← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12391–12430 · переход к 12396.

стр. 12391

وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمياته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال: «كلب من كلاب الله» وهذا أسد ليس كلباً. قال أهل العلم: ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسداً. فالمعنى: قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم: ﴿أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] وسوف يفضحكم ويُبطِل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يُخْزِيكم أمام أعْينِ الناس جميعاً. وعلى عهد رسول الله قامتْ معركة بين الفُرْس والروم غُلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسول، أما الفرس فكانوا كفاراً لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه . فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه: ﴿الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الروم: ١٥] . فأيُّ عقل يستطيع أنْ يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غداً لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناءً على حساب العَدد والعُدة والإمكانات العسكرية، لكن مَنْ يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومَنْ يجرؤ أن يقولها قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرَّت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفَر به مَنْ آمن وانفضَّ عنه مَنْ حوله.

стр. 12392

إذن: ما قالها رسول الله قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلا وهو واثق من صِدْق ما يخبر به؛ لأن الذي يخبره ربه الذي يعلم السرَّ في السموات والأرض؛ لذلك قال هنا الحق : ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] . ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفُرْس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله﴾ [الروم: ٤٥] . وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السِّر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبداً بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان؛ لأن خالقهما واحد فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب؟ ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٦] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله ﵎ يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالاً للتوبة وطريقاً للعودة إليه وإلى ساحة الإيمان. لذلك يقول النبي ﷺ َ لمن أشار عليه بقتل الكفار: «لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» . وكان الصحابة يألمون أشد الألم إنْ أفلتَ أحد رءوس الكفر من

стр. 12393

القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدَّخِرهم للإسلام فيما بعد. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٦] حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على مَنْ كان كافراً به، فيقول لهم: على رغم ما حدث منكم. إنْ عُدْتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته. والحق ﵎ يُبيِّن لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخَلْق، فهند بنت عتبة التي أغرتْ وَحْشِياً بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثَّلتْ به بعد مقتله ولاكَتْ كبده ﵁، ومع ذلك بعد أنْ أسلمتْ وبايعتْ النبي ﷺ َ نُسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكُنْ. ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك (يشير إليه) والمراد زيد بن الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟

стр. 12394

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام)

стр. 12395

عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أنْ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسْب العيش، فهل سبق لهم أنْ رَأَوْا نبياً لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] قولٌ بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله. فماذا يريدون؟ قالوا: ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧] صحيح أن الملَك لا يأكل، لكن معنى ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧] يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يُغيِّر من الأمر شيئاً، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذَن: لن يضيف الملَك جديداً إلى الرسالة. . وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجَدَلٌ لا معنى له. وكلمة ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٧] لم يقولوا بشيراً، مما يدل على اللدَد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا؛ لذلك لن يفارقهم الإنذار.

стр. 12396

تلحظ أنهم يتنزلون في لَدَدهم وجَدَلهم، فبعد أنْ طلبوا مَلَكاً يقولون ﴿أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨] أي: ينزل عليه ليعيش منه ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٨] أي: بستان ﴿وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨] . والمسحور هو الذي ذهب السِّحْر بعقله، والعقل هو الذي يختار بين البدائل ويُرتِّب التصرُّفات، ففاقد العقل لا يمكن أن يكونَ منطقياً في تصرفاته ولا في كلامه، ومحمد ﷺ َ ليس كذلك، فأنتم تعرفون خُلقه وأمانته، وتُسمُّونه «الصادق الأمين» وتعترفون بسلامة تصرفاته وحكمته، كيف تقولون عنه مجنون؟ لذلك يقول تعالى ردًّا عليهم: ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١٤] . والخُلُق يسوي تصرُّفات الإنسان فيجعلها مُسْعدة غير مفسدة، فكيف إذن يكون ذو الخُلق مجنوناً؟ إذن: ليس محمد مسحوراً. وفي موضع آخر قالوا: ساحر، وعلى فرض أنه ﷺ َ ساحر، فلماذا لم يسحركم كما سَحَر المؤمنين به؟ إنه لَجَج الباطل وتخبّطه واضطرابه في المجابهة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾

стр. 12397

﴿انظر﴾ [الفرقان: ٩] خطاب لإيناس رسول الله وتطمينه ﴿كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الفرقان: ٩] أي: اتهموك بشتّى التهم فقالوا ساحر. وقالوا: مسحور. وقالوا: شاعر. وقالوا: كاهن ﴿فَضَلُّواْ

