← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 822–861 · переход к 827.

стр. 822

(فائدةٌ): تسليمُ الخطيبِ على المنبرِ على الناسِ فيهِ حديثٌ أخرجهُ الأثرمُ بسندهِ (١) عن الشعبيِّ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا صعدَ المنبرَ يومَ الجمعةِ استقبلَ الناسَ فقالَ: السلامُ عليكمْ" الحديثَ، وهوَ مرسلٌ، وأخرجَ ابنُ عديٍّ (٢): "أنهُ كانَ إذا دَنَا من منبرهِ سلَّمَ على مَنْ عندَ المنبرِ ثمَّ صعدَ، فإذا استقبلَ الناسَ بوجههِ سلَّم ثمَّ قعدَ"، إلَّا أَنَّهُ ضعَّفَهُ ابنُ عديٍّ بعيسى بن عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، وضعَّفهُ به ابنُ حبانَ (٣). كيف كان يخطب النبيّ ﷺ - ٧/ ٤٢٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٥): كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ - وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٦): "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ"، وَلِلنَّسَائِي (٧): "وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ". [صحيح] (وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خطبَ احمرَّتْ عيناهُ وعلا صوتُه واشتدَّ غضبهُ، حتَّى كأنهُ منذرُ جيشٍ يقولُ: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقولُ: أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وخيرَ الهَدْي هديُ محمدٍ). قالَ النوويُّ (٨): ضبطناهُ في مسلمٍ (٨) بضمِّ الهاءِ، وفتحِ الدالِ فيهما، وبفتحِ الهاءِ، وسكونِ الدالِ

стр. 823

فيهمَا، وفسّرهُ الهرويُّ (١) على روايةِ الفتحِ بالطريقِ، أي: أحسنَ الطريقِ طريقُ محمدٍ، وعلى روايةِ الضمِّ معناهُ الدلالةُ والإرشادُ، وهو الذي يضافُ إلى الرسلِ وإلى القرآنِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (٢)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ (٣)، وقد يضافُ إليهِ تعالى، وهوَ بمعنَى اللطفِ والتوفيق والعصمة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٤) الآيةَ. (وشرَّ الأمورِ محدثاتُها)، المرادُ بالمحدَثاتِ ما لم يكن ثابتًا بشرعٍ منَ الله ولا مِن رسولهِ، (وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) البدعةُ لغةً: ما عُمِلَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، والمرادُ بها هنا: ما عُمِلَ مِن دونِ أن يسبقَ لهُ شرعيةٌ من كتابٍ ولا سنةٍ، (رواهُ مسلمٌ). وقد قسَّمَ العلماءُ البدعةَ خمسةَ أقسامٍ: واجبةٌ: كحفظِ العلويم بالتدوينِ، والردِّ على الملاحدةِ بإقامةِ الأدلةِ، ومندوبةٌ: كبناءِ المدارسِ، ومباحةٌ: كالتوسعة في ألوانِ الأطعمةِ وفاخرِ الثيابِ، ومحرَّمةٌ ومكروهةٌ: وهما ظاهرانِ، فقولُه: "كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ" (٥) عامٌّ مخصوصُ.

стр. 824

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يستحبُّ للخطيبِ أنْ يرفعَ بالخطبةِ صوتَه، ويجزلَ كلامَهُ، ويأتي بجوامعِ الكلم منَ الترغيبَ والترهيبَ، ويأتي بقول: (أما بعدُ)، وقد عقدَ البخاريُّ بابًا في استحبابِها (١)، وذكرَ فيهِ جملةً منَ الأحاديثِ، وقد جمعَ الرواياتِ التي فيها ذكرُ "أما بعدُ" لبعضِ المحدِّثينَ، وأخرجَها عن اثنينِ وثلاثينَ صحابيًا، وظاهرهُ أنهُ كانَ ﷺ يلازمُها في جميعِ خُطَبِهِ، وذلكَ بعدَ حمدِ اللَّهِ والثناءِ [عليه] (٢) والتشهُّدِ، كما تفيدُه الروايةُ المشارُ إليها بقولهِ: (وفي روايةٍ له)، أي: لمسلمٍ عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ: (كانت خطبة النبيِّ ﷺ يومَ الجمعةِ، يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ، ثمَّ يقولُ على أثر ذلكَ وقد علا صوتُه) حذفَ المقولَ اتّكالًا على ما تقدمَ، وهوَ قولُهُ: "أما بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ" إلى آخرهِ [ما تقدمَ] (٣)، ولم يذكرِ الشهادةَ اختصارًا لثبوتِها في غيرِ هذهِ الروايةِ، فقد ثبتَ أنهُ ﷺ قالَ: "كلُّ خُطْبَةٍ ليسَ فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماءِ" (٤)، وفي "دلائلُ النبوةِ" للبيهقي (٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا حكايةً عن اللَّهِ : "وجعلتُ أمَّتَكَ لا يجوزُ لهم خطبةٌ حتَّى يشهدُوا أنكَّ عبدي ورسولي"، وكانَ يذكرُ في تشهدهِ نفسَه باسمِهِ العَلَمِ. (وفي رواية لهُ) أي: لمسلم عن جابر: (من يهدِ اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ له) أي: أنهُ يأتي بهذهِ الألفاظِ بعدَ "أما بعدُ"، (وللنسائيِّ) أي: عن جابرٍ: (وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ) أي: بعد قولِه: "كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" كما هوَ في النسائي، واختصرهُ المصنفُ، والمرادُ صاحبُها. وكانَ يعلمُ أصحابهُ في خطبتهِ قواعدَ الإسلامِ وشرائعَه، ويأمرُهم وينهاهُمْ

стр. 825

في [خطبته] (١) إذا عرضَ لهُ أمرٌ، أو نهيٌ كما أمرَ الداخلَ - وهو يخطبُ - أن يصلِّيَ ركعتينِ، ويذكرُ معالمَ الشرائعِ في الخطبةِ، والجنةَ، والنارَ، والمعادَ، ويأمرُ بتقوى اللَّهِ، ويحذرُ من غضبه، ويرغِّبُ في موجباتِ رضاهُ، وقد وردَ قراءةُ آيةٍ في حديثِ مسلمٍ (٢): "كانَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خطبتانِ يجلسُ بينَهما يقرأُ القرآنَ، ويذكِّرُ الناسَ ويحذرُ"، وظاهرُه محافظتُه ﷺ على ما ذكرَ في الخطبةِ، ووجوبُ ذلكَ؛ لأنَّ فعلَه بيانٌ لما أُجْمِلَ في آيةِ الجمعةِ. وقد قالَ ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٣)، وقد ذهبَ إلى هذا الشافعيُّ، وقالتِ الهادويةُ: لا يجبُ في الخطبةِ إلَّا الحمدُ والصلاةُ على النبيّ ﷺ في الخطبتينِ جميعًا، وقالَ أبو حنيفةَ: يكفي سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. وقالَ مالكٌ: لا يجزي إلَّا ما يسمَّى خطبة (٤). تطويل الصلاة وتقصير الخطبة علامة فقه الرجل ٨/ ٤٢١ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعن عمَّارِ بن ياسرٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خطبتهِ مَئِنَّةٌ) بفتحِ الميمِ، ثمَّ همزةٌ مكسورةٌ، ثمَّ نونٌ مشددةٌ، أي: علامةٌ (من فقههِ) أي: مما يعرفُ بهِ فقهُ الرجلِ، وكلُّ شيءٍ دلَّ على شيءٍ فهو مئنةٌ لهُ، (رواهُ مسلمٌ). وإنَّما كانَ قصرُ الخطبةِ علامةً على فقهِ الرجلِ؛ لأنَّ الفقيهَ هوَ المطلعُ على حقائقِ المعاني، وجوامعِ الألفاظِ، فيتمكّن منَ التعبيرِ بالعبارةِ الجزلةِ المفيدةِ،

стр. 826

ولذلكَ كانَ من تمامِ رواية هذا الحديثِ: "فأطيلُوا الصلاةَ، واقصرُوا الخطبةِ، وإنَّ منَ البيانِ لسِحرًا"، فشبَّهَ الكلامَ العاملَ في القلوبِ الجاذبَ للعقولِ بالسحرِ، لأجلِ ما اشتملَ عليهِ من الجزالةِ، وتناسقِ الدلالةِ وإفادةِ المعاني الكثيرةِ، ووقوعِهِ في مجازِهِ من الترغيبِ والترهيب ونحو ذلك، ولا يقدرُ عليهِ إلَّا مَنْ فقِه [في المعاني] (١) وتناسقِ دلالتها، فإنهُ يتمكّنُ منَ الإتيانِ بجوامعِ الكلمِ، وكانَ ذلكَ من خصائصهِ ﷺ ؛ فإنهُ أُوتِي جوامعَ الكلمِ. والمرادُ من طولِ الصلاةِ الطولُ الذي لا يدخلُ فاعلُه تحتَ النهي، وقد كانَ يصلِّي ﷺ الجمعةَ بالجمعةِ، والمنافقينَ، وذلكَ طولٌ بالنسبة إلى خطبتهِ، وليسَ بالتطويلِ المنهيِّ عنهُ. قراءة سورة ق في الخطبة ٩/ ٤٢٢ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بن النعمانِ ﵄) هي الأنصاريةُ، رَوَى عنها حبيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنُ يسافٍ، قالَ أحمدُ بنُ زهيرٍ: سمعتُ أبي يقولُ: أمُّ هشامٍ بنتُ حارثةَ بايعتْ بيعةَ الرضوانِ. ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ (٣) ولم يذكر اسمَها، وذكرَها المصنّفُ في التقريبِ (٤) ولم يسمِّها أيضًا، وإنَّما قالَ: صحابيةٌ مشهورةٌ. (قالتْ: ما أخذتُ ق والقرآنِ المجيدِ إلَّا عن لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، يقرؤُها كلَّ جمعةٍ على المنبرِ إذا خطبَ الناسَ. رواهُ مسلمٌ). فيه دليلٌ على مشروعيةِ قراءةِ سورةِ ق في الخطبةِ كلَّ جمعةٍ، قالَ

