← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 717–756 · переход к 722.

стр. 717

عباسٍ من طريقِ أبي شيبَةَ ثمَّ قالَ: إنهُ ضعيفٌ وساقَ رواياتٍ (١): "أن عمرَ أمرَ أُبَيًا وتميمًا الداريَّ يقومانِ بالناسِ بعشرينَ ركعةً"، وفي روايةٍ: "أنهمْ كانُوا يقومونَ في زمنِ عمرَ بعشرينَ ركعةً"، [وفي روايةٍ: بثلاثٍ وعشرينَ ركعةً] (٢)، وفي روايةٍ: "أنَّ عليًّا ﵁ كانَ يؤمُّهُم بعشرينَ ركعةً ويوترُ بثلاثٍ"، قالَ: وفيه قوةٌ. إذا عرفتَ هذا علمتَ أنهُ ليسَ في العشرينَ روايةٌ مرفوعةٌ (٣)، بل يأتي حديثُ عائشةَ المتفقُ عليهِ قريبًا (٤): "أنهُ ﷺ ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا غيرهِ على إحدَى عشْرَةَ ركعةً"، فعرفتَ من هذا كلِّهِ أنَّ صلاةَ التراويحِ على هذا الأسلوبِ الذي اتفقَ عليهِ الأكثرُ - بدعةٌ، نعمْ قيامُ رمضانَ سنةٌ بلا خلافٍ والجماعةُ في نافلتهِ لا تنكرُ، [وقدْ] (٥) ائتمَّ ابنُ عباسٍ ﵁ وغيرُه بهِ ﷺ في صلاةِ الليلِ، لكنْ جعلُ هذهِ الكيفيةِ والكميةُ سنةً والمحافظةُ عليها هوَ الذي نقولُ إنهُ بدعةٌ، وهذا عمرُ ﵁ خرجَ أوَّلًا والناسُ أوزاعُ متفرِّقونَ، منهم مَنْ يصلِّي منفردًا، ومنهمْ مَنْ يصلِّي جماعةً على ما كانُوا [عليه] (٦) في عصرهِ، وخيرُ الأمورِ ما [كانت] (٧) على عهدهِ. وأما تسميتُها بالتراويحِ فكأنَّ وجهَهُ ما أخرجَهُ البيهقي (٨) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي أربعَ ركعاتٍ في الليلِ، ثمَّ يتروَّحُ، فأطالَ حتَّى رحمتُهُ" الحديث. قالَ البيهقي (٨): تفردَ بهِ المغيرةُ بنُ [زياد] (٩) وليسَ بالقويِّ، فإنْ ثبتَ فهوَ أصلٌ في تروُّحِ الإمامِ في صلاةِ التراويحِ. انتهى. الاقتداء بالصحابة ليس تقليدًا وأمَّا حديثُ: "عليكمْ بسنّتي وسنّة الخلفاءِ الراشدينَ بعدي، تمسَّكُوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذِ"، أخرجهُ أحمدُ (١٠)، وأبو داودَ (١١)، وابنُ ماجَهْ (١٢)،

стр. 718

والترمذيُّ (١) وصحَّحهُ، [و] الحاكمُ (٢)، وقالَ: على شرطِ الشيخينِ، ومثلُهُ حديثُ: "اقتَدُوا باللذين مِنْ بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ"، أخرجهُ الترمذيُّ (٣)، وقال: حسنٌ، وأخرجهُ أحمدُ (٤)، وابنُ ماجَهْ (٥)، وابنُ حبانَ (٦)، ولهُ طرقٌ فيها مقالٌ إلَّا أنهُ يقوّي بعضُها بعضًا، فإنهُ ليسَ المرادُ بسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ إلَّا طريقتُهم الموافقةُ لطريقتهِ ﷺ من جهادِ الأعداءِ، وتقويةِ شعائرِ الدين، ونحوِها، فإنَّ الحديثَ عامٌّ لكلِّ خليفةٍ راشدٍ لا يخصُّ الشيخينِ (٧)، ومعلومٌ من قواعدِ الشريعةِ أنْ ليسَ لخليفةٍ راشدٍ أنْ يشرعَ (٨) طريقةً غيرَ ما كانَ عليها النبيُّ ﷺ ،

стр. 719

[ثمَّ] (١) عمرُ ﵁ نفسُه الخليفةُ الراشدُ سمَّى ما رآهُ من تجميعِ صلاتهِ ليالي رمضانَ بدعةً، ولمْ يقلْ: إنَّها سنةٌ، فتأمّلْ. على أن الصحابةَ ﵃ خالفُوا الشيخينِ في مواضعَ ومسائلَ (٢)، فدلَّ [على] (٣) أنّهم لم يحملُوا الحديثَ على أن ما قالُوهُ وفعلُوهُ حجةٌ. وقدْ حقَّقَ البرماويُّ الكلامَ في شرح ألفيتهِ في أصولِ الفقهِ، معَ أنهُ قالَ: إنَّما الحديثُ الأولُ يدل [أنه] (٤) إذا [اتفق] (٥) الخلفاءُ الأربعةُ على قولٍ كانَ حجةً لا إذا انفردَ واحدٌ منهم، والتحقيقُ أن الاقتداءَ ليسَ هو التقليدَ بل هوَ غيرُه كما حقَّقناهُ في شرحِ نظمِ الكافلِ (٦) في بحثِ الإجماعِ. ١٨/ ٣٥٠ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ"، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْوِتْرُ مَا بَينَ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ"، رَوَاهُ الْخمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٧)، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٨). [صحيح]

стр. 720

- وَرَوَى أَحْمدُ (١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ. ترجمة خارجة بن حذافة (وعنْ خارجةَ) (٢) بالخاءِ المعجمةِ، فراءِ بعدَ الألفِ، فجيمٍ هوَ: (ابنُ حذافةَ) بضمِّ المهملةِ، فدالٍ [بعدها] (٣) معجمةٍ، ففاءِ بعدَ الألفِ، وهوَ قرشيٌّ عدويٌّ، كانَ يعدلُ بألفِ فارسٍ، رُوِيَ: أنَّ عمروَ بنَ العاصِ استمدَّ من عمرَ بثلاثةِ آلافِ فارسٍ فأمدَّهُ بثلاثةٍ وهمْ: خارجةُ بنُ حذافةَ، والزبيرُ بنُ العوامِ، والمقدادُ بنُ الأسودِ. وُلِّيَ خارجةَ القضاءَ بمصرَ لعمرِو بن العاصِ، وقيلَ: كانَ على شرطتهِ، وعدادُهُ في أهلِ مصرَ، قتلَه الخارجيُّ ظنًّا منهُ أنهُ عمرُو بنُ العاصِ، حينَ تعاقدتِ الخوارجِ على قتلِ ثلاثةٍ: عليٍّ ﵇، ومعاويةَ وعمروِ بن العاصِ ﵄، فتمَّ أمرُ اللهِ في أميرِ المؤمنينَ علي ﵇ دونَ الآخرين. وإلى الغلطِ بخارجةَ أشارَ من قالَ شعرًا:

стр. 721

فليتَها إذْ فدتْ عمرًا بخارجةٍ … فدتْ عليًّا بمنْ شاءتْ منَ البشرِ وكانَ قتلُ خارجةَ سنةَ أربعينَ. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النعمِ، قلنا: وما هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الوترُ ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيّ، وصحَّحه الحاكمُ). قلتُ: قالَ الترمذيُّ (١) [عقيبَ] (٢) إخراجه لهُ: حديثُ خارجةَ بن حذافة [حديثٌ] (٣) غريبٌ لا نعرفُهُ إلّا من حديثِ يزيد بن أبي حبيبٍ، وقد وهمَ بعضُ المحدثينَ في هذا الحديثِ. ثمَّ ساقَ الوهم فيه، فكان يحسنُ من المصنفِ التنبيه على ما قاله الترمذيُّ هنا. وفي الحديثِ ما يفيدُ عدم وجوبِ الوترِ لقولهِ: "أمدَّكم"، فإنَّ الإمدادَ: هو الزيادةُ بما يقوّي المزيدَ عليهِ، يقالُ: مدَّ الجيشَ وأمدَّهُ إذا زادَهُ وألحقَ بهِ ما يقويهِ ويكثرهُ، ومدَّ الدواةَ وأمدَّها: زادَها ما يصلحُها، ومددتُ السراجَ والأرضَ: إذا أصلحتُهما بالزيتِ والسمادِ. [وتقدم الخلافُ في وجوبِ الوترِ وعدمِهِ] (٤). فائدة في حكمةِ شرعيةِ النوافلِ: أخرجَ أحمدُ (٥)، وأبو داودَ (٦)، وابنُ ماجَهْ (٧)، والحاكمُ (٨)، من حديثِ تميم الداريِّ مرفوعًا: "أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ صلاتهُ فإنْ كان أتمَّها كتبتْ له تامةً، وإنْ لم يكن أتمَّها قال اللَّهُ تعالى لملائكتهِ: "انظرُوا هل تجدونَ لعبدي من تطوُّع فتكملونَ بها فريضته، ثمَّ الزكاةُ كذلكَ، [ثمَّ الصيامُ كذلكَ] (٩)، ثمَّ تؤخذ الأعمالُ على حسبِ ذلكَ". [وأخرجهُ] (١٠) الحاكمُ في الكُنَى (١١) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "أولُ ما افترضَ اللَّهُ على أمتي الصلواتُ الخمسُ، وأولُ ما يرفعُ من أعمالِهم الصلواتُ الخمسُ،

