← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 892–931 · переход к 897.

стр. 892

واختلفَ العلماءُ في اللفظينِ هلْ يستعملانِ في الشمسِ والقمرِ، أو يخصُّ كلُّ لفظٍ بواحدٍ منهما. وقد ثبتَ في القرآن نسبةُ الخسوفِ إلى القمرِ، ووردَ في الحديثِ خسفتْ الشمسِ كما ثبتَ فيهِ نسبةُ الكسوفِ [إليهما] (١)، وثبتَ استعمالُهما منسوبينِ إليهمَا فيقالُ فيهمَا: الشمسُ والقمرُ ينخسفانِ وينكسفانِ، إنَّما الذي لم يردْ في [الأحاديث] (٢) نسبةُ الكسوفِ إلى القمرِ على جهةِ الانفرادِ، وعلى هذا يدلُّ استعمالُ الفقهاءِ، فإنَّهم يخصُّونَ الكسوفَ بالشمسِ والخسوفَ بالقمرِ، واختارُه ثعلبٌ. وقالَ الجوهريُّ (٣): إنهُ أفصحُ. وقيلَ: يقالُ بهمَا في كلٍّ منهما. والكسوفُ لغةً التغيرُ إلى السوادِ، والخسوفُ النقصانُ، وفي ذلكَ أقوالٌ أُخَرُ، وإنَّما قالُوا: إنَّها كُسِفَتْ لموتِ إبراهيمَ لأنَّها كسفتْ في غيرِ يومِ كسوفِها المعتادِ، فإنَّ كسوفَها في العاشرِ أو الرابعِ لا يكادُ يتفقُ، فلِذَا قالُوا: إنَّما هوَ لأجلِ هذا الخطبِ العظيمِ، فردَّ عليهمْ ﷺ ذلكَ، وأخبرَهم أنَّهما علامتانِ مِنَ العلاماتِ الدالَّةِ على وحدانيةِ اللَّهِ تعالى وقدرتهِ، وعلى تخويفِ عبادِهِ من بأسِهِ وسَطْوتِهِ. والحديثُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٤). وفي قولهِ: "لحياتهِ" معَ أنَّهم لم يدَّعُوا ذلكَ بيانُ أنهُ لا فرقَ بين الأمرينِ، فكما أنَّكمْ لا تقولونَ بكسوفِهما لحياةِ أحدٍ كذلكَ لا يكسفانِ لموتهِ، أوْ كانَّ المرادَ من حياتهِ صحتُه من مرضهِ وخوِهِ، ثمَّ ذكرَ القمرَ معَ أن الكلامَ خاصٌّ بكسوفِ الشمسِ زيادة في الإفادةِ والبيانِ أن حكمَ النيِّرينِ واحدٌ في ذلكَ، ثمَّ أرشدَ العبادَ إلى ما [شُرعَ] (٥) عندَ رؤيةِ ذلكَ منَ الصلاةِ والدعاءِ ويأتي صفةُ الصلاةِ. والأمرُ دليلُ الوجوبِ، إلَّا أنهُ حملهُ الجمهورُ على أنهُ سنةٌ مؤكّدةٌ لانحصارِ الواجباتِ في الخمسِ الصلواتِ، وصرّحَ أَبو عوانةَ في صحيحهِ (٦) بوجوبِها، ونُقِلَ عن أَبي حنيفةَ (٧) أنهُ أوجبَها، وجعلَ ﷺ غايةَ وقتِ الدعاءِ والصلاةِ انكشافَ

стр. 893

الكسوفِ، فدلَّ على أنَّها تفوتُ الصلاةُ بالانجلاءِ، فإذا انجلتْ وهوَ في الصلاةِ فلا يتمُّها بل يقتصرُ على ما فعلَ إلَّا أن في روايةٍ لمسلمٍ (١): فسلَّمَ وقدِ انجلتْ، فدلَّ أنهُ يتمُّ الصلاةَ وإنْ كانَ قد حصلَ الانجلاءُ، ويؤيّدُهُ القياسُ على سائرِ الصلواتِ؛ فإنَّها تقيَّدُ بركعةٍ كما سلفَ فإذا أتَى بركعةٍ أتمَّها. وفيهِ دليلٌ على أنَّ فعلَها يتقيّدُ بحصولِ السببِ في أيِّ وقتٍ كانَ مِنَ الأوقاتِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وعندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ ما عدا أوقاتِ الكراهةِ، (وفي روايةٍ للبخاريِّ) أي: عن المغيرةِ (حتَّى تنجليَ) عوضُ قولهِ: تنكشفَ، والمعنى واحدٌ. ٢/ ٤٧١ - وَللْبُخَارِيِّ (٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: "فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ". [صحيح] (وللبخاريِّ من حديثِ أَبي بكرةَ ﵁: فصلُّوا وادعُوا حتَّى ينكشفَ ما بكمْ)، هوَ أولُ حديثٍ ساقهُ البخاريّ في بابِ الكسوفِ، ولفظهُ: "يكشفَ"، والمرادُ: يرتفعُ ما حلَّ بكمْ من كسوفِ الشمسِ أوِ القمرِ. كيف يقرأ في صلاة الكسوف ٣/ ٤٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقَرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (٤): فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. (وعن عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ جهرَ في صلاةِ الكسوفِ بقراءتهِ فصلَّى أربعَ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ بدليلِ قولِها: (في ركعتينِ وأربعَ سجداتٍ. متفقٌ عليه، وهذا لفظُ مسلمٍ).

стр. 894

الحديثُ دليلٌ علي شرعيةِ الجهرِ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، والمرادُ هنا: كسوفُ الشمسِ لما أخرجهُ أحمدُ (١) بلفظِ: "خسفتِ الشمسُ"، وقالَ: "ثمَّ قرأ فجهرَ بالقراءةِ"، وقدْ أخرجَ الجهرَ أيضًا الترمذيُّ (٢)، والطحاويُّ (٣)، والدارقطنيُّ (٤)، وقد أخرجَ ابنُ خزيمةَ (٥) وغيرُه عن عليٍّ ﵇ مرفوعًا الجهرَ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، وفي ذلكَ أقوالٌ أربعةٌ: الأولُ: [أنهُ] (٦) يجهرُ بالقراءةِ مطلقًا في كسوفِ الشمسِ والقمرِ لهذا الحديثِ وغيرهِ، وهو وإنْ كانَ واردًا في كسوفِ الشمسِ، فالقمرُ مثلُه لجمعهِ ﷺ بينَهما في الحُكْمِ حيثُ قال: "فإذا رأيتموهُما، أي: كاسفتينِ، فصلُّوا وادعُوا"، والأصلُ استواءُهما في كيفيةِ الصلاةِ ونحوها، وهوَ مذهبُ أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي حنيفةَ، وابن خزيمةَ، وابنِ المنذرِ (٧) وآخرينَ. الثاني: يسرُّ مطلقًا لحديثِ ابن عباسٍ (٨): "أنهُ ﷺ قامَ قيامًا طويلًا نحوًا من

стр. 895

سورةِ البقرةِ"، فلو جهرَ لم يقدِّرْهُ بما ذكرَ، وقد علَّقَ [الشافعي] (١) عن ابن عباسٍ: "أنهُ قامَ بجنبِ النبيِّ ﷺ في الكسوفِ فلم يسمعْ منهُ حرفًا"، ووصلهُ البيهقيُّ (٢) من ثلاثِ طرقٍ أسانيدُها واهيةٌ، فيضعفُ القولُ بأنهُ يحتملُ أن ابنَ عباسٍ كانَ بعيدًا منهُ ﷺ فلمْ يسمعْ جهرَهُ بالقراءةِ. الثالثُ: أنهُ يخيّرُ [فيهما] (٣) بينَ الجهرِ والإسرار لثبوتِ الأمرينِ عنهُ ﷺ ما عرفتَ من أدلّةِ القولينِ. الرابعُ: أنهُ يسرُّ في الشمسِ، ويجهرُ في القمرِ، وهوَ لمنْ عدا الحنفية منَ الأربعةِ عملًا بحديثِ ابن عباسٍ، وقياسًا على الصلواتِ الخمسِ، وما تقدمَ من دليلِ أهلِ الجهرِ مطلقًا أنهضُ مما قالوهُ. وقد أفادَ حديثُ البابِ أن صفةَ صلاةِ الكسوفِ ركعتانِ، في كلِّ ركعةٍ ركوعانِ، وفي كلّ ركعةٍ سجدتانِ، ويأتي في شرحِ الحديثِ الرابعِ الخلافُ في ذلكَ. (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عن عائشةَ (فبعثَ) أي: النبيُّ ﷺ (مناديًا ينادي: الصلاةٌ جامعةٌ) بنصبِ الصلاةِ وجامعةٍ، فالأولُ على أنهُ مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: احضُروا، والثاني على الحالِ، ويجوزُ رفعُهما على الابتداءِ والخبرِ، وفيهِ تقاديرُ أُخَرُ. وهوَ دليل على مشروعيةِ الإعلامِ بهذا اللفظِ للاجتماعِ لها، ولم يردِ الأمرُ بهذا اللفظِ عنهُ ﷺ إلَّا في هذهِ الصلاةِ. الجماعة لصلاة الكسوف والتطويل فيها ٤/ ٤٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ

стр. 896

رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): صَلَّى حِينَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵁ قالَ: انخسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فصلَّى فقامَ قيامًا طويلًا نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرة، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفعَ فقامَ قيامًا طويلًا، وهوَ دونَ القيامِ الأَوَّلِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ [الركوع] (٣) الأولِ، ثمَّ سجدَ، ثمَّ قامَ قيامًا طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأولِ، ثمَّ رفعَ فقامَ طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأول، [ثمَّ رفع رأسهُ] (٣)، ثمَّ سجدَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ فخطبَ الناسَ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاري). قولُه: فصلَّى، ظاهرُ الفاء التعقيبُ. واعلمْ أن صلاةَ الكسوفِ [وردت] (٤) على وجوهٍ كثيرةٍ (٥) ذكرَها الشيخانِ (٦)،