стр. 12398

فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٩] لأنهم يقولون كذباً وهُرَاءً وتناقضاً في القول. ﴿فَضَلُّواْ﴾ [الفرقان: ٩] أي: عن المثل الذي يصدُق فيك ليصرف عنك المؤمنين بك، ويجعل الذين لم يؤمنوا يُصرُّون على كفرهم، فلم يصادفوا ولو مثلاً واحداً، فقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: مسحور وكذبوا ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٩] أي: إلى ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً﴾

стр. 12399

﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان: ١٠] كما قلنا: تنزّه وعَظُم خيره؛ لأن الكلام هنا أيضاً فيه عطاء مُتمثِّل في الخير الذي ساقه الله تعالى لرسوله ﷺ َ، فعطاؤه سبحانه دائم لا ينقطع، بحيث لا يقف خبر عند عطائه، بل يظل عطاؤه خيراً موصولاً، فإذا أعطاك اليوم عرفتَ أن ما عنده في الغد خير مما أعطاك بالأمس.

стр. 12400

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة﴾

стр. 12401

يُضرِب السياق عن الكلام السابق، ويعود إلى مسألة تكذيبهم وعدم الإيمان بمحمد ﷺ َ؛ لأن الإيمان ليس في مصلحتهم، فالإيمان يقتضي حساباً وجزاءً، وهم يريدون التمادي في باطلهم والاستمرار في لَغْوهم واستهتارهم ومعاصيتهم؛ لذلك يُكذِّبهم أنفسهم ويخدعونها ليظلوا على ما هم عليه. ولذلك ترى الذين يُسرفون على أنفسهم في الدنيا من الماديين والملاحدة والفلاسفة يتمنون أنْ تكون قضية الدين قضية فاسدة كاذبة، فينكرونها بكل ما لديْهم من قوة، فالدين عندهم أمر غير معقول؛ لأنهم لو أقروا به فمصيبتهم كبيرة. ومعنى: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ [الفرقان: ١١] هيّأنا وأعددْنا لهم سعيراً؛ لأن عدم إيمانهم بالساعة هو الذي جَرَّ عليهم العذاب، ولو أنهم آمنوا بها وبلقاء الله وبالحساب وبالجزاء لاهتَدوْا، واعتدلوا على الجادة، ولَنجَوْا من هذا السعير. والسعير: اسم للنار المسعورة التي التي تلتهم كل ما أمامهم، كما نقول: كَلْب مسعور، ثم يقول سبحانه في وصفها: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾

стр. 12402

يريد الحق ﵎ أن يُشخِّص لنا النار، فهي ترى أهلها من بعيد، وتتحرّش بهم تريد من غَيْظها أنْ تَثِبَ عليهم قبل أنْ يصلوا إليها. والتغيُّظ: ألم وجداني في النفس يجعل الإنسان يضيق بما يجد،

стр. 12403

ومن ذلك نسمع مَنْ يقول: (أنا ح أطلق من جنابي) ، يعني: نتيجة ما بداخله من الغيظ لا يتسع له جوفه، وما دام الغيظ فوق تحمُّل النفس وسِعَتها فلا بُدَّ أن يشعر الإنسان بالضيق، وأنه يكاد ينفجر. لذلك يقول تعالى عن النار في موضع آخر ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] تميّز يعني: تكاد أبعاضها تنفصل بعها عن بعض. لكن، لماذا تميِّز النار من الغيظ؟ قالوا: لأن الكون كله مُسبِّح لله حامد شاكر لربه؛ لذلك يُسَّرُّ بالطائع ويحبه، ويكره العاصي، أَلاَ ترى أن الوجود كله قد فرح لمولد النبي ﷺ َ، فرح لمولده الجمادُ والنباتُ والحيوانُ واستبشر، لأنه ﷺ َ جاء ليعيد للإنسان انسجامه مع الكون المخلوق له، ويعدل الميزان. ومع ذلك نرى من البشر العقلاء أصحاب الاختيار مَنْ يكفر، لذلك تغتاظ النار من هؤلاء الذي شذُّوا عن منظومة التسبيح والتحميد ورَضُوا لأنفسهم أن يكونوا أَدْنى من الجماد والنبات والحيوان، ومن ذلك يقولون: نَبَا بهم المكان من كفرهم، يعني الأماكن من الأرض تُنكرهم وتتضايق من وجودهم عليها، كما تفرح الأرض بالطائع وتحييه؛ لأنه منسجم معها، المكان والمكين ينتظمان في منظومة التسبيح والطاعة. لذلك يُنبِّهنا إلى هذه المسألة الإمام على ﵁ فيقول: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما في الأرض فموضع مُصلاَّه؛ لأنه حُرِم من صلاته، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب.

