← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 787–826 · переход к 792.

стр. 787

تصح إمامة الأعمى ٢٦/ ٣٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ استخلفَ ابنَ أمِّ مكتومٍ) وتقدَّمَ اسمُه في الأذانِ (يؤمُّ الناسَ وهوَ أعمَى. رواة أحمدُ وأبو داودَ)، في روايةٍ لأبي داودَ (٣): أنهُ استخلفهُ مرتينِ، وهوَ في الأوسطِ للطبراني (٤) من حديثٍ عائشةَ: "استخلفَ النبيُّ ﷺ ابنَ أمِّ مكتومٍ على المدينةِ مرتينِ يؤمُّ الناسَ"، والمرادُ استخلافُه في الصلاةِ وغيرِها، وقد أَخرجَهُ الطبرانيُّ (٤) بلفظِ: في الصلاةِ وغيرها، وإسنادُه حسنٌ. وقد عُدَّتْ مرَّاتُ الاستخلافِ لهُ فبلغتْ ثلاثَ عشرةَ مرةً، [ذكرهُ] (٥) في الخلاصةِ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ إمامةِ الأعمى [من دون] (٦) كراهةٍ في ذلكَ. ٢٧/ ٣٩٦ - وَنَحْوُهُ لابْنِ حِبَّانَ (٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂. [إسناده صحيح] (ونحوهُ) أي: نحوَ حديثٍ أنسٍ (لابنِ حبانَ عن عائشة) تقدمَ أنهُ أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ (٨).

стр. 788

٢٨/ ٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : صلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ)، أي: صلاةَ الجنازةِ، (وصلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ). قالَ في البدرِ المنيرِ (٢): هذا الحديثُ من جميع طُرُقِهِ لا يثبتُ. وهوَ دليلٌ على أنهُ يُصَلَّى على مَنْ قالَ كلمةَ الشهادةِ وإنْ لم يأَتِ بالواجباتِ، وذهبَ إلى هذا زيدُ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عيسى، وذهبَ إليهِ أبو حنيفة إلَّا أنهُ استثنَى قاطعَ الطريقِ والباغي (٣)، وللشافعيِّ أقوالٌ في قاطعِ الطريقِ إذا صُلِبَ، والأصلُ أن مَنْ قالَ كلمةَ الشهادة فلهُ ما للمسلمينَ، ومنهُ صلاةُ الجنازةِ عليه، ويدلُّ لهُ حديثُ: "الذي قتلَ نفسهُ بمشاقصَ فقالَ ﷺ : أمَّا أنا فلا أصلِّي عليه، ولم ينههم عن الصلاةِ عليهِ" (٤). ولأنَّ عموم شرعيةِ صلاةِ الجنازةِ لا يخصُّ منهُ أحدٌ من أهلِ كلمةِ الشهادةِ إلَّا بدليلٍ.

стр. 789

[فأما] (١) الصلاةُ خلفَ مَنْ قالَ: لا إله إلَّا اللهُ، فقد قدَّمْنَا الكلامَ في ذلكَ، وأنهُ لا دليلَ على اشتراطِ العدالةِ، وأنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتهُ صحَّتْ إمامتُهُ. يأتم المصلي في أي جزء أدرك الإمام فيه ٢٩/ ٣٩٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [صحيح] (وعن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : إذا أتَى أحدُكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصنعْ كما يصنعُ الإمام. رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ ضعيف). أخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ عليٍّ ومعاذٍ، وفيهِ ضعفٌ وانقطاعٌ، وقالَ: لا نعلمُ أحدًا أسندَهُ إِلَّا مِنْ هذا الوجهِ، وقدْ أخرجهُ أبو داودَ (٣) من حديثٍ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قالَ: حدَّثَنا أصحابُنا -[وفيه أن معاذًا قال] (٤) … الحديثَ، وفيهِ أن معاذًا قالَ: "لا أراهُ على حالٍ إلَّا كنتُ عليها"، وبهذا يندفعُ الانقطاعُ، إذِ الظاهرُ أن الراويَ لعبدِ الرحمنِ غيرُ معاذٍ بل جماعةٌ منَ الصحابةِ، والانقطاعُ إنَّما ادُّعِيَ بينَ عبدِ الرحمنِ ومعاذٍ، قالُوا: لأنَّ عبدَ الرحمنِ لم يسمعْ

стр. 790

من معاذٍ، وقد سمعَ من غيرهِ من الصحابةِ. وقالَ هنَا: "أصحابُنا"، والمرادُ بهِ الصحابةِ ﵃. وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ لحقَ [بالإمامِ] (١) أن ينضمَّ إليهِ في أيِّ جزءٍ كانَ من أجزاءِ الصلاةِ، فإذا كانَ الإمامُ قائمًا أو راكعًا، فإنّهُ يَعْتَدُّ بما أدركهُ معهُ كما سلفَ، [فإذَا] (٢) كانَ قاعِدًا أو ساجدًا [فقعد] (٣) بقعودِهِ وسجدَ بسجودِهِ ولا يعتدُّ بذلكَ، وتقدمَ ما يؤيُّدهُ من حديث ابن أبي شيبةَ (٤): "مَنْ وجدني قائمًا أو راكعًا أوْ ساجدًا فليكنْ معي على حالتي التي أنا عليها"، وأخرجَ ابنُ خزيمةَ (٥) مرفوعًا عن أبي هريرةَ: "إذا جئتمْ ولحنُ سجودٌ فاسجدُوا، ولا تعدُّوها شيئًا ومن أدركَ الركعةَ فقد أدركَ الصلاةَ"، وأخرجَ (٦) أيضًا فيهِ مرفوعًا عن أبي هريرةَ: "مَن أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ قبلَ أن يقيمَ الإمامُ صُلْبَهُ [من الركوع] (٧) فقدْ أدركَها". وترجمَ لهُ (بابُ (٨) ذكرِ الوقتِ الذي يكونُ فيه المأموم مدرِكًا للركعةِ إذا ركعَ إمامُهُ). وقولُهُ: "فليصنعْ كما يصنعُ الإمامُ" ليسَ صريحًا أنهُ يدخلُ معهُ بتكبيرةِ الإحرامِ بل ينضمُّ إليهِ إمَّا بها إذا كانَ قائمًا أو راكعًا فيكبرُ اللاحقُ من قيامٍ ثمَّ يركعُ، أوْ بالكونِ معهُ فقطْ ومتَى قامَ كبَّرَ للإحرام وغايتُه أنهُ يحتملُ ذلكَ إلَّا أن شرعيةَ تكبيرةِ الإحرامِ حالَ القيامِ للمنفردِ والإمامِ يقضي أنْ لا تجزئَ إلَّا كذلكَ، وذلكَ أصرحُ من دخولِها بالاحتمالِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 791

أعذار التخلف عن الجماعة (فائدةٌ) في الأعذارِ في تركِ الجماعةِ: أخرجَ الشيخانِ (١) عن ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ : "أنهُ كانَ يأمرُ المنادي ينادي، فينادي: صلُّوا في رحالِكم في الليلةِ الباردةِ، وفي الليلةِ [المطيرةِ] (٢) في السفرِ"، وعن جابرٍ: "خرجْنَا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ فَمُطِرْنَا فقالَ: ليصلِّ مَنْ شاءَ منكم في رَحلهِ" رواهُ مسلمٌ (٣)، وأبو داودَ (٤)، والترمذيُّ (٥)، وصحَّحهُ، وأخرجهُ الشيخانِ (٦) عن ابن عباسٍ: "أنهُ قالَ لمؤذِّنهِ في يومٍ مطيرٍ: إذا قلتَ أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ فلا تقلْ حيَّ على الصلاةِ قلْ: صلُّوا في بيوتكمِ. قالَ: فكأنَّ الناسَ استنكَرُوا ذلكَ، فقالَ: أتعجبونَ من ذَا فقد فعلَ ذَا مَنْ هو خيرٌ مني، يعني النبيّ ﷺ "، وعند مسلمٍ (٧): "أن ابنَ عباسٍ أمرَ مؤذِّنَهُ في يومِ جمعةٍ في يومٍ مطيرٍ بنحوهِ". وأخرجَ البخاريُّ (٨) عن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا كانَ أحدكُم على الطعامِ فلا يعجلْ حتَّى يقضيَ حاجتَهُ منهُ، وإنْ أقيمت الصلاةُ". وأخرجَ أحمدُ (٩)، ومسلمٌ (١٠) من حديثٍ عائشةَ قالتْ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا صلَاةَ بحضْرَةِ طعامٍ، ولا وهوَ يدافعُ الأخبثينِ"، وأخرجَ البخاريُّ (١١) عن أبي الدرداءِ قالَ: "مِنْ فقهِ الرجلِ إقبالُه على حاجتهِ حتَّى يقبلَ على صلاتهِ وقلبهُ فارغٌ".

стр. 792

[الباب الحادي عشر] بابُ صلاةِ المسافرِ والمريضِ ١/ ٣٩٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (١). [صحيح] - وَلِلْبُخَارِيِّ (٢): ثُمَّ هاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَلِ. - زَادَ أَحْمَدُ (٣): إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ. (عن عائشة ﵂ قالتْ: أول ما فرضتِ الصلاة) ما عدا المغربَ (ركعتين) أي: حَضَرًا وسفَرًا، (فأُقِرَّت) أي: أقرَّ اللهُ (صلاةَ السفرِ) بإبقائِها ركعتينِ، (وأُتِمَّتْ صلاة الحضرِ) ما عدا المغربَ يزيدُ في الثلاثِ الصلواتِ ركعتينِ، والمرادُ بأُتمّتْ: زِيدَ فيها حتَّى كانتْ تامَّةً بالنظرِ إلى صلاةِ السفرِ (متفقٌ عليهِ، وللبخاريِّ) وحدهُ عن عائشةَ (ثمَّ هاجرَ) أي: النبيُّ ﷺ (ففرضتْ أربعًا) أي: صارتْ أربعًا بزيادةِ اثنتينِ، (وأقرَّتْ صلاةُ السفرِ على الأولِ) أي: على الفرضِ الأولِ (زادَ أحمدُ: إلَّا المغربَ) أي: زادهُ من روايةٍ عن عائشةَ بعدَ قولِها: "أولُ ما فرضتِ الصلاةُ"، أي: إلَّا المغربَ فإنَّهَا فرضتْ ثلاثًا، (فإنَّها) أي: المغربُ (وترُ النهارِ) فرضتْ وترًا ثلاثًا من أولِ الأمرِ (وإلَّا الصبحَ، فإنَّها تطَوَّلُ فيها القراءة).

