← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 682–721 · переход к 687.

стр. 682

﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (١)، وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (٢)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هذا منْ أحاديثِ سجودِ التلاوةِ، وهوَ داخلٌ في ترجمةِ المصنفِ الماضيةِ كما عرفتَ حيثُ قالَ: بابُ سجودِ السهوِ وغيرِهِ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ سجودِ التلاوةِ. وقدْ أجمعَ على ذلكَ العلماءُ، وإنَّما اختلفُوا في الوجوبِ، وفي مواضعِ السجودِ، فالجمهورُ [على] (٤) أنهُ سنةٌ. وقالَ أبو حنيفةَ: واجبٌ غيرُ فرضٍ، ثمَّ هوَ سنةٌ في حقِّ التالي والمستمعِ [إنْ] (٥) سجدَ التالي. وقيلَ: وإنْ لم يسجدْ، [وأما] (٦) مواضعُ السجودِ فقالَ الشافعيُّ: يسجدُ فيما عدا المفصلِ (٧)، فيكونُ أحدَ عشرَ موضِعًا. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ في أربعةَ عشرَ محلًا، إلَّا أنَّ الحنفيةَ لا يعدُّونَ في الحجِ إلَّا سجدةً، واعتبروا بسجدةِ سورةِ ﴿ص﴾، والهادويةُ عكسُوا ذلكَ كما ذَكَرَ [ذلك] (٨) - المهدي [في البحرِ] (٩). وقالَ أحمدُ وجماعةٌ: يسجدُ في [خمسةَ] (١٠) عشر موضعًا عدُّوا سجدتي الحجِّ وسجدةَ ﴿ص﴾.

стр. 683

هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة واختلفوا أيضًا هلْ يشترطُ فيها ما يشترطُ في الصلاةِ منَ الطهارةِ وغيرِها؟ فاشترطَ ذلكَ جماعةٌ، وقالَ قومٌ: لا يشترطُ. وقالَ البخاريُّ (١): كانَ ابنُ عمرَ يسجدُ على غيرِ وضوءٍ. وفي مسندِ ابن أبي شيبةَ (٢): "كانَ ابنُ عمرَ ينزلُ عنْ راحلتهِ فيهريقُ الماءَ، ثمَّ يركبُ فيقرأُ السجدةَ فيسجدُ وما يتوضأُ". ووافقَهُ الشعبيُّ على ذلكَ. ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ لا يسجدُ الرجلُ إلَّا وهوَ طاهرٌ. وجمعَ بينَ قولهِ وفعلهِ [بحمله] (٣) على الطهارةِ منَ الحدثِ الأكبرِ. قلتُ: والأصلُ أنهُ لا يشترِطُ الطهارةَ إلَّا بدليلٍ، وأدلةُ وجوبِ الطهارةِ وردتْ للصلاةِ، والسجدةُ لا تُسَمَّى صلاةً، فالدليلُ علَى مَنْ شَرطَ ذلكَ. وكذلكَ أوقاتُ الكراهةِ وردَ النهيُ عن الصلاةِ فيها فلا تشملِ السجدةِ الفرْدَةَ. وهذا الحديثُ دلَّ على السجودِ للتلاوةِ في المفصَّلِ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ. ثمَّ رأيتُ لابنِ حزم كلامًا في شرحِ المحلَّى (٤) لفظُهُ: (السجودُ في قراءةِ القرآنِ ليسَ [ركعةً أوْ] (٥) ركعتينِ فليسَ صلاةً، وإذا كانَ ليسَ صلاةً فهوَ جائزٌ بلا وضوءٍ، وللجنب والحائضِ، وإلى غيرِ القبلةِ كسائرِ الذِّكرِ، ولا فرقَ إذْ لا يلزمُ الوضوءُ إلَّا للصلاةِ، ولمْ يأتِ بإيجابهِ لغيرِ الصلاةِ قرآن، ولا سنةٌ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ؛ فإنْ قيلَ: السجودُ منَ الصلاةِ، وبعضُ الصلاةِ صلاةٌ، قُلْنَا: والتكبيرُ بعضُ الصلاةِ، [وقراءة القرآن بعض الصلاة] (٦)، والجلوسُ والقيامُ والسلامُ بعضُ الصلاةِ، فهلْ [يلتزمونَ] (٧) أنْ لا يفعلَ أحدٌ شيئًا منْ هذهِ الأفعالِ والأقوال إلَّا وهوَ على وضوءٍ، هذا لا يقولونَهُ ولا يقولهُ أحدٌ)، انتهَى [بتلخيص] (٨). سجد ﷺ في ﴿ص﴾ ١١/ ٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ

стр. 684

السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاه الْبُخَارِيُّ) أي: ليستْ مما وردَ في السجودِ فيها أمرٌ، ولا تحريضٌ، ولا تخصيصٌ، ولا حثٌ، وإنَّما وردَ بصيغةِ الإخبارِ عنْ داودَ ﵇ بأنهُ فعلَها وسجدَ نبيُّنا ﷺ فيها اقتداءً بهِ لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢). وفيهِ [دلالةٌ] (٣) على أن المسنوناتِ قدْ يكونُ بعضُها آكدَ منْ بعضٍ. وقدْ [وردَ أنهُ] (٤) قالَ ﷺ : "سجدَهَا داودُ توبةً، وسجدْناها شكرًا" (٥). ورَوَى ابنُ المنذرِ وغيرُه (٦) بإسناد حسنٍ عنْ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇: "أن العزائمَ ﴿حم﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ و ﴿الم (١) تَنْزِيلًا﴾، وكذَا ثبتَ عن ابن عباسٍ في الثلاثةِ الأُخَرِ، وقيلَ: الأعرافُ و ﴿سُبْحَانَكَ﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿الم﴾، أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٧). سجد ﷺ النجم ١٢/ ٣٢٤ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٨). [صحيح] (وَعَنْهُ) أي: ابن عباسٍ (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، هوَ دليلٌ على السجودِ في المفصَّلِ، كما أن الحديثَ الأولَ دليلٌ على ذلكَ، وقدْ خالفَ فيهِ مالكٌ، وقالَ: لا سجودَ [لتلاوةٍ] (٩) في المفصَّلِ. وقد قدَّمنَا لكَ الخلافَ في أولِ المفصَّلِ [أي في أول سورة منه خلاف كبير كما في الإتقانِ وغيره] (١٠) محتجًا بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ لمْ يسجدْ في شيء منَ المفصَّلِ منذُ

стр. 685

تحوَّلَ إلى المدينةِ"، أخرجهُ أبو داودَ (١)، وهوَ ضعيفُ الإسنادِ؛ فيهِ أبو قدامةَ، واسمهُ الحارثُ بنُ عبيدِ اللَّهِ إياديٌّ بصريٌّ، ولا يُحْتَجَّ بحديثهِ كما قالَ الحافظُ المنذريُّ في مختصرِ السننِ (٢)، ومحتجًا أيضًا بقولِهِ: ١٣/ ٣٢٥ - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَاتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأَتُ عَلَى النَّبيِّ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مَتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وزيدُ بنُ ثابتٍ منْ أهلِ المدينةِ، وقراءتهُ بها كانتْ في المدينةِ. قالَ مالكٌ فأيَّدَ حديثَ ابن عباسٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ تركَ السجودَ تارةً، وفعلَه تارةً، دليلُ السنيةِ أو لمانعٍ عارَضَ ذلكَ، ومعَ ثبوتِ حديثِ زيدٍ فهوَ نافٍ، وحديثُ غيرِه وهوَ ابنُ عباسٍ مثبتٌ، والمثبتُ مقدَّمٌ. في سورة الحج سجدتان ١٤/ ٣٢٦ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ (٤). [إسناده صحيح] ترجمة خالد بن معدان (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵁) (٥) بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الدالِ المهملة، [وخالد] (٦) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ خالدُ بنُ معدانَ الشامي الكلاعي بفتحِ

стр. 686

الكافِ، تابعيٌ منْ أهلِ حمصَ. قالَ: لقيتُ سبعينَ رجلًا منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وكانَ منْ ثقاتِ الشاميينَ، ماتَ سنةَ أربعٍ ومائةٍ، وقيلَ [سنة] (١) ثلاثٍ. (قَالَ: فضِّلَتْ سُورَة الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ)، كذا نسبهُ المصنفُ إلى مراسيلِ أبي داودَ، وهوَ موجودٌ في سننةِ (٢) مرفوعًا منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ بلفظِ: "قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، في سورةِ الحجِّ سجدتانِ؟ قالَ: نعمْ ومَنْ لم يسجدْهما فلا يقرأْهُما". فالعجبُ كيفَ نسبهُ المصنفُ إلى المراسيلِ معَ وجودِهِ في سننهِ مرفوعًا، ولكنهُ قدْ وصلَ في: ١٥/ ٣٢٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَالترْمِذِيُّ، (٤) مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ: فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. [صحيح] (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ) أي: الترمذيُّ في روايتهِ: ([فَمَنْ] (٥) لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا) بضمير مفردٍ، أي: السورةَ، أوْ آية السجدةِ. [ويرادُ] (٦) الجنسُ، (وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةٍ (٧). قيلَ: إنهُ [تفرَّدَ] (٨) بهِ، وأيَّدَهُ الحاكمُ (٩) بأنَّ الروايةَ صحَّتْ فيهِ من قولِ عمرَ وابنهِ،

