← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم، ولقد توفرت لرسول الله هذه الملَكة. ولو كان ﷺ َ شاعراً لكان شاعراً مُبْدعاً، لكنه ﷺ َ ما ينبغي له ذلك؛ لأن الشعر مبنيٌّ على التخيُّل؛ لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد من القرآن تخيلات شاعر، فلم تكُنْ طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر، إنما كان ﷺ َ ذا إحساس مُرْهَفٍ، ولو قُدِّر له أنْ يكون شاعراً لكان عظيماً. وقد قال الحق عن الشعراء: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤٢٢٦] . وقالوا عن الشعر: أَعْذبه أكذبُه، لذلك لم يدخل رسول الله طِوَال حياته هذا المجال. إذن: فقولهم ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [الفرقان: ١٨] ردٌّ على ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] ثم يذكر الدليل على ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧] في قوله: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] فلما متَّعتهم يا ربّ أترفهم النعيم، وشغلتْهم النعمة عن المنعِم، فانحرفوا عن الجادَّة. والآية تنبه المؤمن ألاّ يَأْسَى على نعيم فاته، فربما فتنك هذا النعيم وصرفك عن المنعِم ، فمن الخير إذن أنْ يمنعه الله عنك؛ لأنك لا تضمن نفسك حال النعمة. وقوله تعالى: ﴿حتى نَسُواْ الذكر﴾ [الفرقان: ١٨] أي: نسُوا المُنْعِم، وحَقُّ النعمة ألاَّ تُنَسِى المنعم، لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن

стр. 12427

الصحيح إنْ كان في نعمة العافية من المنعم سبحانه، فالمريض الذي حُرِم منها ليس في نعمة المنعِم، إنما في صحبته ومعيته. ومن هنا لما مرض أحد العارفين بالله كان يغضب إذا دُعِي له بالشفاء، ويقول لعائده: لا تقطع عليَّ أُنْسي بربي. وجاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: وكيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين، قال: أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض فلم تَعُدْهُ، أما إنك لو عُدته لوجدتني عنده» . إذن: حينما يعلم المريض أنه في معية الله يستحي أن يجزع ومعنى ﴿قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] البُور: الهلاك، ومنه أرض بُور، وهي التي لا تُنبت. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾

стр. 12428

بعد أن سألهم الحق ﵎ وهو أعلم بهم: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ [الفرقان: ١٧] وأجابوا: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حتى نَسُواْ الذكر وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان: ١٨] وقد هَزَّهم هذا السؤال هِزَّة عنيفة أراد سبحانه أنْ يُبرئهم فقال ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] يعني: أنا أعرف أنكم قلتم الحق، لكنهم كذَّبوكم بما تقولون ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾ [الفرقان: ١٩]

стр. 12429

فالتفت إليهم. والصرف: أن تدفع بذاتك عن ذاتك الشر إنْ تعرّض به أحد لك، والنصر: إذا لم تستطع أنت أنْ تدفع عن نفسك فيأتي مَنْ يدفع عنك. ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٩] وقد يسأل سائل: لماذا يخاطب الحق سبحانه أولياءه بهذا العنف؟ قالوا: في الواقع ليس هذا العنف نَهْراً لأولياء الله، إنما زجر ولَفْتُ نظرٍ للآخرين، فإذا كان الحق سبحانه يخاطب أهل طاعته بهذا العنف، فما بالك بأعدائه، والخارجين على منهجه؟ إنهم حين يسمعون هذا الخطاب لا بُدَّ أن يقولوا: مع أن الله اصطفاهم وقرّبهم لم يمنعه ذلك أنْ يُوجِّههم إلى الحق وينهرهم. ألم يقل سبحانه عن حبيبه ونبيه محمد ﷺ َ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤٤٦] فالحق ﵎ يتحدث عن نبيه بهذه الطريقة ليخيف الآخرين ويرهبهم. والظلم: أخْذُ حقِّ الغير، ما دام أن الله تعالى حرَّم ذلك، فهذا يعني أن الله يريد أنْ يتمتع كل واحد بثمرة مجهوده؛ لأن أمور الحياة لا تستقيم إنْ أخذ الإنسان ثمرةَ غيره، وتعوَّد أن يعيش على دماء الآخرين وعَرقهم؛ لذلك نرى في المجتمع بعض المجرمين والمنحرفين (الفاقدين) الذين يعيشون على عَرق الآخرين وهم لا يعرقون.