стр. 897

وأبو داودَ، وغيرُهم (١). وهيَ سنةٌ باتفاقِ العلماءِ. وفي دعوى الاتفاقِ نظرٌ، لأنه صرَّحَ أبو عوانةَ في صحيحهِ بوجوبها (٢). وحُكِيَ عن مالكٍ أنهُ أجراها مَجْرى الجمعةِ. وتقدمَ عن أبي حنيفةَ إيجابُها. ومذهبُ الشافعيِّ وجماعةٍ أنها تُسَنُّ في جماعة. وقال آخرونَ: فُرادَى، وحجّةُ الأَوَّلينَ الأحاديثُ الصحيحةُ من فعلهِ ﷺ لها جماعةً، ثمَّ اختلفُوا في صفتِها: فالجمهورُ أنَّها ركعتانِ في كلِّ ركعةٍ قيامانِ وقراءتانِ وركوعانِ، والسجودُ سجدتانِ كغيرِها، وهذه الكيفيةُ ذهبَ إليها مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ، وآخرونَ. وفي قولهِ: "نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرةِ"، دليلٌ على أنهُ يقرأُ فيها القرآنُ. قالَ النوويُّ (٣): اتّفقَ العلماءُ أنهُ يقرأُ في القيامِ الأَولِ من أول ركعة [فاتحة الكتاب] (٤). واختلفُوا في القيامِ الثاني، ومذهبُنا ومالكٌ أنَّها لا تصحُّ الصلاةُ إلَّا بقراءتِها. وفيهِ دليلٌ على شرعيّةِ طولِ الركوعِ. قالَ المصنفُ: لم أرَ في شيء منَ الطرقِ بيانَ ما قالهُ ﷺ فيهِ، إلَّا أن العلماءَ اتفقُوا أنهُ لا قراءةَ فيهِ، وإنَّما المشروعُ فيهِ الذكرُ من تسبيع وتكبيير وغيرِهما. وفي قولهِ: "وهوَ دونَ [الركوع] (٥) الأولِ، [ثم سجد] (٥) "دلالةٌ على أن القيامَ الذي يعقبهُ السجودُ لا تطويلَ فيهِ، وأنهُ دونَ الأولِ وإنْ كانَ قد وقعَ في روايةٍ مسلمٍ (٦) في حديثٍ جابرٍ: "أنهُ أطالَ ذلكَ"، لكنْ قالَ النوويُّ (٧): إنَّها شاذّةٌ فلا يعملُ بها، ونقلَ القاضي إجماعَ العلماءِ أنهُ لا يطولُ الاعتدالَ الذي يلي السجودَ، وتأويلُ هذهِ الرواية بأنهُ أرادَ بالإطالةِ زيادة الطمأنينةِ، ولمْ يذكرْ في هذهِ

стр. 898

الروايةِ طولَ السجودِ، ولكنهُ قدْ [ثبتتْ] (١) إطالتُه في روايةٍ أبي موسى عندَ البخاريِّ (٢). وحديثُ ابن عمرَ عندَ مسلمٍ (٣)، قالَ النوويُّ (٤): قالَ المحقّقونَ من أصحابنا: وهوَ المنصوصُ للشافعيِّ إنهُ يطولُ للأحاديثِ الصحيحةِ بذلكَ، فأخرجَ أبو داودَ (٥)، والنسائيذُ (٦) من حديثٍ سمُرةَ: "كانَ أطولَ ما يسجدُ في صلاةٍ قطُّ"، وفي روايةٍ مسلمٍ (٧) من حديثٍ جابرٍ: "وسجودُه نحوٌ من ركوعِه"، وبهِ جزمَ أهلُ العلمِ بالحديثِ. ويقولُ عقيبَ كلِّ ركوعٍ سمعَ اللَّهُ لمن حَمدهُ، ثمَّ يقولُ عقيبهُ؛ ربَّنا لكَ الحمدُ … إلى آخرهِ، ويطولُ الجلوسُ بينَ السجدتينِ، فقد وقعَ في روايةٍ مسلمٍ (٨) لحديثِ جابرٍ إطالةُ الاعتدالِ بينَ [السجدتين] (٩). قالَ المصنفُ: لم أقفْ عليهِ في شيءٍ منَ الطرقِ إلَّا في هذا. ونَقْلُ الغزاليِّ الاتفاقَ على عدم إطالتهِ (١٠) مردودٌ، وفي قولهِ: "ثمَّ قامَ قيامًا طويلًا وهوَ دونَ القيام الأَوَّلِ"، دليل على إطالةِ القيامِ في الركعةِ الثانيةِ، ولكنهُ دونَ القيامِ في الركعةِ الأُولى. وقد وردَ في روايةٍ أبي داودَ (١١) عن عروةَ: "أنهُ قرأ آلَ عمرانَ"، قال ابنُ بطالٍ: لا خلافَ أن

стр. 899

الركعةَ الأُولى بقيامِها وركوعِها تكونُ أطولَ منَ الركعةِ الثانيةِ بقيامِها وركوعِها، واختُلِفَ في القيام الأولِ منَ الثانيةِ وركوعِهِ، هل هما أقصرُ منَ القيامِ الثاني منَ الأول وركوعِهِ، أَو يكونانِ سواءً، قيلَ: وسببُ هذا الخلافِ فهمُ معنَى قولِهِ: "وهوَ دونَ القيامِ الأولِ"، هل المرادُ بهِ الأولُ منَ الثانيةِ، أو يرجعُ إلى الجميعِ، فيكونُ كلُّ قيامٍ دون الذي قبلَهُ. وفي قولِه: "فخطبَ الناسَ" دليلٌ على شرعيّةِ الخطبةِ بعدَ صلاةِ الكسوفِ، وإلى استحبابِها ذهبَ الشافعي، [وكثيرٌ من] (١) أئمةِ الحديثِ. وعنِ الحنفيةِ: لا خطبةَ في الكسوفِ، لأنَّها لمْ تنقَلْ. وتُعُقِّبَ بالأحاديثِ المصرّحةِ بالخطبةِ، والقولُ بأنَّ الذي فعلَه ﷺ لم يقصدْ بهِ الخطبةَ، بل قصدَ الردَّ على مَنِ اعتقدَ أن الكسوفَ بسببِ موتِ أحدٍ [متعقَّبٌ] (٢) بأنَّ روايةَ البخاريّ (٣): "فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ"، وفي روايةٍ (٤): "وشهدَ أنهُ عَبْدُهُ ورسولُهُ"، وفي روايةٍ للبخاريِّ (٥): "أنهُ ذكرَ أحوالَ الجنةِ والنارِ وغيرَ ذلكَ"، وهذه مقاصدُ الخطبة. [وفي لفظِ مسلمٍ] (٦) من حديثٍ فاطمةَ عن أسماءَ "قالتْ: فخطبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الناسَ، فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ ثمَّ قالَ: أمّا بعدُ، ما مِنْ شيءٍ لم أكنْ رأيتُه إلَّا قد رأيتهُ في مقامي هذا حتَّى الجنةَ والنارَ، وإنهُ قد أُوحيَ إليَّ أنكم تُفْتَنونَ في القبور، قريبًا أو مثلَ فتنةِ المسيحِ الدجّالِ، لا أدري أيَّ ذلك قالَ، قالتْ أسماء: فيؤتى أحدُكم فيقالُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ، فأمّا المؤمنُ أو الموقنُ، لا أدري أيَّ ذلكَ [قالَ] (٧)، قالتْ أسماءُ: فيقولُ هوَ محمدٌ رسولُ اللَّهِ، جاءَنا بالبيّناتِ والهدَى، فأجبْنَا وأطعْنا ثلاثَ مراتٍ، ثمَّ يقالُ: نَمْ قدْ كنَّا نعلمُ

стр. 900

أنَّكَ تؤمنُ بهِ فنَمْ صالحًا"، وفي مسلمٍ (١) روايةٌ أُخرى في الخطبةِ بألفاظٍ فيها زيادةٌ. (وفي روايةٍ لمسلمٍ) [أي] (٢) عن ابن عباسٍ (صلَّى) أي: النبيُّ ﷺ (حينَ كسفتِ الشمس ثماني ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ (في أربعِ سجدات) في ركعتينِ لأنَّ كلَّ ركعةٍ لها سجدتانِ، والمرادُ أنهُ ركعَ في كلّ ركعةٍ أربعَ ركوعاتٍ فيحصلُ في الركعتينِ ثماني ركوعاتٍ، وإلى هذهِ الصفةِ ذهبتْ طائفةٌ. ٥/ ٤٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ (٣) ﵁ مِثْلُ ذلِكَ. [صحيح] (وعن عليٍّ ﵇ أي: وأخرجَ مسلم [عنه] (٢) (مثل ذلك) أي: مثل روايةٍ ابن عباسٍ. ٦/ ٤٧٥ - وَلَهُ (٤) عَنْ جَابِرٍ: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. [صحيح] (ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن جابرٍ) بن عبدِ اللَّهِ (صلَّى) أي: النَّبيُّ ﷺ (ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سجداتٍ) أي: صلَّى ركعتينِ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ وسجدتانِ. ٧/ ٤٧٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ (٥)، عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْب ﵁: صَلَّى، فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذلِكَ. [ضعيف] (ولأبي داودَ عن أُبيِّ بن كعبٍ ﵁: صلَّى) أي: النبيُّ ﷺ (فركعَ خمسَ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ في كلّ ركعةٍ، (وسجدَ سجدتينِ، وفعلَ في الثانيةَ مثلَ ذلكَ) ركعَ خمسَ ركوعاتٍ، وسجدَ سجدتين. إذا عرفتَ هذه الأحاديثَ فقد يحصلُ من مجموعِها أنَّ صلاةَ الكسوفِ ركعتانِ اتفاقًا إنَّما اختُلِفَ في كمّيةِ الركوعاتِ في كلِّ

