← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 927–966 · переход к 932.

стр. 927

وعبد الرحمنِ، ولا تصحُّ تلكَ الدَّعوى، وقالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجوزُ مطلقًا، وقالَ الشافعي بالجوازِ للضرورةِ، ووقعَ في كلام الشارحِ تبعًا للنوويّ أن الحكمةَ في لبسِ الحريرِ للحكةِ لما فيهِ مِنَ البرودةِ، وتعقَّبَ بأنَّ الحرير حادٌّ فالصوابُ أن الحكمةَ فيهِ بخاصيةٍ فيه تدفعُ ما تنشأُ عنهُ الحكّةُ منَ القملِ. جواز إهداء الحرير للرجال لغير اللبس ٥/ ٤٩٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح] (وعن عليٍّ ﵇ قالَ: كساني النبيُّ ﷺ حلةً سِيَرَاءَ) بكسرِ المهملةِ، ثم مثناةٍ تحتيةٍ، ثمَّ راءٍ مهملةٍ، ثمَّ ألفٍ ممدودةٍ. قالَ الخليلُ: ليسَ في الكلامِ فعلاءُ بكسرِ أوّله مع المدِّ سوى سِيَرَاءَ، وحولاء، وعنباءَ لغةٌ في العنبِ، [وضبطه] (٢) حلةً بالتنوينِ على أن سيراءَ صفةٌ لها وبغيرهِ على الإضافةِ، وهوَ الأجودُ كما في شرحِ مسلمٍ (٣). (فخرجتُ فيها فرأيتُ الغضبَ في وجههِ، فشققْتُهَا بينَ نسائي. متفقٌ عليهِ، وهذا لفظُ مسلمٍ)، قالَ أبو عبيدٍ (٤): الحلةُ إزارٌ ورداءٌ، وقالَ ابنُ الإثيرِ (٥): إذا كانَا من جنسٍ واحدٍ، قيلَ: هيَ بُرودٌ مضلّعةٌ بالقزِّ، وقيلَ: حريرٌ خالصٌ، وهوَ الأقربُ. وقوله: "فرأيتُ الغضبَ في وجهِه"، زاد مسلمٌ في روايةٍ (٦) فقالَ: "إني لم أبعثْها إليكَ لتلبسَها، إنَّما بعثتُها إليكَ لتشقِقها خُمُرًا بين نسائِكَ"، ولذا شققتها خُمُرًا بين الفواطم.

стр. 928

وقولهُ: فشققتها، أي: قطعتُها ففرَّقتها خُمُرًا، وهي بالخاءِ المعجمةِ مضمومةٍ، وضمّ الميمِ، جمعُ خِمارٍ بكسرِ أولهِ، والتخفيفِ، ما تغطّي بهِ المرأةُ رأسَها. والمرادُ بالفواطم: فاطمةُ بنتُ محمدٍ ﷺ ، وفاطمةُ بنتُ أسدٍ أُمُّ عليٍّ ﵇، والثالثةُ قيل: هي فاطمةُ بنتُ حمزةَ، وذكرتْ لهنَّ رابعةٌ وهي فاطمةُ امرأةُ عقيلِ بن أبي طالب. وقد استدلَّ بالحديثِ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخطابِ؛ لأنهُ ﷺ أرسلَها لعليٍّ ﵇، فبنَى على ظاهرِ الإرسالِ وانتفعَ بها في أشهرِ ما صنعتْ لهُ، وهوَ اللُّبسُ، فبيّنَ لهُ النبيُّ ﷺ أنهُ لم يبحْ لهُ لبسَها. جواز لبس الحرير للنساء ٦/ ٤٩٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُحِلَّ الذهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالنَّسَائِيُّ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٣). [صحيح لشواهده] (وعن أبي موسى أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أحلَّ الذهبُ والحريرُ) أي: لبسُهما (لإناثِ أُمتي، وحُرِّمَ) أي: لبسُهما، وفراشُ الحريرِ كما سلفَ (على [ذكورها] (٤). رواهُ أحمدُ، والنسائين، [والترمذي] (٥) وصحَّحهُ)، إلَّا أنهُ أخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ سعيدٍ بن أبي هندٍ (٦)، عن أبي موسى، وأعلَّهُ أبو حاتمٍ (٧) بأنهُ لم يلقَهُ، وكذا قالَ

стр. 929

ابنُ حبانَ في [صحيحهِ] (١): سعيدُ بنُ أبي هندٍ عن أبي موسى معلولٌ لا يصحُّ، وأمّا ابنُ خزيمةَ فصحَّحَهُ. وقد رُوِيَ من ثماني طرقٍ غيرِ هذهِ الطريقِ عن ثمانيةٍ منَ الصحابةِ (٢)، وكلُّها لا تخلُو عن مقالٍ، ولكنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا. وفيهِ دليلٌ على تحريمِ لُبْسِ الرجالِ الذهبَ والحريرَ، وجوازِ لبسِهما للنساءِ، ولكنهُ قد قيلَ: إنَّ حلَّ الذهبِ للنساءِ منسوخٌ. الظهور بالمظهر الحسن من السنة ٧/ ٤٩٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهُ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيهِ"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (٣). [حسن] (وعن عمرانَ بن حصينٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إن الله يحبُّ إذا أنعمَ على عبدهِ نعمةً أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ عليه. رواهُ البيهقيُّ)، وأخرجَ النسائيُّ (٤) من

стр. 930

حديثٍ أبي الأحوصِ، والترمذيُّ (١)، والحاكمُ (٢) من حديثٍ ابن عمرو: "إنَّ اللَّهَ يحبُّ أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ على عبدهِ"، وأخرجَ النسائيُّ (٣) عن أبي الأحوصِ عن أبيهِ، وفيهِ: "إذا آتاكَ اللَّهُ مالكٌ فليرَ أثرَ نعمتهِ عليكَ وكرامتَه". في هذهِ الأحاديثِ دلالةُ أن اللَّهَ تعالى يحبُّ من العبدِ إظهارَ نعمتهِ في مأكلهِ وملبسهِ، فإنهُ شكرٌ للنعمةِ فِعْلِيٌّ، ولأنهُ إذا رآهُ المحتاجُ في هيئةِ حسنةٍ قصدَهُ ليتصدّقَ عليهِ، وبذاذةُ الهيئةِ سؤالٌ وإظهارٌ للفقرِ بلسانِ الحالِ، ولذَا قيلَ: ولسانُ حالي بالشكايةِ أنطقُ. وقيلَ: وكفاكَ شاهدُ منظري عن مخبري. نهي الرجال عن لبس القَسِّيِّ والمعصفر ٨/ ٤٩٧ - وَعَنْ عَلِي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [حسن] (وعن عليٍّ ﵇ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن لُبْسِ) بضمِّ اللامِ (القسِّيِّ) بفتحِ القافِ، وتشديدِ المهملةِ، بعدها ياءُ النسبةِ، وقيلَ؛ إنَّ المحدِّثينَ يكسرونَ القافَ، وأهلَ مصرَ يفتحونَها، وهي نسبةٌ إلى بلدٍ يقالُ لها: القسُّ، وقد فسَّرَ القسيَّ في الحديثِ بأنَّها ثيابٌ مضلَّعةٌ [أي: بالحرير] (٥) يُوتَى بها من مصرَ والشام، هكذا في مسلمٍ، وفي البخاريِّ فيها حريرٌ أمثالُ الأترجِّ، (والمعصفرِ. رواهُ مسلمٌ) هوَ المصبوغُ بالعُصفرِ. فالنهيُ في الأول للتحريمِ إنْ كانَ حريرُه أكثرَ، وإلَّا فإنهُ للتنزيهِ والكراهةِ، وأمَّا في الثاني فالأصلُ في النهي أيضًا التحريمُ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ، وذهبَ جماهيرُ الصحابةِ والتابعينَ إلى جوازِ لُبْسِ المعصفرِ، وبهِ قالَ الفقهاءُ غيرَ أحمدَ،

стр. 931

وقيلَ: مكروهٌ تنزيهًا، قالُوا: لأنهُ لبسَ ﷺ حلّةً حمراءَ، وفي الصحيحينِ (١) عن ابن عمرَ ﵁: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يصبغُ بالصفرةِ"، وقد ردَّ ابنُ القيم [القولَ بأنها] (٢) حلةٌ حمراءُ بحتًا. وقالَ: إنَّ الحلةَ الحمراءَ بردانِ يمانيانِ منسوجانِ بخطوطِ حمرِ معَ الأسودِ، وهي معروفةٌ بهذا الاسمِ باعتبارِ ما فيها منَ الخطوطِ، وأمّا الأحمرُ البحتُ فمنهيٌّ عنهُ أشدَّ النهي، ففي الصحيحينِ (٣): "أنهُ ﷺ نَهى عن المياثرِ الحمرِ"، [ولكن الحديث] (٤): ٩/ ٤٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: "أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهذَا"؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو قالَ: رأى عليَّ النبيُّ ﷺ ثوبينِ معصفرينِ، قالَ: أمُّك أمرتْكَ بهذا؟. رواهُ مسلمٌ)، دليل على تحريمِ المعصفرِ عاضد للنهي الأولِ، ويزيدُه قوةً في الدلالةِ تمامُ هذا الحدثِ عندَ مسلمٍ: "قلتُ: أغسلُهما يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: بل احرقْهما". وفي روايةٍ (٦): "إنَّ هذهِ مِنْ ثيابِ الكفارِ فلا تلبسْهما". وأخرجهُ أبو داودَ (٧)، والنسائيُّ (٨). وفي قولهِ: "أمُّكَ أمرتْكَ" إعلامٌ بأنهُ من لباسِ النساءِ وزينتهنَّ وأخلاقهِنَّ. وفيهِ حجةٌ على العقوبةِ بإتلافِ المالِ وهوَ يعارضُ حديثُ عليٍّ ﵇ (٩). وأمْرَهُ بأنْ يشقَّها بينَ نسائِه كما في روايةٍ قدَّمناها، وأمر ابن عمرو بتحريقها، فينظرُ في وجهِ الجمعِ، إلَّا أن في سننِ أبي داودَ (١٠) عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: "أنهُ ﷺ رأى عليهِ ريطةً مضرَّجةً بالعصفرِ، فقالَ: ما هذهِ الريطةُ التي عليكَ؟ قالَ: فعرفتُ ما كرهَ

