← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 857–896 · переход к 862.

стр. 857

صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة ٣/ ٤٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، فَذكرَ الحَدِيثَ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ (٢): ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَواخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وعن جابرٍ ﵁ قالَ: شهدتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ، فصففنا صفّين: صفٌّ خلفَ رسول اللَّهِ ﷺ والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبيّ ﷺ ، وكبّرنا جميعًا، [ثم ركع وركعنا جميعًا] (٣)، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه)، أي: انحدر الصف الذي يليه وهو عطف على الضمير المتّصل من دون تأكيد لأنه قد وقع الفصل. (وأقام الصف المؤخَّر في نَحْرِ العَدُوِّ، فلما قضَى السجودَ قامَ الصفّ الذي يليهِ، فذكرَ الحديث) تمامه: "انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخّر الصف المقدم، ثم ركع النبيّ ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعةِ الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضَى النبيّ ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلَّم النبيّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا. وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم"، انتهى لفظ مسلم.

стр. 858

قوله: (وفي رواية) هي في مسلم عن جابر ﵁، وفيها تعيين القوم الذين حاربوهم ولفظها: "غزونا مع رسول اللَّهِ ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلّينا الظهر، قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول اللَّهِ ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول اللَّهِ ﷺ ، قال: وقالوا: إنها ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولى، فلما حضرت العصر" إلى أن قال: (ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني)، ثم تأخّر الصف الأول، وتقدّم الصف الثاني، [فذكر] (١) مثله"، قال: "فقاموا مقام الأول فكبّر رسول اللَّهِ ﷺ وكبّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصفّ الأول، وقام الثاني، فلما سجد [الصف] (٢) الثاني جلسوا جميعًا"، (وفي [أواخره] (٣) ثم سلَّم النبيّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا. رواه مسلم). الحديث دليلٌ على أنه إذا كان العدوّ في جهةِ القبلةِ، فإنه يخالفُ ما إذا لم يكن كذلك، فإنّها تمكنُ الحراسةُ مع دخولهم جميعًا في الصلاةِ، وذلكَ أن الحاجةَ إلى الحراسةِ إنما تكونُ في حالِ السجود فقط، فيتابعونَ الإمام في القيامِ والركوعِ ويحرسُ الصفّ المؤخّر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصف الأول، ويتقدم المؤخّر إلى محل الصف المقدَّم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين فيصحّ مع كل من الطائفتين المتابعة في سجدتين. والحديث يدلّ أنها لا تكون الحراسة إلّا حال السجود فقط دون حال الركوع، لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدوّ، وهذه الكيفيّة لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن صالح بن خوات (٤)، ولا رواية ابن عمرَ (٥)، إلَّا أنه قد يقال أنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال. ٤/ ٤٤٦ - وَلِأَبي دَاوُد (٦)، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، وَزَادَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ. [صحيح]

стр. 859

(ولأبي داودَ عن أَبي عياشٍ الزرقيِّ مثلُهُ) أي: مثلُ روايةِ جابرٍ هذهِ، (وزادَ) تعيينَ محلِّ الصلاةِ (أنَّها كانتْ بعُسْفَانَ) بضمِّ العينِ المهملةِ، وسكونِ السينِ المهملةِ، ففاء آخرهُ نونٌ، وهوَ موضعٌ على مرحلتينِ من مكةَ في القاموسِ (١). ٥/ ٤٤٧ - وَللنَّسَائِيِّ (٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. [صحيح] (وللنسائي من وجهٍ آخرَ) غيرِ الوجهِ الذي أخرجهُ منهُ مسلمٌ (عن جابر أن النبيَّ ﷺ صلَّى بطائفةٍ من أصحابهِ ركعتينِ، ثمَّ سلَّم، ثمَّ صلَّى بآخرين [أيضًا] (٣) ركعتين ثم سلَّم)، فصلَّى بإحداهما فرضًا، وبالأُخرى نَفْلًا [لهُ] (٤)، وعملَ بهذا الحسنُ البصريّ، وادّعى الطحاويُّ أنهُ منسوخٌ بناءً منهُ على أنهُ لا يصحُّ أنْ يصلّي المفترضُ خلف المتنفّلِ، ولا دليلَ على النسخِ. ٦/ ٤٤٨ - وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ (٥)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. [صحيح] (ومِثلُه لأبي داودَ عن أَبي بكرةَ)، وقالَ أَبو داودَ (٦): وكذلكَ في صلاة المغرب، فإنه يصلِّي ستَّ ركعاتٍ، والقومُ ثلاثًا ثلاثًا.

стр. 860

٧/ ٤٤٩ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حبَّان (٤). [صحيح] (وعن حذيفةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةَ الخوفِ بهؤلاء ركعةً، وبهؤلاءِ ركعةً ولمْ يقضُوا. ورواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبان)، ومثلُهُ: ٨/ ٤٥٠ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (٥)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. [صحيح] (عندَ ابن خزيمةَ عن ابن عباسٍ) وهذهِ الصلاةُ بهذه الكيفيةِ صلَّاها حذيفةُ "بطبرستانَ"، وكانَ الأميرُ سعيدُ بنُ العاصِ، فقالَ: "أيُّكم صلَّى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ؟ قالَ حذيفةُ: أنا، فصلَّى بهمْ هذه الصلاةَ"، وأخرجَ أَبو داودَ (٦)

стр. 861

عن ابن عمرَ، وزيد بن ثابتٍ (١) "قالَ [زيد] (٢): فكانتْ للقومِ ركعةً ركعة، وللنبيِّ ﷺ ركعتينِ". وأخرج (٣) عن ابن عباسٍ قالَ: "فرضَ اللَّهُ تعالى الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم ﵊ في الحضرِ أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوفِ ركعةً"، وأخذَ بهذا عطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وغيرُهم فقالُوا: يصلِّي في شدَّةِ الخوفِ ركعةً يومئُ إيماءً، وكانَ إسحاقُ يقولُ: تجزئُك عندَ المسايفةِ ركعةٌ واحدةٌ تومئُ لها إيماءً، فإنْ لم [تقدرْ] (٤) فسجدةٌ، فإنْ لم فتكبيرةٌ لأنَّها ذكرُ اللَّهِ. ٩/ ٤٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ (٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : صلاةُ الخوفِ ركعةٌ على أيّ وجهٍ كانَ. رواهُ البزارُ بإسنادٍ ضعيفِ)، وأخرجَ النسائيُّ (٦): "أنهُ ﷺ صلَّاها بذي قردٍ بهذهِ الكيفيةِ". وقالَ المصنفُ (٧): قد صحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه، وأما الشافعيُّ فقالَ: لا يثبتُ. والحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ الخوفِ ركعةٌ واحدةٌ في حقِّ الإمام والمأمومِ، وقد قالَ بهِ الثوريُّ وجماعةٌ، وقالَ بهِ منَ الصحابةِ أَبو هريرةَ وأبو موسى.

стр. 862

واعلمْ أنهُ ذكرَ المصنفُ في هذا الكتابِ خمسَ كيفياتِ لصلاةِ الخوفِ. وفي سننِ أَبي داودَ ثماني كيفيّات منها هذه الخمسُ، وزادَ ثلاثا. وقالَ المصنفُ في فتح الباري (١): قد رُوِيَ في صلاةِ الخوفِ كيفياتٌ كثيرةٌ، ورجَّحَ ابنُ عبدِ البرِّ الكيفيةَ الواردةَ في حديثِ ابن عمرَ لقوةِ الإسنادِ، وموافقةِ الأصولِ في أن المؤتمَّ لا يتمَّ صلاتَهُ قبل الإمامَ. وقالَ ابنُ حزمٍ (٢): صحَّ منها أربعةَ عشرَ وجهًا، وقالَ ابنُ العربي (٣): فيها رواياتٌ كثيرةٌ أصحُّها ستَّ عشرةَ روايةً مختلفةً، وقال النوويُّ نحوَه في شرحِ مسلمٍ (٤)، ولم يبيّنْها. قالَ الحافظِ (٥): وقد بيَّنها شيخُنا الحافظُ أَبو الفضلِ في شرحِ الترمذيِّ، وزادَ وَجْهًا، فصارتْ [سبع عشرةَ] (٦)، ولكنْ يمكنُ أن [تتداخلَ] (٧)، وقالَ في الهدي النبويّ (٨): صلَّاها النبيُّ ﷺ عشر مراتٍ، وقال ابنُ العربي (٩): صلَّاها أربعًا وعشرينَ مرةً، وقالَ الخطابيُّ (١٠): صلَّاها النبيُّ ﷺ في أيام مختلفة بأشكالٍ متباينةٍ يتحرَّى ما هوَ الأحوطُ للصلاةِ، والأبلغُ في الحراسةِ، فهيَ على اختلاف صورتِها متّفقةُ المعنَى، انتهى. ١٠/ ٤٥٢ - وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: "لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ"، أَخْرَجَهُ الْدَّارَقُطْنِيُّ (١١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنهُ) أي: ابن عمرَ (مرفوعًا: ليسَ في صلاةِ الخوفِ سهوٌ. أخرجه