стр. 827

العلماءُ: وسببُ اختيارهِ ﷺ هذه السورةَ لِمَا اشتملتْ عليهِ من ذكرِ البعثِ والموتِ والمواعظِ الشديدةِ والزواجرِ الأكيدةِ. وفيهِ دلالةٌ لقراءةِ شيءٍ منَ القرآنِ في الخطبةِ كما سبقَ، وقدْ قامَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ قراءةِ السورةِ المذكورةِ ولا بعضِها في الخطبةِ، [وكانتْ] (١) محافظتُه على هذهِ السورةِ اختيارًا منهُ لما هوَ الأحسنُ في الوعظِ والتذكيرِ. وفيهِ دلالةٌ على ترديدِ الوعظِ في الخطبة. النهي عن الكلام حال الخطبة ١٠/ ٤٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) مَرْفُوعًا. [حسن لغيره] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : مَنْ تكلَّمَ يومَ الجمعةِ - والإمامُ يخطبُ - فهوَ كمثلِ الحمارِ يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصتْ ليستْ له جمعةٌ. رواهُ أحمدُ بإسنادٍ لا بأسَ بهِ)، ولهُ شاهدٌ قويٌّ في جامعِ حمادٍ مرسلٌ (٤)، (وهوَ) أي: حديثُ ابن عباسٍ (يفسِّرُ) الحديثَ.

стр. 828

١١/ ٤٢٤ - "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ" (١). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ في الصحيحينِ مرفوعًا: إذا قلتَ لصاحبِكَ أنصتْ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ، فقدْ لغوتَ)، في قوله: "يَومَ الجمعةِ" دلالةٌ على أن خطبةَ غيرِ الجمعةِ ليستْ مثلَها يُنْهَى عن الكلامِ حالَها، وقولُه: "والإمامُ يخطبُ" دليل على أنهُ يختصُّ النهيُ بحالِ الخطبةِ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ قالَ: إنهُ يُنْهَى عن الكلامِ من حالِ خروجِ الإمامِ. وأمّا الكلامُ [حالَ] (٢) جلوسِه بينَ الخطبتينِ فهوٍ غير خاطبٍ، فلا يُنْهَى عن الكلامِ حالَه، وقيلَ: هوَ وقتٌ يسيرٌ يُشَبَّهُ بالسكوتِ للتنفسِ فهوَ في حكمِ الخاطب، وإنَّما شبَّههُ بالحمارِ يحملُ أسفارًا لأنهُ فاتهُ الانتفاعُ بأبلغ نافعٍ، وقدْ تكلَّفَ المشقةَ وأتعبَ نفسهُ في حضورِ الجمعةِ، والمشبَّهُ بهِ كذلكَ فاتَهُ الانتفاعُ بأبلغِ نافعٍ معَ تحمُّلِ التعبِ في استصحابهِ. وفي قولهِ: "ليستْ لهُ جمعةٌ" دليلٌ على أنهُ لا صلاةَ لهُ، فإنَّ المرادَ بالجمعةِ الصلاةُ، إلَّا أنَّها تجزئُهُ إجماعًا، فلا بدَّ من تأويلِ هذَا بأنهُ نفيٌ للفضيلةِ التي يحوزُها مَنْ أنصتَ، وهوَ كما في حديثِ ابن عمرَ الذي أخرجهُ أبو داودَ (٣)، وابنُ خزيمةَ (٤) بلفظِ: "مَنْ لغا وتخطَّى رقابَ الناسِ كانتْ لهُ ظُهرًا"، قال ابنُ وهبٍ، أحدُ رواتهِ: معناهُ أجزأتْهُ الصلاةُ وحُرِمَ فضيلةَ [الجماعةِ] (٥). وقدِ احتَجَّ بالحديثِ مَنْ قال بحرمةِ الكلامِ حالَ الخطبةِ، وهمُ الهادويةُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وروايةٌ عن الشافعي، فإنَّ تشبيهَهُ بالمشبهِ بهِ المستنكرِ، وملاحظةَ وجهِ الشبهِ يدلُّ على قبحِ ذلكَ، وكذلكَ نسبتُه إلى فواتِ الفضيلةِ الحاصلةِ بالجمعةِ ما ذاكَ إلَّا لما يلحقُ المتكلمَ مِنَ الوزرِ الذي يقاومُ الفضيلةَ مُحبطًا لها، وذهبَ القاسمُ، وابنا الهادي، وأحدُ قولَيْ أحمدَ والشافعي إلى

стр. 829

التفرقةِ بينَ مَنْ يسمعُ الخطبةَ ومَنْ لا يسمعُها (١)، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢) الإجماعَ على وجوبِ الإنصاتِ على مَنْ يسمعُ خطبةَ الجمعةِ إلَّا عن قليلٍ منَ التابعينَ. وقولُه: (إذا قلتَ لصاحبكَ أنصتْ فقد لغوتَ) [تأكيدٌ] (٣) في النهيِ عن الكلام؛ لأنهُ إذا عُدَّ منَ اللغوِ وهوَ أمرٌ بمعروفٍ فأَوْلَى غيرُه، فعلَى هذا يجبُ [عليهِ] (٤) أَن يأمرَه بالإشارةِ [إنْ] (٥) أمكنَ ذلكَ، والمرادُ بالإنصاتِ قيلَ: من مكالمةِ الناسِ، فيجوزُ على هذا الذكرُ وقراءةُ القرآنِ، والأظهرُ أن النهيَ شاملٌ للجميعِ، ومَنْ فرَّقَ فعليهِ الدليلُ، فمثلُ جوابِ التحيةِ والصلاةِ على النبيِّ ﷺ عندَ ذكرِه عندَ مَنْ يقولُ بوجوبها، فقد تعارضَ فيهِ عمومُ النهي هنا، وعمومُ الوجوبِ فيهما، وتخصيصُ أحدِهما لعمومِ الآخرِ تحكُّمٌ من دونِ مرجِّع. واختلفُوا في معنَى قولهِ: "لغوتَ"، والأقربُ ما قالهُ ابنُ المنيِّرِ أن اللغوَ ما لا يحسنُ، وقيلَ: بطلتْ فضيلةُ جُمُعَتِك وصارتْ ظهرًا. تحية المسجد والإمام يخطب ١٢/ ٤٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "صَلَّيتَ"؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَينِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وعن جابرٍ ﵁ قالَ: دخلَ رجل يومَ الجمعةِ والنبيُّ ﷺ يخطبُ، فقالَ: صليتَ؟ قالَ: لا، قالَ: قُمْ صلِّ ركعتينِ. متفقٌ عليهِ)، الرجلُ هوَ: سُليكُ الغطفاني، سمَّاهُ في

стр. 830

روايةِ مسلمٍ (١)، وقيلَ: غيرُهُ، وحذفتْ همزةُ الاستفهامِ من قولهِ: "صلَّيتَ"، وأصلُهُ أصليتَ، وفي مسلمٍ (٢) قالَ لهُ: "أصليتَ"، وقد ثبتَ في بعضِ طرقِ البخاريِّ. وسُليكٌ بضمِّ السينِ المهملةِ، بعدَ اللامِ مثناةٌ تحتيةٌ، مصغرٌ، الغطفاني بفتحِ الغينِ المعجمةِ، فطاءٍ مهملةٍ بعدَها فاءٌ. وقولُه: "صلِّ ركعتينِ"، وعندَ البخاريِّ وصفَهما بخفيفتينِ (٣)، وعندَ مسلمٍ (٤): "وتجوَّز فيهمَا". وبوَّبَ البخاريُّ لذلكَ بقولهِ: (بابُ مَنْ جاءَ والإمامُ يخطبُ يصلِّي ركعتينِ خفيفتينِ) (٥). وفي الحديثِ دليلٌ على أن تحيةَ المسجدِ تُصَلَّى حالَ الخطبةِ، وقد ذهبَ إلى هذا طائفةٌ منَ الآلِ والفقهاءِ والمحدِّثينَ، ويخفِّفهُما [ليفرغَ] (٦) لسماعِ الخطبةِ. وذهبَ جماعةٌ من السلفِ والخلفِ إلى عدمِ شرعيتهمَا حالَ الخطبةِ، والحديثُ هذا حجةٌ عليهمْ، وقد تأوَّلُوهُ بأحدَ عشرَ تأويلًا، كلُّها مردودةٌ، سردَها [الحافظ] (٦) المصنفُ في [فتح الباري] (٧) بردودِها، [ونقلها] (٨) [ذلك] (٩) الشارحُ [﵀ في الشرحِ] (١٠)، واستدلُّوا بقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١١)، ولا دليلَ في ذلكَ؛ لأنَّ هذا خاصٌّ وذلكَ عام، ولأنَّ الخطبةَ ليستْ قرآنًا. [وبأنهُ] (١٢) ﷺ نَهَى الرجلَ أنْ يقولَ لصاحبهِ والخطيبُ يخطبُ: "أنصتْ"، [وهو] (١٣) أمرٌ بمعروفٍ، وجوابهُ أن هذا أمرُ الشارعِ، وهذَا أمرُ الشارعِ، فلا تعارضَ بينَ أمرَيْه، بلِ القاعدُ ينصتُ والداخلُ يركعُ التحيةَ.