стр. 932

فأتيتُ أهلي، وهمْ يسجرونَ تنورًا لهم، فقذفتُها فيها ثمَّ أتيتُه منَ الغدِ فقالَ: يا عبدَ اللَّهِ ما فعلتِ الريطةُ فأخبرتُه، فقالَ: هلّا كسوتَها بعض أهلكَ، فإنهُ لا بأسَ بها للنساءِ". فهذا يدلُّ أنهُ أحرقَها من غيرِ أمرٍ [من النبيِّ] (١) ﷺ ، فلوْ صحّتْ هذه الروايةُ لزالَ التعارضُ بينَه وبينَ حديثٍ عليٍّ ﵇، لكنهُ يبقى التعارضُ بينَ روايتي ابن عمرٍو. وقد يقالُ: إنهُ ﷺ أمرَ أولًا بإحراقِها ندبًا، ثمَّ لما أحرقَها قالَ لهُ ﷺ : "لو كسوتَها بعضَ أهلكَ"، إعلامًا لهُ بأنَّ هذا كانَ كافيًا عن إحراقِها لو فعلَه، وأنَّ الأمرَ للندبِ. وقالَ القاضي عياضٌ في شرحِ مسلمٍ (٢): أمْرُهُ ﷺ بإحراقِها من بابِ التغليظِ أو العقوبةِ. مقدار ما يجوز للرجال من الحرير ١٠/ ٤٩٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (٤)، وَزَادَ: كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وكَانَ النَّبِي ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ (٥)؛ وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ. [صحيح] (وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵂ أنَّها أخرجتْ جُبَّةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ مكفوفةَ) المكفوفُ منَ الحريرِ: ما اتّخذَ جيبُه من حريرٍ وكانَ لذيلهِ وأكمامهِ كفافٌ منهُ (الجيب، والكمينِ، والفرجينِ بالديباجِ) هو ما غلظَ منَ الحريرِ كما سلفَ، (رواهُ أبو داودَ. وأصلُه في مسلمٍ، وزادَ) أي: من روايةِ أسماءَ (كانتْ) أي: الجبّةُ (عندَ عائشةَ حتَّى قبضتْ) مغيَّرَ الصيغةِ، أي: ماتتْ (فقبضتْها، وكانَ النبيُّ ﷺ يلبسُها فنحنُ نغسلها للمرضي [يُسْتَشْفَى] (٦) بها).

стр. 933

الحديثُ في مسلمٍ لهُ سببٌ وهوَ: "أن أسماءَ أرسلتْ إلى ابن عمرَ أنهُ بلغَها أنهُ يحرمُ العلَمُ في الثوبِ، فأجابَ بأنهُ سمعَ عمرَ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّما يَلْبَسُ الحريرَ مَنْ لا خلاقَ لهُ"، فخفتُ أن يكونَ العلَمُ منهُ، فأخرجتْ أسماءُ الجُبَّةَ". (وزادَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ) في روايةٍ أسماءَ: (وكانَ يلبسُها للوفدِ والجمعةِ). قال في شرحِ مسلمٍ للنوويِّ (١) على قولهِ مكفوفةٌ: ومعنَى المكفوفةِ، أنهُ جعلَ لهُ كُفةً بضمِّ الكافِ وهوَ ما يكفُّ بهِ جوانبُها، ويعطفُ عليها ويكونُ ذلكَ في الذيلِ، وفي الفرجينِ، وفي الكمّينِ، انتهى. وهوَ محمولٌ على أنهُ أربعُ أصابعَ، أو دونَها، أو فوقَها إذا لم يكنْ مصمَتًا جمعًا بينَ الأدلةِ. وفيهِ جوازُ مثلَ ذلكَ من الحريرِ، وجوازُ [لبس] (٢) الجبةِ وما لهُ فرجانِ من غيرِ كراهةٍ، وفيهِ [استشفاءٌ] (٣) بآثارِه ﷺ ، وبما لامسَ جسدَه الشريفَ. كذا قيل، إلَّا أنه لا يخفَى أنه فعل (٤) صحابية لا دليل فيه. وفي قولِها: "كانَ يلبسُها للوفدِ والجمعةِ"، دليلٌ على استحبابِ التجمّلِ بالزينة للوافدِ ونحوِه. وأمّا خياطةُ الثوبِ بالخيطِ الحريرِ ولبسهِ، وجعل خيطِ السبحةِ منَ الحريرِ وليقةِ الدواةِ، وكيسِ المصحفِ، وغشايةِ الكتبِ، فلا ينبغي القولُ بعدمِ جوازِه لعدمِ شمولِ النهيِ لهُ. وفي اللباسِ آدابٌ منها في العمامةِ تقصيرُ العذبةِ فلا تطولُ طولًا فاحشًا، وإرسالُها بينَ الكتفينِ، ويجوزُ تركُها بالأصالةِ، وفي القميصِ تقصيرُ الكمِّ، لحديثِ أبي داودَ (٥) عن أسماءَ: "كانَ كمُّ النبيّ ﷺ إلى الرسغِ"، قالَ ابنُ عبدِ السلام: وإفراطُ توسعةِ الأكمامِ والثيابِ بدعةٌ وسرفٌ. وفي المئزرِ ومثلهُ القميصُ واللباسُ أن لا يسبلَه زيادةً على نصفِ الساقِ، ويحرمُ إن جاوزَ الكعبينِ.

стр. 934

[الكتاب الثالث] كتابُ الجنائِز الجنائزُ جمعُ جِنازة بفتحِ الجيم وكسرِها. في القاموسِ (١): الجنازةُ الميِّتُ، وتفتحُ، أوْ بالكسرِ الميِّتُ، وبالفتحِ السريرُ أو عكسُه، أو بالكسرِ: السريرُ معَ الميتِ. ١/ ٥٠٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: المَوْتِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح بطرقه وشواهده] (عن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أكثِروا ذكرَ هاذمِ اللذاتِ: الموتِ) بالكسرِ بدلٌ من هاذمٍ (رواهُ الترمذيُّ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، والحاكمُ (٥)، وابنُ السكنِ، وابنُ طاهرٍ، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالإرسالِ (٦). وفي البابِ عن عمر (٧)، وعن أنسٍ (٨)، وما تخلُو عن مقالٍ.

стр. 935

قالَ المصنفُ (١) نقلًا عن السُّهيلي: إنَّ الروايةَ في هاذمِ بالذالِ المعجمةِ معناهُ القاطعُ، وأما بالمهملةِ فمعناهُ المزيلُ للشيءِ، وليسَ مرادًا هنَا. قالَ المصنفُ: وفي هذا النفي نظرٌ لا يخفى. قلتُ: [يريد أنَّ] (٢) المعنَى على الدالِ المهملةِ صحيحٌ؛ فإنَّ الموتَ يزيلُ اللذاتِ كما يقطعُها ولكنَّ العمدةَ الروايةُ. والحديثُ دليل على أنهُ لا ينبغي للإنسانِ أنْ يغفلَ عن ذكرِ أعظمِ المواعظِ وهوَ الموتُ. وقد ذكرَ في آخرِ الحديثِ فائدةً الذكرِ بقولهِ: فإنّكمْ لا تذكرونَه في كثير إلَّا قلَّلهُ، ولا قليلَ إلَّا كثَّرهُ. وفي روايةٍ للديلمي (٣) عن أبي هريرةَ: "أكثروا ذِكْرَ الموتِ، فما من عَبْدٍ أَكثر ذكرَهُ إِلا أحيى اللَّهُ قلبَه وهَوَّنَ عَلَيْهِ الموتَ"، وفي لفظٍ لابنِ حبانَ (٤)، والبيهقي في شعبِ الإيمانِ (٥): "أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذاتِ، فإنهُ ما ذكرهُ عبدٌ قطُّ في ضيقٍ إلَّا وَسَّعَهُ، ولا في سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَها". وفي حديثٍ أنسٍ عندَ ابن لالٍ في مكارمِ الأخلاقِ (٦): "أكثروا ذكرَ الموتِ، فإنَّ ذلكَ تمحيصٌ للذنوبِ، وتزهيدٌ في الدنيا". وعندَ البزارِ (٧): "أكثِرُوا هاذمَ اللذاتِ، فإنهُ ما ذكرهُ أحدٌ في ضيقٍ منَ العيشِ إلَّا وسَّعهُ عليهِ، ولا في سَعَةٍ إلَّا ضيَّقَها". وعندَ ابن أبي الدنيا (٨): "أكثِرُوا من ذكرِ الموتِ، فإنهُ [يمحقُ] (٩) الذنوبَ، ويزهدُ في الدنيا، فإنْ ذكرتُموهُ عندَ الغِنَى هدمَهُ، وإنْ ذكرتُمُوهُ عندَ الفقرِ أرضاكم بعيشِكمْ".

стр. 936

عدم تمنّي الموت ٢/ ٥٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّيَن أَحَدُكمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيرًا لِي"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللُهِ ﷺ : لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزلَ بهِ، فإنْ كان لا بدَّ) أي: لا فراقَ ولا محالةَ كما في القاموسِ (متمنّيًا فليقلْ) بدلًا عن لفظِ التمنّي الدعاءُ وتفويضُ ذلكَ إلى اللَّهِ: (اللَّهمّ أحيني ما كانتِ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني ما كانتِ الوفاةُ خيرًا لي. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على النهي عن تمنِّي الموتِ للوقوعِ في بلاءٍ ومحنةٍ، أو خشيةَ ذلكَ من عدوٍّ، أو مرضٍ، أو فاقةٍ، أو نحوِها من مشاق الدنيا لما في ذلكَ منَ الجزعِ، وعدمِ الصبرِ على القضاءِ، وعدمِ الرضاءِ. وفي قولهِ: "لضرٍّ نزلَ بهِ"، ما يرشدُ إلى أنهُ إذا كانَ لغيرِ ذلكَ من خوفِ فتنةٍ في الدينِ، فإنهُ لا بأسَ به. [وقد] (٢) دلَّ لهُ حديثُ الدعاءِ: "إذا أردتَ بعبادكَ فتنةً فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ" (٣)، أوْ كانَ تمنّيًا للشهادةِ كما وقعَ ذلكَ لعبدِ اللَّهِ بن رواحةَ (٤) وغيرهِ منَ السلفِ، وكما في قولِ مريمَ: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ (٥)، فإنَّها

стр. 937

إنَّما تمنَّتْ ذلكَ لمثلِ هذا الأمرِ المخوفِ من كفرِ مَنْ كفرَ، وشقاوةِ مَنْ شقيَ بسبَبِهَا. وفي قولهِ: "فإنْ كانَ لا بدَّ متمنّيًا"، يعني إذا ضاقَ صدرهُ، وفقدَ صبرَه عدلَ إلى هذا الدعاءِ، وإلَّا فالأَوْلى لهُ أنْ لا يفعلَ ذلكَ. صفة النزع للمؤمن ٣/ ٥٠٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ"، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). [صحيح] (وعن بريدةَ) هوَ ابنُ الحصيبِ (أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: المؤمنُ يموتُ بعَرقِ) بفتحِ العينِ المهملةِ والراءِ، (الجبينِ. رواهُ الثلاثةُ، وصحَّحة ابن حبانَ)، وأخرجهُ أحمدُ (٣)، وابنُ ماجه (٤)، وجماعةٌ، وأخرجه الطبرانيُّ (٥) من حديثٍ ابن مسعودٍ، وفيهِ وجهانِ، أحدُهما: أنهُ عبارةٌ عمَّا يكابدهُ من شدَّةِ السياقِ [الذي] (٦) يعرقُ دونَه جبينُه، أي: يشدَّدُ عليهِ تمحيصًا لبقيةِ ذنوبهِ، والثاني: أنهُ كنايةٌ عن كدِّ