стр. 863

الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وهوَ معَ هذا موقوفٌ، قيلَ: ولم يقلْ بهِ أحدٌ من العلماءِ. شروط صلاة الخوف واعلمْ أنهُ قد شُرِطَ في صلاةِ الخوفِ شروطٌ، منها: السفرُ، فاشترطَهُ جماعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، ولأنهُ ﷺ لم يصلِّها في الحضرِ، وقالَ زيدُ بنُ عليٍّ، والناصرُ، والإمام يحيى، والحنفيةُ، والشافعيةُ: لا يشترطُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ] (٢)﴾ (٣) بناءً على أنهُ معطوفٌ على قولهِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فهوَ غيرُ داخلٍ في التقييدِ بالضربِ في الأرضِ، ولعلَّ الأولينَ يجعلونَهُ مقيَّدًا بالضربِ في الأرضِ، وأنَّ التقديرَ وإذا كنتَ فيهم معَ هذهِ الحالةِ التي هي الضربُ في الأرضِ. والكلامُ مُسْتَوْفًى في كتبِ التفسيرِ. ومنها: أنْ يكونَ آخرَ الوقتِ؛ لأنَّها بدلٌ عن صلاةِ الأمنِ لا تجزئُ إلَّا عندَ اليأسِ منَ المبدلِ [منهُ] (٢)، وهذهِ قاعدةٌ للقائلين بذلكَ، وهمُ الهادويةُ، وغيرُهم، يقولُ: تجزئُ أولَ الوقتِ لعمومِ أدلَّةِ الأوقاتِ. ومنها: حملُ السلاحِ حالَ الصلاةِ، اشترطَهُ داودُ، فلا تصحُّ الصلاةُ إلَّا بحملِهِ، ولا دليلَ على اشتراطِهِ، وأوجبَهُ الشافعيُّ والناصرُ للأمرِ بهِ في الآيةِ، ولهمْ في السلاحِ تفاصيلُ معروفةٌ. ومنها: أنْ لا يكونَ القتالُ محرمًا سواءٌ كانَ واجبًا عينًا أو كفاية. ومنها: أنْ يكون المصلّي مطلوبًا للعدوِّ لا طالبًا؛ لأنهُ إذا كانَ طالبًا أمكنَهُ أنْ يأتي بالصلاةِ تامّةً، أو يكون خاشيًا لكرِّ العدوِّ عليهِ، وهذهِ الشرائطُ مستوفاةٌ في الفروع، مأخوذةٌ من أحوالِ شرعيّتِها، وليستْ بظاهرةٍ في الشرطيةِ. واعلمْ أن شرعيةَ هذه الصلاةِ من أعظم الأدلّة على عظم شأن صلاةِ (٤) الجماعةِ.

стр. 864

[الباب الرابع عشر] بابُ صلاة العيدينِ يعتبر في ثبوت العيدين موافقة الناس ١/ ٤٥٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [صحيح لغيره] (عن عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : الفطرُ يومَ يفطرُ الناسُ، والأضْحى يومَ يضحِّي الناسُ. رواهُ الترمذيُّ). وقالَ بعد سياقهِ (٢): هذا "حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وفسَّرَ بعضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ أن معنَى هذا الفطرِ والصومَ معَ الجماعةِ [وعُظْمِ] (٣) الناسِ"، انتهَى بلفظهِ. فيهِ دليلٌ على أنهُ يعتبرُ في ثبوت [العيدين موافقة الناس] (٤). وأنَّ المنفردَ بمعرفةِ يومِ العيدِ بالرؤيةِ يجبُ عليهِ موافقةُ غيرِهِ، ويلزمُه حكمُهم في الصلاةِ

стр. 865

والإفطارِ والأضحيةِ، وقد أخرجَ الترمذيُّ (١) مثلَ هذا الحديثِ عن أَبي هريرةَ، وقالَ: حسنٌ. وفي معناهُ حديث ابن عباسٍ، وقد قالَ لهُ كريبٌ (٢): "إنهُ صامَ أهلُ الشامِ ومعاويةُ برؤيةِ الهلالِ يومَ الجمعةِ بالشامِ، وقدمَ المدينةَ آخرَ الشهرِ وأخبرَ ابن عباسٍ بذلكَ، فقالَ ابنُ عباسٍ: لكنَّا رأيناهُ ليلةَ السبتِ فلا نزالُ نصومُ حتَّى نكملَ ثلاثينَ أو نراهُ، قالَ: [قلتُ] (٣): أوَ لا تكتفي برؤيةِ معاويةَ والناسِ؟ قالَ: لا، هكذا أمرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ ". وظاهرُ الحديثِ أن كُرَيْبًا ممنْ رآهُ، وأنهُ أمرهُ ابنُ عباسٍ أن يتمَّ صومَهُ، وإنْ كانَ متيقّنًا أنهُ يومُ عيدٍ عندَهُ. وذهبَ إلى هذا محمدُ بنُ الحسنِ، وقالَ: يجبُ موافقةُ الناسِ وإنْ خالفَ يقينَ نفسهِ، وكذا في الحجِّ لأنهُ وردَ: "وعَرَفَتُكم يومَ تعرفونَ". وخالفَهُ الجمهورُ وقالُوا: إنهُ يجبُ عليهِ العملُ في نفسهِ بما تيقنَهُ، وحملُوا الحديثَ على عدمِ معرفتهِ بما يخالفُ الناسَ، فإنَّهُ إذا انكشفَ بعدَ الخطأ [فقد] (٤) أجزأهُ ما فعلَ، قالُوا: وتتأخرُ الأيامُ في حقِّ مَنِ التبسَ عليهِ وعملَ بالأصلِ، وتأوّلُوا حديثَ ابن عباسٍ بأنهُ يحتملُ أنهُ لم يقلْ برؤيةِ أهلِ الشامِ لاختلافِ المطالعِ في الشامِ والحجازِ، [أو] (٥) أنهُ لما كانَ المخبرُ واحدًا لم يعملْ بشهادتهِ، وليسَ فيهِ أنهُ أمرَ كُرَيْبًا بالعملِ بخلافِ يقينِ نفسهِ، [فإنَّما] (٦) أخبرَ عن أهلِ المدينةِ وأنَّهم لا يعملونَ بذلكَ لأحد الأمرين. قضاءُ صلاة العيد إذا تركت لعذر ٢/ ٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)، وَأَبُو دَاوُدَ (٨) - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [صحيح]

стр. 866

(وعن أَبي عميرٍ ﵁) هوَ أَبو عميرٍ (ابنُ أنسٍ بن مالكٍ) الأنصاريِّ، يقالُ: إنَّ اسمَهُ عبدُ اللَّهِ، وهوَ من صغارِ التابعينَ، رَوَى عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعمَّرَ بعدَ أبيهِ زمانًا طويلًا، (عن عمومةٍ لهُ منَ الصحابةِ أن رَكْبًا جاءُوا فشهدُوا اتَّهم رأوُا الهلال بالأمسِ، فأمرَهُم النبيُّ ﷺ أن يفطِروا، وإذا أصبحُوا أن يغدُوا إلي مصلَّاهم. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظهُ. واسنادُه صحيحٌ)، وأخرجهُ النسائيُّ (١)، وابنُ ماجَهْ (٢)، وصحَّحهُ ابنُ المنذرِ، وابنُ السكنِ، وابنُ حزمٍ (٣)، وقولُ ابن عبدِ البرِّ: إنَّ أبا عميرٍ مجهولٌ مردودٌ بأنهُ قدْ عرفهُ مَنْ صحَّحَ لهُ. والحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ العيدِ تُصَلَّى في اليومِ الثاني حيثُ انكشفَ العيدُ بعدَ خروجِ وقتِ الصلاةِ. وظاهرُ الحديثِ الإطلاقُ بالنظرِ إلى وقتِ الصلاةِ، وأنهُ وإنْ كانَ وقتُها باقيًا حيثُ لم يكنْ ذلكَ معلومًا مِنْ أولِ اليومِ. وقد ذهبَ إلى العملِ بهِ الهادي، والقاسمُ، وأبو حنيفةَ لكنْ [بشرط] (٤) أنْ لا يعلمَ إلَّا وقد خرجَ وقتُها؛ فإنَّها تُقْضَى في اليومِ الثاني فقطْ في الوقتِ الذي تُؤَدَّى فيهِ في يومِها. قالَ أَبو طالبٍ: بشرطِ أنْ يتركَ للبسِ كما وردَ في الحديثِ، وغيرُه يعمّمُ العذرَ سواءً كان للَّبسِ، أو لمطرٍ، وهوَ مصرَّحٌ بهِ في كتبِ الحنفيةِ قياسًا لغيرِ اللَّبسِ عليهِ، ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنَّها أداءٌ لا قضاءٌ. وذهبَ مالكٌ أنَّها لا تُقْضَى مطلقًا كما لا تقضَى في يومِها، وللشافعيةِ تفاصيلُ (٥) أُخرُ ذكرَها في الشرحِ، وهذا الحديثُ وردَ في عيدِ الإفطارِ، وقاسُوا

стр. 867

عليهِ الأضحَى، وفي التركِ للبسِ، وقاسُوا عليهِ سائرَ الأعذارِ، وفي القياسِ نظرٌ؛ إذْ لم يتعيَّنْ معرفةُ الجامعِ، واللَّهُ أعلمُ. يسنّ أكل تمرات قبل الخروجِ لصلاةِ الفطر ٣/ ٤٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ (٢) - وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ (٣) -: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرادًا. [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يغدُو) أي: يخرج وقتَ الغداةِ (يومَ الفطرِ) أي: إلى المصلَّى (حتَّى يأكلَ تمراتٍ. أخرجهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ معلَّقةٍ) أي: للبخاريِّ علَّقَها عن أنس (ووصلَها أحمدُ: ويأكلهنَّ أفرادًا). وأخرجهُ البخاريُّ في تاريخهِ (٤)، وابنُ حبانَ (٥)، والحاكمُ (٦) من روايةِ عتبةَ بن حميدٍ عنهُ بلفظِ: "حتَّى يأكلَ تمراتٍ ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقلَّ من ذلكَ، أو أكثرَ وترًا"، والحديثُ يدلُّ على مداومتهِ ﷺ على ذلكَ. قالَ المهلبُ: الحكمةُ في الأكلِ قبلَ الصلاةِ أنْ لا يظنَّ ظانٌّ لزومَ الصومِ حتَّى يصلِّي العيدَ، فكأنهُ أرادَ سدَّ هذه الذريعةِ. وقيلَ: لمَّا وقعَ وجوبُ الفطرِ عقيبَ وجوبِ الصومِ استحبَّ تعجيلُ الفطرِ مبادرةً إلى امتثالِ أمرِ اللَّهِ، قالَ ابنُ قدامةَ (٧): ولا نعلمُ في استحبابِ تعجيلِ الأكلِ في هذا اليومِ قبلَ الصلاةِ خلافًا، قالَ المصنفُ في الفتحِ (٨): والحكمةُ في استحبابِ التمرِ ما في الحلوِ من تقويةِ البصرِ الذي يضعفُهُ الصومُ، [أو] (٩) لأنَّ الحلوَ ممّا يوافقُ الإيمانَ، ويُعَبَّرُ بهِ المنامُ، ويرققُ القلبَ، ومن ثمةَ استحبَّ بعضُ التابعينَ أن يفطرَ على الحلو مطلقًا.

