← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 752–791 · переход к 757.

стр. 752

كما يتبادرُ منَ اللفظِ: (وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ، فقولُوا: اللَّهمّ ربَّنَا لكَ الحمدُ، وإذا سجدَ) أخذَ في السجودِ (فاسجدُوا، ولا تسجدُوا حتَّى يسجدَ، وإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا) لعذرٍ (فصلُّوا قعودًا أجمعين)، هكذا بالنصبِ على الحالِ، وهي روايةٌ في البخاري، وأكثرُ الرواياتِ على "أجمعونَ" بالرفعَ تأكيدًا لضميرِ الجمعِ (رواهُ أبو داودَ، وهذا لفظهُ، وأصلُه في الصحيحينِ)، إنَّما يفيدُ جعلَ الإمامِ مقصورًا على الاتّصافِ بكونهِ مؤتمًّا بهِ لا يتجاوزُه المؤتمُّ إلى مخالفتهِ. والائتمامُ: الاقتداءُ والاتباعُ. والحديثُ دلَّ على أن شرعيةَ الإمامةِ ليقتدَى بالإمامِ، ومنْ شأنِ التابعِ والمأمومِ أنْ لا يتقدمَ متبوعَهُ، ولا يساويَهُ ولا يتقدمَ عليهِ في موقفهِ، بل يراقبُ أحوالَهُ ويأتي على أثرِها بنحوِ فعلِهِ، ومقتضَى ذلكَ أنْ لا يخالفَهُ في شيءٍ منَ الأحوالِ، وقد فصَّلَ الحديثُ ذلكَ بقوله: "فإذا كبَّرَ … " إلى آخره، ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم - على ما ذُكِرَ، فمنْ خالفَهُ في شيءٍ مما ذُكِرَ، فقدْ أَثِمَ ولا تفسدُ صلاتُهُ بذلكَ، إلَّا أَنَّهُ إنْ خالفَ في تكبيرةِ الإحرامِ بتقديمِها على تكبيرةِ الإمامِ فإنَّها [لا] (١) تنعقدُ معهُ صلاتهُ، لأنهُ لم يجعلْه إمامًا؛ إذ الدخولُ بها بعدَهُ وهي عنوانُ الاقتداءِ بِهِ واتخاذُه إمامًا. الدليل على عدم فساد صلاة المقتدي بمخالفته لإمامه واستدلَّ على عدم فسادِ الصلاةِ [بمخالفتهِ لإمامهِ] (٢) بأنّهُ ﷺ توعَّدَ مَنْ سابقَ [إمامَهُ] (٣) في ركوعهِ أو سجودِهِ بأنَّ الله يجعلُ رأسَهُ رأسَ حمارٍ (٤)، ولمْ يأمْره بإعادةِ صلاتهِ، ولا قالَ: فإنهُ لا صلاةَ لَهُ. ثمَّ الحديثُ لم يشترطِ المساواةَ في النيَّةِ، فدلَّ أنَّها إذا اختلفتْ نيةُ الإمامِ والمأمومِ كأنْ ينويَ أحدُهما فرضًا والآخرُ

стр. 753

نفلًا، أو ينوي هذا [عصرًا والآخرُ ظهرًا] (١) - أنَّها تصحُّ الصلاةُ جماعةً، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ، ويأتي الكلامُ على ذلكَ في حديثٍ جابرٍ (٢) في صلاةِ معاذٍ. وقولُهُ: "وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ" يدلُّ أنهُ الذي يقولُهُ الإمامُ، ويقولُ المأمومُ: "اللَّهمّ ربَّنا لكَ الحمدُ"، وقد ورد بزيادةِ الواوِ، ووردَ بحذفِ "اللَّهمّ" والكلُّ جائزٌ، والأرجحُ العملُ بزيادةِ "اللَّهمَّ"، وزيادةِ الواو، لأنَّهما يفيدانِ معنىً زائدًا. وقد احتجَّ بالحديثِ مَنْ يقولُ: إنهُ لا يجمعُ الإمامُ والمؤتمُّ بينَ التسميعِ والتحميدِ، وهمُ الهادويةُ والحنفيةُ، قالُوا: ويشرعُ للإمامِ والمنفردِ التسميعُ، وقدْ [تقدَّم الكلامَ فيه] (٣). وقالَ أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَجْمَعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ ويقولُ المؤتمُّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: "أنهُ ﷺ كانَ يفعلُ ذلكَ"، وظاهرهُ: منفردًا وإمامًا؛ [فإنَّ] (٤) صلاتَهُ ﷺ مؤتمًا نادرةٌ، ويقالُ عليهِ: فأينَ الدليلُ على أنهُ يشملُ المؤتمَّ، فإنَّ الذي في حديثٍ أبي هريرةَ [هذَا] (٥) أنهُ [يحمدُ] (٦)، وذهبَ الإمامُ يحيى، والثوريُّ، والأوزاعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ، ويحمدُ المؤتمُّ لمفهومِ حديثٍ الباب؛ إذ يفهمُ مِن قولِهِ: "فقولُوا: اللَّهمَّ" الخ، أنهُ لا يقولُ المؤتمُّ إلَّا ذلكَ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما المصلِّي مطلقًا مستدلًّا بما أخرجهُ مسلمٌ (٧) من حديثٍ ابن أبي أَوْفَى: "أنهُ ﷺ كانَ إذا رفعَ رأسُهُ منَ الركوعِ قالَ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، اللهمَّ ربَّنَا لكَ الحمدُ" الحديثَ. قالَ: والظاهرُ عمومُ [الأحوال، أي] (٨): أحوال صلاتِه جماعةً ومنفردًا، وقد قالَ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٩)، ولا حجةَ في سائرِ الرواياتِ على الاقتصارِ؛ إذ عدمُ الذكرِ

стр. 754

في اللفظِ لا يدلُّ على عدمِ الشرعيةِ، فقولُهُ: "إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ"، لا يدلُّ على نفي قولهِ: "ربَّنَا ولكَ الحمدُ"، وقولُهُ: "قولُوا: ربَّنا لكَ الحمدُ" لا يدلُّ على نفي قول المؤتمِّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، وحديثُ ابن أبي أَوْفَى في حكايتهِ لفعلِهِ ﷺ زيادةٌ، وهي مقبولةٌ، لأنَّ القولَ غيرُ معارضٍ لها، وقد رَوَى ابنُ المنذرِ هذَا القولَ عن عطاءٍ (١)، وابنِ سيرينَ (٢)، وغيرِهما، فلمْ ينفردْ بهِ الشافعي، ويكونُ قولُهُ: "سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ" عندَ رفعِ رأسِهِ، وقولُهُ: "ربَّنَا لكَ الحمدُ" عندَ انتصابِهِ. وقولُهُ: (فصلُّوا قعودًا أجمعينَ) دليل على أنهُ يجبُ متابعةُ الإمامِ في القعودِ لعذرٍ، وأنه يقعدُ المأموم مع قدرته على القيام، وقد ورد تعليلُه بأنه فعل فارس والروم، أي: القيامُ معَ قعودِ الإمامِ؛ فإنهُ قال ﷺ : "إنْ كدتُم آنفًا لتفعلونَ فعلَ فارسَ والرومِ، يقومون على ملوكهِم وهم قعودٌ، فلا تفعلُوا" (٣)، وقد ذهبَ إلى [ذلك] (٤) أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ وغيرُهما (٥) وذهبتِ الهادويةُ (٦)، ومالكٌ (٧)، وغيرُهم إلى أنَّها لا تصح صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ لا قائمًا ولا قاعِدًا؛ لقولهِ ﷺ : "لا تختلِفُوا على إمامِكم ولا تتابعُوه في القعودِ" (٨)، كذا في شرح القاضي، ولم يسندْهُ إلى كتابِ ولا وجدتُ قولَه: "ولا تتابعُوهُ في القعودِ" في حديثٍ، فينظَرُ.

стр. 755

وذهبَ الشافعيُّ (١) إلى أنَّها تصحُّ صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ، ولا يتابعُهُ في القعودِ، قالُوا: لصلاةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في مرضِ موتهِ قيامًا حينَ خرجَ وأبو بكرٍ قد افتتحَ الصلاةَ فقعدَ عن يسارِهِ (٢)، فكانَ ذلكَ ناسخًا لأمرهِ ﷺ لهمْ بالجلوسِ في حديثٍ أبي هريرةَ، فإنَّ ذلكَ كانَ في صلاتهِ حينَ جحشَ وانفكتْ قدمُهُ، فكانَ هذا آخرَ الأمرينِ فتعيَّنَ العملُ بهِ، كذا قرّرهُ الشافعيُّ. وأجيب: بأنَّ الأحاديثَ التي أمرَهم فيها بالجلوسِ لم يختلفْ في صحتِها، ولا في سياقِها. وأما صلاتُه ﷺ في مرضِ موتهِ فقدِ اختُلِفَ فيها: هل كانَ إمامًا أو مأمومًا؟ والاستدلالُ بصلاتهِ في مرضِ موتهِ لا يتمُّ إلَّا على أنهُ كانَ إمامًا. (ومنها): أنهُ يحتملُ أن الأمرَ بالجلوسِ للندبِ، وتقريرُ القيامِ قرينةٌ على ذلكَ، فيكونُ هذا جمعًا بين الروايتينِ خارجًا عن المذهبينِ جميعًا؛ لأنهُ يقتضي التخييرَ للمؤتمِّ بينَ القيامِ والقعودِ. (ومنها): أنهُ قد ثبتَ فعلُ ذلكَ عن جماعةٍ من الصحابةِ بعدَ وفاتهِ ﷺ أنَّهم أمُّوا قعودًا ومن خَلْفَهم قعودًا أيضًا، مِنْهم: أسيدُ بنُ حضير (٣)، وجابر (٤)، وأفتَى به أبو

