه. وفيه دليل على صحة البناءِ على الصلاة] (٤) وإنْ طالَ زمنُ الفصلِ بينهمَا. وقدْ رُويَ هذا عن ربيعةَ ونسبَ إلى مالكٍ وليسَ بمشهورٍ عنهُ، ومنَ العلماءِ مَنْ قَالَ: يختصُّ جوازُ البناءِ إذا كانَ الفصلُ بزمنٍ قريبٍ. وقيلَ: بمقدارِ ركعةٍ، وقيلَ: بمقدارِ الصلاةِ. ويدلُّ أيضًا [على أن] (٥) سجودَ السهوِ [بعد السلام خلاف الحديث الأول، ويأتي فيه

стр. 671

الكلام. ويدل أنه يجيز سجود السهو] (١) وجوبًا لحديثِ: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٢). ويدلُّ أيضًا على أن سجودَ السهوِ لا يتعددُ بتعدُّدِ أسبابِ السهوِ. وأما تعيينُ الصلاةِ التي اتفقتْ فيها القصةُ، [فيدلُّ لهُ] (٣) قولُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (صَلَاةَ الْعَصْرِ) عِوَضًا عنْ قولهِ في الروايةِ الأُولَى إحدى صلاتي العَشِيِّ، (وَلأَبي دَاوُدَ) أي: مِنْ حديثهِ أيضًا (فَقَالَ) أي: النبيُّ ﷺ (أَصَدَقَ ذُو اليَدْينِ؟ فَأَوْمَأوا أيْ نَعَمْ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا). قلت: وهيَ [في] (٤) روايةٍ لأبي داودَ بلفظِ: "فقالَ الناسُ نعمْ"، وقالَ أبو داودَ: إنهُ لمْ يذكرْ فأومأوا إلَّا حمادُ بنُ زيدٍ (وفي روايةٍ لهُ) أي لأبي داودَ منْ حديثِ أبي هريرةَ: (وَلَمْ يَسْجُدْ حَتى يَقَّنَه اللَّهُ ذَلِكَ). ولفظُ أبي داودَ: "ولمْ يسجدُ سجدتيْ السهوِ حتَّى يقَّنهُ اللَّهُ ذلكَ". أي: صيرَ تسليمَهُ على ثنتينِ يقينًا عندهُ إما بوحيٍ أو تذكرٍ حصلَ لهُ اليقينُ [بهِ] (٥)، واللَّهُ أعلمُ ما مستندُ أبي هريرةَ في [هذا] (٦). هل للسهو تشهُّد ٣/ ٣١٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧)، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ (٨)، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ (٩). [شاذ] (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،

стр. 672

ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ) في سياقِ حديثِ السننِ أن هذا السهوَ [هو] (١) سهوُهُ ﷺ الذي في خبرِ ذي اليدينِ، فإنَّ فيهِ بعدَ أنْ ساقَ حديثَ أبي هريرةَ مثلَ ما سلفَ منْ سياقِ الصحيحينِ إلى قولهِ: ثمَّ رفعَ وكبَّرَ ما لفظهُ: "فقيلَ لمحمدٍ [أي] (٢) ابن سيرينَ [الراوي] (٣) سلَّمَ في السهوِ فقالَ: لمْ أحفظْهُ منْ أبي هريرةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أن عمرانَ بنَ الحصينِ قالَ: ثمَّ سلَّمَ". وفي السننِ أيضًا (٤) منْ حديثِ عمران بن الحُصَيْنِ: "قالَ: سلَّمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في ثلاثِ ركعاتٍ منَ العصرِ، ثمَّ دخلَ، فقامَ إليهِ رجلٌ يقالُ لهُ الخرباقُ كانَ طويلَ اليدينِ - إلى قولهِ - فقالَ: أَصَدَقَ؟ فقالُوا: نعمْ، فصلَّى تلكَ الركعةَ، [ثم سلم] (٥)، ثم سجدَ سجدتيْها، ثمَّ سلَّمَ" انتهَى. ويحتملُ أنَّها تعددتِ القصةُ. وفي الحديثِ دليلٌ أنهُ [سجد] (٦) عقيبَ الصلاةِ كما تدلُّ لهُ الفاءُ، وفيهِ تصريحٌ بالتشهدِ. قيلَ: ولمْ يقلْ أحدٌ بوجوبهِ. ولفظُ تَشهَّدَ يدلُّ أنهُ أَتَى بالشهادتينِ، وبهِ قالَ بعضُ العلماءِ. وقيلَ يكفي التشهدُ الأوسطُ، واللفظُ في الأولِ أظهرُ، وفيهِ دليلٌ على شرعيةِ التسليمِ كما تدلُّ لهُ روايةُ عمرانَ بن الحصينِ التي ذكرنَاها لا الروايةُ التي أتى بها المصنفُ، فإنّها ليستْ بصريحةٍ أن التسليمَ كانَ لسجدتي السهوِ، [فإنَّها تحتملُ] (٧) أنهُ لم يكنْ ﷺ سلَّمَ للصلاةِ، وأنهُ سجدَ [لهما] (٨) قبلَ السلامِ، ثمَّ سلَّمَ تسليمَ الصلاةِ. الشاك في الصلاة يبني على اليقين ويسجد للسهو ٤/ ٣١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرْح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ

стр. 673

عَلَى مَا اسْتَيقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يسَلِّمَ؛ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) في رباعيةِ (شَفَعْنَ) أي السجدتانِ (صَلَاتَهُ) صيَّرنَها شفعًا؛ لأنَّ السجدتينِ قامتا مقامَ ركعةٍ، وكأنَّ المطلوبَ منَ الرباعيةِ الشفعُ، وإنْ زادتْ على الأربعِ (وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كانتا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ) أي: إلصاقًا لأنفهِ بالرُّغامِ. والرُّغامُ بزنةِ غُرابٍ الترابُ، وإلصاقُ الأنفِ بهِ في قولِهمْ: رَغِمَ أَنفُهُ كنايةً عنْ [إذلاله] (٢) وإهانتهِ، والمرادُ إهانةُ الشيطانِ حيثُ لبَسَ عليهِ صلاتَهُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ [فيه دلالةٌ] (٣) على أن الشاكَ في صلاتهِ يجبُ عليهِ البناءُ على اليقينِ عندَهُ، ويجبُ عليهِ أنْ يسجدَ سجدتين، وإلى هذا ذهبَ [جماهيرُ] (٤) العلماءِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ. و [ذهبت] (٥) الهادويةُ وجماعةٌ منَ التابعينَ إلى وجوبِ الإعادةِ عليهِ حتى يستيقن، وقال بعضُهم: يعيدُ ثلاثَ مراتٍ؛ فإذا شكَ في الرابعةِ فلا إعادةَ عليه. والحديثُ معَ الأوَّلَيْنِ. والحديثُ ظاهرٌ في أن هذا حكمُ الشاكِّ مطلقًا مبتدأُ كانَ أو مبتلَى، وفرَّقَ الهادويةُ [بينهم] (٦) فقالُوا في الأولِ يجبُ عليهِ الإعادةُ، وفي الثاني يتحرَّى بالنظرِ في الأماراتِ، فإنْ حصلَ له ظنُّ التمامَ أوِ النقصَ عملَ بهِ، وإنْ كانَ النظرُ في الأماراتِ لا يحصلُ لهُ بحسبِ العادةِ شيئًا فإنهُ يبني على الأقلِّ كما في هذا الحديثِ، وإنْ كانَ عادتُه أن يفيدَه النظرُ الظنَّ ولكنهُ لم يفدْه في هذهِ الحالةِ وجبَ عليه [أيضًا] (٧) الإعادةُ، وهذا التفصيلُ يردُّ عليهِ هذا الحديثُ الصحيحُ، ويردَّ عليهِ

стр. 674

أيضًا حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ عندَ أحمدَ (١) قالَ: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلمْ يدرِ واحدةً صلَّى أو اثنتينِ، فليجعلْها واحدةً، وإذا لمْ يدرِ ثنتينِ صلَّى أم ثلاثًا فليجعلْها ثنتينِ، وإذا لمْ يدرِ ثلاثًا صلَّى أو أربعًا فليجعلْها ثلاثًا، ثمَّ يسجدُ إذا فرغَ منْ صلاتهِ وهوَ جالسٌ قبلَ أنْ يُسلِّمَ سجدتينِ". قيام الإمام إلى الخامسة لا يفسد صلاة المؤتم ٥/ ٣١٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيء؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمّ سَلَّمَ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شيءٌ أَنبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَين"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) [صحيح] - وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "فَليُتِمّ ثَمّ يُسَلِّمْ ثُمّ يَسْجُد". [صحيح] - وَلمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتي السّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ. [صحيح]