стр. 901

ركعةٍ فحصلَ منْ مجموعِ الرواياتِ التي ساقَها المصنفُ أربعُ صورٍ: الأولى: ركعتان في كلّ ركعة ركوعانِ، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، ومالكٌ، والليثُ، وأحمدُ وغيرهم. وعليها دلَّ حديثُ عائشةَ، وجابرٍ، وابنِ عباسٍ، وابن عمرَ. قالَ ابنُ عبد البرِّ (١): هوَ أصحُّ ما في الباب وباقي الرواياتِ معلَّلةٌ ضعيفةٌ. الثانيةُ: ركعتانِ أيضًا في كلّ ركعةٍ أربعُ ركوعاتٍ، وهي التي أفادتها روايةُ مسلمٍ عن ابن عباسٍ وعليٍّ ﵇. والثالثة: ركعتان أيضًا في كل ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ، وعليها دلَّ حديثُ جابرٍ. والرابعةُ: ركعتانِ أيضًا يركعُ في كلّ واحدةٍ خمسَ ركوعاتٍ. ولما اختلَفتِ الرواياتُ اختلفَ العلماءُ؛ فالجمهورُ أخذُوا بالأُولى لما عرفتَ من كلامِ ابن عبد البرِّ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (٢): إنهُ أخذَ بكلّ نوعٍ بعضُ الصحابةِ، وقالَ جماعةٌ منَ المحقّقينَ: إنهُ مخيَّر بينَ الأنواعِ فأيَّها فعلَ فقد أحسنَ، وهو مبنيٌّ على أنهُ تعدّدَ الكسوفُ، وأنهُ فعلَ هذا تارةً وهذا أُخْرَى، ولكنَّ التحقيقَ أن كلَّ الرواياتِ حكايةٌ عن واقعةٍ واحدةٍ هيَ صلاتهُ ﷺ يومَ وفاةِ إبراهيمَ، ولهذا عوَّلَ الآخرونَ على إعلالِ الأحاديثِ التي حكتِ الصورَ الثلاثَ. قالَ ابن القيِّم (٣) ﵀: كبارُ الأئمةِ لا يصحّحونَ التعدّدَ لذلكَ؛ كالإمامِ أحمدَ، والبخاريِّ، والشافعيِّ، ويرَوهُ غلطًا. وذهبتِ الحنفيةُ إلى أنَّها تُصَلَّى ركعتينِ كسائرِ النوافلِ. ٨/ ٤٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا هَبَّتِ الرَّيحُ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا"، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (٤)، وَالطَّبَرَانِى (٥). [ضعيف]

стр. 902

(وعن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: ما هبَتْ ريحٌ قطُّ إلَّا جثَا) بالجيم والمثلثةِ (النبيُّ ﷺ عدى ركبتَيْهِ) أي: بركَ عليهما، وهي قعدةُ المخافة لا يفعلُها في الأغلبِ إلَّا الخائِفُ (وقالَ: اللَّهمَّ اجعلْها رحمةً ولا تجعلْها عذابًا. رواهُ الشافعيُّ والطبرانيُّ). الريحُ: اسمُ جنسٍ صادقٌ على ما يأتي بالرحمة، [وما يأتي] (١) بالعذابِ. وقد وردَ في حديثٍ أبي هريرةَ (٢) مرفوعًا: "الريحُ من روحِ اللَّهِ تأتي بالرحمةِ وبالعذابِ فلا تسبُّوها". وقد وردَ في تمامِ حديثٍ ابن عباسٍ: "اللَّهمّ اجعلْها رياحًا ولا تجعلها ريحًا"، وهو يدلُّ أن المفردَ يختصُّ بالعذاب والجمعَ بالرحمةِ. قالَ ابنُ عباس في كتابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٣)، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٤)، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٥)، ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٦)، رواهُ الشافعيُّ و [البيهقيُّ] (٧) في الدعوات [الكبير] (٨)، وهو بيانٌ أنَّها جاءتْ مجموعةَ في الرحمةِ ومفردةً في العذابِ، فاستشكلَ ما في الحديثِ من طلبِ أنْ تكون رحمة، وأجيبَ بأنَّ المرادَ لا تهلكْنَا بهذهِ الريح؛ لأنَّهم لو هلكُوا بهذهِ الريحِ لم تهبَّ [بعدها] (٩) عليهمْ ريحٌ أُخْرَى، فتكونُ ريحًا لا رياحًا. ٩/ ٤٧٨ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الآياتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (١٠). [ضعيف]

стр. 903

وَذَكَرَ الشَّافِعِي (١) عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ مِثْلهُ دُونَ آخِرِهِ. [ضعيف] (وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (صلَّى في زلزلةٍ ستَّ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ (أربعَ سَجَداتٍ) أي: صلَّى ركعتينِ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ (وقال: هكذا صلاةُ الآيات. رواهُ البيهقيُّ، وذكرَ الشافعيُّ عن عليٍّ مثلَه دونَ آخرهِ)، وهو قولُه: "هكذَا صلاةُ الآياتِ". أخرجهُ البيهقيُّ (٢) من طريقِ عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ [عنه] (٣) أنهُ كانَ ذلكَ في زلزلةٍ في البصرةِ، ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) من هذا الوجهِ مختصرًا: "أن أبنَ عباسٍ صلَّى بهمْ في زلزلةٍ أربعَ سجداتِ ركعَ فيها ستًّا". وظاهرُ اللفظِ أنهُ صلَّى بهمْ جماعةً. وإلى هذا ذهبَ القاسمُ منَ الآلِ. [وقالَ] (٥): يصلِّي للأفزاعِ مثلَ صلاةِ الكسوفِ، وإنْ شاءَ ركعتينِ، ووافقهُ على ذلكَ أحمدَ بنُ حنبلٍ، ولكنْ قالَ: كصلاةِ الكسوفِ. قلتُ: لكنَّ في كتبِ الحنابلةِ أنهُ يصلِّي الكسوفَ ركعتينِ إذا شاءَ، وذهبَ الشافعيُّ وغيرهُ إلى أنهُ لا يسنُّ التجميعُ، وأمّا صلاةُ المنفردِ فحسنٌ، قالَ: لأنهُ لم يُرْوَ أنهُ ﷺ أمرَ بالتجميعِ إلَّا في الكسوفينِ.

стр. 904

[الباب السادس عشر] بابُ صلاةِ الاستسقاءِ أي: طلب [سقايةِ] (١) اللَّهِ تعالى عندَ حدوثِ الجَدْبِ، أخرجَ ابنُ ماجَهْ (٢) من حديثٍ ابن عمرَ "أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لمْ ينقِصْ قومٌ المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذُوا بالسنينَ، وشدّةِ المؤنةِ، وجورِ السلطانِ عليهم، ولم يمنعُوا زكاةَ أموالهم إلّا مُنِعُوا القطرَ منَ السماءِ".

стр. 905

حكم صلاة الاستسقاء وصفتها والخطبة لها ١/ ٤٧٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ التّرْمِذِيُّ (٢)، وَأَبُو عَوَانَةَ (٣)، وَابْنُ حِبَّان (٤). [حسن] (عن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: خرجَ النبيُّ ﷺ ) أي: من المدينةِ (متواضعًا متبذّلًا) بالمثناةِ الفوقيةِ [فموحَّدة] (٥)، فذالٍ معجمةٍ، أي: أنهُ لابسٌ ثيابَ البذلةِ، والمرادُ تركُ الزينةِ وحسنِ الهيئةِ تواضعًا إظهارًا للحاجةِ (متخشّعًا)، الخشوعُ في الصوتِ والبصرِ كالخضوعِ في البدنِ، (مترسَلًا) منَ [الترسيل] (٦) في المشي وهو التأنّي وعدم العجلةِ، (متضرّعًا) لفظُ أبي داودَ: "متبذّلًا متواضعًا متضرّعًا"، والتضرُّعُ: التذلُّلُ والمبالغةُ في السؤالِ والرَّغبةِ كما في النهاية (٧)، (فصلَّى ركعتينِ كما يصلِّي في العيدِ لم يخطبْ خطبتَكم هذهِ)، [تمامه من] (٨) لفظِ أبي داودَ (٩): "ولكنْ لم يزلْ في الدعاءِ والتضرُّعِ والتكبيرِ، ثمَّ صلَّى ركعتينِ كما يصلّي في العيدِ"، فأفادَ لفظُه أن الصلاةَ كانتْ بعدَ الدعاءِ، واللفظُ الذي أتَى بهِ المصنفُ غيرُ صريح في ذلكَ

стр. 906

(رواهُ الخمسة، وصحَّحه الترمذيُّ وأبو عوانةَ، وابن حبّانَ)، وأخرجهُ الحاكمُ (١)، والبيهقيُّ (٢)، والدارقطنيُّ (٣). والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الصلاةِ للاستسقاءِ، وإليهِ ذهبَ الآلُ، وقالَ أبو حنيفةَ" لا يصلَّى للاستسقاءِ وإنَّما شرعَ الدعاءُ فقط، ثمَّ اختلفَ القائلونَ بشرعيةِ الصلاةِ، فقالَ جماعة: إنَّها كصلاةِ العيدِ في تكبيرها وقراءتِها، وهوَ المنصوصُ للشافعي عملًا بظاهرِ لفظِ ابن عباسٍ. وقال آخرونَ: بل يصلّي ركعتينِ لا صفةَ لهما زائدةٌ على ذلكَ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ. ويُرْوَى عن عليٍّ ﵇، وبهِ قالَ مالكٌ مستدلّينَ بما أخرجهُ البخاريُّ (٤) من حديثٍ عبَّادِ بن تميمٍ: "أنهُ ﷺ صلَّى بهم ركعتينِ"، وكما يفيدُه حديثُ عائشةَ الآتي قريبًا (٥)، وتأوّلُوا حديثَ ابن عباسٍ بأنَّ المرادَ التشبيهُ في العددِ لا في الصفةِ، ويبعدُه أنهُ قد أخرجَ الدارقطنيُّ (٦) من حديثٍ ابن عباسٍ: "أنهُ يكبّرُ فيها سبعًا وخمسًا كالعيدينِ، ويقرأُ بسبِّح، وهلْ أتاكَ"، وإنْ كانَ في إسنادهِ مقالٌ؛ فإنهُ يؤيّدُهُ حديثُ البابِ. وأمّا أبو حنيفةَ فاستدلَّ بما أخرجهُ أبو داودَ (٧)، والترمذيُّ (٨): "أنهُ ﷺ

