Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.
стр. 10921
قوله: (وَأشْرِكْهُ) أي: أنت يا ربّ، ليس أنا الذي أشركه تفضُّلاً مني عليه، فأراد موسى ﵇ أن يكون الفضل من الله، وأن يكون التكليف أيضاً من الله حتى لا يعترض هارون أو يتضجر عند مباشرة أمر الدعوة.
لذلك لما ذَهَبا إلى فرعون قالا: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] ولم يقُلْ موسى: إن هارون تابع له بل هو مثله تماماً مُرْسَل من الله، وإذا تكلَّم موسى تكلَّم عنه وعن هارون.
стр. 10922
فلما دعا موسى على قومه: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨] .
جاءت الإجابة من الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] ؛ لأن الدعاء كان من موسى، وهارون يُؤمِّن عليه، والمؤمِّن أحد الداعيَيْن.
ثم يقول الحق سبحانه عن هارون وموسى أنهما قالا: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾
стр. 10923
فهذه هي العِلّة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلباً لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره.
والتسبيح: تقديس الله وتنزيهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، ذاتاً. فلا ذات مثل ذاته تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في الذات، ولا في الصفات ولا في الأفعال، فلا تقل: إن سَمْع الله كسَمْعك، أو أن بصره تعالى كبصرك، أو أن فِعْله كفِعلْك.
والمعنى: نُسبِّحك ونُقدِّسك تقديساً يرفعك إلى مستوى الألوهية الثابتة لك، فلا نزيد شيئاً من عندنا.
وقوله: ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه: ٣٣] أي: دائماً، فكأن التسبيح يُورِث المسبِّح لذة في نفسه، والطاعة من الطائع تُورثه لذة في نفسه، كما قال النبي ﷺ َ: « ... وجُعِلتْ قرّة عيني في الصلاة» .
стр. 10924
وكان ﷺ َ «إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة» .
стр. 10925
فأنت قيُّوم علينا، مُطلع على أفعالنا، أنؤدّيها على الوجه الأكمل، أم نُقصِّر فيها؟
ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾
стр. 10926
سُؤْل: أي: الشيء المسئول مثل (خُبز) أي: مخبوز، فالمراد: أعطيناك ما سألتَ، بل وأعطيناك قبل أن تسأل، بل وقبل أن تعرف كيف تسأل: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾
стр. 10927
(مّننا) من المنة، وهي العطاء بلا مقابل على خلاف الجزاء، وهو العطاء مقابل عمل ﴿مَرَّةً أخرى﴾ [طه: ٣٧] إذن: هناك مرة أولى، لكن المراد بالمنّة هنا ما حدث من الوحي إلى أم موسى وهو صغير، فهي في الحقيقة المنّة الأولى إنما قال هنا ﴿مَرَّةً أخرى﴾ [طه: ٣٧] هذا ترتيب ذكري حَسْب ذِكْر الأحداث.
فمتى كانت هذه المنّة؟
стр. 10928
إذ: يعني وقت أنْ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى. فكانت هذه هي المنة الأولى عليك حين وُلدت في عام، يقتل فيه فرعون الذكور، فمنَّنا عليك لما قلنا لأمك: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي
стр. 10929
وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] .
ومعنى ﴿مَا يوحى﴾ [طه: ٣٨] أي: أمراً عظيماً لك أن تقدره أنت فتذهب فيها نفسك كل مذهب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] ويُفصِّل الحق سبحانه هذا الوحي لأم موسى، فيقول تعالى: ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت﴾
стр. 10930
هذا ما أوحينا به إلى أم موسى.
واليمُّ: البحر الكبير، سواء أكان مالحاً أم عَذْباً، فلما تكلّم الحق سبحانه عن فرعون قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي اليم﴾ [الأعراف: ١٣٦] والمراد: البحر الأحمر، أما موسى فقد وُلِد في مصر وأُلْقِي تابوته في النيل، وكان على النيل قصر فرعون.
وبالله. . أي أم هذه التي تُصدِّق هذه الكلام: إنْ خِفْتِ على ولدك فألقيه في اليم؟ وكيف يمكن لها أن تنقذه من هلاك مظنون وترمي به في هلاك مُتيقّن؟
стр. 10931
ومع ذلك لم تتردد أم موسى لحظة في تنفيذ أمر الله، ولم تتراجع، وهذا هو الفرق بين وارد الرحمن ووارد الشيطان، وارد الرحمن لا تجد النفس له ردّاً، بل تتلقاه على أنه قضية مُسلَّمة، فوارد الشيطان لا يجرؤ أن يزاحم وارد الرحمن، فأخذتْ الأم الوليد وأَلْقَتْه كما أوحى إليها ربها.