стр. 12404

والحق ﵎ يُظهر لنا هذه الصورة في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . فالنار تتشوّق لأهلها كالذي يأكل ولا يشبع، فمهما أُلْقِي فيها من العصاة تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . ومعنى ﴿وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢] النفَس الخارج. وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] فذكر أن لها شهيقاً وزفيراً، وهي في المكان الضيق.

стр. 12405

فجمع الله عليهم من العذاب ألواناً حتى يقول الواحد منهم لمجرد أن يرى العذاب: ﴿ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠] وهنا يدعو بالويل والثبور، يقول: يا ويلاه يا ثبوراه يعني: يا هلاكي تعالَ احضر، فهذا أوانك لتُخلِّصني مما أنا فيه من العذاب، فلن يُنجيني من العذاب إلا الهلاك؛ لذلك يقولون: أشدّ من الموت الذي يطلب الموت على حَدِّ قول الشاعر: كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى المْوتَ شَافِياً ... وَحَسْبُ المنَايَا ِأنْ يكُنَّ أَمانِياً ولك أن تتصور بشاعة العذاب الذي يجعل صاحبه يتمنى الموت، ويدعو به لنفسه.

стр. 12406

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً﴾

стр. 12407

يُوبِّخهم الحق ويُبكِّتهم: يا خيبتكم ويا ضياعكم، لن ينفعكم أنْ تدعوا ثُبوراً واحداً، بل ادعوا ثُبوراً وثبوراً وثبوراً؛ لأنها مسألة لن تنتهي، فسوف يُسْلِمكم العذاب إالى عذاب، حتى ينادوا: ﴿يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وهو عذاب متجدد: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ [النساء: ٥٦] . ثم يذكر الحق سبحانه المقابل ليكون ذلك أنْكَى لأهل الشر وأَغْيظ لهم، فيذكر بعد العذاب الثوابَ على الخير وعِظَم الجزاء على الطاعة، ومثل هذه المقابلات كثيرة في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ ١٤] . ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] . وهنا بعد أنْ ذكر النار وما لها من شهيق وزفير، يقول سبحانه: ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾

стр. 12408

﴿قُلْ﴾ [الفرقان: ١٥] أَمْر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين اعترضوا على نبوته ﷺ َ باعتراضات واهية من المعاصرين له،

стр. 12409

وكانوا يتخبّطون في هذه المسائل تخبُّط مَنْ لا يعرف فيها حقيقة، وإنما غرضه فقط أنْ يتعرّض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرُّض لأيِّ نبيِّ في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي؛ لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد. وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق جعل في كل نفس ملَكةً تجعل الإنسان يفعل شيئاً، ثم تأتي ملَكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويُسمُّونها النفس اللوَّامة، لكن قد تنطمس فيه هذه الملَكة، فتتعاون كل مَلَكاته على الشر، بحيث تكون النفس بكل مَلَكاتها أمّارة بالسوء، وهي أمَّارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي: أنها أخذْت هذا الأمر حِرْفةً لها. كما لو رأيت رجلاً يَنْجُر في قطعة من الخشب تقول له: ناجر، فإنِ اتخذها حرفةً له، لا يعمل إلا هي، تقول له: نجار، ومثله: خائط وخيّاط. فالمعنى: أمّارة يعني: لم يَعُدْ لها عمل في أن تردع عن الشر، بل دائماً تُقوِّي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها تصير لها حرفة. فماذا يكون الموقف إذن؟ لا بُدَّ أنْ يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين مَلَكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمّارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفسٌ مانعة، ولا مجتمعٌ مانع، فلا بُدَّ أنْ تتدخّل السماء برسول جديد. ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد ﷺ َ أن تكون فيها النفس اللوامة، وضمن لها أنْ يظل مجتمعها آمراً بالمعروف،

стр. 12410

ناهياً عن المنكر؛ لذلك لا حاجةَ لرسول بعد رسول الله ﷺ َ. إذن: فالمناعة موجودة في أمة الإسلام، ولو لم تكُنْ هذه المناعة موجودة في النفس أولاً، وفي المجتمع ثانياً لتدخلتْ السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخَلْق إلى رُشْدهم. ولا شكَّ أن في المجتمع طائفةً تنتفع بهذا الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي إذن أنْ يدافعوا عنه، وطبيعي أنْ يتصدَّوْا لدعوة الرسول التي جاءتْ لتعدل ميزان المجتمع، وأنْ يقفوا له بالمرصاد؛ لأنه يهدِّد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم. وإنْ كان الرسل السابقون قد تعرّضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرّض رسول الله ﷺ َ لأضعاف ما تعرَّضوا له؛ لأن اضطهاده ﷺ َ جاء مناسباً لضخامة مهمته، فقد جاءتْ الرسل قبله، كُلٌّ إلى أمته خاصة في زمن محدد، أمّا رسالته ﷺ َ فقد جاءت للناس كافة، تعمُّ كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بُدَّ إذن أن تكون مهمته أصعب. وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لُوِّح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة؛ لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يُلوِّحون له بالمال والجاه والسلطان، ليصدُّوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى: دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلاً، منهم: أبو البختري، وأبو جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، ومُنبِّه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة،