стр. 687

وابنِ مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعمارٍ، وساقَها موقوفةً عليْهم، وأكدهُ البيهقيُّ بما رواهُ في المعرفةِ منْ طريقِ خالدِ بن معدانَ. وفي الحديثِ ردٌّ على أبي حنيفةَ وغيرِه ممنْ قالَ: [إنهُ ليسَ بواجبٍ كما قالَ] (١) إنهُ ليسَ في سورة الحجِّ إلا سجدةٌ واحدة في الأخيرة منْها. وفي قولهِ: (ولمنْ لم يسجدْهما فلا يقرأها) تاكيدٌ لشرعيةِ السجودِ فيْها، ومنْ قالَ بإيجابهِ فهوَ منْ أدلتهِ، ومنْ قالَ ليسَ بواجب قالَ: لما تركَ السنةَ وهوَ سجودُ التلاوةِ بفعلِ المندوبِ وهوَ القرآنُ كانَ الأليقُ الاعتناءُ بالمسنونِ، وأنْ لا يتركَهُ، [فإذا] (٢) تركهُ فالأحسنُ لهُ أنْ لا يقرأَ السورةَ. رأي عمر في السجود التلاوة ١٦/ ٣٢٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَفِيْهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ (٤). [صحيح] (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ) أي: بآيتهِ (فَمَنْ [سَجَدَ] (٥) فَقَدْ أَصَابَ) أي: السنةَ، (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيْهِ) أيْ: البخاريِّ عنْ عمرَ (إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودِ) أي: لمْ يجعلْه فرضًا (إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ). فيه دلالةٌ على أن عمرَ كانَ لا يرى وجوبَ سجودِ التلاوةِ، واستدلَّ بقولهِ: "إلَّا أنْ نشاءَ"، [أي] (٦) أنَّ منْ شرعَ في السجودِ وجبَ عليهِ إتمامهِ لأنهُ مخرجٌ منْ بعضِ حالاتِ عدمِ فرضيةِ السجودِ، وأجيبَ بأنهُ استثناءٌ منقطعٌ. [والمرادُ] (٧) ولكنَّ ذلكَ موكولٌ إلى مشيئِتنَا.

стр. 688

سجود التلاوة والتكبير له وموضعه وما يقول فيه ١٧/ ٣٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرّ بِالسَّجْدَةِ كَبّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لينٌ. [ضعيف] (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرآنَ، فَإِذَا مَرَ بِالسَّجْدَةِ كَبّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) بِسَنَدِ فِيهِ لِينٌ)، لأنهُ منْ روايةِ عبدِ اللَّهِ المكبرِ العمري، وهوَ ضعيفٌ. وأخرجهُ الحاكمُ (٢) منْ روايةِ عُبَيْدِ اللَّهِ المصغرِ، وهوَ ثقةٌ. وفي الحديثِ دلالة على التكبيرِ وأنهُ مشروعٌ. وكان الثوريُّ يعجبهُ هذا الحديثُ. قالَ أبو داودَ: يعجبهُ لأنهُ كبَّرَ. وهلْ هوَ تكبيرُ الافتتاحَ أوِ النقلِ؟ الأولُ أقربُ، ولكنهُ يجتزئُ بها عنْ تكبيرة النقلِ لعدمِ ذكرِ تكبيرةٍ أُخْرى، وقيلَ: يكبرُ لهُ وعدمُ الذكرِ ليسَ دليلًا. قالَ بعضُهم: ويتشهدُ ويسلِّمُ قياسًا للتحليلِ على التحريمِ. وأجيبَ بأنهُ لا يجزئُ [هذا] (٣) القياسُ فلا دليلَ على ذلكَ. وفي الحديثِ دليلٌ على شرعيةِ سجودِ التلاوةِ للسامعِ لقولهِ: وسجدْنا. وظاهرُهُ سواءٌ كانَا مصليَينِ معًا أو أحدُهما في الصلاةِ، وقالتِ الهادويةُ: إذا كانتِ الصلاةُ فرضًا أخَّرَها حتَّى يسلِّم، قالُوا: لأنَّها زيادةٌ عن الصلاةِ فتفسدُها، ولما رواهُ نافعُ عن ابنِ عمرَ [أنهُ] (٤) قالَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يقرأُ علينَا السورةَ في غيرِ الصلاةِ، فيسجد ونسجدُ معهُ"، أخرجهُ أبو داودَ (٥). قالُوا: ويشرعُ لهُ أنْ يسجدَ إذا كانتِ الصلاةَ نافلةً لأنَّ النافلةَ مخففٌ فيْها.

стр. 689

وأجيبَ عن الحديثِ بأنهُ استدلالٌ بالمفهومِ. وقدْ ثبتَ منْ فعلهِ (١) ﷺ أنهُ قرأَ سورةَ الانشقاقِ في الصلاةِ وسجدَ وسجدَ مَنْ خَلْفَهُ. وكذلكَ سورةَ تنزيلِ السجدةِ (٢)، قرأَ بها وسجدَ فيْها. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٣)، والحاكمُ (٤)، والطحاويُّ (٥) منْ حديثِ ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ سجدَ في الظهرِ فرأى أصحابهُ أنهُ قرأَ آيَةَ سجدةٍ فسجدُوها". واعلمْ أنهُ قدْ وردَ الذكرُ في سجودِ التلاوةِ بأنْ يقولَ: "سجدَ وجهي للذي خلقَه وصوَّرَه وشقَّ سمعَه وبصرَه بحولِهِ وقُوَّتهِ"، أخرجهُ أحمدُ (٦)، وأصحابُ السننِ (٧)، والحاكمُ (٨)، والبيهقيُّ (٩)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ (١٠) وزادَ في آخرهِ: "ثلاثًا"، وزادَ الحاكمُ في آخرهِ: "فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقينَ"، وفي حديثِ ابن عباسٍ (١١): "أنهُ ﷺ كانَ يقولُ في سجودِ التلاوةِ: اللَّهم اكتبْ لي بها عندَكَ أجْرًا، واجعلْها لي عندَك ذُخْرًا، وضعْ عنِّي بها وِزرًا، وتقبَّلْها منِّي كما تقبَّلْتَها منْ عبدِكَ داودُ".

стр. 690

سجود الشكر مشروعيته وما يشترط فيه ١٨/ ٣٣٠ - وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ "كَانَ إِذَا جَاءَهُ خَبَرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للَّهِ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (١). [حسن] (وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أمرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للَّهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائيَّ). هذَا مما شملتْهُ الترجمةُ بقولهِ: وغيرُهُ، وهوَ دليلٌ على شرعيةِ سجودِ الشكرِ. وذهبَ إلى شرعيتهِ الهادويةُ، والشافعيُّ، وأحمدُ، خلافًا لمالكٍ، وروايةٌ لأبي حنيفةَ بأنهُ لا كراهةَ [فيه] (٢)، ولا ندبَ. والحديثُ دليلٌ للأَوَّلينِ. وقد سجدَ ﷺ في آيةِ ﴿ص﴾ وقالَ: " [إنما] (٣) هي لنَا شكرٌ". واعلمْ أنهُ قدِ اختُلِفَ هلْ يشترطُ لها الطهارةُ أمْ لا؟ فقيلَ: يشترطُ قياسًا على الصلاةِ، وقيلَ: لا يشترطُ لأنَّها ليستْ بصلاةٍ وهوَ الأقربُ كما قدَّمْنَاهُ، وقالَ المهدي (٤): إنهُ يكبرُ لسجودِ الشكرِ، وقالَ أبو طالبٍ: ويستقبلُ القبلةَ، وقالَ الإمامُ يحيى: ولا يسجدُ للشكرِ في الصلاةِ قولًا واحدًا؛ إذْ ليسَ منْ توابِعِها، قيلَ: ومُقْتَضَى شرعيتهِ حدوثُ نعمةٍ أو اندفاعُ مكروهٍ، فيفعلُ ذلكَ في الصلاةِ، ويكونُ كسجودِ التلاوةِ. ١٩/ ٣٣١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاني، فَبَشَّرَني، فَسَجَدْتُ للَّهِ شُكْرًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٦). [صحيح بطرقه وشواهده]

стр. 691

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ سَجَدَ رسولُ الله ﷺ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ [فَقَالَ] (١): إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاني فَبَشَّرَني). وجاءَ تفسيرُ البُشْرى بأنهُ تَعَالَى قَالَ: "مَنْ صلَّى عليهِ ﷺ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليهِ بها عشْرًا"، رواهُ أحمدُ في المسندِ (٢) منْ طرقٍ، (فَسَجَدْتُ للَّهِ شكْرًا. رَوَاه أَحْمَدُ، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ)، وأخرجهُ البزارُ (٣)، وابنُ أبي عاصمٍ في فضلِ الصلاةِ عليه ﷺ (٤). قالَ البيهقيُّ (٥): وفي البابِ عنْ جابرٍ (٦)، وابنِ عُمرَ (٧)، وأنسٍ (٨)، وجريرٍ (٩)، وأبي جحيفةَ (١٠). ٢٠/ ٣٣٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًا إِلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرّ سَاجِدًا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (١١). وَأَصلُهُ فِي الْبُخَاريِّ (١٢). [صحيح]