стр. 793

في [هذا] (١) الحديثِ دليلٌ على وجوبِ القصرِ في السفرِ؛ لأنَّ فرضتْ بمعنى وَجَبَتْ، ووجوبُهُ مذهبُ الهادويةِ والحنفيةِ وغيرِهم (٢)، وقالَ الشافعيُّ وجماعةٌ (٣): إنهُ رخصةٌ والتمامُ أفضلُ، وقالُوا: فرضتْ بمعنَى قُدِّرَتْ أو فرضتْ لمن أرادَ القصرَ، واستدلُّوا بقولهِ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٤)، وبأنهُ سافرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ معهُ فمنهم من يقصرُ، ومنهم يتمُّ، ولا يعيبُ بعضُهم على بعضٍ، وبأنَّ عثمانَ كانَ يتمُّ وكذلكَ عائشةُ، أخرجَ ذلك مسلمٌ (٥)، ورُدَّ بأنَّ هذهِ أفعالُ [صحابة] (٦) لا حجّةَ فيها، وبأنهُ أخرجَ الطبرانيُّ في الصغيرِ (٧) من حديثٍ ابن عمرَ موقوفًا: "صلاةُ السفرِ ركعتانِ [نَزَلَتَا] (٨) منَ السماءِ، فإنْ شئتمْ فردُّوهما". قالَ الهيثميُّ (٩): رجالُهُ موثوقونَ، وهوَ توقيفٌ إذْ لا مسرحَ فيهِ للاجتهادِ، وأخرجَ أيضًا عنهُ في الكبيرِ (١٠) برجالِ الصحيحِ: "صلاةُ السفرِ ركعتانِ مَنْ خالفَ السنةَ كفرَ". وفي قولهِ: "السنةُ" دليلٌ على رفعهِ كما هوَ معروفٌ. قالَ ابنُ القيمِ في الهدي النبويّ (١١): كانَ يقصرُ ﷺ الرباعية (١٢) فيصليها ركعتينِ من حينِ يخرجُ مسافرًا إلى أنْ يرجعَ إلى المدينةِ، ولم يثبتْ عنهُ أنهُ أتمَّ الرباعيةَ في السفر البتّة، وفي قولِها: "إلَّا المغربَ"، دلالةٌ على أنَّ شرعيتَها في الأصل ثلاثًا لم تتغيرْ، وقولَها: "إنَّها وترُ النهارِ"، أي: صلاةُ النهارِ كانت شفعًا والمغربُ آخرُها لوقوعِها في آخرِ جزءٍ منَ النهارِ فهيَ وترٌ لصلاةِ النهارِ كما أنهُ شرعَ الوترُ لصلاةِ الليلِ، والوترُ محبوبٌ إلى اللهِ تعالى كما تقدمَ في الحديث: "إنَّ الله وترٌ يحبُّ

стр. 794

الوترَ" (١)، وقولُها: "إلّا الصبحَ"، فإنَّها تطوَّلُ فيها القراءةُ، يريد أنه لا يقتصرُ في صلاتِها فإنَّها ركعتانِ حَضَرًا وسَفَرًا، لأنهُ شرعَ فيها تطويلُ القراءةِ؛ ولذلكَ عبّرَ عنها في الآيةِ بقرآنِ الفجرِ لما كانتِ القراءةُ معظمَ أركانِها لطولِها فيها، فعبَّرَ عنها بها من إطلاقِ الجزءِ الأعظمِ على الكلِّ. ٢/ ٤٠٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويُتِمُّ وَيَصُومُ ويُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا يَشُق عَلَيَّ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٣). [ضعيف] (وعن عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ كان يقصرُ في السفرِ ويتمُّ ويصومُ ويفطرُ) الأربعةُ الأفعالُ بالمثناةِ التحتيةِ، أي: أنهُ ﷺ كان يفعلُ هذَا وهذا (رواهُ الدارقطنيُّ، ورواتُه) من طريقِ عطاءِ عن عائشةَ (ثقاتٌ، إلَّا أنهُ معلولٌ، والمحفوظُ عن عائشةَ من فعلِها وقالتْ: إنهُ لا يشقُّ عليَّ. أخرجهُ البيهقيُّ) واستنكرهُ أحمدُ؛ فإنَّ عروةَ رَوَى عنها أنَّها كانت تتمُّ وأنَّها تأوّلتْ كما تأوّلَ عثمانُ كما في الصحيحِ (٤)، فلو كانَ عندَها عن النبيِّ ﷺ روايةٌ لم يقلْ عروةُ إنَّها تأوَّلتْ، وقد ثبتَ في الصحيحينِ خلافُ ذلكَ. وأخرجَ أيضًا الدارقطنيُّ (٥) عن عطاءٍ، والبيهقيُّ (٦) عن عائشةَ: "أنَّها اعتمرتْ معهُ ﷺ منَ المدينةِ إلى مكة حتَّى إذا قدمتْ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ؛ بأبي أنتَ وأمّي أتممتُ وقصرتُ، وأفطرتُ وصمتُ، فقالَ: أحسنتِ يا عائشةُ، وما

стр. 795

عابَ عليَّ". قال ابنُ القيمِ (١): وقد رُويَ: "كان يقصرُ وتتمُّ"، الأول بالياءِ آخرِ الحروفِ، والثاني بالمثناةِ من فوقِ، وكذلكَ يفطرُ وتصومُ، أي: تأخذ هي بالعزيمةِ في الموضعينِ. قالَ شيخُنا ابنُ تيميةَ: وهذا باطلٌ، ما كانت أمُّ المؤمنينَ لتخالفَ رسول اللَّهِ ﷺ وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلافَ صلاتِهم. وفي الصحيحِ (٢) عنها: "إنَّ اللَّهَ فرضَ الصلاةَ ركعتينِ ركعتينِ، فلمَّا هاجرَ رسول الله ﷺ إلى المدينةِ زِيدَ في صلاةِ الحضرِ، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ"، فكيفَ يُظَنُّ بها معَ ذلكَ أنَّها تصلِّي خلافَ صلاتِهِ وصلاةِ المسلمين مَعهُ. قلتُ: وقد أتمّتْ عائشةُ بعدَ موتِهِ ﷺ . قالَ ابنُ عباسٍ وغيرُه: إنَّها تأوَّلتْ كما تأوّلَ عثمانُ. انتهَى. هذا وحديثُ البابِ قد اختُلِفَ في اتصالهِ، فإنهُ مِنْ روايةِ عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ عن عائشةَ، قال الدارقطنيُّ (٣): إنهُ أدركَ عائشةَ وهوَ مراهقٌ، قال المصنفُ ﵀: هوَ كما قال، ففي تاريخِ البخاري (٤) وغيرهِ ما يشهدُ لذلكَ، وقال أبو حاتمٍ (٥): أُدخلَ عليها وهوَ صغيرٌ ولم يسمعْ منها، وادَّعى ابنُ أبي شيبةَ والطحاويُّ ثبوتَ سماعهِ منها، واختلفَ قولُ الدارقطنيِّ في الحديثِ، فقالَ في السنن: إسنادهُ حسنٌ، وقال في العللِ: المرسلُ أشبهُ. هذا كلامُ المصنفِ ونقلَه الشارحُ، وراجعتُ سننَ الدارقطنيّ فساقه الدارقطني، وقال: إنهُ صحيحٌ، ثمَّ فيهِ العلاءُ بنُ زهيرٍ، وقال الذهبي في الميزانِ (٦): وثقهُ ابنُ معينٍ، وقال ابن حبانَ (٧): كانَ ممنْ يروي عن الثقاتِ مما لا يشبهُ حديثَ الأثباتِ، انتهى. فبطلَ الاحتجاجُ بهِ فيما لم يوافقِ الأثباتَ، وبطلَ بهذا ادّعاءُ ابن حزم جهالتَه، فقد عُرفَ عينًا وحالًا. وقال ابنُ القيم (٨) بعدَ روايتهِ لحديثِ عائشةَ هذا ما لفظُه: وسمعتُ شيخَ الإسلام يقول: وهذا كذبٌ على رسول اللَّهِ ﷺ ، انتهى. يريدُ روايةَ: "يقصرُ

стр. 796

ويتمُّ" بالمثناةِ التحتيةِ، وجعلَ ذلكَ من فعلهِ ﷺ ، فإنهُ ثبتَ عنهُ ﷺ بأنهُ لم يتمَّ رباعيةً في سفرٍ ولا صامَ فيه فرضًا. [وقد حقّقْنا ما في البحثِ في رسالةٍ مستقلّةٍ اخترْنا فيها أن القصرَ رخصةٌ لا عزيمةٌ] (١). استحباب إتيان الرخص ٣/ ٤٠١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵂ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣) وَابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ (٥): "كمَا يُحِبُّ أَنْ تؤْتَى عَزَائِمُهُ". (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تعالى يحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصُهُ كما يَكْرَة أَنْ تؤتَى معصيتُه. رواة أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، وفي روايةٍ: كما يحبُّ أنْ تؤتَى عزائمُهُ)، فُسِّرَتْ محبةُ اللَّهِ برضاهُ، وكراهتهُ بخلافِها. وعندَ أهلِ الأصولِ أن الرخصةَ ما شرعَ منَ الأحكامِ لعذرٍ، والعزيمةَ مقابلُها، والمرادُ بها هنا ما سهلهُ لعبادهِ ووسعهُ عندَ الشدّةِ من تركِ بعضِ الواجباتِ وإباحةِ بعضِ المحرَّماتِ.