стр. 938

المؤمنِ في طلبِ الحلالِ وتضييقهِ على نفسهِ بالصومِ والصلاةِ، حتَّى يلقَى اللَّهَ تعالى فيكونُ الجارُّ والمجرورُ في محلِّ النصبِ على الحالِ. والمعنَى على الأولِ أن حالَ الموتِ ونزوعَ الروحِ شديدٌ عليهِ، فهو صفةٌ لكيفيّةِ الموتِ وشدّتِه على المؤمنِ، والمعنَى على الثاني أنهُ يدركُه [الموتُ] (١) في حالِ كونهِ على هذه الحالةِ الشديدةِ التي يعرقُ منها الجبينُ، فهو صفةٌ للحالِ التي يفاجئُه الموتُ عليها. الترغيب في تلقين المحتضَر لا إله إلا الله محمد رسول الله ٤/ ٥٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) وَالأَرْبَعَةُ (٣). [صحيح] (وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ قالا: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لقِّنُوا موتاكم) أي: الذينَ في سياقِ الموتِ، فهوَ مجازٌ (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ. رواهُ مسلمٌ والأربعة)، وهذا لفظُ مسلمٍ. ورواهُ ابنُ حبانَ (٤) بلفظهِ وزيادةِ: "فمنْ كانَ آخرَ قولهِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ دخلَ الجنةَ يومًا من الدهرِ، وإنْ أصابَهُ ما أصابهُ قبل ذلكَ". وقد غلطَ مَنْ نسبهُ إلى الشيخينِ، أو إلى البخاريِّ. ورَوَى ابنُ أبي الدنيا (٥) [عن حذيفةَ] (٦) بلفظِ: "لقِّنوا موتاكمْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؛ فإنَّها تهدمُ ما قبلَها مِنَ الخطايا"، وفي البابِ أحاديثُ صحيحةٌ. وقولُه: "لقِّنُوا" المرادُ: تذكيرُ الذي في سياقِ الموتِ هذا اللفظَ الجليلَ،

стр. 939

وذلكَ ليقولَها فتكونَ آخرَ كلامهِ فيدخلَ الجنةَ كما سبقَ (١)، فالأمرُ في الحديثِ بالتلقينِ عام لكلِّ مسلمٍ يحضرُ مَنْ هوَ في سياقِ الموتِ، وهوَ أمرُ ندبٍ، وكرهَ العلماءُ الإكثارَ عليهِ والموالاةَ لئلّا يضجرَ، ويضيقَ حالُه، ويشتدَّ كربُه فيكرهُ ذلكَ بقلبهِ، ويتكلّمُ بما لا يليقُ. قالُوا: [فإذا] (٢) تكلَّمَ مرةً فيعادُ عليهِ العرضُ ليكونَ آخرَ كلامهِ، وكأنَّ المرادَ بقولِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أي: وقولِ محمدٌ رسولُ الله، فإنَّها لا تُقْبَلُ إحداهُما إلَّا بالأُخرى، كما علمَ. والمرادُ بموتاكمْ موتَى المسلمينَ. وأمّا موتَى غيرِهم فيعرضُ عليهمُ الإسلام [كما عرضهُ ﷺ على عمِّهِ عندَ السياقِ (٣)، وعلى الذميِّ الذي كانَ يخدمه فعادَهُ وعرضَ عليهِ الإسلامَ (٤) فأسلم] (٥)، وكأنهُ خصَّ في الحديثِ موتَى أهلِ الإسلامِ، لأنَّهُم الذينَ يقبلونَ ذلكَ، ولأنَّ حضورَ أهلِ الإسلامِ عندَهم هوَ الأغلبُ بخلافٍ الكفارِ، فالغالبُ أنهُ لا يحضرُ [موتاهم] (٦) إلَّا الكفارُ. (فائدةٌ): يحسنُ أنْ يذكَّرَ المريضُ بسعةِ رحمةِ اللَّهِ ولطفهِ وبرّهِ، فيحسنُ ظنَّهُ بربِّهِ لما أخرجهُ مسلمٌ (٧) من حديثٍ جابرٍ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ قبلَ موتهِ: "لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهوَ يحسنُ الظنَّ باللَّهِ". وفي الصحيحينِ (٨) مرفوعًا من حديثٍ أبي هريرةَ قالَ: "قالَ الله: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي". ورَوَى ابنُ أبي الدُّنيا (٩) عن إبراهيمَ، قالَ: "كانُوا يستحبونَ أنْ يلقِّنوا العبدَ محاسنَ عملهِ عندَ موتهِ لكي يحسنَ ظنَّهُ بربِّهِ".

стр. 940

وقد قالَ بعضُ أئمةِ العلمِ: إنهُ يحسنُ جمعُ أربعينَ حديثًا في الرجاءِ تقرأُ على المريضِ فيشتدُّ حسنُ ظنِّه باللَّهِ، فإنهُ تعالى عندَ ظنِّ عبدهِ بهِ، وإذا امتزجَ خوفُ العبدِ برجائِهِ عندَ سياقِ الموتِ فهوَ محمودٌ، [أخرجَه] (١) الترمذيُّ (٢) بإسنادٍ جيدٍ من حديثٍ أنسٍ: "أنهُ ﷺ دخلَ على شابٍّ وهوَ في الموتِ [فقيل] (٣): كيفَ تجدُكَ؟ قال: أرجُو اللَّهَ وأخافَ ذنوبي. فقالَ ﷺ : لا يجتمعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجوهُ، وأمَّنَهُ مما يخافُ". (فائدةٌ) أخرى: ينبغي أن يوجَّهَ مَنْ هوَ في السياق [إلى] (٤) القبلةِ لما أخرجهُ الحاكمُ (٥) وصحَّحهُ من حديثٍ أبي قتادةَ: "أن النبيَّ ﷺ حينَ قدمَ المدينةَ سألَ عن البراءِ بن معرورٍ، قالُوا: توفّيَ وأوصَى [بثلثِ مالهِ] (٦) لكَ يا رسولَ اللَّهِ، وأوصَى أنْ يوجهَ القبلةَ إذا احتُضرَ. فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أصابَ الفطرةَ، وقد رددتُ ثلثَه على ولدهِ، ثمَّ ذهبَ فصلَّى عليهِ"، وقالَ: "اللَّهُمَّ اغفرْ لهُ وأدخلْه جنّتكَ وقد فعلتَ". وقال الحاكمُ (٧): لا أعلمُ في توجيهِ المحتضَرِ للقبلةِ غيرَه. قراءة يس أو غيرها عند الميت لم يصح فيها حديث ٥/ ٥٠٤ - وَعَنْ مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اقَرَأوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨)، وَالنَّسَائِيُّ (٩)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١٠). [ضعيف]

стр. 941

(وعن معقلِ بن يسارٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: اقرأوا على موتاكُمْ) قالَ ابنُ حبانَ: أرادَ بهِ مَنْ حضرتْهُ المنيَّةُ لا أن الميتَ يقرأُ عليهِ (يسَ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ أحمدُ، وابنُ ماجَهْ من حديثٍ سليمانَ

стр. 942

التيميِّ عن أبي عثمانَ، وليسَ بالنهدي عن أبيهِ عن معقلِ بن يسارٍ، ولم يقلِ النسائيُّ وابنُ ماجَهْ عن أبيهِ، وأعلَّهُ ابنُ القطانِ بالاضطرابِ والوقفِ، وبجهالةِ حالِ أبي عثمانَ وأبيهِ، ونُقِلَ عن الدارقطنيِّ أنهُ قالَ: هذا حديثٌ مضطربُ الإسنادِ، مجهولُ المتنِ، ولا يصحُّ. وقالَ أحمدُ في مسندهِ (١): حدثنا صفوانُ قالَ: كانتِ المشيخةُ يقولونَ: إذا قرئتْ يس عندَ الموتِ خففَ بها عنهُ، وأسندَه صاحبُ الفردوس [الديلمي] (٢) عن أبي الدرداءِ وأبي ذرٍّ: قالَا: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما من ميِّتٍ يموتُ فَيُقْرَأُ عندَه يسَ إلَّا هوَّنَ اللَّهُ عليهِ"، وهذانِ يؤيّدانِ ما قالهُ ابنُ حبانَ من أن المرادَ به المحتضَرُ، وهما أصرحُ في ذلكَ مما استدلَّ به. وأخرجَ أبو الشيخِ في فضائلِ القرآن (٣)، وأبو بكرٍ المِرَوزيّ في كتابِ الجنائزِ عن أبي الشعثاءِ صاحبِ ابن عباسٍ أنهُ يستحبُّ قراءةُ سورةِ الرعدِ (٤)، وزادَ فإنَّ ذلكَ يخفّفُ عن الميتِ، وفيهِ أيضًا عن الشعبيِّ (٥): كانت الأنصارُ يستحبونَ أنْ تقرأ عندَ الميتِ سورةُ البقرةِ (٦). يندب تغميض بصر الميت ٦/ ٥٠٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ"، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيرٍ، فَإِن المَلَاِئِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ،

стр. 943

وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ وَاخْلُفْهُ فِي عَقبِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعن أمِّ سلمةَ قالتْ: دخلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على أبي سلمة، وقد شقَّ بَصَرَهُ) في شرحِ مسلمٍ أنهُ بفتحِ الشينِ، ورفعِ (بصرُهُ) وهوَ فاعلُ شقَّ، هكذا ضبطناهُ وهوَ المشهورُ، وضبطَ بعضُهم بصرَه بالنصبِ وهوَ صحيحٌ أيضًا" فالشينُ مفتوحةٌ بلا خلافٍ (بصرَهُ فأغمضَهُ ثمَّ قالَ: إنَّ الروحَ إذا قُبضَ اتبعهُ البصرُ، فضجَّ ناسٌ من أهلهِ فقالَ: لا تدعُوا على أنفسِكم إلَّا بخيرٍ، فإنَّ الملائكةَ تؤمّنُ على ما تقولونَ) أي: من الدعاءِ (ثمَّ قالَ: اللَّهمّ اغفرْ لأبي سلمةَ، وارفعْ درجتَه في المهديينَ، وافسحْ لهُ في قبرهِ، ونوِّرْ لهُ فيهِ، واخلفْه في عَقِبهِ. رواهُ مسلمٌ). يقالُ: شقَّ الميتُ بصرَهُ إذا حضرَهُ الموتُ وصارَ ينظرُ إلى الشيءِ لا يرتدُّ عنهُ طرفهُ. وفي إغماضِه ﷺ طرفَهُ دليلٌ على استحبابِ ذلكَ. وقد أجمعَ عليهِ المسلمونَ؛ وقد علّلَ في الحديثِ ذلكَ بأنَّ البصرَ يتبعُ الروحَ. أي: ينظرُ أينَ يذهبُ. والحديثُ من أدلّةِ مَنْ يقولُ: إنَّ الأرواحَ أجسامٌ لطيفةٌ متحلّلةٌ في البدنِ، وتذهبُ الحياةُ من الجسدِ بذهابِها، وليسَ عرضًا كما يقولُه آخرونَ. وفيهِ دليلٌ على أنهُ يدْعَى للميتِ عندَ موتهِ، ولأهلهِ، وعقبهِ، بأمورِ الآخرةِ والدنيا، وفيهِ دلالةٌ على أن الميتَ ينعَّمُ في قبرهِ أو يعذَّبُ. تسجية الميِّت ٧/ ٥٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. متفقٌ عليهِ (٢). [صحيح] (وعن عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حينَ توفيَ سجِّيَ ببُردٍ حِبَرَةٍ) بالحاءِ المهملةِ، فموحدةٍ، فراءٍ، فتاء تأنيثٍ بزنةِ عِنبَةٍ (متفقٌ عليهِ).