стр. 12430

وحين يُؤخَذ الحق من صاحبه، ثم لا يجد مَنْ ينصفه، ويعيد له حقه المسلوب يميل إلى الكسل ويزهَد في العمل وبذْل المجهود، ومعلوم أن العمل لا تعود ثمرته على صاحبه فحسب، وإنما على الآخرين حيث يُيسِّر للناس مصالحهم، ويُسهِم بحركته في حركة المجتمع. وسبق أن قلنا: إن الفرْق بين المؤمن وغيره في العمل أن الكافر يعمل لنفسه، أمّا المؤمن فيعمل لما يكفيه، ويجهد ليساعد الآخرين؛ لذلك عليك أن تعمل على قَدْر طاقتك لا على قَدْر حاجتك، فحاجتك تتوفر لك مما أتيته بطاقتك، ثم يكون الباقي عندك لمن لا يقدر على العمل وليس لديه طاقة. والمعركة التي تدور بين الكفار والمؤمنين وعلى رأسهم الرسل، اللهُ تعالى يفصل فيها، يقول: لا يستطيع أحد من خَلْقي أن يظلمني، لأن المظلوم فيه نقطة ضعف، والظالم فيه نقطة قوة؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] أي: لا يقدر أحد على ذلك ﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] فظُلْمهم لأنفسهم، لا للمؤمنين. فالحق ﵎ يغَارُ على عبده أن يظلم نفسه؛ لأن للإنسان ملكات متعددة: ملكة الاشتهاء العاجل وملكة التأنِّي الآجل. فالتلميذ المجتهد اختار الراحة الآجلة، والكسول اختار الراحة العاجلة، فكلاهما مُحِبٌ لنفسه يسعى إلى راحتها، لكن فَرْق بين حُبِّ واعٍ، وحُبٍّ أحمق، فالأول يتحمل المشاق لينال في نهاية الأمر أعلى المراتب، والآخر تستهويه الراحة العاجلة، وسرعان ما يجد نفسه صُعْلوكاً في المجتمع، فمتعة الأول أبقى وأطول، ومتعة الآخر سريعة منتهية.

стр. 12431

هذه قاعدة عامة تُقال في عمل الدنيا، وتُقال في عمل الآخرة، فالحق ﵎ خلق الإنسان ويحب منه ألاَّ تظلم ملكَة في النفس ملكةً أخرى، وألا تظلم ملكة العجلة ملكة التأنِّي؛ لأن ملكة العجلة تأخذ خيراً عاجلاً منتهياً، أما ملكة التأني فتنال الخير الآجل الباقي غير المنتهي. إذن: فالله تعالى يريد لصنعته، سواء المؤمن أو الكافر ألاّ يظلم نفسه؛ لأن الله كرَّمه وخلق الكون كله لخدمته وسخَّره من أجله؛ لذلك يقول له: إنك لا تستطيع أن تظلمني ولا تظلم المؤمنين، إنما تظلم نفسك، فربٌّ يعاقب الإنسان على أنه ظلم نفسه فهو نِعْم الربّ. لذلك جاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، أنا لك مُحبٌّ بدليل أنني أعاقبك إذا ظلمتَ نفسك فبحقِّي عليك كُنْ لي مُحِباً» . وحين يُضخِّم الحق العقوبة: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٩] إنما ليُنفِّر عباده منها، ويبتعد بهم عن أسبابها، فلا تقع. وكثيراً ما يعترض أعداء الإسلام على قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] يقولون: فلماذا تقتلون مَنْ يرتدّ عن الإسلام؟ وهؤلاء لا يَدْرُون أن هذا الحكم نضعه عقبةً في طريق كل مَنْ يريد الإيمان، وتنبيه له حتى يفكر جيداً فيما هو مُقبل عليه إن اختار الإسلام، فلا يدخله إلا بعد رضاً واقتناع تام، وحين يعلم هذا الحكم يحتاطُ للأمر فيدخل عليه بمَحْضِ اختياره وتعقّله. فالإسلام لا يريد كثرة مُتسرِّعة، إنما يريد تروياً وتعقّلاً وتدبراً،