стр. 722

وأولُ ما يُسألونَ عنهُ الصلوات الخمسُ، فمنْ كانَ ضيّعَ شيئًا منها يقولُ اللهُ ﵎: انظرُوا هل تجدونَ لعبدي نافلةً مِنْ صلواتٍ تتمّون بها ما نقصَ منَ الفريضةِ، وانظُروا [في] (١) صيامِ عبدي شهرَ رمضانَ، فإنْ كانَ ضيَّعَ شيئًا منه فانظُرا هل تجدونَ لعبدي نافلة منْ صيامٍ تتمون بها ما نقصَ منَ الصيامِ، انظُروا في زكاةِ عبدي، فإنْ كانَ ضيِّعَ شيئًا [منها] (١)، فانظُروا هو تجدونَ لعبدي نافلةً من صدقةٍ تتمُّونَ بها ما نقصَ من الزكاةِ فيؤخذُ ذلكَ على فرائضِ اللهِ، وذلكَ [برحمةِ] (٢) اللهِ وعدلهِ، فإنْ وجدَ لهُ فضلٌ وضعَ في ميزانهِ، وقيلَ له: ادخلِ الجنةَ مسرورًا، وإنْ لم يوجدْ لهُ شيءٌ من ذلكَ أمرتْ الزبانيةُ فأخذتْ بيديهِ ورجليهِ، ثمَّ قُذِفَ في النارِ"، وهوَ كالشرحِ والتفصيل لحديثِ تميمٍ الداريِّ. (ورَوَى أحمدُ عن عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عن جدِّهِ نحوَهُ)، أي نحوَ حديثِ خارّجةَ فشرحُه شرحُهُ. تأكيد سنيَّة الوتر ١٩/ ٣٥١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الوِترُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ (٣)، وصَحَّحَهُ الحَاكم (٤). [ضعيف] - وَلَهُ شَاهدٌ ضَعِيفٌ عَن أَبى هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (٥). [ضعيف]

стр. 723

ترجمة عبد الله بن بريدة (وَعَنْ عبدِ اللَّهِ بن برَيْدَةَ) (١) بضمِّ الموحدةِ، بعدَها راءٌ مهملةٌ مفتوحةٌ، ثمَّ مثناةٌ تحتيةٌ ساكنةٌ، فدالٌ مهملةٌ مفتوحةٌ هو: ابنُ الحُصيبِ - بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وفتحِ الصادِ المهملةِ، والمثنَّاةِ التحتيةِ، والباءِ الموحدةِ - الأسلميُّ. وعبدُ اللَّهِ منْ ثقات التابعينَ، سمعَ أباهُ وسمرةَ بنَ جندبٍ وآخرينَ، وتولَّى قضاءَ مروٍ، وماتَ بها، (عن أبيهِ) بريدةَ بن الحصيبِ، تقدمَ ذكرُهُ. (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : الوترُ حقٌّ) أي: لازمٌ، فهوَ من أدلةِ الإيجاب (فمنْ لم يوتِرْ فليسَ منَّا. أخرجَه أبو داودَ بسند لينٍ)؛ لأنَّ فيه عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهَ العتكيَّ، ضعَّفهُ البخاريُّ والنسائيُّ. وقالَ أبو حاتمٍ: صالحُ الحديث، (وصحَّحه الحاكمُ). وقالَ ابنُ معينٍ: إنهُ موقوفٌ (ولَه شاهدٌ ضعيفٌ عن أبي هريرةَ عندَ أحمدَ) رواهُ بلفظِ: "فَمَنْ لمْ يوترْ فليس منَّا"، وفيه الخليلُ بنُ مرةَ منكَرُ الحديثِ، وإسنادُه منقطعٌ كما قالهُ أحمدُ، ومعنى - ليس منَّا: ليسَ على سنَّتِنا وطريقتِنا، والحديث محمولٌ على تأكُّدِ السنيةِ للوِترِ جمعًا بينَه وبينَ الأحاديثِ الدالةِ على عدمِ الجوب. ٢٠/ ٣٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. قَالَتْ عَاثِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِن عَينَيَّ تَنَامَانَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (٣) عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، ويُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. [صحيح] (وَعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ما كانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرهِ

стр. 724

على إحدى عَشْرةَ ركعةً)، ثمَّ فصَّلتْها بقولها: (يصلِّي أربعًا) يحتملُ أنَّها متَّصلاتٌ، وهوَ الظاهرُ، ويحتملُ أنها [مفصَّلاتٌ] (١) وهوَ بعيدٌ، إلَّا أنهُ يوافقُ حديثَ: "صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى". (فَلا تَسألْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ) نهتْ عن سؤالِ ذلكَ إمَّا [أنهُ] (٢) لا يقدرُ المخاطبُ على مثلهِ فأيُّ حاجةٍ لهُ في السؤالِ، أو لأنهُ قد علمَ حسنهنَّ وطولهنَّ لشهرتهِ فلا يسألُ عنهُ، أو لأنَّها لا تقدرُ تصفُ ذلكَ، (ثمَّ يصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يصلِّي ثلاثًا، قالتْ [عائشة] (٣): فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، أتنامُ قبلَ أنْ تُوتِرَ) كأنهُ كانَ ينامُ بعدَ الأربعِ، ثمَّ يقومُ فيصلِّي الثلاثَ، وكأنهُ كانَ قد تقرّرَ عندَ عائشةَ أن النومَ ناقضٌ للوضوءِ، فسألتْهُ فأجابَها بقولهِ: (قال: يا عائشة إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامانِ ولا ينامُ قلبي)، دلَّ على أن الناقضَ نومُ القلبِ وهوَ حاصلٌ معَ كلِّ مَنْ نامَ مستغرقًا، فيكونُ منَ الخصائص أن النومَ لا ينقضُ وضوءَهُ ﷺ ، وقد صرَّحَ المصنفُ بذلكَ في التلخيصِ (٤). واستدلَّ بهذا الحديثِ وبحديثِ ابن عباسٍ (٥): "أنهُ ﷺ نامَ حتَّى نفخَ، ثمَّ قامَ فصلَّى ولم يتوضأ"، وفي البخاريِّ (٦): "إنَّ الأنبياءَ تنامُ أعينهُم ولا تنامُ قلوبُهم"، (متفقٌ عليه). اعلمْ [أنهُ] (٧) قدِ اختلفتِ الرواياتُ عن عائشةَ في كيفيةِ صلاتهِ ﷺ في الليل وعددِها، فقد رُويَ عنها سبعٌ وتسعٌ (٨)، وإحدى عشرةَ (٩)، سوَى ركعتي الفجرِ، ومنها [هذه] (١٠)

стр. 725

الروايةُ التي أفادَها قولُه: (وفي روايةٍ لهما)، أي: الشيخينِ (عنها) أي: عن عائشةَ (كان يصلِّي منَ الليلِ عشرَ ركعاتٍ)، وظاهرُهُ أنَّها موصولةٌ لا قعودَ فيها، (ويوترُ بسجدةٍ) أي: ركعةٍ (ويركعُ ركعتي الفجرِ) أي: بعد طلوعهِ، (فتلكَ) أي الصلاةُ في الليل معَ تغليبِ ركعتي الفجرِ، أوْ [فتلك] (١) الصلاةُ جميعًا (ثلاثَ عشرةَ ركعةً). وفي روايةٍ: "أنهُ كانَ يصلِّي منَ الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثمَّ يصلِّي إذا سمعَ النداءَ ركعتينِ خفيفتينِ، فكانتْ خمسَ عشَرةَ ركعةً" (٢). ولما اختلفتْ ألفاظُ حديثِ عائشةَ زعمَ البعضُ أنهُ حديثٌ مضطربٌ، وليس كذلكَ، بل الرواياتُ محمولةٌ على أوقاتٍ متعدِّدةٍ [مختلفة] (٣)، وأوقات مختلفةٍ بحسبِ النشاطِ وبيانِ الجوازِ، وأنَّ الكلَّ جائزٌ، وهذا لا يناسبهُ قولُها: "ولا في غيرهِ"، [بل] (٤) الأحسنُ أنْ يقال: إنَّها أخبرتْ عن الأغلبِ من فعلِهِ ﷺ ، فلا ينافيهِ ما خالفَهُ؛ لأنهُ إخبارٌ عن النادرِ. ٢١/ ٣٥٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا (٥). [صحيح] (وعنْها) أي: عائشةَ (قالَتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي منَ الليلِ ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) لم تفصِّلها وتبيِّن على كمْ كانَ يسلِّمُ كما ثبتَ ذلكَ في الحديثِ السابق، إنَّما [ثبت] (٦) هذا في الوترِ بقولِها: (ويوتِرُ منْ ذلكَ) أي: العددِ المذكورِ (بخمسٍ لا يجلسُ في شيء إلَّا في آخرِها)، كأنَّ هذا أحدُ أنواعِ إيتارهِ ﷺ ، كما أن الإيتارَ بثلاثٍ أحدُها كما أفادَهُ حديثُها السابقُ.