стр. 868

قالَ المهلَّبُ: وأما جعلُهنَّ وترًا فللإشارةِ إلى الوحدانيةِ، وكذلكَ كانَ يفعلُ ﷺ في جميعِ أمورهِ تبرُّكًا بذلكَ. يسنّ تأخير الأكل يوم الأضحى ٤/ ٤٥٦ - وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالتّرْمِذِيُّ (٢)، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [حسن] (وعنِ ابن بُريدةَ) بضمِّ الموحدةِ، وفتحِ الراءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، ودالٍ مهملةٍ، (عن أبيهِ) هو بُريدةُ بنُ الحُصَيْبِ، تقدمَ. واسمُ ابن بريدةَ عبدُ اللَّهِ بن بُريدةَ بنُ الحصيبِ الأسلميُّ، أَبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ من الثالثةِ، قالهُ المصنفُ في التقريبِ (٤). (قالَ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتَّى يطعمَ، ولا يطعمُ يومَ الأضْحى حتى يصلِّي. رواه أحمدُ)، [وزاد فيه: فيأكل منْ أضحيته] (٥)، (والترمذيُّ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ أيضًا ابنُ ماجهْ (٦)، والدارقطنيُّ (٧)، والحاكمُ (٨)،

стр. 869

والبيهقيُّ (١)، وصحَّحهُ ابنُ القطان (٢). وفي رواية البيهقيِّ زيادةٌ: "وكان إذا رجعَ أكلَ من كبدِ (أضحيته) "، قالَ الترمذيّ (٣): وفي الباب عنْ عليٍّ، وأنسٍ، ورواهُ الترمذيُّ أيضًا عن ابن عمرَ (٤)، وفيها ضعفٌ، وزاد فيه: فيأكل من أضحيته. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الأكلِ يومَ الفطرِ قبلَ الصلاةِ، وتأخيرِه يومَ الأضحى إلى [وما بعدها] (٥)، والحكمةُ فيهِ هوَ أنهُ لما كانَ إظهارُ كرامةِ اللهِ تعالى للعبادِ بشرعيةِ نحرِ الأضاحي، كانَ الأهمَّ الابتداءُ بأكلِها شكرًا للَّهِ على ما أنعمَ بهِ من شرعيةِ النسكيةِ الجامعةِ لخيرِ الدنيا وثوابِ الآخرةِ. خروج النساء إلى مصلَّى العيد ٥/ ٤٥٧ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيّضَ فِي الْعِيدَيْنِ: يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ المُصَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] ترجمة نسيبة بنت الحارث (وعن أمِّ عطية) (٧) هي الأنصاريةُ اسمُها: نسيبةُ بنت الحارث، وقيلَ: بنتُ كعبٍ، كانت تغزُو معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ كثيرًا، تداوي الجرحَى، وتمرِّضُ المرضَى، تعدُّ في أهلِ البصرةِ، وكانَ جماعةٌ منَ الصحابةِ وعلماءِ التابعينَ بالبصرةِ يأخذونَ

стр. 870

عنها غسل الميتِ؛ لأنَّها شهدتْ غسلَ بنتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فحكتْ ذلكَ وأتقنتْ، فحديثُها أصلٌ في غسل الميتِ، ويأتي حديثُها هذا في كتابِ الجنائزِ (١). (قالت: أُمرْنا) مبنيٌّ للمجهولِ للعلم بالآمرِ [به] (٢)، وأنهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وفي روايةٍ للبخاري: أَمَرنا نبيُّنا (أن نخرِجَ) أي: إلى المصلَّى (العواتقَ) البناتِ الأبكارَ البالغات والمقارباتِ للبلوغِ، (والحُيَّضَ) هوَ أعمُّ من الأول من وجهٍ، (في العيدينِ يشهدْنَ الخيرَ)، هوَ الدخولُ في فضيلةِ الصلاةِ لغيرِ الحيّضِ، (ودعوةَ المسلمينَ) تعمُّ الجميعَ (ويعتزلُ الحيَّضُ المصلَّى. متفقٌ عليهِ)، لكنَّ لفظُه عند البخاري: "أُمِرْنا أنْ نخرجَ العواتقَ ذواتِ الخدورِ"، أو قالَ: "العواتقَ وذواتِ الخدورِ، فيعتزلنْ الحيَّضُ المصلَّى"، ولفظُ مسلمٍ: "أمَرَنا، يعني النبيُّ ﷺ ، أنْ نخرجَ العواتقَ وذواتِ الخدورِ، وأمرَ الحيّضَ أن يعتزلن مصلَّى المسلمينَ"؛ فهذا اللفظُ الذي أتى به المصنفُ ليسَ لفظُ أحدِهما. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ إخراجهنَّ، وفيهِ أقوالٌ ثلاثةٌ: (الأول): أنهُ واجبٌ، وبه قال الخلفاءُ الثلاثةُ: أَبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ، ويؤيّدُ الوجوبَ ما أخرجهُ ابنُ ماجَهْ (٣)، والبيهقيُّ (٤)، من حديثِ ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ كانَ يخرجُ نساءَه وبناتهِ في العيدينِ"، وهوَ ظاهرٌ في استمرارِ ذلكَ منهُ ﷺ ، وهوَ عامٌّ لمنْ كانتْ ذاتِ هيئةٍ وغيرِها، وصريحٌ في الشوابِّ، وفي العجائزِ بالأولى. (والثاني): سنّةٌ، وحُمِلَ الأمرَ بخروجهنَّ على الندب، قالهُ جماعةٌ، وقوّاهُ الشارحُ مستدلًا بأنهُ عللَ خروجهنَّ بشهودِ الخيرِ ودعوةِ المسلمينِ. قال: ولو كانَ واجبًا لما عُلِّلَ بذلكَ، ولكانَ خروجُهنَّ لأداءِ الواجبِ عليهنَّ لامتثالِ الأمرِ. قلت: وفيه تأملُ، فإنهُ قد يعلّلُ الواجبُ بما فيهِ منَ الفوائدِ، ولا يعلّلُ

стр. 871

بأدائِهِ، وفي كلام الشافعيِّ في الأمِّ (١) التفرقةُ بينَ ذواتِ الهيئاتِ والعجائزِ؛ فانهُ قالَ: [أحبُّ] (٢) شهودَ العجائزِ وغير ذواتِ الهيئاتِ منَ النساءِ الصلاة، وإنَّا لشهودهنَّ الأعيادَ أشدُّ استحبابًا. (والثالثُ): أنهُ منسوخ، قالَ الطحاويُّ: إنَّ ذلكَ كانَ في صدرِ الإسلامِ للاحتياج في خروجهنَّ لتكثيرِ السوادِ، فيكونُ فيهِ إرهابٌ للعدوِّ ثمَّ نسخَ، وتعقّبَ أنهُ نسخٌ بمجردِ الدعوى، ويدفعهُ أنّ ابنَ عباسٍ شهدَ خروجهنَّ وهو صغيرٌ، وكانَ ذلكَ بعد فتحِ مكّةَ، ولا حاجةَ إليهنَّ لقوةِ الإسلامِ حينئذٍ، ويدفعهُ أنهُ علّلَ في حديثِ أمِّ عطيةَ حضورَهنَّ لشهادتهنَّ الخيرَ ودعوةَ المسلمين، ويدفعهُ أنه أفئتْ به أمّ عطيةَ بعدَ وفائهِ ﷺ بمدةٍ، ولم يخالفْها أحدٌ منَ الصحابةِ. وأمّا قولُ عائشةَ: "لو رأى النبيُّ ﷺ ما أحدثَ النساءُ لمنعهنَّ عن المساجدِ" (٣)، فهو لا يدلُّ على تحريمِ خروجهنَّ ولا على نسخِ الأمرِ به، بل فيه دليل على [أنهنَّ لا يمنعنَ لأنهُ لم يمنعهنَّ ﷺ ] (٤)، بل أمرَ بإخراجهنَّ، فليسَ لنا أن نمنعَ ما أمرَ بهِ. السنة تقديم صلاة العيد على الخطبة ٦/ ٤٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ وعمر يصلّونَ العيدينِ قبلَ الخطبةِ. متفقٌ عليهِ). فيه دليل [على] (٦) أن ذلكَ هوَ الأمرُ الذي داومَ عليهِ ﷺ وخليفتاهُ، واستمرُّوا على ذلكَ. وظاهرهُ وجوبُ تقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ.