стр. 831

وبإطباقِ أهلِ المدينةِ خَلَفًا عن سلفٍ على منعِ النافلةِ حالَ الخطبةِ، وهذَا الدليلُ للمالكيةِ، وجوابهُ أنهُ ليسَ إجماعُهم حجةً لو أجمعُوا كما عُرفَ في الأصولِ، على أنهُ لا يتمُّ دعوى [إجماعِهم] (١)، فقد أخرجَ الترمذيُّ (٢)، وابنُ خزيمةَ وصحَّحهُ (٣) أن أبا سعيدٍ أتَى ومروانُ يخطبُ فصلَّاهُما، فأرادَ حرسُ مروانَ أن يمنعُوهُ فأبَى حتَّى صلَّاهما [ثمَّ قالَ] (٤): ما كنتُ لأدعَهما بعدَ أنْ سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يأمرُ بهمَا. وأمَّا حديثُ ابن عمرَ عندَ الطبرانيِّ في الكبيرِ (٥) مرفوعًا بلفظِ: "إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ والإمامُ يخطبُ فلا صلاةَ ولا كلامَ حتَّى يفرغَ الإمامُ"؛ ففيهِ أيوبُ بنُ نهيكٍ متروكٌ، وضعَّفهُ جماعةٌ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ (٦) وقالَ: يخطئُ. وقد أُخِذَ منَ الحديثِ أنهُ يجوزُ للخطيب أنْ يقطعَ الخطبةَ باليسيرِ منَ الكلامِ، وأجيبَ عنهُ بأنَّ هذا الذي صدرَ منهُ ﷺ من جملةِ الأوامرِ التي شُرِعَتْ لها الخطبةُ، وأمرُهُ ﷺ بهَا دليلٌ على وجوبها، وإليهِ ذهبَ البعضُ. وأمَّا مَنْ دخلَ الحرمَ في غيرِ حالِ الخطبةِ، فإنهُ يشرعُ لهُ الطوافُ فإنهُ تحيتهُ، أو لأنهُ في الأغلبِ لا يقعدُ إلَّا بعدَ صلاةِ ركعتي الطوافِ، وأما صلاتُها قبلَ صلاةِ العيدِ فإنْ كانتْ صلاةُ العيدِ في جبَّانةٍ غيرِ مسبَلةٍ فلا يشرعُ لها التحيةُ مطلقًا، وإنْ كانت في مسجدٍ فتشرعُ، وأما كونهُ ﷺ لما خرجَ إلى صلاتهِ لم يصلِّ قبلَها شيئًا فذلكَ لأنهُ حالَ قدومهِ اشتغل بالدخولِ في صلاةِ العيدِ، ولأنهُ كانَ يصلِّيها في الجبانةِ ولم يصلِّها إلّا مرةً واحدةً في مسجدهِ ﷺ ، فلا دليلَ [فيهِ] (٧) على أنَّها لا تشرعُ لغيرهِ ولو كانت [صلاة] (٧) العيد في مسجدٍ. ما يقرأ في الجمعة والعيدين ١٣/ ٤٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ

стр. 832

الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يقرأ في صلاةِ الجمعةِ سورةَ الجمعةِ) في الأولى (والمنافقينَ) في الثانية [أي] (٢): بعدَ الفاتحةِ فيهما لما علمَ من غيرهِ (رواهُ مسلمٌ)، وإنَّما خصَّهما بهما لما في سورةِ الجمعةِ منَ الحثِّ على حضورِها والسعي إليها وبيانِ فضيلةِ بعثتهِ ﷺ ، [وذكرِ الأربعِ الحكمِ في بعثته ﷺ وهي: يتلو عليهم آياتهِ، ويزكّيهمْ، ويعلمُهمُ الكتابَ، والحكمة] (٣)، والحثِّ على ذكر الله، ولما في سورةِ المنافقينَ مِنْ توبيخِ أهلِ النفاقِ وحثِّهم على التوبةِ، ودعائِهم إلى طلبِ الاستغفارِ منْ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولأنَّ المنافقين يكثرُ اجتماعُهم في صلاتِها، ولما في آخرِها منَ الوعظِ والحثِّ على الصدقةِ. ١٤/ ٤٢٧ - وَلَهُ (٤) عَنِ النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةَ. [صحيح] (ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن النعمانِ بن بشيرٍ ﵁ كانَ يقرأ) أي: رسولُ اللَّهِ ﷺ (في العيدينِ) الفطرِ والأضْحَى أي: في صلاتِهما، (وفي الجمعةِ) أي: في صلاتِها (بسبِّحِ اسمَ ربك الأعلى) أي: في الركعةِ الأُولى بعدَ الفاتحةِ، (وهل أتاكَ حديث الغاشيةِ) أي: في الثانيةِ بعدَها، [وكأنهُ كانَ] (٥) يقرأُ ما ذكرُه ابنُ عباسٍ تارةً وما ذكرهُ النعمانُ تارةً، وفي سورةِ سبِّحْ والغاشيةِ منَ التذكيرِ بأحوالِ الآخرةِ والوعدِ والوعيدِ ما يناسبُ قراءتَهما في تلكَ الصلاةِ الجامعةِ، وقد وردَ في العيدينِ أنهُ كانَ يقرأ بـ "ق" و"اقتربتْ". الاكتفاءُ بالعيد عن الجمعة إذا اجتمعا ١٥/ ٤٢٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِيدَ، ثُمَّ

стр. 833

رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَال: "مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَة (٢). [صحيح بشواهده] (وعن زيدِ بن أرقمَ ﵁ قالَ: صلَّى النبيُّ ﷺ العيدَ) في يوم جُمُعَةٍ، (ثمَّ رخَّصَ في الجمعةِ) أي: في صلاتِها (ثمَّ قالَ: من شاءَ أنْ يصلِّي) أي: الجمعة (فليصلِّ) هذا بيانٌ لقولهِ رخصَ، وإعلامٌ بأنهُ كانَ الترخيصُ بهذا اللفظِ، (رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيِّ)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ. وأخرجَ أيضًا أبو داودَ (٣) من حديثِ أبي هريرةَ أنهُ ﷺ قالَ: "قد اجتمعَ في يومِكم هذا عيدانِ فمن شاءَ أجزأهُ عن الجمعةِ وإنَّا مُجمعونَ"، وأخرجهُ ابنُ ماجَهْ (٤)، والحاكمُ (٥) من حديثِ أبي صالحٍ، وفي إسنادهِ بقيةٌ (٦)، وصحَّحَ الدارقطنيُّ وغيرُه إرسالَه، وفي الباب عن ابن الزبيرِ (٧) من حديثِ عطاءٍ: "أنهُ تركَ ذلكَ، وأنهُ سُئِلَ ابنُ عباسٍ فقالَ: أَصابَ السنةَ". والحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ الجمعةِ بعدَ صلاةِ العيدِ تصيرُ رخصةً يجوزُ فعلُها وتركها، [وهوَ] (٨) خاصٌّ بمنْ صلَّى العيدَ دونَ مَنْ لم يصلَّها، وإلى هذا ذهبَ الهادي وجماعة إلَّا في حقِّ الإمامِ وثلاثةٍ معَه، وذهبَ الشافعيُّ وجماعة إلى أنَّها لا تصيرُ رخصةً مستدلّينَ بأنَّ دليلَ وجوبَها عامٌّ لجميعِ الأيامِ (٩)، وما ذكرَ منَ

стр. 834

الأحاديثِ والآثارِ لا يقوى على تخصيصِها لما في أسانيدِها منَ المقالِ. قلت: حديثُ زيدِ بن أرقمٍ قد صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، ولم يطعنْ غيرُه فيهِ، فهوَ يصلحُ للتخصيصِ، فإنهُ يُخَصُّ العامُّ بالآحادِ، وذهبَ عطاءُ إلى أنهُ يسقطُ فرضُها عن الجميعِ لظاهرِ قولهِ: "من شاءَ أنْ يصلِّي فليصلِّ"، ولفعلِ ابن الزبيرِ، فإنهُ صلَّى بهم في يومِ عيدٍ صلاةَ العيدِ يومَ الجمعةِ، قالَ عطاءٌ: ثمَّ جئْنا إلى الجمعةِ فلمْ يخرجْ إلينا فصلَّيْنَا وُحْدَانًا، قالَ: وكانَ ابنُ عباسٍ في الطائفِ، فلمَّا قدمَ ذكرَنا لَهُ ذلكَ، فقالَ: أصابَ السنةَ، وعندهُ أيضًا أنه يسقطُ فرضُ الظهرِ، ولا يصلِّي إلّا العصرَ. وأخرجَ أبو داودَ (١) عن ابن الزبيرِ: "أنهُ قالَ: عيدانِ اجتمعا في يومٍ واحدٍ فجمعَهما فصلاهُما ركعتينِ بكرةً لم يزدْ عليهما حتى صلَّى العصرَ"، وعلى القولِ بأنَّ الجمعةَ (الأصل) (٢) في يومِها، والظهرُ بدلٌ فهوَ يقتضي صحةَ هذا القولِ لأنهُ إذا سقطَ وجوبُ الأصلِ معَ إمكانِ أدائِه سقطَ البدلُ. وظاهرُ الحديثِ أيضًا حيثُ رخّصَ لهم في الجمعةِ، ولم يأمرهم بصلاةِ الظهرِ معَ تقديرِ إسقاطِ الجمعةِ للظهرِ يدلُّ على ذلكَ كما قالهُ الشارحُ، وأيَّدَ الشارحُ مذهبَ ابن الزبيرِ. قلت: [و] (٣) لا يَخْفَى أن عطاءً أخبرَ أنهُ لم يخرجِ ابنُ الزبيرِ لصلاةِ الجمعةِ، وليسَ ذلكَ بنصٍّ قاطعٍ أنهُ لم يصل الظهرَ في منزلهِ، فالجزمُ بأنَّ مذهبَ ابن الزبيرِ سقوطُ صلاةِ الظهرِ في يومِ [الجمعةِ] (٤) يكونُ عيدًا على مَنْ صلَّى صلاةَ العيدِ لهذهِ الروايةِ غيرُ صحيحٍ لاحتمالِ أنهُ صلَّى الظهرَ في منزلهِ، بلْ [في] (٥) قولِ عطاءٍ: إنَّهم صلَّوا وُحْدانًا - أي: الظهرَ - ما يشعرُ بأنهُ لا قائلَ بسقوطهِ، ولا يقالُ: إنَّ مرادَه صلَّوا الجمعةَ وحدانًا، فإنَّها لا تصحُّ إلا جماعةً إجماعًا، ثمَّ القولُ بأنَّ الأصلَ في يومِ الجمعةِ صلاةُ الجمعةِ، والظهرُ بدلٌ عنها قولٌ مرجوحٌ، بلِ الظهرُ هوَ الفرضُ الأصليُّ المفروضُ ليلةَ الإسراءِ، والجمعةُ متأخرٌ فرضُها، ثمَّ إذا فاتتْ وجبَ [صلاة] (٥)