стр. 692

(وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ علِيًا (١) إلى الْيَمَنِ، فذكر الحديثَ. قَالَ: فَكَتَبَ عليٌّ بإسْلامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ سَاجِدًا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. رواه الْبَيْهَقِيُّ وَأَصلُهُ فِي الْبُخَاريِّ). وفي معناه سجودُ كعبِ بن مالكٍ (٢) لمَّا أنزل اللَّهُ توبتَه، فإنهُ يدلُّ على أن شرعيةَ ذلك كانت متقرِّرةً عندهم. تمَّ بحمد الله المجلَّد الثاني من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجلد الثالث وأوله: (الباب التاسع) بابُ صلاة التطوع * * *

стр. 693

[الباب التاسع] بابُ صلاةِ التطوعِ أي: صلاةُ العبدِ التطوعَ، فهُو مِنْ إضافةِ المصدرِ إلى مفعولهِ، وحذفِ فاعلهِ. في "القاموسِ" (١): صلاةُ التطوعِ: النافلةُ. الترغيب في النوافل ١/ ٣٣٣ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ مَالكٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "سَلْ"، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذلكَ"؟ فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَميِّ ﵁) (٣). ترجمة ربيعة بن كعب بن مالك هوَ من أهلِ الصُّفَّةِ (٤)، كانَ خادمًا لرسولِ الله ﷺ ، صحبهُ قديمًا ولازمهُ

стр. 694

حضرًا وسفرًا، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وستينَ منَ الهجرةِ، وكنيتهُ أبو فِراسٍ بكسرِ الفاءِ، فراءٍ آخِرَهُ سينٌ مهملةٌ. (قال: قال لِي رسول الله ﷺ : سَلْ، فقلتُ: أسألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجنةِ، فقالَ: أوَ غيرَ ذلكَ؟. [قلت:] (١) هو ذاكَ، قالَ: فأعنِّي على نفسِكَ) أي: على نيلِ مرادِ نفسِك (بكثرةِ السجودِ. رواه مسلمٌ). حمل المصنفُ السجودَ على الصلاةِ نفلًا، فجعلَ الحديثَ دليلًا على التطوعِ، وكأنهُ صرفَهُ عن الحقيقةِ كونُ السجودِ بغيرِ صلاةٍ غيرَ مرغَّبٍ فيهِ على انفرادهِ، والسجودُ وإنْ كانَ يصدقُ على الفرضِ، لكنَّ الإتيانَ بالفرائضِ لا بدَّ منهُ لكلّ مسلمٍ، وإنَّما أرشدَهُ ﷺ إلى شيءٍ يختصُّ بهِ ينالُ به ما طلبَهُ. وفيه دلالةٌ على كمالِ إيمانِ المذكورِ وسموِّ همَّتهِ إلى أشرفِ المطالبِ وأغلى المراتبِ، [وعزفِ] (٢) نفسهِ عن الدنيا وشهواتِها. ودلالةٌ على أن الصلاةَ أفضلُ الأعمالِ في حقِّ مَنْ كانَ مثلَهُ، فإنهُ لمْ يُرْشِدْهُ ﷺ إلى نيلِ ما طلبهُ إلّا بكثرةِ الصلاةِ، معَ أن مطلوبهُ أشرفُ المطالبِ. ٢/ ٣٣٤ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قبْلَ الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح] وفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمْعَةِ فِي بَيْتِهِ (٣). - وَلمُسْلِمٍ (٤): كَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. [صحيح] (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عشرَ ركعاتٍ) هذا إجمالٌ

стр. 695

[فصَّله] (١) بقولِه: (ركعتينِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَيْنِ بعدَ المَغْرِبِ في بيتهِ)، تقييدُها يدلُّ على أن ما عدَاها كانَ يفعلهُ في المسجدِ، وكذلكَ قولهُ: (وركعتينِ بعدَ العشاءِ في بيتهِ، وركعتينِ قبلَ الصبحِ) لم يقيدْهُما معَ أنهُ كانَ يصلّيهِمَا ﷺ في بيتهِ، وكأنهُ تركَ التقييدَ لشهرةِ ذلكَ من فعلهِ ﷺ ، (متفقٌ عليه. وفي رواية لهما: وركعتينِ بعدَ الجمعةِ في بيتهِ)؛ فيكونُ قولُهُ: عشرَ ركعاتٍ نظرًا إلى التكرارِ كلَّ يومٍ. (ولمسلم) أي: من حديث ابن عمرَ: (كان إذا طلعَ الفجرُ لا يصلّي إلَّا ركعتينِ خفيفتين) هما المعدودتانِ في العشرِ، وإنَّما أفادَ لفظُ مسلم خفَّتَهُمَا، وأنهُ لا يصلّي بعدَ [طلوعِه] (٢) سواهُما، وتخفيفُهما مذهبُ مالك والشافعيِّ وغيرِهما. وقد جاءَ في حديثِ عائشة: "حتى أقولَ: أقَرأ [بأمِّ] (٣) الكتابِ"؟ يأتي قريبًا (٤). والحديثُ دليل على أن هذهِ النوافلَ للصلاة. وقدْ قيلَ في حكمةِ شرعِيَّتِها: إنَّ ذلكَ ليكونَ ما بعدَ الفريضةِ جبْرًا لما فرطَ فيها منْ آدابِها وما قبلَها كذلك، وليدخلْ [في] (٥) الفريضةِ وقدِ انشرحَ صدرُه للإتيانِ بها، وأقبل قلبُهُ على فعلِها. يجبر نقص صلاة الفرض بصلاة النفل وكذلك الزكاة قلتُ: قد أخرج [أحمدُ] (٦)، وأبو داودَ (٧)، وابنُ ماجه (٨)، والحاكمُ (٩) منْ حديثِ تميمٍ الدَّاري قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أولُ ما يُحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ صَلَاتُهُ، فإنْ كانَ أتمَّها كتبتْ لهُ تامَّة، وإنْ لَمْ يكنْ أتمَّها قالَ اللَّهُ لملائكتهِ: انظُروا هل تجدونَ لعبدي منْ تطوع فتكمِلونَ [بها] (١٠) فريضته، ثمَّ

стр. 696

الزكاةُ كذلكَ، ثم تؤخذُ الأعمالُ على حسبِ ذلكَ"، انتهى. وهوَ دليل لما قيلَ من حكمةِ شرعِيَّتها. وقولُهُ في حديثِ مسلمٍ (١): "إنَّهُ لَا يُصلِّي بعدَ طلوعِ الفجرِ إلَّا ركعتين"، قدِ [استدلَّ] (٢) بهِ منْ يَرَى كراهةَ النفلِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، وقد قدَّمْنَا ذلكَ. ٣/ ٣٣٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وَعَنْ عائِشةَ ﵂ أن النَّبِي ﷺ كانَ لا يدعُ أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتينِ قبلَ الغداةِ. رواهُ البخاري)، لا ينافي حديثَ ابن عمرَ في قولهِ: "ركعتينِ قبلَ الظهرِ"؛ لأنَّ هذه زيادةٌ علمتْها عائشةُ ولم يعلمْها ابنُ عمَر، ثمَّ يحتملُ أنَّ الركعتينِ اللتينِ ذكرَهما من الأربع، وأنهُ ﷺ كان يصلِّيْها مَثْنَى، وأنَّ ابنَ عمرَ شاهدَ اثنتينِ فقطْ، ويحتملُ [أنَّهما] (٤) منْ غيرِها، وأنهُ ﷺ كان يصلِّيهما أربعًا متصلةً، ويؤيدُ هذا حديثُ أبي أيوبَ عندَ أبي داودَ (٥)، والترمذيِّ في "الشمائلِ" (٦)، وابنِ ماجَهْ (٧)، وابنِ خزيمةَ (٨) بلفظِ: "أربعُ قبلَ الظهرِ ليسَ فيهنَّ تسليمٌ تفتحُ لهنَ أبوابُ السماءِ"، وحديثُ أنسٍ: "أربعٌ قبلَ الظهرِ كعدلِهنَّ بعدَ العشاء، [وأربعٌ بعدَ العشاءِ كعدلِهنَّ من ليلةِ القدْرِ] (٩) "، أخرجهُ الطبراني في "الأوسطِ" (١٠)، وعلى هذا فيكونُ قبلَ الظهرِ ستٌّ ركعاتٍ، ويحتملُ أنهُ ﷺ يصلِّي الأربعَ تارةً ويقتصرُ علَيْها، وعنها أخبرتْ عائشةُ، وتارةً يصلِّي ركعتينِ وعَنْهمَا أخبرَ ابنُ عُمرَ.

