Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.
стр. 10956
فأعطاه هنا القضية النهائية: جاءنا في الوحي أن مَنْ كذّب وتولّى فله العذاب، ومعنى ﴿أُوحِيَ إِلَيْنَآ﴾ [طه: ٤٨] أي: من ربك.
فلما سمع فرعون هذه المقولة أحب أنْ يدخل معهما في متاهات يشغلهم بها، ويطيل الجدل ليُرتِّب أفكاره، وينظر ما يقول: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾
стр. 10957
ووجّه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى ﵇.
стр. 10958
معنى ﴿اأعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقه مناسباً للمهمة التي خُلِق لها ﴿ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها.
والحق سبحانه أعطى كل شيء (خَلْقَهُ) الخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق، فالمخلوق شيء لا بُدَّ له من مادة، لا بُدَّ أن يكون له صورة وشكل، له لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته.
فإذا أراد الله سبحانه خَلْق شيء يقْدِر له كل هذه الأشياء فأمدَّ العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخّل فيه من أحد.
وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع مثلاً القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائياً دون اتصال الصانع بها.
فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أنْ يُؤدِّي مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها بالغباء،
стр. 10959
ونقول عنها: «بهائم» هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا الحق صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليُعلِّم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: ٣١] .
فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعة بالغريزة التي جعلها الله فيه، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى (قناة) مثلاً، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفِطْرية.
لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء؛ لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة، ويُخفِي ما تريده منه، لأن له عقلاً يفاضل: قُلْ هذه، ولا تقُلْ هذه، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات.
كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يتمنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: (أرها الألوان تريك الأركان) ، فلا مانع بعد أن أكل حتى التخمة من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه.
وفي هذه الآية يقول الحق أنه: ﴿اأعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
стр. 10960
خذ مثلاً الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتُخفّف من حِدّتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلاَّ خرقتها الأصوات وأصَمّتها، وكذلك جعلها لله لِصدِّ الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها.
وكذلك العَيْن، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات أن حرارتها إنْ زادت عن ١٢ درجة تفسد، وأرنبة الأنف إنْ زادت عن ٩ درجات لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضواً حرارته ٤٠ درجة هو الكبد، والحرارة الكلية للإنسان ٣٧ درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعِلَّة أو آفة في الجسم.
إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال في آية أخرى: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢٣] .
اللسان مثلاً جعل الله به حَلَمات متعددة، كل واحدة منها تتذوّق طَعْماً معيناً، فواحدة للحلو، وواحدة للمُرِّ، وواحدة للحريف، وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقَدْر دقيق ومُعْجز.
الأنف وما فيه من مادة مُخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى الرئتين؛ لذلك لا ينبغي أنْ نقصَّ الشعيرات التي بداخل الأنف؛ لأن لها مهمة.
عضلة القلب وما تحتويه من أُذَيْن وبُطَيْن، ومداخل للدم،
стр. 10961
ومخارج محكمة دقيقة تعمل ميكانيكياً، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة ١٤٠ أو ١٢٠ سنة، تعمل تلقائياً حتى وأنت نائم، فأيّ آلة يمكن أنْ تُؤدِّي هذه المهمة؟
والحق عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى فرعون كانت مهمتهما الأساسية أَخْذ بني إسرائيل، وإنقاذهم من طغيان فرعون، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية، أما أصل مهمة موسى فكان: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] .
والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] لأن، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بُدَّ أن يكون له مألوهون، وهم خَلْق مثله، وهو يعتزّ بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] .
فأراد الحق أنْ يرد عليه: ألَكَ شيء في خَلْق هؤلاء المألوهين لك؟
وما أشبهَ موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم ﵇ عندما قال له: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة، فلجأ إلى حيلة المفلسين، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا؛ لذلك لما أحسَّ إبراهيم ﵇ منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكاً.
стр. 10962
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
إذن: فالردُّ إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد ردُّه، حتى فرعون ذاته لم يدَّعِ أنه خلق شيئاً، إنما تجبّر وتكبّر وادّعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه، ولم يخلق نفسه، ولم يخلق الملْك الذي يعتز به.
ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع، لم يكن لفرعون رَدٌّ عليه؛ لذلك لما سمع هذه المسألةَ ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] لم يستطع أنْ ينقضَ هذا الدليل، فأراد أنْ يُخرِج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى يهرب إليها، مسألة فرعية لا قيمة لها: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾
стр. 10963
أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دَخْل القرون الأولى بما نتكلّم فيه؟ كلمة البال: هو الفكر، نقول: خطر ببالي. أي: بفكري، ولا يأتي في الفكر وبُؤْرة الشعور إلا الأمر المهم.