стр. 12411

والنضر بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونُبيه بن الحجاج. لقد ذهب هؤلاء إلى سيدنا محمد رسول الله يقولون: «نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدِّم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك، فإنْ كنتَ تريد مالاً جمعنا لك الأموال، وإنْ كنتَ تريد شرفاً سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد مُلْكاً ملّكناك علينا» . وفَرْق بين المال والشرف: المال أن يكون الإنسان غنياً، لكن ربما لا شرفَ له، ولا مكانةَ بين الناس، وهناك مَنْ له شرف وسيادة، وليس له مال. ونلحظ أنهم ارتقوْا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى الملْك. فماذا كان موقفه ﷺ َ؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهَّد الله له به، حينما عرض عليه جبريل ﵇ أن يجعل الله له جبال مكة ذهباً، فقال ﷺ َ: «بل أشبع يوماً فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع» .

стр. 12412

وفي موقف آخر، قال له جبريل: «يُخيِّرك ربك أن تكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً فقال: بل نبياً عبداً» . والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه، مثل سليمان ﵇، حيث آتاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملْك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن سليمان ﵇ مع ما أوتية من الملْك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني: الخبز الأسمر غير النقي (الردَّة) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي، فلم يكن سليمان يريد الملْك لذاته، إنما ليقْوَى به على دعوته، فلا يعارضه فيها أحد. لذلك، لما أرسلتْ إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتَصْرفه عما يريد رَدّ عليها: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتان الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] . لذلك جاءته صاغرة تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [النمل: ٤٤] . إذن: مسألة المال هذه عُرِضَتْ على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة، فإذا كان ﷺ َ قد رفضه مِمَّن يملكه، فكيف يقبله مِمَّنْ لا يملك شيئاً؟ لذلك قال لهم: «والله ما بي حاجة إلى ما تقولون،،

стр. 12413

فلست طالب مال، ولا مُلْك، ولا شرف، إنما أنا رسول الله أُرسِلْتُ إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فإنْ جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظّ الدنيا والآخرة، وإنْ رددتُمْ عليَّ قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين» . فلجئوا إلى عم النبي ﷺ َ، لعله يستطيع أن يستميله، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله أو أهلك دونه» . ﴿أذلك﴾ [الفرقان: ١٥] أي: ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة الخلد التي وُعِد المتقون؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأُولى وحدها لكانت كافية، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة لِيُبكّتوه: انظر ما فاتك من النعيم!! وفيها أيضاً تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار، فأنت مثلاً لا تقول: العسل خير أم الخل؛ لأنه أمر معروف بداهة. وسبق أنْ تكلّمنا عن الصراط، ولماذا ضُرِب على مَتْن جنهم، والجميع يمرون عليه؛ لأن الله ﵎ يريد أنْ يجعل لك

стр. 12414

من مرائي النار التي تمرُّ عليها فوق الصراط نعمة أخرى تُذكِّرك بالنجاة من النار قبل أنْ تباشر نعيم الجنة. لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضاً بالنجاة من النار، فيقول سبحانه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . فالحق يذكر لنا النار، وأن من صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رَأْي العين، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ [التكاثر: ٧] وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] كلمة خير في اللغة تدور على معنيين: خير يقابله شَرٌّ، وخير يقابله خير أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف: «المؤمن القوي خير وأَحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي (من) في هذا الأسلوب: هذا خير من هذا. أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله تعالى: ﴿أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ [البينة: ٧] . والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا، هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أنْ ينتقلَ منها إلى خارجها؛ لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن غيرها، لذلك أردفها الحق ﵎ بقوله ﴿الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] .