стр. 872

وقد نُقِلَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ الخطبةِ في العيدينِ، ومستندهُ ما أخرجهُ النسائيُّ (١)، وابنُ ماجهْ (٢)، وأبو داودَ (٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بن السائبِ، قالَ: شهدتُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ العيدَ فلما قضَى صلاتَهُ قالَ: "إنا نخطبُ، فمن أحبَّ أن يجلسَ للخطبةِ فليجلسْ، ومن أحبَّ أنْ يذهبَ فليذهبْ"، فكانتْ غيرَ واجبةٍ، فلوْ قدَّمها لم تشرعْ إعادتُها وإنْ كانَ فاعلًا خلافَ السنةِ. وقد اختُلِفَ مَنْ أولُ مَنْ خَطَبَ قبلَ الصلاةِ: ففي مسلمٍ (٤) أنهُ مروانُ، وقيلَ: سبقَهُ إلى ذلكَ عثمانُ، كما رواهُ ابنُ المنذرِ (٥) بسندٍ صحيحٍ إلى الحسنِ البصري، قال: "أولُ مَنْ خطب قبلَ الصلاةِ عثمانُ، أي: صلاةِ العيدِ"، وأمّا مروانُ فإنهُ إنما قدَّمَ الخطبةَ، لأنهُ قالَ لما أنكرَ عليه أَبو سعيدٍ؛ إنَّ الناسَ لم يكونُوا يجلسونَ لنا بعدَ الصلاةِ، قيلَ: إنَّهم كانُوا يتعمّدونَ تركَ سماع خطبته لما فيها من سبِّ مَنْ لا يستحقُّ السبَّ، والإفراطِ في بعضِ مدحِ الناسِ. وقد روى عبدُ الرزاقِ (٦) عن ابن جريجٍ، عن الزهريّ، قالَ: "أولُ مَنْ أحدثَ الخطبة قبلَ الصلاةِ في العيدِ معاويةُ". وعلى كلِّ تقديرٍ فإنهُ بدعةٌ مخالفٌ لهديهِ ﷺ ، وقد اعتُذِرَ لعثمانَ بأنهُ كثرَ الناسُ في المدينةِ وتناءتِ البيوتُ، فكانَ يقدمُ الخطبةَ ليدركَ مَنْ بَعُدَ منزلُه الصلاةَ، وهوَ رأيٌ مخالفٌ لهديهِ ﷺ .

стр. 873

لا صلاة قبل العيد ولا بعدها ٧/ ٤٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى يومَ العيدِ ركعتينِ لم يصلِّ قبلَها ولا بعدَها. أخرجةُ السبعةُ). هوَ دليلٌ على أن صلاةَ العيدِ ركعتانِ، وهوَ إجماعٌ فيمنْ صلَّى معَ الإمامِ في الجبَّانةِ، وأما إذا فاتتهُ صلاةُ الإمام [فصلَّى] (٢) وحدَه [فكذلكَ] (٣) عند الأكثرِ. وذهبَ أحمدُ والثوريُّ إلى أنهُ يصلِّي أربعًا، وأخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (٤) عن ابن مسعودٍ: "مَنْ فاتتهُ صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ فليصلِّ أربعًا"، وهوَ إسنادٌ صحيحٌ، وقالَ إسحاقُ: إنْ صلَّاها في الجبانةِ فركعتينِ، وإلَّا فأربعًا، وقالَ أَبو حنيفةَ: إذا قَضَى صلاةَ العيدِ فهوَ مخيّرٌ بينَ [اثنتين] (٥) وأربعٍ. وصلاةُ العيدينِ مجمعٌ على شرعيّتِها مختلفٌ فيها على أقوالٍ ثلاثةٍ: الأولُ: وجوبُها عندَ الهادي عينًا وأبي حنيفةَ، وهوَ الظاهرُ من مداومتهِ ﷺ والخلفاءِ من بعدهِ. وأمرِهِ بإخراجِ النساءِ، وكذلكَ ما سلفَ من حديثِ أمرِهِمْ بالغدوِّ إلى مصلَّاهم، فالأمرُ أصلُه الوجوبُ، ومنَ الأدلّةِ قولُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦)، على مَنْ يقولُ: المرادُ بهِ: صلاةُ النحر، وكذلكَ قولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٧)، فسَّرها الأكثرُ بزكاةِ الفطرِ وصلاةِ عيدهِ. الثاني: أنَّها فرضُ كفايةٍ لأنَّها شعارٌ وتسقطُ بقيامِ البعضِ بهِ كالجهادِ، ذهبَ إليهِ أَبو طالبٍ وآخرونَ.

стр. 874

الثالثُ: أنّها سنةٌ مؤكّدةٌ، ومواظبتهُ ﷺ عليها دليلُ تأكيد سنّيّتِها، وهوَ قولُ زيدِ بن عليٍّ وجماعةِ، قالُوا: لقولهِ ﷺ : "خمسُ صلواتٍ كتبهنّ اللَّهُ على العبادِ" (١)، وأجيبَ بأنهُ استدلالٌ بمفهومِ العددِ وبأنهُ يحتملُ: كتبهنَّ كلَّ يومٍ وليلةٍ. وفي قولهِ: "لم يصلِّ قبلَها ولا بعدَها"، دليل على عدمِ شرعيةِ النافلةِ قبلَها ولا بعدَها، لأنهُ إذا لم يفعلْ ذلك ولا أمرَ بهِ ﷺ ، فليسَ بمشروعٍ في حقِّهِ فلا يكونُ مشروعًا في حقِّنا ويأتي حديثُ أَبي سعيد (٢)، فإنَّ فيهِ الدلالةَ على [تركه لذلك] (٣) إلَّا أنهُ يأتي مِنْ حديثِ أَبي سعيدٍ: "أنهُ ﷺ كان يصلّي بعدَ العيدِ ركعتينِ في بيتهِ"، وصحَّحهُ الحاكمُ، فالمرادُ بقولهِ هنا: "ولا بعدها"، أي: في المصلّى. لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين ٨/ ٤٦٠ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَأَضلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (٥). [صحيح] (وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (أن النبيَّ ﷺ صلَّى العيدَ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. أخرجهُ أَبو داودَ، وأصلُه في البخاريِّ)، هوَ دليل على عدمِ شرعيّتِهما في صلاةِ العيدِ [فإنَّهما] (٦) بدعةٌ. ورَوَى ابنُ أَبي شيبةَ (٧) بإسنادِ صحيحٍ عن ابن المسيّبِ "أن أوَّلَ مَنْ أحدثَ الأذانَ لصلاةِ العيدِ معاويةُ"، ومثلُه رواهُ الشافعيُّ (٨) عن الثقةِ، وزادَ: "وأخذَ بهِ الحجَّاجُ حينَ أُمِّرَ على المدينةِ". وروى ابنُ المنذرِ (٩): "إنَّ أولَ مَنْ أحدَثه زيادٌ بالبصرةِ". وقيلَ: أوّلُ مَنْ أحدثَه مروانُ، وقالَ ابنُ أَبي حبيب: أولُ مَنْ أحدثَه عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، وأقامَ أيضًا. وقد رَوَى الشافعيُّ (١٠) عن الثقةِ عن الزهريِّ: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يأمرُ

стр. 875

المؤذنَ في [العيدين] (١) أنْ يقولَ (٢): الصلاةُ جامعةٌ". قالَ في الشرحِ: وهذا مرسلٌ يعتضدُ بالقياسِ على الكسوفِ لثبوتَ ذلكَ فيه. قلتُ: وفيهِ تأمّلٌ. ٩/ ٤٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٣) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٤). [حسىن] (وعن أَبي سعيدٍ ﵁ قالَ: كانَ رسول اللَّهِ ﷺ لا يصلِّي قبلَ العيدِ شيئًا، فإذا رجعَ إلى منزلهِ صلَّى ركعتينِ. رواة ابن ماجَهْ بإسنادٍ حسنٍ)، وأخرجهُ الحاكمُ (٥)، وأحمدُ (٦)، وروى الترمذيُّ (٧) عن ابنٍ عمرَ نحوَه، وصحّحهُ، وهوَ عندَ أحمدَ (٨)، والحاكم (٩). ولهُ طريقٌ أخْرى عندَ الطبرانيِّ في الأوسطِ (١٠)، لكنْ فيهِ جابرٌ الجعفيُّ وهوَ متروكٌ. والحديثُ يدلُّ على أنهُ شرعَ صلاةَ ركعتينِ بعدَ العيدِ في المنزلِ، وقدْ عارضَهُ حديثُ ابن عمرَ عندَ أحمدَ مرفوعًا: "لا صلاة يومَ العيد [لا] (١١) قبلَها ولا بعدَها"، ويجمعُ بينَهما بأنْ المرادَ: لا صلاةَ في الجبَّانةِ. شرعية الخروج إلى المصلَّى ١٠/ ٤٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى

стр. 876

الْمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ - وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ - فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنهُ) أي: أَبي سعيدٍ (قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يخرجُ يومَ الفطرِ والأضحَى إلى المصلَّى، وأولُ شيءٍ يبدأ بهِ الصلاةُ، ثمَّ ينصرفُ فيقومُ مقابلَ الناسِ، والناسُ على صفوفِهم، فيعظُهم ويأمرُهم. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دليل على شرعيةِ الخروجِ إلى المصلَّى، والمتبادرُ منهُ الخروجُ إلى موضع غيرِ مسجدِه ﷺ ، وهوَ كذلكَ؛ فإنَّ مصلاهُ ﷺ محلٌّ معروفٌ بينهُ وبينَ بابِ مسجدِه ألفُ ذراع، قالهُ عمرُ بنُ شبةَ في أخبارِ المدينةِ. وفي الحديثِ دلالةٌ على تقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ - وتقدَّمَ - وعلى أنهُ لا نَفْلَ قَبْلَها. وفي قولهِ: " [يقومُ] (٢) مقابلَ الناسِ" دليلٌ على أنهُ لم يكنْ في مصلَّاهُ منبرٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ حبانَ (٣) في روايةٍ: "خطبَ يومَ عيدٍ على راحلتهِ"، وقد ذكر البخاريُّ (٤) في تمامِ روايتهِ عن أَبي سعيدٍ: "أن أولَ مَنِ اتَّخذَ المنبرَ في مصلَّى العيدِ مروانُ"، وإنْ كانَ قدْ رَوَى عمرُ بنُ شبةَ "أن أولَ مَنْ خطبَ الناسَ في المصلَّى على المنبرِ عثمانُ فعلهُ مرةً، ثمَّ تركهُ حتَّى أعادهُ مروانُ"، وكأنَّ أبا سعيدٍ لم يطلعْ على ذلكَ (٥). وفيهِ دليلٌ على مشروعيةِ خطبةِ العيدِ، وأنَّها كخطبِ الجمع أمرٌ ووعظٌ وليسَ فيهِ أنَّها خطبتانِ كالجمعةِ، وأنهُ يقعدُ بينَهما، ولعلهُ لم يثبتْ ذلكَ من فعلهِ ﷺ ، وإنَّما صنعهُ الناسُ قياسًا على الجمعةِ.