стр. 835

الظهرِ إجماعًا، فهيَ البدلُ عنهُ، وقد حقَّقناهُ في رسالةٍ (١). التنفل بعد الجمعة ١٦/ ٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَها أَرْبَعًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إذا صلَّى أحدُكُم الجمعةَ فليصلِّ بعدَها أربعًا. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على شرعيةِ أربعِ ركعاتٍ بعدَ الجمعةِ، والأمرُ بها وإنْ كانَ ظاهرُه الوجوبَ إلَّا أنهُ أخرجهُ عنهُ ما وقعَ في لفظهِ من روايةِ ابن الصباحِ: "مَنْ كانَ مُصَلِّيًا بعدَ الجمعةِ فليصلِّ أربعًا"، أخرجهُ مسلمٌ (٣)، فدلَّ على أن ذلكَ ليسَ بواجبٍ، والأربعُ أفضلُ منَ الاثنتينِ لوقوعِ الأمرِ بذلكَ، وكثرةِ فعلهِ لها ﷺ ، قالَ في الهَدي النبوي (٤): "وكانَ ﷺ إذا صلَّى الجمعةَ دخلَ منزلَه [وصلَّى] (٥) ركعتينِ سنتَها، وأمرَ مَنْ صلَّاها أنْ يصلِّي بعدَها أربعًا"، قالَ شيخُنا ابنُ تيميةَ: إنْ صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيتهِ صلَّى ركعتينِ. قلت: وعلى هذا تدلُّ الأحاديثُ، وقد ذكرَ أبو داودَ (٦) عن ابن عمرَ "أنهُ كانَ إذا صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في بيتهِ صلَّى [ركعتين] (٧) "، وفي الصحيحينِ (٨) عن ابن عمرَ أنهُ ﷺ كانَ يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ في بيتهِ.

стр. 836

يفصلُ بين الفرض والتنفل بكلامٍ ونحوه ١٧/ ٤٣٠ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ أَنَّ مُعَاوِيةَ ﵁ قَالَ لَهُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذلِكَ: "أَنْ لَا توصل صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة السائب بن يزيد (وعنِ السائبِ بن يزيدَ ﵁ (٢) هو: أبو يزيدَ السائبُ بنُ يزيدَ الكندي في الأشهرِ، وُلد في الثانية منَ الهجرةِ، وحضرَ حجةَ الوداعِ معَ أبيهِ وهوَ ابنُ سبع سنينَ (أن معاويةَ قال: إذا صليتَ الجمعة فلا تَصِلْها) بفتحِ حرفِ المضارعةِ [منِ] (٣) الوصلِ (بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ) أي: منَ المسجدِ؛ (فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرَنَا بذلكَ أنْ لا نوصلَ صلاةً بصلاةٍ حتَّى نتكلم أو نخرجَ). أن وما [بعده] (٤): بدلٌ أو عطفُ بيانٍ من ذلكَ (رواهُ مسلمٌ). فيهِ مشروعيةُ فصلِ النافلةِ عن الفريضةِ وأنْ لا توصلَ بها، وظاهرُ النهي التحريمُ، وليسَ خاصًّا بصلاةِ الجمعةِ لأنهُ استدلَّ الراوي على تخصيصهِ بذكرِ صلاةِ الجمعةِ بحديثٍ يعمُّها وغيرَها. قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ لئلَّا يشتبهَ الفرضُ بالنافلةِ، وقد وردَ أن ذلكَ هَلَكَةٌ. وقد ذكرَ العلماءُ أنهُ يستحبُّ التحوُّلُ للنافلةِ من موضعِ الفريضةِ، والأفضلُ أن يتحوَّلَ إلى بيتهِ، فإنَّ فِعْلَ النوافلِ في البيوتِ أفضلُ، وإلَّا فإلى موضعٍ في المسجدِ أو غيرِه، وفيهِ تكثيرٌ لمواضعِ السجودِ، وقد أخرجَ أبو داودَ (٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "أيعجزُ أحدُكم أنْ يتقدَّمَ أو يتأخرَ، أو عن يمينهِ أو عنْ شمالهِ

стр. 837

في الصلاة، يعني السُّبْحَةَ"، ولمْ يضعِّفْه أبو داودَ، وقالَ البخاريُّ في صحيحهِ (١): ويُذْكَرُ عنْ أبي هريرةَ رفعُه: "لا يتطوعُ الإمامُ في مكانهِ"، ولم يصحَّ (٢) [النهيُ] (٣). فضل الاغتسال والتطيب والإنصات يوم الجمعة ١٨/ ٤٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأخرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اغتسلَ) أي: للجمعة؛ لحديثِ: "إذا أتَى أحدُكُم الجمعةَ فليغتسلْ" (٥)، أو مطلقًا (ثمَّ أتى الجمعةَ) أي: الموضعَ الذي تقامُ فيهِ كما يدلُّ لهُ قولُهُ: (فصلَّي) منَ النوافلِ (ما قُدِّرَ لهُ، ثم أنصتَ حتَّى يفرغَ الإمامُ من خطبتهِ، ثمَّ [يصلِّي] (٦) معهُ، غُفِرَ لهُ ما بينَه وبينَ الجمعةِ الأخرى وفضلُ) أي: زيادةُ (ثلاثةِ أيامٍ. رواهُ مسلمٌ). فيه دلالةٌ على أنهُ لا بدَّ في إحرازهِ لما ذكرَ منَ الأجرِ منَ الاغتسالِ إلَّا أن في روايةٍ لمسلمٍ (٧): "مَنْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثمَّ أتى الجمعةَ"، وفي هذهِ الروايةِ بيانُ أن غسلَ الجمعةِ ليسَ بواجبٍ، وأنهُ [لا بدَّ من النافلةِ] (٨) حسبَما

стр. 838

يمكنهُ فإنهُ لم يقدِّرْها بحدٍّ فيتمُّ لهُ هذا الأجرُ، ولو اقتصرَ على تحيةِ المسجدِ، وقولهُ: "أنصتْ" من الإنصاتِ وهو السكوتُ وهو غيرُ الاستماعِ إذْ هوَ الإصغاءُ لسماعِ الشيءِ، ولذَا قالَ تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١)، وتقدمَ الكلامُ على الإنصاتِ هل يجبُ أوْ لَا. وفيهِ دلالةٌ على أنَّ النهيَ عن الكلامِ إنَّما هوَ حالَ الخطبةِ لا بعدَ الفراغِ منها، ولو قبلَ الصلاةِ، فإنهُ لا نهيَ عنهُ كما دلتْ عليهِ "حتَّى"، وقولُهُ: "غفرَ لهُ ما بينَه وبينَ الجمعةِ" أي: ما بينَ صلاتِها وخطبتِها إلى مثل ذلكَ الوقتِ من الجمعةِ الثانيةِ، حتَّى يكونَ سبعةُ أيامٍ بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ، أي: غفرتْ لهُ الخطايا الكائنةُ فيما بينَهما، وفضلُ ثلاثةِ أيامٍ، وغفرتْ لهُ ذنوبُ ثلاثةِ أيامٍ معَ السبعِ حتَّى تكونَ عشرةً. وهلِ المغفورُ الصغائر والكبائرُ؟ الجمهورُ على [الصغائر] (٢) وأنَّ الكبائرَ [لا يغفرُها] (٣) إلَّا التوبةُ. إجابة الدعاء في ساعة الجمعة ١٩/ ٤٣٢ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْد مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٥): "وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ". (وعنه) أي: أبي هريرةَ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ ذكرَ يومَ الجمعةِ فقالَ: فيهِ ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ) جملةٌ حاليةٌ، أو صفةُ العبدِ، والواوُ لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ (يصلِّي) حالٌ ثانيةٌ (يسألُ اللَّهَ تعالى) حالٌ [ثالثةٌ] (٦) (شيئًا إلَّا أعطاهُ إياهُ، وأشارَ) أي: النبيُّ ﷺ (بيدهِ يقلِّلُها) [حال رابعة أي] (٧): يحقرُ وقتها (متفقٌ عليه، وفي روايةٍ لمسلمٍ: [وهي] ساعةٌ خفيفةٌ) هوَ الذي أفادهُ لفظُ يقلِّلُها في الأُولى،

стр. 839

وفيهِ إبهامُ الساعةِ، ويأتي تعيينُها. ومعنى "قائمٌ" أي: مقيمٌ لها متلبِّسٌ بأركانها لا بمعنَى: حال القيامِ فقط، وهذهِ الجملةُ ثابتةٌ في روايةِ جماعةٍ منَ الحفاظِ، [وأسقطتْ] (١) في روايةِ آخرينَ. وحُكِيَ عن بعضِ العلماءِ أنهُ كانَ يأمرُ بحذفِها منَ الحديثِ، وكأنهُ استشكل الصلاةَ؛ إذْ وقتُ تلكَ الساعةِ إذا [كانَ] (٢) من بعدِ العصرِ فهوَ وقتُ كراهةٍ للصلاةِ، وكذا إذا كانَ من حالِ جلوسِ الخطيبِ على المنبرِ إلى انصرافهِ. وقد تأولت هذهِ الجملةَ بأنَّ المرادَ: منتظرًا [للصلاةِ] (٣)، والمنتظرُ للصلاةِ في صلاةٍ كما ثبتَ في الحديثِ (٤). وإنَّما قلنا: إنَّ المشيرَ بيدهِ هوَ النبي ﷺ لما في رواية مالكٍ (٥): "فأشارَ النبي ﷺ "، وقيلَ: المشيرُ بعضُ الرواةِ، وأما كيفيةُ الإشارة فهوَ أنهُ وضعَ أنملتَهُ على بطنِ الوسطى والخنصر يبيِّنُ قلَّتَها، وقد أطلقَ السؤال هنا وقيّدَه في غيرهِ كما عند ابن ماجَهْ (٦): "ما لم يسألِ اللَّهَ إثمًا"، وعندَ أحمدَ (٧): "ما لم يسألْ إثمًا أو قطيعةَ رحمٍ". ٢٠/ ٤٣٣ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ مَا بَينَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨)، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْني أنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ. [موقوف]