стр. 907

استسْقَى عندَ أحجارِ الزيتِ (١) بالدعاءِ"، وأخرجَ أبو عوانةَ في صحيحهِ (٢): "أنهُ شكا إليهِ ﷺ قومٌ القحطَ فقالَ: اجْثُوا على الركبِ وقولُوا: يا ربُّ يا ربُّ"، وأجيبَ عنهُ بأنهُ قد ثبتَ صلاةُ ركعتينِ، وثبتَ تركُها في بعضِ الأحيانِ لبيانِ الجوازِ. وقد عدَّ في الهدي النبويّ (٣) أنواعَ استسقائِهِ ﷺ . فالأولُ: خروجُهُ ﷺ إلى المصلَّى وصلاتُهُ وخطبتُهُ. والثاني: يومُ الجمعةِ على المنبرِ أثناءَ الخطبةِ. الثالثُ: استسقاؤُه على منبرِ المدينةِ، استسقَى مجرّدًا في غيرِ يومِ الجمعةِ، ولمْ يُحفظْ عنهُ فيهِ صلاةٌ. الرابعُ: أنهُ استسقَى وهو جالسٌ في المسجدِ، فرفعَ يديهِ ودعا اللَّهَ . الخامسُ: أنهُ استسقَى عندَ أحجارِ الزيتِ قريبًا منَ الزوراءِ، وهي خارجُ بابِ المسجدِ. السادسُ: أنهُ استسقَى في بعضِ غزواتهِ لما سبقهُ المشركونَ إلى الماءِ، وأغيثَ ﷺ في كلِّ مرةٍ استسقَى فيها. واختُلِفَ في الخطبةِ في الاستسقاءِ، فذهبَ الهادي إلى أنهُ لا يخطبُ فيهِ لقولِ ابن عباسٍ: "لم يخطبْ"، إلَّا أنهُ لا يَخْفَى أنهُ ينفي الخطبةَ المشابهةَ لخطبتِهم، وذكرَ ما قالهُ ﷺ . وقد زادَ في روايةٍ أبي داودَ (٤): "أنهُ ﷺ رقَى المنبرَ". والظاهرُ أنهُ لا يرقاهُ إلَّا للخطبةِ، وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يُخطَبُ فيها كالجمعةِ لحديثِ عائشةَ الآتي (٥)، وحديثِ ابن عباسٍ (٦)، ثمَّ اختلفُوا: هلْ

стр. 908

يُخْطَبُ قبلَ الصلاةِ أو بعدَها، فذهبَ الناصرُ وجماعةٌ إلى الأولِ، وذهبَ الشافعيُّ وآخرونَ إلى الثاني، مستدلّينَ بحديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (١)، وابنِ ماجَهْ (٢)، وأبي عوانةَ (٣)، والبيهقيِّ (٤): "أنهُ ﷺ خرجَ للاستسقاءِ فصلَّى ركعتينِ، ثمَّ خطبَ". واستدلَّ الأوَّلونَ بحديثِ ابن عباسٍ، وقد قدَّمْنَا لفظَهُ. وجُمِعَ بينَ الحديثينِ بأنَّ الذي بدأ بهِ هوَ الدعاءُ، فعبّرَ بعضُ الرواة عن الدعاءِ بالخطبةِ، واقتصرَ على ذلكَ، ولم يروِ الخطبةَ بعدَها، والراوي لتقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ اقتصرَ على ذلكَ ولم يروِ الدعاءَ قبلَها. وهذا جمعٌ بينَ الروايتينِ. وأمّا ما يدعُو بهِ فيتحرَّى ما وردَ عنهُ ﷺ من ذلكَ، وقد أبانَ الألفاظَ التي دعا بِها ﷺ بقولهِ. ٢/ ٤٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ

стр. 909

الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَينَا الْغَيثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ عَلَينَا قُوَّةً وَبَلاغًا إِلَى حِينَ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [حسن] (وعن عائشةَ قالتْ: شكا الناسُ إلى رسول اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ المطرِ) هوَ مصدرٌ كالقحطِ، (فأمرَ بمنبرٍ فوضِعَ لهُ في المصلَّى، ووعدَ الناسَ يومًا يخرجونَ فيهِ) عَيَّنَهُ لهم، (فخرجَ حينَ بدا حاجبُ الشمسِ، فقعدَ على المنبرِ) قالَ ابنُ القيم (٢): إنْ صحَّ، إلَّا ففي القلبِ منهُ شيءٌ، (فكبّرَ وحمدَ اللَّهَ ثمَّ قال: إنَّكم شكوتم جَدْبَ دياركم فقدْ أمركمُ اللَّهُ أنْ تدعوهُ) قالَ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣)، (ووعدَكم أنْ يستجيبَ لكم) كما في الآية الأُولى، وفي قولهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٤). (ثمَّ قالَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الرَّحمن الرحيمِ) فيهِ دليلٌ على عدمِ افتتاحِ الخطبةِ بالبسملةِ، بلْ بالحمدُ [للَّهِ] (٥)، ولم تأتِ روايةٌ عنهُ ﷺ أنهُ افتتحَ الخطبةَ بغيرِ التحميدِ، (ملكِ يومِ الدينِ، لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ يفعلُ ما يريدُ، اللَّهمَّ أنتَ اللَّهُ، لا إلهَ إِلَّا أنتَ،

стр. 910

أنتَ الغنيُّ، ونحنُ الفقراءُ، أنزلْ علينا الغَيْثَ واجعلْ ما أنزلتَ [علينا] (١) قوةً وبلاغًا إلى حينَ. ثمَّ رفعَ يديهِ فلم يزلْ) في سننِ أبي داودَ: "في الرفعِ" (حتَّى [رُئي] (٢) بياضُ إبطيهِ، ثمَّ حوَّلَ إلى الناسِ ظهرَهُ)، فاستقبلَ القبلةَ، (وقلبَ) في سنن أبي داودَ: وحوَّل (رداءَه وهوَ رافعٌ يديهِ، ثمَّ أقبلَ على الناسِ) توجَّهَ إليهم بعدَ تحويلِ ظهرهِ عنهم، (ونزلَ) أي: عن المنبرِ (فصلَّى ركعتينِ، فأنشأ اللَّهُ سحابة، فرعدتْ وبرقتْ، ثمَّ أمطرتْ) تمامُهُ [منْ] (٣) سننِ أبي داودَ: بإذنِ اللَّهِ، فلمْ يأتِ بابَ مسجدهِ حتَّى سالتِ السيولُ، فلمَّا رأى سرعتهم إلى الكنِّ ضحكَ حتَّى بدتْ نواجذُه وقالَ: "أشهدُ أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأني عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ". (رواهُ أبو داودَ، وقالَ: غريبٌ وإسنادُهُ جيدٌ) هو من تمامِ قول أبي داودَ، ثمَّ قال أبو داودَ: "أهلُ المدينةِ يقرأونَ: ملِكِ يومِ الدينِ، وإنَّ هذا الحديثَ حجةٌ لهم". وفي قولهِ: "وعدَ الناسَ" ما يدلُّ على أنهُ يحسنُ تقديمُ تبيينِ اليومِ للناسِ ليتأهّبُوا ويتخلَّصُوا منَ المظالمِ ونحوِها، ويقدِّمُوا التوبةَ، وهذهِ الأمورُ واجبةٌ مطلقًا إلَّا أنهُ معَ حصولِ الشدةِ وطلبِ تفريجِها من اللَّهِ تعالى يتضيّقُ ذلكَ. وقد وردَ في الإسرائيلياتِ (٤): "إنَّ اللَّهَ حَرَم قومًا [من بني إسرائيل] (٥) السُّقْيا بعدَ خروجِهم لأنهُ كان فيهمْ عاصٍ واحدٍ"، ولفظُ الناسِ يعمُّ المسلمينَ وغيرهم، قيل: فيشرعُ إخراجُ أهلِ الذمَّةِ ويعتزلونَ المصلَّى.

стр. 911

وفي الحديثِ دليلٌ على شرعيةِ رفعِ اليدينِ عندَ الدعاءِ، ولكنهُ يبالغُ في رفعهِما في الاستسقاءِ حتَّى يساوي بهما وجهَهُ، ولا يجاوزُ بهمَا رأسهُ. وقد ثبتَ رفعُ اليدينِ عندَ الدعاءِ في عدةِ أحاديثَ، وصنّفَ المنذريُّ في ذلك جزءًا، وقالَ النوويُّ (١): قد جمعتُ فيها نحوًا من ثلاثينَ حديثًا منَ الصحيحينِ، أو أحدِهما، وذكرَها في أواخرِ بابِ صفةِ الصلاةِ من شرحِ المهذّبِ، وأمّا حديثُ أنسٍ (٢) في نفي رفعِ اليدينِ في غيرِ الاستسقاءِ، فالمرادُ بهِ نفيُ المبالغةِ لا نفيُ أصلِ الرفعِ. وأمّا كيفيةُ قلبِ الرداءِ فيأتي عن البخاري (٣) جعلُ اليمينِ على الشمالِ. وزادَ ابنُ ماجَهْ (٤)، وابنُ خُزيمة (٥): "وجعل الشمال على اليمين"، [وفي روايةٍ لأبي داودَ (٦): "جعلَ عطافَه الأيمنَ على عاتقهِ الأيسرِ، وعطافَه الأيسرَ على عاتقه الأيمن"] (٧)، وفي روايةٍ لأبي داودَ (٨): "أنهُ كانَ عليهِ خميصةٌ سوداءُ، فأرادَ أنْ يأخذَ بأسفلِها ويجعلَه أعلاها، فلمَّا ثقلتْ عليهِ قلبَها على عاتقهِ". [ويشرعُ] (٩) للناسِ أنْ يُحوِّلُوا معهُ لما أخرجهُ أحمدُ (١٠) بلفظِ: "وحوَّل الناسُ معهُ". وقالَ الليثُ وأبو يوسفَ: إنهُ يختصُّ التحويلُ بالإمامِ، وقالَ بعضُهم: لا تحوّلُ النساءُ. وأمّا وقتُ التحويلِ فعندَ استقبالهِ القبلةَ، ولمسلمٍ (١١): "أنهُ لما أرادَ أن يدعوَ استقبلَ القبلةَ وحوّلَ رداءَه"، ومثلهُ في البخاري (١٢).