стр. 797

والحديثُ [دليلٌ] (١) على أن [فعلَ] (٢) الرخصةِ أفضلُ من فعلِ العزيمةِ، كذا قيلَ، وليسَ فيهِ على ذلكَ دليلٌ، بل يدلُّ على [مساواتِها] (٣) للعزيمةِ، والحديثُ يوافقُ قولَه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). القول في تحديد مسافة القصر ٤/ ٤٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ قَالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خرجَ مسيرةَ ثلاثةِ أميالٍ أو فراسخَ صلَّى ركعتينِ. رواهُ مسلمٌ). المرادُ من قولهِ: "إذا خرجَ" إذا كانَ قصدُ" مسافةَ هذا القدرِ، لا أن المرادَ أنه [كانَ] (٦) إذا أرادَ سفرًا طويلًا فلا يقصرُ إلَّا بعدَ هذهِ المسافةِ. وقولُه: "أميالٍ أو فراسخَ" شكٌّ منَ الراوي، وليسَ التخييرُ في أصلِ الحديثِ، قالَ الخطابيُّ: شكَّ فيهِ شعبةُ. قيلَ: في حدِّ الميلِ هوَ أن ينظرَ إلى الشخصِ في أرضٍ مستويةٍ فلا يدري أهوَ رجلٌ أمِ امرأةٌ أو غيرُ ذلكَ، وقالَ النوويُّ (٧): هوَ ستةُ آلافِ ذراع، والذراعُ أربعةٌ وعشرونَ أصبعًا معترضةً متعادلةً، والأصبعُ ستُّ شعيراتٍ معترضةٍ متعادلةٍ، وقيلَ: هو اثنا عشرَ ألفِ قدمٍ بقدمِ الإنسانِ، وقيلَ: هوَ أربعةُ آلافِ ذراعٍ، وقيلَ: ألفُ خطوةٍ للجملِ، وقيلَ: ثلاثةُ آلافِ ذراعٍ بالهاشمي، وهوَ اثنانِ وثلاثونَ أصبعًا، وهو ذراعُ الهادي ﵇، وهوَ الذراعُ العُمَريُّ المعمولُ عليهِ في صنعاء وبلادِها. وأما الفَرْسَخُ فهوَ ثلاثة أميالٍ وهو فارسيٌّ معرَّبٌ. واعلمْ أنهُ قد اختلفَ العلماءُ في المسافةِ التي تقصرُ فيها الصلاةُ على نحوِ

стр. 798

عشرينَ قولًا حكاها ابنُ المنذرِ: فذهبَ الظاهريةُ إلى العملِ بهذا الحديث، [فقالوا] (١): مسافةُ القصرِ ثلاثةُ أميالٍ، وأجيبَ عليهم بأنهُ مشكوكٌ فيهِ فلا يحتجُّ بهِ على التحديدِ بالثلاثةِ الأميالِ، نعمْ يحتجُّ بهِ على التحديدِ بالثلاثةِ الفراسخِ؛ إذِ الأميالُ داخلةٌ فيها فيؤخذُ بالأكثرِ احتياطًا، لكنْ قيلَ: إنهُ لم يذهبْ إلى التحديدِ بالثلاثةِ الفراسخِ أحدٌ، نعمْ يصحُّ الاحتجاجُ للظاهريةِ بما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ من حديثِ أبي سعيدٍ أنهُ [قال] (٢): "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا سافرَ فرسخًا يقصرُ الصلاةَ" (٣). وقد عرفتَ أن الفرسخَ ثلاثةُ أميالي، وأقلُّ ما قيلَ في مسافةِ القصرِ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) من حديثِ ابن عمرَ موقوفًا: "أنهُ كانَ يقولُ: إذا خرجتَ مِيلًا قصرتَ الصلاةَ"، وإسنادهُ صحيحٌ، وقدْ رُوِيَ هذا في البحر (٥) عن داودَ، ويلحقُ بهذينِ القولينِ قولُ الباقرِ، والصادقِ، وأحمدَ بن عيسى، والهادي وغيرِهم: إنهُ يقصرُ في مسافةِ بريدٍ فصاعدًا مستدلينَ بقولهِ ﷺ في حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يحلُّ لامرأةٍ تسافرُ بريدًا إلَّا ومعَها مَحرمٌ"، أخرجهُ أبو داودَ (٦)،

стр. 799

قالُوا: فسَمَّى [مسافةَ] (١) البريدِ سفرًا. [قلت] (١): ولا يخفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ على أنهُ لا يسمَّى الأقلُّ من هذهِ المسافةِ سفَرًا، وإنَّما هذا تحديدٌ للسفرِ الذي يجبُ فيهِ المَحرَمُ، ولا تلازمَ بينَ مسافةِ القصرِ و [بين] (٢) مسافةِ وجوبِ المحرَم لجوازِ التوسعةِ في إيجابِ المحرمِ تخفيفًا على العبادِ. وقالَ زيدُ بنُ عليٍّ والمؤيدُ وغيرُهما (٣) والحنفيةُ: بل مسافتُه أربعةٌ وعشرونَ فرسخًا، لِما أخرجهُ البخاريُّ (٤) من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أنْ تسافرَ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ إلَّا معَ مَحرمٍ"، قالوا: وسيرُ الإبلِ في كلِّ يومٍ ثمانيةُ فراسخَ، وقالَ الشافعيُّ: بلْ أربعةُ بُرُدٍ لحديثِ ابن عباسٍ (٥) مرفوعًا: "لا تقصرُوا الصلاةَ في أقلِّ من أربعةِ بُرُدٍ"، وسيأتي (٦). وأخرجهُ البيهقيُّ (٧) بسندٍ صحيح من فِعلِ ابن عباسٍ وابنِ عمرَ، وبأنهُ رَوَى البخاريُّ (٨) من حديثِ ابن عباسٍ "تعليقًا بصيغةِ الجزم: "أنهُ سئلَ: أتقصرُ الصلاةُ من مكةَ إلى عرفةَ؟ قالَ: لا، ولكنْ إلى عُسْفَانَ (٩)، وإلى جُدَّة، وإلى الطائفِ".

стр. 800

وهذه الأمكنةُ بينَ كلِّ واحدٍ منها وبينَ مكةَ أربعةُ بردٍ فما فوقَها. والأقوالُ متعارضةٌ كما سمعتَ، والأدلةُ [متقاومة] (١)، قالَ في "زاد المعادِ" (٢): "ولم يحدِّدْ ﷺ لأمتِهِ مسافةً محدودةً للقصرِ والفطرِ، بل أطلقَ لهم ذلكَ في مُطلقِ السفرِ والضربِ في الأرضِ، كما أطلقَ لهم التيمّمَ في كل سفرٍ، وأمّا ما يُرْوَى عنهُ منَ التحديدِ باليومِ واليومينِ والثلاثةِ، فلم يصحَّ عنهُ فيها شيءٌ البتةُ، واللَّهُ أعلمُ"، وجوازُ القصرِ والجمعِ في طويلِ السفرِ وقصيرهِ مذهبُ كثيرٍ منَ السلفِ. كم يقيم المسافر حتى يقصرُ الصلاة ٥/ ٤٠٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنهُ) أي: عن أنسٍ (قالَ: خرجْنَا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ منَ المدينةِ إلى مكةَ وكانَ يصلِّي) أي: الرباعيةَ (ركعتينِ ركعتينِ) أي: كلَّ رباعيةٍ ركعتينِ (حتَّى رجعنا إلى المدينةِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). يحتملُ أن هذَا كانَ في سفرهِ في عامِ الفتحِ، ويحتملُ أنهُ في حَجَّة الوداعِ، إلَّا أن فيهِ عندَ أبي داودَ زيادةً: "أنَّهم قالُوا لأنسٍ: هل أقمتمْ بها شيئًا؟ قالَ: أقمْنا بها عَشرًا"، ويأتي أنَّهم أقامُوا في الفتحِ زيادةً على [خمسةَ عشرَ يومًا أو] (٤) خمسَ عشرةَ، وقد صرحَ في حديثِ أبي داودَ أن هذا - أي: خمسَ عشرةَ ونحوَها - كانَ [في] (٥) عامِ الفتحِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لم يتمَّ مع إقامتهِ في مكةَ وهوَ كذلكَ كما يدلُّ عليهِ الحديثُ الآتي. وفيهِ دليل على أن نفسَ الخروجِ منَ البلدِ بنيَّةِ السفرِ يقتضي

стр. 801

القصرَ ولو لم [يتجاوز] (١) منَ البلدِ ميلًا ولا أقلَّ، وأنهُ لا يزالُ يقصرُ حتى يدخلَ البلدَ ولو صلَّى وبيوتُها بمرأى منهُ. ٦/ ٤٠٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ (٣): سَبْعَ عَشَرَةَ. [صحيح] وَفِي أُخْرَى (٤): خَمْسَ عَشَرَةَ. [منكر] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: أقامَ النبيُّ ﷺ تسعةَ عشرَ يومًا يقصرُ. وفي لفظٍ) تعيينُ محلِّ الإقامةِ، وأنهُ (بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا. رواهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ لأبي داودَ) أي: عن ابن عباسٍ (سبعَ عشرةَ) بالتذكيرِ في الروايةِ الأُولى، لأنهُ ذكرَ مميزَهُ يومًا وهوَ مُذَكَّرٌ، وبالتأنيثِ في روايةِ أبي داودَ لأنهُ حذفَ مميزَهُ وتقديرُه: ليلةٌ، وفي روايةٍ لأبي داودَ عنهُ تسعةَ عشرَ كالروايةِ الأُولى (وفي أُخرى) أي: لأبي داودَ عن ابن عباسٍ (خمسَ عشرةَ)، (ولهُ) أي: لأبي داود. ٧/ ٤٠٥ - وَلَهُ (٥) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: ثَمَانِيَ عَشَرَةَ. [ضعيف] (عن عمرانَ بن حصينٍ ثماني عشرةَ)، ولفظهُ عندَ أبي داودَ: "شهدتُ معهُ الفتحَ فأقامَ بمكةَ ثمانيَ عشرةَ ليلةً لا يصلِّي إلَّا ركعتينِ، ويقولُ: يا أهلَ البلدِ صلُّوا أربعًا فإنّا قومٌ سُفْرٌ"، (ولهُ) أي: أبي داود.