стр. 726

بيان وقت الوتر وأنه الليل كله ٢٢/ ٣٥٤ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (١). [صحيح] (وعنْها) أي: عائشة (قالتْ: مِنْ كلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، أي: منْ أولهِ، وأوسطهِ، وآخرهِ، (وانتهى وِتْرُهُ إلى السَّحرِ. متفقٌ عليهما) أي: [على] (٢) الحديثينِ. وهذا الحديث بيانٌ لوقتِ الوترِ، وأنهُ الليلُ كلُّه منْ بعدِ صلاةِ العشاءِ، وقدْ أفادَ ذلكَ حديثُ خارجةَ (٣)، حيثُ قالَ: "الوترُ ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى

стр. 727

طُلوعِ الفجرِ". وقد ذكرْنا أنواعِ الوترِ التي وردتْ في حاشيةِ ضوءِ النهارِ (١). يستحب الدوام على فعل الخير ٢٣/ ٣٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (وعَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العاصِ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : يا عبدَ اللَّهِ لا تَكُنْ مِثْلَ فلانٍ كانَ يقومُ منَ الليلِ فَتَرَكَ قيامَ الليلِ، متفقٌ عليهِ). قولُهُ: "مثلَ فلانٍ" قال المصنفُ في فتحِ الباري (٣): لم أقفْ على تسميته في شيءٍ منَ الطرقِ، وكأنّ إبهامَ هذا القصدِ [للسترِ] (٤) عليهِ. قالَ ابنُ العربي: في هذا الحديثِ دليلٌ على أن قيامَ الليلِ ليسَ بواجبٍ، إذْ لو كانَ واجبًا لم يكتفِ لتاركهِ بهذا القدرِ بلْ كانَ يذمهُ أبلغَ ذمٍ، وفيهِ استحبابُ الدوامِ على ما اعتادَهُ المرءُ منَ الخيرِ منْ غيرِ تفريطٍ، ويُستنبطُ منهُ كراهةُ قطعِ العبادةِ. ٢٤/ ٣٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٦). [صحيح لغيره] (وَعَنْ عليِّ [بن أبي طالب] (٧) ﵇ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أوتِرُوا يا أهلَ القرآنِ، فإنَّ اللَّهِ وترٌ)، في النهايةِ (٨): أي واحدٌ في ذاتهِ لا يقبلُ الانقسامَ ولا

стр. 728

التَّجزِئةَ، واحدٌ في صفاتهِ لا شبيهَ لهُ ولا مِثْلَ، واحِدٌ في أفعالِهِ [لا] (١) شريكَ لَهُ ولا مُعينَ، (يحبُّ الوترَ) يُثيبُ عليهِ ويقبلُه من عاملهِ، (رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ). المرادُ بأهلِ القرآنِ: المؤمنونَ لأنَّهم الذينَ صدَّقُوا القرآنَ، وخاصةً مَنْ يتولَّى حفظَه ويقومُ بتلاوتهِ ومراعاةِ حدودهِ وأحكامهِ. والتعليلُ بأنه تعالى وترٌ، فيهِ - كما قالَ القاضي عياضٌ -: أن كلَّ ما ناسبَ الشيءَ أدْنَى مناسبةٍ كانَ أحبَّ إليهِ، وقد عرفتَ أن الأمرَ للندبِ للأدلةِ التي سلفتْ الدالةِ على عدمِ وجوبِ الوترِ. إذا أوتر ثم أراد أن يتنفَّل فماذا يصنع؟ ٢٥/ ٣٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتِكُمِ باللَّيلِ وِتْرًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وَعَنِ ابن عُمَرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: اجعلوا آخرَ صلاتِكُم بالليلِ وِتْرًا. متفقٌ عليهِ)، في فتحِ الباري (٣): أنهُ اختلفَ السلفُ في موضعينِ: أحدِهما: في مشروعيةِ ركعتينِ بعدَ الوترِ من جلوسٍ. والثاني: مَنْ أوترَ ثمَّ أرادَ أن يتنفلَ منَ الليلِ هل يكتفي بوتره الأولِ ويتنفلُ ما شاءَ، أو يشفعُ وترهُ بركعةٍ ثمَّ يتنفلُ، ثمَّ إذا فعلَ هذا هل يحتاجُ إلى وترٍ آخرَ أوْ لا؟ أمَّا (الأولُ) فوقعَ عندَ مسلمٍ (٤) من طريقٍ: أبي سلمةَ عن عائشةَ: "أنهُ ﷺ كانَ يصلّي منَ الليلِ ركعتينِ بعدَ الوترِ وهوَ جالسٌ". وقد ذهبَ إليهِ بعضُ أهلِ العلمِ، وجعلَ الأمرَ في قولِهِ: "اجعلُوا آخرَ صلاتكُم بالليلِ وترًا" مختصًا بمنْ

стр. 729

أوترَ آخرَ الليلِ، وأجابَ مَنْ لم يقلْ بذلك بأنَّ الركعتينِ المذكورتينِ هما ركعتا الفجرِ، وحملَهُ النوويُّ (١) على أنهُ ﷺ فعلَ ذلكَ لبيانِ جوازِ النفل بعدَ الوترِ، وجوازِ التنفلِ جالسًا. وأمَّا (الثاني): فذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يصلِّي شَفْعًا ما أرادَ ولا ينقضُ وترَهُ الأولَ عملًا بالحديثِ: ٢٦/ ٣٥٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيلَةٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَالثَّلَاثَةُ (٣)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] وهو (وَعَنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: لا وتران في ليلةٍ. رواهُ أحمدُ والثلاثة، وصحَّحهُ ابن حبانَ)؛ فدلَّ على أنهُ لا يوترُ بلْ يصلِّي شفعًا ما شاءَ، وهذا نظر إلى ظاهرِ فعلهِ، وإلَّا فانَّهُ لما شفعَ وترَه الأولَ لم يبقَ إلَّا وترٌ واحدٌ هوَ ما يفعلُه آخرًا، وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ قالَ لما سئلَ عن ذلكَ: "إذا كنتَ لا تخافُ الصبحَ ولا النومَ فاشفعْ، ثمَّ صلِّ ما بدا لك، ثمَّ أوترْ" (٥). ما يقرأ في الوتر ٢٧/ ٣٥٩ - وَعَنْ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)،

стр. 730

وَأَبُو دَاوُد (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢). وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرهِنَّ. [صحيح] ترجمة أبي بن كعب (وعنْ أُبيِّ بن كَعْبٍ (٣) ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يوترُ) أي: يقرأ في صلاةِ الوترِ (بسبحِ اسمَ ربِّكَ الأعْلَى) أي: في الأُولى بعدَ قراءةِ الفاتحةِ، (وقلْ يا أيُّها الكافرونَ) أيْ: في الثانيةِ بعدَها، (وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ) أيْ في الثالثةِ بعدَها، (رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ وزاد) أي: النسائيّ: (ولا يسلِّمُ إلَّا في آخرِهنَّ). الحديثُ دليلٌ على الإيتارِ بثلاثٍ؛ وقدْ عارضَهُ حديثُ: "لا توتِرُوا بثلاثٍ" [وهو] (٤) عنْ أبي هريرةَ صحَّحهُ الحاكمُ (٥). وقدْ صحَّحَ الحاكمُ عن ابن عباسٍ

стр. 731

وعائشةَ (١) كراهيةَ الوترِ بثلاثٍ. وقدْ قدَّمْنَا وجهَ الجمعِ، ثمَّ الوترُ بثلاثٍ أحدُ أنواعهِ كما عرفتَ فلا يتعينُ فيهِ. فذهبتِ الحنفيةُ (٢)، والهادويةُ (٣) إلى تعيينِ الإيتارِ بالثلاثِ تُصَلَّى موصولةً، قالُوا: لأنَّ الصحابةَ أجمعُوا على أن الإيتارَ بثلاثٍ موصولةٍ جائزٌ، واختلفوا فيما عداهُ. فالأخذُ بهِ أخذٌ بالإجماعِ؛ ورُدَّ عليهم بعدمِ صحةِ الإجماعِ ما عرفتَ. ٢٨/ ٣٦٠ - وَلأَبِي داوُدَ (٤)، والتِّرْمِذِيِّ (٥) نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: كُلّ سُورَةٍ في رَكْعَةٍ، وفي الأخيرَةِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. [حسن] (ولأبي داودَ، والترمذيِّ نحوُه) أي: نحوُ حديثِ أبيّ (عن عائشةَ، وفيه كلُّ سورةٍ) منْ "سبِّح" و"الكافرونَ" (في ركعةٍ) من الأولى والثانيةِ، كما بينَّاهُ، (وفي الأخيرةِ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ والمُعَوِّذتينِ). في حديثِ عائشةَ لينٌ؛ لأنَّ فيهِ خصيفًا الجزري (٦)، ورواهُ ابنُ حبانَ (٧)، والدارقطنيّ (٨) من حديثِ يحيى بن سعيدٍ عن عمرةَ عن عائشةَ. قالَ العقيليُّ (٩): إسنادهُ صالحٌ. وقالَ ابنُ

стр. 732

الجوزيِّ (١): أنكرَ أحمدُ، ويحيى بنُ معينٍ زيادةَ المعوِّذتينِ. ورَوَى ابنُ السكن لهُ شاهدًا من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سرجسٍ بإسنادٍ غريبٍ. وقت الوتر ٢٩/ ٣٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] - وَلابْنِ حِبَّانَ (٣): "مَن أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ". [صحيح] (وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: أوتروا قبلَ أن تصبحُوا. رواهُ مسلمٌ) هوَ دليلٌ على أن الوترَ قبلَ الصبحِ، (ولابنِ حبانَ) [أي] (٤): منْ حديثِ أبي سعيدٍ؛ (مَنْ أدركَ الصبحَ ولمْ يوترُ فلا وترَ لهُ)، [وهوَ] (٥) دليلٌ على أنهُ لا يشرعُ الوترُ بعدَ خروجِ الوقتِ، وإمَّا أنهُ لا يصحُّ قضاؤُهُ فلا؛ إذِ المرادُ مَنْ تركَهُ متعمِّدًا فإنهُ قدْ فاتتْهُ السنةُ العظمى حتَّى أنهُ لا يمكنهُ تداركُه، وقدْ حَكَى ابنُ المنذرِ عنْ جماعةٍ منَ السلفِ أن الذي يخرجُ بالفجرِ وقتُهُ الاختياريُّ، [وأمَّا] (٦) وقتُه الاضطراريُّ [فيبقى] (٥) إلى قيامِ صلاةِ الصبح، وأمَّا مَنْ نامَ عن وترهِ أو نسيَهُ فقدْ بيَّنَ حكمَهُ الحديثُ: يقضي الوتر إذا خرج وقته ٣٠/ ٣٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أوْ نَسِيَهُ