وتلحظ في هذه الآيات أن آية القصص لم تذكر شيئاً عن مسألة التابوت: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ [القصص: ٧] هكذا مباشرة.
قالوا: لأن الحق سبحانه تكلم عن الغاية التي تخيف، وهي الرَّمي في اليم، وطبيعي في حنان الأم أنْ تحتال لولدها وتعمل على نجاته، فتصنع له مثل هذا التابوت، وتُعِدّه إعداداً مناسباً للطَفْو على صفحة الماء.
فالكلام هنا لإعداد الأم وتهيئتها لحين الحادثة، وفَرْق بين الخطاب للإعداد قبل الحادثة والخطاب حين الحادثة، فسوف يكون للأمومة ترتيب ووسائل تساعد على النجاة، صنعتْ له صندوقاً جعلت فيه مَهْداً ليّناً واحتاطتْ للأمر، ثم يطمئنها الحق سبحانه على ولدها: ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ [القصص: ٧] فسوف نُنجيه؛ لأن له مهمة عندي ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] .
فإذا ما جاء وقت التنفيذ جاء الأمر في عبارات سريعة متلاحقة: ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٩] .
لذلك، تجد السياق في الآية الأولى هادئاً رتيباً يناسب مرحلة الإعداد، أما في التنفيذ فقد جاء السياق سريعاً متلاحقاً يناسب سرعة التنفيذ، فكأن الحق سبحانه أوحى إاليها: أسرعي إلى الأمر
стр. 10932
الذي سبق أنْ أوحيتُه إليك، هذا الكلام في الحبْكة الأخيرة لهذه المسألة.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٩] أي: تحمله الأمواج وتسير به، وكأن لديها أوامر أن تُدخِله في المجرى الموصِّل لقصر فرعون.
فعندنا إذن لموسى ثلاثة إلقاءات: إلقاء الرحمة والحنان في التابوت، وإلقاء التابوت في اليم تنفيذاً لأمر الله، وإلقاء اليَمِّ للتابوت عند قصر فرعون.
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ [طه: ٣٩] (عَدُو لِي) أي: لله تعالى؛ لأن فرعون ادعى الألوهية، (وَعَدُوٌّ لَهُ) أي: لموسى؛ لأنه سيقف في وجهه ويُوقفه عند حَدِّه.
وفي الآية إشارة إلى إنفاذ إرادته سبحانه، فإذا أراد شيئاً قضاه، ولو حتى على يد أعدائه وهم غافلون، فمَنْ يتصور أو يصدق أن فرعون في جبروته وعُتوه وتقتيله للذكور من أولاد بني إسرائيل هو الذي يضم إليه موسى ويرعاه في بيته، بل ويُحبه ويجد له قبولاً في نفسه.
وهل التقطه فرعون بداية ليكون له عَدواً؟ أم التقطه ليكون ابناً؟ كما قالت زوجته آسية: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] .
إذن: كانت محبة، إلا أنها آلتْ إلى العداوة فيما بعد، آلتْ إلى
стр. 10933
أن يكون موسى هو العدو الذي ستُربيه بنفسك وتحافظ عليه ليكون تقويضُ ملكك على يديه؛ لذلك سيقول فرعون: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] .
ومسألة العداوة هذه استغلها المشككون في القرآن واتهموه بالتكرار في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ [طه: ٣٩] ثم قال في آية أخرى: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] .
والمتأمل في الآيتين يجد أن العداوة في الآية الأولى من جانب فرعون لموسى وربه ﵎، أما العداوة في الآية الثانية فمن جانب موسى لفرعون، وهكذا تكون العداوة متبادلة، وهذا يضمن شراستها واستمرارها، وهذا مُرَاد في هذه القصة.
أمّا إنْ كانت العداوة من جانب واحد، فلربما تسامح غير العدو وخَجِل العدو فتكون المصالحة. والعداوة بين موسى وفرعون ينبغي أن تكونَ شرسة؛ لأنها عداوة في قضية القِمَّة، وهي التوحيد.