стр. 912

وفي الحديثِ دليلٌ على أن صلاةَ الاستسقاءِ ركعتانِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ الهادي: أربعٌ بتسليمتينِ، ووجَّهَ قولَهُ بأنهُ ﷺ استسْقَى في الجمعة كما في قصةِ الأعرابي والجمعةِ بالخطبتينِ بمنزلةِ أربعِ ركعاتٍ، ولا يَخْفَى ما فيهِ. وقد ثبتَ من فعلهِ ﷺ الركعتانِ كما عرفتَ من هذا الحديثِ، والذي قبلَه، ولما ذهبتِ الحنفيةُ إلى أنهُ لا يشرعُ التحويلُ. وقد أفادهُ هذا الحديثُ الماضي، زادَ المصنفُ تقويةَ الاستدلالِ على ثبوتِ التحويلِ بقولهِ: تحويلُ الرداء في الاستسقاء والحكمة فيه ٣/ ٤٨١ - وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ في الصَّحِيحِ (١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِيهِ: فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. [صحيح] (وقصة التحويلِ في الصحيحِ) أي: صحيحِ البخاري (من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدِ) أي: المازني، وليسَ هوَ راوي الأذانِ كما وَهِمَ فيهِ بعضُ الحفاظِ، ولفظهُ في البخاري: "فاستقبلَ القبلةَ وقلبَ رداءَه"، (وفيهِ) أي: في حديثٍ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ (فتوجَّهَ) [أي: النبيُّ ﷺ ] (٢) (إلى القبلةِ يدعُو) في البخاري بعدَ: "يدعُو": "وحوَّلَ رداءَه"، وفي لفظٍ (٣): "قلبَ رداءَه"، (ثمَّ صلَّى ركعتينِ جهرَ فيهما بالقراءةِ). قالَ البخاريُّ (٤): قالَ سفيانُ: وأخبرني المسعوديُّ عن أبي بكرٍ، قالَ: "جعلَ اليمينَ على الشمالِ"، انتهَى. زادَ ابنُ خزيمةَ (٥): "والشمالَ على اليمينِ". وقد اختُلِفَ في حكمةِ التحويلِ، فأشارَ المصنّفُ إليهِ بإيرادِ الحديثِ: ٤/ ٤٨٢ - وَللدَّارَقُطْنِيِّ (٦) مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ. [ضعيف] وهوَ قولُه: (وللدارقطنيِّ من مرسلِ أبي جعفرٍ الباقرِ) (٧) هوَ محمدُ بنُ عليّ بن

стр. 913

[الحسين] (١) بن علي بن أبي طالبٍ، سمعَ أباهُ زينَ العابدينَ، وجابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، ورَوَى عنهُ ابنهُ جعفر الصادقُ وغيرُه. ولدَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ، وماتَ [بالمدينةِ] (٢) سنةَ سبعَ عشرةَ ومائةٍ، وهوَ ابنُ ثلاثٍ وستّينَ سنةً، ودفنَ بالبقيعِ في البقعةِ التي دفنَ فيها أبوهُ وعمُّ أبيهِ الحسنُ بنُ عليٍّ بن أبي طالبٍ، وسمّيَ الباقرَ لأنّهُ تبقَّرَ في العلمِ، أي: توسَّعَ فيه، انتهَى من جامعِ الأصولِ. (وحوَّلَ رداءَه ليتحوَّلَ القحطُ) وقالَ ابنُ العربي (٣): هوَ أمارةٌ بينَه وبينَ ربِّهِ. قيلَ لهُ: حوّلْ رداءَك ليتحوّلَ حالكُ، وتُعُقِّبَ قولُه هذا [بأنهُ] (٤) يحتاجُ إلى نقل، واعترضَ ابنُ العربي للقولِ بأنَّ التحويلَ للتفاؤلِ، قالَ: لأنَّ من شرطِ الفأل أنْ لا يقصدَ إليهِ، وقالَ المصنفُ (٥): إنهُ وردَ في التفاؤلِ حديثٌ رجالُه ثقاتٌ، قالَ المصنّفُ في الفتحِ: إنهُ أخرجهُ الدارقطنيُّ (٦)، والحاكمُ (٧) من طريقِ جعفرِ بن محمدٍ عن أبيهِ، عن جابرٍ فوصلَه، لأنَّ محمدَ بنَ علي لقي جابرًا ورَوَى عنه إلَّا أنهُ قال: إنه رجَّح الدارقطني إرساله، ثم قال: وعلى كل حالٍ فهو أولى من القولِ بالظنِّ. وقولُه في الحديثِ الأولى: (جهرَ فيهما بالقراءة) في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: "يجهرُ". ونقلُ ابنُ بطالٍ إنهُ مجمعٌ عليهِ، أي: على الجهرِ في صلاةِ الاستسقاءِ، وأخذَ منهُ بعضُهم أنَّها لا تصلَّى إلَّا في النهارِ ولو كانتْ تصلَّى في الليلِ لأسرَّ فيها نهارًا ولجهرَ فيها ليلًا، وفي هذا الأخذِ بُعْدٌ لا يَخْفَى. استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة ٥/ ٤٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا"، فَذَكَرَ

стр. 914

الْحَدِيثَ. وَفِيهِ الدُّعاءُ بِإِمْسَاكِها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] كتاب الصلاة (وعن أنسٍ أن رجلًا دخلَ المسجدَ يومَ الجمعةِ، والنبيُّ ﷺ قائمٌ يخطبُ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبُل، فادعُ اللَّهَ يغيثُنا، فرفعَ يَدَيْهِ) زادَ البخاريُّ في روايةٍ: "ورفعَ الناسُ أيديَهم"، ثمَّ قالَ: (اللَّهمَّ أغِثْنَا)، وفي البخاري: أسْقِنَا، (اللَّهمّ أغِثْنا. فذكرَ الحديثَ، وفيهِ الدعاءُ بإمساكِها)، أي: السحابِ عن الأمطارِ (متفقٌ عليهِ). تمامُه [في] (٢) مسلمٍ (٣): "قالَ أنسٌ: فلا واللَّهِ ما نرى في السماءِ من سحابٍ ولا قزعةٍ (٤)، وما بينَنا وبينَ سلعٍ (٥) من بيتٍ ولا دارٍ. قالَ: فطلعتْ من ورائهِ سحابةٌ مثلُ الترسِ، فلما توسَّطتِ السماءَ انتشرتْ ثمَّ أمطرتْ. قالَ: فلا واللَّهِ ما رأينا الشمسَ سبتًا، ثم دخلَ رجلٌ من ذلكَ البابِ في الجمعةِ المقبلةِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ يخطبُ، فاستقبلَهُ قائمًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السبلُ، فادعُ اللَّهَ يمسكُها عنَّا. قالَ: فرفعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يديهِ ثمَّ قالَ: "اللَّهمَّ حوالَيْنا ولا علينا، اللَّهمَّ على الآكامِ، والظرابِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ". قالَ: فانقلعتِ وخرجنا نمشي في الشمس. قالَ شريكٌ: فسألتُ أنسَ بنَ مالكٍ أهوَ الرجلُ الأولُ؟ قالَ: لا أدري"، انتهى. قالَ المصنفُ (٦): لم أقفْ على تسميتهِ في حديثٍ أنسٍ. وهلاكُ الأموالِ يعمُّ المواشي والأطيانَ، وانقطاعُ السُّبلِ عبارةٌ عن عدمِ السفرِ لضعفِ الإبلِ بسببِ عدمِ المراعي والأقواتِ، أو لأنهُ لما نفدَ ما عندَ الناسِ مِنَ الطعامِ لم يجدُوا ما يحملونهُ إلى الأسواقِ.

стр. 915

وقولُه: (يغيثُنا) يحتملُ فتحُ حرفِ المضارعةِ على أنهُ مِنْ غاثَ إمّا منَ الغيثِ أو الغوثِ، ويحتملُ ضمُّه على أنهُ مِنَ الإغاثةِ، ويرجحُ هذا قولُه: "اللَّهمّ أغِثْنا"، وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يدعَى إذا كثرَ المطرُ؛ وقد بوبَ لهُ البخاري (١): (بابُ الدعاءِ إذا كثرَ المطرُ)، وذكرَ الحديثَ، وأخرجَ الشافعيُّ في مسندهِ (٢) وهو مرسلٌ من حديثٍ المطلبِ بن حنطبٍ أن النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ عندَ المطرِ: "اللَّهمّ سُقْيا رحمةٍ، لا سُقْيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرقٍ، اللَّهمّ على الظرابِ، ومنابتِ الشجرِ، اللَّهمَّ حوالَيْنا ولا علَيْنا". التوسل بدعاء الأحياء مشروع ٦/ ٤٨٤ - وَعَنْهُ أَنَّ عمَر ﷺ كَانَ إِذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ أن عمرَ كانَ إذا قُحِطُوا) بضمِّ القافِ وكسرِ المهملةِ، أي: أصابَهم القحط (استسقَى بالعباس بن عبدِ المطلبِ، وقالَ) أي: عمرُ: (اللَّهمّ إنَّا كنَّا نستسقي إليك بنبيِّنا فتسقينَا، وإنّا نتوسّلُ إليكَ بعمِّ نبيِّنا، فاسْقِنَا فيُسْقَوْنَ. رواهُ البخاريُّ). وأمّا العباسُ ﵁ فإنهُ قالَ: "اللَّهمّ إنهُ لم ينزلْ بلاءٌ من السماءِ إلَّا بذنبٍ، ولم ينكشفْ إلَّا بتوبةٍ. وقدْ توجَّهتْ بيَ القومُ إليكَ لمكاني من نبيّك، وهذهِ أيدينا إليكَ بالذنوبِ، ونواصينَا إليكَ بالتوبةِ، فاسقِنا الغيثَ. فأرختِ السماءُ مثلَ الجبالِ حتَّى أخصبتِ الأرضُ"، أخرجهُ الزبيرُ بنُ بكارٍ في الأنسابِ (٤)، وأخرج أيضًا (٥) من حديثٍ ابن عمرَ أن عمرَ استسقَى بالعباسِ عامَ الرَّمادةِ وذكرَ الحديثَ.