стр. 675

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: إحدَى الرباعياتِ خمسًا، وفي روايةٍ أنهُ قالَ إبراهيمُ النخعيُّ: "زادَ أو نقصَ"، (فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا، فَثَنى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمّ سَلَّمَ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ [أَنْبَأتُكُمْ] (١) بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) في البشريةِ، وبَيَّنَ وجهَ المثليةِ بقولهِ (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ؛ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني؛ وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِه) هلْ زادَ أو نقصَ (فَلْيَتَحَرَّ الصوابَ) بأنْ يعملَ بظنهِ منْ غيرِ تفْرقَةٍ بينَ الشكِّ في ركعةٍ أوْ ركنٍ. وقدْ فسَّرهُ حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ الذي قدمنَاهُ، (فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْن. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). ظاهرُ الحديثُ أنَّهم تابعوهُ ﷺ على الزيادةِ، ففيهِ دليلٌ على أن متابعةَ المؤتمِّ للإمامِ فيما ظنهُ واجب لا يفسدُ صلاتَهُ؛ فإنهُ ﷺ لمْ يأمرْهمْ بالإعادةِ. وهذا في حقِّ [أصحابه] (٢) في مثلِ هذهِ الصورةِ لتجويزهمْ التغييرَ في عصرِ النبوةِ، فأمَّا لو اتفقَ الآنَ قيامُ الإمامِ إلى الخامسةِ سبَّحَ لهُ مَنْ خَلْفَهُ، فإنْ لم يقعدْ انتظروهُ قعودًا حتى يتشهدُوا بتشهدِهِ، ويسملِّمُوا بتسليمهِ، فإنَّها لم تفسدْ عليهِ حتَّى يقالَ يعزلونَ بلْ فعلَ ما هوَ واجبٌ في حقِّهِ. وفي هذا دليلٌ على أن محلَّ سجودِ السهو بعدَ السلامِ، إلَّا أنهُ [قدْ] (٢) يقالُ إنهُ ﷺ ما عرفَ سهوَهُ في الصلاةِ إلَّا بعدَ أنْ سلَّمَ منْها، فلا يكونُ دليلًا. وقدِ اختلفتِ الأحاديثُ في محلِّ سجودِ السهوِ واختلفتْ بسببِ ذلكَ أقوالُ الأئمةِ، قالَ بعضُ أئمةِ الحديثِ: أحاديثُ باب سجودِ السهوِ [قدْ] (٣) تعدَّدتْ، (منْها) حديثُ أبي هريرةَ (٤) فيمنْ شكَّ [فلمْ] (٥) يَدْرِ كَمْ صَلَّى، وفيهِ الأمرُ أنْ يسجدَ سجدتينِ، ولمْ يذكرُ موضعَهما، وهوَ حديثٌ أخرجهُ الجماعةُ، ولمْ يذكرُوا فيهِ محلَّ السجدتينِ، هلْ قبلَ السلامِ أو بعدَهُ. نعمْ عندَ أبي داودَ (٦)، وابنِ ماجَه (٧)، فيهِ زيادةٌ: "قبلَ