стр. 697

حرص النبيّ ﷺ على ركعتي الفجر ٤/ ٣٣٦ - وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَلِمُسْلِمٍ (٢): "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". (وعنها) أي: [عن] (٣) عائشةَ (قالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشدَّ تعاهدًا منهُ على ركعتي الفجرِ. متفقٌ عليه). تعاهدًا: أي محافظةً. وقدْ ثبتَ أنهُ [كان لا يتركُهما] (٤) حَضَرًا ولا سَفَرًا، وقدْ حُكِيَ وجوبُهما عن الحسنِ البصري. (ولمسلم:) أي: عن عائشةَ مرفوعًا (ركعتا الفجرِ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها) أي: أجرُهما خيرٌ من الدنيا، وكأنهُ أريدَ بالدنيا الأرضُ، وما فيها: أثاثُها ومتاعُها، وفيهِ [دليلٌ على] (٥) الترغيبِ في فعلِهمَا، وأنَّهما ليستا بواجبتينِ، إذ لمْ يُذكرِ العقابُ في تركِهما، بلِ الثوابُ في فعلِهما. ٥/ ٣٣٧ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمِهِ وَلَيلَتِهِ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيتٌ فِي الجَنةِ" رَوَاهُ مِسْلِمٌ (٦). [صحيح] وَفي رِوايةٍ (٧): "تَطَوّعًا". [صحيح] - وَلِلْتِّرْمِذِيِّ (٨) نَحوُهُ، وزَادَ: "أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَينِ

стр. 698

بَعْدَ الْمَغْرِبِ، ورَكْعَتَينِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَينِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ". [صحيح] وَلِلْخَمْسَةِ (١) عَنْهَا: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَها حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ". [صحيح بطرقه] ترجمة أم حبيبة (وَعَنْ أمِّ حبيبةَ أمِّ المؤمنين) تقدَّمَ ذكرُ اسمِها وترجمتِها (٢) (قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: مَنْ صَلَّى اثنتي عشرةَ ركعة في يومهِ وليلتهِ)، كأنَّ المرادَ: في كلِّ يومٍ وليلةٍ لا في يوم منَ الأيامِ، [ولا في] (٣) ليلةٍ منَ الليالي (بُنِيَ لهُ بهنَّ بيتٌ في الجنةِ)، ويأتي تفصيلُها في روايةِ الترمذي (رواهُ مسلمٌ. وفي رواية) أي: لمسلمٍ عن أم حبيبة: (تطوّعًا) تمييزٌ للاثنتي عشرةَ زيادةٌ في البيانِ، وإلَّا فإنهُ معلومٌ. (وللترمذي) أي: عنْ أم حبيبةَ (نحوَهُ) أي: نحوُ حديثِ مسلمٍ، (وزادَ) تفصيلُ ما أجملَتْهُ روايةُ مسلمٍ: أربعًا قبلَ الظهرِ هي التي ذكرتْها عائشةُ في حديثِها السابقِ، (وركعتينِ بعدَها) هي التي في حديثِ ابن عمر، (وركعتينِ بعد المغربِ) هي التي قيَّدَها حديثُ ابن عمرَ بـ "في بيته"، (وركعتينِ بعدَ العشاءِ) هي التي قيَّدَها أيضًا بـ "في بيتهِ"، (وركعتينِ قبلَ صلاةِ الفجرِ) هي التي اتّفق عليها ابنُ عمرَ وعائشةُ في حديثهِمَا السابقين. (وللخمسةِ عَنْها:) أي: عن أمِّ حبيبةَ (من حافظَ على أربع قبلَ الظهرِ، وأربعٍ

стр. 699

بعدَها) يحتملُ أنَّها غيرُ الركعتينِ [المذكورتين] (١) سابقًا، ويحتملُ أن المرادَ: أربعٌ [فيها] (٢) الركعتانِ اللَّتانِ مرَّ ذكرُهُما (حرَّمَة اللَّه على النارِ) أي: منعهُ عنْ دخولِها، كما يمنعُ الشيءُ المحرمُ ممنْ حرِّمَ عليه. ٦/ ٣٣٨ - وعَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ". [صحيح] (رَوَاهُ أحمَد (٣)، وأبُو داوُدَ (٤)، والترْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ (٥)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وصَحَّحَهُ) (٦). (وعَنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسول اللَّهُ ﷺ : رحمَ اللَّه امرءًا صلَّى أَرْبَعًا قبلَ العصرِ). هذهِ الأربعُ لم تُذكَرْ فيما سلفَ منَ النوافلِ، فإذا ضُمَّتْ إلى حديثِ أمِّ حبيبةَ الذي عندَ الترمذيِّ كانتِ النوافلُ قبلَ الفرائضِ وبعدَها ستَّ عشرةَ ركعةً، (رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنهُ، وابن خزيمةَ وصحَّحه)، وأما صلاةُ ركعتينِ قبلَ العصرِ فقطْ فيشملُهما حديثُ: "بينَ كلِّ أذانينِ صلاةٌ" [صحيح] النفل قبل صلاة المغرب ثبت بالقول والفعل والتقرير ٧/ ٣٣٩ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ"، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ" كَرَاهِيَةَ

стр. 700

أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). [صحيح] - وَفِي رِوَايَة لابْنِ حِبَّانَ (٢): أن النَّبِي ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكعَتَيْنِ. [إسناده صحيح] ترجمة عبد الله بن مغفَّل (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ المُزَنيِّ) (٣) بضمِ الميمِ، وفتحِ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ الفاءِ مفتوحةً، هو أبو سعيدٍ في الأشهرِ عبدُ اللَّهِ بْنُ مغفلٍ بن غنمٍ، كانَ مِنْ أصحابِ الشجرةِ، سكنَ المدينةَ، ثمَّ تحولَ إلى البصرةِ وابتَنَى بها دارًا، وكان أحدَ العشرةِ الذينَ بعثَهم عمرُ إلى البصرةِ يفقّهونَ الناسَ، وماتَ عبدُ اللَّهِ بها سنةَ ستينَ، وقيلَ: قبلَها بسنةٍ. (عن النبيِّ ﷺ قال: صَلّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، ثمَّ قالَ في الثالثةِ: لِمَنْ شاءَ، كَراهيةَ) أي: لكراهيةِ (أن يتَّخِذَهَا النَّاسُ شنَّةً) أي: طريقةً مألوفةً لا يتخلَّفونَ عَنْهَا، فقد يؤدي إلى فواتِ أولِ الوقتِ (رواهُ البخاريُّ). وهوَ دليلٌ على أنَّها تندبُ الصلاةُ قبلَ صلاةِ المغربِ، إذ هوَ المرادُ من قولهِ: "قبلَ المغربِ"، لا أنَّ المرادَ قبلَ الوقتِ لما علمَ منْ أنهُ منهيٌّ عن الصلاةِ فيه. (وفي روايةِ لابنِ حبانَ) أي: منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ المذكورِ (أن النبيَّ ﷺ صلَّى قبلَ المغربِ ركعتينِ) فثبتَ شرعيتُهما بالقولِ والفعلِ.

стр. 701

٨/ ٣٤٠ - وَلمُسْلِمٍ (١) عَنْ أنسٍ قالَ: كُنّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. [صحيح] (وَلِمسْلِمٍ عن أنس قالَ: كنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَانَا فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا)، فتكونُ ثابتةً بالتقريرِ - أيضًا - فثبتتْ هاتانِ الركعتانِ بأقسامِ السنةِ الثلاثةِ، ولعلَّ أنَسًا لم يبلغْهُ حديثُ عبدِ اللَّهِ الذي فيهِ الأمرُ بهمَا، وبهذهِ تكونُ النوافلُ عشرينَ ركعةً [تضافُ] (٢) إلى الفرائضِ، وهي سبعَ عشرةَ [ركعةً] (٣)، فيتمُّ لِمَنْ حافظَ على هذهِ النوافلِ في اليومِ والليلةِ سبعٌ وثلاثونَ ركعةً، [وثلاثُ ركعاتٍ الوترُ، تكونُ أربعينَ ركعةً في اليومِ والليلةِ] (٣). وقال ابنُ القيمِ (٤): إنهُ كان ﷺ يحافظُ في اليومِ والليلةِ على أربعينَ ركعةً: سبعَ (٥) عشْرةَ الفرائضُ، واثنتي عَشْرةَ التي روتْ أمُّ حبيبةَ، وإحدى عشْرةَ صلاة الليل، فكانتْ أربعينَ ركعةً]، انتهَى. ولا يَخْفَى أنهُ بلغَ عددُ ما ذكرَ هنا منَ النوافلِ غيرِ الوترِ اثنتينِ وعشرينَ إن جعلْنا الأربعَ قبلَ الظهرِ وبعدَهُ داخلةً تحتَها الاثنتانِ اللَّتانِ في حديثِ ابن عمرَ، ويزادُ ما في حديثِ أمِّ حبيبةَ التي بعدَ العشاءِ، فالجميعُ أربع وعشرونَ ركعةً من دونِ الوترِ والفرائضِ. ما يقرأ في ركعتي الفجر ٩/ ٣٤١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إني أقُولُ: أقَرأَ بأُمِّ الكِتَابِ؟ مُتَّفَق عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 702