ولكن، لماذا لم يُلفِت مجيء موسى على هذه الحالة انتباه فرعون فيسأل عن حكايته ويبحث في أمره؟ إنها إرادة الله التي لا يُعجِزها شيء، فتحبه زوجة فرعون، وتقول: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] ؛ لذلك يقول الحق بعدها: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
فأحبته آسية امرأة فرعون لما رأته، وأحبَّه فرعون لما رآه، وهذه محبة من الله بلا سبب للمحبة؛ لأن المحبة لها أسباب بين الناس، فتحب شخصاً لأنك تودّه، أو لأنه قريب لك أو صديق، أو
стр. 10934
أسْدى لك معروفاً، وقد يكون الحب من الله دون سبب من هذه الأسباب، فلا سببَ له إلا إرادة الله.
فمعنى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] وليس فيك ما يُوجب المحبة، وليس لديك أسبابها، خاصة وقد كان موسى ﵇ أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى الأنف، أكتف، وكأن هذه الخِلْقة جاءت تمهيداً لهذه المحبة، وإثباتاً لإرادة الله التي طوَّعَتْ فرعون لمحبة موسى، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وهكذا، حوَّل الله قلب فرعون، وأدخل فيه محبة موسى ليُمرِّر هذه المسألة على هذا المغفل الكبير، فجعله يأخذ عدوه ويُربِّيه في بيته، ولم يكن في موسى الوسامة والجمال الذي يجذب إليه القلوب.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] أي: تُربَّى على عَيْن الله وفي رعايته، وإنْ كان الواقع أنه يُربّى في بيت فرعون، فالحق ﵎ يرعاه، فإنْ تعرَّض لشيء في التربية تدخّل ربُّه ليعلمه ويُربّيه.
ومن هذه المواقف أن فرعون كان يجلس وزوجته آسية، ومعهما موسى صغير يلعب، فإذا به يمسك بلحية فرعون ويجذبها بشدة أغاظته، فأمر بقتله، فتدخلّت امرأته قائلة: إنه ما يزال صغيراً لا يفقه شيئاً، إنه لا يعرف التمرة من الجمرة.
стр. 10935
فأتوا له بتمرة وجمرة ليمتحنوه، فأزاح الله يده عن التمرة إلى الجمرة لِيُفوّت المسألة على هذا المغفل الكبير، بل وأكثر من هذا، فأخذها موسى رغم حرارتها حتى وضعها في فمه، فلدغتْ لسانه، وسبَّبت له هذه العُقْدة في لسانه التي اشتكى منها فيما بعد.
وكأن الحق ﵎ يُطمئِن نبيه موسى ﵇: لا تخف، فأنت تحت عيني وفي رعايتي، وإنْ فعلوا بك شيئاً سأتدخل، وفي آية أخرى قال: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] فأنا أرعاك وأحافظ عليك؛ لأن لك مهمة عندي.
ثم يقول الحق : ﴿إِذْ تمشي أُخْتُكَ﴾
стр. 10936
إذن: كان لأخت موسى دور في قصته، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] .
والمراد: تتبعيه بعد أنْ علمتِ نجاته من اليمّ، فتتبعته، وعرفتْ أنه في بيت فرعون، ثم حرَّم الله عليه المراضع، فكان يعَافُ المرضعات، وهنا تدخلت أخته لتقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن
стр. 10937
يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠] وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله.
ويقول تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠] حين نستقرىء مادة (رجع) في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]
وتأتي متعدية كما في: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠] وفي: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] .
والفَرْق بين اللازم والمتعدِّي أن اللازم رجع بذاته، أمّا المتعدي فقد أرجعه غيره، فالرجوع أن تصير إلى حال كنتَ عليها وتركتها، فإنْ رجعت بنفسك دون دوافع حملتْك على الرجوع فالفعل لازم، فإنْ كانت هناك أمور دفعتْك للرجوع فالفعل مُتعَدٍّ.
ومثل رجعك: أرجعك، إلا أن رجعك: الرجوع في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك. وأرجعك: أي رَغْماً عن إرادتك.
وقوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [طه: ٤٠] تقرُّ العين أي: تثبت؛ لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حِسِّية، فالإنسان لديه أمانٍ يتطلع إلى تحقيقها، فإذا ما تحققت نقول: لم يعُدْ يتطلع إلى شيء.