стр. 733

فَلْيُصَلِّ إِذا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (١). [صحيح] وهوَ قولهُ: (وعنهُ) أي عنْ أبي سعيدٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ نامَ عن الوترِ، أو نسيهُ، فليصلِّ إذا أصبحَ أو ذكر) لفٌّ ونشرٌ مرتب، [أصبحَ] (٢) حيثُ كانَ نائمًا، أو ذكرَ إذا كان ناسيًا (رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ)، فدلَّ على أن مَنْ نامَ عن وترهِ أو نسيَهُ فحكمُهُ حكمُ مَنْ نامَ عن الفريضةِ أو نسيَها، [فإنه] (٣) يأتي بها عندَ الاستيقاظِ أو الذكرِ، والقياسُ أنهُ أداءٌ كما عرفتَ فيمنْ نامَ عن الفريضةِ أو نسيَها. ٣١/ ٣٦٣ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتر آخِرَ اللَّيلِ، فَإنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁) [هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ] (٥) (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ خافَ أنْ لا يقومَ من [آخر] (٦) الليلِ فليوترْ أولَه، ومَنْ طمعَ أنْ يقومَ آخرَهُ فليوترْ آخرَ الليلِ، فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ وذلكَ أفضل. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دلالةٌ على أن تأخيرَ الوتر أفضلُ، ولكنْ إنْ خافَ أنْ لا يقومَ قدمَهُ لئلَّا يفوتَه فعلًا. وقدْ ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ إلى هذا، وإلى هذَا، وفعلِ كلِّ بالحالينِ، ومعنى كونِ صلاةِ آخرِ الليلِ مشهودة: تشهدُها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ. ٣٢/ ٣٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَقَدْ

стр. 734

ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاةِ اللَّيلِ وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: إذا طلعَ الفجرُ فقد ذهبَ وقتُ كلِّ صلاةِ الليلِ) أي: النوافل المشروعةِ فيهِ، (والوترِ) عطفُ خاصٍّ على عامٍّ، فإنهُ من صلاةِ الليلِ، عطفَهُ عليهِ لبيانِ شرفهِ، (فأوتِرُوا قبلَ طلوعِ الفجرِ)، [فتخصيصُ الأمر] (٢) بالإيتار لزيادة العناية بشأنه، وبيانِ أنه أهمُّ صلاةِ الليلِ، وأنَّهُ يذهبُ وقتُهُ بذهابِ الليلِ. وتقدَّمَ في حديثِ أبي سعيدٍ (٣) أن النائمَ والناسي يأتيانِ بالوترِ عندَ اليقظةِ إذا أصبحَ، والناسي عندَ [التذكرِ] (٤)، فهوَ مخصصٌ [لهذا] (٥)، فبيّنَ أن المرادَ بذهابِ وقتِ الوتر بذهابِ الليلِ على مَنْ تركَ الوترَ لغيرِ العذرينِ، وفي تركِ ذلكَ للنومِ ما رواهُ الترمذيُّ (٦) عن عائشةَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا لم يصلِّ منَ الليلِ منعهُ من ذلكَ النومُ، أو غَلَبَتْهُ عيناهُ، صلَّى [منَ] (٥) النهار اثنتي عشرةَ ركعةً"، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، وكأنهُ تداركَ لما فاتَ (رواهُ الترمذيُّ). قلتُ: وقالَ عقيبهُ: سليمانُ بنُ موسى قد تفرَّدَ بهِ على هذا اللفظِ.

стр. 735

صلاة الضحى وأقوال العلماء فيها ٣٣/ ٣٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي الضحى أربعًا ويزيد ما شاءَ اللَّهُ. رواهُ مسلمٌ). هذا يدلُّ على شرعيةِ صلاةِ الضُّحى، وأنَّ أقلَّها أربعٌ. وقيلَ: ركعتانِ، وهذَا في الصحيحينِ (٢) من روايةِ أبي هريرةَ: "وركعتي الضُّحى"؛ وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: لعلَّهُ ذكرَ الأقلَّ الذي [يؤخذ] (٣) التأكيدُ بفعلِهِ، قالَ: وفي هذا دليلٌ على استحبابِ صلاةِ الضُّحى، وأنَّ أقلَّها ركعتانِ، وعدمُ مواظبةِ النبي ﷺ على فعلِها لا ينافي استحبابَها؛ لأنهُ حاصلٌ بدلالةِ القولِ، وليسَ من شرطِ الحكمِ أنْ تتضافرَ عليهِ أدلةُ القولِ والفعلِ. لكنَّ ما واظبَ النبيُّ ﷺ على فعلهِ مرجحٌ على ما لمْ يواظبْ عليهِ. انتهَى. وأما حكمُها: فقدْ جمعَ ابنُ القيمِ (٤) الأقوالَ فبلغتْ ستةَ أقوالٍ: الأولُ: أنَّها سنةٌ مستحبةٌ. الثاني: لا تشرعُ إلَّا لسببٍ. الثالثُ: لا تستحبُّ أصلًا. الرابعُ: يستحبُّ فعلُها تارةً وتركُها تارةً، فلا يواظبُ عليها. الخامسُ: [يستحبُّ] (٥) المواظبةُ عليها في البيوتِ.

стр. 736

السادسُ: أنَّها بدعةٌ. وقد ذَكَرَ هنالكَ مستندُ كلِّ قولٍ. هذَا، وأرجحُ الأقوالِ: أنَّها سنةٌ مستحَبةٌ كما قرّرهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، نعمْ، وقدْ عارضَ حديثَ عائشةَ هذا حديثُها الذي أفادهُ قولُهُ: ٣٤/ ٣٦٦ - وَلَهُ (١) عَنْهَا: أنَّها سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. [صحيح] - وَلَهُ (٢) عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [صحيح] (ولهُ) أي: لمسلم (عنها) أي: عن عائشةَ (أنّها سُئِلَتْ: هلْ كانَ النبي ﷺ يصلِّي الضُّحَى؟ قالتْ: لا، إلَّا أنْ يجيءَ من مغيبهِ)؛ فإنَّ الأولَ دلَّ على أنهُ كانَ يصلّيها دائمًا، لما تدلُّ عليهِ كلمةُ "كان"؛ فإنَّها تدلُّ على التكرارِ، والثانيةُ دلّتْ على أنهُ كانَ لا يصلّيها إلَّا في حالِ مجيئهِ من مغيبهِ، وقد جُمِعَ بينَهما بأنَّ كلمةَ كانَ يفعلُ كذَا لا تدلُّ على الدوامِ دائمًا بلْ غالبًا، وإذا قامتْ قرينةٌ على خلافهِ صرفتْها عنهُ كما هنا، فإنَّ اللفظَ الثاني صرفَها عن الدوامِ، وأنَّها أرادتْ بقولِها: "لا، إلَّا أنْ يجيءَ من مغيبهِ"، نفيَ رؤيتِها صلاةَ الضُّحَى، وأنَّهَا لمْ ترهُ يفعلُها إلَّا في ذلكَ الوقتِ، واللفظُ الأول: [إخبارٌ] (٣) عما بلغَها في أنهُ ما كانَ يتركُ صلاةَ الضُّحى، إلَّا أَنَّهُ يضعفُ هذا قولهُ: (ولهُ) أي: لمسلم، وهوَ أيضًا في البخاري بلفظه، فلوْ قالَ: ولهمَا كانَ أوْلَى. (عنها) أي: [عن] (٤) عائشةَ (ما رأيت رسولَ اللَّهِ ﷺ يصلي [قطُّ] (٥) سُبحةَ الضُّحى) بضمِّ السينِ، وسكونِ الباءِ، أي: نافلتَه، (وإني لأسبِّحُها)، فنفتْ رؤيتَها

стр. 737

لفعلهِ [ ﷺ لها] (١)، وأخبرتْ أنَّها كانتْ تفعلُها، كأنهُ استنادٌ إلى ما بلغَها منَ الحثِّ عليها، ومنْ فعلِه ﷺ لها، فألفاظُها لا تتعارضُ حينئذٍ. وقالَ البيهقيُّ (٢): المرادُ بقولها: ما رأيتُهُ سبَّحَها أي: داومَ عليها، وقولها: وإني لأسبِّحها: أداوم عليها، وقالَ ابنُ عبدِ البرّ (٣): يرجحُ ما اتفقَ عليهِ الشيخانِ، [وهوَ] (٤) روايةُ إثباتها دونَ ما انفردَ بهِ مسلمٌ وهي روايةُ نفْيِها. قالَ: وعدمُ رؤية عائشةَ لذلكَ لا يستلزمُ عدمَ الوقوعِ الذي أثبتهُ غيرُها. هذا معنىَ كلامهِ. قلتُ: ومما [اتّفقَا] (٥) عليهِ في إثباتِها حديثُ أبي هريرةَ في الصحيحينِ (٦): "أنهُ أوصاهُ ﷺ بأنْ لا يترك ركعتي الضُّحَى". وفي الترغيب في فعلِها أحاديثُ كثيرةٌ - وفي عددِها كذلكَ - مبسوطةٌ في كتبِ الحديثِ. ٣٥/ ٣٦٧ - وَعَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ"، رَوَاهُ التّرمِذِيُّ (٧). [صحيح] (وعنْ زيدِ بن أرقمَ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: صلاة الأوابينَ) الأوَّابُ: الرجَّاعُ إلى اللَّهِ تعالى بتركِ الذنوبِ وفعلِ الخيراتِ، (حينَ ترمَضُ الفصالُ) [ترمَض] (٨) بفتح الميم: من رمِضتْ بكسرِها أي: تحترقُ منَ الرمضاءِ، وهوَ شدَّةُ

стр. 738

[حرارةِ] (١) الأرضِ من [وقوعِ] (٢) الشمسِ على [الرمل] (٣) [وغيرِه] (٤)، وذلكَ يكونُ عندَ ارتفاعِ الشمسِ وتأثيرِها الحرَّ، والفصالُ: جمعُ فصيلٍ، وهوَ ولدُ الناقةِ، سُمِّيَ بذلكَ لفصلهِ عن أمهِ، (رواهُ الترمذيُّ)، ولم يذكرْ لها عددًا. وقد أخرجَ البزارُ (٥) من حديثِ ثوبانَ: " (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يستحبُّ أن يصلِّيَ بعدَ نصفِ النهارِ، فقالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ إنكَ تستحبُّ الصلاةَ هذهِ الساعةَ، قالَ: "تفتحُ فيها أبوابُ السماءِ، وينظرُ ﵎ فيها بالرحمةِ إلى خلقهِ، وهي صلاةٌ كانَ يحافظُ عليها آدمُ، ونوح، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى"، وفيه راوٍ متروكٌ (٦). ووردتْ أحاديثُ كثيرةٌ أنَّها أربعُ ركعاتٍ. ٣٦/ ٣٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (٧). [ضعيف] (وعن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صلَّى الضُّحَى اثنتي عشرةَ ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنةِ. رواهُ الترمذيُّ واستغربَهُ). قالَ المصنفُ: وإسنادهُ ضعيفٌ (٨).