стр. 756

هريرةَ (١)، قالَ ابنُ المنذرِ (٢): ولا يحفظُ عن أحدٍ منَ الصحابةِ [خلافُ ذلكَ] (٣). وأمّا حديثُ: "لا يؤمنَّ أحدُكم بعدي قاعدًا قومًا قيامًا"، فإنهُ حديثٌ [ضعيفٌ أخرجهُ البيهقيُّ (٤) والدارقطنيُّ (٥) من حديثٍ جابرٍ الجعفيِّ (٦) عن النبيّ ﷺ ، وجابر] (٧) ضعيفٌ جدًّا، وهوَ معَ ذلكَ مرسلٌ، قالَ الشافعيُّ (٨): قد علمَ منِ احتجَّ بهِ أنهُ لا حجةَ فيهِ لأنهُ مرسلٌ، ومن رواتِهِ رجلٌ يرغبُ أهلُ العلمِ عن الروايةِ عنهُ يعني [جابرًا] (٩) الجعفيَّ. وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (١٠) في الجمع بينَ الحديثينِ إلى أنهُ إذا ابتدأ الإمامُ الراتبُ الصلاةَ قاعدًا لمرضٍ يُرجَى [برؤه] (١١)، فإنَّهم يصلُّونَ خلفَه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمامُ الصلاةَ قائمًا لزمَ [المأمومينَ] (١٢) أن

стр. 757

يصلُّوا خلفَه قيامًا سواءٌ طرأ ما يقتضي صلاةَ إمامِهم قاعدًا أمْ لا، كما في الأحاديثِ التي في مرضِ موتهِ؛ فإنهُ ﷺ لم يأمْرهم بالقعودِ؛ لأنَّ ابتداءَ إمامِهم صلاتَه قائمًا ثمَّ أمَّهمْ ﷺ في بقيةِ الصلاةِ قاعدًا، بخلافٍ صلاتِه ﷺ [بهم] (١) في مرضهِ الأولِ، فإنهُ ابتدأ صلاتَهُ قاعدًا فأمرَهم بالقعودِ، وهو جمْعٌ حسنٌ. النهي عن التأخر عن الصفوف ٨/ ٣٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ: "تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ رأى في أصحابِهِ تأخرًا، فقال: تقدَّموا فأتمُّوا بي، وليأتمَّ بكمْ مَنْ بعدَكم. رواهُ مسلمٌ). كأنَّهم تأخَّروا عن القربِ والدنوِّ منهُ ﷺ ، وقولُهُ: "ائتمُّوا بي"، أي: اقتدُوا بأفعالي، وليقتدِ بكم مَنْ بعدَكم، مستدلينَ بأفعالِكم على أفعالي. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ اتباعُ مَنْ خلفَ الإمامِ ممنْ لا يراهُ ولا يسمعُه كأهلِ الصفِّ الثاني يقتدونَ بالأولِ، وأهلُ الصفِّ الثالثِ، بالثاني، ونحوِه، أو بمنْ يبلِّغُ عنهُ. وفي الحديث حثٌّ على الصفِّ الأولِ، وكراهةِ البعدِ عنهُ، وتمامُ الحديثِ: "لا يزالُ قومٌ يتأخّرونَ حتَّى يؤخرَهمُ اللهُ". حكم صلاة النقل بجماعة ٩/ ٣٧٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً مُخَصَّفَةً، فَصَلَّى فِيهَا فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ - الحديثَ، وَفِيهِ: "أَفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح]

стр. 758

(وعن زيدِ بن ثابتٍ قالَ: احْتجرَ) هوَ بالراءِ: المنعُ. أي: اتّخذَ شيئًا كالحجرةِ منَ الخصفِ وهوَ الحصيرُ، ويروى بالزاي أي: اتّخذَ حاجزًا بينَه وبينَ غيرهِ، أي: مانعًا (رسولُ اللهِ ﷺ حجرة مخصَّفةً، فصلَّى فيها، فتتبَّعَ إليهِ رجالٌ وجاءُوا يصلُّونَ بصلاتهِ - الحديث، وفيهِ: أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ. متفقٌ عليهِ). وقد تقدّمَ في شرحِ حديث جابرٍ (١) في بابِ صلاةِ التطوّعِ، وفيهِ دلالةٌ على جوازِ فعلِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ إذا لم يكنْ فيهِ تضييقٌ على المصلينَ؛ لأنّهُ كانَ يفعلُه بالليلِ، ويبسطُ بالنهارِ، وفي روايةٍ مسلمٍ: "ولمْ يتخذُه دائمًا". وقولُه: فتتبَّعَ: من التتبعِ الطلبُ، والمعنَى: طلبُوا موضعَهُ واجتمعُوا إليهِ، وفي روايةٍ البخاري: "فثارَ إليهِ"، وفي روايةٍ لهُ: "فصلَّى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ من [صحابه] (٢)، فلمَّا علمَ بهم جعلَ يقعدُ فخرج إليهم فقالَ: قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعِكم فصلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتِكم، فإنَّ أفضلَ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ"، هذا لفظُه، وفي مسلمٍ قريبٌ منهُ. والمصنفُ ساقَ الحديثَ في [أبوابِ] (٣) الإمامةِ لإفادةِ شرعيةِ الجماعةِ في النافلةِ، وقد تقدمَ معناهُ في التطوعِ. حكم صلاة المفترض خلف المتنفِّل ١٠/ ٣٧٩ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأصْحَابِهِ العِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. [صحيح] (وعن جابرٍ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: صلَّى معاذٌ باصحابهِ العشاءَ، فطوّلَ عليهم،

стр. 759

فقالَ النبيُّ ﷺ : أَتريدُ يا معاذ أنْ تكونَ فتانًا؟ إذا أمَمتَ الناسَ فاقرأ بالشمسِ وضحاها، وسبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى، واقرأ باسم ربِّك، والليلِ إذا يغْشَى" متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ في البخاريِّ لفظُهُ: "أقبلَ رجلٌ بناضحينِ (١)، وقد جنحَ الليلُ، فوافقَ معاذًا يصلِّي فتركَ ناضحيْهِ وأقبلَ إلى معاذٍ، فقرأ معاذٌ سورةَ البقرةِ، أو النساءِ، فانطلقَ الرجلُ بعدَ أنْ قطعَ الاقتداءَ بمعاذٍ، وأتمَّ [صلاتَه] (٢) منفردًا"، وعليه بوَّبَ البخاريُّ (٣) بقولهِ: إذا طوَّلَ الإمامُ. وكانَ للرجلِ - أي المأمومِ - حاجةٌ فخرج، وبلغَهُ أَنَّ معاذًا نالَ منهُ [وقد جاءَ ما قالهُ معاذٌ مفسرًا بلفظ: "فبلغَ ذلكَ معاذًا، فقالَ: إنهُ منافقٌ] (٤)، فأتى النبيَّ ﷺ فشكَا معاذًا، فقالَ النبيُّ ﷺ : أفتَّانٌ أنتَ يا معاذُ - أو: فاتنٌ أنتَ (ثلاثَ مراتٍ)، فلو صلَّيتَ بسبِّحِ اسم ربِّكَ الأعلى، والشمسُ وضُحاها، والليل إذا يَغْشَى، فإنهُ يُصلِّي وراءك الكبيرُ، والضعيفُ، وذُو الحاجةِ". ولهُ في البخاريِّ ألفاظ (٥) غيرُ [هذهِ، والمرادُ] (٦) بفتَّانٍ، أي: أتعذبُ أصحابَكَ بالتطويلِ، وحملَ ذلكَ على كراهةِ المأمومينَ للإطالةِ، وإلّا فإنهُ ﷺ قرأ الأعرافَ في المغربِ (٧) وغيرها (٨)، وكانَ مقدارُ قيامهِ في الظهرِ بالستينَ آيةً، وقرأ بأقصرَ من ذلكَ (٩). والحاصلُ أنهُ يختلفُ ذلكَ باختلافِ الأوقاتِ في الإمامِ والمأمومينَ.

стр. 760

والحديثُ دليلٌ على صحةِ صلاةِ المفترضِ (١) خلفَ المتنفِّلِ؛ فإنَّ معاذًا كانَ يصلِّي فريضةَ العشاء معهُ ﷺ ، ثمَّ يذهبُ إلى أصحابِه فيصلّيها بهمْ نفلًا. وقد أخرجَ عبدُ الرزاقِ (٢)، والشافعيُّ (٣)، والطحاويُّ (٤) من حديثٍ جابرٍ بسندٍ صحيحٍ وفيهِ: "هي لهُ تطوعٌ". وقد طولَ المصنفُ الكلامَ على الاستدلالِ بالحديثِ [على ذلك] (٥) في فتح الباري. وقد كتبْنا فيهِ رسالةً مستقلةً جوابَ سؤالٍ، وأبنَّا فيها عدمَ نهوضِ الحديثِ على صحةِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفلِ (٦). والحديثُ أفادَ أنهُ يخففُ الإمامُ [في] (٧) قراءتهِ وصلاتهِ، وقد عيَّنَ ﷺ مقدارَ القراءةِ، ويأتي حديثُ: "إذا أمَّ أحدكُم الناسَ فليخفِّفْ" (٨).

стр. 761

الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم ١١/ ٣٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعن عائِشَةَ ﵂ في قصةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ بالناسِ وهوَ مريضٌ، قالتْ: فجاءَ حتَّى جليسَ عن يسارِ أبي بكرٍ)، هكذَا في روايةٍ البخاري في (باب الرجلِ يأتمُّ بالإمام) (٢) تعيينُ مكانِ جلوسِه ﷺ ، وأنهُ عن يسارِ أبي بكرٍ، وهذا هوَ مقامُ الإمامِ، ووقعَ في البخاري في (بابِ حدِّ المريضِ أنْ يشهدَ الجماعةَ) (٣) بلفظِ: "جلسَ إلى جنبهِ"، ولم يعينْ فيهِ محلَّ جلوسهِ، لكنْ قالَ المصنفُ: إنهُ عيَّنَ المحلَّ في روايةٍ بإسنادٍ حسنٍ: "أنهُ عن يسارهِ"، قلتُ: حيثُ قد ثبتَ في الصحيحِ في بعضِ رواياتهِ، فهيَ تبيِّنُ ما أُجْمِلَ في أُخْرَى، وبهِ يتضحُ أنهُ ﷺ كانَ إمامًا؛ (فكانَ) النبيُّ ﷺ (يصلِّي بالناسِ جالسًا وأبو بكرٍ) يصلِّي (قائمًا، يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ النبيِّ ﷺ ، ويقتدي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ. متفقٌ عليه). فيه دلالةٌ على أنهُ يجوزُ وقوفُ الواحدِ [عن] (٤) يمينِ الإمامِ وإنْ حضرَ معهُ غيرُه، ويحتملُ أنهُ صنعَ ذلكَ ليبلغَ عنهُ أبو بكرٍ، أوْ لكونهِ كانَ إمامًا أولَ الصلاةِ، أوْ لكونِ الصفِّ قد ضاقَ، أو لغيرِ ذلكَ منَ المحتملاتِ، ومعَ عدمِ الدليلِ على أنهُ فعلٌ لواحدٍ منها، فالظاهرُ الجوازُ على الإطلاقِ. وقولُها: "يقتدي أبو بكر"، يحتملُ أنْ [يكون] (٥) ذلكَ الاقتداءُ على جهةِ الائتمامِ، فيكونُ أبو بكرٍ إمامًا ومأمومًا، ويحتملُ أنْ يكونَ أبو بكرٍ إنَّما كانَ مبلِّغًا وليسَ بإمامٍ. واعلمْ أنهُ قد وقعَ الاختلافُ في حديثٍ عائشةَ وفي غيرِه: هلْ كانَ النبيُّ ﷺ إمامًا أو مأمومًا؟ ووردتِ الرواياتُ بما يفيدُ هذا، وما يفيدُ هذا، لكنَّا قدَّمْنَا ظهورَ