стр. 12415

إذن: فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد؛ لأنها لا بد إلى زوال، فعُمرها من عُمْر دُنْياها، كأنه سبحانه يقول لكل صاحب جنة في الدنيا: لا تغترْ بجنتك؛ لأنها ستؤول إلى زوال، وأشدّ الغم لصاحب السرور أنْ يتيقن زواله، كما قال الشاعر: أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدي فِي سُرُورٍ ... تَيقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُه انْتِقَالاَ لذلك يُطمئِن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي جنة الخلد والبقاء، حيث لا يفنى نعيمها، ولا يُنغّص سرورها، فلذَّاتها دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. وقوله تعالى: ﴿التي وُعِدَ المتقون﴾ [الفرقان: ١٥] الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل أسباب الوفاء، والوَعْد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله، ويقابله الإنذار، وهو التهديد بشرٍّ قبل مجيئه لتتلافاه، وتجتنب أسباب الوقوع فيه. وكلمة (مُتَّقٍ) الأصل فيها مَنْ جعل بينه وبين الشر وقاية، كما يقول سبحانه: ﴿فاتقوا النار﴾ [البقرة: ٢٤] يعني: اجعلوا بينكم وبينها وقاية. ومن العجيب أن يقول سبحانه: ﴿واتقوا الله﴾ [البقرة: ١٩٤] ويقول ﴿فاتقوا النار﴾ [البقرة: ٢٤] والمعنى: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقايةً؛ لأنكم لا تتحمّلون صفات قَهْره، والنار جُنْد من جنود الله في صفات جلاله، فكأنه تعالى قال: اتقوا جنود صفات الجلال من الله. وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾ [الفرقان: ١٥] أي: جزاءً لما قدَّموا، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية﴾ [الحاقة: ٢٤] فهذا تعليلُ ما هم فيه من النعيم: أنهم كثيراً ما تَعِبُوا، واضطهدوا وعُذِّبوا، وجزاء من عُذِّب في ديننا أن نُسعده الآن في الآخرة.

стр. 12416

﴿وَمَصِيراً﴾ [الفرقان: ١٥] أي: يصيرون إليه، إذن: لا تنظر إلى ما أنت فيه الآن، لكن انظر إلى ما تصير إليه حَتْماً، وتأمل وجودك في الدنيا، وأنه موقوت مظنون، ووجودك في الآخرة وأنه باقٍ دائم لا ينتهي، لذلك يقولون: إياك أنْ تدخل مدخلاً لا تعرف كيفية الخروج منه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ﴾

стр. 12417

في الآية السابقة قال سبحانه: ﴿جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥] وهنا يقول: ﴿خَالِدِينَ﴾ [الفرقان: ١٦] وهذه من المواضع التي يرى فيها السطحيون تكراراً في كلام الله، مع أن الفرق واضح بينهما، فالخُلْد الأول للجنة، أما الثاني فلأهلها، بحيث لا تزول عنهم ولا يزولون هم عنها. وقوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ [الفرقان: ١٦] كأن امتياز الجنة أن يكون للذي دخلها ما يشاء، وفي هذه المسألة بَحْث يجب أن نتنبه إليه ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ [الفرقان: ١٦] يعني: إذا دخلتَ الجنة فلك فيها ما تشاء. إذن: لك فيها مشيئة من النعيم، ولا تشاء إلا ما تعرف من النعيم المحدود، أما الجنة ففيها ما لا عَيْن رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الوعد لا يتحقق للمؤمن إلا في الجنة، أما في الدنيا فلا أحدَ ينال كل ما يشاء حتى الأنبياء أَلاَ ترى أن نوحاً ﵇ طلب من ربه نجاة ولده. فقال: ﴿إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فلم يُجَبْ إلى ما يشاء.

стр. 12418

ومحمد ﷺ َ رغم كل المحاولات لم يتمكن من هداية عمه أبي طالب، وهذا لا يكون إلا في الدنيا، لذلك فاعلم أن الله تعالى حين يحجب عنك ما تشاء في الدنيا إنما ليدخره لك كما يشاء في الآخرة، مع أن الكثيرين يظنون هذا حرماناً، وحاشا لله تعالى أن يحرم عبده. وفي قوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ [الفرقان: ١٦] عطاءات أخرى، لكن ربك يعطيك على قَدْر معرفتك بالنعيم، ويجعل عليك (كنترولاً) فأنت تطلب وربُّكَ يعطيك، ويدخر لك ما هو أفضل مما أعطاك. والمشيئة في الأخرى ستكون بنفسيات ومَلَكات أخرى غير نفسيات ومَلكات مشيئات الدنيا، إنها في الآخرة نفوس صفائية خالصة لا تشتهي غير الخير، على خلاف ما نرى في الدنيا من ملَكات تشتهي السوء، لأن الملَكات هنا محكومة بحكم الجبر في أشياء والاختيار في أشياء: الجبر في الأشياء التي لا تستطيع أن تتزحزح عنها كالمرض والموت مثلاً، أما الاختيار ففي المسائل الأخرى. ثم يقول سبحانه: ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦] الوعد كما قلنا البشارة بخير قبل أوانه. وبعض العلماء يرى أن وعداً هنا بمعنى حق، لكن هل لأحد حق عند الله؟ وفي موضع آخر يُسمِّه تعالى جزاءً، فهل هو وعد أم جزاء؟ نقول: حينما شرع الحق سبحانه الوعد صار جزاءً؛ لأن الحق ﵎ لا يرجع في وعده، ولا يحول شيء دون تحقيقه. وكلمة ﴿مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦] مَن السائل هنا؟ قالوا: الله تعالى علَّمنا أن نسأله، واقرأ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقد سألناها نحن.