стр. 944

التسجيةُ بالمهملةِ والجيمِ: التغطيةُ، أي: غُطِّيَ، والبردُ يجوزُ إضافتهُ إلى الحِبرةِ ووصفُه بها، والحبرةُ ما كانَ لها أعلامٌ، وهي منْ أحبِّ اللباسِ إليهِ ﷺ ، وهذهِ التغطيةُ قبلَ الغسل فيما يظهر. قال النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (١): إنهُ مجمعٌ عليها، وحكمتهُ صيانةُ الميتِ عن الانكشافِ وسترِ عورتهِ المتغيرةِ عن الأعينِ. قالُوا: وتكونُ التسجيةُ بعدَ نزعِ ثيابِهِ التي توفّيَ فيها لئلّا يتغيّرَ بدنُه بسبِبها. تقبيل الميِّت ٨/ ٥٠٧ - وَعَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنها) أي: عائشةَ (أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ قبَّلَ النبيَّ ﷺ بعدَ موتهِ. رواهُ البخاريُّ)، استُدلَّ بهِ على جوازِ تقبيلِ الميتِ بعدَ موتهِ، وعلى أنها تندبُ تسجيتُه، وهذهِ أفعالُ صحابةٍ بعدَ [وفاتهِ] (٣) لا دليلَ فيها لانحصارِ الأدلةِ في الأربعةِ، نعمْ هذهِ الأفعالُ جائزةٌ على أصلِ الإباحةِ. وقد أخرجَ الترمذيُّ (٤) من حديثِ عائشةَ: "أن النبيَّ ﷺ قبَّلَ عثمانَ بن مظعونٍ، وهوَ ميتٌ وهو يبكي أو قالَ: وعيناهُ تهرقانِ"، قال الترمذيُّ (٥): حديثُ عائشةَ حسنٌ صحيحٌ. المبادره بقضاء دين الميِّت ٩/ ٥٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ

стр. 945

بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالتِّرْمِذِيّ (٢) وحَسَّنَهُ. [صحيح] (وعن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَينهِ حتى يُقضى عنهُ. رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ وحسَّنهُ). [و] (٣) قد وردَ التشديدُ في الدَّينِ حتَّى تركَ ﷺ الصلاةَ على مَنْ ماتَ وعليهِ دينٌ حتَّى تحمَّلَه عنهُ بعضُ الصحابةِ (٤). وأخبرَ ﷺ أنهُ يغفرُ للشهيدِ عندَ أولِ دفعةٍ من دمهِ كلُّ ذنب إلَّا الدَّينَ (٥). [وهذا الحديثُ منَ الدلائلِ] (٦) على أنهُ لا يزالُ الميتُ مشغولًا بدَيْنِهِ بعدَ موتهِ، ففيهِ حثٌّ على التخلّصِ عنهُ قبلَ الموتِ، وأنهُ أهمُّ الحقوقِ، وإذا كانَ هذا [في] (٣) الدَّيْنِ المأخوذِ برضَا [صاحبه] (٧)، فكيفَ بما أُخِذَ غصْبًا ونَهْبًا وسلْبًا. غسل الميت وتكفينه ١٠/ ٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: "اغْسُلُوهُ بِمَاء وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٨). [صحيح]

стр. 946

(وعن ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ في الذي سقطَ عن راحلتهِ [فماتَ]) (١) [و] (٢) ذلك وهوَ واقفٌ بعرفةَ على راحلتهِ كما في البخاريِّ: (اغسلوهُ بماءٍ وسدرٍ، وكفِّنوهُ في ثوبيهِ. متفقٌ عليهِ). تمامُه: "ولا تحنِّطُوهُ، ولا تخمِّرُوا رأسَهُ"، وبعدَهُ في البخاريِّ: "فإنهُ يبعثُ يومَ القيامةِ ملبّيًا". الحديثُ دليلٌ على وجوبِ غسلِ الميتِ؛ قالَ النوويُّ (٣): الإجماعُ على أن غسلَ الميتِ فرضُ كفايةٍ. قالَ المصنفُ بعدَ نقلهِ في الفتحِ: وهوَ ذهولٌ شديد؛ فإنَّ الخلافَ فيهِ مشهورٌ عندَ المالكيةِ حتَّى إنَّ القرطبيَّ رجَّحَ في شرحِ مسلمٍ أنهُ سنةٌ، ولكنَّ الجمهورَ على وجوبهِ. وقد ردَّ ابنُ العربي على مَنْ لمْ يقلْ بذلكَ. وقالَ: قد تواردَ القولُ والعملُ وغسلُ الطاهرِ المطهّرِ، فكيفَ بمنْ سواهُ، ويأتي كمّيةُ الغسلاتِ في حديثِ أمِّ عطيةَ قريبًا (٤). وقولُه: "بماءٍ وسدرٍ"، ظاهرُه أنهُ يخلطُ السدرُ بالماءِ في كلِّ مرةٍ من مراتِ الغسلِ. قيلَ: وهوَ يُشعرُ بأنَّ غسل الميتِ للتنظيفِ لا للتطهيرِ؛ لأنَّ الماءَ المضافَ لا يُتَطَهَّرُ بهِ. قيلَ: وقدْ يقالُ: يحتملُ أن السدرَ لا يغيرُ وصفَ الماءِ فلا يصيرُ مضافًا، وذلكَ بأنْ يمعَكَ بالسدرِ، ثمَّ يغسلُ بالماءِ في كلِّ مرةٍ. وقالَ القرطبيُّ: يجعلُ السدرُ في ماءٍ ثمَّ يخضخضُ إلى أن تخرجَ رغوتُه، ويدلكَ بهِ جسدُ الميتِ، ثمَّ يصبَّ عليهِ الماءُ القُراحُ، هذهِ غسلَةٌ. وقيلَ: لا يطرحُ السدرُ في الماءِ، أي: لئلا يمازجَ الماءَ فيُغَيِّرَ وصفَ الماءِ المطلقِ. وتمسَّكَ بظاهرِ الحديثِ بعضُ المالكيةِ فقالَ: غسلُ الميتِ إنَّما هو للتنظيفِ، فيجزئُ الماءُ المضافُ كماءِ الوردِ ونحوِه. وقالُوا: إنَّما يكرهُ لأجلِ السرفِ. والمشهورُ عندَ الجمهور أنهُ غسلٌ تعبديٌّ يشترطُ فيهِ ما يشترطُ في الاغتسالاتِ الواجبةِ والمندوبةِ. وفي الحديثِ النهيُ عن تحنيطهِ، ولم يذكرْهُ المصنفُ كما عرفتَ. وتعليلُه بأنهُ يبعثُ ملبّيًا يدلُّ على أن علةَ النهي كونُه ماتَ محرِمًا، فإذا انتفتِ العلةُ انتفى النهيُ، وهو يدلّ على أن الحنوط للميت كان أمرًا متقرّرًا عندهم.

стр. 947

وفيه أيضًا النهيُ عن تخميرهِ وتغطيةِ رأسهِ لأجلِ الإحرامِ، فمنْ ليسَ بمُحرم يحنَّطُ ويخمَّرُ رأسُه، والقولُ بأنهُ ينقطعُ حكمُ الإحرامِ بالموتِ كما تقولُه الحنفيةُ، وبعضُ المالكيةِ خلافُ الظاهرِ. وقد ذكرَ في الشرحِ خلافَهم وأدلَّتهم، وليستْ بناهضةٍ على مخالفةِ ظاهرِ الحديثِ، فلا حاجةَ إلى سردِها. وقولُه: "وكفّنوهُ في ثوبينِ"، يدلُّ على وجوب التكفينِ، وأنهُ لا يشترطُ فيهِ أنْ يكونَ وترًا، وقيلَ: يحتملُ أن الاقتصارَ عليهما لأنهُ ماتَ فيهما، وهوَ متلبّسٌ بتلك العبادةِ الفاضلةِ، ويحتملُ أنهُ لم يجدْ له غيرَهما، وأنهُ من رأسِ المالِ، لأنهُ ﷺ أمرَ بهِ ولم يستفصلْ هل عليهِ دينٌ مستغرقٌ أم لا. وورَدَ الثوبين في هذهِ الروايةِ مطلقينِ، وفي روايةٍ في البخاريِّ (١): في ثوبيهِ، وللنسائي (٢): في ثوبيهِ الَّذَينِ أحرمَ فيهما. قالَ المصنفُ (٣): و [فيه] (٤) استحبابُ تكفينِ الميتِ في ثيابِ إحرامهِ، وأنَّ إحرامَه باقٍ، وأنهُ لا يكفَّنُ في المخيطِ. وفي قولهِ: "يبعثُ ملبِّيًا"، ما يدلُّ [على أن من] (٥) شرعَ في عملِ طاعةٍ ثمَّ حيلَ بينَه وبينَ تمامِها بالموتِ أنهُ يرجَى لهُ أن يكتبَهُ اللَّهُ في الآخرةِ منِ أهلِ ذلكَ العمل. كيفية غسل رسول اللَّهِ ﷺ - ١١/ ٥١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، نُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ لَا؟ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧). [صحيح] (وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: لما أرادُوا غسلَ النبيِّ ﷺ قالوا: واللَّهِ ما ندري نجرِّدُ