стр. 762

أنهُ ﷺ الإمامَ، فمن العلماءِ من ذهبَ إلى الترجيحِ بين الرواياتِ، فرجحَ أنه ﷺ كان الإمامَ لوجوهٍ منَ الترجيحِ مستوفاة في فتحِ الباري، وفي الشرحِ بعضٌ من ذلك، وتقدمَ في شرح الحديث السابع (١) بعضُ وجوهِ ترجيحِ خلافهِ، ومنَ العلماءِ مَنْ قالَ بتعدّدِ [القصةِ] (٢)، وأنهُ ﷺ صلَّى تارةً إمامًا، وتارةً مأمومًا في مرضِ موتهِ هذا. وقد استدلَّ بحديثِ عائشةَ هذا وقولِها: "يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ النبي ﷺ ، ويقتدي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ"، أن أبا بكرِ كانَ مأمومًا إمامًا. وقد بوَّبَ البخاريُّ على هذَا فقالَ: (بابُ الرجلِ يأتمُّ بالإمامِ ويأتمُّ الناسُ بالمأمومِ) (٣)، قالَ ابنُ بطالٍ: هذا يوافقُ قولَ مسروقٍ والشعبيِّ: إنَّ الصفوفَ يؤمُّ بعضُها بعضًا خلافًا للجمهورِ، قالَ المصنفُ: قالَ الشعبُّ: مَنْ أحرمَ قبلَ أنْ يرفعَ الصفُّ الذي يليه رؤوسَهم منَ الركعةِ [إنهُ] (٤) أدركَها ولوْ كانَ الإمامُ رفَعَ قبلَ ذلكَ؛ لأنَّ بعضَهم لبعضِ أئمةٌ. فهذَا يدلُّ أنهُ يرى أنهم متحمِّلونَ عن بعضِهم بعضًا ما يتحمَّلُهُ الإمامُ، ويؤيدُ ما ذهبَ إليهِ قولُهُ ﷺ : "تقدَّموا فأْتمُّوا بي، وليأتمَّ بكمْ مَنْ بعدكم"، وقد تقدَّم (٥). وفي روايةٍ مسلمٍ (٦): "أن أبا بكرٍ كانَ يُسْمِعُهُم التكبيرَ"، دليل على أنهُ يجوزُ رفعُ الصوتِ بالتكبيرِ لإسماعِ المأمومينَ ويتبعونه، وأنهُ يجوزُ للمقتدي اتباعُ صوتِ المكبرِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ، وفيهِ خلافٌ للمالكيةِ. قالَ القاضي عياضٌ عن مذهبْهم: إنَّ منهُمْ مَنْ يبطِلُ صلاةَ المقتدي، ومنهم مَنْ لا يبطلُها، ومنهم مَنْ قالَ: [إنْ] (٧) أَذِنَ لهُ الإمامُ بالإسماع صحِّ الاقتداءُ بهِ وإلَّا فلا، ولهمْ تفاصيلُ غيرُ هذهِ ليسَ عليها دليلٌ، وكأنَّهم يقولون في هذا الحديثِ: إنَّ أبا بكرِ كانَ هوَ الإمامَ، ولا كلامَ أنهُ يرفعُ صوتَهُ لإعلام مَنْ خلفَهُ. تخفيف الإمام الصلاة على المأمومين ١٢/ ٣٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ

стр. 763

النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِن فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ والضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كيفَ شَاءَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: إِذَا أَمَّ أحدُكم الناسَ فليخفِّفْ؛ فإن فيهمُ الصغيرَ والكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجةِ)، وهؤلاءِ يريدونَ التخفيف فيلاحظُهم الإمامُ، ([وإذا] (٢) صلَّى وحدَة فليصلِّ كيفَ شاءَ. متفقٌ عليهِ) مخفِّفًا ومطوِّلًا. وفيهِ دليلٌ على جوازِ تطويلِ المنفردِ [للصلاةِ] (٣) في جميعِ أركانِها ولو خشيَ خروجَ الوقتِ، وصحَّحهُ بعضُ الشافعيةِ، ولكنهُ معارَضٌ بحديثِ أبي قتادةَ: "إنَّما التفريطُ أنْ تؤخَّرَ الصلاةُ حتَّى يدخلَ وقتُ الأُخرى" أخرجهُ مسلمٌ (٤)؛ فإذا تعارضتْ مصلحةُ المبالغةِ في الكمالِ بالتطويلِ ومفسدةُ إيقاعِ الصلاةِ في غيرِ وقتِها كانت مراعاةُ تركِ المفسدةِ أَوْلَى، ويحتملُ أنه إنَّما يريدُ بالمؤخِّرِ حتَّى يخرج الوقت مَنْ لم يدخلْ في الصلاةِ أصلًا حتَّى خرجَ، وأمَّا مَنْ خرجَ وهوَ في الصلاةَ فلا يصدق عليهِ ذلكَ. يقدَّم في الإمامة أكثرهم قرآنًا ١٣/ ٣٨٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكثَرُكُمْ قُرْآنًا"، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرآنًا، فَقَدَّمُونِي وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (٦)، وَالنَّسَائِيُّ (٧). [صحيح]

стр. 764

ترجمة عمرو بن سلِمة (وعن عمرِو بن سلِمة) (١) بكسرِ اللامِ، هوَ أبو يزيدَ من الزيادةِ كما قالهُ البخاريُّ وغيرُه، [و] (١) قالَ مسلمٌ وآخرونَ: بُرَيْد بضمِّ الباءِ الموحَّدةِ، وفتحِ الراءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، فدالٍ مهملةٍ، هوَ عمرُو بنُ سلمةَ الجرميُّ بالجيم والراءِ مخففٌ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: عمرُو بنُ سلمةَ أدركَ زمنَ النبيِّ ﷺ ، وكانَ يؤمُّ قومَهُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، لأنهُ كانَ أقرأهم للقرآنِ، وقيلَ: إنهُ قَدِمَ على النبيِّ ﷺ معَ أبيهِ، ولم يُختلفْ في قدومِ أبيهِ. نزلَ عمروٌ البصرةَ، ورَوَى عنهُ أبو قلابةَ، وعامرٌ الأحولُ، وأبو الزبيرِ المكيُّ. (قالَ: قالَ أبي) أي: سلمةُ بنُ نُفيعٍ بضمِّ النونِ، أو ابنُ لأي بفتحِ اللامِ، وسكونِ الهمزةِ على الخلافِ في اسمهِ (جئتكم من عندِ النبيِّ ﷺ حقًّا) نصبَ على صفةِ المصدرِ المحذوفِ، أي: نبوةً حقًّا، أو أنهُ مصدرٌ مؤكدٌ للجملةِ المتضمنةِ؛ إذْ هو في قوةِ: هوَ رسولُ اللَّهِ حقًّا، فهوَ مصدرٌ مؤكدٌ لغيرهِ (قالَ: إذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذنْ أحدُكم، وليؤمَّكم أُكثرُكم قرآنًا، قال) أي: عمرُو بنُ سلمةَ: (فنظروا فلمْ يكنْ أحدٌ أكثرَ مني قرآنًا). [و] (٢) قد ورد [بيانُ] (٣) سببِ أكثريةِ قرآنيتهِ أنهُ كانَ يتلقَّى الركبانَ الذينَ كانُوا يفدونَ إليه ﷺ ، ويمرونَ بعمرٍو وأهلهِ، فكانَ يتلقَّى منهم ما يقرأونهُ، وذلكَ قبلَ إسلامِ أبيهِ وقومِه، (فقدَّموني وأنا ابنُ ستٍ، أو سبعٍ سنينَ. رواهُ البخاريِّ، وأبو داودَ، والنسائي). فيه دلالةٌ على أن الأحقَّ بالإمامةِ الأكثرُ قرآنًا، ويأتي الحديثُ بذلكَ قريبًا، وفيهِ: أن الإمامةَ أفضلُ منَ الأذانِ؛ لأنهُ لم يشترطْ في المؤذنِ شرطًا. وتقديمهُ وهو ابنُ سبعٍ سنينَ دليلٌ لما قالهُ الحسنُ البصريُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ من أنهُ لا كراهةَ في إمامةِ المميزِ. وكرِهَهَا مالكُ والثوريُّ، وعن أحمدَ، وأبي حنيفةَ روايتانِ، والمشهورُ عنهما الإجزاءُ في النوافلِ دونَ الفرائضِ، وقالَ بعدمِ صحتِها

стр. 765

الهادي، والناصرُ وغيرُهما (١) قياسًا على المجنونِ، قالُوا: ولا حجةَ في قصةِ عمروٍ هذه، لأنهُ لم يُرْوَ أن ذلكَ كان عن أمرهِ ﷺ ولا تقريرِهِ، وأجيبَ بأنَّ دليلَ الجوازِ وقوعُ ذلكَ في زمنِ الوحي، ولا يقرّرُ فيهِ على فعل ما لا يجوزُ سيَّما في الصلاةِ التي هي أعظمُ أركانِ الإسلامِ. وقد نُبِّهَ ﷺ بالوحي على القذَى الذي كانَ في نعلِهِ (٢)، فلو كانَ إمامةُ الصبيِّ لا تصحُّ لنزلَ الوحيُ بذلك. وقد استدلَّ أبو سعيدٍ (٣) وجابرٌ (٤) بأنَّهم كانُوا يعزلونَ والقرآنُ ينزلُ، والوفدُ الذينَ قدَّمُوا عَمرًا كانُوا جماعةً منَ الصحابةِ، قالَ ابنُ حزمٍ (٥): [ولا نعلمُ] (٦) لهمْ مخالفًا في ذلكَ، واحتمالُ أنهُ أمَّهم في نافلةٍ يبعذهُ سياقُ القصةِ، فإنهُ ﷺ علَّمَهُمْ الأوقاتِ للفرائضِ ثمَّ قالَ لهمْ: "إنهُ [يؤمُّكم أكثرُكُم] (٧) قرآنًا".