لكن، سرعان ما أحسَّ موسى بمراوغة فرعون، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسَدَّ عليه الباب.
стр. 10964
فهذه المسألة ليست من اختصاصي؛ لأن الذي يُسأل عن القرون الأولى هو الذي يُجازيها، وينبغي أنْ يعلم حالها، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر؛ لِيُجازيها على ذلك، إذن: هذا سؤال لا موضعَ له، إنه مجرد هَزْل ومهاترة وهروب، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله؛ لأن سبحانه هو الذي سَيُجازيها.
ومعنى ﴿فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢] أي: سجّلها في كتاب، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمراً؛ ليمارسوا مهمتهم التي جعهلم الله لها، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطّلع عليه ويعلم ما فيه؛ لأنه سبحانه ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه: ٥٢] .
ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق، ولكن بصورة تفصيلية: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾
стр. 10965
مَهْداً: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحاً لمهمته، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مَهْداً؛ لأنك تُمهِّده له وتُسوّيه، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مَهْده ويستريح.
ولا بُدَّ لك أنْ تقوم له بهذه المهمة؛ لأنه يعيش بغريزتك أنت، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور، فيقوم بها بنفسه؛ لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به.
فمعنى ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ [طه: ٥٣] أي: سوَّاها ومهَّدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها.
стр. 10966
وليس معنى مهّدها جعلها مستوية، إنما سوّاها لمهمتها، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ووديان، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها، فتسويتها تقتضي إصلاحها للعيش عليها، سواء بالاستواء أو التعرّج أو الارتفاع أو الانخفاض.
فمثلاً في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة، أما في المناطق الجبلية فهي مُتعرّجة مُلتوية؛ لأنها لا تكون إلا كذلك، ولها ميزة في التوائها أنك لا تواجه الشمس لفترة طويلة، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى.
وسبق أن ضربنا مثلاً بالخطّاف الذي نصنعه من الحديد، فلو جعلناه مستقيماً ما أدَّى مهمته، إذن: فاستقامته في كَوْنه مُعْوجاً فتقول: سويته ليؤدي مهمته، ولو كان مستقيماً ما جذب الشيء المراد جَذْبه به.
إذن: نقول التسوية: جَعْل الشيء صالحاً لمهمته، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج، سواء أكان بالأمْت أو بالاستقامة.
ثم يقول تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ [طه: ٥٣] أي: طرقاً ممهدة تُوصّلكم إلى مهماتكم بسهولة.
سلك: بمعنى دخل، وتأتي متعدية، تقول: سلك فلان الطريق. وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] فالمخاطبون
стр. 10967
مَسْلوكون في سقر يعني: داخلون، وقال: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: أدْخِلْها.
فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه، فقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ [طه: ٥٣] متعدية للمدخول فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه، فأنتم دخلتم، والسُّبل مدخول فيه. إذن: المفعول مرة يكون المسلوك، ومرة يكون المسلوك فيه.
وحينما تسير في الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قَدْر طاقة السير فيها، فمنها الضيّق على قَدْر القدم للشخص الواحد، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال المحمّلة أو السيارات، فسلك لكم طرقاً مختلفة ومتنوعة على قَدْر المهمة التي تؤدونها.
ثم يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ [طه: ٥٣] .
وهذه أيضاً من مسألة الخَلْق التي لا يدعيها أحد؛ لأنها دَعْوى مردودة على مدعيها، فأنت يا مَنْ تدّعي الألوهية أخرِجْ لنا شيئاً من ذلك، إرِنَا نوعاً من النبات فلن يقدر، وبذلك لزمتْه الحجة.
كما أن إنزال الماء من السماء ليس لأحد عمل فيه، لكن عندما يخرج النبات قد يكون لنا عمل مثل الحَرْث والبَذْر والسَّقْي وخلافه، لكن هذا العمل مستمد من الأسباب التي خلقها الله لك؛ لذلك لما تكلم عن الماء قال (أنْزَلَ) فلا دَخْل لأحد فيه، ولما تكلم عن إخراج النبات قال (أَخْرَجْنَا) لأنه تتكاتف فيه صفات كثيرة، تساعد في عملية إخراجه، وكأن الحق ﵎ يحترم عملك السَّببي ويُقدِّره.
اقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ
стр. 10968
الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣٦٤] فأثبت لهم عملاً، واحترم مجهودهم، إنما لما حرثتم من أين لكم بالبذور؟ فإذا ما تتبعت سِلْسِلة البذور القبلية لانتهتْ بك إلى نبات لا قَبْلَ له. كما لو تتبعتَ سلسلة الإنسان لوجدتها تنتهي إلى أب، لا أب له إلا مَنْ خلقه.