стр. 802

٨/ ٤٠٦ - وَلَهُ (١) عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. [صحيح] (عن جابرٍ أقامَ) أي: النبيُّ ﷺ (بتبوكَ عشرينَ يومًا يقصرُ الصلاةَ. ورواتهُ ثقاتٌ إلَّا أنهُ اختُلفَ في وصلهِ)؛ فوصلَه معمَرُ عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن ثوبانَ، عن جابرٍ، قالَ أبو داودَ: غيرُ معمر لا يسندُه، وأعلهُ الدارقطنيُّ في العلل بالإرسالِ والانقطاعِ (٢)، قالَ المصنفُ ﵀: وقد أخرجَهُ البيهقي (٣) عن جابر بلفظِ: "بضعَ عشرةَ"، واعلمْ أن أبا داودَ ترجمَ لباب (٤) هذهِ الأحاديثِ (بابُ متَى يُتِمُّ المسافرُ)، ثمَّ ساقَها وفيها كلامُ ابن عباسٍ (٥): "مَنْ أقامَ سبعةَ عشرَ قَصَرَ، ومَنْ أقامَ أكثرَ أتمَّ". وقدِ اختلفَ العلماءُ في قدرِ مدةِ الإقامةِ التي إذا عزمَ المسافرُ على إقامتِها أتمَّ فيها الصلاةَ على أقوالٍ: فقالَ ابنُ عباسٍ: وإليهِ ذهبَ الهادويةُ أن أقلَّ مدةِ الإقامةِ عشرةُ أيامٍ لقولِ عليٍّ ﵇: "إذا أقمت عشرًا فأتمَّ الصلاةَ"، أخرجهُ المؤيدُ باللَّهِ في شرحِ التجريدِ (٦) من طرقٍ فيها ضِرارُ بنُ صُرَدٍ، قالَ المصنفُ في التقريبِ (٧): إنهُ غيرُ ثقةٍ، قال: وهوَ توقيفٌ، وقالتِ الحنفيةُ (٨): خمسةَ عشرَ يومًا مستدلينَ بإحدَى رواياتِ ابن عباسٍ وبقولهِ وقولِ ابن عمرَ: "إذا قدمتَ بلدةَ وأنتَ مسافرٌ وفي نفسكَ أن تقيمَ خمسَ عشرةَ ليلةً فأكملِ الصلاةَ"، وذهبتِ المالكيةُ (٩) والشافعيةُ (١٠) إلى أن أقلَّها أربعةُ أيامٍ، وهوَ مرويٌّ عن عثمانَ، والمرادُ غيرُ يومي الدخولِ والخروجِ، واستدلُّوا بمنعهِ ﷺ المهاجرينَ بعدَ مضيّ النُّسُكِ أنْ يزيدُوا

стр. 803

على ثلاثةِ أيامٍ في مكةَ، فدلَّ على أنهُ بالأربعةِ الأيامِ يصيرُ مقيمًا، وثمَّ أقوالٌ أُخَرُ لا دليلَ عليها، وهذا كلُّه فيمَن دخلَ البلدَ عازمًا على الإقامةِ فيها. وأما من تردّدَ في الإقامةِ ولم يعزمْ ففيهِ خلافٌ أيضًا، فقالتِ الهادويةُ (١): يقصرُ إلى شهرٍ لقولِ عليٍّ ﵇: " [إنهُ] (٢) مَنْ يقولُ: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ يقصرُ الصلاةَ شهرًا"، وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه وهوَ قولٌ للشافعيِّ، وقالَ بهِ الإمامُ يحيى إنهُ يقصرُ أبدًا؛ إذِ الأصلُ السفرُ، ولفعلِ ابن (٣) عمرَ، فإنهُ أقامَ بأذربيجانَ ستةَ أشهر يقصرُ الصلاةَ. ورُوي عن أنسِ بن مالكٍ (٤) أنهُ أقامَ بنيسابورَ سنةً أو سنتينِ يقصرُ الصلاةَ، وعن جماعةٍ (٥) منَ الصحابةِ أنَّهم أقامُوا برَامَهُرْمُزَ تسعةَ أشهرٍ يقصرُونَ الصلاةَ، ومنهمْ من قدَّرَ ذلكَ بخمسةَ عشرَ، وسبعةَ عشرَ، وثمانيةَ عشرَ على حسمبِ ما وردتْ [به] (٦) الرواياتُ في مدةِ إقامتهِ ﷺ في مكةَ وتبوكَ، وأنهُ بعدَ ما يجاوزُ مدة ما روى عنهُ ﷺ يتمُّ صلاتَهُ، ولا يخْفَى أنهُ لا

стр. 804

دليلَ في المدةِ التي قصرَ فيها على نفي القصرِ فيما زادَ عليها، وإذا لم يقمْ دليلٌ على تقديرِ المدةِ، فالأقربُ أنهُ لا يزالُ يقصرُ كما فعلَهُ الصحابةُ؛ لأنهُ لا يسمَّى بالبقاءِ معَ التردُّدِ كلَّ يومٍ في الإقامةِ والرحيلِ مقيمًا، وإنْ طالتِ المدةُ، ويؤيّدُه ما أخرجهُ البيهقيُّ في السننِ (١) عن ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ أقامَ بتبوكَ أربعينَ يومًا يقصرُ الصلاة"، ثمَّ قالَ: تفردَ بهِ [الحسنُ] (٢) بن عمارةَ وهوَ غيرُ محتجٍّ بهِ. القول في جمع التقديم والتأخير في السفر ٩/ ٤٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ فِي الأَرْبَعِينَ (٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ. وَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ. [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ قالَ: كانَ رسول اللَّهِ ﷺ إذا ارتحلَ [في سفرهِ] (٥) قبلَ أن تزيغَ الشمسُ) أي: قبلَ الزوالِ، (أخَّر الظهرَ إلى وقتِ العصرِ، ثمَّ نزلَ، فجمعَ بينهما، فإنْ زاغتِ الشمسُ قبلَ أنْ يرتحلَ صلَّى الظهرَ)، أي: وحدَهُ، ولا يضمُّ إليه العصرَ، (ثمَّ ركبَ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ فيهِ دليلٌ على جوازِ الجمعِ [بينَ الصلاتين] (٤) للمسافرِ تأخيرًا، ودلالةٌ على أنهُ لا يجمعُ بينَهما تقديمًا لقولهِ: "صلَّى الظهرَ"، إذْ لو جازَ جمعُ التقديمِ لضمَّ إليهِ العصرَ، وهذا الفعلُ منهُ ﷺ يخصّصُ أحاديثَ التوقيتِ التي

стр. 805

مضتْ، وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ: فذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ ابن عباسٍ، وابنِ عمرَ وجماعةٍ منَ الصحابةِ، ويروى عن مالكٍ، وأحمدَ، والشافعي إلى جوازِ الجمع للمسافرِ تقديمًا وتأخيرًا، عملًا بهذا الحديثِ في التأخيرِ، وبما يأتي في التقديمِ، وعنِ الأوزاعيِّ أنهُ يجوزُ للمسافرِ جمعُ التأخيرِ فقط، عملًا بهذا الحديثِ، وهوَ مرويٌّ عن مالكٍ وأحمدَ بن حنبل، واختارهُ أبو محمدٍ بنُ حزمٍ، وذهبَ النخعيُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ إلى أنهُ لا يجوزُ الجمعُ [لا] (١) تقديمًا ولا تأخيرًا للمسافر (٢)، وتأوَّلُوا ما وردَ من جمعهِ ﷺ بأنهُ جمعٌ صوريٌّ، وهو أنهُ أخّرَ الظهرَ إلى آخرِ وقتها وقدمَ العصرَ في أولِ وقتِها ومثلُه العشاءُ، ورُدَّ عليهم بأنهُ وإن تمشَّى لهم هذا في جمع التأخيرِ لم يتمَّ لهمْ في جمعِ التقديمِ الذي أفادهُ قولُه: (وفي رواية للحاكم في الأربعينَ بإسنادٍ [صحيحٍ] (٣): صلَّى الظهرَ والعصرَ) أي: إذا زاغتْ قبلَ أن يرتحلَ صلَّى الفريضتينِ معًا، (ثمَّ ركبَ)؛ فإنَّها أفادتْ ثبوتَ جمعِ التقديمِ من فعلهِ ﷺ ، ولا يتصورُ فيهِ الجمعُ الصُّورِيُّ. (و) مثلهُ الروايةُ التي (لأبي نعيمٍ في مستخرجِ مسلمٍ) أي: في مستخرجهِ على صحيحِ مسلمٍ (كانَ) أي: النبيُّ ﷺ (إذا كانَ في سفرٍ، فزالتِ الشمسُ صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا، ثمَّ ارتحلَ)؛ فقد أفادتْ روايةُ الحاكمِ، وأبي نعيمٍ ثبوتَ جمعِ التقديمِ أيضًا، وهُما روايتانِ صحيحتانِ كما قالَ المصنفُ؛ إلَّا أنهُ قالَ ابنُ القيم (٤): إنهُ اختُلِفَ في روايةِ الحاكمِ فمنهم مَن صحَّحَها، ومنهم مَنْ حسَّنَها، ومنهم من قدحَ فيها وجعلَها موضوعة، وهوَ الحاكمُ؛ فإنهُ حكمَ [بوضعِها] (٥)، ثمَّ ذكرَ كلامَ الحاكمِ في بيانِ وضعِ الحديثِ، ثمَّ ردَّه ابنُ القيمِ، واختارَ أنهُ ليسَ بموضوع، وسكوتُ المصنفِ هنا عليهِ وجزمُه بأنهُ بإسنادٍ صحيحٍ يدلُّ على ردِّهِ لكلامِ الحاكمِ ويؤيدُ صحَّتَهُ قولُه:

стр. 806

١٠/ ٤٠٨ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغرِبَ وَالْعِشّاءَ جَميعًا. رَوَاه مُسْلمٌ (١). [صحيح] (وعن معاذٍ ﵁ قَالىَ: خرجْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ، فكانَ يصلِّي الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا. رواهُ مسلمٌ)، إلَّا أن اللفظَ محتملٌ لجمعِ التأخيرِ لا غيرُ، أو لهُ ولجمعِ التقديمِ، ولكن قد رواة الترمذيُّ (٢) بلفظِ: "كانَ إذا ارتحلَ قبلَ أنْ تزيغَ الشمسُ أخَّرَ الظهرَ إلى أن يجمعَها إلى العصرِ، فيصليهِمَا جميعًا، وإذا اهـ تحلَ بعدَ زيغِ الشمسِ عجَّلَ العصرَ إلى الظهرِ، وصلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا"؛ فهو كالتفضيل لمجملِ روايةِ مسلم، إلَّا أنهُ قالَ الترمذيُّ (٣) بعدَ إخراجهِ: إنهُ حديثٌ حسنٌ غريبٌ تفرّدَ بهِ قتيبةَ، [و] (٤) لا نعرفُ أحدًا رواهُ عن الليثِ غيرَهُ، قالَ: والمعروفُ عند أهلِ العلمٍ حديثُ معاذٍ من حديثِ ابن الزبيرِ عن أبي الطفيلِ عن معاذٍ: "أن النبيَّ ﷺ جمعَ في غزوةِ تبوكَ بينَ الظهرِ والعصرِ، وبينَ المغربِ والعشاءِ"، انتهَى. إذا عرفتَ هذا فجمعُ التقديمِ في ثبوتِ روايتهِ مقالٌ إلَّا روايةَ المستخرجِ على صحيحِ مسلمٍ؛ فإنَّهُ لا مقالَ فيها، وقد ذهبَ ابنُ حزمٍ (٥) إلى أنهُ يجوزُ جمعُ التأخيرِ لثبوتِ الدوايةِ [بهِ] (٦) لا جمعُ التقديم، وهوَ قولُ النخعيِّ، وروايةٌ عن مالكٍ وأحمدَ، ثمَّ إنهُ قد اختُلِفَ في الأفضلِ للمسافرِ [هل] (٧) الجمعُ أو التوقيتُ؟ فقالتِ الشافعية: تركُ الجمعِ أفضلُ، وقالَ مالكٌ: إنهُ مكروهٌ، وقيلَ: يختصُّ بمن له عذرٌ. واعلمْ أنهُ كما قالَ ابنُ القيم في الهدي النبوي (٨) [أنه] (٩) لم يكنْ ﷺ يجمع راتبًا في سفرهِ كما يفعله كثيرٌ من الناسِ، ولا يجمعُ حال نزولهِ أيضًا، وإنّما كان يجمعُ إذا جدَّ بهِ السيرُ، وإذا سارَ عقيبَ الصلاةِ كما في أحاديثِ تبوكَ، وأما

стр. 807

جمعُه وهوَ نازلٌ غيرُ مسافرٍ فلم ينقلْ ذلكَ عنهُ إلَّا بعرَفَةَ ومزدلفةَ لأجلِ اتصالِ الوقوفِ كما قالَ الشافعيُّ وشيخُنا، وجعلُه أبو حنيفةَ من تمامِ النُّسُكِ وأنهُ سبب. وقالَ أحمدُ ومالكٌ والشافعيُّ: إنَّ سببَ الجمعِ بعرفةَ ومزدلفةَ السفرُ، وهذا كلُّه في الجمع في السفرِ. حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر وأما الجمعُ في الحضرِ، فقالَ الشارحُ بعدَ ذكرِ أدلةِ القائلينَ بجوازِهِ فيهِ: "إنهُ ذهبَ أكثرُ الأئمةِ إلى أنهُ لا يجوزُ الجمعُ في الحضرِ لما تقدمَ منَ الأحاديثِ المبيِّنةِ لأوقاتِ الصلواتِ، ولما تواترَ من محافظةِ النبيِّ ﷺ على أوقاتِها حتَّى قالَ ابنُ مسعودٍ (١): "ما رأيتُ النبيّ ﷺ صلَّى صلاةً لغيرِ ميقاتِها إلّا صلاتينِ جمعَ بينَ المغربِ والعشاء [- أي: بمزدلفة -] (٢) بجمعٍ، وصلَّى الفجرَ يومئذٍ قبلَ ميقاتِها"، وأمّا حديثُ ابن عباسٍ عندَ مسلمٍ (٣): "أنهُ جمعَ بينَ الظهرِ والعصرِ، والمغرب والعشاءِ بالمدينةِ من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ"، قيلَ لابنِ عباسٍ: ما أرادَ إلى ذلكَ؟ قالَ: أرادَ أنْ لا يحرجَ أمتَهُ"؛ فلا يصحُّ الاحتجاجُ بهِ لأنهُ غيرُ معينٍ لجمعِ التقديمِ والتأخيرِ كما هوَ ظاهرُ روايةِ مسلمٍ، وتعيينُ واحدٍ [منهما] (٤) تحكُّمٌ فوجبَ العدولُ عنهُ إلى ما هوَ واجبٌ منَ البقاءِ على العمومِ في حديثِ الأوقاتِ للمعذورِ وغيرهِ، وتخصيصُ المسافرِ لثبوتِ المخصِّص، وهذا هوَ الجوابُ الحاسمُ. وأما ما يُرْوَى منَ الآثارِ عن الصحابةِ والتابعينَ فغيرُ حجةٍ، إذْ للاجتهادِ في ذلكَ مسرحٌ، وقد أوَّلَ بعضُهم حديثَ ابن عباسٍ بالجمعِ الصُّورِي، واستحسنُه القرطبيُّ، ورجَّحهُ، وجزمَ بهِ ابنُ الماجشونِ، والطحاويُّ وقوّاهُ ابنُ سيدِ الناسِ

стр. 808

لما أخرجهُ الشيخانِ (١) عن عمروِ بن دينارٍ - راوي الحديثِ - عن أبي الشعثاءِ قالَ: "قلتُ: يا أبا الشعثاءِ أظنهُ أخَّرَ الظهرَ وعَجَّلَ العصرَ، وأخّرَ المغربَ وعجلَ العِشاءَ، قال: وأنا أظنهُ". قالَ ابنُ سيدِ الناس: وراوي الحديثِ أدرى بالمرادِ منهُ من غيرهِ، وإنْ لم يجزمْ أبو الشعثاءِ بذلكَ. وأقولُ إنَّما هو ظنٌّ منَ الراوي، والذي يقالُ فيهِ: "أدرى بما رَوَى"، إنما يجري في تفسيرهِ [للفظة] (٢) مثلًا، على أن في هذه الدعوى نظرًا، فإنَّ قولَهُ ﷺ : "فربَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هوَ أفقهُ منهُ" (٣) يردُّ عمومَها، نعمْ يتعيَّنُ هذا التأويلُ فإنهُ صرَّحَ بِه النسائي في أصلِ حديثِ ابن عباسٍ (٤)، ولفظهُ: "صلّيتُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بالمدينةِ ثمانيًا (٥) جمعًا، وسبعًا جمعًا، أخَّر الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وأخّرَ المغربَ وعجَّلَ العشاءَ". والعجبُ منَ النوويِّ كيفَ ضعَّفَ هذا التأويلَ، وغفل عن متنِ الحديثِ المرويّ، والمطلقُ في روايةٍ يُحملُ على المقيَّدِ إذا كانَا في قصةٍ واحدةٍ كما في هذا، والقولُ بأنَّ قوله: "أرادَ أنْ لا يُحرجَ أمتَه" يُضعفُ هذا الجمعَ الصوريّ لوجودِ الجرحِ فيهِ - مدفوعٌ بأنَّ ذلكَ أيسرُ منَ التوقيتِ؛ إذْ يكفي للصلاتينِ تأهبٌ واحدٌ، وقصدٌ واحدٌ إلى المسجدِ، ووضوءٌ واحدٌ بحسبِ الأغلبِ بخلافِ الوقتينِ، فالحرجُ في هذا الجمعِ - لا شكَّ أخفُّ، وأمَّا قياسُ الحاضرِ على المسافرِ كما قيلَ فوهمٌ، لأنَّ العلةَ في الأصلِ هي السفرُ [وهو] (٦) غيرُ [موجودٍ] (٧) في الفرعِ وإلَّا لزمَ مثلُهُ في القصرِ والفطرِ"، انتهى.

стр. 809

قلتُ: وهو كلامٌ رصينٌ، وقد كنّا ذكرنَا ما يلاقيهِ في رسالتِنا (اليواقيتُ في المواقيتِ) (١) قبلَ الوقوف على كلامِ الشارحِ ﵇ وجزاهُ خيرًا. ثمَّ قالَ: "واعلم أن جمعَ التقديمِ فيهِ خطرٌ عظيمٌ، وهوَ كمنْ صلَّى الصلاةَ قبلَ دخولِ وقتِها، فيكونُ حالُ الفاعلِ كما قالَ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٢) الآيةَ من ابتدائِها، وهذهِ الصلاةُ المقدمةُ لا دلالةَ عليها بمنطوقٍ، ولا مفهومٍ، ولا عمومٍ، ولا خصوصٍ". ١١/ ٤٠٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْصُرُوا الصَّلاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ: مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤). [ضعيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تقصُروا الصلاةَ في أقلِّ من أربعةِ بُرُدٍ: من مكةَ إلى عُسفانَ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ فإنهُ من روايةِ عبدِ الوهابِ بن مجاهدٍ، وهوَ متروكٌ، نسبَهُ الثوريُّ إلى الكذبِ، وقالَ الأزديُّ: لا تحلُّ الروايةُ عنهُ (٥)، وهوَ منقطعٌ أيضًا لأنهُ لم يسمعْ منْ أبيهِ، (والصحيحُ أنهُ موقوفٌ، كذا أخرجهُ ابنُ خُزيمةَ) أي: موقوفًا على ابن عباسٍ، وإسنادُهُ صحيحٌ، ولكن للاجتهادِ فيهِ مسرحٌ، فيحتملُ أنهُ من رأيهِ، وتقدمَ أنهُ لم يثبتْ في التحديدِ حديثٌ [مرفوعٌ] (٦).