стр. 877

التكبير في صلاة العيد ١١/ ٤٦٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الآخرة، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيهِمَا"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيّ تَصْحِيحَهُ (٢). [صحيح بشواهده] ترجمة عمروِ بن شعيبِ (وعن عمروِ بن شعيبِ) (٣) هو أَبو إبراهيمَ عمرُو بنُ شعيبٍ، بن محمدٍ، بن عبدِ اللَّهِ، بن عمروِ بن العاصِ، سمعَ أباهُ وابن المسيّبِ وطاوسًا، ورَوَى عنهُ الزُّهريُّ وجماعةٌ، ولم يخرجِ الشيخانِ حديثَه، وضميرُ أبيهِ وجدِّه إنْ كانَ معناهُ أنَّهُ أباهُ شعيبًا رَوَى عَنْ جدِّه محمدٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ كذا فيكونُ مرسلًا، لأنَّ جدَّهُ محمدًا لم يدركِ النبيّ ﷺ ، وإنْ كانَ الضميرُ الذي في أبيهِ عائدًا إلى شعيبٍ، والضميرُ [الذي] (٤) في جدِّهِ إلى عبدِ اللَّهِ، فيرادُ أن شعيبًا رَوَى عن جدِّهِ عبدِ اللَّهِ، (وشعيبٌ) (٥) لم يدركْ جدَّه عبدَ اللَّهِ، فلهذهِ العلةِ لم يخرجا حديثَه. وقالَ النووي (٦).

стр. 878

قد ثبتَ سماعُ شعيبٍ منْ جدِّهِ عبدِ اللَّهِ. وقَدِ احتجَّ بهِ أربابُ السننِ الأربعةِ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ. (عن أبيهِ عن جدِّهِ قالَ: قالَ نبيّ اللَّهِ ﷺ : التكبيرُ في الفطرِ)، أي: في صلاةِ عيدِ الفطرِ (سبعٌ في الأولَى) أي: في الركعةِ الأُولى (وخمسٌ في [الآخرة]) (١) أي: الركعةِ الأُخْرى، (والقراءة) الحمدُ وسورةٌ (بعدَهما كلتيهما. أخرجه أَبو داودَ، ونقلَ الترمذيُّ عن البخاريِّ تصحيحَه)، وأخرجهُ أحمدُ (٢) وعليُّ بنُ المدينيّ وصحَّحاهُ (٣). وقد رَوَوْهُ منْ حديثِ عائشةَ (٤)، وسعدٍ القَرَظْ (٥)، وابنِ

стр. 879

عباسٍ (١)، وابنِ عمرَ (٢)، وكثيرِ بن عبدِ اللهِ (٣)، والكلُّ فيهِ [ضعفاء] (٤). وقد رُوِيَ عن عليٍّ (٥) ﵇ وابن عباسٍ (٦) موقوفًا، وقالَ ابنُ رشدٍ (٧): إنَّما صارُوا

стр. 880

إلى الأخذِ بأقوالِ الصحابةِ في هذهِ المسألةِ، لأنهُ لم يثبتْ فيها عن النبيِّ ﷺ شيء. قلتُ: [وقد] (١) روى العقيليُّ (٢) عن أحمدَ بن حنبلٍ أنهُ قالَ: ليسَ يروى في التكبيرِ في العيدينِ حديثٌ صحيح، [هذا] (٣) والحديثُ دليل على أنهُ يكبرُ في الأُولى من ركعتي العيدِ سبعًا، ويحتملُ أنها بتكبيرة الافتتاحِ، وأنَّها من غيرَها، والأوضحُ أنَّها من دونِها وفيها خلادث، وقالَ في الهدي النبويّ (٤): إنَّ تكبيرةَ الافتتاح منها إلَّا أنهُ لمْ يأتِ بدليلٍ، وفي الثانية خمسًا، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ الصحابةِ وغيرِهم، وخالفَ آخرونَ فقالُوا: خمسٌ في الأُولى وأربعٌ في الثانيةِ، وقيلَ: ثلاثٌ في الأُولى وثلاثٌ في الثانيةِ، وقيلَ: ستٌّ في الأُولى وخمسٌ في الثانيةِ، قلتُ: والأقربُ العملُ بحديثِ البابِ، فإنهُ وإنْ كانَ كلُّ طرقهِ واهيةً، فإنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ولأنَّ ما عداهُ منَ الأقوالِ ليسَ فيها سنةٌ يُعملُ بها. [وفي الحديث] (٥) دليلٌ على أن القراءةً بعدَ التكبيرِ في الركعتينِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ ومالكٌ، وذهبَ الهادي إلى أن القراءةَ قبلَها فيهمَا، واستدلَّ لهُ في البحرِ (٦) بما لا يتمُّ دليلًا، وذهبَ الباقرُ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ يقدمُ التكبيرَ في الأُولى، ويؤخّرُهُ في الثانيةِ ليوالي بينَ [القراءتين] (٧). واعلمْ أن قولَ المصنفِ أنهُ نقلَ الترمذيُّ عن البخاريِّ تصحيحَه، وقال في "التلخيصُ الحبيرِ" (٨): إنهُ قالَ البخاريُّ والترمذيُّ إنهُ أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ.

стр. 881

فلا أدري من أينَ نقلَهُ عن الترمذيِّ، فإنَّ الترمذيَّ لم يخرجْ في سننهِ رواية عمرِو بن شعيبٍ أصلًا (١)، بل أخرجَ روايةَ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ عن أبيهِ عن جدِّهِ وقالَ: حديث جدِّ كثيرٍ أحسنُ شيء رُوي في هذا البابِ عن النبيّ ﷺ ، وقال: وفي البابِ عن عائشةَ، وابنِ عمرَ، وعبدَ اللَّهِ بن عمرٍو. ولمْ يذكرْ عن البخاري شيئًا، وقد وقعَ للبيهقيِّ في السننِ الكبرى هذا الوهمُ (٢) بعينهِ إلَّا أنهُ ذكرهُ بعدَ روايتهِ لحديثِ كثيرٍ، فقال: قالَ أَبو عيسى: سألتُ محمدًا - يعني البخاريَّ - عن هذا الحديثِ فقال: ليسَ في هذا الباب شيءٌ أصحَّ منهُ، قالَ: وحديثُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الرحمنِ الطائفي عن عمروِ بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه في هذا البابِ هوَ صحيحٌ أيضًا، انتهَى كلامُ البيهقيّ. ولم نجدْ في الترمذيّ شيئًا مما ذكرهُ، وقد نبَّهَ في "تنقيح الأنظارِ" (٣) على شيءٍ من هذا، وقالَ: والعجبُ أنّ ابن النحوي ذكرَ في خلاصتهِ عن البيهقيِّ أن الترمذيّ قال: سألتُ محمدًا عنهُ … إلخ، وبهذا يعرفُ أنّ المصنفَ قلَّدَ في النقلِ عن الترمذيّ عن البخاريِّ الحافظَ البيهقيّ، ولهذا لم ينسبْ حديثَ عمروِ بن شعيبٍ إلَّا إلى أَبي داودَ. والأَوْلى العملُ بحديثِ عمروٍ لما عرفتَ، وأنهُ أشفَى شيءٍ في البابِ، وكانَ ﷺ يسكتُ بينَ كلِّ تكبيرتينِ سكتةً لطيفةً، ولمْ يحفظْ عنهُ ذكرٌ معينٌ بينَ التكبيرتين، ولكنْ ذكرَ الخلال عن ابن مسعودٍ (٤) أنهُ قالَ: يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ ويصلِّي على النبيِّ ﷺ ، وأخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (٥) عن ابن مسعودٍ: "أن بينَ كلّ تكبيرتينِ قدرَ [كلمتينِ] (٦) "، وهوَ موقوفٌ وفيهِ (سليمانُ بنُ أرقمٍ) (٧) ضعيفٌ. وكان ابنُ عمرَ مع تحرّيهِ للاتباعِ يرفعُ يديهِ معَ كلِّ تكبيرةٍ (٨).