стр. 840

ترجمة أبي بردة (وعن أبي بردةَ) بضمِّ الموحدة، وسكونِ الراءِ، ودالٍ مهملةٍ هوَ: عامرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن قيسٍ، وعبدُ اللَّهِ هوَ أبو موسى الأشعريُّ، وأبو بردةَ منَ التابعينَ المشهورينَ سمعَ أباهُ، وعليًا ﵇ وابنَ عمرَ وغيرَهم (عن أبيهِ) أبي موسى الأشعريِّ (قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: هيَ) أي: ساعةُ الجمعةِ (ما بينَ أنْ يجلسَ الإمامُ) أي: على المنبرِ (إلى أن تُقْضَى الصلاةُ. رواهُ مسلمٌ، ورجَّحَ الدارقطنيُّ أنهُ من قولِ أبي بردةَ). وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذهِ الساعةِ، وذكرَ المصنفُ في فتح الباري (١) عن العلماءِ ثلاثةً وأربعينَ قولًا، وسيشيرُ إليها، وسردَها الشارحُ ﵀ في الشرح، وهذا المرويُّ عن أبي موسى أحدُها، ورجَّحهُ مسلمٌ على ما رَوَى عنهُ البيهقيُّ (٢). وقالَ: هو أجودُ شيءٍ في هذا الباب وأصحُّهُ، وقالَ بهِ البيهقيُّ، وابن العربيِّ، وجماعةٌ، وقالَ القرطبي: هو نصٌّ في موضعِ الخلافِ فلا يلتفت إلى غيرهِ، وقالَ النوويُّ (٣): هوَ الصحيحُ بل الصوابُ، قالَ المصنفُ: وليسَ المرادُ أنَّها تستوعبُ جميعَ الوقتِ الذي عيَّنَ، بل تكونُ في أثنائِه لقولِه: "يقلِّلُها" وقولُه: "خفيفةٌ". وفائدةُ ذكرِ الوقتِ أنَّها تنتقلُ فيهِ فيكونَ ابتداءُ مَظَنَّتِهَا ابتداءَ الخطبةِ مثلًا، وانتهاؤُها انتهاءَ الصلاةِ، وأما قولُه: إنه رجحَ الدارقطنيُّ أن الحديثَ من قولِ أبي بردةَ فقدْ يجابُ عنهُ بأنهُ لا يكونُ إلَّا مرفوعًا، فإنهُ لا مسرحَ للاجتهادِ في تعيينِ أوقاتِ العباداتِ، ويأتي ما أعلُّهُ به الدارقطنيُّ قريبًا. ٢١ و ٢٢/ ٤٣٤ و ٤٣٥ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٤). [إسناده صحيح]

стр. 841

وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيِّ (٢): "أَنَّهَا مَما بَينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشمْسِ". [صحيح] وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتُهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ (٣). ترجمة عبد الله بن سلام (وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ) (٤) هوَ أبو يوسفَ بنُ سلامٍ، من بني قينقاعَ، إسرائيليٌّ من [ذريةِ] (٥) يوسفَ بن يعقوبَ ﵇ وهوَ أحدُ الأحبارِ وأحدُ مَنْ شهدَ لهُ النبي ﷺ بالجنةِ، رَوَى عنهُ ابناهُ يوسفُ ومحمدٌ، وأنسُ بنُ مالكٍ، وغيرُهم، ماتَ بالمدينةِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ، وسلامٌ بتخفيفِ اللامِ، قالَ المبرِّدُ: لم يكنْ في العربِ سلامٌ [بالتخفيفِ] (٦) غيرُهُ (عندَ ابن ماجهْ) لفظُهُ فيهِ: عن عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ قال: قلتُ: - ورسولُ اللَّهِ ﷺ جالسٌ - إنَّا لنجدُ في كتاب اللَّهِ - يعني التوراة -: في الجمعةِ ساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يصلِّي يسألُ اللَّهَ [فيها] (٧) شيئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ لهُ حاجتَه. قالَ عبدُ اللَّهِ: فأشارَ - أي رسولُ اللَّهِ ﷺ أو بعضَ ساعةٍ، قلتُ: صدقتَ يا رسولَ اللَّهِ: أو بعضَ ساعةٍ، قلتُ: أي ساعةٍ هي؟ قالَ: " [هيَ] (٧) آخرُ ساعةٍ من ساعاتِ النهارِ"، قلتُ: إنها ليستْ ساعةَ صلاةٍ، قالَ: "إنَّ العبد المؤمنَ إذا صلَّى ثمَّ جلسَ لا يُجْلِسُهُ إلَّا الصلاةُ فهوَ في صلاةٍ" (٨)، انتهَى.

стр. 842

(وعن جابرِ بن عبدِ الله، عند أبي داودَ والنسائي: أنَّها ما بينَ صلاةِ العصرِ [و] (١) غروبِ الشمس) فقولُه: "أنَّها" بفتحِ الهمزةِ مبتدأٌ خبرُه ما تقدمَ من قولهِ: "وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ: إلى آخرهِ"، ورجَّحَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذا القولَ. رواهُ عنهُ الترمذيُّ (٢)، وقالَ أحمدُ: أكثرُ الأحاديثِ على ذلكَ، وقالَ ابنُ عبدَ البرِّ: هوَ أثبتُ شيءٍ في هذا البابِ، روى سعيدُ بنُ منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن: "أن ناسًا منَ الصحابةِ اجتمعُوا فتذاكرُوا ساعةَ الجمعةِ، ثمَّ افترقُوا ولم يختلفُوا أنَّها آخرُ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ". ورجَّحهُ إسحاقُ وغيرهُ، وحكى أنهُ نصٌّ للشافعي. وقدِ استشكلَ هذا فإنهُ ترجيحٌ لغيرِ ما في الصحيحِ على ما فيهِ، والمعروفُ من علومِ الحديثِ وغيرِها أن ما في الصحيحينِ، أوْ [في] (٣) أحدِهما مقدَّم على غيرِه، والجوابُ أن ذلكَ حيثُ لم يكنْ حديثُ الصحيحينِ أوْ أحدِهما مما انتقدَهُ الحفاط، كحديثِ أبي موسى هذَا الذي في مسلمٍ (٤)؛ فإنهُ قد أُعِلَّ بالانقطاعِ والاضطرابِ: أمَّا الأولُ: فلأنهُ من روايةِ مخرمةَ بن بكيرٍ، وقد صرَّحَ أنهُ لم يسمعْ من أبيهِ، فليسَ على شرطِ مسلمٍ. وأمّا الثاني: فلأنَّ أهلَ الكوفةِ أخرجوهُ عن أبي بردةَ غير مرفوعٍ، وأبو بردةَ كوفيٌّ، وأهلُ [بلدتهِ] (٥) أعلمُ بحديثهِ من بكيرٍ، فلوْ كانَ مرفوعًا عندَ أبي بردةَ لم يقفوهُ عليهِ، ولهذا جزمَ الدارقطنيُّ بأنَّ الموقوفَ هو الصوابُ. وجمعَ ابنُ القيمِ (٦) بينَ حديثِ أبي موسى وابنِ سلامٍ بانَّ الساعةَ تنحصرُ في أحدِ الوقتينِ، وسبقهُ إلى هذا أحمدُ بنُ حنبلٍ. (وقد اختُلِفَ فيها على أكثر منْ أربعينَ قولًا أمليتُها في شرحِ البخاريِّ). تقدَّمتِ الإشارةُ إلى هذا، قالَ الخطابيُّ: اختُلِفَ فيها على قولينِ. فقيلَ: "قد

стр. 843

رفعتْ" وهو محكيٌّ عن بعضِ الصحابةِ، وقيلَ: "هي باقيةٌ" [و] (١) اختلفَ في تعيينها، ثمَّ سردَ الأقوالَ لم يبلغْ بها ما بلغَ بها المصنفُ من العددِ، وقدِ اقتصرَ المصنفُ ههنا على قولينِ كأنَّهما الأرجحُ عندَهُ دليلًا. وفي الحديث بيانُ فضيلةِ الجمعةِ لاختصاصِها بهذهِ الساعةِ. لا يثبت في العدد حديث ٢٣/ ٤٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعن جابرٍ ﵁) هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ ([قال] (٣): مضتِ السُّنَّةُ أن في كلِّ أربعينَ فصاعدًا جمعةٌ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وذلكَ أنهُ من روايةِ عبدِ العزيزِ بن عبدِ الرحمنِ، وعبدُ العزيز قالَ فيهِ أحمدُ (٤): اضربْ على أحاديثهِ فإنَّها كذبٌ أو موضوعةٌ. وقالَ النسائيُّ (٥): ليسَ بثقةِ، وقال الدارقطنيُّ (٦): منكرُ الحديثِ، وقالَ ابنُ حبانَ (٧): لا يجوزُ أن يحتجَّ بهِ، وفي البابِ أحاديثُ لا أصلَ لها، وقالَ عبدُ الحقّ: لا يثبتُ في العددِ حديثٌ. وقد اختلفَ العلماءُ في النصابِ [الذين بهم تقومُ] (٨) الجمعةُ: فذهبَ إلى وجوبها على الأربعينَ لا على مَنْ دونهم: عمرُ بنُ عبد العزيزِ، والشافعيُّ، وفي كونِ الإمامِ أحدَهم وجهانِ عندَ الشافعيةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ، والمؤيدُ باللَّهِ، وأبو طالبٍ إلى أنَّها تنعقدُ بثلاثةٍ معَ الإمامِ (٩)، وهوَ أقلُّ عددٍ تنعقدُ بهِ، فلا تجبُ إذا لم يتمَّ هذا القدرُ مستدلّينَ بقولهِ تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ (١٠)، قالُوا: والخطابُ للجماعةِ بعدَ النداءِ للجمعةِ، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فدلَّ على وجوبِ السعي على الجماعةِ