стр. 916

وذكرَ البارزيُّ أن عامَ الرَّمادةِ كانَ سنةَ ثماني عشرةَ، والرَّمادةُ بفتحِ الراءِ، وتخفيفِ الميمِ، سمِّيَ العامُ بها لما حصلَ من شدَّةِ الجدب فاغبرّتِ الأرضُ جدًّا من عدمِ المطرِ. وفي هذه القصةِ دليلٌ على [الاستسقاء] (١) بأهلِ الخيرِ والصلاحِ وبيتِ النبوّةِ (٢)، وفيهِ فضيلةُ العباسِ وتواضعُ عمرَ، ومعرفتهُ لحقّ أهلِ البيتِ صلَّى اللَّهُ عليهم. ٧/ ٤٨٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا - وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدِ بِرَبِّهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعن أنسٍ [أيضًا] (٤) قالَ: أصابَنا ونحنُ معَ النبيِّ ﷺ مطرٌ فحسرَ ثوبَهُ) أي: كشفَ بعضَه عن بدنهِ (حتَّى أصابهُ منَ المطرِ، وقالَ: إنهُ حديثُ عهدِ بربِّه. رواهُ مسلمٌ). وبوّبَ له البخاريُّ (٥) فقالَ: بابُ مَنْ يُمطرُ حتَّى يتحادرَ عن لحيتهِ، وساقَ حديثَ أنسٍ بطولهِ. وقولُه: "حديثُ عهد بربِّهِ"، أي: بإيجادِ ربهِ إياه (٦)، يعني أن المطرَ رحمةٌ وهي قريبةُ العهدِ بخلقِ اللَّهِ لها فيتبرّكُ بها، وهوَ دليلٌ على استحبابِ ذلكَ. ٨/ ٤٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا"، أَخْرَجَاهُ (٧) [صحيح]

стр. 917

(وعن عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا رأى المطرَ قالَ: "اللَّهمَّ صيِّبًا نافعًا. أخرجاهُ) أي: الشيخانِ، وهذا خلافُ عادةِ المصنّفِ، فإنهُ يقولُ فيما أخرجاهُ: متفقٌ عليهِ، والصيِّبُ: مِنْ صابَ المطرُ: إذا وقعَ، ونافعًا: صفةٌ مقيدةٌ احترازًا عن الصيِّبِ الضارِّ. ٩/ ٤٨٧ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: "اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رُذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ"، رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ (١). [ضعيف] (وعن سعدٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ دعا في الاستسقاء: "اللَّهمّ جَلِّلْنا) بالجيمِ: مِنَ التجليلِ، والمرادُ تعميمُ الأرضِ (سحابًا كثيفًا) بفتحِ الكافِ، فمثلثةٍ، فمثناةٍ، تحتيةٍ ففاءٍ، أي: متكاثفًا متراكمًا (قصيفًا) بالقافِ المفتوحةِ فصادٍ مهملةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ، وهوَ ما كانَ رعدُه شديدَ الصوتِ وهوَ من أماراتِ قوةِ المطرِ (دَلوقًا) بفتحِ الدالِ المهملةِ، وضمِّ اللامِ، وسكونِ الواوِ، فقافٍ، يقالُ: خيلٌ دلوقٌ، أي: مندفعةٌ شديدةُ الدفعةِ، ويقالُ: دلقَ السيلُ على القوم: هجمَ، (ضحوكًا) بفتحِ أولهِ بزنةِ فعولٍ، أي: ذاتَ برقٍ (تمطرُنا مئة رُذاذًا) بضمِّ الراءِ، فذالٍ معجمةٍ، فأخرى مثلُها: هو ما كانَ مطرهُ دونَ الطشِّ، (قِطْقِطًا) بكسرِ القافينِ، وسكونِ الطاءِ الأُولى: قال أبو زيدٍ: القطقطُ أصغرُ المطرِ، ثمَّ الرذاذُ وهوَ فوقَ القطقطِ، ثمَّ الطشُّ وهو فوقَ الرذاذِ (سجلًا) مصدرُ سجلتُ الماءُ سجلًا إذا صببتُه صبًّا، وصفَ بهِ السحابُ مبالغةً في كثرةِ ما يصبُّ منها منَ الماءِ، حتَّى كأنَّها نفسُ المصدرِ (يا ذا الجلالِ والإكرام. رواة أبو عوانةَ في صحيحهِ).

стр. 918

وهذانِ الوصفانِ نطقَ بهما القرآنُ، وفي التفسيرِ: أي: الاستغناءِ المطلقِ والفضلِ التامِّ. وقيلَ: الذي عندَهُ الإجلالُ والإكرامُ للمخلصينَ من عبادهِ، وهما من عظائمِ صفاتهِ تعالى، ولذا قالَ ﷺ : "ألِظُّوا (١) بياذا الجلالِ والإكرامِ" (٢)، ورُوِيَ أنهُ ﷺ مرُّ برجلٍ وهو يصلّي ويقولُ: يا ذا الجلالِ والإكرامِ، فقالَ: قدِ استجيبَ لكَ (٣). ١٠/ ٤٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَرَجَ سُلَيمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٥). [ضعيف]

стр. 919

(وعن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: خرجَ سليمانُ يستسقي فرأى نملةً مستلقيةً على ظهرِها، رافعةً قوائمَها إلى السماءِ، تقولُ: اللَّهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقكَ، ليسَ بنا غِنىً عن سقياكَ، فقالَ: ارجعُوا فقدْ سقيتمْ بدعوةِ غيرِكم. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ)، فيهِ دلالةٌ على أن الاستسقاءَ شرعٌ قديمٌ، والخروجَ له كذلكَ، وفيهِ أنهُ يحسنُ إخراجُ البهائمِ في الاستسقاءِ، وأنَّ لها إدراكًا [فيما] (١) يتعلقُ بمعرفةِ اللَّهِ، ومعرفةً بذكرهِ وتطلبُ الحاجاتِ منهُ، وفي ذلكَ قصصٌ يطولُ ذكرُها، وآيات من كتابِ اللَّهِ دالّة على ذلكَ، وتأويلُ المتأوّلينَ لها لا ملجأ لهُ. ١١/ ٤٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ أن النبي ﷺ استسقَى فأشارَ بظهرِ [كفَّيْهِ] (٣) إلى السماءِ. أخرجهُ مسلمٌ). فيه دلالةٌ أنهُ إذا أريدَ بالدعاءِ رَفْعُ البلاءِ فإنهُ يرفعُ يديهِ ويجعلُ ظهرَ كفيهِ إلى السماءِ، وإذا دعا بسؤالِ شيءٍ وتحصيلهِ جعلَ بطنَ كفّيهِ إلى السماءِ. وقد وردَ صريحًا في حديثٍ خلادِ بن السائبِ عن أبيهِ (٤): "أن النبيَّ ﷺ

стр. 920

كانَ إذا سألَ جعلَ بطنَ كفيهِ إلى السماءِ، وإذا استعاذَ جعلَ ظهرَهما إليها"، وإنْ كان قد وردَ من حديثٍ ابن عباسٍ (١): "سَلُوا اللَّهَ ببطونِ أكفِّكم ولا تسألوهُ بظهرِها"، وإنْ كانَ ضعيفًا، فالجمعُ بينَهما أن حديثَ ابن عباسٍ يختصُّ بما إذا كانَ السؤالُ بحصولِ شيءٍ لا لدفعِ بلاءٍ. وقد فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٢)، أن الرَّغَبَ بالبطونِ والرَّهَبَ بالظهورِ. * * *

стр. 921

[الباب السابع عشر] بابُ اللباسِ أي ما يحلُّ منهُ وما يحرمُ ١/ ٤٩٠ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالْحَرِيرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (٢). [صحيح] (وعن أبي عامرٍ الأشعريِّ) قالَ في الأطرافِ (٣): اختُلِفَ في اسمهِ، فقيلَ: عبدُ اللَّهِ بنُ هانئٍ، وقيلَ: عبدُ اللَّهِ بنُ وهب، وقيلَ: عبيدُ بنُ وهبٍ، وبقي إلى خلافةِ عبدِ الملكِ بن مروانِ، سكنَ الشامَ، وليسَ بعمِّ أبي موسى الأشعريِّ، ذلكَ قتلَ أيامَ حنينٍ في حياةِ النبيِّ ﷺ واسمُه عبيدُ بنُ سليمٍ. (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ليكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلونَ الحِرَ) بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، والمرادُ بهِ استحلالُ الزَّنى، وبالخاءِ والزاي المعجمتينِ (والحريرَ. رَوَاة أَبو دَاوُدَ، وأَصْلُهُ في البخاريِّ)، وأخرجهُ البخاريُّ تعليقًا. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ لباسِ الحريرِ؛ لأنَّ قوله: يستحلُّونَ بمعنى: يجعلُونَ الحرامَ حلالًا، ويأتي الحديثُ [الثاني] (٤) وفيهِ التصريحُ بذلكَ. وفي

стр. 922

الحديثِ دليلٌ أن استحلالَ المحرَّمِ لا يخرجُ فاعلَه [منْ] (١) مسمَّى الأمةِ، كذا قيل. قلت: ولا يَخْفَى ضعفُ هذا القولِ؛ فإنَّ مَنْ استحلَّ محرَّمًا، أي: اعتقدَ حلَّهُ فإنهُ قد كذَّبَ الرسولَ ﷺ الذي أخبرَ أنهُ حرامٌ، فقولُه بحلِّه ردٌّ لكلامهِ وتكذيبٌ، وتكذيبُه كفرٌ فلا بدَّ من تأويلِ الحديثِ بأنهُ أرادَ أنهُ منَ الأمةِ قبلَ الاستحلالِ، فإذا استحلَّ خرجَ عن مسمَّى الأمةِ، ولا يصحُّ أنْ يرادَ بالأمةِ هنا أمةُ الدعوةِ لأنَّهم مستحلّونَ لكلِّ ما حرَّمهُ لا لهذا بخصوصهِ. وقدِ اختُلِفَ في ضبطِ [هذه اللفظة] (٢) في الحديثِ، فظاهرُ إيرادِ المصنفِ [لهُ] (٣) في اللباسِ أنهُ يختارُ أنَّها بالخاءِ المعجمةِ، والزاي، وهوَ الذي نصَّ عليهِ الحميديُّ، وابنُ الأثير (٤) في هذا الحديثِ، وهوَ ضربٌ من ثيابِ الابريسمِ معروفٌ، وضبَطَهُ أبو موسى بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، قالَ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ: والمشهورُ في هذا الحديثِ على اختلافِ طرقهِ هوَ الأولُ، وإذا كانَ هوَ المرادَ من الحديثِ فهوَ الخالصُ منَ الحريرِ، وعطفُ الحريرِ عليهِ من عطفِ العامِّ على الخاصِّ، لأنَّ الخزَّ ضربٌ منَ الحريرِ، وقد يطلقُ الخزُّ على ثيابِ تُنْسَجُ منَ الحريرِ والصوفِ، ولكنهُ غيرُ مرادٍ هنا لما عرفَ منْ أن هذا النوعَ حلالٌ، وعليهِ يحملُ ما أخرجهُ أبو داودَ (٥) عن عبدِ اللَّهِ بن سعدٍ الدشتكي (٦)، عن أبيهِ سعدٍ قالَ: "رأيتُ ببخارى رجلًا على بغلةٍ بيضاءَ، عليهِ عمامةُ خزٍّ سوداءُ، قالَ: كسانيها رسولُ اللَّهِ ﷺ "، وأخرجهُ [الترمذي] (٧)، والنسائي (٨)، وذكرهُ البخاريُّ (٩)، ويأتي [من] (١٠) حديث عمرَ (١١) بيانُ ما يحلُّ من غيرِ الخالصِ.