وكذلك في الشيء الحسِّيِّ، فالعرب يقولون للشيء الجميل: قيد النواظر. أي: يقيد العين فلا تتحول عنه؛ لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو أجمل، وهذا ما يسمونه قُرَّة العين. يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده العين، ولا تطلب عليه مزيداً في الحُسْن.
ثم يقول تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه: ٤٠] وهذه مِنَّة أخرى من مِنَن الله تعالى على موسى ﵇، فمِنَنُ الله عليه كثيرة كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾ [طه: ٣٧] فهي مرة، لكن هناك مرات.
стр. 10938
ومسألة القتل هذه وردتْ في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ المدينة على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوِّهِ فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] .
وخرج من المدينة خائفاً يترقب الناس لئلا يلحقوا به فيقتلوه، وهذا معنى ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾ [طه: ٤٠] أي: من القتل، أو من الإمساك بك ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه: ٤٠] أي: عرَّضناك لمحن كثيرة، ثم نجيناك منها، أولها: أنك وُلِدْت في عام يُقتل فيه الأطفال، ثم رمتْكَ أمك في اليم، ثم ما حدث منه مع فرعون لما جذبه من ذقنه.
ثم يقول تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ [طه: ٤٠] ذكر الله تعالى مدة مُكْثه في أهل مدين على أنها من مننه على موسى مع أنه كان فيها أجيراً، وقال عن نفسه:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] .
стр. 10939
وفي مدين تعرّف على شعيب ﵇، وتزوج من ابنته وأنجب منها ولداً، وموسى في هذا كله غريب عن وطنه، بعيد عن أمه، فلما أراد الله له الرسالة شَوَّقه إلى وطنه ورؤية أمه، وقَدَّر له العودة؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ [طه: ٤٠] .
أي: على قَدَر من اصطفائك، فقَدَر الله هو الذي حرَّك في قلبك الشوق للعودة، وحملك على أنْ تمشي في الطريق غير المأهول، وتتحمل مشقة البرد وعناء السفر، قَدَر الله هو الذي حرّك فيك خاطر الشوق لأمك، ففي طريق العودة وفي طُوىً أنت على موعد مع الاصطفاء والرسالة.
لذلك، فإن الشاعر الذي مدح الخليفة قال له:
جاء الخِلاَفَةَ أوْ كانتْ لَهُ قَدَراً ... كَما أتَى ربَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ
ثم يقول الحق سبحانه لموسى: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾
стр. 10940
أي: نجّيْتك وحافظت عليك؛ لأنني أُعِدُّك لمهمة عندي، هي إرسالك رسولاً بمنهجي إلى فرعون وإلى قومك.
وقد حاول العلماء إحصاء المطالب التي طلبها موسى ﵇ من ربه فوجدوها ثمانية: ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لي أَمْرِي واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه: ٢٥٣٤] .
стр. 10941
ثم وجدوا أن الله تعالى أعطاه ثمانية أخرى دون سؤال منه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ [طه: ٣٨٤٠] .
فإنْ كان موسى ﵇ قد طلب من ربه ثمانية مطالب فقد أعطاه ربه ثمانية أخرى دون أن يسألها موسى؛ ليجمع له بين العطاء بالسؤال، والعطاء تكرُّماً من غير سؤال؛ لأنك إنْ سألت الله فأعطاك دَلَّ ذلك على قدرته تعالى في إجابة طلبك، لكن إنْ أعطاك بدون سؤال منك دَلَّ ذلك على محبته لك.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ﴾
стр. 10942
﴿بِآيَاتِي﴾ [طه: ٤٢] الآيات هنا هي المعجزات الباهرات التي تبهر فرعون، فلن تذهبا مُجرَّديْن، بل معكما دليل على صِدْق الرسالة التي تحملونها إليه: ﴿لاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] من التَّواني أي: الفتور أو التقصير؛ لأنني أعددتكما الإعداد المناسب لهذه المهمة الشاقة، فإياكم والتهاون فيها، فإنْ حدث منكما تقصير فهو تقصير في الأداء، لا في الإعداد.