وأنت بعد أن ألقيتَ البذرة في الأرض وسقيْتها، ألَكَ حيلة في إنباتها ونُموّها يوماً بعد يوم؟ أأمسكْتَ بها وجذبْتها لتنمو؟ أم أنها قدرة القادر ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ٢٣] .
لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: ٦٥] ، فإنْ كانت هذه صنعتكم فحافظوا عليها.
كما حدث مع قارون حينما قال عن نعمة الله: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] .
فما دام الأمر كذلك فحافظ عليه يا قارون بما عندك من العلم، فلما خسف الله به وبداره الأرض دَلَّ ذلك على كذبه في مقولته.
ونلحظ في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: ٦٥] أنه مؤكد باللام، لماذا؟ لأن لك شبهة عمل في مسألة الزرع، قد تُطمِعك وتجعلك مُتردّداً في القبول. إنما حينما تكلم عن الماء قال:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة: ٦٨٧٠] .
هكذا بدون توكيد؛ لأنها مسألة لا يدَّعيها أحد لنفسه.
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ [طه: ٥٣] لم يقل: نباتاً فقط. بل أزواجاً؛ لأن الله تعالى يريد أن تتكاثر الأشياء، والتكاثر لا بُدَّ له من زوجين: ذكر وأنثى. وكما أن الإنسان يتكاثر، كذلك
стр. 10969
باقي المخلوقات؛ لأن الحق ﵎ خلق الأرض وقدَّر فيها أقواتها، ولا بُدَّ لهذه الأقوات أن تكفي كل مَنْ يعيش علىهذه الأرض.
فإذا ضاقت الأرض، ولم تُخرِج ما يكفينا، وجاع الناس، فلنعلم أن التقصير مِنّا نحن البشر من استصلاح الأرض وزراعتها؛ لذلك حينما حدث عندنا ضيق في الغذاء خرجنا إلى الصحراء نستصلحها، وقد بدأت الآن تُؤتي ثمارها ونرى خيرها، والآن عرفنا أننا كنا في غفلة طوال المدة السابقة، فتكاثرنا ولم نُكثِّر ما حولنا من الرقعة الزراعية.
والذكر والأنثى ليسا في النبات فحسْب، بل في كل ما خلق الله: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] .
فالزوجية في كل شيء، عَلِمته أو لم تعلمه، حتى في الجمادات، هناك السالب والموجب والألكترونيات والأيونات في الذرة، وهكذا كلما تكاثر البشر تكاثر العطاء.
وقوله تعالى: ﴿مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ [طه: ٥٣] شتى مثل: مرضى جمع مريض فشتى جمع شتيت. يعني أشياء كثيرة مختلفة ومتفرقة، ليست في الأنواع فقط، بل في النوع الواحد هناك اختلاف.
فلو ذهبت مثلاً إلى سوق التمور في مدينة رسول الله ﷺ َ تجد أنواعاً كثيرة، مختلفة الأشكال والطُّعوم والأحجام، كلها تحت مُسمّى واحد هو: التمر. وهكذا لو تأملتَ باقي الأنواع من المزروعات.
стр. 10970
ثم يذكر الحق ﵎ العِلَّة في إخراج النبات: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾
стр. 10971
(كُلُوا) : تدل على أن الخالق خلق الحياة، وخلق مقومات الحياة، وأولها القوت من الطعام والشراب، وهذه المقوّمات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية، فالقوت أولاً، ثم الماء، ثم الهواء.
فأنت تحتاج الطعام وتستطيع أن تصبر عليه شهراً على قَدْر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم، يتغذّى منها الجسم في حالة فقد الطعام؛ لأنك حين تأكل تستهلك جزءاً من الطعام في حركتك، ثم يُختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم، فإذا ما نفد الدُّهْن امتصَّ الجسم غذاءه من اللحم، ثم من العظم، فهو آخر مخازن الغذاء في جسم الإنسان.
لذلك لما أراد سيدنا زكريا ﵇ أن يعبر عن ضعفه، قال: ﴿رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] .
لذلك تجد كثيراً ما يُتملّك الغذاء؛ لأنك تصبر عليه مدة طويلة تُمكِّنك من الاحتيال في طلبه، أو تُمكِّن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك محصور جوعان.
أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة؛ لذلك قليلاً ما يُملِّك الماء لأحد.
أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفَس واحد، فمن رحمة الله بعباده ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد، وإلاّ لو غضب عليك صاحب الهواء،
стр. 10972
فمنعه عنك لمتّ قبل أنْ يرضى عنك، وليس هناك وقت تحتال في طلبه.
وقوله تعالى: ﴿وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] لأنها تحتاج أيضاً إلى القُوت، وقال تعالى في أية أخرى: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] ثم يصبّ الجميع في أن يكون متاعاً للإنسان الذي سخّر الله له كل هذا الكون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾ [طه: ٥٤] .