стр. 739

وأخرجَ البزارُ (١) عن ابن عمرَ قالَ: قلتُ لأبي ذرٍّ: يا عمَّاهُ، أوصني، قال: سألتني عمَّا سألتُ عنهُ رسول الله ﷺ فقالَ: "إنْ صليتَ الضُّحى ركعتينِ لم تُكتبْ منَ الغافلينَ، وإنْ صلَّيتَ أربعًا [كُتبتَ] (٢) من العابدينَ، وإنْ صلَّيتَ سِتًّا لم يلحقْكَ ذنبٌ، وإنْ صلَّيتَ ثمانيًا كتبتَ منَ القانتينَ، وإنْ صلَّيتَ ثنتي عشرةَ بُنِيَ لكَ بيتٌ في الجنةِ"، (وفيهِ حسينُ بنُ عطاءٍ ضعَّفَهُ أبو حاتمٍ وغيرُهُ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ، وقالَ: يخطئُ ويدلِّسُ) (٣). وفي البابِ أحاديثُ لا تَخْلُو عنْ مقالٍ. ٣٧/ ٣٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٤). [حسن] (وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ رسول اللَّهِ ﷺ بيتي، فصلَّى الضّحي ثماني ركعاتٍ. رواهُ ابن حبانَ في صحيحهِ). قد تقدمَ روايةُ مسلمٍ (٥) عنها: "أنَّها ما رأتْه ﷺ يصلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى"، وهذا الحديثُ أثبتتْ فيهِ صلاتَه في بيتها، وجُمِعَ بينهما بأنَّها نفتِ الرؤيةَ، وصلاتُهُ في بيتِها يجوزُ أنَّها لم ترهُ، ولكنهُ ثبتَ لها بروايةٍ، واختارَ القاضي عياضٌ هذا الوجهَ. ولا بُعدَ في ذلكَ وإنْ كانَ في بيتها لجوازِ غَفْلَتِها في الوقت، فلا منافاةَ، والجمعُ مهما أمكنَ هوَ الواجبُ. (فائدة): من فوائدِ صلاة الضُّحى أنَّها تجزئُ عن الصدقةِ التي تصبحُ على

стр. 740

مفاصل الإنسانِ في كلِّ يومٍ، وهي ثلاثُمائةٍ وستون مفصلًا، [لما] (١) أخرجهُ مسلم (٢) من حديثِ أبي ذرٍّ [الذي] (٣) قالَ فيه: " [وتجزئ] (٤) من ذلك ركعتا الضُّحَى". * * *

стр. 741

[الباب العاشر] بابُ صلاة الجماعة والإمامةِ مضاعفة الأجر في الجماعة ١/ ٣٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْع وَعِشْرِينَ دَرَجَةً"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] - وَلَهُمَا (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا". [صحيح] - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ (٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: "دَرَجَةً". [صحيح] (عَن عبدِ اللَّهِ بْنِ عمرَ ﵄ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفذِّ) بالفاءِ والذالِ المعجمةِ: الفردُ (بسبعٍ وعشرينَ درجةً. متفق عليهِ). (ولهما) أي: الشيخين (عن أبي هريرةَ: بخمس وعشرينَ جزءًا) عِوَضًا عن قولهِ: سبعٍ وعشرينَ درجةً، (وكذَا) أي: وبلفظِ: بخمسٍ وعشرينَ (للبخاريِّ عن أبي سعيدٍ، وقالَ: درجةً) عوضًا عن "جزءٍ". ورواهُ جماعةٌ منَ الصحابةِ غيرُ الثلاثةِ

стр. 742

المذكورينَ، منهم: أنسٌ (١)، وعائشةُ (٢)، وصهيبٌ (٣)، ومعاذٌ (٤)، وعبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ (٥)، وزيدُ بنُ ثابتٍ (٦). قالَ الترمذيُّ (٧): عامةُ مَن رواهُ قالُوا خمسًا وعشرينَ إلّا ابنَ عمرَ فقالَ [سبعةً] (٨) وعشرينَ، ولهُ روايةٌ فيها: خمسًا وعشرينَ، ولا منافاةَ فإنَّ مفهومَ العددِ غيرُ مرادٍ، فروايةُ الخمسِ والعشرينَ داخلة تحت رواية السبع والعشرين، أو أنه أخبر ﷺ بالأقل عددًا أوَّلًا، ثم أخبر بالأكثرِ، وأنهُ زيادةٌ تفضَّلَ اللَّهُ بها، وقد زعمَ قومٌ أن السبعَ محمولةٌ على مَنْ صلَّى في المسجدِ، والخمسَ لمنْ صلَّى في غيرهِ، وقيلَ: السبعُ لبعيدِ المسجدِ، والخمسُ [لقريبِ المسجدِ] (٩)، ومنهم مَنْ أبدى مناسباتٍ وتعليلاتٍ استوفاها المصنفُ في فتح الباري (١٠)؛ "وهي أقوالٌ تخمينيةٌ ليسَ عليها نصٌّ، والجزءُ والدرجةُ [هما] (١١) بمعنًى واحدٍ [هنا] (١٢)؛ لأنهُ عبَّرَ بكلِّ واحدٍ [منها] (١٣) عن الآخرِ. وقد وردَ تفسيرُهما بالصلاةِ، وأنَّ صلاةَ الجماعةِ بسبعٍ وعشرينَ صلاةً فرادى، والحديثُ حثَّ على الجماعةِ، وفيهِ دليلٌ على عدمِ وجوبِها، وقد قالَ: بوجوبِها جماعةٌ منَ العلماءِ مستدلِّينَ بقولِهِ:

стр. 743

دليل من قال بوجوب الجماعة من العلماء ٢/ ٣٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقُ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَينِ حَسَنَتَينِ لَشَهِدَ العِشَاءَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: والذي نفسي بيدهِ)، أي: في ملكه وتحتَ تصرفِهِ، (لقد هممتُ) [هو] (٢) جوابُ القسمِ، والأقسامُ منهُ ﷺ لبيانِ عِظَم شأن ما يذكرهُ زجرًا عن تركِ الجماعةِ (أنْ آمُرَ بحطبٍ فيحتطبُ، ثم آمرَ بالصلاةِ فيؤذنَ لها، ثمَّ آمُرَ رجلًا فيؤمَّ الناسَ، ثمَّ أخالفُ) في الصحاحِ (٣): خالفَ إلى فلانٍ أي: أتاهُ إذا غابَ عنهُ، (إلى رجالٍ لا يشهدونَ الصلاةَ) أي: لا يحضرونَ الجماعةَ (فأحرِّقُ عليهم بيوتَهم. والذي نفسي بيدهِ لو يعلمُ أحدُهم أنه يجدُ عَرْقًا) بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، ثمَّ قافٌ: هوَ العَظْمُ إذا كانَ عليه لحمٌ (سمينًا أو مِرْماتينِ) تثنيةُ مِرماةِ بكسرِ الميم، فراءٍ ساكنةٍ وقد تفتحُ الميمُ، وهيَ: ما بينَ ضلعِ الشاةِ مِنَ اللحمِ (حسنتينِ) بمهملتينِ منَ الحسنِ (لشهدَ العشاءَ) أي صلاتَهُ في جماعةٍ (متفقٌ عليهِ). [أي بينَ الشيخينِ] (٤) (واللفظُ للبخاريِّ). والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الجماعةِ عينًا لا كفايةً؛ إذْ قدْ قامَ بها غيرُهم فلا يستحقونَ العقوبةَ، ولا عقوبةَ إلَّا على تركِ واجبٍ أو فعلِ محرَّم. وإلى أنَّها فرضُ عينٍ ذهبَ عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ المنذرِ، وابنُ حبانَ، ومن أهلِ البيتِ: أبو العباسِ، وقالتْ بهِ الظاهريةُ. وقالَ