стр. 882

ما يقرأ في صلاة العيدينِ ١٢/ ٤٦٤ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيّ ﵁ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى بق، وَاقْتَرْبَتْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعن أَبي واقدٍ) (٢) بقافٍ ومهملةٍ، اسمُ فاعل من وَقَدَ، اسمُهُ الحارثُ بنُ عوفٍ الليثيّ قديمُ الإسلامِ، قيلَ: إنهُ شهدَ بدرًا، وقيلَ: إنهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الفتحِ، والأولُ أصحُّ، عدادهُ في أهلِ المدينةِ، وجاورَ بمكةَ، وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وستينَ (الليثيِّ ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ يقرأُ في الفطرِ والأضحَى بقافٍ) أي: في الأُولى بعد الفاتحةِ (واقتربتْ) أي: في الثانيةِ بعدَها (أخرجهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أن القراءةَ بهمَا في صلاةِ العيد سنةٌ، وقد سلفَ أنهُ يقرأُ فيهما بسبِّحِ والغاشيةِ، والظاهرُ أنهُ كان يقرأ هذا تارة وهذا تارة، وقد ذهبَ إلى سنّيةِ ذلك الشافعيُّ ومالكٌ. مخالفة الطريق في العيد ١٣/ ٤٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح]

стр. 883

(وعن جابرٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ يوم العيد خالفَ الطريقَ. أخرجهُ البخاريُّ) يعني: أنهُ يرجعُ من مصلّاهُ من جهةٍ غير الجهةِ التي خرجَ منها إليه، وقال الترمذيُّ (١): أخذَ بهذا بعضُ أهل العلم، واستحبّهُ للإمام وبه يقولُ الشافعيُّ، انتهى. وقال بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، ويكون مشروعًا للإمام والمأمومِ الذي أشار إليهِ بقولهِ: ١٤/ ٤٦٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ (٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. [صحيح] (ولأبي داودَ عن ابن عمرَ نحوُهُ)، ولفظُه في السنن عن ابن عمرَ: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أخذَ يومَ العيدِ في طريقٍ ثمَّ رجعَ في طريقٍ أُخرى"، فيهِ دليلٌ أيضًا على ما دلّ عليه حديثُ جابرٍ، واخْتُلِفَ في وجهِ الحكمةِ في ذلكَ، فقيلَ: ليسلّمَ على أهلِ الطريقينِ، وقيل: لينال بركتَهُ الفريقانِ، وقيلَ: ليقضيَ حاجةَ مَنْ لهُ حاجةٌ فيهمَا، وقيلَ: ليظهرَ شعائرَ الإسلامِ في سائرِ الفجاجِ والطرقِ، وقيلَ: ليغيظَ المنافقينَ برؤيتهِم عزّةَ الإسلامِ وأهلهِ ومقامَ شعائرهِ، وقيل: لتكثرَ شهادةُ البقاعِ، فإنَّ الذاهبَ إلى المسجدِ أو المصلَّى إحدى خطواتهِ ترفعُ درجةً والأخرى تحطُّ خطيئةً حتَّى يرجعَ إلى منزلهِ، وقيلَ: - وهوَ الأصحُّ - إنهُ لذلكَ كلِّه منَ الحِكَمِ التي لا يخلُو فعلُه عنها، وكانَ ابنُ عمرَ ﵁[معَ] (٣) شدّة تحرّيهِ للسنّةِ يكبّرُ من بيته إلى المصلَّى (٤).

стр. 884

الأعياد اثنان ١٥/ ٤٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا. فَقَالَ: "فَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [صحيح] (وعن أنسٍ قالَ: قدمَ رسول اللَّهِ ﷺ المدينةَ ولهمْ يومانِ يلعبونَ فيهمَا فقالَ: قد أبدلَكمُ اللَّهُ بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ. أخرجه أَبو داودَ، والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ). الحديثُ يدلُّ [على] (٣) أنهُ قالَ ﷺ ذلكَ عقيبَ قدومهِ المدينةَ كما تقتضيهِ الفاءُ، والذي في كتبِ السِّيَرِ أن أولَ عيدٍ شرعَ في الإسلامِ عيدُ الفطرِ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ. وفيهِ دليلٌ على أن إظهارَ السرورِ في العيدينِ مندوبٌ، [وأن] (٤) ذلكَ منَ الشريعةِ التي شرَّعَها اللَّهُ لعبادهِ؛ إذْ في إبدالِ عيدِ الجاهليةِ بالعيدينِ المذكورينِ دلالةٌ على أنهُ يفعلُ في العيدينِ المشروعينِ ما يفعلُه الجاهليةُ في أعيادِها، وإنَّما خالفَهم في تعيينِ الوقتينِ. قلت: هكذا في الشرحِ، ومرادُه من أفعالِ الجاهليةِ ما ليسَ بمحظورٍ ولا شاغلٍ عن طاعةٍ. وأمّا التوسعةُ على العيالِ في [أيام] (٥) الأعيادِ بما [يحصل] (٦) لهمْ من ترويحِ البدنِ، وبسطِ النفسِ من كلفِ العبادةِ فهوَ مشروعٌ. وقد استنبطَ بعضُهم كراهيةَ الفرحِ في أعيادِ المشركينَ والتشبّهِ بهمْ، وبالغَ في ذلكَ الشيخُ الكبيرُ أَبو حفصٍ البستي منَ الحنفيّة، وقالَ: مَنْ أهدى فيه بيضةً إلى مشرك تعظيمًا لليومِ فقد كفرَ باللَّهِ (٧).

стр. 885

الخروج إلى صلاة العيد ماشيًا ١٦/ ٤٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). [حسن] (وعن عليٍّ ﵁ قالَ: منَ السنةِ أن يخرجَ إلى العيدِ ماشيًا. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنهُ). تمامُه منَ الترمذيِّ: "وأنْ تأكلَ شيئًا قبلَ أنْ تخرجَ"، قال أَبو عيسى: والعملُ على هذا الحديث عندَ أكثرِ أهلِ العلم يستحبّونَ أن يخرجَ الرجلُ إلى العيدِ ماشيًا، وأنْ يأكلَ شيئًا قبلَ أنْ يخرجَ، قال أَبو عيسى: ويستحبُّ أنْ لا يركبَ إلَّا من عذرٍ، انتهى. ولم أجدْ فيهِ أنهُ حسَّنهُ، [ولا أظنهُ] (٢) يحسِّنهُ لأنهُ رواهُ من طريقِ الحارثِ الأعورِ (٣)، وللمحدّثينَ فيهِ مقالٌ، وقدْ [أخرج سعيد بن منصور (٤) عن الزهري] (٥) مرسلًا: "أنهُ ﷺ ما ركبَ في عيدٍ ولا جنازةٍ"، وكانَ ابنُ عمرَ يخرجُ إلى العيدِ ماشيًا، ويعودُ ماشيًا. وتقييدُ الأكلِ بـ"قبلَ الخروجِ" الخروج بعيدِ الفطرِ لما مرَّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن بريدةَ عن أبيهِ (٦).

стр. 886

وروى ابنُ ماجَهْ (١) من حديثِ أَبي رافعٍ وغيرهِ: "أنهُ ﷺ كانَ يخرجُ إلى العيدِ ماشيًا ويرجعُ ماشيًا"، ولكنهُ بوّبَ البخاريُّ في الصحيح (٢) [على] (٣) المضيّ والركوبِ إلى العيدِ، فقال: (بابُ المضِيِّ والركوبِ إلى العيدِ) فسَوَّى بينَهما كأنهُ لما رأى منْ عدمِ صحةِ الحديثِ فرجعَ إلى الأصلِ في التوسعةِ. ١٧/ ٤٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُمْ أَصَابَهمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) بِإِسْنَادٍ لَيِّنِ. [ضعيف] (وعن أَبي هريرةَ ﵁: أنَّهم أصابَهم مطرٌ في يوم عيدٍ فصلَّى بهمُ النبيُّ ﷺ صلاةَ العيدِ في المسجدِ. رواهُ أَبو داودَ بإسنادٍ لينٍ)؛ لأنَّ في إسنادهِ رجلًا مجهولًا، ورواهُ ابنُ ماجَهْ (٥)، والحاكمُ (٦) بإسنادٍ ضعيفٍ. وقدِ اختلفَ العلماءُ على قولينِ: هلِ الأفضلُ في صلاةِ العيدِ الخروجُ إلى الجبّانةِ أو الصلاةُ في مسجدِ البلدِ إذا كانَ واسعًا؟ [الثاني] (٧): قولُ الشافعي أنهُ إذا كانَ مسجدُ البلدِ واسعًا صلَّوا فيه ولا يخرجون، فكلامُه يقضي بأنَّ العلَّةَ في

стр. 887

الخروجِ طلبُ الاجتماعِ، ولذا أمرَ ﷺ بإخراجِ العواتقِ وذواتِ الخدورِ، فإذا حصلَ ذلكَ في المسجدِ فهوَ أفضلُ، ولذلكَ فإنَّ أهلَ مكةَ لا يخرجون لسعةِ مسجدِها وضيقِ أطرافِها، وإلى هذا ذهبَ الإمامُ يحيى وجماعة وقالُوا: الصلاةُ في المسجدِ أفضلُ (١). والقولُ [الأولُ] (٢) للهادويةِ ومالكٍ أن الخروجَ إلى الجبَّانةِ أفضلُ ولو اتّسعَ المسجدُ للناسِ، وحجّتُهم محافظتُه ﷺ على ذلك، ولم يصلِّ في المسجدِ إلَّا لعذرِ المطرِ، ولا يحافظُ ﷺ إلَّا على الأفضلِ، ولقولِ عليٍّ ﷺ فإنهُ رُوِيَ أنهُ خرجَ إلى الجبَّانةِ لصلاةِ العيدِ، وقالَ: "لولا أنهُ السنةُ لصلّيتُ في المسجدِ، واستخلفَ مَنْ يصلّي بضعفةِ الناس في المسجد" (٣). قالُوا: فإنْ كانَ في الجبانةِ مسجدٌ مكشوفٌ فالصّلاةُ [فيه] (٤) أفضلُ، وإنْ كان مسقوفًا ففيهِ تردّدٌ (٥). (فائدةٌ): التكبيرُ في العيدينِ مشروعٌ عندَ الجماهيرِ، فأمّا تكبيرُ عيدِ الإفطارِ فأوجبَه الناصرُ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٦)، والأكثرُ أنهُ سنَّةٌ ووقتُه [مجهولٌ] (٧) مختَلفٌ فيهِ على قولينِ: فعندَ الأكثرِ أنهُ من عند خروجِ الإمامِ للصلاةِ إلى ابتداءِ الخطبةِ، وذكرَ فيهِ البيهقيُّ (٨) حديثينِ، وضعَّفَهُما، لكنْ قال الحاكمُ (٩): هذهِ سنةٌ تداولَها أئمّةُ الحديثِ، وقد صحَّتْ بهِ الروايةُ عن ابن عمرَ (١٠) وغيرهِ من الصحابةِ. والثاني للناصرِ: أنهُ من مغربِ أولِ ليلةٍ من شوال إلى عصرِ يومِها خلفَ كلِّ صلاةٍ. وعندَ الشافعي: إلى خروجِ الإمامِ، أو حتَّى يصلِّي، أو حتَّى يفرغَ منَ الخطبةِ. أقوالٌ عنهُ.