стр. 810

١٢/ ٤١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيرُ أُمِّتِي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا"، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ (١)، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِي (٢) مُخْتَصَرًا. [ضعيف] (وعن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : خيرُ أمتي الذينَ إذا أساءُوا استغفرُوا، وإذا سافرُوا قصرُوا وأفطرُوا. أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ بإسنادٍ ضعيفٍ، وهوَ في [مرسلِ سعيدِ] (٣) بن المسيبِ عندَ البيهقي مختصرًا). الحديثُ دليلٌ على أن القصرَ والفطرَ أفضلُ للمسافرِ من خلافِهما، وقالتِ الشافعيةُ: ترك الجمعِ أفضلُ، فقياسُ هذا أنْ يقولُوا: التمامُ أفضلُ، وقدْ صرَّحُوا به أيضًا، وكأنَّهم لم يقُولوا بهذا الحديثِ لضعفهِ. واعلمْ أن المصنفَ ﵀ أعادَ هنا حديثَ عمرانَ بن حصينٍ، وحديثَ جابرٍ، وهما قولُهُ: صلاة المريض على قدر طاقته ١٣/ ٤١١ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "صَلٌ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [صحيح] (وعن عمرانَ بن حصينٍ ﵁ قالَ: كانت بي بواسيرُ فسألتُ النبيَّ ﷺ عن الصلاةِ)، هذا لم يذكرْه المصنفُ فيما سلفَ في هذهِ الروايةِ، (فقال: صلِّ قائمًا،

стр. 811

فإنْ لم تستطعْ فقاعدًا؛ فإنْ لم تستطعْ فعَلَى جَنْبٍ. رواهُ البخاريُّ) هوَ كما قالَ، ولم ينسبْه فيما تقدمَ إلى أحدٍ، وقد بَيَّنَّا مَنْ رواهُ غيرُ البخاريِّ وما فيهِ منَ الزيادةِ. ١٤/ ٤١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: "صَلِّ عَلَى الأَرْضِ أِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَل سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (١)، وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (٢). [ضعيف] (وعن جابرٍ ﵁ قالَ: عادَ النبيُّ ﷺ مريضًا فرآهُ يصلِّي على وسادةٍ فرمَى بها وقالَ: صلِّ على الأرضِ إن استطعتَ، وإلَّا فأوم إيماء، واجعلْ سجودَكَ أخفضَ من ركوعِكَ. رواهُ البيهقيُّ، وصحَّحَ أبو حاتمٍ وقْفَهُ)، زادَ فيما مضَى أنهُ رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ قويٍّ، وقد تقدَّمَا في آخرِ بابِ صفةِ الصلاةِ قُبَيْلَ بابِ سجودِ السهوِ بلفظِهِمَا، وشرحنَاهُمَا هنالكَ فتركْنَا شرحَهُما [ههنا] (٣) لِذَلك، ثمَّ ذكرَ هنا حديثَ عائشةَ وقد تقدَّم أيضًا في بابِ صفةِ الصلاةِ بلفظهِ، وقالَ [هناك] (٤): صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وهنَا قالَ: صحَّحهُ الحاكمُ [وهوَ] (٥): ١٥/ ٤١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٦)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٧). [حسن] (وعن عائشةَ قالتْ: رأيتُ النبيَّ ﷺ يصلِّي متربّعًا. رواهُ النسائيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، وهوَ من أحاديثِ صلاةِ المريضِ لا مِنْ أحاديثِ صلاةِ المسافرِ، وقد أتى بهِ فيما سلفَ، والحديثُ دليل على صفةِ قعودِ المصلِّي إذا كانَ لهُ عذرٌ عن القيامِ، وفيهِ الخلافُ الذي تقدَّمَ.

стр. 812

[الباب الثاني عشر] بابُ الجُمُعَةِ الجمعةُ بضمِّ الميم، وفيها الإسكانُ والفتحُ، مثلُ هُمَزةٍ ولُمَزةٍ، وكانتْ تسمَّى في الجاهليةِ العروبة. أخرجَ الترمذي (١) من حديثِ أبي هريرةَ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، أن النبيَّ ﷺ قالَ: "خيرُ يومٍ طَلَعتْ فيهِ الشمسُ يومُ الجمعةِ: فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ دَخلَ الجنةَ، وفيهِ أُخْرِجَ منْها، ولا تقومُ الساعةُ إلَّا في يومِ الجمعةِ". عقوبة تارك الجمعة ١/ ٤١٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ -: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، وأبي هريرةَ ﵃ أنَّهما سَمِعَا رسول اللَّهِ ﷺ يقولُ على أعوادِ منبرهِ) أي: منبره الذي من عودٍ، لا على الذي كانَ منَ الطينِ ولا على الجذعِ الذي كان يستندُ إليهِ، وهذا المنبرُ عُمِلَ لهُ ﷺ سنةَ سبعٍ، وقيلَ: سنةَ ثمانٍ، عملهُ لهُ غلامُ امرأةٍ منَ الأنصارِ، كانَ نجارًا، واسمهُ على أصحِّ الأقوال: ميمونٌ، وكانَ على ثلاثِ درجٍ (٣)، ولم يزلْ عليهِ حتَّى زادهُ مروانُ في زمنِ معاويةَ

стр. 813

ستَّ [درج] (١) من أسفلهِ، ولهُ قصةٌ في زيادتهِ - وهي أن معاويةَ كتبَ إليهِ أنْ يحملَه إلى دمشقَ، فأمرَ بهِ فقلعَ فأظلمتِ المدينةُ، فخرجَ مروانُ فخطبَ فقالَ: إنَّما أمرني أميرُ المؤمنينَ أنْ [أرفعه ففعل ذلك] (٢)، وقالَ: إنَّما زدتُ عليهِ لما كثرَ الناسُ، ولم يزلْ كذلكَ حتَّى احترقَ المسجدُ النبويُّ سنة أربعٍ وخمسينَ وستمائةَ فاحترقَ. (لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِمُ) بفتحهِ الواوِ، وسكونِ الدالِ المهملةِ، وكسرِ العينِ المهملةِ، أي: تركهم (الجمعاتِ أو ليختمنَّ اللَّهُ على قلوبهمْ) الختمُ: الاستيثاقُ منَ الشيءِ بضربِ الخاتمِ عليهِ كتمًا لهُ وتغطيةً لِئَلَّا يُتوصلُ إليهِ ولا يُطلعُ عليهِ، شبهتِ القلوبُ بسببِ إعراضِهم عن الحقِّ واستكبارِهم عن قَبولِه، وعدمِ نفوذِ الحقِّ إليها بالأشياءِ التي استُوثِقَ عليها بالختمِ، فلا ينفذ إلى باطنِها شيءٌ، وهذهِ عقوبةٌ على عدمِ الامتثالِ لأمرِ اللَّهِ، وعدمِ إتيانِ الجمعةِ من بابِ تيسيرِ العُسْرى (ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين. رواه مسلمٌ) بعد ختمهِ تعالى على قلوبِهمْ فيغفلونَ عن اكتسابِ ما ينفعُهم منَ الأعمالِ وعن تركِ ما يضرُّهمْ منها. وهذا الحديثُ من أعظمِ الزواجرِ عن تركِ الجمعةِ والتساهلِ فيها، وفيهِ إخبارٌ بأنَّ تركَها مِن أعظمِ أسبابِ الخذلان، [ولقد عرفنا من يتساهل بالجمعة

стр. 814

أسبوعًا بعد أسبوع حتى يُحْرَمَ حضورَها بسبب الخِذْلانِ] (١) بالكليةِ، والإجماعُ قائمٌ على وجوبها على الإطلاقِ، والأكثرُ أنَّها فرضُ عينٍ، وقال في معالمِ السننِ (٢): أنَّها فرضُ كفاية عندَ الفقهاءِ. وقت صلاة الجمعة ٢/ ٤١٥ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (٤): كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتتَبَّعُ الْفَيْءَ. (وعن سلمةَ بن الأكوعِ قالَ: كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ الجمعةِ، ثمَّ ننصرفُ وليسَ للحيطانِ ظلٌّ يستظلُّ بهِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ، وفي لفظٍ لمسلمٍ) أي: من روايةِ سلمةَ: (كنَّا نجمعُ معهُ) أي: [مع] (٥) النبيِّ ﷺ (إذا زالتِ الشمسُ، ثمَّ نرجعُ نتتبعُ الفيءَ). الحديثُ دليلٌ على المبادرةِ بصلاةِ الجمعةِ عندَ أولِ زوالِ الشمسِ، والنفي في قولهِ: "وليسَ للحيطانِ ظلٌّ"، متوجهٌ إلى القيدِ، وهوَ قولُه: "إنهُ يستظلُّ بهِ"، لا أنه نفي لأصل الظلِّ حتَّى يكونَ دليلًا [على] (٦) أنهُ صلَّاها قبلَ [زوال الشمس] (٧)، وهذا التأويلُ معتبرٌ عندَ الجمهورِ القائلينَ بأنَّ وقتَ الجمعةِ هوَ وقتُ الظهرِ، وذهبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى صحةِ صلاةِ الجمعةِ قبلَ الزوالِ.

стр. 815

واختلفَ أصحابُ أحمدَ (١)، فقالَ بعضُهم: وقتُها صلاةُ العيدِ، وقيلَ: الساعةَ السادسةَ، وأجازَ مالكٌ الخطبةَ قبلَ الزوالِ دونَ الصلاةِ، وحجتُهم ظاهرُ الحديثِ وما بعدَهُ، وأصرحُ منهُ ما أخرجهُ أحمدُ (٢) ومسلمٌ (٣) من حديثِ جابرٍ: "أن النبيَّ ﷺ كانَ يصلِّي الجمعةَ، ثمَّ نذهبُ إلى جِمَالِنَا فنريحُها حينَ تزولُ الشمسُ، يعني النواضحَ". وأخرجَ الدارقطنيُّ (٤) عنْ عبدِ اللَّهِ بن شيبانَ قال: "شهدتُ معَ أبي بكر

стр. 816

الجمعةَ، فكانتْ خطبتهُ وصلاتُه قبلَ نصفِ النهارِ، ثمَّ شهدتُها معَ عمرَ فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أن أقولَ: انتصفَ النهارُ، ثم شهدتُها معَ عثمانَ فكانت صلاتُه وخطبتهُ إلى أن أقول: زال النهارُ، فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلكَ ولا أنكرهُ"، ورواهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ (١)، قالَ: وكذلكَ رُوِيَ عن ابن مسعودٍ (٢) وجابرٍ (٣)، وسعيدٍ (٤)، ومعاويةَ (٥): "أنَّهم صلُّوا قبلَ الزوالِ". ودلالةُ هذَا على مذهب أحمدَ واضحةٌ، والتأويلُ الذي سبقَ [منَ] (٦) الجمهورِ يدفعُه أن [صلاة] (٧) النبيِّ ﷺ معَ قراءتهِ سورةَ الجمعةِ والمنافقينَ، وخطبتُهُ لو كانتْ بعدَ الزوالِ لَما ذهبُوا من صلاةِ الجمعةِ إلَّا وللحيطانِ ظلٌّ يستظلُّ بهِ. كذا في الشرحِ، وحقَّقْنَا في حواشي "ضوءُ النهارِ" (٨) أن وقتَها الزوالُ، ويدلُّ لهُ أيضًا [قولُه] (٧): ٣/ ٤١٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا

стр. 817

بَعْدَ الْجُمُعَةِ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ترجمة سهل بن سعد (وعن سهلِ بن سعدٍ) هوَ أبو العباسِ سهلُ بنُ سعدِ بن مالكٍ الخزرجيِّ الساعدي الأنصاري، قيلَ: كانَ اسمهُ حَزَنًا فسمّاهُ ﷺ سهلًا، ماتَ النبيُّ ﷺ ولهُ خمسَ عشرةَ سنةً، وماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وسبعينَ، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ بالمدينةِ منَ الصحابةِ (٢). (قالَ: ما كنَّا نقيلُ) منَ القيلولةِ، (ولا نتغدَّى إلَّا بعدَ الجمعةِ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ، وفي روايةٍ: في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ). في "النهايةِ" المقيلُ والقيلولةُ: الاستراحةُ نصفَ النهارِ وإنْ لم يكنْ معَها نومٌ. فالحديثُ دليلٌ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ، وهوَ من أدلَّةِ أحمدَ، وإنَّما أتَى المصنفُ ﵀ بلفظِ روايةِ: "على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ " لِئلَّا يقولَ قائلٌ: إنهُ لم يصرِّحِ الراوي في الروايةِ الأُولى أن ذلكَ كانَ من فعلهِ ﷺ وتقريرهِ، فدفعهُ بالروايةِ التي أثبتتْ أن ذلكَ كانَ على عهدهِ، ومعلومٌ أنهُ لا يصلِّي الجمعةَ في المدينةِ في عهدهِ سواهُ، فهوَ إخبارٌ عن صلاتهِ. وليسَ فيه دليلٌ على الصلاةِ قبلَ الزوالِ لأنَّهم في المدينةِ ومكةَ، لا يقيلونَ ولا يتغدّونَ إلَّا بعدَ صلاةِ الظهرِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٣)، نعمْ كانَ ﷺ يسارعُ بصلاةِ الجمعةِ في أولِ وقتِ الزوالِ بخلافِ

стр. 818

الظهرِ، فقد كانَ يؤخرهُ [بعدَه] (١) حتَّى يجتمعَ الناسُ. الخطبة قائمًا ولا يشترط لها ولا للجمعة عدد معين ٤/ ٤١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن جابرٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يخطبُ قائمًا، فجاءتْ عيرٌ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فراءٍ، قالَ في "النهايةِ" (٣): العيرُ: الإبلُ بأحمالِها. (منَ الشامِ فانفتلَ) بالنونِ الساكنةِ، وفتحِ الفاءِ، فمثناةٍ فوقيةٍ، أي: انصرفَ (الناسُ إليها حتَّى لم يبقَ) أي: في المسجدِ (إلَّا اثنا عشَرَ رجلًا. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يشرعُ في الخطبةِ أنْ يخطبَ قائمًا، وأنهُ لا يشترطُ لها عددٌ معينٌ، كما قيلَ: إنهُ يشترطُ لها أربعونَ رجلًا، ولا ما قيلَ: إنَّ أقلَّ ما تنعقدُ بهِ اثنا عشرَ رجلًا كما رُويَ عن مالكٍ؛ لأنهُ لا دليلَ أنَّها لا تنعقدُ بأقلَّ. وهذهِ القصةُ هي التي نزلتْ فيها الآيةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (٤) الآيةَ، وقالَ القاضي عياضٌ: إنهُ رَوَى أبو داودَ في مراسيلهِ (٥): "أن خطبتهُ ﷺ التي انفضُّوا عنها إنَّما كانتْ بعدَ صلاةِ الجمعةِ، وظنُّوا أنهُ لا شيءَ عليهم في الانفضاضِ عن الخطبةِ، وأنهُ قبلَ هذهِ القصةِ كانَ يصلِّي قبلَ الخطبةِ". قال القاضي: وهذا أشبهُ بحالِ أصحابهِ، والمظنونُ بهم ما كانُوا يدَعُونَ الصلاةَ معَ النبيِّ ﷺ ، ولكنَّهم ظنُّوا جوازَ الانصرافِ بعدَ انقضاءِ الصلاةِ. من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة ٥/ ٤١٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ

стр. 819

رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَالدَّارَقُطْنِي (٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُو حَاتِمٍ (٤) إِرْسَالَهُ. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵃ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : من أدركَ ركعة من صلاةِ الجمعةِ وغيرِها) أي: من سائر الصلواتِ (فليضفْ إليها أخْرى) في الجمعةِ أوْ [في] (٥) غيرِها، يضيفُ إليها ما بقي من ركعةٍ [فأكثرَ] (٦)، (وقد تمتْ صلاتُه. رواهُ النسائيُّ، وابنُ ماجهْ، والدارقطنيُّ، واللفظُ لهُ، وإسنادُه صحيحٌ، لكنْ قوَّى أبو حاتم إرسالهُ). الحديثُ أخرجوهُ من حديثِ بقيةَ. [حدثني] (٧) يونسُ بنُ يزيدَ عن سالمٍ عن أبيهِ … الحديث. قالَ أبو داودُ والدارقطنيُّ (٨): تفرّدَ بهِ بقيةُ عن يونسَ، وقالَ

стр. 820

ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ (١) عن أبيه: هذا خطأ في المتنِ والإسنادِ، وإنَّما هوَ عن الزهريِّ عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "منْ أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ فقدْ أدركَها"، وأما قولهُ: "من صلاةِ الجمعةِ" فوَهْمٌ، وقد أُخْرِجَ الحديثُ من ثلاثةَ عشرَ طريقًا عن أبي هريرةَ، ومن ثلاثةِ طرقٍ عن ابن عمرَ، وفي جميعِها مقال. وفي الحديثِ دلالةٌ على أن الجمعةَ تصحُّ للَّاحقِ وإنْ لم يدركْ منَ الخطبة شيئًا، وإلى هذَا ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ، والمؤيدُ (٢)، والشافعيُّ (٣)، وأبو حنيفةَ (٤)، وذهبتِ الهادويةُ (٥) إلى أن إدراكَ شيءٍ منَ الخطبةِ شرطٌ لا تصحُّ [الجمعة] (٦) بدونهِ، وهذا الحديثُ حجةٌ عليهم وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ، لكنَّ كثرةَ طرقِهِ يقوي بعضُها بعضًا معَ أنهُ أخرجهُ الحاكمُ من ثلاثِ طرقٍ (٧): أحدُها من حديث أبي هريرةَ وقال فيها: على شرطِ الشيخينِ، ثمَّ الأصلُ عدمُ الشرطِ حتَّى يقومَ عليه دليلٌ. هل القيام شرط في الخطبة ٦/ ٤١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٨). [صحيح] (وعن جابرِ بن سمُرةَ أن النبيَّ ﷺ كانَ يخطبُ قائمًا ثمَّ يجلسُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمنْ أنبأكَ أنهُ كانَ يخطبُ جالسًا فقد كذبَ. أخرجهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ أنهُ يشرعُ القيامُ حالَ الخطبتين، والفصلُ بينَهما بالجلوسِ، وقد اختلفَ العلماءُ هل [هو] (٩) واجبٌ أو سنةٌ؟

стр. 821

فقالَ أبو حنيفةَ (١): إنّ القيامَ والقعودَ سنةٌ، وذهبَ مالكٌ (٢) إلى أن القيامَ واجبٌ، فإنْ تركَه أساءَ وصحَّتِ الخطبةُ، وذهبَ الشافعيُّ (٣) وغيرُه إلى أن الخطبة لا تكونُ إلَّا منْ قيامٍ لمنْ أطاقهُ، واحتجُّوا بمواظبتهِ ﷺ على ذلكَ حتَّى قال جابرٌ: "فمنْ أنباكَ … إلى آخرِه، [وبما] (٤) رُوِيَ أن كعبَ بنَ عجرةَ (٥) لما دخلَ المسجدَ وعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكمِ يخطبُ قاعدًا فأنكرَ عليهِ وتلا عليهِ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وفي روايةِ ابن خزيمة (٦): "ما رأيتُ كاليومِ قطُّ إمامًا يؤمُّ المسلمينَ يخطبُ وهو جالسٌ. يقولُ ذلكَ مرتينِ". وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٧) عن طاوسَ: "خطبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قائمًا، وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، وأولُ مَنْ جلسَ على المنبرِ معاويةُ"، وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٨) عن الشعبيِّ: "أن معاويةَ إنَّما خطبَ قاعدًا لما كثرَ شحمُ بطنهِ ولحمُه"، وهذا إبانةٌ للعذرِ، فإنهُ معَ العذرِ في حكم المتفقِ على جوازِ القعودِ في الخطبةِ. وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الذي أخرجهُ البخاريُّ (٩): "أن النبيَّ ﷺ جلسَ ذاتَ يومٍ على المنبرِ، وجلسْنَا حولَه"، فقد أجابَ عنهُ الشافعي أنهُ كانَ في غيرِ جمعةٍ، وهذه الأدلةُ تقضِي بشرعيةِ القيامِ والقعودِ المذكورين في الخطبةِ. وأمَّا الوجوبُ وكونُه شرطًا في صحتِها فلا دلالةَ عليهِ في اللفظِ؛ إلَّا أَنَّهُ قد ينضمُّ إليهِ دليلُ وجوب التأسّي بهِ ﷺ ، وقد قالَ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (١٠)، وفعلُهُ في الَجمعةِ في الخطبتينِ، وتقديمُها على الصلاةِ مبينٌ لآيةِ الجمعةِ، فما واظبَ عليهِ فهوَ واجبٌ، وما لمْ يواظبْ عليهِ كانَ في التركِ دليلٌ على عدمِ الوجوبِ، فإنْ صحَّ أن قعودَه ﷺ في حديثِ أبي سعيدٍ كانَ في خطبةِ الجمعةِ كان الأقوى القولُ الأولُ، وإنْ لم يثبتْ فالقولُ الثاني.