стр. 12419

وكذلك سألتها الملائكة، كما جاء في قوله سبحانه على لسان الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨] . فالجنة إذن مسئولة من أصحاب الشأن، ومسئولة من الملائكة الذين يستغفرون لنا.

стр. 12420

قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ [الفرقان: ١٧] الحشر: جَمْع الناس أجمعين من لَدُنْ آدم ﵇ وإلى أنْ تقومَ الساعة في مكان واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضجّ من الزحام ونشكو من ضيق الأرض بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم إلى قيام الساعة؟ والعبادة: أن يطيع العابدُ أوامرَ معبوده، فينبغي أن ننظر في كل مَنَ له أمر نطيعه: أهو أمر من ذاته؟ أم أمر مُبلَّغ من أعلى منه: رسول أو إله؟ فإنْ كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مُبَاح أم يتعارض مع نصٍّ شرعي؟ فإنْ كان مباحاً فلا بأسَ في إطاعته، أما إنْ كان مخالفاً للشرع فإنْ أطعْتَه فكأنك تعبده من دون الله.

стр. 12421

إذن: حينما يأمرك الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعتَ مَنْ حَمَّله هذه الأمانة، والذين يطيعون مَنْ يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مُطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو الأصنام والجماد. ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد؟ إنما العبادة إنْ صَحَّتْ بهذا المعنى فتكون لمَنْ يملك أمراً أو سلطة زمنية من الرهبان، أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى ﵇ حيث قال البعض بألوهيته أو العزيز الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم. لذلك يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الفرقان: ١٧] يعني: يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معاً، لماذا؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أنْ ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كلَّ أمل في النجاة. وقول الحق : ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧] . والخطاب هنا مُوجَّه لمن يعقل منهم، ولا مانعَ أن يكون للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بيَّن لنا الحق ﵎ أن لكل شيء لغةً، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ

стр. 12422

بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . وقد قال سليمان ﵇ وهو مِمَّن فقه التسبيح: ﴿رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥] لما سمع النملة تُحذِّر قومها: ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فتبسَّم سليمان ﵇ لما سمع من النملة وسمَّاه قَوْلاً، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ يقول: إن التسبيح هنا من النملة تسبيحُ حال، لا تسبيح مقال. وهو قوْل مخالف لنصِّ القرآن الذي قال: ﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن قُلْتَ: هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فِقْهك له إلا إذا عرّفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات. ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يُقرِّر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة، وألسْنَا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلاً؟ فالحق يسأل المعبودين: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] والله يعلم إنْ كانوا أضلُّوهم أم لا؛ لذلك أجاب عيسى ﵇ على مثل هذا السؤال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] . وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام مَنْ عبودهم، ولو أن

стр. 12423

عبادتهم بحقٍّ لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله؛ لذلك أجاب عيسى ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . أما الآخرون فقالوا: ما أضللناهم، بل هم ضَلُّوا السبيل. وكلمة ﴿عِبَادِي﴾ [الفرقان: ١٧] سبق أن قلنا إن (عبد) تُجمع على (عباد) و (عبيد) ، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرُّف من ذاته، إنْ نظرتَ هذه النظرة فكل خَلْق الله عبيد؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته. لذلك نقول للذين أَلِفُوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه: قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذِّبوا، وقد تتمردون على حُكْم من الأحكام فتخالفوه. إذن: لكم جَرْأة على المخالفة وإلْف للتمرد، وما دام لك دُرْبة على ذلك، فعليك أنْ تتمرد أيضاً عند المرض وتقول: لن أمرض وتتمرّد علىلموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه مسائل، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقتْ لهم من الله الحسنى، وأُلْهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده، فيكونون عبيداً لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عباداً لله. فالعباد إذن يشتركون مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، وعن اختيارهم لاختياره ؛ لذلك سمّاهم عباداً، كما جاء في قوله سبحانة:

стр. 12424

﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: ٦٣] . والاستفهام في قوله سبحانه: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ [الفرقان: ١٧] يقول فيه بعض غير المؤهَّلين للفَهْم عن الله: أما كان يقول: أأضللتم عبادي؟ ونقول لهؤلاء: ليس لديكم الملَكَة اللغوية لفَهْمِ القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجوداً أمامك، تقول: أبنيتَ البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه؟ فيخبرك: بنيتُه أو لم أَبْنِه، أمَّا حين تقول: أبنيتَ هذا البيت؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما عن فاعله، أنت أم غيرك؟ لأن البناء قائم أمامك. إذن: فَرْقٌ بين السؤال عن الحَدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلاً، فالسوال عن الفاعل ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧] . وسمَّاهم عباداً هنا مع أنهم ضالون؛ لأن الكلام في الآخرة، حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميَّزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد، فقد زال ما يُميِّزهم؛ لأنهم جمعياً مقهورون لا اختيارَ لأحد منهم.

стр. 12425

كلمة (سبحان) أي: تنزيهاً لله تعالى في ذاته عن مشابهة الذوات، وتنزيهاً لله تعالى في صفاته وأفعاله عن مشابهة الصفات والأفعال، فلله سَمْع ولك سمع، ولله وجود ولك وجود، ولله حياة ولك حياة، لكن أحياتك كحياة الله؟ الله جبار وأنت قد تكون جباراً، الله غني وأنت قد تكون غنياً، فهل غِنَاك كغِنَى الله؟ ولله تعالى فِعْل ولك فعل، فهل فِعْلك كفِعْل الله؟ إذن: هناك فَرْق بين الصفات الذاتية والصفات الموهوبة التي يقبضها واهبها إنْ شاء. وقد تُقال سبحان الله ويُقصَد بها التعجب، فحين تسمع كلاماً عجيباً تقول: سبحانه الله يعني: أنا أنزه أن يكون هذا الكلام حدث. لذلك يقولون هنا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [الفرقان: ١٨] يعني: عجيبة أننا نضل، كيف ونحن نعبدك نجعل الآخرين يعبدوننا، والمعنى: أن هذا لا يصح مِنَّا، كيف ونحن ندعو الناس إلى عبادتك، وليس من المعقول أننا ندعوهم إلى عبادتك ونتحوّل نحن لكي يعبدونا: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . فأنت وليُّنا الذي نتقرّب إليه، وقد بعثْتنا لمهمة من المهمات، ولا بُدَّ أن صواب اختيارك لنا يمنعنا أن نفعل هذا، وإلا ما كُنا أمناء على هذه المهمة. فسبحانك: تنزيهاً لك أن تختار مَنْ ليس جديراً بالمهمة، فيأخذ الأمر منك لنفسه. ومعنى: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ [الفرقان: ١٨] نفي الانبغاء، نقول: ما ينبغي لفلان أن يفعل كذا، كما قال تعالى في حق رسوله ﷺ َ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] والشعر مَلكَة وموهبة بيان أدائية، وكان العرب يتفاضلون بهذه الموهبة، وإنْ

стр. 12426

نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم، ولقد توفرت لرسول الله هذه الملَكة. ولو كان ﷺ َ شاعراً لكان شاعراً مُبْدعاً، لكنه ﷺ َ ما ينبغي له ذلك؛ لأن الشعر مبنيٌّ على التخيُّل؛ لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد من القرآن تخيلات شاعر، فلم تكُنْ طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر، إنما كان ﷺ َ ذا إحساس مُرْهَفٍ، ولو قُدِّر له أنْ يكون شاعراً لكان عظيماً. وقد قال الحق عن الشعراء: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤٢٢٦] . وقالوا عن الشعر: أَعْذبه أكذبُه، لذلك لم يدخل رسول الله طِوَال حياته هذا المجال. إذن: فقولهم ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [الفرقان: ١٨] ردٌّ على ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] ثم يذكر الدليل على ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧] في قوله: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] فلما متَّعتهم يا ربّ أترفهم النعيم، وشغلتْهم النعمة عن المنعِم، فانحرفوا عن الجادَّة. والآية تنبه المؤمن ألاّ يَأْسَى على نعيم فاته، فربما فتنك هذا النعيم وصرفك عن المنعِم ، فمن الخير إذن أنْ يمنعه الله عنك؛ لأنك لا تضمن نفسك حال النعمة. وقوله تعالى: ﴿حتى نَسُواْ الذكر﴾ [الفرقان: ١٨] أي: نسُوا المُنْعِم، وحَقُّ النعمة ألاَّ تُنَسِى المنعم، لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن

стр. 12427

الصحيح إنْ كان في نعمة العافية من المنعم سبحانه، فالمريض الذي حُرِم منها ليس في نعمة المنعِم، إنما في صحبته ومعيته. ومن هنا لما مرض أحد العارفين بالله كان يغضب إذا دُعِي له بالشفاء، ويقول لعائده: لا تقطع عليَّ أُنْسي بربي. وجاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: وكيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين، قال: أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض فلم تَعُدْهُ، أما إنك لو عُدته لوجدتني عنده» . إذن: حينما يعلم المريض أنه في معية الله يستحي أن يجزع ومعنى ﴿قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] البُور: الهلاك، ومنه أرض بُور، وهي التي لا تُنبت. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾

стр. 12428

بعد أن سألهم الحق ﵎ وهو أعلم بهم: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] وأجابوا: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] وقد هَزَّهم هذا السؤال هِزَّة عنيفة أراد سبحانه أنْ يُبرئهم فقال ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] يعني: أنا أعرف أنكم قلتم الحق، لكنهم كذَّبوكم بما تقولون ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾ [الفرقان: ١٩]

стр. 12429

فالتفت إليهم. والصرف: أن تدفع بذاتك عن ذاتك الشر إنْ تعرّض به أحد لك، والنصر: إذا لم تستطع أنت أنْ تدفع عن نفسك فيأتي مَنْ يدفع عنك. ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٩] وقد يسأل سائل: لماذا يخاطب الحق سبحانه أولياءه بهذا العنف؟ قالوا: في الواقع ليس هذا العنف نَهْراً لأولياء الله، إنما زجر ولَفْتُ نظرٍ للآخرين، فإذا كان الحق سبحانه يخاطب أهل طاعته بهذا العنف، فما بالك بأعدائه، والخارجين على منهجه؟ إنهم حين يسمعون هذا الخطاب لا بُدَّ أن يقولوا: مع أن الله اصطفاهم وقرّبهم لم يمنعه ذلك أنْ يُوجِّههم إلى الحق وينهرهم. ألم يقل سبحانه عن حبيبه ونبيه محمد ﷺ َ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤٤٦] فالحق ﵎ يتحدث عن نبيه بهذه الطريقة ليخيف الآخرين ويرهبهم. والظلم: أخْذُ حقِّ الغير، ما دام أن الله تعالى حرَّم ذلك، فهذا يعني أن الله يريد أنْ يتمتع كل واحد بثمرة مجهوده؛ لأن أمور الحياة لا تستقيم إنْ أخذ الإنسان ثمرةَ غيره، وتعوَّد أن يعيش على دماء الآخرين وعَرقهم؛ لذلك نرى في المجتمع بعض المجرمين والمنحرفين (الفاقدين) الذين يعيشون على عَرق الآخرين وهم لا يعرقون.

стр. 12430

وحين يُؤخَذ الحق من صاحبه، ثم لا يجد مَنْ ينصفه، ويعيد له حقه المسلوب يميل إلى الكسل ويزهَد في العمل وبذْل المجهود، ومعلوم أن العمل لا تعود ثمرته على صاحبه فحسب، وإنما على الآخرين حيث يُيسِّر للناس مصالحهم، ويُسهِم بحركته في حركة المجتمع. وسبق أن قلنا: إن الفرْق بين المؤمن وغيره في العمل أن الكافر يعمل لنفسه، أمّا المؤمن فيعمل لما يكفيه، ويجهد ليساعد الآخرين؛ لذلك عليك أن تعمل على قَدْر طاقتك لا على قَدْر حاجتك، فحاجتك تتوفر لك مما أتيته بطاقتك، ثم يكون الباقي عندك لمن لا يقدر على العمل وليس لديه طاقة. والمعركة التي تدور بين الكفار والمؤمنين وعلى رأسهم الرسل، اللهُ تعالى يفصل فيها، يقول: لا يستطيع أحد من خَلْقي أن يظلمني، لأن المظلوم فيه نقطة ضعف، والظالم فيه نقطة قوة؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] أي: لا يقدر أحد على ذلك ﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] فظُلْمهم لأنفسهم، لا للمؤمنين. فالحق ﵎ يغَارُ على عبده أن يظلم نفسه؛ لأن للإنسان ملكات متعددة: ملكة الاشتهاء العاجل وملكة التأنِّي الآجل. فالتلميذ المجتهد اختار الراحة الآجلة، والكسول اختار الراحة العاجلة، فكلاهما مُحِبٌ لنفسه يسعى إلى راحتها، لكن فَرْق بين حُبِّ واعٍ، وحُبٍّ أحمق، فالأول يتحمل المشاق لينال في نهاية الأمر أعلى المراتب، والآخر تستهويه الراحة العاجلة، وسرعان ما يجد نفسه صُعْلوكاً في المجتمع، فمتعة الأول أبقى وأطول، ومتعة الآخر سريعة منتهية.
следующие страницы →