(وعَنْ عائشةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يخفِّفُ الركعتينِ اللَّتينِ قبلَ الصبحِ) أي: نافلةَ الفجرِ (حتَّى إني أقولُ: أقَرَأ بأمِّ الكتابِ) يعني أمْ لا؟ لتخفيفهِ [قيامَهُمَا] (١)، (متفقٌ عليهِ). وإلى [تخفيفهما] (٢) ذهبَ الجمهورُ، ويأتي تعيينُ [قدر] (٣) ما يقرأُ فيهمَا، وذهبتِ الحنفيةُ إلى تطويلِهِمَا، ونُقِلَ عَنِ النخعيِّ، وأوردَ فيهِ البيهقي (٤) حديثًا مرسلًا عن سعيدِ بن جبيرٍ، وفيهِ راوٍ لم يسمَّ، وما ثبتَ في "الصحيحِ" لا يعارضُهُ مثلُ ذلكَ. ١٠/ ٣٤٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ (٥)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ (٦)، رواهُ مُسْلِمٌ (٧). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قرأَ في ركعتي الفجرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ أي: في الأولى بعدَ الفاتحةِ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ أي: في الثانيةِ بعدَ الفاتحةِ (رواهُ مسلمٌ)، وفي رواية لمسلم أي: عن أبي هريرةَ (٨): "قرأ الآيتينِ أي - في ركعتي الفجرِ -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ - إلى آخر الآية في البقرة (٩) - عوضًا عنْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ - الآيةُ

стр. 703

في آل عمرانَ (١) - عوضًا عن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". وفيهِ دليلٌ على جوازِ الاقتصارِ على آيةٍ من وسطِ السورةِ. الضجعة على الجنب الأيمن بعد ركعتي الفجر سنة ١١/ ٣٤٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفجرِ اضطجعَ على شقِّهِ الأيمنَ. رواهُ البخاريُّ). العلماءُ في هذهِ الضَّجْعةِ بينَ مفرِطٍ ومفرِّطٍ ومتوسطٍ: فأفرطَ جماعةٌ مِنْ أهلِ الظاهرِ منهُم ابن حزم (٣)، ومن تابعه فقالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها، وذلك لفعلهِ المذكورِ في هذا الحديثِ، ولحديثِ الأمرِ بِها في حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "إذا صَلَّى أحدُكم الركعتينِ قبلَ الصبحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلى جنبهِ الأيمنِ"، قال الترمذيُّ (٤): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وقالَ ابنْ تيميةَ: ليسَ بصحيحٍ، [لأنَّه تفردَ به] (٥) [عبدُ الواحد بنُ زيادٍ] (٦) وفي حفظهِ مقالٌ.

стр. 704

قالَ المصنفُ (١): والحقُّ أنهُ تقومُ بهِ الحجةُ إلا أنهُ صرفَ الأمرَ عن الوجوبِ ما وردَ منْ عدمِ مداومتِهِ ﷺ على فعلِها. وفرَّطَ جماعةٌ فقالُوا بكراهتِها، واحتجُّوا بأنَّ ابنَ عمرَ كانَ لا يفعلُ ذلكَ، ويقولُ: "كفى بالتسليمِ" أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (٢)، وبأنهُ كانَ يحصبُ مَنْ يفعلُها. وقالَ ابنُ مسعودِ: "ما بالُ الرجلِ إذا صلَّى الركعتينِ تمعَّكَ كما يتمعَّكُ الحمارُ". وتوسطَ [فيها] (٣) طائفةٌ منهمْ مالكٌ وغيرُه، فلمْ يَرَوْا بها بأسًا لمن فعلَها راحةً، [وكرهوها] (٤) لمنْ فعلَها استنانًا. ومنهمْ مَنْ قال باستحبَابِها على الإطلاق سواءٌ فعلَها استراحةً أم لا. قيلَ: وقدْ شرعتْ لمنْ يتهجدُ منَ الليلِ؛ لما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (٥) عن عائشةَ كانتْ تقولُ: "إنَّ النبي ﷺ لمْ يضطجعْ لسنةٍ لكنهُ كانَ يدأبُ ليلهُ فيضطجعُ ليستريحَ منهُ". وفيهِ راوٍ لمْ يُسَمَّ. وقالَ النوويُّ (٦): المختارُ أنَّها سنةٌ؛ لظاهرِ حديث أبي هريرةَ. قلتُ: وهوَ الأقربُ، وحديثُ عائشةَ لو صحَّ فغايتُهُ أنهُ إخبارٌ عن فهمِهَا، وعدمُ استمرارِهِ ﷺ عليها دليلُ سُنِّيَتِها، ثمَّ إنهُ يسنُّ على الشقِّ الأيمنِ. قالَ ابنُ حزمٍ: فإنْ تعذَّرَ على الأيمنِ، فإنهُ يومئُ ولا يضطجعُ على الأيسرِ. ١٢/ ٣٤٤ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيمَنِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)، وَأَبُو دَاوُدَ (٨)، والترْمِذِي وَصَحَّحَهُ (٩). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذا صلَّى أحدُكم الركعتينِ قبلَ

стр. 705

صلاةِ الصبحِ فليضطجعْ على جنبهِ الأيمنِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وصحَّحه). تقدَّمَ الكلامُ وأنهُ ﷺ [كان] (١) يفعلُها، وهذهِ روايةٌ في الأمرِ بها، وتقدمَ أنهُ صرفهُ عن الإيجابِ ما عرفتَ، وعرفتَ كلامَ [العلماء] (٢) فيهِ. نافلة الليل مثنى مثنى ١٣/ ٣٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوترُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] - وَللْخَمْسَةِ (٤) - وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٥) - بِلَفْظِ: "صَلاةُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ مَثْنى مَثْنى"، وَقَالَ النسَائيُّ (٦): هَذَا خَطَأ. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : صَلاة الليلِ مثنى مثنى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً توترُ لهُ ما قدْ صلَّى. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ نافلةِ الليلِ مثْنى مَثْنى، فيسلِّمُ على كلِّ ركعتينِ. وإليهِ ذهبَ

стр. 706

جماهيرُ العلماءِ، وقالَ مالكٌ: لا تجوزُ الزيادةُ على اثنتينِ؛ لأنَّ مفهومَ الحديثِ الحصرُ لأنهُ في قوةِ: ما صلاةُ الليلِ إلَّا مثْنى مثْنى [فيسلم] (١)؛ لأنَّ تعريفَ المبتدأ قدْ يفيدُ ذلكَ على الأغلبِ، وأجابَ الجمهورُ بأنَّ الحديثَ وقعَ جوابًا لمنْ سألَ عن صلاةِ الليلِ، فلا دلالةَ فيهِ على الحصرِ، وبأنهُ لو سلمَ فقدْ عارضَهُ فعلُهُ ﷺ وهوَ ثبوتُ إيتارهِ بخمسٍ، كما في حديثِ عائشة عندَ الشيخينِ (٢)، والفعلُ قرينةٌ على عدمِ إرادةِ الحصرِ، وقولُهُ: "فإذا خشي أحدُكم الصبحَ أوترَ بركعةٍ" دليل على أنهُ لا يوترُ بركعةٍ واحدةٍ إلّا لخشيةِ طلوعِ الفجرِ، وإلَّا أوترَ بخمسٍ أو سبع أو نحوِها، لا بثلاثٍ للنهي عن الثلاث، فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (٣)، والحاكمُ (٤)، وابنُ حبانَ (٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "أوتِرُوا بخمسٍ، أو [بسبعٍ] (٦)، أو بتسعٍ (٧)، أو إحدى عشرةَ"، زادَ الحاكمُ: "ولا توتِرُوا بثلاثٍ لا تشبَّهُوا بصلاةِ المغرب". قالَ المصنفُ (٨): ورجالهُ كلُّهم ثقاتُ، ولا يضرهُ وقفُ مَنْ وقفَهُ، [إلا أنَّهُ] (٩) قد عارضَهُ حديثُ أبي أيوبَ: "مَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بثلاثٍ فليفعلْ"، أخرجهُ أبو داود (١٠)، والنسائيُّ (١١)، وابنُ ماجَهْ (١٢)، وغيرُهم. وقدْ جُمِعَ بَينَهما بأنَّ النهيَ عن الثلاثِ إذا كانَ يقعدُ للتشهدِ الأوسط؛