آيات: عجائب. والنُّهَى: جمع نُهية مثل قُرَبْ جمع: قُرْبة. والنُّهَى: العقول، وقد سمّاها الله تعالى أيضاً الألباب، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات.
والعقل من العقال الذي تعقل به الدابة حتى لا تشرد منك، وكذلك العقل لم يُخلَق لك كي تشطح به كما تحب، إنما لتعقل غرائزك، وتحكمها على قَدْر مهمتها في حياتك، فغريزة الأكل مثلاً لبقاء الحياة، وعلى قَدّْر طاقة الجسم، فإنْ زادت كانت شراهة مفسدة.
وقد جُعل حُبُّ الاستطلاع للنظر في الكون وكَشْف أسراره وآيات الله فيه، فلا ينبغي أنْ تتعدّى ذلك، فتتجسس على خَلْق الله.
وسُمِّيَتْ العقول كذلك النُّهَى، لأنها تنهي عن مثل هذه الشطحات. إذن: فلا بد للإنسان من عقل يعقل غرائزه، حتى لا تتعدى المهمة التي جُعلَتْ لها، ويُوقِفها عند حَدِّها المطلوب منها، وإلا انطلقتْ وعربدتْ في الكون، لا بُدَّ للإنسان من نُهية تنهاه وتقول له: لا لشهوات النفس وأهوائها، وإلاّ فكيف تُطلِق العنان لشهواتك، ولست
стр. 10973
وحدك في الكون؟ وما الحال لو أطلق غيرك العنان لشهواتهم؟
وسُمِّي العقل لُبّاً، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا إلى قشورها، ولتكون أبعد نظراً.
وأعمق فكراً في الأمور. فحين يأمرك أن تعطي شيئاً من فضل مالك للفقراء، فسطحية التفكير تقول: لا كيف أتعب وأعرق في جمعه، ثم أعطيه للفقير؟ وهو لم يفعل شيئاً؟
أماحين تتعمق في فَهْم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق ﵎ قال لك: أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما احتجتَ تجد مَنْ يعطيك، فقد يصبر الغني فقيراً، أو الصحيح سقيماً، أو القوي ضعيفاً، فهذه سنة دائرة في الخَلْق متداولة عليهم.
وحين تنظر إلى تقييد الشرع لشهواتك، فلا تنسَ أنه قيَّد غيرك أيضاً بنفس المنهج وبنفس التكاليف. فحين يقول لك: لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس الأمر يكون قد أمر الناس جميعاً ألاّ ينظروا إلى حرماتك.
وهكذا جعل الخالق آلة العقل هذه، لا لنعربد بها في الكون، إنما لنضبط بها الغرائز والسلوك، ونحرسها من شراسة الأهواء، فيعتدل المجتمع ويسْلَم أفراده.
وإلاَّ فإذا سمحتَ لنفسك بالسرقة، فاسمح للآخرين بالسرقة منك!! إذن: فمن مصلحتك أنت أنْ يوجد تقنين ينهاك، ومنهج يُنظِّم حياتك وحياة الآخرين.
والحق سبحانه يقول: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾
стр. 10974
نلحظ هنا أن موسى ﵇ يعرض على فرعون قضايا لا تخصُّ فرعون وحده، إنما تمنع أنْ يوجد فرعون آخر.
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ [طه: ٥٥] أي: من الأرض التي سبق أنْ قال عنها: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ [طه: ٥٣] .
ثم ذكر لنا مع الأرض مراحل ثلاث: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥] .
وفي آية أخرى يذكر مرحلة رابعة، فيقول: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] .
بذلك تكون المراحل أربعة: منها خلقناكم، وفيها تحيَوْن، وإليها تُرجعون بالموت، ومنها نُخرجكم بالبعث.
فقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الخلْق قِسْمان: خَلْق أولي، وخَلْق ثانوي، الخلق الأَوليّ في أدم ﵇، وقد خُلِق من الطين أي: من الأرض. ثم الخَلْق الثاني، وجاء من التناسل، وإذا كان الخَلْق الأَوْلي من طين، فكل ما ينشأ عنه يُعَدّ كذلك؛ لأنه الأصل الأول.
ويمكن أن نُوجِّه الكلام توجيهاً آخر، فنقول: التناسل يتولد من ميكروبات الذكورة وبويضات الأنوثة، وهذه في الأصل من الطعام والشراب، وأصله أيضاً من الأرض. إذن: فأنت من الأرض بواسطة أو بغير واسطة.