стр. 676

أنْ يسلِّم". وحديثُ أبي سعيدٍ (١) مَنْ شكَّ وفيهِ" [أنه] (٢) يسجدُ سجدتينِ قبلَ [التسليمِ] (٣) "، وحديثُ أبي هريرةَ (٤) وفيهِ القيامُ إلى الخشبةِ، وأنهُ سجدَ بعدَ السلامِ، وحديثُ ابن بحينةَ (٥)؛ وفيهِ السجودُ قبلَ السلامِ، ولما وردتْ هكذا اختلفتْ آراءُ العلماءِ في الأخذِ بها، فقالَ داودُ: تستعملُ في مواضعِها على ما جاءتْ بهِ ولا يقاسُ عليها، ومثلُه قالَ أحمدُ في هذه الصلاةِ خاصةً، [وخالفَ] (٦) فيما سواها، فقالَ: يسجدُ قبلَ السلامِ لكلِّ سهوٍ. وقالَ آخرونَ: هوَ مخيرٌ في كلِّ سهوٍ إنْ شاءَ سجدَ بعدَ السلامِ وإنْ شاءَ قبلَ السلامِ في الزيادةِ والنقصِ. وقالَ مالكٌ: إنْ كانَ السجودُ لزيادةٍ سجدَ بعدَ السلامِ، وإنْ كانَ لنقصانٍ سجدَ قبلَه. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: الأصلُ في سجودِ السهوِ بعدَ السلامِ، وتأولُوا الأحاديثَ الواردةَ في السجودِ قبلَه [وستأتي أدلتَهم] (٧). وقالَ الشافعيُّ: الأصلُ السجودُ قبلَ السلامِ، وردَّ ما خالفَهُ منَ الأحاديث بادعائهِ نسخَ السجودِ بعدَ السلامِ. ورُويَ عن الزهريِّ (٨) قالَ: "سجدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سجدتيْ السهوِ قبلَ السلامِ وبعدَهُ، وآخرُ الأمرينِ قبلَ السلام. وأيَّدَهُ بروايةِ معاويةَ (٩): "أنهُ ﷺ سجدَهَما قبلَ السلامِ"، وصحبتهُ متأخرةٌ. وذهبَ إلى مثلِ قولِ الشافعيِّ أبو هريرةَ، ومكحولٌ، والزهريُّ، وغيرُهم. قالَ في الشرحِ: وطريقُ الإنصافِ أن الأحاديثَ الواردةَ في ذلكَ قولًا وفعلًا فيها نوعُ تعارضٍ. وتقدُّمُ بعضِها، وتأخرُ

стр. 677

البعضِ غيرُ ثابتٍ برواية صحيحةٍ موصولةٍ، حتَّى يستقيمَ القولُ بالنسخِ، فالأَوْلى الحملُ على التوسيعِ في جوازِ الأمرينِ. ومنْ أدلةِ الهادويةُ والحنفيةُ روايةُ البخاريِّ التي أفادَها [قَولُهُ] (١): (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أي: من حديث ابن مسعودٍ: (فَليُتِمّ، ثمّ يُسَلِّمْ، ثُمّ يَسْجُدْ) ما يدلُّ على أنهُ بعدَ السلامِ، وكذلكَ روايةُ مسلمٍ التي أفادَها [قولُهُ] (١): (وَلِمُسْلمٍ) أي: منْ حديثِ ابن مسعودٍ: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتي السّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ) منَ الصلاةِ (وَالْكَلَامِ) أي: الذي خوطبَ بهِ وأجابَ عنهُ بما أفادهُ اللفظُ الأولُ. ويدلُّ لهُ أيضًا: ٦/ ٣١٨ - وَلأَحْمَدَ (٢)، وَأَبي دَاوُدَ (٣)، وَالنَّسَائِيِّ (٤)، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا: "مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ"، وَصَحّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (٥). [ضعيف] (وَلأَحْمَدَ، وَأَبي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ مَرْفوعًا: مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يسَلِّمُ. وَصَحّحَة ابْن خزَيْمَةَ)؛ فهذهِ أدلةُ مَنْ يقولُ إنهُ يسجدُ بعدَ السلامِ مطلقًا، ولكنهُ قدْ عارضَها ما عرفتَ. فالقولُ بالتخييرِ أقربُ الطرقِ إلى الجمعِ بينَ الأحاديثِ كما عرفتَ. قالَ الحافظُ أبو بكرٍ البيهقيِّ: رُوِّينَا [عن النبيِّ] (٦) ﷺ [أنه] (٧) سجدَ للسهوِ قبلَ السلامِ، وأنهُ أمرَ بذلكَ. ورُوِّينَا أنهُ سجدَ بعدَ السلامِ، وأنهُ أمرَ [بهِ] (٨). وكلاهُما صحيحٌ ولهما شواهدُ يطولُ بذكرِهَا الكلامُ ثمَّ قالَ: الأشبهُ بالصوابِ جوازُ الأمرينِ جميعًا. قالَ: وهذا مذهبُ كثيرٍ منْ أصحابنَا.