стр. 844

للجمعةِ بعدَ النداءِ لها، والنداءُ لا بدَّ لهُ من منادٍ فكانُوا ثلاثةً معَ الإمامِ، ولا دليلَ على اشتراطِ ما زادَ على ذلكَ، واعتُرِضَ بأنهُ لا يلزمُ من خطابِ الجماعةِ فعلُهم [لها] (١) مجتمعينَ، وقد صرحَ في البحرِ (٢) بهذا، واعترضَ بهِ أهلَ المذهب لما استدلُّوا بهِ للمذهبِ، ونقضَهُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) ﴿وَجَاهِدُوا﴾ (٤)، فإنهُ لا يلزمُ إيتاءُ الزكاةِ في جماعةٍ. قلت: والحقُّ أن شرطيةَ أي شيءٍ في أيِّ عبادةٍ لا يكونُ إلَّا عن دليلٍ، ولا دليلَ هنَا على تعيينِ عددٍ لا منَ الكتابِ ولا منَ السنّةِ، وإذْ قد علمَ أنَّها لا تكونُ صلاتُها إلَّا جماعة كما [قدْ] (٥) وردَ بذلكَ حديثُ أَبي موسى عندَ ابن ماجَهْ (٦)، وابنِ عديٍّ (٧)، وحديثُ أَبي أمامةَ عندَ أحمدَ (٨)، والطبراني (٩)، والاثنانِ أقلُّ ما تتمُّ به الجماعةُ لحديثِ: "الاثنانِ جماعةٌ" (١٠)، فتتمُّ بهم في الأظهرِ.

стр. 845

وقد سردَ الشارحُ الخلافَ والأقوالَ في كميةِ العددِ المعتبرِ في صلاةِ الجمعةِ فبلغتْ أربعةَ عشرَ قولًا، وذكرَ ما تشبَّثَ بهِ كلُّ قائلٍ من الدليلِ على ما ادّعاهُ بما لا ينهضُ حجةً على الشرطيةِ، ثمَّ قالَ: والذي نُقلَ من حالِ النبيِّ ﷺ أنهُ كانَ يصلِّيها في جمع كثيرٍ غيرِ موقوفٍ على عددِ يدلُّ على أن المعتبرَ هوَ الجمعُ الذي يحصلُ بهِ الشعارُ، ولا يكونُ إلَّا في كثرةٍ يغيظُ بها المنافقَ، ويكبتُ بها الجاحدَ، ويسرُّ بها المصدقَ، والآيةُ الكريمةُ دالّةٌ على الأمرِ بالجماعةِ، فلو وقفَ على أقلَّ ما دلّتْ عليهِ لم تنعقدْ (١). قلتُ: قد كتبنا رسالةً في شروطِ الجمعةِ التي ذكروها ووسَّعنَا [فيها] (٢) المقالَ والاستدلالَ، سمَّيْنَاهَا: اللمعةُ في تحقيقِ شرائطِ الجمعةِ (٣). ٢٤/ ٤٣٧ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. رَوَاهُ البَزَّارُ (٤) بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. [ضعيف] (وعن سمُرةَ بن جندبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يستغفرُ للمؤمنينَ والمؤمناتِ كلَّ جمعةٍ. رواهُ البزارُ بإسنادٍ لينٍ). قلتُ: قالَ البزارُ: لا نعلمُه عن النبيّ ﷺ إلَّا بهذا الإسنادِ، وفي إسنادِ البزارُ يوسفُ بنُ خالدٍ البستي وهوَ ضعيفٌ، ورواهُ الطبرانيُّ في الكبيرِ إلَّا أنهُ بزيادةِ: "والمسلمينَ والمسلماتِ"، وفيهِ دليل على مشروعيةِ ذلكَ للخطيبِ، لأنَّها موضعُ الدعاءِ. وقدْ ذهبَ إلى وجوبِ دعاءِ الخطيبِ لنفسهِ وللمؤمنينَ والمؤمناتِ أَبو طالبٍ، والإمامُ يحيى، وكأنَّهم يقولونَ: إنَّ مواظبتَه ﷺ دليلُ الوجوبِ كما يفيدُه: "كانَ يستغفرُ"، وقالَ غيرُهم: يندبُ ولا يجبُ لعدمِ الدليلِ على الوَجوبِ، وقالَ الشارحُ: والأولُ أظهرُ.

стр. 846

قراءة آيات من القرآن في الخطبة ٢٥/ ٤٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (٢). [حسن] (وعن جابرٍ بن سمُرةَ أن النبيَّ ﷺ كانَ في الخطبةِ يقرأُ آيات منَ القرآنِ يذكرُ الناسَ. رواهُ أَبو داودَ، وأصلُهُ في مسلمٍ)، كأنهُ يريدُ ما تقدمَ من حديثِ أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ (٣) أنَّها قالتْ: "ما أخذتُ قَ والقرآنِ المجيدِ إلَّا من لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، يقرأُها كلَّ جمعةٍ على المنبر"، ورَوَى الطبرانيُّ في الأوسطِ (٤) من حديثِ عليٍّ ﵇: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يقرأُ على المنبرِ قلْ يا أيّها الكافرونَ، وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ". وفيهِ رجلٌ مجهولٌ، وبقيةُ رجالِه موثقونَ، وأخرجَ الطبرانيُّ فيهِ أيضًا (٥) من حديثِ جابرٍ: "أنهُ خطبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فقرأ في خطبتهِ آخرَ الزُّمَرِ، فتحرك المنبرُ مرتينِ"، وفي رواته ضعيفانِ. الذين تسقط عنهم الجمعة ٢٦/ ٤٣٩ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٍّ، وَمَرِيضٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَقَالَ لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخرَجَهُ الْحَاكِمُ (٧) مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى. [صحيح]

стр. 847

ترجمة طارق بن شهاب (وعن طارقٍ بن شهابٍ) (١) بن عبدِ شمسٍ الأحْمَسِيّ البَجَليّ الكوفيّ، أدركَ الجاهليةَ ورأى النبيَّ ﷺ وليسَ لهُ منهُ سماعٌ، وغزَا في خلافةِ أَبي بكرٍ [وعمرَ] (٢) [ثلاثًا] (٣) وثلاثينَ، أو أربعًا وثلاثينَ غزوةً وسريةً (٤)، وماتَ سنةَ اثنتين وثمانينَ. (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلَّا أربعةً: مملوكٌ، وامرأةٌ، وصبيٌّ، ومريضٌ. رواهُ أَبو داودَ وقالَ: لم يسمعْ طارقٌ منَ النبيِّ ﷺ ) إلَّا أنهُ في سننِ أَبي داودَ بلفظِ: "عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ"، بلفظِ "أو" وكذا ساقهُ المصنفُ في التلخيصِ (٥)، ثمَّ قالَ أَبو داودَ: طارقٌ قد رأى النبيَّ ﷺ هوَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ولم يسمعْ منهُ شيئًا. انتهَى. (وأخرجهُ الحاكمُ [أيضًا] (٦) من روايةِ طارقٍ المذكورِ عن أَبي مُوسَى)، يريدُ المصنفُ أنهُ بهذا صارَ موصولًا، وفي البابِ عن تميمٍ الدَّاري (٧)، وابنِ عمرَ (٨)، ومولى لابنِ الزبيرِ (٩)، رواهُ البيهقيُّ، وحديثُ تميمٍ فيهِ أربعةُ أنفسٍ ضعفاءُ على

стр. 848

الولاءِ، قالهُ ابنُ القطانِ، وحديثُ ابن عمرَ أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (١) بلفظِ: "ليسَ على مسافرٍ جمعةٌ"، وفيهِ أيضًا (٢) من حديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: "خمسةٌ لا جمعةَ عليهم: المرأةُ، والمسافرُ، والعبدُ، والصبيُّ، وأهلُ الباديةِ". ٢٧/ ٤٤٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنِ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ليسَ على مسافرٍ جمعةٌ. رواهُ الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، ولم يذكرِ المصنفُ تضعيفَه في التلخيصِ، ولا [بيَّن] (٤) وجهَ ضعفِه، وإذا عرفتَ هذا فقدِ اجتمعَ منَ الأحاديثِ أنَّها لا تجبُ الجمعةُ على ستةِ أنفُسٍ: الصبيِّ، وهو متفقٌ على أنهُ لا جمعةَ عليهِ. والمملوكِ: وهوَ متفق عليهِ إلَّا عندَ داودَ فقالَ بوجوبها عليهِ لدخولهِ تحتَ عمومِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (٥)، فإنهُ تقرّرَ في الأصولِ دخولُ العبيدِ في الخطابِ، وأجيبَ عنهُ بأنهُ خصَّصتْهُ الأحاديثُ، وإنْ كانَ فيها مقالٌ، فإنهُ يقوي بعضُها بعضًا. والمرأةِ: وهوَ مجمعٌ على عدم وجوبها عليها. وقالَ الشافعي: يستحبُّ للعجائزِ حضورُها بإذنِ الزوجِ، [وفي] (٦) روايةِ البحر (٧) عنهُ أنهُ يقولُ بالوجوبِ عليهنَّ خلافَ ما هوَ مصرّحٌ بهِ في كتبِ الشافعيةِ (٨). والمريضِ: فإنهُ لا يجبُ عليه حضورُها إذا كانَ يتضرّرُ بهِ. والمسافرِ: لا يجبُ عليهِ حضورُها وهوَ يحتملُ أنْ يرادَ بهِ: مباشرُ السفرِ،