وإنْ كانت قضية الخَلْق هذه قضية غيبية، فقد ترك الخالق في كونه عقولاً تبحث وتنظر في الكون، وتعطينا الدليل على صِدْق هذه القضية، فلما حلّل العلماء طينة الأرض وجدوها ستة عشر عنصراً
стр. 10975
تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي بالمنجنيز، وحين حلّلوا عناصر الإنسان وجدوها نفس العناصر الستة عشر، ليثبتوا بذلك البحث التحليلي صِدْق قضية الخَلْق التي أخبر عنها الخالق .
وقوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] هذه مرحلة مشاهدة، فكُلُّ مَنْ يموت مِنّا ندفنه في الأرض؛ لذلك يقول الشاعر:
إنْ سَئِمْتَ الحياةَ فَارْجِعْ إلَى ... الأرْضِ تَنَمْ آمِناً مِنَ الأوْصَاب
هِيَ أُمُّ أحْنَى عَليْكَ مِنَ الأم ... التي خَلَّفتْك للإتْعَابِ
فبعد أن تُنقض بنية الإنسان بالموت لا يسارع إلى مواراته التراب إلا أقرب الناس إليه، فترى المرأة التي مات وحيدها، وأحب الناس إليها، والتي كانت لا تطيق فراقه ليلة واحدة، لا تطيق وجوده الآن، بل تسارع به إلى أمه الأصلية (الأرض) .
وذلك لأن الجسد بعد أنْ فارقته الروح سرعان ما يتحول إلى جيفة لا تطاق حتى من أمه وأقرب الناس إليه، أما الأرض فإنها تحتضنه وتمتصُّ كل مافيه من أذى.
ومن العجائب في نَقْض بنية الإنسان بالموت أنها تتم على عكس بنائه، فعندما تكلم الخالق عن الخلق الأول للإنسان قال: إنه خلق من تراب، ومن طين، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وقلنا: إن هذه كلها أطوار للمادة الواحدة، ثم بعد ذلك ينفخ الخالق فيه الروح، فتدبّ فيه الحياة.
فإذا ما تأملنا الموت لوجدناه على عكس هذا الترتيب، كما أنك لو
стр. 10976
بنيتَ عمارة من عِدَّة أدوار، فآخر الأدوار بناءً أولها هَدْماً.
كذلك الموت بالنسبة للإنسان يبدأ بنزع الروح التي وُضِعَتْ فيه آخراً، ثم يتصلّب الجسد و (يشضب) كالصلصال ثم يرمّ، ويُنتن كالحمأ المسنون، ثم يتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل باقي العناصر، فتصير إلى التراب.
ثم يقول تعالى: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥] أي: مرة أخرى بالبعث يوم القيامة، وهذا الإخراج له نظام خاصّ يختلف عن الإخراج الأول؛ لأنه سيبدأ بعودة الروح، ثم يكتمل لها الجسد.
هذه كلها قضايا كونية تُلْقَى على فرعون عَلَّها تُثنيه عَمَّا هو عليه من ادّعاء الألوهية، والألوهية تقتضي مألوهاً، فالإله معبود له عابد، فكيف يَدّعي الألوهية، وليس له في الربوبية شيء؟ فلا يستحق الألوهية والعبادة إلا مَنْ له الربوبية أولاً، وفي الأمثال: (اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي) .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾
стр. 10977
الآيات: الأمور العجيبة، كما نقول: فلان آية في الذكاء، آية في الحسن، آية في الكرم. يعني: عجيب في بابه، وسبق أنْ قسّمنا آيات الله إلى: آيات كونية كالشمس والقمر، وآيات لإثبات صِدْق الرسُل، وهي المعجزات وآيات القرآن الكريم، والتي تسمى حاملة الأحكام.
لكن آيات الله كثيرة ولا تُحصى، فهل المراد هنا أن
стр. 10978
فرعون رأى كل آيات الله؟ لا؛ لأن المراد هنا الآيات الإضافية، وهي الآيات التسعة التي جعلها الله حُجّة لموسى وهارون، ودليلاً على صِدْقهما، كما قال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] .
وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والسنين والنقص من الثمرات. تلك هي الآيات التي أراها الله لفرعون.
والكلية في قوله: ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] كلية إضافية. أي: كل الآيات الخاصة به كما تقول لولدك (لقد أحضرتُ لك كل شي) وليس المقصود أنك أتيتَ له بكل ما في الوجود، إنما هي كلية إضافية تعني كل شيء تحتاج إليه.
ومع ذلك كانت النتيجة ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] كذَّب: يعني نسبها إلى الكذب، والكذب قَوْل لا واقعَ له، وكان تكذيبه لموسى عِلَّة إبائه ﴿وأبى﴾ [طه: ٥٦] امتنعَ عن الإيمان بما جاء به موسى.