стр. 766

وقد أخرجَ أبو داود (١) في سننهِ، قالَ عمروٌ: فما شهدت مشهدًا في جرمِ [اسمِ قبيلةٍ] (٢) إلَّا كنتُ إمامَهم، وهذا يعمُّ الفرائضَ والنوافلَ. قلتُ: ويحتاجُ مَنِ ادَّعى التفرقةَ بينَ الفرضِ والنفلِ، وأنهُ تصحُّ إمامةُ الصبيِّ في هذا دونَ ذلكَ إلى دليلٍ. ثمَّ الحديثُ فيهِ دليلٌ على القولِ بصحةِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفلِ. كذَا في الشرحِ وفيهِ تأملٌ. من هم أولى بالإمامة ١٤/ ٣٨٣ - وَعَنِ أبي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمَهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمَهُمْ سِلْمًا" - وَفِي رِوَايَةٍ: "سِنًّا - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنِ أبي مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : يومُّ القومَ أقرؤُهمْ لكتابِ اللهِ) الظاهرُ أن المرادَ: أكثرُهم لهُ حِفْظًا. وقيلَ: أعلمُهم بأحكامِه، والحديثُ الأولُ يناسبُ القولَ الأولَ: (فإنْ كانُوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ، فإنْ كانُوا في السنةِ سواءً فأقدمُهم هجرة، فإنْ كانُوا في الهجرةِ سواءً فأقدمُهم سلمًا) أي: إسلامًا (وفي روايةٍ: سنًا) عوضًا عن سلمًا (ولا يَؤمَّنَّ الرجل الرجلَ في سلطانِه، ولا يقعدْ في بيتهِ على تكرِمَتِهِ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، وكسرِ الراءِ: الفراشُ ونحوُه مما يبسطُ لصاحبِ المنزلِ، ويختصُّ بهِ (إلَّا بإذنهِ، رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تقديمِ الأقرأ على الأفقهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ

стр. 767

وأحمدَ (١). وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يقدَّمُ الأفقهُ على الأقرأ؛ لأنَّ الذي يحتاجُ إليهِ منَ القراءةِ مضبوطٌ، والذي يحتاجُ إليهِ منَ الفقهِ غيرُ مضبوطٍ، وقدْ [يعرضُ] (٢) في الصلاةِ أمورٌ لا يقدرُ على مراعاتِها إلَّا كاملُ الفقهِ، قالُوا: ولهذا قدَّمَ ﷺ أبا بكرٍ على غيرِهِ معَ قولِهِ: "أقرؤُكم أُبيُّ" (٣). قالُوا: والحديثُ خرجَ على ما كانَ عليهِ حالُ الصحابةِ منْ أنَّ الأقرأ هُوَ الأفقهُ، وقد قالَ ابنُ مسعودٍ: ما كنَا نتجاوزُ عشرَ آياتٍ حتَّى نعرفَ حكمُها وأمرَها ونهيَها، ولا يخفَى أنهُ يبعدُ هذا قولُهُ: "فإنْ كانُوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ"؛ [فإنهُ دليلٌ على تقديمِ الأقرأ مطلقًا، والأقرأُ على ما فسَّروهُ بهِ هوَ الأعلمُ بالسنةِ] (٤)، فلو أُريدَ بهِ [ذلك] (٤) لكانَ القسمانِ قسمًا واحدًا. وقولُهُ: "فأقدمُهم هجرةً" هوَ شاملٌ لمنْ [تقدَّمَ هجرة] (٥)، سواءٌ كانَ في زمنهِ ﷺ أو بعدَهُ، كمنْ يهاجرُ من دارِ الكفارِ إلى دار الإسلامِ، وأمّا حديثُ: "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ" (٦)، فالمرادُ من مكةَ إلى المدينةِ، لأنَّهما جميعًا صارا دارَ إسلامٍ، ولعلَّهُ يقالُ: وأولادُ المهاجرينَ لهمْ حكمُ آبائِهم في [التقديم] (٧)، وقولُهُ: "سلمًا" أي: مَنْ تقدمَ إسلامُهُ يقدَّمُ على مَنْ تأخرَ، وكذا روايةُ سنًّا أي: الأكبرُ [في السنِّ] (٨)، وقد ثبتَ في حديثٍ مالكِ بن الحويرثِ (٩): "ليؤَّمكمْ أكبرُكم"، ومنَ الذينَ يستحقونَ التقديمَ قريشٌ لحديثِ: "قدِّمُوا قريشًا" (١٠)، قالَ الحافظُ

стр. 768

المصنفُ: إنهُ قد جمعَ طرقهُ في جزءٍ كبيرٍ. ومنهمُ: الأحسنُ وجهًا، لحديثٍ وردَ [به] (١)، وفيهِ راوٍ ضعيفٌ. وأمّا قولُهُ: "ولا يؤمنَّ [الرجلُ] (٢) الرجلَ في سلطانِهِ"، فهو نهيٌ عن تقديمِ غيرِ السلطانِ عليهِ، والمرادُ ذو الولايةِ سواءٌ كانَ السلطانَ الأعظمَ، أو نائبَه وظاهرهُ، وإنْ كانَ غيرُه أكثرُ قرآنًا وفقهًا فيكونُ هذا خاصًّا، وأولُ الحديثِ عامٌّ، ويلحقُ بالسلطانِ صاحبُ البيتِ؛ لأنُ وردَ في صاحبِ البيتِ حديثٌ بخصوصِهِ بأنهُ الأحقُّ. أخرجَ الطبرانيُّ (٣)، من حديثٍ ابن مسعودِ: " [فقد] (٤) علمتُ أن منَ السنةِ أنْ يتقدَّمَ صاحبُ البيتِ"، قالَ المصنفُ: رجالُهُ ثقاتٌ.

стр. 769

وأمّا إمامُ المسجدِ، فإنْ كانَ عن ولايةٍ منَ السلطانِ أوْ [عمَّاله] (١) فهوَ داخلٌ في حكم السلطانِ، وإنْ كانَ باتفاقٍ من أهلِ المسجدِ، فيحتملُ أنهُ يصيرُ بذلكَ أحقَّ، وأنَّها ولايةٌ خاصةٌ، [وكذلك] (٢) النهيُ عن القعودِ مما يختصُّ بهِ السلطانُ في منزلِهِ، أو الرجلُ من فراشٍ وسريرٍ ونحوهِ، ولا يقعدُ فيهِ أحدٌ إلَّا بإذنهِ، ونحوهُ قولُهُ: ١٥/ ٣٨٤ - وَلابْنِ مَاجَهْ (٣)، مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ ﵁: "وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا"، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. [ضعيف] (ولابن ماجهْ من حديثٍ جابرٍ ﵁: ولا تؤمنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيٌّ مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا. وإسنادُهُ واهٍ)، فيهِ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العدوي، عن عليٍّ بن زيدِ بن جدعانَ، والعدويُّ اتّهمَهُ وكيعٌ بوضعِ الحديثِ (٤)، وشيخُهُ ضعيفٌ (٥)، ولهُ [طرقٌ] (٦) أخرى فيها عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ، وهو متَّهمٌ بسرقةِ الحدثِ، وتخليطِ الأسانيدِ (٧). وهو يدلُّ على أنَّ المرأةَ لا تَؤُمُّ الرجلَ، وهوَ مذهبُ الهادويةِ، والحنفيةِ، والشافعيةِ (٨) وغيرِهم، وأجازَ المزني وأبو ثورٍ إمامةَ المرأةِ، وأجاز الطبريُّ إمامتَها في التراويحِ إذا لم يحضر مَنْ يحفظُ القرآنَ، وحجّتُهم حديثُ أمِّ ورقةَ،

стр. 770

وسيأتي (١)، ويحملونَ هذا النهيَ على التنزيهِ، أو يقولونَ: الحديثُ ضعيفٌ. ويدلُّ أيضًا [على] (٢) أنهُ لا يؤمُّ الأعرابيُّ مهاجرًا، ولعلهُ محمولٌ على الكراهةِ؛ إذْ كانَ في صدرِ الإسلامِ. ويدلُّ أيضًا على أنهُ لا يؤمُّ الفاجرُ - وهوَ المنبعثُ في المعاصي - مؤمنًا، وإلى هذا ذهبت الهادويةُ، فاشترطُوا عدالةَ مَنْ يُصلَّى خلفَهُ، وقالُوا: لا تصحُّ إمامةُ الفاسق، وذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ إلى صحةِ إمامتهِ، مستدلينَ بما يأتي من حديثٍ ابن عمرَ (٣) وغيرهِ، وهي أحاديثُ كثيرةٌ دالّةٌ على صحةِ الصلاةِ خلفَ كلِّ برٍّ وفاجرٍ، إلَّا أنَّها كلُّها ضعيفة، وقد عارضَها حديثُ: "لا يؤمَّنَّكم ذُو جرأةٍ في دينِهِ" (٤) ونحوهُ، وهي أيضًا ضعيفة. قالُوا: فلمِّا ضعفت [الأحاديثُ] (٥) منَ الجانبينِ رجعنا إلى الأصلِ، وهي أن مَنْ صحَّتْ صلاتهُ صحَّتْ إمامتُه، وأيّد ذلكَ فعلُ الصحابةِ، فإنهُ أخرجَ البخاريُّ في التاريخِ (٦) عن عبد الكريمِ أنهُ قالَ: "أدركتُ عَشْرَةً من أصحابِ محمدٍ ﷺ يصلُّونَ خلفَ أئمةِ الجورِ"، ويؤيّدهُ أيضًا حديثُ مسلم (٧): "كيفَ أنتَ إذا كانَ عليكم أمراءُ يؤخّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال: فما تأمرُني؟ قال: صلِّ الصلاةَ لوقتِها فإنْ أدركتَه معهم فصلِّ؛ فإنَّها لك نافلةٌ". فقد أذنَ بالصلاةِ خلفَهم وجعلَها نافلةً لأنَّهم أخرجُوها عن وقتِها، وظاهرهُ أنَّهم لو صلَّوها في وقتها لكانَ مأمورًا بصلاتها خلفَهم فريضةً.