стр. 707

لأنَّهُ يشبهُ المغربَ، وأمَّا إذا لم يقعدْ إلَّا في آخرِها فلا يشبهُ المغربَ، وهوَ جمعٌ حسنٌ (١)، وقد أيَّدهُ حديثُ عائشةَ عندَ أحمدَ (٢)، والنسائي (٣)، والبيهقي (٤)، والحاكم (٥): "كان ﷺ يوترُ بثلاثٍ لا يجلس إلَّا في آخرهن"، ولفظُ أحمدَ: "كانَ يوترُ بثلاثٍ لا يفصلُ بينَهنَّ"، ولفظُ الحاكِم: "لا يقعدُ" [هذا] (٦). وأمّا مفهومُ أنهُ لا يوترُ بواحدةٍ إلَّا لخشيةِ طلوعِ الفجرِ، فإنهُ يعارضُهُ حديثُ أبي أيوبَ هذا فإنَّ فيهِ: "ومَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بواحدةٍ فليفعلْ"، وهوَ أقوى منْ مفهوم حديثِ الكتابِ، وفي حديثِ أبي أيوبَ دليلٌ على صحةِ الإحرامِ بركعةٍ واحدةٍ، وسَيأتي قريبًا. (وللخمسةِ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (٧) (وصحَّحهُ ابنُ حبانَ بلفظِ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثْنى مَثْنى، وقالَ النسائيُّ: هذَا خطأٌ)، أخرجَهُ المذكورُونَ من حديثِ عليِّ بن عبدِ اللَّهِ البارقي الأزْدي عن ابن عمرَ بهذَا، وأصلُهُ في "الصحيحينِ" بدونِ ذكرِ النهارِ. وقالَ ابنُ عبد البرِّ (٨): لم يقلْهُ أحدٌ عن ابن عمرَ غيرُ عليٍّ وأنكروهُ عليهِ، وكانَ ابنُ معينٍ يضعفُ حديثَهُ هذَا ولا يحتجُّ بهِ، ويقولُ: إنَّ نافعًا وعبدَ اللَّهِ بنَ دينارٍ وجماعةً رَوَوْهُ عن ابن عمرَ بدونِ ذكرِ النهارِ، ورَوَى بسندهِ عن يحيى بن معينٍ أنهُ قالَ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مثنى مثنى، قالَ: بأي حديثٍ؟ فقيل: بحديثِ الأزدي. قالَ: ومَن الأزدي حتَّى أقبلَ منهُ، قالَ النَّسَائِيُّ: هذا الحديثُ عندي خطأٌ، وكذا قالَ الحاكمُ في "علومِ الحديثِ" (٩)، وقالَ الدارقطنيُّ في

стр. 708

"العللِ" (١): ذكرُ النهارِ فيه وهمٌ، وقالَ الخطابيُّ (٢): رَوَى هذا الحديثَ طاوسُ ونافعٌ وغيرُهما عن ابن عمرَ، فلمْ يذكرْ أحدٌ فيهِ النهارَ إلَّا أن سبيلَ الزيادةِ منَ الثقةِ أنْ تقبلَ، وقالَ البيهقي: هذا حديثٌ صحيحٌ، قالَ: والبارقي احتجَّ بهِ مسلمٌ، والزيادةُ منَ الثقةِ مقبولَةٌ، انتهَى كلامُ المصنفِ في التلخيصِ (٣). فانظرْ إلى كلامِ الأئمةِ في هذهِ الزيادةِ فقدِ اختلفُوا فيها اختلافًا شديدًا، ولعلَّ الأمْرَيْنِ جائزانِ. وقالَ أبو حنيفةَ: يخيّرُ في النهارِ بينَ أنْ يصلِّيَ ركعتينِ ركعتينِ، أوْ أربعًا أربعًا ولا يزيدُ على ذلكَ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ ثمانيةَ أحاديثَ في "صلاةِ النهارِ ركعتينِ" (٤). فضل صلاة الليل ١٤/ ٣٤٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيلِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح]

стр. 709

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَل الصلاةِ بعد الفريضةِ) فإنَّها أفضلُ الصلاةِ (صلاةُ الليل. أخرجه مسلمٌ)، يحتملُ أنهُ أُريد بالليلِ جوفُهُ لحديثِ أبي هريرةَ عندَ الجماعةِ إلّا البخاريَّ (١)، قالَ: "سُئلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعدَ المكتوبةِ؟ قالَ: الصلاةُ في جوفِ الليلِ"، وفي حديثِ عمرو بن عَبْسَةَ عندَ الترمذي وصحَّحهُ (٢): "أقربُ ما يكونُ الربُّ منَ العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ ممنْ يذكرُ اللَّهَ في تلكَ الساعةِ فكنْ"، وفي حديثِهِ أيضًا عندَ أبي داودَ (٣): "قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الليلِ أسمعُ؟ قالَ: جوفُ الليلِ الاخِرُ فصلِّ ما شئتَ، فإنَّ الصلاةَ فيهِ مشهودةٌ مكتوبةٌ"، والمرادُ من جوفهِ الآخِرِ هوَ الثلثُ [الآخِرُ] (٤) كما وردتْ بهِ الأحاديثُ. حجة من قال بوجوب الوتر ١٥/ ٣٤٧ - وَعَنْ أبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا التّرْمِذِيَّ (٥)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦)، وَرَجَّحَ النَّسَائِي وَقْفَهُ. [صحيح]

стр. 710

(وعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الوترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ) هوَ دليلٌ لمنْ قالَ بوجوبِ الوترِ (مَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بخمسٍ فليفعلْ، ومنْ أحبَّ أن يوترَ بثلاثٍ فليفعلْ)، قد قدَّمْنا الجمعَ بينَه وبَينِ ما عارضَه، (ومَنْ أَحبَّ أنْ يوترَ بواحدةٍ) مِنْ دونِ أن يضيفَ إليها غيرَها، كما هو الظاهرُ (فليفعلْ. رواهُ الأربعة إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحه ابن حبانَ ورجَّحَ النسائيُّ وقْفَه)، وكذا صحَّحَ أبو حاتمٍ، والذهلي، والدارقطنيُّ في العللِ، والبيهقيُّ وغيرُ واحدةٍ وقْفَهُ، قالَ المصنفُ (١): وهوَ الصوابُ. قلت: ولهُ حكمُ الرفعِ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ أي في المقادير. والحديثُ دليلٌ على إيجابِ الوترِ، ويدلُّ له أيضًا حديثُ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (٢): "مَنْ لمْ يوترْ فليسَ منَّا"، وإلى وجوبهِ ذهبتِ الحنفيةُ.

стр. 711

حجة من قال بعدم وجوب الوتر وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ بواجبٍ، مستدلينَ بحديثِ عليٍّ ﵁: "الوترُ ليسَ بحتم كهيئةِ المكتوبةِ، ولكنهُ سنة سنَّها رسولُ الله ﷺ ". ويأتي (١)، ولفظُهُ عندَ ابن ماجَةْ (٢): "إنَّ الوترَ ليسَ بحتمٍ ولا كصلاتكُم المكتوبةِ، ولكنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أوترَ وقالَ: يا أهلَ القرآنِ، أوتِرُوا فإنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يحبُّ الوتر". وذكرَ المجدُ بنُ تيميةَ (٣): أن ابنَ المنذرِ رَوَى حديثَ أبي أيوبَ بلفظِ: "الوترُ حقٌّ وليسَ بواجبٍ"، وبحديثِ: "ثلاثٌ هنَّ عليَّ فرائِضُ ولكُم تطوعٌ" (٤)، وعدَّ فرائضٌ منها الوترُ، وإنْ كانَ ضعيفًا فلهُ متابعاتٌ يتأيّدُ بها، على أن حديثَ أبي أيوبَ الذي استدلّ بهِ على الإيجاب قد عرفتَ أن الأصحَّ وقْفُه عليه [إلّا أنهُ] (٥) سبقَ أن لهُ حكمَ المرفوع [ولكنه] (٦) لا يقاومُ الأدلةَ الدالةَ على عدمِ الإيجاب، والإيجابُ قد أطلق على المسنونِ تأكيدًا، كما سلفَ في غسلِ الجمعةِ. وقولُه: (بخمس أو بثلاث) أي: ولا يقعد إلّا في آخرها، ويأتي حديث عائشة في الخمس، وقوله: (بواحدةٍ) ظاهرهُ مقتصرًا عليها. وقد رُوِيَ فعلُ ذلكَ عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، فأخرجَ محمدُ بنُ نصرٍ وغيرُهُ بإسنادٍ صحيحٍ عن السائبِ بن يزيدَ: "أن عمرَ قرأ القرآنَ ليلةً في ركعةٍ لم يصلِّ غيرَها" (٧)، ورَوَى البخاريُّ (٨): "أن معاويةَ أوترَ بركعةٍ، وأنَّ ابنَ عباسٍ استصْوَبَهُ". الوتر ليس بواجب ١٦/ ٣٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ

стр. 712

المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ (١)، والنَّسَائِيّ (٢)، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَ (٣). [صحيح بشواهده] (وعَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالبٍ ﵁ قالَ: ليسَ الوترُ بحتمٍ كهيئةِ المكتوبةِ، و [لكنْ] (٤) سُنَّةٌ سنَّهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ . رواهُ الترمذيُّ وحسَّنَهُ، والنسائي، والحاكمُ وصحَّحهُ). تقدَّمَ أنه منْ أدلةِ الجمهورِ على عدمِ الوجوبِ. وفي حديثِ علي هذا عاصمُ بنُ ضمرةَ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ، وذكرُه القاضي الخيمي في حواشيهِ على بلوغِ المرامِ، ولم أجدْه في التلخيصِ (٥) بل ذُكِرَ هنا أنهُ صحَّحهُ الحاكمُ ولم يتعقبْهُ فما أدري مِنْ أينَ نقلَ القاضي، ثمَّ رأيتُ في التقريبِ (٦) ما لفظُه: عاصمُ بنُ ضمرَة السلولي الكوفي صدوقٌ منَ الثالثةِ ماتَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ. انتهى. وفي التلخيص: رواه النَّسَائِي والترمذي من طريق عاصم بن ضمرة، وصحَّحه الحاكم. انتهى] (٧). ١٧/ ٣٤٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ في شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ الوِتْرُ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (٨). [حسن]