стр. 822

(فائدةٌ): تسليمُ الخطيبِ على المنبرِ على الناسِ فيهِ حديثٌ أخرجهُ الأثرمُ بسندهِ (١) عن الشعبيِّ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا صعدَ المنبرَ يومَ الجمعةِ استقبلَ الناسَ فقالَ: السلامُ عليكمْ" الحديثَ، وهوَ مرسلٌ، وأخرجَ ابنُ عديٍّ (٢): "أنهُ كانَ إذا دَنَا من منبرهِ سلَّمَ على مَنْ عندَ المنبرِ ثمَّ صعدَ، فإذا استقبلَ الناسَ بوجههِ سلَّم ثمَّ قعدَ"، إلَّا أَنَّهُ ضعَّفَهُ ابنُ عديٍّ بعيسى بن عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، وضعَّفهُ به ابنُ حبانَ (٣). كيف كان يخطب النبيّ ﷺ - ٧/ ٤٢٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٥): كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ - وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٦): "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ"، وَلِلنَّسَائِي (٧): "وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ". [صحيح] (وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خطبَ احمرَّتْ عيناهُ وعلا صوتُه واشتدَّ غضبهُ، حتَّى كأنهُ منذرُ جيشٍ يقولُ: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقولُ: أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وخيرَ الهَدْي هديُ محمدٍ). قالَ النوويُّ (٨): ضبطناهُ في مسلمٍ (٨) بضمِّ الهاءِ، وفتحِ الدالِ فيهما، وبفتحِ الهاءِ، وسكونِ الدالِ

стр. 823

فيهمَا، وفسّرهُ الهرويُّ (١) على روايةِ الفتحِ بالطريقِ، أي: أحسنَ الطريقِ طريقُ محمدٍ، وعلى روايةِ الضمِّ معناهُ الدلالةُ والإرشادُ، وهو الذي يضافُ إلى الرسلِ وإلى القرآنِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (٢)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ (٣)، وقد يضافُ إليهِ تعالى، وهوَ بمعنَى اللطفِ والتوفيق والعصمة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤) الآيةَ. (وشرَّ الأمورِ محدثاتُها)، المرادُ بالمحدَثاتِ ما لم يكن ثابتًا بشرعٍ منَ الله ولا مِن رسولهِ، (وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) البدعةُ لغةً: ما عُمِلَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، والمرادُ بها هنا: ما عُمِلَ مِن دونِ أن يسبقَ لهُ شرعيةٌ من كتابٍ ولا سنةٍ، (رواهُ مسلمٌ). وقد قسَّمَ العلماءُ البدعةَ خمسةَ أقسامٍ: واجبةٌ: كحفظِ العلويم بالتدوينِ، والردِّ على الملاحدةِ بإقامةِ الأدلةِ، ومندوبةٌ: كبناءِ المدارسِ، ومباحةٌ: كالتوسعة في ألوانِ الأطعمةِ وفاخرِ الثيابِ، ومحرَّمةٌ ومكروهةٌ: وهما ظاهرانِ، فقولُه: "كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ" (٥) عامٌّ مخصوصُ.

стр. 824

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يستحبُّ للخطيبِ أنْ يرفعَ بالخطبةِ صوتَه، ويجزلَ كلامَهُ، ويأتي بجوامعِ الكلم منَ الترغيبَ والترهيبَ، ويأتي بقول: (أما بعدُ)، وقد عقدَ البخاريُّ بابًا في استحبابِها (١)، وذكرَ فيهِ جملةً منَ الأحاديثِ، وقد جمعَ الرواياتِ التي فيها ذكرُ "أما بعدُ" لبعضِ المحدِّثينَ، وأخرجَها عن اثنينِ وثلاثينَ صحابيًا، وظاهرهُ أنهُ كانَ ﷺ يلازمُها في جميعِ خُطَبِهِ، وذلكَ بعدَ حمدِ اللَّهِ والثناءِ [عليه] (٢) والتشهُّدِ، كما تفيدُه الروايةُ المشارُ إليها بقولهِ: (وفي روايةٍ له)، أي: لمسلمٍ عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ: (كانت خطبة النبيِّ ﷺ يومَ الجمعةِ، يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ، ثمَّ يقولُ على أثر ذلكَ وقد علا صوتُه) حذفَ المقولَ اتّكالًا على ما تقدمَ، وهوَ قولُهُ: "أما بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ" إلى آخرهِ [ما تقدمَ] (٣)، ولم يذكرِ الشهادةَ اختصارًا لثبوتِها في غيرِ هذهِ الروايةِ، فقد ثبتَ أنهُ ﷺ قالَ: "كلُّ خُطْبَةٍ ليسَ فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماءِ" (٤)، وفي "دلائلُ النبوةِ" للبيهقي (٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا حكايةً عن اللَّهِ : "وجعلتُ أمَّتَكَ لا يجوزُ لهم خطبةٌ حتَّى يشهدُوا أنكَّ عبدي ورسولي"، وكانَ يذكرُ في تشهدهِ نفسَه باسمِهِ العَلَمِ. (وفي رواية لهُ) أي: لمسلم عن جابر: (من يهدِ اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ له) أي: أنهُ يأتي بهذهِ الألفاظِ بعدَ "أما بعدُ"، (وللنسائيِّ) أي: عن جابرٍ: (وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ) أي: بعد قولِه: "كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" كما هوَ في النسائي، واختصرهُ المصنفُ، والمرادُ صاحبُها. وكانَ يعلمُ أصحابهُ في خطبتهِ قواعدَ الإسلامِ وشرائعَه، ويأمرُهم وينهاهُمْ

стр. 825

في [خطبته] (١) إذا عرضَ لهُ أمرٌ، أو نهيٌ كما أمرَ الداخلَ - وهو يخطبُ - أن يصلِّيَ ركعتينِ، ويذكرُ معالمَ الشرائعِ في الخطبةِ، والجنةَ، والنارَ، والمعادَ، ويأمرُ بتقوى اللَّهِ، ويحذرُ من غضبه، ويرغِّبُ في موجباتِ رضاهُ، وقد وردَ قراءةُ آيةٍ في حديثِ مسلمٍ (٢): "كانَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خطبتانِ يجلسُ بينَهما يقرأُ القرآنَ، ويذكِّرُ الناسَ ويحذرُ"، وظاهرُه محافظتُه ﷺ على ما ذكرَ في الخطبةِ، ووجوبُ ذلكَ؛ لأنَّ فعلَه بيانٌ لما أُجْمِلَ في آيةِ الجمعةِ. وقد قالَ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٣)، وقد ذهبَ إلى هذا الشافعيُّ، وقالتِ الهادويةُ: لا يجبُ في الخطبةِ إلَّا الحمدُ والصلاةُ على النبيّ ﷺ في الخطبتينِ جميعًا، وقالَ أبو حنيفةَ: يكفي سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. وقالَ مالكٌ: لا يجزي إلَّا ما يسمَّى خطبة (٤). تطويل الصلاة وتقصير الخطبة علامة فقه الرجل ٨/ ٤٢١ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعن عمَّارِ بن ياسرٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خطبتهِ مَئِنَّةٌ) بفتحِ الميمِ، ثمَّ همزةٌ مكسورةٌ، ثمَّ نونٌ مشددةٌ، أي: علامةٌ (من فقههِ) أي: مما يعرفُ بهِ فقهُ الرجلِ، وكلُّ شيءٍ دلَّ على شيءٍ فهو مئنةٌ لهُ، (رواهُ مسلمٌ). وإنَّما كانَ قصرُ الخطبةِ علامةً على فقهِ الرجلِ؛ لأنَّ الفقيهَ هوَ المطلعُ على حقائقِ المعاني، وجوامعِ الألفاظِ، فيتمكّن منَ التعبيرِ بالعبارةِ الجزلةِ المفيدةِ،

стр. 826

ولذلكَ كانَ من تمامِ رواية هذا الحديثِ: "فأطيلُوا الصلاةَ، واقصرُوا الخطبةِ، وإنَّ منَ البيانِ لسِحرًا"، فشبَّهَ الكلامَ العاملَ في القلوبِ الجاذبَ للعقولِ بالسحرِ، لأجلِ ما اشتملَ عليهِ من الجزالةِ، وتناسقِ الدلالةِ وإفادةِ المعاني الكثيرةِ، ووقوعِهِ في مجازِهِ من الترغيبِ والترهيب ونحو ذلك، ولا يقدرُ عليهِ إلَّا مَنْ فقِه [في المعاني] (١) وتناسقِ دلالتها، فإنهُ يتمكّنُ منَ الإتيانِ بجوامعِ الكلمِ، وكانَ ذلكَ من خصائصهِ ﷺ ؛ فإنهُ أُوتِي جوامعَ الكلمِ. والمرادُ من طولِ الصلاةِ الطولُ الذي لا يدخلُ فاعلُه تحتَ النهي، وقد كانَ يصلِّي ﷺ الجمعةَ بالجمعةِ، والمنافقينَ، وذلكَ طولٌ بالنسبة إلى خطبتهِ، وليسَ بالتطويلِ المنهيِّ عنهُ. قراءة سورة ق في الخطبة ٩/ ٤٢٢ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بن النعمانِ ﵄) هي الأنصاريةُ، رَوَى عنها حبيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنُ يسافٍ، قالَ أحمدُ بنُ زهيرٍ: سمعتُ أبي يقولُ: أمُّ هشامٍ بنتُ حارثةَ بايعتْ بيعةَ الرضوانِ. ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ (٣) ولم يذكر اسمَها، وذكرَها المصنّفُ في التقريبِ (٤) ولم يسمِّها أيضًا، وإنَّما قالَ: صحابيةٌ مشهورةٌ. (قالتْ: ما أخذتُ ق والقرآنِ المجيدِ إلَّا عن لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، يقرؤُها كلَّ جمعةٍ على المنبرِ إذا خطبَ الناسَ. رواهُ مسلمٌ). فيه دليلٌ على مشروعيةِ قراءةِ سورةِ ق في الخطبةِ كلَّ جمعةٍ، قالَ
следующие страницы →