ولو ناقشنا فرعون في تكذيبه لموسى عندما قال: ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
لما كذبتَ يا فرعون؟ الحق سبحانه قال: خلقتُ هذا الكون بما فيه، ولم يَأْتِ أحد لينقضَ هذا القول، أو يدَّعيه لنفسه، حتى أنت يا مَنْ ادعيْتَ الألوهية لم تدَّعِ خَلْق شيء، فهي إذن قضية مُسلَّم
стр. 10979
بها للخالق لم ينازعه فيها أحد، فأنت إذن كاذب في تكذيبك لموسى، وفي إبائك الإيمان به.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾
стр. 10980
عاش المصريون قديماً على ضفاف النيل؛ لذلك يقولون: مصر هِبَة النيل، حتى إذا ما انحسر الماء بذروا البذور وانتظروها طوال العام، ليس لهم عمل ينشغلون به، وهذه الحياة الرتيبة عوَّدتهم على شيء من الكسل، إلا أنهم أحبُّوا هذا المكان، ولو قلت لواحد منهم: اترك هذه الأرض لمدة يوم أو يومين يثور عليك ويغضب.
لذلك استغلّ فرعون ارتباط قومه بأرض مصر، وحاول أن يستعدي هؤلاء الذين يمثّل عليهم أنه إله، يستعديهم على موسى وهارون فقال مقولته هذه ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى﴾ [طه: ٥٧] .
وهنا ثار القوم، لا لألوهية فرعون المهددة، إنما دفاعاً عن مصلحتهم الاقتصادية، وما ينتفعون به على ضفاف هذه النيل المبارك، الذي لا يضنّ عليهم في فيضانه ولا في انحساره، فكان القوم يسمونه: ميمون الغَدَوات والروحَات، ويجري بالزيادة والنقصان كجرْي الشمس والقمر، له أوان.
وهكذا نقل فرعون مجال الخلاف مع موسى وهارون إلى رعيته،
стр. 10981
فأصبحت المسألة بين موسى وهارون وبين رعية فرعون؛ لأنه خاف من كلام موسى ومِمّا يعرضه من قضايا إنْ فهمها القوم كشفوا زَيْفه، وتنمَّروا عليه، وثاروا على حكمه، ورفضوا ألوهيته لهم، فأدخلهم طرفاً في هذا الخلاف.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾
стр. 10982
فسمَّى فرعون ما جاء به موسى سِحْراً؛ لذلك قال ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ [طه: ٥٨] وهذه التسمية خاطئة في حق موسى، وإنْ كانت صحيحة بالنسبة لقوم فرعون. فما الفرق إذن بين ما جاء به موسى وما جاء به قوم فرعون؟
السحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على حقيقته، ويكون السحر للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، كما قال تعالى: ﴿سحروا أَعْيُنَ الناس﴾ [الأعراف: ١١٦] فلما ألقى السحرةُ حبالهم كانت حبالاً في الحقيقة، وإنْ رآها الناظر حيّات وثعابين تسعى، أما عصا موسى فعندما ألقاها انقلبت حية حقيقية، بدليل أنه لما رآها كذلك خاف منها.
وقوله: ﴿فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ [طه: ٥٨] أي: نتفق على موعد لا يُخلفه واحد منّا ﴿مَكَاناً سُوًى﴾ [طه: ٥٨]
стр. 10983
أي: مُسْتوياً؛ لأنه سيكون مشهداً للناس جميعاً فتستوي فيه مرائي النظارة، بحيث لا تحجب الرؤية عن أحد. أو (سُوىً) يعني: سواء بالنسبة لنا ولك، كما نقول: نلتقي في منتصف الطريق، لا أنا أتعب ولا أنت.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾
стр. 10984
معلوم أن الحدث يحتاج إلى مُحدِث له، ويحتاج إلى مكان يقع عليه، ويحتاج إلى زمان يحدث فيه، وقد عرفنا المحدِث لهذا اللقاء، وهما موسى وهارون من ناحية، وفرعون وسحرته من ناحية.
وقد حدد فرعون المكان، فقال ﴿مَكَاناً سُوًى﴾ [طه: ٥٨] بقي الزمان لإتمام الحدث؛ لذلك حدده موسى، فقال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ [طه: ٥٩] ؛ لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان.
لذلك لا نقول: متى الله ولا: أين الله؟ فالحق ﵎ ليس حَدَثاً، ومتى وأين مخلوقة لله تعالى، فكيف يحدُّه الزمان أو المكان؟
وقول موسى ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ [طه: ٥٩] ولم يقُلْ: يوم الاثنين أو الثلاثاء مثلاً، ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سُكَّان مصر، يظهر أنه يوم وفاء النيل، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة خيره وبركاته، وما زالت مصر تحتفل بهذا اليوم.
стр. 10985
وكان القاضي لا يقضي بأمر الخراج إلا بعد أنْ يطّلع على مقياس النيل، فإنْ رآه يُوفي بريٍّ البلاد حدَّد الخراج وإلاَّ فلا.