стр. 771

حكم تسوية الصفوف ورصِّها ١٦/ ٣٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَينَهَا، وَحَاذُوا بِالأعنَاقِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: رُصُّوا) أي: في صلاة الجماعة - بضمِّ الراءِ، والصادِ المهملةِ - منْ رصِّ البناءَ (صفوفكم) بانضمام بعضِكم إلى بعضٍ، (وقاربوا بينَها) أي: بين الصفوفِ (وحاذوا) أي: يساوي بعضُكم بعضًا في الصفِّ (بالأعناقِ. رواة أبو داود، والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ)، تمامُ الحديثِ من سننِ أبي داودَ: "فوَالذي نفسي بيدِهِ إني لأرَى الشياطينَ تدخلُ في خللِ الصفِّ كأنَّها الحَذَفُ" بفتح الحاءِ المهملةِ، والذالِ المعجمةِ: هي صغارُ الغنم. وأخرجَ الشيخانِ (٤)، وأبو داودَ (٥) من حديثٍ النعمانِ بن بشيرٍ [قال (٦): "أقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ على الناسِ بوجهِهِ فقالَ: أقيمُوا صفوفَكم - ثلاثًا - واللَّهِ لتقيمُنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بينَ قلوبكم. قالَ: فرأيتُ الرجلَ يلزقُ منكبُه بمنكبِ صاحبهِ وكعبَه بكعبهِ". وأخرج أبو داودَ (٧) عنهُ أيضًا قالَ: "كانَ النبيُّ ﷺ

стр. 772

يسوِّينَا في الصفوفِ كما يقوِّم [القداحُ] (١)، حتى إذا ظنَّ أن قدْ أخذْنا ذلكَ عنهُ وفقِهْنَا أقبلَ ذاتَ يومٍ بوجههِ إذا رجلٌ منتبذٌ بصدره فقالَ: لتسوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم". وأخرج (٢) أيضًا من حديثٍ البراءِ بن عازبٍ ﵁ قالَ: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يتخلَّلُ الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ، يمسحُ صدورَنا ومناكبَنا ويقول: لا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكم". وهذه الأحاديثُ والوعيدُ الذي فيها دالةٌ على وجوب ذلكَ، وهوَ مما تساهل فيهِ الناسُ كما تساهلُوا فيما يفيدُهُ حديثُ أنسٍ عنهُ ﷺ : "أتمُّوا الصفَّ المقدمَ، ثمَّ الذي يليهِ فما كانَ من نقصٍ فليكنْ في الصفِّ المؤخَّرِ" أخرجهُ أبو داودَ (٣)، فإنكَ ترى الناسَ في المسجدِ يقومونَ للجماعةِ وهم لا يملأونَ الصفَّ الأولَ لو قامُوا فيهِ، فإذا أقيمتِ الصلاةُ يتفرَّقونَ صفوفًا على اثنينِ، وعلى ثلاثةٍ ونحوهِ. وأخرجَ أبو داودَ (٤) من حديثٍ جابرٍ بن سمرةَ: "قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ألا تصفُّونَ كما تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم، قلنا: وكيفَ تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم؟ قالَ: يتمُّونَ الصفوفَ المقدَّمةَ ويتراصُّونَ في الصفِّ". وقد وردَ في سدِّ الفُرَج في الصفوفِ أحاديثُ؛ كحديثِ ابن عمرَ: "ما منْ خطوةٍ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ مشاها الرجلُ في فرجةٍ في الصفِّ فسدَّها"، أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ (٥)، وأخرجَ أيضًا (٦) فيهِ من حديثٍ عائشةَ قالَ ﷺ : "مَنْ سدَّ فرجةً في صفٍّ رفعهُ اللهُ بها درجةً، وبَنَى لَهُ بيتًا في الجنةِ". قالَ الهيثمي: فيهِ مسلمُ بنُ خالدٍ الزنجي، وهو ضعيفٌ وثَّقُهُ ابنُ حبانَ (٧).

стр. 773

وأخرجَ البزارُ (١) من حديثٍ أبي جحيفة عنهُ ﷺ : "مَنْ سدَّ فرجةً في الصفّ غُفِرَ لهُ"، قال الهيثميُّ (٢): إسنادُهُ حسنٌ، ويغني عنهُ: "رصُّوا صفوفَكم" الحديث؛ إذِ الفُرَجُ إنَّما تكونُ من عدمِ رصِّهم الصفوفَ. خير الصفوف في الصلاة ١٧/ ٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها) أي: أكثرُها أجرًا، وهوَ الصفُّ الذي تصلِّي الملائكةُ على مَنْ صلَّى فيهِ كما يأتِي، (وشرُّها آخرُها) أقلّها أجرًا، (وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها، وشرُّها أوَّلُها. رواهُ مسلمٌ)، ورواهُ - أيضًا البزارُ (٤)، والطبرانيُّ في الكبيرِ (٥) والأوسطِ (٦)، والأحاديثُ في [فضائل] (٧) الصفِّ الأولِ واسعةٌ. أخرج أحمدُ (٨) - قالَ الهيثمي (٩): رجالُه موثقونَ - والطبرانيُّ في الكبير (١٠)

стр. 774

من حديثٍ أبي أُمامةَ: "قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الله وملائكتَه يصلُّونَ على الصفِّ الأولِ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ، وعلى الثاني؟ قالَ: وعلى الثاني". وأخرجَ أحمدُ (١) والبزارُ (٢) - قال الهيثميُّ: برجالٍ ثقاتٍ (٣) - من حديثٍ النعمانِ بن بشيرٍ قالَ: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ استغفرَ للصفِّ الأولِ ثلاثًا، وللثانِي مرتينِ، وللثالثِ مرةً". قال الهيثمي (٤): فيهِ أيوبُ بنُ عتبةَ ضعَّفَهُ من قِبَلِ حفظِه. ثم قد ورد في ميمنة الصفّ الأول ومسامَتَةِ الإمام وأفضليتهِ على الأيسرِ أحاديثُ، فأخرجَ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٥) من حديثٍ أبي بردةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنِ استطعتَ أنْ تكونَ خلفَ الإمامِ وإلَّا فعنْ يمينهِ". قال الهيثمي (٦): فيهِ مَنْ لم أجدْ لهُ ذكرًا، وأخرجَ أيضًا في الأوسطِ (٧) والكبيرِ (٨) من حديثٍ ابن عباسٍ: "عليكمْ بالصفِّ الأولِ، وعليكمْ بالميمنةِ، وإياكمْ والصفَّ بينَ السواري". قالَ الهيثميُّ (٩): فيهِ إسماعيلُ بنُ مسلمٍ المكيُّ ضعيفٌ. واعلمْ أن الأحقَّ بالصفِّ الأوّلِ أُولُو الأحلامِ والنُّهَى، فقد أخرجَ البزارُ (١٠) من حديثٍ عامرِ بن ربيعةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لِيَلِني منكم [أولو] (١١) الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذينَ يلونَهم". قالَ الهيثميُّ (١٢): فيهِ عاصمُ بنُ عبيدِ اللهِ العمري، والأكثرُ على تضعيفهِ. واختُلِفَ في الاحتجاجِ بهِ، وأخرجهُ مسلمٌ (١٣)، والأربعةُ (١٤) من حديثٍ ابن مسعودٍ بزيادةٍ: "ولا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكم، وإياكمْ

стр. 775

وهيشاتِ (١) الأسواقِ"، وفي البابِ أحاديثُ غيرُهُ. [وفي حديثٍ البابِ] (٢) دلالةٌ على جوازِ اصطفافِ النساءِ صفوفًا، وظاهرُه سواءٌ كانتْ صلاتُهنَّ مع الرجالِ أو معَ النساءِ، وقد علَّلَ خيريتَهُ [أواخر] (٣) صفوفهنَّ بأنهنَّ عندَ ذلك يبعدْنَ عن الرجالِ، وعن رؤيتهمْ، وسماع كلامهِم، إلَّا أنَّها علّةٌ لا تتمُّ إلَّا إذا كانت صلاتُهنَّ معَ الرجالِ، وأمّا إذا صلّينَ [وإمامتُهنَّ] (٤) امرأةٌ [فصفوفهنّ] (٥) كصفوفِ الرجالِ أفضلُها أوَّلُها. أين يقف المؤتم؟ ١٨/ ٣٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ قالَ: صلَّيت معَ رسولِ اللهِ ﷺ ذاتَ ليلةٍ) هي ليلةُ مبيتهِ عندَهُ المعروفةُ، (فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ رسول اللهِ ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينهِ. متفقٌ عليه)، دلَّ على صحةِ صلاةِ المتنفلِ بالمتنفلِ، وعلى أن موقفَ الواحدِ معَ الإمامِ عن يمينهِ بدليلِ الإدارةِ؛ إذْ لو كانَ اليسارُ موقفًا لهُ لما أدارهُ في الصلاةِ. وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ، وخالفَ النخعي (٧) فقالَ: إذا كانَ الإمامُ وواحدٌ قامَ الواحدُ خلفَ الإمام، فإنْ ركعَ الإمامُ قبلَ أن يجيءَ أحدٌ قامَ عن يمينهِ. أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٨).