стр. 744

داودُ: إنَّها شرطٌ في صحةِ الصلاةِ بناء على ما يختارهُ مِنْ أن كلَّ واجبٍ في الصلاةِ فهوَ شرطٌ فيها، [ولمْ يسلَّمْ لهُ هذا لأنَّ الشرطيةَ لا بدَّ لها منْ دليلٍ، ولذَا قالَ أحمدُ وغيرُه: إنَّها واجبةُ غيرُ شرطٍ] (١)، وذهبَ أبو العباسِ تحصيلًا لمذهبِ الهادي أنَّها فرضُ كفايةٍ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ من متقدِّمي الشافعيةِ، وكثيرٌ من الحنفيةِ والمالكيةِ، وذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ والمؤيَّدُ باللهِ، وأبو حنيفةَ، وصاحباهُ، والناصرُ إلى أنَّها سنةٌ مؤكدةٌ. استدلَّ القائلُ بالوجوبِ بحديثِ البابِ؛ لأنَّ العقوبةَ البالغة لا تكونُ إلَّا على تركِ الفرائضِ، وبغيرهِ من الأحاديثِ؛ كحديثِ ابن أمّ مكتوم أنهُ قالَ: "يا رسولَ اللهِ، قد علمتَ ما بي، وليسَ لي قائدٌ، وإنَّ بيني وبينَ المسجدِ شجرًا ونخلًا، ولا أقدرُ على قائدٍ كلَّ ساعةٍ، قال ﷺ : "أتسمعُ الإقامةَ"؟ قالَ: نعم، قال: "فاحضرها"، أخرجهُ أحمدُ (٢)، وابنُ خزيمةُ (٣)، والحاكمُ (٤)، وابنُ حبانَ (٥) بلفظِ: "أتسمعُ الأذانَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فأتِها ولو حبوًا"، والأحاديثُ في معناهُ كثيرةٌ، ويأتي حديثُ ابن أمِّ مكتومٍ (٦)، وحديثُ ابن عباس (٧). وقد أطلق البخاريُّ (٨) الوجوبَ عليها [وبوَّبَ له] (٩) بقولِهِ: بابُ وجوبِ صلاةِ الجماعةِ. وقالُوا: هي فرضُ عينٍ؛ إذْ لو كانت فرضَ كفايةٍ لكانَ قد أسقطَ وجوبَها فعلُ النبيِّ ﷺ ومَنْ معهُ لها، وأمّا التحريقُ في العقوباتِ بالنارِ، فإنهُ وإنْ كانَ قد ثبتَ النهيُ عنهُ عامًا فهذا خاصٌّ، وأدلةُ القائلِ بأنَّها فرضُ كفايةٍ أدلةُ مَنْ

стр. 745

قالَ: إنَّها فرضُ عينٍ بناءً على قيامِ الصارفِ للأدلةِ [على] (١) فرضِ العينِ إلى فرضِ الكفايةِ، وقدْ أطالَ القائلونَ بالسنيةِ الكلامَ في الجواباتِ عن هذا الحديثِ بما لا يشفي، وأقربُها أنهُ خرجَ مخرجَ الزجرِ لا الحقيقةِ بدليلِ أنهُ لمْ يفعله ﷺ ، واستدلَّ القائلُ بالسنيةِ بقولهِ ﷺ في حديثٍ أبي هريرةَ: "صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفذِّ" (٢)؛ فقد اشتركَا في الفضيلةِ، ولو كانتِ الفرادَى غيرَ مجزئةٍ لما كانتْ لها فضيلةٌ أصلًا، وحديثُ: "إذا صليتُما في رحالِكُما" (٣)، فأثبتَ لهما الصلاةَ في رحالِهما، ولم يبينْ أنَّها إذا كانت جماعة، وسيأتي. ٣/ ٣٧٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ العِشَاءِ، وَصَلاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوا"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أثقلُ الصلاةِ علي المنافقينَ) فيهِ أن الصلاةَ كلها عليهم ثقيلةٌ، فإنَّهم الذينَ إذا قامُوا إلى الصلاةِ قامُوا كسالى، ولكنَّ الأثقلَ عليهم (صلاةُ العشاءِ)؛ لأنَّها في وقتِ الراحةِ والسكونِ، (وصلاةُ الفجرِ) لأنَّها في وقتِ النومِ، وليسَ لهم داعٍ دينيٌّ ولا تصديقٌ بأجرِهِما حتَّى يبعثَهم على إتيانِهما، ويخفَّ عليهمُ الإتيانُ بهما، ولأنَّهما في ظلمةِ الليلِ، وداعي الرياءِ الذي لأجلهِ يصلونَ منتفٍ لعدمِ مشاهدةِ مَنْ يُراءُونَهُ منَ الناسِ إلّا القليلَ. فانتفى الباعثُ الدينيُّ منهما كما انتفَى في غيرِهما، ثمَّ انتفَى الباعثُ الدنيويُّ الذي في غيرِهما؛ ولذا قالَ ﷺ ناظرًا إلى انتفاءِ الباعثِ الدينيِّ عندَهم: (ولو يعلمونَ ما فيهمَا) في فعلِهما من الأجرِ (لأتَوْهُمَا) إلى المسجدِ (ولو حَبْوًا) أي: [ولو مشوا] (٥) حبوًا، أي: كحبوِ الصبيِّ على يديهِ وركبتيهِ، وقيلَ: هو الزحفُ

стр. 746

على الرُّكبِ، وقيلَ على الأستِ، وفي حديثٍ أبي أمامةَ عندَ الطبراني (١): "ولو حبوًا على يديهِ ورجليهِ"، وفي روايةٍ جابرٍ عندَهُ أيضًا (٢) بلفظِ: "ولو حَبْوًا أو زحفًا" فيهِ حثٌّ بليغٌ على الإتيانِ إليهمَا، وأنَّ المؤمنَ إذا علمَ ما فيهمَا أتى إليهمَا على أيِّ حالٍ، فإنهُ ما حالَ بينَ المنافق وبينَ هذا الإتيانِ إلّا عدمُ تصديقهِ بما فيهمَا (متفقٌ عليهِ). ٤/ ٣٧٣ - وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأجِبْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنهُ) أي: عن أبي هريرةَ ﵁ (قالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ أَعْمى)، قد وردتْ بتفسيرهِ الروايةُ الأخرى، وأنهُ ابنُ أمِّ مكتومٍ (فقال: يا رسولَ اللهِ، ليسَ لي قائدٌ يقودُني إلى المسجدِ، فرخَّصَ لهُ) أي: في عدمِ إتيانِ المسجدِ، (فلمَّا ولَّى دعاهُ فقالَ: هل تسمعُ النداءَ)، وفي رواية: "الإقامةَ" (بالصلاةِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فأجبْ. رواهُ مسلمٌ). كانَ الترخيصُ أوَّلًا مطلقًا عن التقييدِ بسماعهِ النداءَ فرخَّص لهُ، ثمَّ سألهُ: هلْ تسمعُ النداءَ؟ قالَ: نعمْ. فأمرَهُ بالإجابةِ، ومفهومُهُ أنهُ إذا لمْ يسمعْ النداءَ كانَ ذلكَ عُذْرًا لهُ، وإذا سمعَهُ لم يكنْ لهُ عذرٌ عن الحضورِ. والحديثُ منْ أدلةِ الإيجابِ للجماعةِ عينًا، لكنْ ينبغي أنْ يقيدَ الوجوبُ عينًا على سامعِ النداءِ لتقييدِ حديثٍ الأعمى، وحديثِ ابن عباسٍ لهُ، وما أُطلقَ منَ الأحاديثِ يُحملُ على المقيَّدِ.

стр. 747

وإذا عرفتَ هذا فاعلمْ أن الدَّعْوى: وجوبُ الجماعةِ عينًا أو كفايةً، والدليلُ هوَ حديثُ الهمِّ بالتحريقِ، وحديثُ الأعْمى، وهما إنَّما دلَّا على وجوبِ حضورِ جماعتهِ ﷺ في مسجدهِ لسامعِ النداءِ، وهوَ أخصُّ من وجوبِ الجماعةِ، ولو كانتِ الجماعةُ واجبةً مطلقًا لبيّنَ ﷺ [ذلكَ] (١) للأعمى، ولقالَ لهُ: انظرْ مَنْ يصلِّي معكَ، ولقالَ في المتخلّفينَ: إنَّهم لا يحضرونَ جماعتَهُ ﷺ ولا يجمعونَ في منازلهِمْ، والبيانُ لا يجوزُ تأخيرُهُ عن وقتِ الحاجةِ، فالأحاديثُ إنَّما دلَّتْ على وجوبِ حضورِ جماعتهِ ﷺ عينًا على سامعِ النداءِ، لا على وجوبِ مطلقِ الجماعةِ كفايةً ولا عينًا. وفيه أنهُ لا يرخَّصُ لسامعِ النداءِ عن الحضورِ وإنْ كانَ لهُ عذرٌ، فإنَّ هذا ذكرَ العذرَ وأنهُ لا يجدُ قائدًا فلم يعذرْهُ إذنْ، ويحتملُ أن الترخيصَ لهُ ثابتٌ للعذرِ، ولكنهُ أمرهُ بالإجابةِ ندبًا لا وجوبًا ليحرزَ الأجرَ في ذلكَ، والمشقةُ تغتفرُ بما يجدهُ في قلبهِ منَ الروحِ في الحضورِ، ويدلُّ لكون الأمر للندب -[أي] (١): مع العذرِ - قولُهُ: حجَّة من قال بصرف الأمر من الوجوب إلى الندب ٥/ ٣٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤)، وَالْحَاكِمُ (٥)، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ (٦). [صحيح]

стр. 748

(وعنِ ابن عباسٍ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ سَمِعَ النداءَ فلمْ يأتِ فلا صلاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذرٍ. رواهُ ابنُ ماجهْ، والدارقطنيُّ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ، وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ، لكنْ رجَّحَ بعضُهم وقْفَهُ). الحديثُ أُخرجَ من طريقِ شعبةَ موقوفًا ومرفوعا، والموقوفُ فيه زيادةُ: "إلَّا من عذرٍ"؛ فإنَّ الحاكمَ وَقَفَهُ عندَ أكثرِ أصحابِ شعبةَ، وأخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (١) من حديثٍ أبي موسى عنهُ ﷺ : "من سمعَ النداءَ فلمْ يجبْ من غيرِ ضررٍ ولا عذرٍ فلا صلاةَ لهُ". قال الهيثميُّ (٢): "فيهِ قيسُ بن الربيعِ وثَّقَهُ شعبةُ، وسفيانُ الثوريُّ، وضعَّفَهُ جماعةٌ". وقد أخرجَ حديثَ ابن عباسٍ المذكورَ أبو داودَ (٣) بزيادةِ: "قالوا: وما العذرُ؟ قالَ: خوفٌ أو مرضٌ لم يقبلِ اللهُ منهُ الصلاةَ التي صلَّى"، بإسنادٍ ضعيفٍ. والحديثُ دليلٌ على تأكدِ الجماعةِ، وهوَ حجةٌ لمن يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ، ومَنْ يقولُ: إنَّها سنةٌ يُؤوِّلُ قولُهُ: "فلا صلاةَ لهُ"، أي كاملةً، وإنهُ نزَّلَ نفيَ الكمالِ منزلةَ نفي الذاتِ مبالغةً. والأعذارُ في تركِ الجماعةِ: منها ما في حديث أبي داودَ، ومنها المطرُ، والريحُ الباردةُ، ومن أكلَ كُرَّاثًا أو نحوَهُ من ذواتِ الريحِ الكريهةِ، فليسَ له أنْ يقربَ المسجدَ، قيل: ويحتملُ أنْ يكونَ النهيُ عنها لما يلزمُ من أكلها من تفويتِ الفريضةِ فيكون آكلها آثِمًا لما تسبّبَ لهُ من تركِ الفريضةِ، ولكنْ لعلَّ مَنْ يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ يقولُ: تسقطُ بهذهِ الأعذارِ صلاتُها في المسجدِ لا في البيت فيصليْها جماعةً. ٦/ ٣٧٥ - وَعَنْ يَزِيدَ بن الأسْوَدِ أنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ "، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلا تَفْعَلا، إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ

стр. 749

يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) والتِّرْمِذِيُّ (٤). [صحيح] (وعن يزيدَ بن الأسودِ ﵁) هو أبو جابرٍ يزيدُ بنُ الأسودِ السُّوائي، بضمِّ المهملةِ، وتخفيفِ الواوِ، والمدِّ، ويقالُ: الخزاعيُّ، ويقالُ: العامريُّ، روى عنهُ ابنهُ جابرٌ، وعدادُهُ في أهلِ الطائفِ، وحديثُهُ في الكوفيينَ (أنهُ صلَّى معَ رسولِ اللهِ ﷺ الصبحَ، فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ ) أي: فرغَ من صلاتهِ (إذا هوَ برجلينِ لم يصلِّيا) أي: معهُ (فدَعا بِهِمَا، فَجيءَ بهما ترعُدُ) بضمِّ المهملةِ (فرائصُهما) جمعُ فريصةٍ، وهيَ اللحمةُ التي بينَ جنبِ الدابةِ وكتفِها، أي: ترجفُ منَ الخوفِ، قالهُ في النهايةِ (٥). (فقالَ لهما: ما منعَكما أنْ تصلِّيا معنَا؟ قالَا: قد صلَّينا في رحالِنا) جمعُ رَحلٍ بفتحِ الراءِ، وسكونِ المهملةِ، هوَ المنزلُ، ويطلقُ على غيرِهِ، ولكنَّ المرادَ هنَا بهِ المنزلُ، (قالَ: فلا تفعلَا، إذَا صَلَّيتُما في رحالِكُما، ثمَّ أدركتُما الإمامَ ولم يصلِّ فصلِّيَا معهُ، فإنَّها) أي: الصلاةُ معَ الإمامِ بعدَ [صلاةِ] (٦) الفريضةَ (لكما نافلةٌ) والفريضةُ: هي الأُولى سواءٌ صُلِّيَتْ جماعةً أو فُرادَى لإطلاقِ الخبرِ. (رواهُ أحمدُ، واللفظُ لهُ، والثلاثة، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والترمذيُّ). زادَ المصنفُ في التلخيصِ (٧): "والحاكمُ (٨)، والدارقطنيُّ (٩)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ، كلُّهُم من طريقِ يعلى بن عطاءٍ، عن جابرٍ بن يزيدَ بن الأسودِ عن أبيهِ"، وقالَ

стр. 750

الشافعيُّ في القديمِ: إسنادهُ مجهولٌ، قالَ البيهقيُّ: لأنَّ يزيدَ بنَ الأسودِ ليسَ له راوٍ غيرُ ابنهِ، ولا لابنهِ جابرٍ غير يَعْلَى. قلتُ: يَعْلَى من رجالِ مسلمٍ، وجابرٌ وثَّقَهُ النسائيُّ وغيرُه. انتهى. وهذا الحديثُ وقعَ في مسجدِ الخيفِ في حجةِ الوداعِ، فدلَّ على مشروعيةِ الصلاةِ معَ الإمامِ إذا وجدَهُ يصلِّي، أو سيصلِّي بعدَ أنْ كانَ قد صلَّى جماعةً أو فُرادى، والأُولى هي الفريضةُ، والأخْرى نافلةٌ كما صرحَ بهِ الحديثُ. وظاهرهُ أنهُ لا يحتاجُ إلى رفضِ الأُولى، وذهبَ إلى هذا زيدُ بنُ عليٍّ، والمؤيدُ [باللهِ] (١)، وجماعةٌ منَ الآلِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ. وذهبَ الهادي ومالكٌ وهوَ قولُ [للشافعي] (٢) إلى أن الثانيةَ هيَ الفريضةُ لما أخرجه أبو داودَ (٣) من حديثٍ يزيدَ بن عامرٍ أنهُ ﷺ قالَ: "إذا جئتَ الصلاةَ فوجدتَ الناسَ يصلونَ فصلِّ معَهُم إنْ كنتَ قد صلّيتَ تكنْ لك نافلةً، وهذهِ مكتوبةٌ"، وأجيبَ بأنهُ حديثٌ ضعيف ضعّفهُ النوويُّ [وغيرُه] (٤)، وقال البيهقيُّ: هو مخالفٌ لحديثِ يزيدَ بن الأسودِ وهوَ أصحُّ، ورواهُ الدارقطني بلفظِ: "وليجعلْ التي صلَّى في بيتهِ نافلةً". قال الدارقطنيُّ: هذه روايةٌ ضعيفةٌ شاذةٌ (٥)، وعلى هذا القولِ لا بدَّ منَ الرفضِ للأُولى بعدَ دخولهِ في الثانيةِ، وقيلَ: بشرطِ فراغهِ من الثانية صحيحةً، وللشافعيِّ قولٌ ثالث: أن الله تعالى يحتسبُ بأيِّهما شاء، لقولِ ابن عمرَ لمنْ سألهُ عن ذلكَ: "أو ذلكَ إليكَ؟، إنَّما ذلكَ إلى اللهِ تعالى يحتسبُ بأيِّهما شاءَ"، أخرجهُ مالكٌ (٦) في الموطأ. وقدْ عُورضَ حديثُ البابِ بما أخرجَهُ أبو داودَ (٧)، والنسائيُّ (٨)، وغيرُهما

стр. 751

عن ابن عمرَ يرفعهُ: "لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتينِ"، ويجابُ عنهُ بأنَّ المنهيَّ عنهُ أنْ يصلِّيَ كذلكَ على أنَّهما فريضةٌ لا على أن إحداهُما نافلةٌ، أو المرادُ: لا يصليهمَا مرتينِ منفردًا، ثمَّ ظاهرُ حديثٍ البابِ عمومُ ذلكَ في الصلواتِ كلِّها، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ، وقالَ أبو حنيفةَ: لا تعادُ إلّا الظهرُ والعشاءَ، أمّا الصبحَ والعصرُ فلا للنهي عن الصلاةِ بعدَهما، وأما المغربُ فلأنَّها وترُ النهارِ، [فلوْ] (١) أعادَها صارتْ شفعًا، وقالَ مالكُ: إذا كانَ صلَّاها في جماعةٍ لم يُعِدْهَا، وإنْ كانَ صلَّاها منفردًا أعادَها. والحديثُ ظاهرٌ في خلافِ ما قالهُ أبو حنيفةَ ومالكٌ، بلْ في حديثٍ يزيدَ بن الأسودِ أن ذلكَ كانَ في صلاةِ الصبحِ، فيكونُ أظهرَ في ردِّ ما قالَهُ أبو حنيفةَ. ويُخصُّ به عمومُ النهي عن الصلاة في الوقتينِ. وجوبُ متابعةِ الإمام والنهي عن سبقهِ ومقارنتهِ ٧/ ٣٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحيحَيْنِ (٣). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ بهِ، فإذا كبَّرَ) أي: للإحرامِ أو مطلقًا فيشملُ تكبيرَ النقلِ، (فكبّرُوا، ولا تكبرُوا حتَّى يكبِّر)، زادهُ تأكيدًا لما أَفادهُ مفهومُ الشرطِ، كما في سائرِ الجملِ الآتيةِ، (وإذا ركعَ فاركعُوا، ولا تركعُوا حتَّى يركعَ) أي: حتَّى يأخذَ في الركوع، لا حتَّى يفرغَ منهُ