стр. 713

(وَعَنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قامَ في شهرِ رمضانَ، ثمَّ انتظرُوهُ منَ [الليلة] (١) القابلة فلم يخرجْ وقالَ: إنِّي خشيت أن يكتبَ عليكمُ الوترُ. رواهُ ابن حبانُ) أبعدَ المصنفُ النجعةَ. والحديثُ في البخاري (٢) إلَّا أنهُ بلفظ: "أنْ تفرضَ عليكمْ صلاةُ الليل، وأخرجهُ أبو داودَ (٣) من حديثِ عائشةَ ولفظُه: "أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في المسجدِ فصلَّى بصلاتهِ ناسٌ، ثمَّ صلَّى من القابلةِ فكثرَ الناسُ، ثمَّ اجتمعُوا [في] (٤) الليلةِ الثالثةِ فلم يخرجْ إليهمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فلمَّا أصبحَ قالَ: قدْ رأيتُ الذي صنعتُم، ولم يمنعْني منَ الخروجِ إليكمْ إلا أني خشيتُ أنْ تفرضَ عليكم"، هذا والحديثُ في البخاري (٥) بقريبٍ من هذا. واعْلَمْ أنهُ قدْ أشكلَ التعليلُ لعدمِ الخروجِ بخشيةِ الفرضيةِ عليهمْ معَ ثبوتِ [حديثِ] (٦): " [هي] (٧) خمسٌ وهنَّ خمسونَ، لا يُبَدَّلُ القولُ لديَّ" (٨). فإذا أمنَ التبديلُ كيفَ يقعُ الخوفُ من الزيادةِ. وقدْ نقلَ المصنفُ عنهُ أجوبة كثيرةً وزيَّفَها، وأجابَ بثلاثةِ أجوبةٍ قالَ إنهُ فتحَ الباري عليهِ بها، وذكرَها واستجودَ منها أن خوفَهُ ﷺ كانَ مِنَ افتراضِ قيامِ الليلِ، يعني جعلَ التهجُّدِ في المسجدِ جماعةً شرطًا في صحةِ التنفُّلِ بالليلِ، قالَ: ويومئُ إليهِ قولُهُ في حديثِ زيدِ بن ثابتٍ (٩): "حتَّى خَشِيتُ أنْ يُكْتَبَ عليكمْ، ولو كتبَ عليكمْ ما قمتمْ بهِ، فصلُّوا أيَّها الناسُ في بيوتِكُم"، فمنعَهم منَ التجمعِ في المسجدِ إشفاقا عليهمْ منِ اشتراطهِ. انتهى.

стр. 714

قلتُ: ولا يخفَى أنهُ لا يطابقُ قولَهُ: "أنْ تفرضَ عليكمْ صلاةُ الليلِ" كما في البخاري (١)، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ خشيةَ فرضِها مطلقًا، وكانَ ذلكَ في رمضانَ فدلَّ على أنهُ صلَّى بهم ليلتينِ. وحديثُ الكتابِ أنهُ صلَّى بهمْ ليلةً واحدةً في روايةِ أحمدَ (٢): "إنهُ ﷺ صلَّى بهمْ ثلاثَ ليالٍ وغصَّ المسجدُ بأهلهِ في الليلةِ الرابعةِ"، وفي قولهِ: "خشيتُ أنْ يكتبَ عليكمُ [الوترّ] " (٣)، دلالةٌ على أن الوترَ غيرُ واجبٍ. واعلم أن مَنْ أثبتَ صلاةَ التراويحِ وجعلها سنةً في قيامٍ رمضانَ استدلَّ بهذا الحديثِ على ذلكَ، وليسَ فيه دليلٌ على كيفيةِ ما يفعلونهُ ولا كميّتهِ، فإنَّهم يصلونَها جماعةً عشرين [ركعةً] (٤) يتروَّحونَ بينَ كلِّ ركعتينِ. فأمّا الجماعةُ فإنّ النبي ﷺ صلّى بهم جماعة، ثم ترك خشية أن يفرض عليهم، ثم إن أولُ مَنْ جَمَعَهُمْ على إمام عمر (٥)، وقال: "إنها بدعةٌ" كما أخرجهُ مسلمٌ (٦) في صحيحهِ، وأخرجهُ (٧) غيرُهُ من حديثِ أبي هريرةَ: "أنه ﷺ كانَ يرغِّبهُم في قيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمُرَهُمْ فيهِ بعزيمةٍ فيقول: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ"، قال: وتُوُفِّيَ رسول اللَّهِ ﷺ والأمرُ على ذلكَ، وفي خلافةِ أبي بكرٍ

стр. 715

[وصدرًا] (١) من خلافةِ عمرَ"، زادَ في روايةٍ عندَ البيهقي (٢): "قال عروةُ: فأخبرني عبدُ الرحمنِ القاري أن عمرَ بنَ الخطابِ خرجَ ليلةً فطاف في رمضان في المسجدِ وأهلُ المسجدِ أوزاعٌ متفرقونَ يصلِّي الرجلُ لنفسهِ ويصلِّي الرجلُ فيصلِّي بصلاتهِ الرهطُ، فقالَ عمر: واللَّهِ لأظنُّ لو جَمَعْنَاهُمْ على قارئٍ واحد [لكان أمثلَ، فعزمَ عمرُ على أنْ يجمعهُمْ على قارئٍ واحدٍ] (٣)، فأمرَ أبيَّ بن كعب أنْ يقومَ بهم في رمضانَ فخرجَ عمرُ والناسُ يصلّونَ بصلاتهِ، فقال عمرُ: "نِعْمَ البدعةُ هذهِ". وساقَ البيهقيُّ في السننِ (٤) عدة رواياتٍ في هذا المعنَى. إذا عرفتَ هذا عرفت أن عمرَ هو الذي جعلها جماعة وسمّاها بدعةً. وأمّا قولُه: "ونِعْمَ البِدعةُ"، فليسَ في البدعة ما يمدحُ بل كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ (٥). واعلمْ أنهُ يتعينُ حملُ قولهِ: "بدعةٌ" على جمعهِ لهم على معيَّنٍ وإلزامِهم بذلكَ (٦)، لا أنهُ أرادَ أن الجماعةَ بدعةٌ، فإنه ﷺ قد جمَعَ بهم كما عرفتَ. عدد ركعات القيام في رمضان وأمَّا الكميَّةُ - وهي جعلُها عشرينَ ركعةً - فليسَ فيهِ حديث مرفوعُ إلَّا ما رَوَاهُ عبدُ بنُ حميدٍ (٧)، والطبرانيُّ (٨) منْ طريقِ أبي شيبةَ إبراهيمَ بن عثمانَ، عن

стр. 716

الحكمِ، عنْ مقسمٍ، عن ابن عباسٍ: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ". قالَ في سُبُل الرشادِ (١): أبو شيبةَ ضعَّفَهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائي وغيرُهم، وكذَّبَهُ شعبةُ، [و] (٢) قالَ ابنُ معينٍ: ليسَ بثقةٍ، وعدَّ هذا الحديثَ من منكراتِهِ (٣). وقالَ الأذرعيُّ في المتوسطِ (٤): "وأمَّا ما نُقِلَ أنهُ ﷺ صلَّى في الليلتينِ [اللَّتينِ] (٥) خرجَ فيهما عشرينَ ركعةً فهو منكرٌ". وقالَ الزركشي في الخادمِ (٦): "دَعْوَى أنهُ ﷺ صلَّى بهمْ في تلكَ الليلةِ عشرينَ ركعة لم تصحَّ، بل الثابتُ في الصحيحِ الصلاةُ من غيرِ ذكرٍ بالعددِ"، وجاء في روايةِ جابرٍ: "أنهُ ﷺ صلَّى بهمْ ثماني ركعاتٍ والوترَ، ثمَّ انتظرُوهُ في القابلةِ فلم يخرجْ إليهمْ"، رواهُ ابنُ حبانَ (٧)، [وابنُ خُزيمةَ] (٨) في صحيحهِما، انتهى. وأخرجَ البيهقي (٩) روايةَ ابن