стр. 776

ووُجِّهَ بأنَّ الإمامة مظنّةُ الاجتماع [فاعتبرتْ] (١) في موقفِ المأموم حتَّى يظهرَ خلافُ ذلكَ. قيلَ: ويدلُّ على صحةِ صلاةِ مَنْ قامَ عن يسارِ الامامِ؛ لأَنهُ ﷺ لم يأمرِ ابنَ عباسٍ بالإعادةِ، وفيهِ أنهُ لا يجوزُ أنهُ لم يأمرْهُ، لأنهُ معذورٌ بجهلهِ، أو بأنهُ ما كانَ قد أحرمَ بالصلاةِ، ثمَّ قولُه: "فجعلني عن يمينهِ" ظاهرٌ في أنهُ قامَ مساويًا لهُ، وفي بعضِ ألفاظهِ: "فقمتُ إلى جنبهِ"، وعن بعضِ أصحابِ الشافعي أنهُ يستحبُّ أنْ يقفَ المأمومُ دونَه قليلًا (٢)، إلَّا أنّهُ قد أخرجَ ابنُ جريجٍ قالَ: "قُلْنَا لعطاءٍ: الرجلُ يصلِّي معَ الرجلِ أينَ يكونُ منهُ؟ قالَ: إلى شقِّهِ، قلتُ: أيحاذيهِ حتَّى يصفَّ معهُ لا يفوتُ أحدُهما الآخرَ، قالَ: نعمْ. قلتُ: بحيثُ أنْ لا يبعدَ حتَّى يكونَ بينَهما فرجةٌ، قالَ: نعمْ"، ومثلُه في الموطأ (٣) عن عمرَ منْ حديثٍ ابن مسعودٍ أنهُ صفَّ معهُ فقرَّبَهُ حتَّى جعلَه حذاءَه عن يمينِهِ. ١٩/ ٣٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٥). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ قَالَ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ ، فقمتُ ويتيمٌ خلفَهُ)، فيهِ العطفُ على المرفوعِ المتصلِ من دونِ تأكيدٍ ولا فصلٍ (٦)، وهوَ صحيحٌ على مذهبِ الكوفيينَ، واسمُ اليتيمِ ضميرةُ وهو جدُّ حسينِ بن عبدِ الله بن ضميرةَ، (وأمُّ سليمٍ) هيَ أُمُّ أنس [بن مالكٍ] (٧) واسمُها: مُلَيْكَةُ مصغَّرًا (خلْفَنَا. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). دلَّ الحديثُ على صحةِ الجماعةِ في النفلِ، وعلى صحةِ الصلاةِ للتعليم والتبرّك كما تدلُّ عليهِ القصة، وعلى أن مقامَ الاثنينِ خلفَ الإمامِ، وعلى أن الصغيرَ يعتدُّ بوقوفه ويسدُّ الجناحَ، [وهو] (٨) الظاهر من لفظ اليتيم؛ إذ لا يُتْمَ بعدَ

стр. 777

الاحتلامِ، وعلى أن المرأةَ لا تصفُّ مع الرجالِ، وأنَّها تنفردُ في الصفِّ، وأنَّ عدمَ امرأةٍ تنضمُّ إليها عذرٌ في ذلكَ، فإنِ انضمتِ المرأةُ معَ الرجلِ أجزأتْ صلاتُها لأنهُ ليسَ في الحديثِ إلّا تقريرُها على التأخرِ، وأنهُ موقفُها، وليسَ فيه دلالةٌ على فسادِ صلاتِها لو صلَّتْ في غيرهِ، وعندَ الهادويةِ (١) أنَّها تفسدُ عليها، وعلى مَنْ خلفَها، وعلَى من في صفِّها إنْ علمُوا، وذهبَ أبو حنيفةَ (٢) إلى فسادِ صلاهِ الرجلِ دونَ المرأة، ولا دليلَ على الفسادِ في الصورتينِ (٣). من وجد الإمام راكعًا فلا يدخل في الصلاة حتى يصل الصف ٢٠/ ٣٨٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤)، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (٥) فِيهِ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. [صحيح] (وعن أبي بكرةَ، أنهُ انتهَى إلى النبيِّ ﷺ وهوَ راكعٌ، فركعَ قبلَ أن يصلَ إلى الصفِّ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : زادَكَ اللهُ حِرْصًا) أيْ: على طلبِ الخيرِ، (ولا تَعُدْ) بفتحِ المثناةِ الفوقية منَ العودِ، (رواهُ البخاريُّ، وزادَ أبو داودَ فيهِ: فركعَ دونَ الصفِّ ثمَّ مشى إلى الصفِّ). الحديثُ يدلُّ على أن مَنْ وجدَ الإمامَ راكعًا فلا يدخلُ في الصلاةِ حتَّى يصلَ الصفَّ لقولهِ ﷺ : "ولا تعدْ"، وقيلَ: بل يدلُّ على أنهُ يصحُّ منهُ ذلكَ؛ لأنهُ ﷺ لم يأمرْهُ بالإعادةِ لصلاتهِ، فدلَّ على صحتِها. قلتُ: لعلَّهُ ﷺ لم يأمرْهُ لأنهُ كانَ جاهلًا للحكمِ، والجهلُ عذرٌ. ورَوَى الطبرانيُّ في الأوسطِ (٦) من روايةٍ عطاءٍ عن ابن الزبيرِ - قالَ الهيثميُّ (٧): رجالُهُ رجالُ الصحيحِ - أنهُ قالَ: "إذا دخلَ أحدُكمُ المسجدَ والناسُ

стр. 778

ركوعٌ فليركعْ حينَ يدخلُ، ثمَّ يدبُّ راكعًا حتَّى يدخلَ في الصفَّ فإنَّ ذلك السنةُ"، قالَ عطاءُ: قد رأيتهُ يصنَعُ ذلكَ، قالَ ابنُ جُريجٍ: وقدْ رأيتُ عطاءً يصنعُ ذلكَ. قلتُ: وكأنهُ مبنيٌّ على أن لفظَ: "ولا تعدْ" [بضمِّ المثناة الفوقيةِ منَ الإعادةِ، أي: زادك اللهُ حرصًا على طلب الخيرِ، ولا تُعِدْ صلاتَكَ] (١) فإنَّهَا صحيحةٌ. ورُوِيَ بسكونِ العينِ المهملةِ من العدْوِ، وتؤيدُه روايةُ ابن السكنِ (٢) من حديثٍ أبي بكرةَ بلفظِ: "أقيمتِ الصلاةُ، فانطلقتُ أسعَى حتَّى دخلتُ في الصفِّ، فلمَّا قضى الصلاةَ قال ﷺ : مَنِ الساعي آنِفًا؟ قالَ أبو بكرةَ: فقلتُ: أَنَا، قالَ ﷺ : زادَكَ اللهُ حِرصًا ولا تعدْ". والأقربُ [روايةُ] (٣) أنهُ لا تَعُدْ من العودِ. أي: لا تعدْ ساعيًا إلى الدخول [راكعًا] (٤) قبل وصولِكَ الصفَّ، فإنهُ ليسَ في الكلامِ ما يشعرُ بفسادِ صلاتِهِ حتَّى يَفْتِيَهُ ﷺ بأنهُ لا يعيدُها، بل قولهُ: زادكَ اللهُ حرصًا يشعرُ بإجزائِها، أو: لا تعدُ من العدْوِ. لا صلاة لمنفرد خلف الصف ٢١/ ٣٩٠ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مِعْبَدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (٦)، والترْمِذِيُّ (٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٨). [صحيح]

стр. 779

ترجمة وابصة (وعن وابصةَ) (١) بفتحِ الواوِ، وكسرِ الموحدة، فصادٍ مهملةٍ وهوَ: أبو قِرصافةَ بكسرِ القافِ، وسكونِ الراءِ، فصادٍ مهملةٍ، وبعدَ الألفِ فاءٌ (ابن مِعبدٍ) بكسرِ الميم، وسكونِ العينِ المهملةِ، فدالٍ مهملةٍ، وهوَ ابنُ مالكٍ من بني أسدٍ بن خزيمةَ [الأَنصاري] (٢) الأسدي. نزلَ وابصةُ الكوفةَ، ثمَّ تحوَّل إلى الحيرةٍ، ومات بالرقةِ (أن رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصفَّ وحدَهُ فأمرَهُ أَنْ يعيدَ الصلاةَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنَهُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). فيه دليلٌ على بطلانِ صلاةِ من صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَهُ، وقد قالَ ببطلانِها النخعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤). وكانَ الشافعيُّ يضعفُ هذا الحديثَ (٥) ويقولُ: لو ثبتَ هذا الحديثُ لقلتُ بهِ. قالَ البيهقيُّ: الاختيارُ أنْ يتوقّى ذلكَ لثبوتِ الخبرِ المذكورِ. ومَنْ قالَ بعدمِ بطلانِها استدلَّ بحديثِ أبي بكرةَ، وأنهُ لم يأمرْهُ ﷺ بالإعادةِ معَ أنهُ أَتَى ببعضِ الصلاة خلفَ الصفِّ منفردًا، قالُوا: فيحملُ الأمرُ بالإعادةِ ههُنا على الندبِ، قيلَ: والأَوْلَى أن يحملَ حديثُ أبي بكرةَ على العذرِ وهوَ خشيةُ الفواتِ معَ انضمامهِ بقدرِ الإمكان، وهذا لغيرِ عذرٍ في جميعِ الصلاةِ. قلت: وأحسنُ منهُ أنْ يقالَ: هذا لا يعارضُ حديثَ أبي بكرةَ بل يوافقُهُ، وإنَّما لم يأمرْ ﷺ أبا بكرةَ بالإعادةِ لأنهُ كانَ معذورًا بجهلهِ، وبحملُ أمرهُ بالإعادةِ لِمَنْ صلَّى خلفَ الصفِّ بأنهُ كانَ عالمًا بالحكمِ، ويدلُّ على البطلانِ أيضًا ما تضمنهُ قولُهُ: ٢٢/ ٣٩١ - وَلَهُ (٦) عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁: "لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ". [صحيح]

стр. 780

وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ (١) فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ: "أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟ ". [حسن لغيره] (ولهُ) أي: لابنِ حبانَ (عن طلقِ بن عليٍّ) [الذي سلفَ ذكرُه] (٢) إلَّا صلاةَ لمنفردٍ خلفَ الصفِّ)؛ فإنَّ النفيَ ظاهرٌ في نفي الصحةِ. (وزادَ الطبرانيُّ) في حديثِ وابصةَ (ألَا دخلْتَ) أيُّها المصلِّي منفردًا عن الصفِّ [(معهُم) أي: في الصفِّ] (٣)، (أو اجتررتَ رجلًا)، أي: منَ الصفِّ [فينضمُّ] (٤) إليكَ، وتمامُ حديثٍ الطبرانيِّ: "إنْ ضاقَ بكَ المكانُ أعدْ صلاتَكَ، فإنهُ لا صلاةَ لكَ"، وهوَ في مجمعِ الزوائدِ (٥) من روايةٍ ابن عباسٍ: "إذا انتهَى أحدُكم إلى الصفِّ وقدْ تمَّ، فليجذبْ إليهِ رجلًا يقيمُهُ إلى جنبهِ". [وقال] (٦): رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٧)، وقالَ: لا يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسنادِ، وفيهِ السريُّ بنُ إبراهيمَ، وهوَ ضعيفٌ جدًّا. ويظهرُ من كلامِ مجمع الزوائدِ أن في حديثٍ وابصةَ السريَّ بن إسماعيلَ وهوَ ضعيفٌ، والشارحُ ذكرَ أَنَّ السريَّ في روايةٍ الطبرانيِّ التي فيها الزيادةُ، إلَّا أنهُ قد أخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (٨) من روايةٍ مقاتلِ بن حبَّانَ مرفوعًا: "إنْ جاءَ