ومعنى: ﴿فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] أي: لأكُنْ دائماً على بالكما،
стр. 10943
فأنا الذي أرسلتُ، وأنا الذي أيدتُ بالمعجزات، وأنا الذي أرعاكما وأرقبكما، وأنا الذي سأجازيكما فلا يَغبْ ذلك عنكما.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾
стр. 10944
وهل هناك طغيان فوق ادعاء أنه رَبٌّ؟ وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين﴾ [يونس: ٨٣] والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود، وهو قد تجاوز في إسرافه وادَّعى الألوهية، فعَلاَ في الأرض علوَّ طاغية من البشر على غيره من البشر المستضعفين.
стр. 10945
هذا لفرعون بعد أنْ طغى، ومن الذي حكم عليه بالطغيان؟ حين تحكم أنت عليه بالطغيان فهو طغيان يناسب قدرات وإمكانات البشر، أمّا أن يقول عنه الحق ﵎ ﴿إِنَّهُ طغى﴾ [طه: ٤٣] فلا بُدَّ أنه تجاوز كل الحدود، وبلغ قمة الطغيان، فربُّنا هو الذي يقول.
فقوله: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ [طه: ٤٤] فلا بُدَّ أنْ تعطيه فُسْحة كي يرى حُجَجك وآياتك، ولا تبادره بعنف وغِلْضة، وقالوا: النصح ثقيل، فلا ترسله جبلاً، ولا تجعله جدلاً، ولا تجمع على المنصوح شدتين: أنْ تُخرِجه مما ألف بما يكره، بل تُخرِجه مما ألِف بما يحب.
وهذا منهج في الدعوة واضح وثابت، كما في قوله تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] .
стр. 10946
لأنك تخلعه مما اعتاد وألف، وتُخرجه عَمَّا أحبَّ من حرية واستهتار في الشهوات والملذات، ثم تُقيِّده بالمنهج، فليكُنْ ذلك برفق ولُطْف.
وهذه سياسة يستخدمها البشر الآن في مجال الدواء، فبعد أن كان الدواء مُرّاً يعافُه المرضى، توصلوا الآن إلى برشمة الدواء المر وتغليفه بطبقة حلوة المذاق حتى تتم علمية البَلْع، ويتجاوز الدواء منطقة المذاق.
وكذلك الحال في مرارة الحق والنصيحة، عليك أنْ تُغلِّفها بالقول اللين اللطيف.
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] لعل: رجاء، فكيف يقول الحق ﵎: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] وفي عِلْمه تعالى أنه لن يتذكَّر ولن يخشى، وسيموت كافراً غريقاً؟
قالوا: لأن الحق سبحانه يريد لموسى أن يدخل على فرعون دخول الواثق من أنه سيهتدي، لا دخولَ اليائس من هدايته، لتكون لديه الطاقة الكافية لمناقشته وعَرْض الحجج عليه، أمّا لو دخل وهو يعلم هذه النتيجة لكان محبطاً لا يرى من كلامه فائدة، كما يقولون (ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه) .
فالحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون، لكنْ يريد أنْ يقيمَ الحجة عليه ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] .
وقوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] كأن الإنسان إذا ما ترك شراسة تفكيره، وغُمة شهواته في نفسه، لا بُدَّ أنْ يهتدي بفطرته
стр. 10947
إلى وجود الله أو (يتذكر) عالم الذَّر، والعهد الذي أخذه الله عليه يوم أنْ قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
والذي قال عنه النبي ﷺ َ: «كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه» .
فلو تذكّر الإنسان، وجرَّد نفسه من هواها لا بُدَّ له أنْ يهتدي إلى وجود الله، لكن الحق جعل للغفلة مجالاً، وأرسل الرسل للتذكير؛ لذلك قال: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] ولم يقل: بادئين.
أمّا مسألة الإيمان بالله فكان ينبغي أن تكون واضحة معروفة للناس أن هناك إيماناً بإله خالق قادر فقط ينتظرون ما يطلبه منهم وما يتعبّدهم به.
ماذا تفعل؟ وماذا تترك؟ وهذه هي مهمة الرسل.
وسبق أن ضربنا مثلاً برجل انقطعت به السُّبل في صحراء دَويَّة، لا يجد ماءً ولا طعاماً، حتى أشرف على الهلاك، ثم غلبه النوم فنام، فلما استيقظ إذا بمائدة عليها ألوان الطعام والشراب. بالله قبل أنْ يمد يده للطعام، ألاَ يسأل: مَنْ أتى إليه به؟
وهكذا الإنسان، طرأ على كون مُعَدٍّ لاستقباله: أرض، وسماء، وشمس، وقمر، وزرع، ومياه، وهواء. أليس جديراً به أن يسأل:
стр. 10948
من الذي خلق هذا الكون البديع؟ فلو تذكرتَ ما طرأتَ عليه من الخير في الدنيا لا نتهيتَ إلى الإيمان.