стр. 948

رسولَ اللَّهِ ﷺ كما نجرّد موتانا أم لا؟ الحديثَ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ)، وتمامُهُ عندَ أبي داودَ: "فلمَّا اختلفُوا ألقَى اللَّهُ عليهمُ النومَ حتَّى ما مِنْهُم من أحدٍ إلَّا وذقنُهُ في صدرهِ، ثمَّ كلَّمَهم مكلِّمٌ من ناحيةِ البيتِ لا يدرونَ مَنْ هوَ: اغسلُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عليهِ ثيابهُ، فغسلوهُ وعليهِ قميصهُ، يصبُّونَ الماءَ فوقَ القميصِ ويدلكونهُ بالقميصِ دونَ أيديهم". وكانتْ عائشةُ تقولُ (١): "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا نساؤُه"، وفي روايةٍ لابنِ حبانَ (٢): "وكانَ الذي أجلسَهُ في حجرِهِ عليٌّ بنُ أبي طالب ﵇". ورَوَى الحاكمُ (٣) قالَ: "غسَّلَ النبيَّ ﷺ علي ﵇ وعلى يدِ عليّ خرقةٌ فغسلهُ، فأدخلَ يدَه تحتَ القميصِ فغسلَه، والقميصُ عليهِ". ورَوى ذلكَ الشافعيُّ (٤) عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ. وفي هذهِ القصةِ دلالةٌ على أنهُ ﷺ ليسَ كغيرهِ منَ الموتَى. كيفية غسل ابنته زينب ١٢/ ٥١١ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكثَرَ مِنْ ذلِكَ إِن رَأَيْتُن ذلِكَ، بِمَاءٍ

стр. 949

وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأخَيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيئًا مِنْ كَافُورٍ"، فَلَّمَا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ (٢): "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعَ الوضُوءِ مِنْهَا"، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ (٣): "فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا". [صحيح] (وعن أمِّ عطيةَ) تقدمَ اسمُها، وفيهِ خلافٌ، وهي أنصاريةٌ (قالتْ: دخلَ علينا النبي ﷺ ونحنُ نغسلُ ابنتَه) لم تقعْ في شيءٍ من رواياتِ البخاريِّ مسمَّاةً، والمشهورُ أنها زينبُ زوجُ أبي العاصِ، كانتْ وفاتُها في أولِ سنةٍ ثمانٍ، ووقعَ في رواياتٍ أنَّها أمُّ كلثومٍ، ووقعَ في البخاريِّ (٤) عن ابن سيرينَ: "لا أدري أيَّ بناتهِ". (فقالَ: اغسلنَها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثرَ من ذلكَ إنْ رأيتنَّ ذلكَ بماءٍ وسدرٍ، واجعلنَ في الأخيرةِ كافورًا أو شيئًا من كافورٍ)، هوَ شكٌّ من الراوي أيُّ اللفظينِ قَال، والأول محمولٌ على الثاني لأنهُ نكرةٌ في سياقِ الإثباتِ فيصدقُ بكلِّ شيءٍ منهُ، (فلمَّا فرغْنا آذنَّاهُ) في البخاري: "أنهُ ﷺ قالَ لهنَ: فإذا فرغتُنَّ آذنَّني"، ووقعَ [في] (٥) روايةِ البخاري: "فلما فرغْنَ" عوضًا عن فرغْنا، (فألقى إلينا حقوهُ)، وفي لفظِ البخاري: "فأعطانا حقوهُ"، وهو بفتحِ المهملةِ، ويجوزُ كسرُها، وبعدَها قافٌ ساكنةٌ. والمرادُ هنا: الإزارُ، وأطلقَ على الإزارِ مجازًا؛ إذْ معناهُ الحقيقي: معقدُ الإزارِ، فهوَ من تسميةِ الحال باسمِ المحلِّ (فقالَ: أشعرْنَها إياهُ. متفقٌ عليهِ)، أي: اجعلْنَه شعارَها، أي: الثوبَ الذي يلي جسدَها. (وفي روايةٍ) أي: للشيخينِ عن أمِّ عطيةَ (ابدأنَ بميامِنها ومواضعِ الوضوءِ منها، وفي لفظٍ للبخاريِّ) أي: عن أمِّ عطيةَ (فضفرْنا شعرَها ثلاثةَ قرونٍ فألقيناهُ خلفَها). دلَّ الأمرُ في قولهِ: "اغسلْنَها ثلاثًا" على أنهُ يجبُ ذلكَ العددُ، والظاهرُ

стр. 950

الإجماعُ على إجزاءِ الواحدةِ، فالأمرُ بذلكَ محمولٌ على الندبِ، وأمّا أصلُ الغسلِ فقد علمَ وجوبُه من محلٍّ آخرَ، وقيلَ: تجبُ الثلاثُ. وقولُه: "أو خمسًا"، أو للتخييرِ [لا للترتيب] (١) هوَ الظاهرُ، وقولُه: "أو أكثرَ"، قدْ فسِّرَ في روايةٍ: أو سبعًا بدلَ قوله: أوْ أكثرَ من ذلكَ، وبهِ قالَ أحمدُ وكرهَ الزيادةَ على سبعٍ. قالَ ابنُ عبد البرِّ (٢): لا أعلمُ أحدًا قالَ بمجاوزةِ السبعِ، إلَّا أنهُ وقعَ عندَ أبي داودَ (٣) أوْ سبعًا أو أكثرَ منْ ذلكَ، فظاهرُها شرعيةُ الزيادةِ على السبعِ. وتقدَّمَ الكلامُ في كيفيةِ غسلةِ السدرِ، قالُوا: والحكمةُ فيهِ أنهُ يليِّنُ جسدَ الميتِ. وأما غسلةُ الكافورِ، فظاهرُه أنهُ يجعلُ الكافورُ في الماءِ ولا يضرُّ الماءَ تغيرَهُ بهِ، والحكمةُ فيهِ أنهُ يطيبُ رائحةَ الموضعِ لأجلِ مَنْ حضرَ مِنَ الملائكةِ وغيرِهم، معَ أن فيهِ تجفيفًا وتبريدًا وقوةَ نفوذٍ وخاصيةً في تصليبِ جسدِ الميتِ، وصرفِ الهوامِّ عنهُ، ومنعِ ما يتحللُ منَ الفضلاتِ، ومنعُ إسراعِ الفسادِ إليهِ، وهوَ أقْوى الروائحِ الطيبةِ في ذلكَ؛ وهذا هوَ السرُّ في جعلهِ في الآخرةِ؛ إذْ لو كانَ في الأُولى مثلًا لأذهبهُ الماءُ. وفيهِ دلالةٌ على البداءةِ في الغسلِ بالميامنِ. والمرادُ بها ما يلي الجانبَ الأيمنَ. وقولهُ: "ومواضعَ الوضوءِ منها" ليسَ بينَ الأمرينِ تنافٍ لإمكانِ البداءةِ بمواضعِ الوضوءِ وبالميامنِ معًا. وقيلَ: المرادُ: ابدأنَ بميامِنها في الغسلاتِ التي لا وضوءَ فيها، ومواضعَ الوضوءِ منها في الغسلةِ المتصلةِ بالوضوءِ. والحكمةُ في الأمرِ بالوضوءِ تجديد سمة المؤمنين في ظهور أثر الغُرَّة والتحجيل. وظاهر مواضع الوضوء دخولُ المضمضةِ والاستنشاقِ. [وقولُه] (٤): "ضفرْنا شعرَها" استدلَّ بهِ على ضفرِ شعرِ الميتِ، وقالَ الحنفيةُ: يرسلُ شعرُ المرأةِ خلفَها وعلى وجهِهَا مفرَّقًا. قالَ القرطبيُّ: كأنَّ سببَ الخلافِ أن الذي فعلتْهُ أمُّ عطيةَ لم يكنْ عن أمرهِ ﷺ ، ولكنهُ قالَ المصنفُ (٥): إنهُ قد رَوَى سعيدُ بنُ منصورٍ ذلكَ بلفظِ: "قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : اغسلنَها وترًا، واجعلنَ شعرَها ضفائرَ".

стр. 951

وفي صحيحِ ابن حبانَ (١): "اغسلنَها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، واجعلْنَ لها ثلاثةَ قرونٍ"، والقرنُ هنا المرادُ بهِ: الضفائرُ، وفي بعضِ ألفاظِ البخاري: "ناصيتَها وقرنَيْها"، ففي لفظِ ثلاثةِ قرونٍ تغليبٌ، والكلُّ حجةٌ على الحنفيةِ. والضفرُ يكونُ بعدَ نقضِ شعرِ الرأسٍ وغسلهِ وهوَ في البخاري صريحًا. وفيه دلالةٌ على إلقاءِ الشعرِ خلفَها. وذَهَلَ ابنُ دقيقِ العيدِ عن كونِ هذهِ الألفاظ في البخاري، فنسبَ القولَ بهِ إلى بعض الشافعيةِ، وأنهُ استندَ في ذلكَ إلى حديثٍ غريبٍ. صفة كفنه ﷺ وما يلزم في الكفن ١٣/ ٥١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعن عائشة ﵂ قالتْ: كُفِّنَ رسول اللَّهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابِ بيضِ سُحُوليةٍ) بضمِّ السينِ المهملةِ، والحاءِ المهملةِ، (من كُرْسُفٍ) بضمِّ الكافِ، وسكونِ الراءِ، وضمّ السِّين المهملةِ ففاءٍ، أي: قطن (ليس فيها) أي: الثلاثةِ (قميصٌ ولا عمامةٌ) بل إزارٌ ورداءٌ ولفافةٌ كما صرَّحَ بهِ في طبقاتِ ابن سعدٍ (٣) عن الشعبيِّ، (متفقٌ عليهِ). فيهِ أن الأفضلَ التكفينُ في ثلاثةِ أثواب بيضٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يكنْ يختارُ لنبيهِ ﷺ إلَّا الأفضلَ. وقد رَوَى أهلُ السننِ (٤) من حديثِ ابنٍ عباسٍ: "البسُوا ثيابَ البياضِ فإنَّها

стр. 952

أطيبُ وأطهرُ، وكفِّنُوا فيها موتَاكمْ"، وصحَّحهُ الترمذيُّ، والحاكم. وله شاهدٌ من حديثِ سمُرةَ (١) أخرجوهُ، وإسنادُه صحيحٌ أيضًا، وأمّا ما تقدمَ في حديثِ عائشةَ: "أنهُ ﷺ سجِّيَ ببردٍ حِبرةٍ"، وهيَ بردٌ يمانيٌّ مخطّطُ غالي الثمنِ، فإنهُ لا يعارضُ ما هنا لأنهُ ﷺ لم يكفنْ في ذلكَ البردِ بل سجَّوْهُ بهِ ليتجفّفَ فيه، ثمَّ نزعُوهُ عنهُ، كما أخرجهُ مسلمٌ، على أن الظاهرَ أن التسجيةَ كانتْ قبلَ الغسلِ. قال الترمذيُّ (٢): تكفينهُ في ثلاثةِ أثواب بيضٍ أصحُّ ما وردَ في كَفَنِهِ، وأمّا ما أخرجَهُ أحمدُ (٣)، وابنُ أبي شيبةَ (٤)، والبزارُ (٥) من حديثِ عليٍّ ﵁: "أنهُ ﷺ كُفِّنَ في سبعةِ أثوابٍ" فهوَ من روايةِ عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بن عقيل، وهو سيّءُ الحفظِ، يصلُحُ حديثُه في المتابعاتِ إلَّا إذا انفردَ [فلا يحسنُ] (٦)، فكيف إذا خالفَ كما هنا، فلا يقبلُ. قالَ المصنفُ: وقد رَوَى الحاكمُ من حديثِ أيوبَ عن نافع، عن ابن عمرَ ما يعضدُ روايةَ ابن عقيلٍ، فإنْ ثبتَ جمعَ بينَه وبينَ حديثِ عائشة بأنها روتْ ما اطّلعتْ عليهِ وهوَ الثلاثةُ، وغيرُها رَوَى ما اطّلعَ عليهِ سيَّما إنْ صحَّتِ الروايةُ عن عليّ، فإنَّهُ كانَ المباشرُ للغسلِ. واعلمْ أنهُ يجبُ منَ الكفنِ ما يسترُ جميعَ جسدِ الميتِ، فإنْ قصرَ عن سترِ الجميعِ قُدِّمَ سترُ العورةِ فما زاد عليها سُتِرَ بهِ من جانبِ الرأسِ، وجُعلَ على