стр. 849

وأما النازلُ [فيجبُ] (١) عليهِ ولو نزلَ بمقدارِ الصلاةِ، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ وغيرُهم، وقيلَ: لا تجبُ عليهِ لأنهُ داخلٌ في لفظِ المسافرِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ أيضًا [وغيرهم] (٢)، وهوَ الأقربُ لأنَّ أحكامَ السفرِ باقيةٌ لهُ منَ القَصْرِ ونحوهِ، ولذا لم ينقلْ أنهُ ﷺ صلَّى الجمعةَ بعرفاتٍ في حجةِ الوداعِ لأنهُ كانَ مسافرًا. وكذلكَ العيدُ تسقطُ صلاتُه عن المسافرِ، ولذا لم يُرْوَ أنهُ ﷺ صلَّى صلاةَ العيدِ في حجّتهِ تلكَ، وقد وهمَ ابنُ حزمٍ (٣) ﵀ فقالَ: إنهُ صلّاها في حجتهِ وغلَّطَه العلماءُ. السادسُ: أهلُ الباديةِ، وفي النهايةِ (٤): أن الباديةَ تختصُّ بأهلِ العمدِ والخيامِ دونَ أهلِ القرى والمدنِ، وفي شرحِ العمدةِ أن حكمَ أهلِ القُرَى حكمُ أهلِ الباديةِ. ذكرهُ في شرحِ حديثِ: "لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ" (٥). استقبال الناس الخطيب بوجوههم ٢٨/ ٤٤١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [صحيح لغيره] - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (٧).

стр. 850

(وعن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا استَوى على المنبرِ استقبلناهُ بوجوهِنَا. رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، لأنَّ فيهِ محمدَ بن الفضلِ بن عطيةَ، وهو ضعيفٌ تفرَّدَ بهِ وضعفُه بهِ الدارقطنيُّ (١)، وابنُ عدي (٢)، وغيرُهما، (ولهُ شاهدٌ من حديثِ البراءِ عندَ ابن خزيمةَ ﵀)، لم يذكرْهُ الشارحُ، ولا رأيتهُ في التلخيصِ. والحديثُ يدلُّ على أن استقبالَ الناسِ الخطيبَ مواجهينَ لهُ أمرٌ مستمرٌّ، وهوَ في حكمِ المجمعِ عليهِ، وجزمَ بوجوبهِ أَبو الطيبِ منَ الشافعيةِ. وللهادويةِ احتمالانِ (٣) فيما إذا تقدمَ بعضُ المستمعينَ على الإمامِ، ولم يواجهوهُ يصحُّ أو لا يصحُّ، ونصَّ صاحبُ الأثمارِ أنهُ يجبُ على العددِ الذينَ تنعقدُ بهمُ الجمعةُ المواجهةُ دونَ غيرهم. اعتماد الخطيب على عصا ونحوها ٢٩/ ٤٤٢ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا أَوْ قَوْسٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤). [حسن]

стр. 851

(وعن الحكمِ بن حَزْنٍ) بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الزاي، فنونٍ، والحكمُ: قالَ ابنُ عبد البرِّ (١): إنهُ أسلَمَ عامَ الفتحِ، وقيلَ: يومَ اليمامةِ، وأبوهُ حزنُ بنُ أَبي وهبٍ المخزومي ([قال] (٢): شهدْنا الجمعةَ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقامَ متوكّئًا على عصًا أو قوسٍ. رواهُ أَبو داودَ)، تمامهُ في السننِ: فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ كلماتٍ خفيفاتٍ طيّباتٍ مباركاتٍ، ثمَّ قالَ: "أيها الناسُ إنكمْ لن تطيقُوا، أو لنْ تفعلُوا كلَّ ما أمرتُمْ بهِ، ولكنْ سدِّدُوا ويسِّروا"، وفي رواية: "وأبشرُوا"، وإسنادُه حسنٌ. وصحَّحهُ ابنُ السكن [وابن خزيمةَ] (٣)، وله شاهدٌ عندَ أَبي داودَ (٤) من حديثِ البراءِ: "أنهُ ﷺ [أُعطي يوم العيد قوسًا فخطبَ عليهِ" وطوَّله أحمد والطبراني، وصحَّحه ابن السكن، وأخرج الشافعي (٥) أنه ﷺ ] (٦) كان إذا خطب يعتمد على [عنَزةٍ لهُ] (٧)، والعنَزةُ: مثلُ نصفِ الرمحِ أوْ [أكبرُ] (٨)، فيها سنانٌ مثل سنانِ الرمحِ. وفي الحديثِ دليلٌ أنهُ يندبُ للخطيبِ الاعتمادُ على سيفٍ (٩) أو نحوهِ وقتَ

стр. 852

[الخطبةَ] (١)، والحكمةُ أن في ذلكَ ربطًا للقلبِ ولبعدِ (٢) يديهِ عن العبثِ، فإنْ لم يجدْ ما يعتمدُ عليهِ أرسلَ يديهِ أو وضعَ اليُمنى على [اليسرى] (٣)، أو على جانبِ المنبرِ، ويكرهُ دقُّ المنبرِ بالسيفِ إذْ لم يُؤْثَرْ فهوَ بدعةٌ. * * *

стр. 853

[الباب الثالث عشر] بابُ الصلاةِ الخوفِ غزوة ذات الرقاع وشرعية صلاة الخوف ١/ ٤٤٣ - عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ﵁ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لابْنِ مَنْدَهْ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ. [صحيح] ترجمة صالح بن خوات (عن صالحٍ بن خوَّاتٍ) (٢) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وتشديدِ الواوِ، فمثناةٍ فوقيةٍ، الأنصاريِّ المدنيِّ تابعيٌّ مشهورٌ، سمعَ جماعةً منَ الصحابةِ (عمَّنْ صلَّى مع

стр. 854

النبيُّ ﷺ ) في صحيحِ مسلمٍ (١) عن صالحٍ بن خواتٍ بن جبيرٍ، عن سهلِ بن أَبي حثمة فصرَّحَ بمن حدَّثهُ [في روايةٍ] (٢)، وفي روايةٍ أبهمَهُ كما هنَا، (يومَ ذات الرِّقاعِ) (٣) بكسرِ الراءِ، فقافٍ مخففةٍ، آخرَهُ عينٌ مهملةٌ، هوَ مكانٌ من نجدٍ بأرضِ غطفانَ، سميتْ الغزاةُ بذلك لأنَّ أقدامَهم نُقبتْ؛ فلفُّوا عليها الخِرقَ كما في صحيحِ البخاريّ (٤) من حديثِ أَبي موسى، وكانت في جمادى الأُولى في السنةِ الرابعةِ منَ الهجرةِ. (صلاةَ الخوفِ أن طائفة من أصحابهِ ﷺ [صفتْ] (٥) معهُ وطائفةً وِجَاهَ) بكسرِ الواوِ، فجيمٍ، مواجهةَ (العدوِّ، فصلَّى بالَّذينَ معة ركعةً، ثمَّ ثبتَ قائمًا وأتمُّوا لأنفسِهِمْ، ثمَّ انصرفُوا وصفُّوا) في مسلم: فصفُّوا بالفاءِ (وِجَاهَ العدوِّ، وجاءتِ الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهمُ الركعةَ التي بقيتْ، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسِهم، ثمَّ سلَّمَ بهمْ. متفقٌ عليه، وهذَا لفظُ مسلمٍ، ووقعَ في المعرفة) كتابٍ (لابنِ مَنْدَهْ) بفتحِ الميمِ، وسكونِ النونِ، فدالٍ مهملةٍ، إمامٍ كبيرٍ من أئمةِ الحديثِ (عن صالحِ بن خواتٍ عن أبيهِ)، أي: خواتٍ [بن جبير] (٦) وهو صحابيٌّ، فذكرَ المبهمَ وأنهُ أبوهُ، وفي مسلمٍ أنهُ مَنْ ذكرناهُ. واعلمْ أن هذهِ الغزاةَ كانت في الرابعةِ كما ذكرناهُ، وهو الذي قالهُ ابنُ إسحاقَ وغيرُه من أهلِ السِّيَرِ والمغازي، وتلقّاهُ الناسُ عنهم، قالَ ابنُ القيمِ: وهوَ مشكلٌ جدًّا، فإنهُ قد صَحَّ أن المشركينَ حَبَسُوا رسول اللهِ ﷺ يومَ الخندقِ عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ، فصلاهنَّ جميعًا، وذلكَ قبلَ نزولِ صلاةِ الخوفِ، والخندقُ بعدَ ذاتِ الرقاعِ سنةَ خمسٍ، قالَ: والظاهرُ أن أولَ صلاةِ صلَّاها رسولُ اللَّهِ ﷺ للخوفِ بعُسفانَ، ولا خلافَ بينَهم أن عسفانَ كانت بعدَ الخندقِ، وقد صحَّ عنهُ ﷺ أنهُ صلَّى صلاةَ الخوفِ بذاتِ الرِّقاعِ، فعُلمَ أنَّها بعدَ الخندقِ وبعدَ عسفانَ، وقد تبينَ لنا وَهْمُ أهل السِّيَر. انتهَى.