فمعنى: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤] أي: النعم السابقة فيؤمن بالمنعم ﴿أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] يخاف العقوبة اللاحقة، فيؤمن بالله الذي تصير إليه الأمور في الآخرة.
ثم يقول الحق ﵎ عنهما: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ﴾
стр. 10949
الخوف: شعور في النفس يُحرِّك فيك المهابة من شيء، ومِمَّ يخافان؟ ﴿أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾ [طه: ٤٥] يفرط: أي: يتجاوز الحد. . ومضادها: فرَّط يعني: قصّر في الأمر؛ لذلك يقولون: الوسط فضيلة بين إفراط وتفريط.
ومَنْ أفرط يقولون: فَرَس فارط عندما يسبق في المضمار. ويقولون: حاز قَصْب السبق، وكانوا يضعون في نهاية المضمار قصبة يركزونها في الأرض، والفارس الذي يلتقطها أولاً هو الفائز، والفرس فارط يعني: سبق الحدِّ المعمول له، لا مجرد أن يسبق غيره.
لذلك عندما يُحدِّثنا القرآن عن الحدود، يقول مرة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: إياك أن تسبق الحد الذي وُضِع لك ومرة أخرى يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]
стр. 10950
ففي المحلّلات قال ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] قِفُوا على الحدِّ لا تسبقوه، وفي المحرمات قال ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] لأنك لو اقتربتَ منها وقعتَ فيها.
فالمعنى إذن ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾ [طه: ٤٥] يتجاوز الحدّ، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول شيئاً فيسبق قتلُه لنا كلامنا له.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَن يطغى﴾ [طه: ٤٥] فلا يكتفي بقتلنا، بل ويخوض في حَقِّ ربنا، أو يقول كلاماً لا يليق، كما سبق له أن ادَّعى الألوهية.
ومن واجب الدعاة ألاَّ يَصِلوا مع المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حقِّ الله ﵎؛ لذلك فالحق سبحانه يُؤدِّب المؤمنين به بأدب الدعوة في مجابهة هؤلاء فيقول: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ﴾
стр. 10951
أي: لن أسلمكما ولن أترككما، وأنا معكما أسمع وأرى؛ لأن الحركة إما قول يُسمع، أو فعل يُرى، فاطمئنّا، لأننا سنحفظكما، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ
стр. 10952
المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١١٧٣] .
وهذه سُنة من سُنَن الله تعالى، فإنْ رأيتَ جنداً من الجنود منسوبين لله تعالى وهُزِمُوا، فاعلم أنهم انحلوا عن الجندية لله، وإلا فوعْد الله لجنوده لا يمكن أن يتخلف أبداً.
والدليل على ذلك ما حدث للمسلمين في أُحُد، صحيح أن المسلمين هُزِموا في هذه الغزوة؛ لأنهم انحرفوا عن أوامر رسول الله ﷺ َ وخالفوه عندما قال للرماة: «لاتتركوا أماكنكم على أيّ حال من الأحوال» لكن بمجرد أنْ رأوا بوادر النصر تركوا أماكنهم، ونزلوا لجَمْع الغنائم، فالتف من خلفهم خالد بن الوليد وألحق بهم الهزيمة، وإن انهزم المسلمون فقد انتصر الإسلام؛ لأنهم لما خالفوا أوامر رسولهم انهزموا، وبالله لو انتصروا مع المخالفة أكان يستقيم لرسول الله أمر بعد ذلك؟
ففي الآية التي معنا يطمئنهم الحق ﵎ حتى لا يخافا، فقدرة الله ستحفظهما، وسوف تتدخل إنْ لزمَ الأمر كما تدخلْت في مسألة التمرة والجمرة، وهو صغير في بيت فرعون.