стр. 953

الرِّجلينِ حشيشٌ، كما فعلَ النبيُّ ﷺ عمِّه حمزةَ ومصعبِ بن عميرٍ (١)، فإنْ أُريدَ الزيادةُ على الواحدِ فالمندوبُ أنْ يكونَ وترًا، ويجوزُ الاقتصارُ على الاثنينِ كما مرَّ في حديثِ المُحرمِ الذي ماتَ. وقد عرفتَ من روايةِ الشعبيِّ كيفيّةَ الثلاثةِ، وأنَّها إزارٌ ورداءٌ ولفافةٌ. وقيلَ: مِئزرٌ ودرجانِ. وقيلَ: يكونُ منها قميصٌ غيرُ مخيطٍ، وإزارٌ يبلغُ من سرتهِ إلى ركبتهِ، ولفافةٌ يلفُّ بها من قرنهِ إلى قدمهِ. وتأوّلَ هذا القائلُ قولَ عائشةَ: "ليسَ فيها قميصٌ ولا عمامةٌ" بأنَّها أرادتْ نَفْيَ وجودِ الأمرينِ معًا لا القميصِ وحدَه، أو أن الثلاثةَ خارجةٌ عن القميصِ والعمامةِ، والمرادُ: أن الثلاثةَ مما عداهُما وإنْ كانا موجودينِ وهذا بعيدٌ جدًّا. قيلَ: والأَوْلَى أنْ يقالَ إنَّ التكفينَ بالقميصِ وعدمهِ سواءٌ يُستحبانِ، فإنّهُ ﷺ كفَّنَ عبدَ اللَّهِ بن أُبيٍّ في قميصهِ، أخرجهُ البخاريُّ (٢). ولا يفعلُ ﷺ إلَّا ما هوَ الأحسنُ، وفيه أن قميصَ الميتِ مثلُ قميصِ الحيِّ مكفوفًا مزرُورًا، وقد استحبَّ هذا محمدُ بنُ سيرينَ كما ذكرهُ البيهقيُّ في الخلافياتِ. قالَ في الشرحِ: وفي هذا ردٌّ على مَنْ قالَ: إنهُ لا يشرعُ القميصُ إلَّا إذا كانت أطرافُه غيرَ مكفوفةٍ. قلتُ: وهذا يتوقفُ على أن كفَّ أطرافِ القميصِ كانَ عرفَ أهلِ ذلكَ العصر. شرعية التكفين في القميص ١٤/ ٥١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَي جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ قالَ: لما تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ جاءَ ابنُه) هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ

стр. 954

عبدِ اللَّهِ (إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: أعطني قميصَك أكفِّنْهُ فيهِ، فأعطاهُ. متفقٌ عليهِ). هوَ دليلٌ على شرعيةِ التكفينِ في القميص كما سلفَ قريبًا، وظاهرُ هذهِ الروايةِ أنهُ طلبَ القميصَ منهُ ﷺ قبلَ التكفينِ، إلّا أنهُ قد عارضَها ما عندَ البخاريِّ (١) من حديثِ جابرٍ: "أنهُ ﷺ أتَى عبدَ اللَّهِ بن أبيِّ بعدَ ما دفنَ فأخرجَهُ فنفثَ فيهِ من ريقهِ، وألبسَه قميصَه"؛ فإنهُ صريحٌ أنهُ كانَ الإعطاءُ والإلباسُ بعدَ الدفنِ. وحديثُ ابن عمرَ يخالفُه، وجُمِعَ بينَهما بأنَّ المرادَ مِنْ قولهِ في حديثِ ابن عمرَ فأعطاهُ أي: أنعمَ لهُ بذلكَ فأطلقَ على العدةِ اسمُ العطيةِ مجازًا لتحقّقِ وقوعِها، وكذا قولُه في حديثِ جابرٍ: "بعدَ ما دفنَ" أي: دُلِّيَ في حفرتهِ، أوْ أن المرادَ من حديثِ جابرٍ أن الواقعَ بعدَ إخراجهِ من حفرتهِ هوَ النفثُ، وأمّا القميصُ فقد كانَ أُلبسَ والجمعُ بينَهما لا يدلُّ على وقوعِهما معًا؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ ولا المعيَّةَ، فلعلَّهُ أرادَ أنْ يذكرَ ما وقعَ في الجملةِ من إكرامهِ ﷺ من غيرِ إرادةِ الترتيبِ، وقيلَ: إنّه ﷺ أعطاهُ أحدَ قميصَيْه أولًا، [ثم] (٢) لما دفنَ أعطاهُ الثاني بسؤالِ ولدِهِ. وفي "الإكليلِ" للحاكمِ (٣) ما يؤيّدُ ذلكَ، واعلمْ أنهُ إنَّما أعطيَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أُبيٍّ لأنهُ كانَ رجلًا صالحًا، ولأنه سألهُ ذلكَ وكانَ لا يردُّ سائلًا، وإلَّا فإنَّ أباهُ الذي ألبسَه قميصَهُ ﷺ وكفّنَ فيهِ من أعظم المنافقينَ، وماتَ على نفاقهِ، وأنزلَ اللَّهُ فيهِ: ﴿وَلَا تصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبدًا﴾ (٤)، وقيلَ: إنَّما كساهُ ﷺ قميصَه لأنَّه [كان] (٥) كسا العباسَ لما أسر ببدرٍ، فأرادَ ﷺ أن يكافئَه. يُسن التكفين في الثياب البيض ١٥/ ٥١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦). [صحيح]

стр. 955

(وعن ابن عباسٍ ﵄ أن النبي ﷺ قالَ: البسُوا من ثيابِكمُ البياض، فإنَّها من خيرِ ثيابكم وكفِّنُوا فيها موتَاكم. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، وصحَّحهُ الترمذيُّ). تقدَّمَ (١) حديثُ البخاري عن عائشةَ: "أنهُ ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ". وظاهرُ الأمرِ أنهُ يجبُ التكفينُ في الثيابِ البيضِ، ويجبُ لبسُها إلَّا أنهُ صرفَ الأمرَ عنهُ في اللبسِ أنهُ قد ثبتَ عنهُ ﷺ أنهُ لبسَ غيرَ الأبيضِ، وأمَّا التكفينُ فالظاهرُ أنهُ لا صارفَ عنهُ إلَّا أنْ لا يوجدَ الأبيضُ كما وقعَ في تكفينِ شهداءِ أحدٍ، فإنهُ [ ﷺ كَفَّنَ جماعةً في نمرةٍ واحدةٍ كما (٢) يأتي] (٣)؛ فإنهُ لا بأسَ بهِ للضرورةِ، وأمّا ما رواهُ ابنُ عديٍّ (٤) من حديثِ ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ كُفِّنَ في قطيفةٍ حمراءَ"، ففيهِ قيسُ بنُ الربيعِ وهوَ ضعيفٌ (٥). [ولعلّهُ] (٦) اشتبهَ عليهِ بحديثِ: "أنهُ جعلَ في قبرهِ قطيفةً حمراءَ" (٧)، وكذلكَ ما قيلَ: إنهُ كُفِّنَ في بردٍ حبرةٍ. وتقدمَ الكلامُ أنهُ إنَّما سُجِّيَ بها (٨) ثمَّ نزعتْ عنهُ. أفضل الثياب في الكفن ١٦/ ٥١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلْيحْسِنْ كفَنَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). [صحيح] (وعن جابر ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا كَفَّنَ أحدُكم أخاهُ فليُحسنْ كَفَنَهُ.

стр. 956

رَوَاهُ مُسلمٌ)، ورواهُ الترمذيُّ (١) أيضًا من حديثِ أبي قتادةَ وقالَ: حسنٌ غريبٌ، ثمَّ قالَ ابنُ المباركِ (٢): قالَ سَلَّامُ بنُ أبي مُطِيعٍ قولُهُ: "فليُحسن كفَنُه"، قالَ: هوَ الضَّفَاءُ بالضادِ المعجمةِ والفاءِ، أي: الواسعُ الفائضُ، وفي الأمر بإحسانِ الكفنِ دلالةٌ على اختيارِ ما كان أحسنَ في الذاتِ، وفي صفةِ الثوبِ، وفي كيفيةِ وضعِ الثيابِ على الميّتِ. فأمّا حسنُ الذاتِ فينبغي أنْ يكونَ على وجهٍ لا يعدُّ منَ المغالاةِ كما سيأتي النهيُ [عنهُ] (٣)، وأما صفةُ الثوب فقد بيَّنها حديثُ ابن عباسٍ الذي قبل هذا (٤)، وأمّا كيفيةُ وضع الثيابِ على الميتِ، فقد بيِّنت فيما سلفَ. وقد وردتْ أحاديثُ في إحسانِ الكفنِ وذكرتْ فيها علّةُ ذلكَ. أخرجَ الديلميُّ (٥) عن جابرٍ مرفوعًا: "أحْسِنُوا كفنَ موتاكم، فإنَّهم يتباهونَ ويتزاورونَ بها في قبورِهم"، وأخرجَ أيضًا (٦) من حديثِ أمِّ سلمةَ: "أحسنُوا الكفنَ ولا تؤذُوا موتاكم بعويلٍ، ولا بتزكيةٍ، ولا بتأخيرِ وصيةٍ، ولا بقطيعةٍ، وعجِّلُوا بقضاءِ دينهِ، واعدلُوا عن جيرانِ السوءِ، واعمقُوا إذا حفرتمْ ووسِّعُوا". ومنَ الإحسانِ إلى الميتِ ما أخرجَهُ أحمدُ (٧) من حديثِ عائشةَ عنهُ ﷺ : " [و] (٨) مَنْ غَسَّلَ ميتًا فأدَّى فيهِ الأمانةَ ولم يفشِ عليهِ ما يكونُ منهُ عندَ ذلكَ خرجَ من ذنوبهِ كيومِ ولدتْهُ أُمُّهُ". وقالَ ﷺ : "لِيَلِهِ أقربُكم إنْ كانَ يعلمُ فإنْ لم [يكن] (٨) يعلمُ، فَمَنْ ترونَ عندَه حظًا من ورع وأمانةٍ"، رواهُ أحمدُ (٩). وأخرجَ الشيخان (١٠) من حديثِ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سترَ مسلمًا سترهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ"، وأخرجَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ (١١) من حديثِ أُبي بن كعبِ: "أن آدمَ عليهِ