стр. 678

ماذا يصنع من قام للثالثة بدون تشهد ٧/ ٣١٩ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَينِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنُ لَمْ يَسْتِتِمَّ قَائمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَالدَّارَقُطْنيُّ (٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ، بِسَنَدٍ ضعِيفٍ. [صحيح لغيره] (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلْيَمْضِ)، ولا يعودُ للتشهدِ الأولِ، (وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ)، لمْ يذكرْ محلَّهمَا؛ (فَإِنَّ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ) ليأتي بالتشهدِ الأولِ، (وَلَا سَهْوَ عَلَيهِ. رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، وَابْن مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ). وذلكَ أن مدارَهُ في جميعِ طرقِهِ على جابرٍ الجعْفيِّ، وهوَ ضعيفٌ. وقدْ قالَ أبو داودَ (٤): ليسَ في كتابي عنْ جابرٍ الجعْفيِّ غيرُ هذا الحديثِ. وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ لا يسجدُ للسهوِ إلَّا لفواتِ التشهدِ الأولِ، لا لفعلِ القيامِ، لقولهِ: "ولا سهوَ عليهِ". وقدْ ذهبَ إلى هذا جماعةٌ، وذهبتِ الهادويةُ، وابنُ حنبلٍ إلى أنهُ يسجدُ للسهوِ لما أخرجهُ البيهقيُّ (٥) منْ حديثِ أنسٍ: "أنهُ تحركَ للقيامِ منَ الركعتينِ الأُخريينِ منَ العصرِ على جهةِ السهوِ، فسبَّحُوا فقعدَ، ثمَّ سجدَ للسهوِ"، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (٦). والكلُّ منْ فعلِ أنسٍ موقوفٌ عليهِ، إلَّا أنَّ في بعضِ طُرقِهِ أنهُ قالَ: "هذهِ السنةُ". وقدْ رُجِّحَ حديثُ المغيرةِ عليهِ لكونهِ مرفوعًا، ولأنهُ يؤيدُهُ حديثُ ابن

стр. 679

عمرَ مرفوعًا: "لا سهوَ إلا في قيام عنْ جلوسٍ، أوْ جلوسٍ عنْ قيامٍ"، أخرجهُ الدارقطنيُّ (١)، والحاكمُ (٢)، والبيهقيُّ (٣)، وفيهِ ضعفٌ. ولكنْ يؤيدُ ذلكَ أنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الفعلِ القليلِ، وأفعالٍ صدرتْ منهُ ﷺ ، ومنْ غيرهِ معَ علمهِ بذلكَ، ولمْ يأمرْ فيها بسجودِ السهوِ، ولا سجدَ لما صدرَ عنهُ منْها. قلتُ: وأخرجَ النسائيُّ (٤) مِنْ حديث ابن بُحَيْنَةَ "أنهُ ﷺ صلَّى فقامَ في الركعتينِ، فسبَّحوا لهُ فمضَى، فلما فرغَ منْ صلاتهِ سجدَ سجدتينِ، ثمَّ سلَّمَ"، وأخرجَ أحمدُ (٥)، والترمذيُّ (٦)، وصححهُ منْ حديثِ زيادِ بن علاقةَ قالَ: "صلَّى بنَا المغيرةُ بنُ شعبةَ، فلمَّا صلَّى ركعتينِ قامَ ولمْ يجلسْ، فسبَّحَ لهُ مَنْ خَلَفهُ، فأشارَ إليهمْ أن قومُوْا، فلمَّا فرغَ مِنْ صلاتِهِ سلَّمَ ثمَّ سجدَ سجدتينِ، وسلَّمَ، ثمَّ قالَ: هكذا صنعَ بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ ". إلَّا أن هذهِ فيمَنْ مضَى بعدَ أنْ [يسبِّحُوا] (٧) لهُ، فيحتملُ أنهُ سجدَ لتركِ التشهدِ، وهوَ الظاهرُ. ليس على من خلف الإمام سهو ٨/ ٣٢٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ (٨)، وَالْبَيْهَقيُّ (٩) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ: فَإِنْ سَهَا