ثم يقول لهما الحق :
стр. 10953
﴿فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾
стр. 10954
ونلحظ هنا أنهما لم يواجهاه بما ادعاه من الألوهية مرة واحدة، إنما أشارا إلى مقام الربوبية ﴿رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] وهذه هِزّة قوية تزلزل فرعون، ثم تحوّلا إلى مسألة أخرى، وهي قضية بني إسرائيل، وكان فرعون يُسخِّرهم في خدمته ويُعذِّبهم ويشقّ عليهم.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] فقد جئنا لنأخذ أولادنا وننقذهم من هذا العذاب ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ [طه: ٤٧] أي: معجزة ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] فأعادوا عليه هذه الكلمة مرة أخرى.
وقد علّمهما الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون؟ وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمسّ كبرياءه وألوهيته.
وبنو إسرائيل هم البقية الباقية من يوسف ﵇ وإخوته، لما جاءوا إلى مصر في أيام العزيز الذي قرَّب يوسف وجعله على خزائن الأرض، كما قال تعالى في قصة يوسف: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٤٥٥] .
стр. 10955
وقوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ [طه: ٤٧] وهذه ليست تحية؛ لأنك تُحيي مَنْ كان مُتبعاً للهدى، وتدعو له بالسلام، فإنْ لم يكُنْ كذلك فهي نهاية للكلام.
لذلك كان يكتبها رسول الله ﷺ َ في كتبه إلى المقوقس عظيم القبط، وإلى هرقل عظيم الروم، يقول: «اسلم تسلم، يؤتِكَ الله أجرك مرتين، فإنْ توليت فإنما عليك إثم الأريسيين والسلام على مَنِ اتبع الهدى» .
قال موسى وهارون لفرعون: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ﴾
стр. 10956
فأعطاه هنا القضية النهائية: جاءنا في الوحي أن مَنْ كذّب وتولّى فله العذاب، ومعنى ﴿أُوحِيَ إِلَيْنَآ﴾ [طه: ٤٨] أي: من ربك.
فلما سمع فرعون هذه المقولة أحب أنْ يدخل معهما في متاهات يشغلهم بها، ويطيل الجدل ليُرتِّب أفكاره، وينظر ما يقول: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾
стр. 10957
ووجّه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى ﵇.
стр. 10958
معنى ﴿اأعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقه مناسباً للمهمة التي خُلِق لها ﴿ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها.
والحق سبحانه أعطى كل شيء (خَلْقَهُ) الخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق، فالمخلوق شيء لا بُدَّ له من مادة، لا بُدَّ أن يكون له صورة وشكل، له لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته.
فإذا أراد الله سبحانه خَلْق شيء يقْدِر له كل هذه الأشياء فأمدَّ العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخّل فيه من أحد.
وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع مثلاً القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائياً دون اتصال الصانع بها.
فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أنْ يُؤدِّي مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها بالغباء،
стр. 10959
ونقول عنها: «بهائم» هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا الحق صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليُعلِّم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: ٣١] .
فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعة بالغريزة التي جعلها الله فيه، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى (قناة) مثلاً، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفِطْرية.
لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء؛ لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة، ويُخفِي ما تريده منه، لأن له عقلاً يفاضل: قُلْ هذه، ولا تقُلْ هذه، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات.
كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يتمنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: (أرها الألوان تريك الأركان) ، فلا مانع بعد أن أكل حتى التخمة من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه.
وفي هذه الآية يقول الحق أنه: ﴿اأعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
стр. 10960
خذ مثلاً الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتُخفّف من حِدّتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلاَّ خرقتها الأصوات وأصَمّتها، وكذلك جعلها لله لِصدِّ الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها.
وكذلك العَيْن، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات أن حرارتها إنْ زادت عن ١٢ درجة تفسد، وأرنبة الأنف إنْ زادت عن ٩ درجات لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضواً حرارته ٤٠ درجة هو الكبد، والحرارة الكلية للإنسان ٣٧ درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعِلَّة أو آفة في الجسم.
إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال في آية أخرى: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢٣] .
اللسان مثلاً جعل الله به حَلَمات متعددة، كل واحدة منها تتذوّق طَعْماً معيناً، فواحدة للحلو، وواحدة للمُرِّ، وواحدة للحريف، وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقَدْر دقيق ومُعْجز.
الأنف وما فيه من مادة مُخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى الرئتين؛ لذلك لا ينبغي أنْ نقصَّ الشعيرات التي بداخل الأنف؛ لأن لها مهمة.
عضلة القلب وما تحتويه من أُذَيْن وبُطَيْن، ومداخل للدم،
следующие страницы →