стр. 781

أحدكُم فلم يجدْ موضعًا فَلْيَخْتَلِجْ إليهِ رجلًا من الصفِّ فليقمْ معهُ، فما أعظمَ أجرَ المختلَجِ" (١)، وأخرج الطبرانيُّ في الأوسطِ (٢) من حديثٍ ابن عباسٍ: "أن النَّبيَّ ﷺ أمرَ الآتي وقد تمَّتِ الصفوفُ بأنْ يجتذبَ إليهِ رجلًا يقيمهُ إلى جنبهِ"، وإسنادُه، واهٍ (٣). المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار ٢٣/ ٣٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَما فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ. [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: إذا سمعتمُ الإقامة) أي: الصلاةَ (فامشُوا إلى الصلاةِ وعليكمُ السكينةُ). قالَ النوويُّ (٥): السكينةُ: التأنّي في الحركاتِ واجتنابُ العبثِ، (والوقار): في الهيئةِ كغضِّ الطرفِ، وخفضِ الصوتِ، وعدمِ الالتفاتِ، وقيلَ: معناهُما واحدٌ، وذكرَ الثاني تأكيدًا، وقد نبَّهَ في روايةٍ مسلمٍ (٦) على الحكمةِ في شرعيةِ هذا الأدبِ بقولهِ في آخرِ حديثٍ أبي هريرةَ هذا: "فإن أحدكم إذا كان يَعْمِدُ إلى الصلاةِ فإنهُ في صلاةٍ"، أي: فإنهُ في حكم المصلِّي، فينبغي اعتمادُ ما ينبغي للمصلِّي اعتمادُهُ، واجتنابُ ما ينبغي لهُ اجتنابُهُ. (ولا تسرعُوا فما أدركتمْ) منَ الصلاةِ معَ الإمامِ (فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ). فيهِ الأمرَ بالوقارِ، وعدمْ الإسراعِ في الإتيانِ إلى الصلاةِ، وذلكَ لتكثيرِ الخُطا فينالُ فضيلةَ ذلكَ؛ فقدْ ثبتَ عندَ مسلمٍ (٧) من حديثِ

стр. 782

جابرٍ: "إنَّ بكلِّ خطوةٍ يخطوهَا [المصلّي] (١) إلى الصلاةِ درجةً"، وعندَ أبي داودَ (٢) مرفوعًا: "إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ خرجَ إلى المسجدِ لمْ يرفعْ قدمَهُ اليمنى إلَّا كتبَ اللهُ لهُ حسنةً، ولم يضعْ قدمَهُ اليُسرى إلَّا حطَّ اللهُ عنهُ سيئةً، فإذا أتى المسجدَ فصلَّى في جماعةٍ غفرَ لهُ، فإن جاءَ وقد صلُّوا بعضًا وبقي بعضٌ، فصلَّى ما أدركَ وأتمَّ ما بقيَ كانَ كذلكَ، وإنْ أتَى المسجدَ وقد صلُّوا كانَ كذلكَ". وقولُهُ: "فما أدركتم فصلُّوا" جوابُ شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا فعلتم ما أُمرتمْ به من ترك الإسراعِ ونحوه فما أدركتم فصَلُّوا، وفيهِ دلالةٌ على أن فضيلةَ الجماعةِ يدركُها ولو دخلَ معَ الإمام في أي جزءٍ من أجزاءِ الصلاةِ، ولو دونَ ركعةٍ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وذهبَ آخَرونَ إلى أنهُ لا يصيرُ مدركًا لها إلَّا بإدراكِ ركعةٍ لقولِهِ ﷺ : "مَنْ أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ فقد أدركَها". وسيأتي في الجمعةِ (٣) اشتراطُ إدراكِ ركعةٍ، ويقاسُ عليها غيرُها، وأجيبَ بأنَّ ذلكَ في الأوقاتِ لا في الجماعة، وبأنَّ الجمعةَ مخصوصةٌ فلا يقاسُ عليها، واستدلَّ بحديثِ البابِ على صحةِ الدخولِ معَ الإمامِ في أي حالةِ أدركهُ عليها. وقد أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٤) مرفوعًا: "مَن وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكنْ معي على حالتي التي أنا عليها". قلتُ: وليسَ فيهِ دلالةٌ على اعتدادِه بما أدركهُ معَ الإمام، ولا على إحرامهِ في أي حالةٍ أدركهُ عليها، بل فيهِ الأمرُ بالكونِ معهُ، وقد أَخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (٥) برجالٍ موثقينَ - كما قالَ الهيثميُّ (٦) - عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ قالا: "مَنْ لم يدركِ الركعةَ فلا يَعْتَدَّ بالسجدةِ"، وأخرجَ أيضًا في الكبيرِ (٧) - قالَ الهيثميُّ (٨)

стр. 783

[أيضًا] (١): برجالٍ موثقينَ - من حديثٍ زيدِ بن وهبٍ قال: "دخلتُ أنا وابنُ مسعودٍ المسجدَ والإمامُ راكعٌ فركعْنَا ثمَّ مشينا حتَّى استوَيْنَا بالصفِّ، فلما فرغَ الإمامُ قمتُ أقضي فقالَ: قدْ أدركتَهُ" وهذهِ آثارٌ موقوفةٌ، وفي الآخرِ دليلٌ على ما ذهبَ إليهِ ابنُ الزبيرِ وقد تقدَّمَ. ووردَ في بعضِ الرواياتِ حديثُ البابِ بلفظِ: "فاقضُوا" (٢) عوضَ أتمُّوا، والقضاءُ يطلقُ على أداءِ الشيءِ فهوَ في معنَى أتمُّوا فلا مغايرةَ. ثمَّ قدِ اختلَفَ العلماءُ فيما يدركهُ اللاحقُ معَ إمامهِ هل هي أولُ صلاتهِ أو آخرُها، والحقُّ أنَّها أولُها، وقد حقَّقناهُ في حواشي "ضوء النهارِ" (٣). واختُلِفَ فيما إذا أدركَ الإمامَ راكعًا فركعَ معهُ هل تسقطُ قراءةُ تلكَ الركعةِ عندَ مَنْ أوجبَ الفاتحةَ [في كل ركعة] (٤)، فيعتدُّ بها، أوْ لا تسقطُ فلا يعتدُّ بها، [قيلَ] (٥): يعتدُّ بها لأنهُ قد أدركَ الإمامَ قبلَ أنْ يقيمَ صُلْبَهُ، وقيلَ: لا يعتدُّ بها [لأنها] (٦) فاتَتْهُ الفاتحةُ. وقد بسطْنا القولَ [في ذلك] (٧) في مسألةٍ مستقلةٍ [ورجحَ عندنا] (٨) الإجزاءُ، ومن أدلَّتهِ حديثُ أبي بكرة (٩) حيثُ ركعَ وهم ركوعٌ ثمَّ أقرَّهُ ﷺ على ذلكَ، وإنما نهاهُ عن العودةِ إلى الدخولِ قبلَ الانتهاءِ إلى الصفِّ كما عرفتَ. الندب إلى صلاة الجماعة ٢٤/ ٣٩٣ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَينِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ

стр. 784

مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِي (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [حسن] (وعن أبي بن كعبٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : صلاةُ الرجلِ معَ الرجلِ أزكَى من صلاتهِ وحدَهُ)، أي: أكثرُ أجرًا من صلاتهِ منفردًا، (وصلاتُه معَ الرجلينِ أزكَى من صلاتهِ معَ الرجلِ، وما كانَ أكثرَ فهوَ أحبُّ إلى اللهِ تعالى. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). وأخرجه ابنُ ماجَهْ (٤)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ (٥)، والعقيليُّ (٦)، والحاكمُ (٧)، وذكرَ الاختلافَ فيهِ، وأخرجهُ البزارُ (٨)، والطبرانيُّ (٩) بلفظِ: "صلاةُ الرجلينِ يؤمُّ أحدُهما صاحبَهُ أزكَى عندَ اللهِ من صلاةِ مائةِ [ركعة] (١٠) تَتْرَى".

стр. 785

وفيهِ [دلالةٌ] (١) على أن أقلَّ صلاةِ الجماعةِ إمامٌ ومأمومٌ، ويوافقهُ ما أخرجهُ ابنُ ماجَهْ (٢) من حديث أبي موسى: "اثنان فما فوقَهما جماعةٌ"، ورواه البيهقيُّ (٣) أيضًا من حديثٍ أنسٍ، وفيهمَا ضعفٌ. وبوَّبَ البخاريُّ: (بابُ اثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ) (٤)، واستدلَّ بحديثِ مالكِ بن الحويرثِ (٥): "إذا حضرتِ الصلاةُ فأذِّنا، ثمَّ أقيما، ثم ليؤمَّكُما أكبرُكما"، وقد رَوَى أحمدُ (٦) من حديثٍ أبي سعيدٍ: "أنهُ دخلَ رجلٌ المسجدَ وقد صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابهِ الظهرَ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : ما حبسكَ يا فلانُ عن الصلاةِ، فذكرَ شيئًا اعتلَّ بهِ، قالَ: فقامَ يصلِّي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ألا رجلٌ يتصدّقُ على هذَا فيصلِّي معهُ، فقامَ رجلٌ معهُ". قالَ الهيثميُّ (٧): رجالُه رجالُ الصحيحِ. تؤمُّ المرأة أهل دارها ٢٥/ ٣٩٤ - وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٩). [حسن]