стр. 855

[ومَنْ] (١) يحتجُّ بتقديمِ شرعيتها على الخندقِ على روايةِ أهلِ السيرِ من يقولُ إنَّها لا تصلَّى [صلاة] (٢) الخوفِ في الحضرِ، ولِذَا لم يصلِّها النبيُّ ﷺ يومَ الخندقِ. وهذه الصفةُ التي ذكرت في الحديثِ في كيفيةِ صلاتِها واضحةٌ. وقد ذهبَ إليها جماعةٌ من الصحابةِ ومنَ الآلِ من بعدِهم، واشترطَ الشافعيُّ أنْ يكونَ العدوُّ في غيرِ جهةِ القبلةِ، وهذا في الثنائيةِ، وإنْ كانتْ ثلاثيةً انتظرَ في التشهّدِ الأولِ، وتُتِمُّ الطائفةُ الركعةَ الثالثةَ، وكذلكَ في الرباعيةِ إنْ قُلنا: إنَّها تصلَّى صلاةُ الخوفِ في الحضرِ، وينتظرُ في التشهّد أيضًا، وظاهرُ القرآن مطابقٌ لما دلَّ عليهِ هذا الحديثُ الجليلُ لقولهِ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٣)، وهذهِ الكيفيةُ أقربُ إلى موافقةِ المعتادِ منَ الصلاةِ في تقليل الأفعالِ المنافيةِ للصلاةِ ولمتابعةِ الإمامِ. صلاة الإمام بكل طائفة ركعة وقضاء كل طائفة ركعة ٢/ ٤٤٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازينَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعن ابن عمر ﵄ قال: غزوت مع رسول اللهِ ﷺ قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: جهة (نجد) نجد: كل ما ارتفع من بلاد العرب، (فوازينا) بالزاي

стр. 856

بعدها مثناة تحتية: قابلنا (العدو فصاففناهم، فقام رسول اللَّهِ ﷺ فصلّى بنا)، في المغازي من البخاري: أنها صلاة العصر، ثم لفظ البخاري: "فصلَّى لنا" باللام. قال المصنف في الفتح (١): أي: لأجلنا، ولم يذكر أن فيه رواية بالموحدة، وفيه "يصلي" بالفعل المضارع. (فقامت طائفةٌ معه وأقبلت طائفة على العدو، وركعَ بمن معه - ركعةً - وسجد سجدتين، ثمَّ انصرفوا) أي: الذين صلّوا معه، ولم يكونوا أتوا بالركعةِ الثانيةِ، ولا سلّموا من صلاتهم (مكان الطائفة التي لم تصلّ، فجاءوا فركع بهم ركعةً وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فقام كلّ واحدٍ منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. متَّفق عليه، وهذا لفظ البخاري). قال المصنّف: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، ويحتمل أنهم أتمّوا في حالة واحدة، ويحتمل أنّهم أتمّوا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلّا استلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجِّحه ما رواه أَبو داود (٢) من حديث ابن مسعود بلفظ: "ثم سلّم فقام هؤلاء، أي: الطائفة الثانية فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلّموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلّوا لأنفسهم ركعة ثم سلّموا". انتهى. والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، حتى لو كانوا ثلاثة جاز للإمام أن يصلّي بواحد، والثالث يحرس، ثم يصلّي مع الإمام، وهذا أقل ما تحصل به جماعة الخوف. وظاهر الحديث أن الطائفة الثانية والتي بين ركعتيها ثم أتت الطائفة الأولى بعدها، وقد ذهب إلى هذه الكيفية أَبو حنيفة ومحمد.

стр. 857

صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة ٣/ ٤٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، فَذكرَ الحَدِيثَ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ (٢): ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَواخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وعن جابرٍ ﵁ قالَ: شهدتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ، فصففنا صفّين: صفٌّ خلفَ رسول اللَّهِ ﷺ والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبيّ ﷺ ، وكبّرنا جميعًا، [ثم ركع وركعنا جميعًا] (٣)، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه)، أي: انحدر الصف الذي يليه وهو عطف على الضمير المتّصل من دون تأكيد لأنه قد وقع الفصل. (وأقام الصف المؤخَّر في نَحْرِ العَدُوِّ، فلما قضَى السجودَ قامَ الصفّ الذي يليهِ، فذكرَ الحديث) تمامه: "انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخّر الصف المقدم، ثم ركع النبيّ ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعةِ الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضَى النبيّ ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلَّم النبيّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا. وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم"، انتهى لفظ مسلم.

стр. 858

قوله: (وفي رواية) هي في مسلم عن جابر ﵁، وفيها تعيين القوم الذين حاربوهم ولفظها: "غزونا مع رسول اللَّهِ ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلّينا الظهر، قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول اللَّهِ ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول اللَّهِ ﷺ ، قال: وقالوا: إنها ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولى، فلما حضرت العصر" إلى أن قال: (ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني)، ثم تأخّر الصف الأول، وتقدّم الصف الثاني، [فذكر] (١) مثله"، قال: "فقاموا مقام الأول فكبّر رسول اللَّهِ ﷺ وكبّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصفّ الأول، وقام الثاني، فلما سجد [الصف] (٢) الثاني جلسوا جميعًا"، (وفي [أواخره] (٣) ثم سلَّم النبيّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا. رواه مسلم). الحديث دليلٌ على أنه إذا كان العدوّ في جهةِ القبلةِ، فإنه يخالفُ ما إذا لم يكن كذلك، فإنّها تمكنُ الحراسةُ مع دخولهم جميعًا في الصلاةِ، وذلكَ أن الحاجةَ إلى الحراسةِ إنما تكونُ في حالِ السجود فقط، فيتابعونَ الإمام في القيامِ والركوعِ ويحرسُ الصفّ المؤخّر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصف الأول، ويتقدم المؤخّر إلى محل الصف المقدَّم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين فيصحّ مع كل من الطائفتين المتابعة في سجدتين. والحديث يدلّ أنها لا تكون الحراسة إلّا حال السجود فقط دون حال الركوع، لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدوّ، وهذه الكيفيّة لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن صالح بن خوات (٤)، ولا رواية ابن عمرَ (٥)، إلَّا أنه قد يقال أنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال. ٤/ ٤٤٦ - وَلِأَبي دَاوُد (٦)، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، وَزَادَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ. [صحيح]

стр. 859

(ولأبي داودَ عن أَبي عياشٍ الزرقيِّ مثلُهُ) أي: مثلُ روايةِ جابرٍ هذهِ، (وزادَ) تعيينَ محلِّ الصلاةِ (أنَّها كانتْ بعُسْفَانَ) بضمِّ العينِ المهملةِ، وسكونِ السينِ المهملةِ، ففاء آخرهُ نونٌ، وهوَ موضعٌ على مرحلتينِ من مكةَ في القاموسِ (١). ٥/ ٤٤٧ - وَللنَّسَائِيِّ (٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. [صحيح] (وللنسائي من وجهٍ آخرَ) غيرِ الوجهِ الذي أخرجهُ منهُ مسلمٌ (عن جابر أن النبيَّ ﷺ صلَّى بطائفةٍ من أصحابهِ ركعتينِ، ثمَّ سلَّم، ثمَّ صلَّى بآخرين [أيضًا] (٣) ركعتين ثم سلَّم)، فصلَّى بإحداهما فرضًا، وبالأُخرى نَفْلًا [لهُ] (٤)، وعملَ بهذا الحسنُ البصريّ، وادّعى الطحاويُّ أنهُ منسوخٌ بناءً منهُ على أنهُ لا يصحُّ أنْ يصلّي المفترضُ خلف المتنفّلِ، ولا دليلَ على النسخِ. ٦/ ٤٤٨ - وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ (٥)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. [صحيح] (ومِثلُه لأبي داودَ عن أَبي بكرةَ)، وقالَ أَبو داودَ (٦): وكذلكَ في صلاة المغرب، فإنه يصلِّي ستَّ ركعاتٍ، والقومُ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 860

٧/ ٤٤٩ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حبَّان (٤). [صحيح] (وعن حذيفةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةَ الخوفِ بهؤلاء ركعةً، وبهؤلاءِ ركعةً ولمْ يقضُوا. ورواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبان)، ومثلُهُ: ٨/ ٤٥٠ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (٥)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. [صحيح] (عندَ ابن خزيمةَ عن ابن عباسٍ) وهذهِ الصلاةُ بهذه الكيفيةِ صلَّاها حذيفةُ "بطبرستانَ"، وكانَ الأميرُ سعيدُ بنُ العاصِ، فقالَ: "أيُّكم صلَّى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ؟ قالَ حذيفةُ: أنا، فصلَّى بهمْ هذه الصلاةَ"، وأخرجَ أَبو داودَ (٦)

стр. 861

عن ابن عمرَ، وزيد بن ثابتٍ (١) "قالَ [زيد] (٢): فكانتْ للقومِ ركعةً ركعة، وللنبيِّ ﷺ ركعتينِ". وأخرج (٣) عن ابن عباسٍ قالَ: "فرضَ اللَّهُ تعالى الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم ﵊ في الحضرِ أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوفِ ركعةً"، وأخذَ بهذا عطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وغيرُهم فقالُوا: يصلِّي في شدَّةِ الخوفِ ركعةً يومئُ إيماءً، وكانَ إسحاقُ يقولُ: تجزئُك عندَ المسايفةِ ركعةٌ واحدةٌ تومئُ لها إيماءً، فإنْ لم [تقدرْ] (٤) فسجدةٌ، فإنْ لم فتكبيرةٌ لأنَّها ذكرُ اللَّهِ. ٩/ ٤٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ (٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : صلاةُ الخوفِ ركعةٌ على أيّ وجهٍ كانَ. رواهُ البزارُ بإسنادٍ ضعيفِ)، وأخرجَ النسائيُّ (٦): "أنهُ ﷺ صلَّاها بذي قردٍ بهذهِ الكيفيةِ". وقالَ المصنفُ (٧): قد صحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه، وأما الشافعيُّ فقالَ: لا يثبتُ. والحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ الخوفِ ركعةٌ واحدةٌ في حقِّ الإمام والمأمومِ، وقد قالَ بهِ الثوريُّ وجماعةٌ، وقالَ بهِ منَ الصحابةِ أَبو هريرةَ وأبو موسى.
следующие страницы →