стр. 923

تحريم الجلوس على الحرير ٢/ ٤٩١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] [وعن حذيفةَ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نشربَ في آنيةِ الذهب والفضةِ، وإنْ نأكلَ فيها) تقدمَ الحديثُ عن حذيفةَ بلفظِ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تشربُوا في آنيةِ الذهبِ والفضةِ" الحديثَ. فقولُه هنا: "نَهَى" إخبارٌ عن ذلكَ اللفظِ الذي تقدمَ، وتقدمَ الكلامُ فيهِ، (وعن لبسِ الحريرِ والديباجِ، وأنْ نجلسَ عليهِ. رواهُ البخاري) أي: وَنَهَى عن لُبْسِ الحريرِ، والنهيُ ظاهرٌ في التحريمِ، وإلى تحريمِ لبسِ الحريرِ ذهبَ الجماهيرُ منَ الأمةِ على الرجالِ دونَ النساءِ، وحكَى القاضي عياضٌ عن قومٍ إباحتَه، ونسبَ في البحرِ (٢) إباحته إلى ابن عليةَ وقالَ: إنهُ انعقدَ الإجماعُ بعدَه على التحريمِ ولكنْ قال المصنفُ في الفتحِ: قد ثبتَ لبسُ الحريرِ عن جماعةٍ مِنَ الصحابةِ وغيرهم. قالَ أبو داودَ (٣): لبسهُ عشرونَ منَ الصحابةِ وأكثرُ، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ عن جمعٍ منهمْ (٤). [وقدْ] (٥) أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٦) من طريقِ عمارٍ بن أبي عمارٍ قالَ: "أتتْ مروانَ بنَ الحكمِ مطارفُ خزٍّ فكسَاها أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ "، قالَ: والأصحُّ في تفسيرِ الخزِّ أنهُ ثياب سُدَاها من حريرٍ ولُحْمَتُهَا من غيرِهِ، وقيلَ: تنسجُ مخلوطةً من حريرٍ وصوفٍ أو نحوهِ، وقيلَ: أصلُهُ اسمُ دابةٍ يقالُ لها: الخزُّ، فسمِّيَ الثوبُ المُتَّخَذُ مِنْ [وبره] (٧) خزًا [لنعومته] (٨)، ثمَّ أطلقَ على ما خلطَ بحريرٍ كنعومةِ الحريرِ، إذا عرفتَ هذا فقد يحتملُ أن الذي لبسهُ الصحابةُ في روايةٍ

стр. 924

أبي داودَ كانَ منَ الخزِّ، وإنْ كانَ ظاهرُ عبارتهِ [يأبى] (١) ذلكَ. وأما القزُّ بالقاف بدلَ الخاءِ [المعجمةِ] (٢)، فقالَ الرافعيُّ: إنهُ عندَ الأئمةِ منَ الحريرِ فحرَّموهُ على الرجالِ أيضًا، والقولُ بحلِّهِ [وحلِّ] (٣) الحريرِ للنساءِ قولُ الجماهيرِ إلَّا ابنُ الزبيرِ، فإنهُ أخرجَ مسلمٌ (٤) عنهُ "أنهُ خطبَ فقالَ: لا تُلْبِسُوا نساءَكم الحريرَ، فإني سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تلبسُوا الحريرَ"، فأخذَ بالعمومِ إلَّا أنهُ انعقدَ الإجماعُ على حلِّ الحريرِ للنساءِ، [فأمَّا] (٥) الصبيانُ منَ الذكورِ فيحرمُ عليهم أيضًا عندَ الأكثر لعمومِ قولهِ ﷺ : "حرامٌ على ذكورِ أمّتي" (٦)، وقالَ محمدُ بنُ الحسنِ: يجوزُ لباسُهم، وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: يجوزُ لباسُهم الحلي والحريرَ في يومِ العيدِ، لأنهُ لا تكليفَ عليهمْ، ولهمْ في غيرِ يومِ العيدِ ثلاثةُ أوجهٍ، أصحُّها جوازُهُ. وأمّا الديباجُ، فهوَ ما غلظَ من ثيابِ الحريرِ، وعَطْفُهُ عليهِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ. وأمّا الجلوسُ على الحريرِ، فقد أفادَ الحديثُ النهيَ عنهُ إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في الفتحِ (٧): إنهُ قد أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ حديثَ حذيفةَ من غيرِ وجهٍ، وليسَ فيهِ هذهِ الزيادةُ وهي قولُه: "وأنْ نجلسَ عليهِ"، قالَ: وهي حجةٌ قويةٌ لمنْ قالَ بمنعِ الجلوسِ على الحريرِ، وهوَ قولُ الجمهورِ خلافًا لابنِ الماجشونِ، والكوفيينَ، وبعضِ الشافعيةِ.

стр. 925

وقالَ بعضُ الحنفيةِ: في الدليلِ على عدمِ تحريمِ الجلوسِ على الحرير، أن قولَهُ: "نَهَى" لَيْسَ صريحًا في التحريمِ، وقالَ بعضُهم: إنهُ يحتملُ أنْ يكونَ المنعُ وردَ عن مجموعِ اللبسِ والجلوسِ لا الجلوسِ وحدَه، قلتُ: ولا يخفَى تكلّفُ هذا القائلِ، والإخراجِ عن الظاهرِ بلا حاجةٍ، وقالَ بعضُ الحنفيةِ (١): يدارُ الجوازُ والتحريمُ على اللبسِ لصحةِ الأخبارِ فيهِ، والجلوسُ ليسَ بلبسٍ، واحتجَّ الجمهورُ على أنهُ يُسمَّى الجلوسُ لبسًا بحديثِ أنسٍ [في الصحيحينِ] (٢): "فقصتُ إلى حصيرٍ لنَا قد أسودَّ منْ طولِ ما لُبِسَ"، ولأنَّ لبسَ كلَّ شيءٍ بحسبِهِ. وأمّا افتراشُ النساءِ للحريرِ، فالأصلُ جوازُه، وقد أحلَّ لهنَّ لبسُهُ ومنهُ الافتراشُ، ومَنْ قالَ بمنعهِنَّ عن افتراشِهِ فلا حجّةَ لَهُ. واختلفَ في علّةِ تحريمِ الحريرِ على قولينِ: الأولُ: الخُيلاءُ. والثاني: كونُه لباسَ رفاهيةٍ وزينةٍ تليقُ بالنساءِ دونَ شهامةِ الرجالِ. مقدار ما يباح من الحرير ٣/ ٤٩٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَع. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٤). [صحيح] (وعن عمرَ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن لبسِ الحريرِ إلَّا موضعَ إصبعينِ، أو ثلاثٍ أو أربعٍ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). قالَ المصنفُ: "أوْ" هنا للتخييرِ والتنويعِ. وقد أخرجَ الحديثَ ابنُ أبي شيبةَ (٥) من هذا الوجهِ، بلفظِ: "إنَّ الحريرَ لا

стр. 926

يصلُحُ إِلَّا هكَذَا أوْ هَكَذَا"، يعني: أُصبعينِ أو [ثلاثًا، أو أربعًا] (١)، ومَنْ قالَ: المرادُ أنْ يكونَ في كل كمِّ أصبعانٍ فإنهُ يردُّهُ روايةُ النسائيِّ (٢): "لم يرخصْ في الديباجِ إلَّا في موضعِ أربعِ أصابعَ"، وهذا [أي] (٣) الترخيصُ في الأربعِ الأصابعِ مذهبُ الجمهورِ، وعن مالكٍ في روايةٍ منَعُهُ وسواءٌ كانَ منسوجًا أو ملصقًا، ويقاسُ عليهِ الجلوسُ، وقدَّرتِ الهادويةُ الرخصةَ بثلاثِ أصابعَ، ولكنَّ هذا الحديثَ نصَّ في الأربعِ. لبسُ الحرير لعذر ٤/ ٤٩٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ رخَّصَ لعبدِ الرحمنِ بن عوفِ والزبيرِ في قميصِ الحريرِ في سفرِ من حكةٍ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ الكافِ، نوعٌ منَ الجربِ، وذكرَ الحكّةَ مثلًا لا قيدًا، أي: مِنْ أجلِ حكّةٍ، فمِنْ للتعليلِ، (كانتْ بهما. متفقٌ عليهِ)، وفي رواية (٥) أنَّهما "شكَوْا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ القملَ، فرخَّصَ لهما في قميصِ الحريرِ في غزاةٍ لهما". قالَ المصنفُ في الفتحِ (٦): يمكنُ الجمعُ بأنَّ الحكّةَ حصلتْ من القملِ، فنسبتِ العلةُ تارةً إلى السببِ، وتارةً إلى سببِ السببِ. وقد اختلفَ العلماءُ في جوازِهِ للحكّةِ وغيرِها. فقالَ الطبريُّ: دلّتِ الرخصةُ في لبسهِ للحكّةِ على أن مَنْ قصدَ بلبسهِ دفعَ ما هو أعظمُ مِنْ أذَى الحكةِ، كدفعِ السلاحِ ونحوِ ذلكَ، فإنهُ يجوزُ، والقائلونَ بالجوازِ لا يخصُّونَهُ بالسفرِ، وقالَ البعضُ منَ الشافعيةِ: يختصُّ بهِ، وقالَ القرطبي: الحديثُ حجةٌ على مَنْ منع إلَّا أنْ يدَّعيَ الخصوصيةَ بالزبيرِ،