стр. 957

السلامُ قبضتْهُ الملائكةُ وغسَّلوهُ، وكفَّنوهُ، وحنّطوهُ، وحفرُوا لهُ، وألحدُوهُ، وصلَّوا عليهِ، ودخلُوا قبرهُ، ووضعُوا عليهِ اللَّبِنَ، ثمَّ خرجُوا منَ القبرِ، ثمَّ حَثَوْا عليهِ الترابَ، ثمَّ قالُوا: يا بني آدمَ هذا سنَّتكُمْ". دفنُ أكثرَ من واحدٍ في قبرٍ ومن يقدَّم؟ ١٧/ ٥١٦ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ " فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنهُ) أي: عن جابرٍ: (كانَ النبيُّ ﷺ يجمعُ بينَ الرجلينِ من قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ ثمَّ يقوله: (أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآنِ) فيقدِّمُهُ في اللَّحدِ). سمِّي لحدًا لأنهُ شِقٌّ يعملُ في جانبِ القبرِ، فيميلُ عن وسطهِ. والإلحادُ لغةً: الميلُ، (ولا يغسَّلوا ولا يصلَّ عليهمْ. رواهُ البخاريُّ)، دلَّ على أحكامٍ: الأول: أنه يجوزُ جمعُ الميِّتَينِ في ثوبٍ واحدٍ للضرورةِ، وهوَ أحدُ الاحتمالينِ. والثاني: أن المرادَ يقطعهُ بينَهما، ويكفنُ كلَّ واحدٍ على حيالَهَ، إلى هذا ذهبَ الأكثرونَ. بل قيلَ: إنَّ الظاهرَ أنهُ ولم يقلْ بالاحتمالِ الأولِ أحدٌ؛ فإنَّ فيهِ التقاءَ بَشَرَتَي الميِّتَينِ. ولا يخْفَى أن قولَ جابرٍ [في تمامِ

стр. 958

الحديثِ] (١): "فكُفِّنَ أبي وعمي في نَمِرةٍ واحدةٍ"، دليل على الاحتمالِ الأولِ. وأمّا الشارحُ ﵀ فقالَ: الظاهرُ الاحتمالُ الثاني؛ [فإنه أولى فإن في تقطيع الثياب بينهما، وتقديم ستر العورة، وأينما بلغ فيما زاد عليه] (١) كما فعلَ في حمزةَ ﵁. قلتُ: حديثُ جابرٍ أوضحُ في عدمِ تقطيعِ [الثياب] (٢) بينَهما، فيكونُ أحدُ الجائزينِ، والتقطيعُ جائزٌ على الأصلِ. الحكم الثاني: أنهُ دلَّ على أنهُ يقدمُ الأكثرُ أخذًا للقرآنِ على غيرهِ لفضيلةِ القرآنِ، ويقاسُ عليهِ سائرُ جهاتِ الفضلِ إذا جُمِعُوا في اللَّحدِ. الحكمُ الثالثُ: [جواز] (٣) جمعِ جماعةٍ في قبرٍ وكأنهُ للضرورةِ. وبوّبَ البخاريُّ بابُ (دفنِ الرجلينِ والثلاثةِ في قبرٍ) (٤). وأوردَ فيهِ حديثَ جابرٍ هذا وإنْ كانت روايةُ جابرٍ في الرجلينِ، فقد وقعَ ذكرُ الثلاثةِ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (٥): كانَ يدفنُ الرجلينِ والثلاثةَ في [القبر الواحد] (٦). ورَوَى أصحابُ السننِ (٧) عن هشامِ بن عامرٍ الأنصاريِّ: "قالَ: جاءتِ الأنصارُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ فقالُوا: أصابَنا قرحٌ وجهدٌ، فقالَ: "حفرُوا، وأوسعُوا، واجعلُوا الرجلينِ والثلاثةَ في قبرٍ"، صحَّحهُ الترمذيُّ، ومثلُه المرأتانِ والثلاثُ. وأمّا دفنُ الرجلِ والمرأةِ في القبرِ الواحدِ فقد رَوَى عبدُ الرزاقِ (٨) بإسنادٍ حسنِ عن واثلةَ بن الأسقعِ أنهُ كان يدفنُ الرجلُ والمرأةُ في القبرِ الواحدِ، فيقدّمُ الرجلُ وتجعلُ المرأةُ وراءَهُ، وكأنهُ [كانَ] (٣) يجعلُ بينَهما حائلًا من ترابٍ. الحكمُ الرابعُ: أنهُ لا يغسَّلُ الشهيدُ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. ولأهلِ المذهبِ

стр. 959

تفاصيلُ في ذلك. ورُوِيَ عن سعيدٍ بن المسيبِ (١)، والحسنِ (٢)، وابنِ شُرَيْحٍ أنهُ يجبُ غسلُه، والحديثُ حجةٌ عليهمْ. وقد أخرجَ أحمدُ (٣) من حديثِ جابرٍ أنهُ ﷺ قالَ في قتلى أُحُدٍ: "لا تُغَسِّلُوهُمْ فإنَّ كلَّ جُرْحٍ أو كلَّ دمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يومَ القِيامةِ"، فبيّنَ الحكمةَ في ذلكَ. الحكم الخامسُ: عدمُ الصلاةِ على الشهيدِ، وفي ذلكَ خلافٌ بينَ العلماءِ معروفٌ، فقالتْ طائفةٌ: يصلَّى عليهِ عملًا بعمومِ أدلةِ الصلاةِ على الميتِ، وبأنهُ [رُوي أنهُ] (٤) ﷺ صلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ (٥)، وكبَّرَ على [الحمزة] (٦) سبعينَ تكبيرةً، وبأنهُ رَوَى البخاريُّ (٧) عن عقبة بن عامرٍ: "أنهُ ﷺ صلَّى على قَتْلَى أُحدٍ"، وقالتْ طائفة: لا يصلَّى عليهِ عملًا بروايةِ جابرٍ هذهِ. قالَ الشافعيُّ: جاءتِ الأخبارُ كأنها عيانٌ من وجوهٍ متواترةٍ: " [أن النبيَّ] (٨) ﷺ لم يصلِّ على قَتْلَى أُحُدٍ"، وما رُوِيَ

стр. 960

أنهُ ﷺ صلَّى عليهمْ وكبَّرَ على حمزة ﵁ سبعينَ تكبيرةً لا يصحُّ، وقدْ كانَ ينبغي لمن عارضَ بذلكَ هذهِ الأحاديثَ الصحيحةَ أنْ يستحيَ على نفسهِ. وأمّا حديثُ عقبةَ بن عامرٍ فقد وقعَ في نفسِ الحديثِ أن ذلكَ كانَ بعدَ ثماني سنينَ، يعني والمخالفُ يقولُ: لا يُصَلَّى على القبرِ إذا طالتِ المدةُ، فلا يتمُّ لهُ الاستدلالُ، وكأنهُ ﷺ دعا لهمْ واستغفرَ لهمْ حينَ علمَ قربَ أجلهِ مودِّعًا بذلكَ، ولا يدلُّ على نسخِ الحكمِ الثابتِ، انتهَى. ويؤيّدُ كونَه دعا [لهمُ] (١) عدمُ الجمعيةِ بأصحابهِ؛ إذ لو كانتْ صلاةُ الجنازةِ لأشعرَ أصحابَه وصلَّاها جماعة كما فعلَ في صلاتهِ على النجاشيِّ، فإنَّ الجماعةَ أفضلُ قطعًا، وأهلُ أُحُدٍ أوْلى الناسِ بالأفضلِ، ولأنهُ لم يرد عنهُ أنهُ صلَّى على قبرٍ فُرادَى. وحديثُ عقبةَ أخرجهُ البخاريُّ بلفظِ: "أنهُ ﷺ صلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ بعد ثماني سنينَ". زادَ ابنُ حبانَ (٢): "ولم يخرجْ من بيتهِ حتَّى قبضَهُ اللَّهُ تعالى". النهي عن المغالاة في الكفن ١٨/ ٥١٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَغَالُوا فِي الكفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). [ضعيف] (وعن عليٍّ ﵇: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا تَغالُوا في الكفنِ، فإنهُ يُسْلَبُ سريعًا. رواهُ أبو داودَ) من روايةِ الشعبيِّ عن عليٍّ ﵇، وفي إسنادهِ عمرُو بنُ هشامٍ الجَنْبيِّ، بفتحِ الجيمِ، فنونٍ ساكنةٍ فموحدةٍ مُخْتَلَفٌ فيهِ، وفيهِ انقطاعٌ بينَ الشعبيِّ وعليٍّ؛ لأنهُ قالَ الدارقطنيُّ (٤): إنهُ لم يسمعْ منهُ سوى حديثٍ واحدٍ، وفيهِ دلالةٌ على المنعِ منَ المغالاةِ في الكفنِ، وهي زيادةُ الثمنِ. وقولُهُ: "فإنهُ يسلبُ سريعًا"؛ كأنهُ إشارةٌ إلى أنهُ سريعُ البِلَى والذهابِ كما في حديثِ عائشةَ: أن أبا بكرٍ نظرَ إلى ثوبٍ عليه كان يمرَّضُ فيه، به ردعٌ من

стр. 961

زعفران، وقال: "اغسلُوا ثوبي هذا، وزيدُوا عليهِ ثوبينِ، وكفّنوني فيها. قلتُ: إنَّ هذا خَلِقَ، قالَ: إنَّ الحيَّ أحقُّ بالجديدِ منَ الميتِ، إنَّما هوَ للمُهلةِ"، ذكرهُ البخاريُّ مختصرًا (١). غسل أحد الزوجين الآخر ١٩/ ٥١٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ" الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعن عائشةَ ﵂ أن النبي ﷺ قالَ لها: لو متِّ قبلي لغسلتُكِ. الحديثَ، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَهْ، وصحَّحهُ ابن حبانَ). فيهِ دلالةٌ على أن للرجلِ أن يغسِّلَ زوجتَهُ وهو قولُ الجمهورِ. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يغسِّلُها بخلافِ العكسِ لارتفاعِ النكاحِ، ولا عدةَ عليهِ. والحديثُ يردُّ قولَهُ هذا في الزوجينِ. وأمّا في الأجانبِ، فإنهُ أخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (٥) من حديثِ أبي بكرٍ بن عياشٍ عن محمدِ بن أبي سهلٍ، عن مكحولٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا ماتتِ المرأةُ معَ الرجالِ ليسَ فيهمُ امرأةٌ غيرُها، والرجلُ معَ النساءِ ليسَ معهنَّ رجلٌ غيرُهُ؛ فإنَّهما يُيَمَّمَانِ ويدفَنَانِ، وهما بمنزلةِ مَنْ لا يجدُ الماءَ"، انتهى. محمدُ بنُ أبي سهلٍ هذا ذكرهُ ابنُ حبانَ في