لكن، لماذا اختار موسى هذه اليوم بالذات؟ لماذا لم يحدد أي يوم آخر؟ ذلك؛ لأن موسى ﵇ كان على ثقة تامة بنصر الله له، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ، ووسط هذه الجمع، فمِثْل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى؛ لأن النفس في هذا اليوم تكون مسرورة منبسطة، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أيٍّ وقت آخر.
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] أي: ضاحين، ويوم الزينة يمكن أن يكون في الصباح الباكر، أو في آخر النهار، لكن موسى متمكِّن واثق من الفوز، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار، حتى يشهده الجميع.
ثم يقول الحق : ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ﴾
стр. 10986
تولى: أي: ترك موسى وانصرف ليُدبِّر شأنه ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] الكيد: التدبير الخفي للخَصْم، والتدبير الخفيّ هنا ليس دليلَ قوة، بل دليل ضَعْف؛ لأنه قوةَ له على المجابهة الواضحة، مثل الذي يدسُّ السُّم للآخر لعدم قدرته على مواجهته.
إذن: الكيد دليل ضَعْف؛ لذلك نفهم من قوله تعالى عن النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] أنه ليس دليلاً على قوة المرأة، إنما دليلٌ على ضعفها، فكما أن كيدهُنّ عظيم، فكذلك ضعفُهن عظيم.
فمعنى ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] أدار فِكْره على ألوان الكَيْد
стр. 10987
المختلفة، ليختار منها ما هو أنكَى لخَصْمه، كما جاء في آية أخرى في شَأْنِ نوح ﵇ ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] .
وكأن الأمر الذي هو بصدده يتطلب وجهات نظر متعددة: نفعل كذا، أو نفعل كذا؟ ثم ينتهي من هذه المشاورة إلى رَأْي يجمع كل الاحتمالات، بحيث لا يفاجئه شيء بعد أنْ احتاط لكل الوجوه.
فالمعنى: اتفِقُوا على الخطة الواضحة التي تُوحِّد آراءكم عند تحقيق الهدف.
ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الجب﴾ [يوسف: ١٥] . أي: اتفقوا على هذا الرأي، وأجمعوا عليه، بعد أن قال أحدهم ﴿اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً﴾ [يوسف: ٩] ، فكان الرأي النهائي أنْ يجعلوه في غيابة الجب.
فهُمْ على آية حال سلالة نُبوة، لم يتأصل الشرُّ في طباعهم؛ لذلك يتضاءل شرُّهم من القتل إلى الإلقاء في متاهات الأرض إلى أهْوَن هذه الأخطار، أنْ يُلْقوه في الجُبِّ، وهذه صفة الأخيار، أما الأشرار الذين تأصل الشر في نفوسهم وتعمّق، فشرُّهم يتزايد ويتنامى، فيقول أحدهم: أريد أنْ أقابل فلاناً، فأبصق في وجهه، أو أضربه، أو أُقطّعه، بل رصاصة تقضي عليه فيُصعِّد ما عنده من الشر.
وبعد ذلك يرجُونَ له النجاة، فيقولون: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: ١٠] .
ثم يقول تعالى في شأن فرعون: ﴿ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] أي: أتى الموعد الذي سبق تحديده، مكاناً وزماناً.
стр. 10988
ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن وقائع هذا اليوم، فيقول: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ﴾
стр. 10989
لما رأى موسى السحرة أراد أنْ يُحذِّرهم مِمَّا هم مُقبِلون عليه، وأنْ يعطيهم المناهي التي تمنعهم، فذكَّرهم بأن لهم رباً سيحاسبهم كما تقول لشخص، تراه مُقْدِماً على جريمة، لو فعلتَ كذا سأُبلغ عنك الشرطة، وستُعاقب بكذا وكذا، وتُذكّره بعاقبة جريمته.
﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾ [طه: ٦١] افترى أي: جاء بالفِرْية، وهي تعمُّد الكذب ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] يعني: يستأصلكم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾ [طه: ٦١] أي: خسر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾
стр. 10990
يبدو أن تخويفَ موسى لهم بقوله: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] قد أثَّر فيهم وأخافهم ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] أخذوا يتساومون القَوْل ويتبادلون الآراء.
﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ [طه: ٦٢] تحدثوا سِراً، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط إلى آخره.
стр. 10991
توقف العلماء طويلاً حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين (إنْ هذان) بسكون (إنْ) والأخرى (إنَّ هذان) بالتشديد.
والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] و (إنْ) شرطية إنْ دخلت على الفعل، كما نقول: إنْ زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] .
فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي وَلَدْنهم. كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] فالمعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] بمعنى إلا. كأنك قُلْتَ: ما هذان إلا ساحران.
وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلاً على شيء، كل واحد مِنّا يدَّعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لَزَيدُ أحقُّ به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا.
وعلى القراءة الثانية بالتشديد (إنَّ هذان لساحران) فإنَّ حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول: إنَّ زيداً مجتهدٌ، أما في الآية بهذه القراءة: (إنّ هذان لساحران) جاء اسم إنَّ هذان بالرفع
стр. 10992
بالألف؛ لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول (هذين) .
فكيف يتم توجيه إنَّ المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟
قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطُمْطُمانيّة حِمْيَر، وتَلْتلة بَهْراء، وفحفحة هذيل. . الخ.
ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية؛ لأن لغات العرب جميعها كانت تصبُّ في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل؛ لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق ﵎ أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاض القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع.
ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رَفْعاً ونَصْباً وجراً. وشاهدهم في كتب النحو قول شاعرهم:
стр. 10993
وَاهَاً لِسَلْمى ثُمَّ وَاَهَا وَاهَا ... يَا ليْتَ عَيْناهَا لَنَا وَافَاهَا
هِيَ المُنَى لَوْ أنَّنَا نِلْناهَا ... ومَوْضِع الخُلْخال من قَدمَاهَا
إنَّ أبَاهَا وأبَا أَبَاهَا ... قَدْ بلغَا في المجْدِ غَايتَاهَا
فقال: إنَّ أباها. ولم يقل: إنَّ أبيها؛ لأنه يُلزِم المثنى الألف.
إذن: لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زُبْدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفَّى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذى المجنّة وغيرها.
نعود إلى قول الحق ﵎: ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ [طه: ٦٣] ويبدو أن استعداء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالتْ حيلته من نفوسهم؛ لذلك يُردِّدون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر.
وقولهم: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ [طه: ٦٣] طريقتهم المثلى. أي: ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحداً منهم إلهاً يعبدونه ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مُذكّرها أمثل.
стр. 10994
أي: تنبهوا واشحذوا كل أذهانكم، وكل فنونكم، وحركاتكم في السحر حتى لا يتمكنا من هذين الأمرين: إخراجكم من أرضكم، والقضاء على طريقتكم المثلى.
وهذا قَوْل بعضهم لبعض ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] فلا يُخفِي أحد فناً من فنون السحر، وليُقدّم كُلُّ مِنّا ما عنده؛ لأن عادة أهل الحِرَف أن يوجد بينهم تحاسد، فلا يُظهر الواحد منهم كل ما عنده مرة واحدة، أو يحاول أنْ يُخفي ما عنده حتى لا يطلع عليه الآخر، لكن في مثل هذا الموقف لا بُدَّ لهم من تضافر الجهود فالموقف حرِج ستعمُّ بلواه الجميع إنْ فشلنا في هذه المهمة.
وقوله: ﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ [طه: ٦٤] يعني: مجتمعين كأنكم يد واحدة، فهذا أهْيَبُ لكم وأدْخَلُ للرعب في قلوب خصمكم، كما أننا إذا جِئْنَا سوياً لم يتمكن أحد من التراجع، فيكون بعضنا رقيباً على بعض.
﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾ [طه: ٦٤] أفلح: فاز، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] وهذا اللفظ مأخوذ من فلح الأرض ومنه الفلاحة؛ لأن الفلاح إذا شقَّ الأرض أو حرثَها ورعاها تعطيه خيرها، فحركتُه فيها حركة ميمونة مباركة.
لذلك، لما أراد الحق ﵎ أن يُبيِّن لنا مضاعفة الأجر والثواب على الصدقة وعلى فعل الخير ضرب لنا مثلاً بالزرع، فقال تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي كل هذا العطاء،
стр. 10995
فما بالك بعطاء الخالق لهذه الأرض؟ لذلك عقب المثل بقوله تعالى: ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
ثم أُخِذَتْ كلمة الفلاح عَلماً على كل فلاح، ولو لم يكن فيه صِلَة بالأرض؛ لأن قصارى كل حركات الحياة أن تضمن للإنسان بقاء نَوْعه بالأكل، والأرض مصدر هذا كله، فكانت لذلك مصدراً للفوز.
وقوله: ﴿مَنِ استعلى﴾ [طه: ٦٤] أي: طلب العُلو على خَصْمه. لكن هل الفلاَح يكون لمن طلب العلو أم لمن علا بالفعل؟ طبعاً يكون لمن علا، إذن: مَنْ عَلاَ بالفعل لا بُدَّ أنْ يشحذَ ذِهْنه على أن يطلب العلو على خصمه، فمهما علا الخصم استعلى عليه أي: طلب العُلو، إذن: قبل علا استعلى.
ثم يقول الحق سبحانه عن السحرة: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾
следующие страницы →