стр. 927

وعبد الرحمنِ، ولا تصحُّ تلكَ الدَّعوى، وقالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجوزُ مطلقًا، وقالَ الشافعي بالجوازِ للضرورةِ، ووقعَ في كلام الشارحِ تبعًا للنوويّ أن الحكمةَ في لبسِ الحريرِ للحكةِ لما فيهِ مِنَ البرودةِ، وتعقَّبَ بأنَّ الحرير حادٌّ فالصوابُ أن الحكمةَ فيهِ بخاصيةٍ فيه تدفعُ ما تنشأُ عنهُ الحكّةُ منَ القملِ. جواز إهداء الحرير للرجال لغير اللبس ٥/ ٤٩٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح] (وعن عليٍّ ﵇ قالَ: كساني النبيُّ ﷺ حلةً سِيَرَاءَ) بكسرِ المهملةِ، ثم مثناةٍ تحتيةٍ، ثمَّ راءٍ مهملةٍ، ثمَّ ألفٍ ممدودةٍ. قالَ الخليلُ: ليسَ في الكلامِ فعلاءُ بكسرِ أوّله مع المدِّ سوى سِيَرَاءَ، وحولاء، وعنباءَ لغةٌ في العنبِ، [وضبطه] (٢) حلةً بالتنوينِ على أن سيراءَ صفةٌ لها وبغيرهِ على الإضافةِ، وهوَ الأجودُ كما في شرحِ مسلمٍ (٣). (فخرجتُ فيها فرأيتُ الغضبَ في وجههِ، فشققْتُهَا بينَ نسائي. متفقٌ عليهِ، وهذا لفظُ مسلمٍ)، قالَ أبو عبيدٍ (٤): الحلةُ إزارٌ ورداءٌ، وقالَ ابنُ الإثيرِ (٥): إذا كانَا من جنسٍ واحدٍ، قيلَ: هيَ بُرودٌ مضلّعةٌ بالقزِّ، وقيلَ: حريرٌ خالصٌ، وهوَ الأقربُ. وقوله: "فرأيتُ الغضبَ في وجهِه"، زاد مسلمٌ في روايةٍ (٦) فقالَ: "إني لم أبعثْها إليكَ لتلبسَها، إنَّما بعثتُها إليكَ لتشقِقها خُمُرًا بين نسائِكَ"، ولذا شققتها خُمُرًا بين الفواطم.

стр. 928

وقولهُ: فشققتها، أي: قطعتُها ففرَّقتها خُمُرًا، وهي بالخاءِ المعجمةِ مضمومةٍ، وضمّ الميمِ، جمعُ خِمارٍ بكسرِ أولهِ، والتخفيفِ، ما تغطّي بهِ المرأةُ رأسَها. والمرادُ بالفواطم: فاطمةُ بنتُ محمدٍ ﷺ ، وفاطمةُ بنتُ أسدٍ أُمُّ عليٍّ ﵇، والثالثةُ قيل: هي فاطمةُ بنتُ حمزةَ، وذكرتْ لهنَّ رابعةٌ وهي فاطمةُ امرأةُ عقيلِ بن أبي طالب. وقد استدلَّ بالحديثِ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخطابِ؛ لأنهُ ﷺ أرسلَها لعليٍّ ﵇، فبنَى على ظاهرِ الإرسالِ وانتفعَ بها في أشهرِ ما صنعتْ لهُ، وهوَ اللُّبسُ، فبيّنَ لهُ النبيُّ ﷺ أنهُ لم يبحْ لهُ لبسَها. جواز لبس الحرير للنساء ٦/ ٤٩٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُحِلَّ الذهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٣). [صحيح لشواهده] (وعن أبي موسى أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أحلَّ الذهبُ والحريرُ) أي: لبسُهما (لإناثِ أُمتي، وحُرِّمَ) أي: لبسُهما، وفراشُ الحريرِ كما سلفَ (على [ذكورها] (٤). رواهُ أحمدُ، والنسائين، [والترمذي] (٥) وصحَّحهُ)، إلَّا أنهُ أخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ سعيدٍ بن أبي هندٍ (٦)، عن أبي موسى، وأعلَّهُ أبو حاتمٍ (٧) بأنهُ لم يلقَهُ، وكذا قالَ

стр. 929

ابنُ حبانَ في [صحيحهِ] (١): سعيدُ بنُ أبي هندٍ عن أبي موسى معلولٌ لا يصحُّ، وأمّا ابنُ خزيمةَ فصحَّحَهُ. وقد رُوِيَ من ثماني طرقٍ غيرِ هذهِ الطريقِ عن ثمانيةٍ منَ الصحابةِ (٢)، وكلُّها لا تخلُو عن مقالٍ، ولكنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا. وفيهِ دليلٌ على تحريمِ لُبْسِ الرجالِ الذهبَ والحريرَ، وجوازِ لبسِهما للنساءِ، ولكنهُ قد قيلَ: إنَّ حلَّ الذهبِ للنساءِ منسوخٌ. الظهور بالمظهر الحسن من السنة ٧/ ٤٩٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهُ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيهِ"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (٣). [حسن] (وعن عمرانَ بن حصينٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إن الله يحبُّ إذا أنعمَ على عبدهِ نعمةً أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ عليه. رواهُ البيهقيُّ)، وأخرجَ النسائيُّ (٤) من

стр. 930

حديثٍ أبي الأحوصِ، والترمذيُّ (١)، والحاكمُ (٢) من حديثٍ ابن عمرو: "إنَّ اللَّهَ يحبُّ أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ على عبدهِ"، وأخرجَ النسائيُّ (٣) عن أبي الأحوصِ عن أبيهِ، وفيهِ: "إذا آتاكَ اللَّهُ مالكٌ فليرَ أثرَ نعمتهِ عليكَ وكرامتَه". في هذهِ الأحاديثِ دلالةُ أن اللَّهَ تعالى يحبُّ من العبدِ إظهارَ نعمتهِ في مأكلهِ وملبسهِ، فإنهُ شكرٌ للنعمةِ فِعْلِيٌّ، ولأنهُ إذا رآهُ المحتاجُ في هيئةِ حسنةٍ قصدَهُ ليتصدّقَ عليهِ، وبذاذةُ الهيئةِ سؤالٌ وإظهارٌ للفقرِ بلسانِ الحالِ، ولذَا قيلَ: ولسانُ حالي بالشكايةِ أنطقُ. وقيلَ: وكفاكَ شاهدُ منظري عن مخبري. نهي الرجال عن لبس القَسِّيِّ والمعصفر ٨/ ٤٩٧ - وَعَنْ عَلِي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [حسن] (وعن عليٍّ ﵇ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن لُبْسِ) بضمِّ اللامِ (القسِّيِّ) بفتحِ القافِ، وتشديدِ المهملةِ، بعدها ياءُ النسبةِ، وقيلَ؛ إنَّ المحدِّثينَ يكسرونَ القافَ، وأهلَ مصرَ يفتحونَها، وهي نسبةٌ إلى بلدٍ يقالُ لها: القسُّ، وقد فسَّرَ القسيَّ في الحديثِ بأنَّها ثيابٌ مضلَّعةٌ [أي: بالحرير] (٥) يُوتَى بها من مصرَ والشام، هكذا في مسلمٍ، وفي البخاريِّ فيها حريرٌ أمثالُ الأترجِّ، (والمعصفرِ. رواهُ مسلمٌ) هوَ المصبوغُ بالعُصفرِ. فالنهيُ في الأول للتحريمِ إنْ كانَ حريرُه أكثرَ، وإلَّا فإنهُ للتنزيهِ والكراهةِ، وأمَّا في الثاني فالأصلُ في النهي أيضًا التحريمُ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ، وذهبَ جماهيرُ الصحابةِ والتابعينَ إلى جوازِ لُبْسِ المعصفرِ، وبهِ قالَ الفقهاءُ غيرَ أحمدَ،

стр. 931

وقيلَ: مكروهٌ تنزيهًا، قالُوا: لأنهُ لبسَ ﷺ حلّةً حمراءَ، وفي الصحيحينِ (١) عن ابن عمرَ ﵁: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يصبغُ بالصفرةِ"، وقد ردَّ ابنُ القيم [القولَ بأنها] (٢) حلةٌ حمراءُ بحتًا. وقالَ: إنَّ الحلةَ الحمراءَ بردانِ يمانيانِ منسوجانِ بخطوطِ حمرِ معَ الأسودِ، وهي معروفةٌ بهذا الاسمِ باعتبارِ ما فيها منَ الخطوطِ، وأمّا الأحمرُ البحتُ فمنهيٌّ عنهُ أشدَّ النهي، ففي الصحيحينِ (٣): "أنهُ ﷺ نَهى عن المياثرِ الحمرِ"، [ولكن الحديث] (٤): ٩/ ٤٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: "أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهذَا"؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو قالَ: رأى عليَّ النبيُّ ﷺ ثوبينِ معصفرينِ، قالَ: أمُّك أمرتْكَ بهذا؟. رواهُ مسلمٌ)، دليل على تحريمِ المعصفرِ عاضد للنهي الأولِ، ويزيدُه قوةً في الدلالةِ تمامُ هذا الحدثِ عندَ مسلمٍ: "قلتُ: أغسلُهما يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: بل احرقْهما". وفي روايةٍ (٦): "إنَّ هذهِ مِنْ ثيابِ الكفارِ فلا تلبسْهما". وأخرجهُ أبو داودَ (٧)، والنسائيُّ (٨). وفي قولهِ: "أمُّكَ أمرتْكَ" إعلامٌ بأنهُ من لباسِ النساءِ وزينتهنَّ وأخلاقهِنَّ. وفيهِ حجةٌ على العقوبةِ بإتلافِ المالِ وهوَ يعارضُ حديثُ عليٍّ ﵇ (٩). وأمْرَهُ بأنْ يشقَّها بينَ نسائِه كما في روايةٍ قدَّمناها، وأمر ابن عمرو بتحريقها، فينظرُ في وجهِ الجمعِ، إلَّا أن في سننِ أبي داودَ (١٠) عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: "أنهُ ﷺ رأى عليهِ ريطةً مضرَّجةً بالعصفرِ، فقالَ: ما هذهِ الريطةُ التي عليكَ؟ قالَ: فعرفتُ ما كرهَ
следующие страницы →