стр. 888

وأمّا صفتهُ: ففي فضائلِ الأوقاتِ للبيهقيِّ (١) بإسنادٍ إلى سلمانَ: "أنهُ كانَ يعلِّمُهُم التكبيرَ ويقولُ: كبِّرُوا: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ كبيرًا - أوْ قالَ: كثيرًا - اللَّهُمَّ أنتَ أعلَى وأجلُّ منْ أن تكونَ لكَ صاحبةٌ، أو يكونَ لكَ ولدٌ أو يكونَ لكَ شريكٌ في الملكِ، أوْ يكونَ لكَ وليٌّ منَ الذلِّ، وكبِّرْهُ تكبيرًا، اللَّهُمَّ اغفرْ لنا اللَّهمّ ارحمْنا". وأمّا تكبيرُ عيدُ النحرِ فأوجبَه أيضًا الناصرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢)، ولقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣)، ووافقهُ المنصورُ باللَّهِ، وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ سنةٌ مؤكّدةٌ للرجالِ والنساءِ، ومنهمْ مَنْ خصَّهُ بالرجالِ. وأمّا وقتُه فظاهرُ الآيةِ الكريمةِ، والآثارُ عن الصحابةِ أنهُ لا يختصُّ بوقتٍ دونَ وقتٍ؛ إلَّا أنهُ اختلفَ العلماءُ: فمنهم مَنْ خصَّهُ بعقيبِ [الصلاة] (٤) مطلقًا، ومنهم مَنْ خصَّهُ بعقيبِ الفرائضِ دونَ النوافلِ، ومنهم مَنْ خصَّه بالجماعةِ دونَ الفُرادَى، وبالمؤدَّاةِ دونَ المقضيَّةِ، وبالمقيمِ دونَ المسافرِ، وبالأمصارِ دونَ القُرَى. وأمّا ابتداؤُه وانتهاؤُه ففيهِ خلافٌ أيضًا، فقيلَ: في الأولِ من صبحِ يومِ عرفةَ، وقيلَ: من ظهرهِ، وقيلَ: من عصرهِ، وفي الثاني إلى ظُهرِ ثالثهِ، وقيلَ: إلى آخرِ أيامِ التشريقِ، وقيلَ: إلى ظهرهِ، وقيلَ: إلى عصرهِ، ولم يثبتْ عنهُ ﷺ في ذلكَ حديثٌ واضحٌ، وأصحُّ ما وردَ فيهِ عن الصحابةِ قولُ عليٍّ (٥)، وابنِ مسعودٍ (٦)، وأنهُ من صبحِ يومِ عرفةَ إلى آخر أيامِ مِنَى. أخرجَهُمَا ابنُ المنذرِ.

стр. 889

وأمّا صفتُه فأصحُّ ما وردَ فيهِ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ (١) عن سلمانَ بسندٍ صحيحِ قالَ: "كبّروا: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ كبيرًا". وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابن أَبي ليلى (٢)، وقولٍ للشافعي وزادَ فيهِ: "وللَّهِ الحمدُ". وفي الشرحِ صفاتٌ كثيرةٌ استحساناتٌ عن عدّةٍ منِ الأئمةِ. وهوَ يدلُّ على التوسعةِ في الأمرِ، وإطلاقِ الآيةِ يقتضي ذلكَ. واعلمْ أنهُ لا فرقَ بينَ تكبيرِ عيدِ الإفطارِ وعيدِ النحرِ في مشروعيّةِ التكبيرِ لاستواءِ الأدلّةِ في ذلكَ، وإنْ كانَ المعروفُ عندَ الناسِ إنَّما هوَ تكبيرُ عيدِ النحرِ. وقد وردَ الأمرُ في الآيةِ بالذكرِ في الأيامِ المعدوداتِ، والأيام المعلوماتِ، وللعلماءِ قولانِ: منهم مَنْ يقولُ: هما مختلفانِ؛ فالأيامُ المعدوداتُ أيامُ التشريقِ، والمعلوماتُ أيامُ العشرِ. ذكرهُ البخاريُّ عن ابن عباسٍ تعليقًا (٣)، ووصله غيرُه، وأخرجَ ابنُ مردويه (٤) عن ابن عباسٍ: "أن المعلوماتِ التي قبلَ أيامِ الترويةِ، ويومُ الترويةِ، ويومُ عرفةَ، والمعدوداتُ أيامُ التشريقِ"، وإسنادُه صحيحٌ. وظاهرُهُ إدخالُ يومِ العيدِ في أيامِ التشريقِ. وقد رَوَى ابنُ أَبي شيبةَ (٥) عن ابن عباسٍ أيضًا: أن المعلومات يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَهُ، ورجَّحهُ الطحاويّ لقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٦)، فإنَّها تُشعرُ بأنَّ المرادَ أيامُ النحرِ، انتهى.

стр. 890

وهذَا لا يمنعُ تسمية أيام العشر معلوماتٍ، ولا أيامِ التشريق معدودات، بل تسميةُ [أيام] (١) التشريقِ معدوداتٍ متفقٌ عليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢). وقد ذكرَ البخاريُّ عن أَبي هريرةَ وابنِ عمرَ تعليقًا (٣): "أنَّهما كانَا يخرجانِ إلى السوقِ أيامَ العشرِ يكبّرانِ ويكبّرُ الناسُ بتكبيرِهِما". وذكرَ البغويُّ والبيهقيُّ ذلكَ. قالَ الطحاويُّ: كانَ مشايخُنا يقولونَ بذلكَ [أي] (٤): التكبيرِ أيام العشرِ جميعًا. (فائدة ثانية): يندبُ لُبسُ أحسنِ الثيابِ والتطيّبُ بأجودِ الأطيابِ في يومِ العيدِ، ويزيدُ في الأضحى الضحيَّةَ بأسمنِ ما يجدُ، لما أخرجهُ الحاكمُ (٥) من حديثِ الحسنِ السِّبطِ، قال: "أَمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ في العيدينِ أنْ نلبسَ أجودَ ما نجدُ، وأنْ نتطيَّبَ بأجودِ ما نجدُ، وأنْ نضحِّي بأسمنَ ما نجدُ: البقرةَ عن سبعةٍ، والجَزورَ عن عشرةٍ، وأنْ نُظهرَ التكبيرَ، [وعلينا] (٤) السكينةُ والوقارُ". قالَ الحاكمُ بعدَ إخراجهِ من طريقِ إسحاقَ بن بُرْزُخٍ (٦): لولا جهالةُ إسحاقَ هذا لحكمتُ للحديثِ بالصحةِ. قلتُ: ليسَ بمجهولٍ فقد ضعَّفه الأزديُّ، ووثَّقَهُ ابنُ حبانَ. ذكرهُ في التلخيصِ (٧).

стр. 891

[الباب الخامس عشر] بابُ صلاة الكسوفِ الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان لموت أحد ١/ ٤٧٠ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَال النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا الله وَصَلُّوا، حَتَّى تَنْكَشِفَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٢): "حَتَّى تَنْجَلِيَ". [صحيح] (عن المغيرةِ بن شعبةَ ﵁ قالَ: انكسفت الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ) أي: ابنهُ ﵇ وموتُه في العاشرةِ منَ الهجرةِ، وقالَ أَبو داودَ: في ربيعِ الأول يومَ الثلاثاءِ لعشرٍ خَلَوْنَ منهُ، وقيلَ: في [الرابعةِ] (٣)، (فقالَ الناسُ: انكسفتَ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: رادًّا عليهم: (إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتهِ، فإذَا رأيتموهما فادعُوا اللَّهَ وصلُّوا). هذا لفظُ مسلمٍ، ولفظُ البخاري: "فصلُّوا وادْعُوا اللَّهَ" (حتَّى تنكشفَ). ليسَ هذا اللفظُ في البخاريِّ بل هوَ في مسلمٍ (متفقٌ عليهِ). يقالُ: كَسفتِ الشمسُ بفتحِ الكافِ، وتضمُّ نادرًا، [وانكسفتْ وخسَفت بفتحِ الخاءِ، وتضمُّ نادرًا] (٤) وانخَسفتْ.