стр. 962

الثقاتِ (١). وقالَ البخاريُّ (٢): لا يتابعُ على حديثهِ. وعن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تبرزْ فَخِذَكَ ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ ولا ميّتٍ"، رواهُ أبو داودَ (٣)، وابنُ ماجَهْ (٤)، وفي إسناده اختلافٌ. ٢٠/ ٥١٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِي ﵁. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (٥). [صحيح] (وعن أسماءَ بنت عُمَيْسٍ ﵂ أن فاطمةَ ﵂ أوصتْ أن يغسِّلَها عليٌّ ﵇. رواهُ الدارقطنيُّ). هذا يدلُّ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ. وأمّا غسلُ المرأةِ زوجَها فيستدلُّ لهُ بما أخرجهُ أبو داودَ (٦) عن عائشةَ: "أنَّها قالتْ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ غيرُ نسائهِ"، وصحَّحهُ الحاكمُ وإنْ كان قولَ صحابيةٍ، وكذلكَ حديثُ فاطمةَ فهو يدلُّ على أنهُ كانَ أمرًا معروفًا في حياتهِ ﷺ ، ويؤيُّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ (٧): "من أنَّ أبا بكرٍ أوصَى امرأتَه

стр. 963

أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أن تغسلَهُ، واستعانتْ بعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ لضعفِها عن ذلكَ، ولم ينكرْهُ أحدٌ"، وهوَ قولُ الجمهورِ. والخلافُ فيهِ لأحمدَ بن حنبل قالَ: لارتفاعِ النكاحِ كذا في الشرحِ، والذي في دليلِ المطالبِ من كتبِ الحنابلةِ ما لفظُهُ: وللرجلِ أنْ يغسلَ زوجتَهُ وأمتَهُ وبنتًا دونَ سبعٍ، وللمرأة غسلُ زوجِها وسيِّدِها وابنٍ دونَ سبعٍ. الصلاة على المقتول في حدٍّ ٢١/ ٥٢٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا - قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعن بُريدةَ في قصةِ الغامدية) [بالغينِ المعجمة، وبعدَ الميمِ دالٌ مهملةٌ، نسبةً إلى غامدٍ. وتأتي قصتُها في الحدودِ (التي أمرَ النبيُّ ﷺ برجمِها] في الزنى قالَ: ثمَّ أمرَ بها فصلِّيَ عليها ودفنتْ. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دليلٌ على أنهُ يُصلَّى على مَنْ قُتِلَ بحدٍّ، وليسَ فيهِ أنهُ ﷺ الذي صلَّى عليها. وقد قالَ مالكٌ: إنهُ لا يصلِّي الإمامُ على مقتولٍ في حدٍّ؛ لأنَّ الفضلاء لا يصلُّونَ على الفسَّاقِ زجرًا لهمْ. قلتُ: كذا في الشرحِ، لكنْ قد قالَ ﷺ في الغامديةِ: "إنَّها تابتْ توبةً لو قسمتْ بينَ أهلِ المدينةِ لوسعتْهم"، أو نحوَ هذا اللفظِ. وللعلماءِ خلافٌ في الصلاةِ على الفسَّاقِ، وعلى مَنْ قُتِلَ في حدٍّ، وعلى المحاربِ، وعلى ولدِ الزنى. وقالَ ابنُ العربيّ: مذهبُ العلماءِ كافةُ الصلاةُ على كلِّ مسلمٍ، ومحدودٍ، ومرجومٍ، وقاتلِ نفسهِ، وولدِ الزنى. وقد وردَ في قاتلِ نفسهِ الحديثُ: الصلاة على قاتل نفسه ٢٢/ ٥٢١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح]

стр. 964

(وعن جابرِ بن سمْرةَ قالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قَتَلَ نفسَه بمشاقصَ فلم يصلِّ عليهِ. رواهُ مسلمٌ). المشاقصُ جمعُ مشقصٍ، وهو نصلٌ عريضٌ. قالَ الخطابي: وتركُ الصلاةِ عليهِ معناهُ العقوبةُ لهُ [وردعٌ] (١) لغيرهِ عن مثلِ فعلهِ، وقدِ اختلفَ الناسُ في هذا. وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لا يَرَى الصلاةَ على مَنْ قتلَ نفسَه، وكذلكَ قالَ الأوزاعيُّ. وقالَ أكثرُ الفقهاءِ: يصلَّى عليهِ، انتهَى. وقالُوا في هذا الحديثِ: إنهُ صلَّى عليهِ الصحابةُ، قالُوا: وهذا كما تركَ النبيُّ ﷺ الصلاةَ على مَنْ ماتَ وعليهِ دينٌ أولَ الأمرِ، وأمرَهمْ بالصلاةِ على صاحبهم (٢). قلت: إنْ ثبتَ نقلُ أنهُ أمرَ ﷺ أصحابَهُ بالصلاةِ على [من قتل] (٣) نفسهُ، تَمَّ هذا القولُ، وإلَّا فرأيُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ أوفقُ بالحديثِ، إلَّا أن في روايةٍ للنسائيِّ (٤): "أما أنا فلا أصلِّي عليهِ"، فربما أخذَ منها أن غيرَه صلَّى عليهِ. الصلاة على قبر الميت بعد دفنه ٢٣/ ٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَسأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: "دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا" فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، وَزَادَ مُسْلِمٌ (٦)، ثُمَّ قَالَ: "إِن هذِهِ الْقبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاِتي عَلَيهِمْ". [صحيح]

стр. 965

(وعن أبي هريرةَ ﵁ في قصةِ المرأةِ التي كانتْ تَقمُّ المسجدَ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ أي: تخرجُ القُمامةَ منهُ وهي الكُناسةُ، (فسألَ عنها النبيُّ ﷺ فقالُوا: ماتتْ، فقالَ: أفلا كنتمْ آذنتمونِي، فكأنَّهم صغَّرُوا أمرَها فقالَ: دلُّوني على قبرها) أي: بعدَ قولِهم في جوابِ سؤالهِ إنَّها ماتتْ (فدلُّوهُ [فصلَّى عليها] (١). متفقٌ عليه، وزادَ مسلمٌ) أي: من روايةِ أبي هريرةَ (ثمَّ قالَ) أي: النبيُّ ﷺ (إنَّ هذهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن اللَّهَ ينوِّرُها [لهم] (٢) بصلاتي عليهم). وهذه الزيادةُ لم يخرجْها البخاريُّ؛ لأنَّها مدرجةٌ من مراسيلِ ثابتٍ كما قالَ أحمدُ. هذا والمصنفُ جزمَ أن القصةَ كانتْ معَ امرأةٍ، وفي البخاريِّ: أن رجلًا أسودَ أو امرأة سوداءَ، بالشكِّ من ثابتٍ الراوي، لكنهُ صرَّح في روايةٍ أُخْرَى في البخاريِّ عن ثابتٍ قالَ: "ولا أراهُ إلا امرأةً". وبهِ جزمَ ابنُ خزيمةَ من طريقٍ أُخْرَى عن أبي هريرةَ فقالَ: "امرأةٌ سوداءُ". ورواهُ البيهقيُّ أيضًا بإسنادٍ حسنٍ، وسمَّاها أمَّ محجنٍ، وأفادَ أن الذي أجابهُ ﷺ عن سؤالهِ هوَ أبو بكرٍ، وفي البخاري عوضُ "فسألَ عنها"، فقالَ: ("ما فعلَ ذلكَ الإنسانُ قالُوا: ماتَ يا رسولَ اللَّهِ" الحديثَ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ الصلاةِ على الميتِ بعدَ دفنهِ مطلقًا، سواءٌ صُلِّيَ عليهِ قبلَ الدفنِ أمْ لا. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ. ويدلُّ لهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على البراءِ بن معرورٍ (٣)؛ فإنهُ ماتَ والنبيُّ ﷺ بمكّةَ، فلمَّا قدمَ صلَّى على قبرهِ، وكانَ ذلكَ بعدَ شهرٍ من وفاتِهِ. ويدلُّ لَهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على الغلامِ الأنصاري الذي دُفِنَ ليلًا ولم يُشْعَرْ ﷺ بموتهِ. أخرجهُ البخاريُّ (٤). ويدلُّ له أيضًا أحاديثُ وردتْ

стр. 966

في البابِ عن تسعةٍ منَ الصحابةِ (١)، أشارَ إليها في الشرحِ. وذهبَ أبو طالبٍ تحصيلًا لمذهبِ الهادي إلى أنهُ لا صلاةَ على القبرِ، واستدلَّ لهُ في البحرِ (٢) بحديثٍ لا يَقْوى على معارضةِ أحاديثِ المثبتينَ [لما] (٣) عرفتَ من صحَّتِها وكثرتِها. واختلفَ القائلونَ بالصلاةِ على القبرِ في المدةِ التي تشرعُ فيها الصلاةُ، فقيلَ: إلى شهرٍ بعدَ دفنهِ، وقيلَ: إلى أن يَبْلَى الميتُ؛ لأنهُ إذا بُلِيَ لم يبقَ ما يُصلّى عليهِ، وقيل: أبدًا؛ لأنَّ المرادَ منَ الصلاةِ عليهِ الدعاءُ وهوَ جائزٌ في كلِّ وقتٍ. قلتُ: هذا هوَ الحقُّ إذْ لا دليلَ على التحديدِ بمدةٍ. وأمّا القولُ بأنَّ الصلاةَ على القبرِ من خصائصهِ ﷺ فلا [تنهض] (٤)؛ لأنَّ دعوى الخصوصيةِ خلافُ الأصلِ. النهي عن النَّعْيِ كما في الجاهلية ٢٤/ ٥٢٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَالتِّرْمِذيُّ وَحَسَّنَهُ (٦). [حسن] (وعن حذيفةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ كان يَنْهى عن النعي) في القاموس (٧): نعاهُ لهُ نعيًا أو نعيانًا أخبرَهُ بموتهِ. (رواهُ أحمدُ والترمذيّ وحسَّنهُ). وكأنَ صيغةَ النهي [هي] (٨) ما أخرجهُ الترمذيُّ (٩) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ عنهُ ﷺ : "إياكمُ والنعيَ؛ فإنَّ النعيَ منْ عملِ الجاهليةِ"، فإنَّ صيغةَ التحذيرِ في معنَى النَّهي.
следующие страницы →