стр. 680

الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ. رَوَاهُ [التِّرْمِذِيُّ] (١)، وَالْبَيْهَقيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، وأخرجه الدارقطنيُّ (٢) في السننِ [بلفظٍ آخرَ] (٣)، وفيهِ زيادةٌ: "وإنْ سَهَا مَنْ خَلْفَ الإمامِ، [فليسَ] (٤) عليهِ سهوٌ والإمامُ كافيهِ"، والكلُّ منَ الرواياتِ فيها خارجةُ بنُ مصعبٍ ضعيفٌ (٥). وفي البابِ عن ابن عباسٍ (٦) إلَّا أن فيهِ متْروكًا. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ على المؤتمِّ سجودُ السهوِ إذا سَهَا في صلاتِهِ، وإنَّما يجبُ عليهِ إذا سَهَا الإمامُ فقط، وإلى هذَا ذهبَ زيدُ بن عليٍّ، والناصرُ، والحنفيةُ، والشافعيةُ. وذهبَ الهادي إلى أنهُ يسجدُ للسهوِ لعمومِ [أدلةِ] (٧) [سجود السهوِ] (٨) للإمامِ والمنفردِ والمؤتمِّ. والجوابُ أنهُ لو ثبتَ هذا الحديثُ لكانَ مخصَّصًا لعموماتِ أدلةِ سجودِ السَّهوِ، ومعَ عدمِ ثبوتِهِ، فالقولُ قولُ الهادي (٩). هل يُكتفى بسجودٍ واحد إذا تكرر السهو ٩/ ٣٢١ - وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لِكلِ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١٠)، وَابْنُ مَاجَهْ (١١) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [حسن لغيره]

стр. 681

(وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِكلِّ سَهْوِ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ) قالُوا: لأنَّ في إسنادهِ إسماعيلَ بنَ عياشٍ، وفيهِ مقالٌ وخلافٌ. قالَ البخاريُّ (١): إذا حدَّثَ عنْ أهلِ بلدِهِ يعني الشاميينَ فصحيحٌ، وهذا الحديثُ منْ روايتِهِ عن الشاميينَ، فتضعيفُ الحديثِ بهِ فيهِ نظرٌ. والحديثُ دليلٌ لمسألتينِ، (الأُولى): أنهُ إذا تعددَ المقتضِي لسجودِ السهوِ تعددَ لكلِّ سهوٍ سجدتانِ، وقدْ حُكِي عن ابن أبي ليلَى. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يتعددُ السجودُ وإنْ تعددَ موجبُهُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ في حديثِ ذي اليدينِ سلَّمَ وتكلَّمَ ومشَى ناسيًا ولم يسجدْ إلا سجدتينِ، ولئنْ قيلَ، إنَّ القولَ أَوْلى بالعملِ بهِ منَ الفعلِ، فالجوابُ أنهُ لا دلالةَ فيهِ على تعددِ السجودِ لتعددِ مقتضيْهِ، بلْ هوَ للعمومِ لكلِّ ساهٍ؛ فيفيدُ الحديثُ أن كلَّ مَنْ سَهَا في صلاتهِ بأيِّ سهْوٍ كان يشرعُ لهُ سجدتانِ، ولا يختصانِ بالمواضعِ التي [سَهَا فيها] (٢) النبيُّ ﷺ ، ولا بالأنواعِ التي سَهَا بها. والحملُ على هذا المعنَى أَوْلَى مِنْ حملِهِ على المعنَى الأولِ، وإنْ كانَ هوَ الظاهرُ فيهِ، جمعًا بينَه وبينَ حديثِ ذي اليدينِ، على أن لكَ أنْ تقولَ: إنَّ حديثَ ذي اليدينِ لمْ يقعْ فيهِ السهوُ المذكورُ حالَ الصلاةِ؛ فإنهُ محلُّ النزاعِ فلا يعارضُ حديثُ [البابِ] (٣). (والمسألةُ الثانيةُ) يحتجُّ بهِ مَنْ يرى سجودَ السهوِ بعدَ السلامِ. وتقدمَ فيهِ تحقيقُ الكلامِ (٤). حكم سجود التلاوة ومواضعه ١٠/ ٣٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في