стр. 752

كما يتبادرُ منَ اللفظِ: (وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ، فقولُوا: اللَّهمّ ربَّنَا لكَ الحمدُ، وإذا سجدَ) أخذَ في السجودِ (فاسجدُوا، ولا تسجدُوا حتَّى يسجدَ، وإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا) لعذرٍ (فصلُّوا قعودًا أجمعين)، هكذا بالنصبِ على الحالِ، وهي روايةٌ في البخاري، وأكثرُ الرواياتِ على "أجمعونَ" بالرفعَ تأكيدًا لضميرِ الجمعِ (رواهُ أبو داودَ، وهذا لفظهُ، وأصلُه في الصحيحينِ)، إنَّما يفيدُ جعلَ الإمامِ مقصورًا على الاتّصافِ بكونهِ مؤتمًّا بهِ لا يتجاوزُه المؤتمُّ إلى مخالفتهِ. والائتمامُ: الاقتداءُ والاتباعُ. والحديثُ دلَّ على أن شرعيةَ الإمامةِ ليقتدَى بالإمامِ، ومنْ شأنِ التابعِ والمأمومِ أنْ لا يتقدمَ متبوعَهُ، ولا يساويَهُ ولا يتقدمَ عليهِ في موقفهِ، بل يراقبُ أحوالَهُ ويأتي على أثرِها بنحوِ فعلِهِ، ومقتضَى ذلكَ أنْ لا يخالفَهُ في شيءٍ منَ الأحوالِ، وقد فصَّلَ الحديثُ ذلكَ بقوله: "فإذا كبَّرَ … " إلى آخره، ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم - على ما ذُكِرَ، فمنْ خالفَهُ في شيءٍ مما ذُكِرَ، فقدْ أَثِمَ ولا تفسدُ صلاتُهُ بذلكَ، إلَّا أَنَّهُ إنْ خالفَ في تكبيرةِ الإحرامِ بتقديمِها على تكبيرةِ الإمامِ فإنَّها [لا] (١) تنعقدُ معهُ صلاتهُ، لأنهُ لم يجعلْه إمامًا؛ إذ الدخولُ بها بعدَهُ وهي عنوانُ الاقتداءِ بِهِ واتخاذُه إمامًا. الدليل على عدم فساد صلاة المقتدي بمخالفته لإمامه واستدلَّ على عدم فسادِ الصلاةِ [بمخالفتهِ لإمامهِ] (٢) بأنّهُ ﷺ توعَّدَ مَنْ سابقَ [إمامَهُ] (٣) في ركوعهِ أو سجودِهِ بأنَّ الله يجعلُ رأسَهُ رأسَ حمارٍ (٤)، ولمْ يأمْره بإعادةِ صلاتهِ، ولا قالَ: فإنهُ لا صلاةَ لَهُ. ثمَّ الحديثُ لم يشترطِ المساواةَ في النيَّةِ، فدلَّ أنَّها إذا اختلفتْ نيةُ الإمامِ والمأمومِ كأنْ ينويَ أحدُهما فرضًا والآخرُ

стр. 753

نفلًا، أو ينوي هذا [عصرًا والآخرُ ظهرًا] (١) - أنَّها تصحُّ الصلاةُ جماعةً، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ، ويأتي الكلامُ على ذلكَ في حديثٍ جابرٍ (٢) في صلاةِ معاذٍ. وقولُهُ: "وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ" يدلُّ أنهُ الذي يقولُهُ الإمامُ، ويقولُ المأمومُ: "اللَّهمّ ربَّنا لكَ الحمدُ"، وقد ورد بزيادةِ الواوِ، ووردَ بحذفِ "اللَّهمّ" والكلُّ جائزٌ، والأرجحُ العملُ بزيادةِ "اللَّهمَّ"، وزيادةِ الواو، لأنَّهما يفيدانِ معنىً زائدًا. وقد احتجَّ بالحديثِ مَنْ يقولُ: إنهُ لا يجمعُ الإمامُ والمؤتمُّ بينَ التسميعِ والتحميدِ، وهمُ الهادويةُ والحنفيةُ، قالُوا: ويشرعُ للإمامِ والمنفردِ التسميعُ، وقدْ [تقدَّم الكلامَ فيه] (٣). وقالَ أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَجْمَعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ ويقولُ المؤتمُّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: "أنهُ ﷺ كانَ يفعلُ ذلكَ"، وظاهرهُ: منفردًا وإمامًا؛ [فإنَّ] (٤) صلاتَهُ ﷺ مؤتمًا نادرةٌ، ويقالُ عليهِ: فأينَ الدليلُ على أنهُ يشملُ المؤتمَّ، فإنَّ الذي في حديثٍ أبي هريرةَ [هذَا] (٥) أنهُ [يحمدُ] (٦)، وذهبَ الإمامُ يحيى، والثوريُّ، والأوزاعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ، ويحمدُ المؤتمُّ لمفهومِ حديثٍ الباب؛ إذ يفهمُ مِن قولِهِ: "فقولُوا: اللَّهمَّ" الخ، أنهُ لا يقولُ المؤتمُّ إلَّا ذلكَ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما المصلِّي مطلقًا مستدلًّا بما أخرجهُ مسلمٌ (٧) من حديثٍ ابن أبي أَوْفَى: "أنهُ ﷺ كانَ إذا رفعَ رأسُهُ منَ الركوعِ قالَ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، اللهمَّ ربَّنَا لكَ الحمدُ" الحديثَ. قالَ: والظاهرُ عمومُ [الأحوال، أي] (٨): أحوال صلاتِه جماعةً ومنفردًا، وقد قالَ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٩)، ولا حجةَ في سائرِ الرواياتِ على الاقتصارِ؛ إذ عدمُ الذكرِ

стр. 754

في اللفظِ لا يدلُّ على عدمِ الشرعيةِ، فقولُهُ: "إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ"، لا يدلُّ على نفي قولهِ: "ربَّنَا ولكَ الحمدُ"، وقولُهُ: "قولُوا: ربَّنا لكَ الحمدُ" لا يدلُّ على نفي قول المؤتمِّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، وحديثُ ابن أبي أَوْفَى في حكايتهِ لفعلِهِ ﷺ زيادةٌ، وهي مقبولةٌ، لأنَّ القولَ غيرُ معارضٍ لها، وقد رَوَى ابنُ المنذرِ هذَا القولَ عن عطاءٍ (١)، وابنِ سيرينَ (٢)، وغيرِهما، فلمْ ينفردْ بهِ الشافعي، ويكونُ قولُهُ: "سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ" عندَ رفعِ رأسِهِ، وقولُهُ: "ربَّنَا لكَ الحمدُ" عندَ انتصابِهِ. وقولُهُ: (فصلُّوا قعودًا أجمعينَ) دليل على أنهُ يجبُ متابعةُ الإمامِ في القعودِ لعذرٍ، وأنه يقعدُ المأموم مع قدرته على القيام، وقد ورد تعليلُه بأنه فعل فارس والروم، أي: القيامُ معَ قعودِ الإمامِ؛ فإنهُ قال ﷺ : "إنْ كدتُم آنفًا لتفعلونَ فعلَ فارسَ والرومِ، يقومون على ملوكهِم وهم قعودٌ، فلا تفعلُوا" (٣)، وقد ذهبَ إلى [ذلك] (٤) أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ وغيرُهما (٥) وذهبتِ الهادويةُ (٦)، ومالكٌ (٧)، وغيرُهم إلى أنَّها لا تصح صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ لا قائمًا ولا قاعِدًا؛ لقولهِ ﷺ : "لا تختلِفُوا على إمامِكم ولا تتابعُوه في القعودِ" (٨)، كذا في شرح القاضي، ولم يسندْهُ إلى كتابِ ولا وجدتُ قولَه: "ولا تتابعُوهُ في القعودِ" في حديثٍ، فينظَرُ.

стр. 755

وذهبَ الشافعيُّ (١) إلى أنَّها تصحُّ صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ، ولا يتابعُهُ في القعودِ، قالُوا: لصلاةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في مرضِ موتهِ قيامًا حينَ خرجَ وأبو بكرٍ قد افتتحَ الصلاةَ فقعدَ عن يسارِهِ (٢)، فكانَ ذلكَ ناسخًا لأمرهِ ﷺ لهمْ بالجلوسِ في حديثٍ أبي هريرةَ، فإنَّ ذلكَ كانَ في صلاتهِ حينَ جحشَ وانفكتْ قدمُهُ، فكانَ هذا آخرَ الأمرينِ فتعيَّنَ العملُ بهِ، كذا قرّرهُ الشافعيُّ. وأجيب: بأنَّ الأحاديثَ التي أمرَهم فيها بالجلوسِ لم يختلفْ في صحتِها، ولا في سياقِها. وأما صلاتُه ﷺ في مرضِ موتهِ فقدِ اختُلِفَ فيها: هل كانَ إمامًا أو مأمومًا؟ والاستدلالُ بصلاتهِ في مرضِ موتهِ لا يتمُّ إلَّا على أنهُ كانَ إمامًا. (ومنها): أنهُ يحتملُ أن الأمرَ بالجلوسِ للندبِ، وتقريرُ القيامِ قرينةٌ على ذلكَ، فيكونُ هذا جمعًا بين الروايتينِ خارجًا عن المذهبينِ جميعًا؛ لأنهُ يقتضي التخييرَ للمؤتمِّ بينَ القيامِ والقعودِ. (ومنها): أنهُ قد ثبتَ فعلُ ذلكَ عن جماعةٍ من الصحابةِ بعدَ وفاتهِ ﷺ أنَّهم أمُّوا قعودًا ومن خَلْفَهم قعودًا أيضًا، مِنْهم: أسيدُ بنُ حضير (٣)، وجابر (٤)، وأفتَى به أبو

стр. 756

هريرةَ (١)، قالَ ابنُ المنذرِ (٢): ولا يحفظُ عن أحدٍ منَ الصحابةِ [خلافُ ذلكَ] (٣). وأمّا حديثُ: "لا يؤمنَّ أحدُكم بعدي قاعدًا قومًا قيامًا"، فإنهُ حديثٌ [ضعيفٌ أخرجهُ البيهقيُّ (٤) والدارقطنيُّ (٥) من حديثٍ جابرٍ الجعفيِّ (٦) عن النبيّ ﷺ ، وجابر] (٧) ضعيفٌ جدًّا، وهوَ معَ ذلكَ مرسلٌ، قالَ الشافعيُّ (٨): قد علمَ منِ احتجَّ بهِ أنهُ لا حجةَ فيهِ لأنهُ مرسلٌ، ومن رواتِهِ رجلٌ يرغبُ أهلُ العلمِ عن الروايةِ عنهُ يعني [جابرًا] (٩) الجعفيَّ. وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (١٠) في الجمع بينَ الحديثينِ إلى أنهُ إذا ابتدأ الإمامُ الراتبُ الصلاةَ قاعدًا لمرضٍ يُرجَى [برؤه] (١١)، فإنَّهم يصلُّونَ خلفَه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمامُ الصلاةَ قائمًا لزمَ [المأمومينَ] (١٢) أن
следующие страницы →