стр. 892

واختلفَ العلماءُ في اللفظينِ هلْ يستعملانِ في الشمسِ والقمرِ، أو يخصُّ كلُّ لفظٍ بواحدٍ منهما. وقد ثبتَ في القرآن نسبةُ الخسوفِ إلى القمرِ، ووردَ في الحديثِ خسفتْ الشمسِ كما ثبتَ فيهِ نسبةُ الكسوفِ [إليهما] (١)، وثبتَ استعمالُهما منسوبينِ إليهمَا فيقالُ فيهمَا: الشمسُ والقمرُ ينخسفانِ وينكسفانِ، إنَّما الذي لم يردْ في [الأحاديث] (٢) نسبةُ الكسوفِ إلى القمرِ على جهةِ الانفرادِ، وعلى هذا يدلُّ استعمالُ الفقهاءِ، فإنَّهم يخصُّونَ الكسوفَ بالشمسِ والخسوفَ بالقمرِ، واختارُه ثعلبٌ. وقالَ الجوهريُّ (٣): إنهُ أفصحُ. وقيلَ: يقالُ بهمَا في كلٍّ منهما. والكسوفُ لغةً التغيرُ إلى السوادِ، والخسوفُ النقصانُ، وفي ذلكَ أقوالٌ أُخَرُ، وإنَّما قالُوا: إنَّها كُسِفَتْ لموتِ إبراهيمَ لأنَّها كسفتْ في غيرِ يومِ كسوفِها المعتادِ، فإنَّ كسوفَها في العاشرِ أو الرابعِ لا يكادُ يتفقُ، فلِذَا قالُوا: إنَّما هوَ لأجلِ هذا الخطبِ العظيمِ، فردَّ عليهمْ ﷺ ذلكَ، وأخبرَهم أنَّهما علامتانِ مِنَ العلاماتِ الدالَّةِ على وحدانيةِ اللَّهِ تعالى وقدرتهِ، وعلى تخويفِ عبادِهِ من بأسِهِ وسَطْوتِهِ. والحديثُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٤). وفي قولهِ: "لحياتهِ" معَ أنَّهم لم يدَّعُوا ذلكَ بيانُ أنهُ لا فرقَ بين الأمرينِ، فكما أنَّكمْ لا تقولونَ بكسوفِهما لحياةِ أحدٍ كذلكَ لا يكسفانِ لموتهِ، أوْ كانَّ المرادَ من حياتهِ صحتُه من مرضهِ وخوِهِ، ثمَّ ذكرَ القمرَ معَ أن الكلامَ خاصٌّ بكسوفِ الشمسِ زيادة في الإفادةِ والبيانِ أن حكمَ النيِّرينِ واحدٌ في ذلكَ، ثمَّ أرشدَ العبادَ إلى ما [شُرعَ] (٥) عندَ رؤيةِ ذلكَ منَ الصلاةِ والدعاءِ ويأتي صفةُ الصلاةِ. والأمرُ دليلُ الوجوبِ، إلَّا أنهُ حملهُ الجمهورُ على أنهُ سنةٌ مؤكّدةٌ لانحصارِ الواجباتِ في الخمسِ الصلواتِ، وصرّحَ أَبو عوانةَ في صحيحهِ (٦) بوجوبِها، ونُقِلَ عن أَبي حنيفةَ (٧) أنهُ أوجبَها، وجعلَ ﷺ غايةَ وقتِ الدعاءِ والصلاةِ انكشافَ

стр. 893

الكسوفِ، فدلَّ على أنَّها تفوتُ الصلاةُ بالانجلاءِ، فإذا انجلتْ وهوَ في الصلاةِ فلا يتمُّها بل يقتصرُ على ما فعلَ إلَّا أن في روايةٍ لمسلمٍ (١): فسلَّمَ وقدِ انجلتْ، فدلَّ أنهُ يتمُّ الصلاةَ وإنْ كانَ قد حصلَ الانجلاءُ، ويؤيّدُهُ القياسُ على سائرِ الصلواتِ؛ فإنَّها تقيَّدُ بركعةٍ كما سلفَ فإذا أتَى بركعةٍ أتمَّها. وفيهِ دليلٌ على أنَّ فعلَها يتقيّدُ بحصولِ السببِ في أيِّ وقتٍ كانَ مِنَ الأوقاتِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وعندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ ما عدا أوقاتِ الكراهةِ، (وفي روايةٍ للبخاريِّ) أي: عن المغيرةِ (حتَّى تنجليَ) عوضُ قولهِ: تنكشفَ، والمعنى واحدٌ. ٢/ ٤٧١ - وَللْبُخَارِيِّ (٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: "فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ". [صحيح] (وللبخاريِّ من حديثِ أَبي بكرةَ ﵁: فصلُّوا وادعُوا حتَّى ينكشفَ ما بكمْ)، هوَ أولُ حديثٍ ساقهُ البخاريّ في بابِ الكسوفِ، ولفظهُ: "يكشفَ"، والمرادُ: يرتفعُ ما حلَّ بكمْ من كسوفِ الشمسِ أوِ القمرِ. كيف يقرأ في صلاة الكسوف ٣/ ٤٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقَرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٤): فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. (وعن عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ جهرَ في صلاةِ الكسوفِ بقراءتهِ فصلَّى أربعَ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ بدليلِ قولِها: (في ركعتينِ وأربعَ سجداتٍ. متفقٌ عليه، وهذا لفظُ مسلمٍ).

стр. 894

الحديثُ دليلٌ علي شرعيةِ الجهرِ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، والمرادُ هنا: كسوفُ الشمسِ لما أخرجهُ أحمدُ (١) بلفظِ: "خسفتِ الشمسُ"، وقالَ: "ثمَّ قرأ فجهرَ بالقراءةِ"، وقدْ أخرجَ الجهرَ أيضًا الترمذيُّ (٢)، والطحاويُّ (٣)، والدارقطنيُّ (٤)، وقد أخرجَ ابنُ خزيمةَ (٥) وغيرُه عن عليٍّ ﵇ مرفوعًا الجهرَ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، وفي ذلكَ أقوالٌ أربعةٌ: الأولُ: [أنهُ] (٦) يجهرُ بالقراءةِ مطلقًا في كسوفِ الشمسِ والقمرِ لهذا الحديثِ وغيرهِ، وهو وإنْ كانَ واردًا في كسوفِ الشمسِ، فالقمرُ مثلُه لجمعهِ ﷺ بينَهما في الحُكْمِ حيثُ قال: "فإذا رأيتموهُما، أي: كاسفتينِ، فصلُّوا وادعُوا"، والأصلُ استواءُهما في كيفيةِ الصلاةِ ونحوها، وهوَ مذهبُ أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي حنيفةَ، وابن خزيمةَ، وابنِ المنذرِ (٧) وآخرينَ. الثاني: يسرُّ مطلقًا لحديثِ ابن عباسٍ (٨): "أنهُ ﷺ قامَ قيامًا طويلًا نحوًا من

стр. 895

سورةِ البقرةِ"، فلو جهرَ لم يقدِّرْهُ بما ذكرَ، وقد علَّقَ [الشافعي] (١) عن ابن عباسٍ: "أنهُ قامَ بجنبِ النبيِّ ﷺ في الكسوفِ فلم يسمعْ منهُ حرفًا"، ووصلهُ البيهقيُّ (٢) من ثلاثِ طرقٍ أسانيدُها واهيةٌ، فيضعفُ القولُ بأنهُ يحتملُ أن ابنَ عباسٍ كانَ بعيدًا منهُ ﷺ فلمْ يسمعْ جهرَهُ بالقراءةِ. الثالثُ: أنهُ يخيّرُ [فيهما] (٣) بينَ الجهرِ والإسرار لثبوتِ الأمرينِ عنهُ ﷺ ما عرفتَ من أدلّةِ القولينِ. الرابعُ: أنهُ يسرُّ في الشمسِ، ويجهرُ في القمرِ، وهوَ لمنْ عدا الحنفية منَ الأربعةِ عملًا بحديثِ ابن عباسٍ، وقياسًا على الصلواتِ الخمسِ، وما تقدمَ من دليلِ أهلِ الجهرِ مطلقًا أنهضُ مما قالوهُ. وقد أفادَ حديثُ البابِ أن صفةَ صلاةِ الكسوفِ ركعتانِ، في كلِّ ركعةٍ ركوعانِ، وفي كلّ ركعةٍ سجدتانِ، ويأتي في شرحِ الحديثِ الرابعِ الخلافُ في ذلكَ. (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عن عائشةَ (فبعثَ) أي: النبيُّ ﷺ (مناديًا ينادي: الصلاةٌ جامعةٌ) بنصبِ الصلاةِ وجامعةٍ، فالأولُ على أنهُ مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: احضُروا، والثاني على الحالِ، ويجوزُ رفعُهما على الابتداءِ والخبرِ، وفيهِ تقاديرُ أُخَرُ. وهوَ دليل على مشروعيةِ الإعلامِ بهذا اللفظِ للاجتماعِ لها، ولم يردِ الأمرُ بهذا اللفظِ عنهُ ﷺ إلَّا في هذهِ الصلاةِ. الجماعة لصلاة الكسوف والتطويل فيها ٤/ ٤٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ

стр. 896

رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): صَلَّى حِينَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵁ قالَ: انخسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فصلَّى فقامَ قيامًا طويلًا نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرة، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفعَ فقامَ قيامًا طويلًا، وهوَ دونَ القيامِ الأَوَّلِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ [الركوع] (٣) الأولِ، ثمَّ سجدَ، ثمَّ قامَ قيامًا طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأولِ، ثمَّ رفعَ فقامَ طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأول، [ثمَّ رفع رأسهُ] (٣)، ثمَّ سجدَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ فخطبَ الناسَ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاري). قولُه: فصلَّى، ظاهرُ الفاء التعقيبُ. واعلمْ أن صلاةَ الكسوفِ [وردت] (٤) على وجوهٍ كثيرةٍ (٥) ذكرَها الشيخانِ (٦)،
следующие страницы →