стр. 682

﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (١)، وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (٢)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هذا منْ أحاديثِ سجودِ التلاوةِ، وهوَ داخلٌ في ترجمةِ المصنفِ الماضيةِ كما عرفتَ حيثُ قالَ: بابُ سجودِ السهوِ وغيرِهِ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ سجودِ التلاوةِ. وقدْ أجمعَ على ذلكَ العلماءُ، وإنَّما اختلفُوا في الوجوبِ، وفي مواضعِ السجودِ، فالجمهورُ [على] (٤) أنهُ سنةٌ. وقالَ أبو حنيفةَ: واجبٌ غيرُ فرضٍ، ثمَّ هوَ سنةٌ في حقِّ التالي والمستمعِ [إنْ] (٥) سجدَ التالي. وقيلَ: وإنْ لم يسجدْ، [وأما] (٦) مواضعُ السجودِ فقالَ الشافعيُّ: يسجدُ فيما عدا المفصلِ (٧)، فيكونُ أحدَ عشرَ موضِعًا. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ في أربعةَ عشرَ محلًا، إلَّا أنَّ الحنفيةَ لا يعدُّونَ في الحجِ إلَّا سجدةً، واعتبروا بسجدةِ سورةِ ﴿ص﴾، والهادويةُ عكسُوا ذلكَ كما ذَكَرَ [ذلك] (٨) - المهدي [في البحرِ] (٩). وقالَ أحمدُ وجماعةٌ: يسجدُ في [خمسةَ] (١٠) عشر موضعًا عدُّوا سجدتي الحجِّ وسجدةَ ﴿ص﴾.

стр. 683

هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة واختلفوا أيضًا هلْ يشترطُ فيها ما يشترطُ في الصلاةِ منَ الطهارةِ وغيرِها؟ فاشترطَ ذلكَ جماعةٌ، وقالَ قومٌ: لا يشترطُ. وقالَ البخاريُّ (١): كانَ ابنُ عمرَ يسجدُ على غيرِ وضوءٍ. وفي مسندِ ابن أبي شيبةَ (٢): "كانَ ابنُ عمرَ ينزلُ عنْ راحلتهِ فيهريقُ الماءَ، ثمَّ يركبُ فيقرأُ السجدةَ فيسجدُ وما يتوضأُ". ووافقَهُ الشعبيُّ على ذلكَ. ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ لا يسجدُ الرجلُ إلَّا وهوَ طاهرٌ. وجمعَ بينَ قولهِ وفعلهِ [بحمله] (٣) على الطهارةِ منَ الحدثِ الأكبرِ. قلتُ: والأصلُ أنهُ لا يشترِطُ الطهارةَ إلَّا بدليلٍ، وأدلةُ وجوبِ الطهارةِ وردتْ للصلاةِ، والسجدةُ لا تُسَمَّى صلاةً، فالدليلُ علَى مَنْ شَرطَ ذلكَ. وكذلكَ أوقاتُ الكراهةِ وردَ النهيُ عن الصلاةِ فيها فلا تشملِ السجدةِ الفرْدَةَ. وهذا الحديثُ دلَّ على السجودِ للتلاوةِ في المفصَّلِ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ. ثمَّ رأيتُ لابنِ حزم كلامًا في شرحِ المحلَّى (٤) لفظُهُ: (السجودُ في قراءةِ القرآنِ ليسَ [ركعةً أوْ] (٥) ركعتينِ فليسَ صلاةً، وإذا كانَ ليسَ صلاةً فهوَ جائزٌ بلا وضوءٍ، وللجنب والحائضِ، وإلى غيرِ القبلةِ كسائرِ الذِّكرِ، ولا فرقَ إذْ لا يلزمُ الوضوءُ إلَّا للصلاةِ، ولمْ يأتِ بإيجابهِ لغيرِ الصلاةِ قرآن، ولا سنةٌ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ؛ فإنْ قيلَ: السجودُ منَ الصلاةِ، وبعضُ الصلاةِ صلاةٌ، قُلْنَا: والتكبيرُ بعضُ الصلاةِ، [وقراءة القرآن بعض الصلاة] (٦)، والجلوسُ والقيامُ والسلامُ بعضُ الصلاةِ، فهلْ [يلتزمونَ] (٧) أنْ لا يفعلَ أحدٌ شيئًا منْ هذهِ الأفعالِ والأقوال إلَّا وهوَ على وضوءٍ، هذا لا يقولونَهُ ولا يقولهُ أحدٌ)، انتهَى [بتلخيص] (٨). سجد ﷺ في ﴿ص﴾ ١١/ ٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ

стр. 684

السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاه الْبُخَارِيُّ) أي: ليستْ مما وردَ في السجودِ فيها أمرٌ، ولا تحريضٌ، ولا تخصيصٌ، ولا حثٌ، وإنَّما وردَ بصيغةِ الإخبارِ عنْ داودَ ﵇ بأنهُ فعلَها وسجدَ نبيُّنا ﷺ فيها اقتداءً بهِ لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢). وفيهِ [دلالةٌ] (٣) على أن المسنوناتِ قدْ يكونُ بعضُها آكدَ منْ بعضٍ. وقدْ [وردَ أنهُ] (٤) قالَ ﷺ : "سجدَهَا داودُ توبةً، وسجدْناها شكرًا" (٥). ورَوَى ابنُ المنذرِ وغيرُه (٦) بإسناد حسنٍ عنْ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇: "أن العزائمَ ﴿حم﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ و ﴿الم (١) تَنْزِيلًا﴾، وكذَا ثبتَ عن ابن عباسٍ في الثلاثةِ الأُخَرِ، وقيلَ: الأعرافُ و ﴿سُبْحَانَكَ﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿الم﴾، أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٧). سجد ﷺ النجم ١٢/ ٣٢٤ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٨). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي: ابن عباسٍ (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، هوَ دليلٌ على السجودِ في المفصَّلِ، كما أن الحديثَ الأولَ دليلٌ على ذلكَ، وقدْ خالفَ فيهِ مالكٌ، وقالَ: لا سجودَ [لتلاوةٍ] (٩) في المفصَّلِ. وقد قدَّمنَا لكَ الخلافَ في أولِ المفصَّلِ [أي في أول سورة منه خلاف كبير كما في الإتقانِ وغيره] (١٠) محتجًا بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ لمْ يسجدْ في شيء منَ المفصَّلِ منذُ

стр. 685

تحوَّلَ إلى المدينةِ"، أخرجهُ أبو داودَ (١)، وهوَ ضعيفُ الإسنادِ؛ فيهِ أبو قدامةَ، واسمهُ الحارثُ بنُ عبيدِ اللَّهِ إياديٌّ بصريٌّ، ولا يُحْتَجَّ بحديثهِ كما قالَ الحافظُ المنذريُّ في مختصرِ السننِ (٢)، ومحتجًا أيضًا بقولِهِ: ١٣/ ٣٢٥ - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَاتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَتُ عَلَى النَّبيِّ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مَتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وزيدُ بنُ ثابتٍ منْ أهلِ المدينةِ، وقراءتهُ بها كانتْ في المدينةِ. قالَ مالكٌ فأيَّدَ حديثَ ابن عباسٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ تركَ السجودَ تارةً، وفعلَه تارةً، دليلُ السنيةِ أو لمانعٍ عارَضَ ذلكَ، ومعَ ثبوتِ حديثِ زيدٍ فهوَ نافٍ، وحديثُ غيرِه وهوَ ابنُ عباسٍ مثبتٌ، والمثبتُ مقدَّمٌ. في سورة الحج سجدتان ١٤/ ٣٢٦ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ (٤). [إسناده صحيح] ترجمة خالد بن معدان (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁) (٥) بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الدالِ المهملة، [وخالد] (٦) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ خالدُ بنُ معدانَ الشامي الكلاعي بفتحِ

стр. 686

الكافِ، تابعيٌ منْ أهلِ حمصَ. قالَ: لقيتُ سبعينَ رجلًا منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وكانَ منْ ثقاتِ الشاميينَ، ماتَ سنةَ أربعٍ ومائةٍ، وقيلَ [سنة] (١) ثلاثٍ. (قَالَ: فضِّلَتْ سُورَة الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ)، كذا نسبهُ المصنفُ إلى مراسيلِ أبي داودَ، وهوَ موجودٌ في سننةِ (٢) مرفوعًا منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ بلفظِ: "قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، في سورةِ الحجِّ سجدتانِ؟ قالَ: نعمْ ومَنْ لم يسجدْهما فلا يقرأْهُما". فالعجبُ كيفَ نسبهُ المصنفُ إلى المراسيلِ معَ وجودِهِ في سننهِ مرفوعًا، ولكنهُ قدْ وصلَ في: ١٥/ ٣٢٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَالترْمِذِيُّ، (٤) مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ: فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. [صحيح] (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ) أي: الترمذيُّ في روايتهِ: ([فَمَنْ] (٥) لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا) بضمير مفردٍ، أي: السورةَ، أوْ آية السجدةِ. [ويرادُ] (٦) الجنسُ، (وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةٍ (٧). قيلَ: إنهُ [تفرَّدَ] (٨) بهِ، وأيَّدَهُ الحاكمُ (٩) بأنَّ الروايةَ صحَّتْ فيهِ من قولِ عمرَ وابنهِ،
следующие страницы →