стр. 786

ترجمة أم ورقة (وعن أمِّ ورقةَ) (١) بفتحِ الواوِ والراءِ والقافِ، هي أمُّ ورقةَ بنتُ نوفلٍ الأنصاريةِ، وقيلَ: بنتُ عبدِ اللهِ بن الحرثِ بن عويمرٍ، كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يزورُها ويسمِّيها الشهيدةَ، وكانت قدْ جمعتِ القرآنَ وكانت تؤمُّ أهلَ دارِها، ولما غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ بدرًا قالتْ: يا رسولَ اللهِ ائذنْ لي في الغزوِ معكَ، الحديث. وأمرَها أنْ تؤمَّ أهلَ دارِها وجعلَ لها مؤذنًا يؤذنُ، وكانَ لها غلام وجاريةٌ فدبَّرتْهما، وفي الحديثِ أن الغلامَ والجاريةَ قاما إليها في الليلِ فغمَّاها بقطيفةٍ لها حتَّى ماتتْ وذهبا، فأصبحَ عمرُ فقامَ في الناسِ، فقالَ من عندَهُ من علمِ هذينِ أو مَنْ رآهما فليجئْ بهما فوُجِدا فأمرَ بهما فصلبهُما، وكانَا أولَ مصلوبٍ بالمدينةِ. (أن النبيَّ ﷺ أمرَها أنْ تؤمَّ أهلَ دارِها. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ). والحديثُ دليلٌ على صحَّةِ إمامةِ المرأةِ أهل دارِها وإنْ كانَ فيهمُ الرجلُ، فإنهُ كانَ لها مؤذنٌ وكانَ شيخًا كما في الروايةِ، والظاهرُ أنها كانت تؤمُّهُ وغلامَها، وجاريتها، وذهبَ إلى صحته أبو ثورٍ، والمزني، والطبريُّ، وخالفَ في ذلكَ الجماهيرُ (٢). وأما إمامةُ الرجلِ النساءَ فقط، فقد رَوَى عبدُ اللهِ بن أحمدَ من حديثٍ أُبيِّ بن كعبٍ: "أنهُ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، عملتُ الليلةَ عملًا، قالَ: ما هوَ؟ قالَ: نسوةٌ معي في الدارِ قُلْنَ إنكَ تقرأُ ولا نقرأُ، فصلِّ بنا فصليتُ ثمانيًا والوتر، فسكتَ النبيُّ ﷺ قالَ: فرأينا أن سكوتَهُ رضًا"، قالَ الهيثميُّ (٣) في إسنادهِ مَنْ لم يسمَّ. قال (٤): ورواهُ أبو يَعْلَى (٥)، والطبرانيُّ في الأوسطِ وإسنادهُ حسنٌ.

стр. 787

تصح إمامة الأعمى ٢٦/ ٣٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ استخلفَ ابنَ أمِّ مكتومٍ) وتقدَّمَ اسمُه في الأذانِ (يؤمُّ الناسَ وهوَ أعمَى. رواة أحمدُ وأبو داودَ)، في روايةٍ لأبي داودَ (٣): أنهُ استخلفهُ مرتينِ، وهوَ في الأوسطِ للطبراني (٤) من حديثٍ عائشةَ: "استخلفَ النبيُّ ﷺ ابنَ أمِّ مكتومٍ على المدينةِ مرتينِ يؤمُّ الناسَ"، والمرادُ استخلافُه في الصلاةِ وغيرِها، وقد أَخرجَهُ الطبرانيُّ (٤) بلفظِ: في الصلاةِ وغيرها، وإسنادُه حسنٌ. وقد عُدَّتْ مرَّاتُ الاستخلافِ لهُ فبلغتْ ثلاثَ عشرةَ مرةً، [ذكرهُ] (٥) في الخلاصةِ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ إمامةِ الأعمى [من دون] (٦) كراهةٍ في ذلكَ. ٢٧/ ٣٩٦ - وَنَحْوُهُ لابْنِ حِبَّانَ (٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂. [إسناده صحيح] (ونحوهُ) أي: نحوَ حديثٍ أنسٍ (لابنِ حبانَ عن عائشة) تقدمَ أنهُ أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ (٨).

стр. 788

٢٨/ ٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : صلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ)، أي: صلاةَ الجنازةِ، (وصلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ). قالَ في البدرِ المنيرِ (٢): هذا الحديثُ من جميع طُرُقِهِ لا يثبتُ. وهوَ دليلٌ على أنهُ يُصَلَّى على مَنْ قالَ كلمةَ الشهادةِ وإنْ لم يأَتِ بالواجباتِ، وذهبَ إلى هذا زيدُ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عيسى، وذهبَ إليهِ أبو حنيفة إلَّا أنهُ استثنَى قاطعَ الطريقِ والباغي (٣)، وللشافعيِّ أقوالٌ في قاطعِ الطريقِ إذا صُلِبَ، والأصلُ أن مَنْ قالَ كلمةَ الشهادة فلهُ ما للمسلمينَ، ومنهُ صلاةُ الجنازةِ عليه، ويدلُّ لهُ حديثُ: "الذي قتلَ نفسهُ بمشاقصَ فقالَ ﷺ : أمَّا أنا فلا أصلِّي عليه، ولم ينههم عن الصلاةِ عليهِ" (٤). ولأنَّ عموم شرعيةِ صلاةِ الجنازةِ لا يخصُّ منهُ أحدٌ من أهلِ كلمةِ الشهادةِ إلَّا بدليلٍ.

стр. 789

[فأما] (١) الصلاةُ خلفَ مَنْ قالَ: لا إله إلَّا اللهُ، فقد قدَّمْنَا الكلامَ في ذلكَ، وأنهُ لا دليلَ على اشتراطِ العدالةِ، وأنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتهُ صحَّتْ إمامتُهُ. يأتم المصلي في أي جزء أدرك الإمام فيه ٢٩/ ٣٩٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [صحيح] (وعن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : إذا أتَى أحدُكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصنعْ كما يصنعُ الإمام. رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ ضعيف). أخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ عليٍّ ومعاذٍ، وفيهِ ضعفٌ وانقطاعٌ، وقالَ: لا نعلمُ أحدًا أسندَهُ إِلَّا مِنْ هذا الوجهِ، وقدْ أخرجهُ أبو داودَ (٣) من حديثٍ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قالَ: حدَّثَنا أصحابُنا -[وفيه أن معاذًا قال] (٤) … الحديثَ، وفيهِ أن معاذًا قالَ: "لا أراهُ على حالٍ إلَّا كنتُ عليها"، وبهذا يندفعُ الانقطاعُ، إذِ الظاهرُ أن الراويَ لعبدِ الرحمنِ غيرُ معاذٍ بل جماعةٌ منَ الصحابةِ، والانقطاعُ إنَّما ادُّعِيَ بينَ عبدِ الرحمنِ ومعاذٍ، قالُوا: لأنَّ عبدَ الرحمنِ لم يسمعْ

стр. 790

من معاذٍ، وقد سمعَ من غيرهِ من الصحابةِ. وقالَ هنَا: "أصحابُنا"، والمرادُ بهِ الصحابةِ ﵃. وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ لحقَ [بالإمامِ] (١) أن ينضمَّ إليهِ في أيِّ جزءٍ كانَ من أجزاءِ الصلاةِ، فإذا كانَ الإمامُ قائمًا أو راكعًا، فإنّهُ يَعْتَدُّ بما أدركهُ معهُ كما سلفَ، [فإذَا] (٢) كانَ قاعِدًا أو ساجدًا [فقعد] (٣) بقعودِهِ وسجدَ بسجودِهِ ولا يعتدُّ بذلكَ، وتقدمَ ما يؤيُّدهُ من حديث ابن أبي شيبةَ (٤): "مَنْ وجدني قائمًا أو راكعًا أوْ ساجدًا فليكنْ معي على حالتي التي أنا عليها"، وأخرجَ ابنُ خزيمةَ (٥) مرفوعًا عن أبي هريرةَ: "إذا جئتمْ ولحنُ سجودٌ فاسجدُوا، ولا تعدُّوها شيئًا ومن أدركَ الركعةَ فقد أدركَ الصلاةَ"، وأخرجَ (٦) أيضًا فيهِ مرفوعًا عن أبي هريرةَ: "مَن أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ قبلَ أن يقيمَ الإمامُ صُلْبَهُ [من الركوع] (٧) فقدْ أدركَها". وترجمَ لهُ (بابُ (٨) ذكرِ الوقتِ الذي يكونُ فيه المأموم مدرِكًا للركعةِ إذا ركعَ إمامُهُ). وقولُهُ: "فليصنعْ كما يصنعُ الإمامُ" ليسَ صريحًا أنهُ يدخلُ معهُ بتكبيرةِ الإحرامِ بل ينضمُّ إليهِ إمَّا بها إذا كانَ قائمًا أو راكعًا فيكبرُ اللاحقُ من قيامٍ ثمَّ يركعُ، أوْ بالكونِ معهُ فقطْ ومتَى قامَ كبَّرَ للإحرام وغايتُه أنهُ يحتملُ ذلكَ إلَّا أن شرعيةَ تكبيرةِ الإحرامِ حالَ القيامِ للمنفردِ والإمامِ يقضي أنْ لا تجزئَ إلَّا كذلكَ، وذلكَ أصرحُ من دخولِها بالاحتمالِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 791

أعذار التخلف عن الجماعة (فائدةٌ) في الأعذارِ في تركِ الجماعةِ: أخرجَ الشيخانِ (١) عن ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ : "أنهُ كانَ يأمرُ المنادي ينادي، فينادي: صلُّوا في رحالِكم في الليلةِ الباردةِ، وفي الليلةِ [المطيرةِ] (٢) في السفرِ"، وعن جابرٍ: "خرجْنَا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ فَمُطِرْنَا فقالَ: ليصلِّ مَنْ شاءَ منكم في رَحلهِ" رواهُ مسلمٌ (٣)، وأبو داودَ (٤)، والترمذيُّ (٥)، وصحَّحهُ، وأخرجهُ الشيخانِ (٦) عن ابن عباسٍ: "أنهُ قالَ لمؤذِّنهِ في يومٍ مطيرٍ: إذا قلتَ أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ فلا تقلْ حيَّ على الصلاةِ قلْ: صلُّوا في بيوتكمِ. قالَ: فكأنَّ الناسَ استنكَرُوا ذلكَ، فقالَ: أتعجبونَ من ذَا فقد فعلَ ذَا مَنْ هو خيرٌ مني، يعني النبيّ ﷺ "، وعند مسلمٍ (٧): "أن ابنَ عباسٍ أمرَ مؤذِّنَهُ في يومِ جمعةٍ في يومٍ مطيرٍ بنحوهِ". وأخرجَ البخاريُّ (٨) عن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا كانَ أحدكُم على الطعامِ فلا يعجلْ حتَّى يقضيَ حاجتَهُ منهُ، وإنْ أقيمت الصلاةُ". وأخرجَ أحمدُ (٩)، ومسلمٌ (١٠) من حديثٍ عائشةَ قالتْ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا صلَاةَ بحضْرَةِ طعامٍ، ولا وهوَ يدافعُ الأخبثينِ"، وأخرجَ البخاريُّ (١١) عن أبي الدرداءِ قالَ: "مِنْ فقهِ الرجلِ إقبالُه على حاجتهِ حتَّى يقبلَ على صلاتهِ وقلبهُ فارغٌ".
следующие страницы →