стр. 717

عباسٍ من طريقِ أبي شيبَةَ ثمَّ قالَ: إنهُ ضعيفٌ وساقَ رواياتٍ (١): "أن عمرَ أمرَ أُبَيًا وتميمًا الداريَّ يقومانِ بالناسِ بعشرينَ ركعةً"، وفي روايةٍ: "أنهمْ كانُوا يقومونَ في زمنِ عمرَ بعشرينَ ركعةً"، [وفي روايةٍ: بثلاثٍ وعشرينَ ركعةً] (٢)، وفي روايةٍ: "أنَّ عليًّا ﵁ كانَ يؤمُّهُم بعشرينَ ركعةً ويوترُ بثلاثٍ"، قالَ: وفيه قوةٌ. إذا عرفتَ هذا علمتَ أنهُ ليسَ في العشرينَ روايةٌ مرفوعةٌ (٣)، بل يأتي حديثُ عائشةَ المتفقُ عليهِ قريبًا (٤): "أنهُ ﷺ ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا غيرهِ على إحدَى عشْرَةَ ركعةً"، فعرفتَ من هذا كلِّهِ أنَّ صلاةَ التراويحِ على هذا الأسلوبِ الذي اتفقَ عليهِ الأكثرُ - بدعةٌ، نعمْ قيامُ رمضانَ سنةٌ بلا خلافٍ والجماعةُ في نافلتهِ لا تنكرُ، [وقدْ] (٥) ائتمَّ ابنُ عباسٍ ﵁ وغيرُه بهِ ﷺ في صلاةِ الليلِ، لكنْ جعلُ هذهِ الكيفيةِ والكميةُ سنةً والمحافظةُ عليها هوَ الذي نقولُ إنهُ بدعةٌ، وهذا عمرُ ﵁ خرجَ أوَّلًا والناسُ أوزاعُ متفرِّقونَ، منهم مَنْ يصلِّي منفردًا، ومنهمْ مَنْ يصلِّي جماعةً على ما كانُوا [عليه] (٦) في عصرهِ، وخيرُ الأمورِ ما [كانت] (٧) على عهدهِ. وأما تسميتُها بالتراويحِ فكأنَّ وجهَهُ ما أخرجَهُ البيهقي (٨) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي أربعَ ركعاتٍ في الليلِ، ثمَّ يتروَّحُ، فأطالَ حتَّى رحمتُهُ" الحديث. قالَ البيهقي (٨): تفردَ بهِ المغيرةُ بنُ [زياد] (٩) وليسَ بالقويِّ، فإنْ ثبتَ فهوَ أصلٌ في تروُّحِ الإمامِ في صلاةِ التراويحِ. انتهى. الاقتداء بالصحابة ليس تقليدًا وأمَّا حديثُ: "عليكمْ بسنّتي وسنّة الخلفاءِ الراشدينَ بعدي، تمسَّكُوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذِ"، أخرجهُ أحمدُ (١٠)، وأبو داودَ (١١)، وابنُ ماجَهْ (١٢)،

стр. 718

والترمذيُّ (١) وصحَّحهُ، [و] الحاكمُ (٢)، وقالَ: على شرطِ الشيخينِ، ومثلُهُ حديثُ: "اقتَدُوا باللذين مِنْ بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ"، أخرجهُ الترمذيُّ (٣)، وقال: حسنٌ، وأخرجهُ أحمدُ (٤)، وابنُ ماجَهْ (٥)، وابنُ حبانَ (٦)، ولهُ طرقٌ فيها مقالٌ إلَّا أنهُ يقوّي بعضُها بعضًا، فإنهُ ليسَ المرادُ بسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ إلَّا طريقتُهم الموافقةُ لطريقتهِ ﷺ من جهادِ الأعداءِ، وتقويةِ شعائرِ الدين، ونحوِها، فإنَّ الحديثَ عامٌّ لكلِّ خليفةٍ راشدٍ لا يخصُّ الشيخينِ (٧)، ومعلومٌ من قواعدِ الشريعةِ أنْ ليسَ لخليفةٍ راشدٍ أنْ يشرعَ (٨) طريقةً غيرَ ما كانَ عليها النبيُّ ﷺ ،

стр. 719

[ثمَّ] (١) عمرُ ﵁ نفسُه الخليفةُ الراشدُ سمَّى ما رآهُ من تجميعِ صلاتهِ ليالي رمضانَ بدعةً، ولمْ يقلْ: إنَّها سنةٌ، فتأمّلْ. على أن الصحابةَ ﵃ خالفُوا الشيخينِ في مواضعَ ومسائلَ (٢)، فدلَّ [على] (٣) أنّهم لم يحملُوا الحديثَ على أن ما قالُوهُ وفعلُوهُ حجةٌ. وقدْ حقَّقَ البرماويُّ الكلامَ في شرح ألفيتهِ في أصولِ الفقهِ، معَ أنهُ قالَ: إنَّما الحديثُ الأولُ يدل [أنه] (٤) إذا [اتفق] (٥) الخلفاءُ الأربعةُ على قولٍ كانَ حجةً لا إذا انفردَ واحدٌ منهم، والتحقيقُ أن الاقتداءَ ليسَ هو التقليدَ بل هوَ غيرُه كما حقَّقناهُ في شرحِ نظمِ الكافلِ (٦) في بحثِ الإجماعِ. ١٨/ ٣٥٠ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ"، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْوِتْرُ مَا بَينَ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ"، رَوَاهُ الْخمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٧)، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٨). [صحيح]

стр. 720

- وَرَوَى أَحْمدُ (١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ. ترجمة خارجة بن حذافة (وعنْ خارجةَ) (٢) بالخاءِ المعجمةِ، فراءِ بعدَ الألفِ، فجيمٍ هوَ: (ابنُ حذافةَ) بضمِّ المهملةِ، فدالٍ [بعدها] (٣) معجمةٍ، ففاءِ بعدَ الألفِ، وهوَ قرشيٌّ عدويٌّ، كانَ يعدلُ بألفِ فارسٍ، رُوِيَ: أنَّ عمروَ بنَ العاصِ استمدَّ من عمرَ بثلاثةِ آلافِ فارسٍ فأمدَّهُ بثلاثةٍ وهمْ: خارجةُ بنُ حذافةَ، والزبيرُ بنُ العوامِ، والمقدادُ بنُ الأسودِ. وُلِّيَ خارجةَ القضاءَ بمصرَ لعمرِو بن العاصِ، وقيلَ: كانَ على شرطتهِ، وعدادُهُ في أهلِ مصرَ، قتلَه الخارجيُّ ظنًّا منهُ أنهُ عمرُو بنُ العاصِ، حينَ تعاقدتِ الخوارجِ على قتلِ ثلاثةٍ: عليٍّ ﵇، ومعاويةَ وعمروِ بن العاصِ ﵄، فتمَّ أمرُ اللهِ في أميرِ المؤمنينَ علي ﵇ دونَ الآخرين. وإلى الغلطِ بخارجةَ أشارَ من قالَ شعرًا:

стр. 721

فليتَها إذْ فدتْ عمرًا بخارجةٍ … فدتْ عليًّا بمنْ شاءتْ منَ البشرِ وكانَ قتلُ خارجةَ سنةَ أربعينَ. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النعمِ، قلنا: وما هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الوترُ ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيّ، وصحَّحه الحاكمُ). قلتُ: قالَ الترمذيُّ (١) [عقيبَ] (٢) إخراجه لهُ: حديثُ خارجةَ بن حذافة [حديثٌ] (٣) غريبٌ لا نعرفُهُ إلّا من حديثِ يزيد بن أبي حبيبٍ، وقد وهمَ بعضُ المحدثينَ في هذا الحديثِ. ثمَّ ساقَ الوهم فيه، فكان يحسنُ من المصنفِ التنبيه على ما قاله الترمذيُّ هنا. وفي الحديثِ ما يفيدُ عدم وجوبِ الوترِ لقولهِ: "أمدَّكم"، فإنَّ الإمدادَ: هو الزيادةُ بما يقوّي المزيدَ عليهِ، يقالُ: مدَّ الجيشَ وأمدَّهُ إذا زادَهُ وألحقَ بهِ ما يقويهِ ويكثرهُ، ومدَّ الدواةَ وأمدَّها: زادَها ما يصلحُها، ومددتُ السراجَ والأرضَ: إذا أصلحتُهما بالزيتِ والسمادِ. [وتقدم الخلافُ في وجوبِ الوترِ وعدمِهِ] (٤). فائدة في حكمةِ شرعيةِ النوافلِ: أخرجَ أحمدُ (٥)، وأبو داودَ (٦)، وابنُ ماجَهْ (٧)، والحاكمُ (٨)، من حديثِ تميم الداريِّ مرفوعًا: "أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ صلاتهُ فإنْ كان أتمَّها كتبتْ له تامةً، وإنْ لم يكن أتمَّها قال اللَّهُ تعالى لملائكتهِ: "انظرُوا هل تجدونَ لعبدي من تطوُّع فتكملونَ بها فريضته، ثمَّ الزكاةُ كذلكَ، [ثمَّ الصيامُ كذلكَ] (٩)، ثمَّ تؤخذ الأعمالُ على حسبِ ذلكَ". [وأخرجهُ] (١٠) الحاكمُ في الكُنَى (١١) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "أولُ ما افترضَ اللَّهُ على أمتي الصلواتُ الخمسُ، وأولُ ما يرفعُ من أعمالِهم الصلواتُ الخمسُ،
следующие страницы →