стр. 12432

وهذا يُحسب للإسلام لا عليه، فهو سلعة غالية يثق صاحبها في جَوْدتها، كما تذهب إلى تاجر القماش مثلاً، فيعرض عليك بضاعته ويُظهِر لك جودتها ويختبرها أمامك، لماذا؟ لأنه واثق من جودة بضاعته. ومن ذلك ما خُتِمَتْ به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل: تفكِّرون، تعقلون، تذكِّرون. وهذا دليل على أنك لو تعقلتَ، لو تدبرتَ، لو تذكرتَ لاهتديت إلى ما جاء به القرآن. إذن: فقوله تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٩] كان الذي يؤخذ على القرآن، أو على الحق سبحانه أن الظالم حين يظلم هو يُعاقِب لنفسه حيث أُخِذ منه شيء، لكن الحق سبحانه ما أُخذ منه شيء، إنما هو سبحانه بصفات الكمال فيه سبحانه خلقكم، فما ظلمتم إلا أنفسكم. ثم يقول الحق سبحانه عن رسله وأنبيائه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين﴾

стр. 12433

سبق أن تكلمنا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٧] وهذه صِفَة كل الرسل، وليس محمد بِدْعاً في ذلك، وإذا كان أكْل الطعام يقدح في كونه ﷺ َ رسولاً، وكانوا يريدون رسولاً لا يأكل الطعام، فنقول: بالله إذا كان أكْل الطعام منعه عندكم أن يكون رسولاً، فكيف تقولون لمن أكل

стр. 12434

الطعام أنه إله؟ كيف وأنتم ما رضيتم به رسولاً؟ وقد جعل الحق ﵎ الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؛ لأن الرسول يجب أن يكون قدوة وأُسوْة في كل شيء للخَلْق، ولذلك كان رسول الله على أقلِّ حالات الكون المادية من ناحية أمور الدنيا من أكْل وشُرْب ولباس، ذلك ليكون أُسْوة للناس، وكذلك نجده ﷺ َ حريصاً على أن يكون أهل بيته مثله، لذلك لم يجعل لهم نصيباً في الزكاة التي يأخذها أمثالهم من الفقراء. ويقول ﷺ َ: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» . ومَنْ كان عليه دَيْن من المسلمين تحمّله عنه رسول الله، وهذا كله إنْ دلَّ فإنما يدل على أنه ﷺ َ واثق من جزاء أُخْراه، فلا يُحبّ أن يناله منه شيء في الدنيا. لذلك قُلْنا: لو نظرتَ في مبادىء الحق ومبادىء الباطل أمامك في الدنيا لوجدتَ أن مبدأ الباطل يدفع ثمنه أولاً، فمثلاً لكي تكون شيوعياً لا بُدَّ أن تأخذ الثمن أولاً، أما مبدأ الحق فأنت تدفع الثمن مُقدّماً: تتعب وتُظلم وتُعذَّب وتجوع وتتشرد، وتخرج من أهلك ومن مالك، ثم تنتظر الجزاء في الآخرة. وبهذا المقياس تستطيع أنْ تُفرِّق بين الحق والباطل. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الأسواق﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: يرتادونها لقضاء مصالحهم وشراء حاجياتهم، دليلٌ على تواضعهم وعدم تكبُّرهم على مثل هذه الأعمال؛ لذلك كان سيدنا رسول الله

стр. 12435

يحمل حاجته بنفسه، فإنْ عرض عليه أحدُ صحابته أنْ يحملها عنه يقول ﷺ َ: «صاحب الشيء أحقُّ بحمله» . ومعنى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] فأيّ بعض فتنة لأيِّ بعض؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] أيُّ بعض مرفوع، وأيّ بعض مرفوع عليه؟ نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غنيٌّ وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبةً خَصّه الله بها، فكلٌّ مِنّا عنده مَيْزةٌ ليست عند أخيه؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخَلْق؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاجَ أحدٌ لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أمّا حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل. ولو تصورنا الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة وأصبحوا (دكاترة) فمَنْ يكنس الشارع؟ ساعتها سيتطوع أحدنا يوماً لهذه المهمة، إذن: تصبح الحاجة بنت تطوُّع وتفضُّل، والتفضُّل لا يُلزِم أحداً بعمل، فقد تتعطل المصالح. أمّا حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تُسرع إلى العمل وتبحث عنه. أَلاَ ترى أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن

стр. 12436

عمل، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا؟ إنها الحاجة. فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد، إذن: التسخيرات من الحق لحكمه. ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة، وهذا خطأ، فأيُّ عمل يُصلح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً، فلا يوجد عمل حقير أبداً، وإنما يوجد عامل حقير. فمعنى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] كل بعض منا فتنة للآخر، فالغنيُّ فتنةٌ للفقير، والفقير فتنة للغني. . الخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذلّه فالفقير هنا قتنة للغني، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده، فالغنيّ هنا فتنة للفقر، وهكذا الصحيح فتنة للمريض، والرسل فتنة لمن كذّبوهم، والكفار فتنة للرسل. والناس يفرون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ. إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة. لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه، لماذا؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره، وهو كذلك سهل السَّبْك؛ لذلك

стр. 12437

يقولون: المعدن النفيس كالأخيار بَطيءٌ كَسْره، سريع جَبْره. فمثلاً حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلاً. إذن: الفتنة اختبار، الماهر مَنْ يفوز فيه، فإنْ كان غنياً كان شاكراً مُؤدِّياً لحقِّ الغني مُتواضعاً يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأَكْل أموال الناس بالباطل. ولما كانت الفتنة تقتضي صَبْراً من المفتون، قال سبحانه: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] فكل فتنة تحتاج إلى صبر، فهل تصبرون عليها؟ ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١٢] يعني: مُطلَق الإنسان في خُسْر لا ينجيه منه إلاّ أنْ يتصف بهذه الصفات: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ٣] . وتُختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: ٢٠] لينبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مُبْصَرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنُرتِّب على الأعمال جزاءً على وَفْقها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾

стр. 12438

واللقاء: يعني البعث، وقد آمنا بالله غَيْباً وفي الآخرة نؤمن به تعالى مَشْهداً ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦] حتى مَنْ لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة. لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [النور: ٣٩] . ويا ليته جاء فلم يجد عمله، المصيبة أنه وجد عمله كاملاً، ووجد الله تعالى يحاسبه ويُجازيه، ولم يكن هذا كله على باله في الدنيا؛ لذلك يُفَاجأ به الآن. وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١] يعني: لا يتنظرونه ولا يؤمنون به؛ لذلك لم يستعدوا له، لماذا؟ لأنهم آثروا عافية العاجلة على عافية الآجلة، ورأوْا أمامهم شهواتٍ ومُتَعاً لم يصبروا عليها، وغفلوا عن الغاية الأخيرة. ما هو اللقاء؟ اللقاء يعني الوَصْل والمقابلة، لكن كيف يتم الوَصْل والمقابلة بين الحق ﵎ وبين الخَلْق وهذه من المسائل التي كَثُر فيها الجدال، وحدثت فيها ضجّة شككتْ المسلمين في كثير من القاضيا. قالوا: اللقاء يتقضي أن يكون الله تعالى مُجسّماً وهذا ممنوع، وقال آخرون: ليس بالضرورة أن يكون اللقاء وَصْلاً، فقد يكون مجردَ الرؤية؛ لأن رؤية العَيْن للرب ليست لقاء، وهذا قول أهل السنة. أما المعتزلة فقد نفَوْا حتى الرؤية، فقال: لا يلقونه وَصْلاً ولا

стр. 12439

رؤية، لأن الرائي يحدد المرئي، وهذا مُحَال على الله . ونقول للمعتزلة: أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله، كما تأخذونها بالنسبة لمخلوقات الله، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في إطار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوَصْل، فالله تعالى لقاء لا يقتضي الوصل، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد. إن لك سَمْعاً ولله سمع أسمعُك كسمع الله ؟ إذن: لماذا تريد أن يكون لقاء الله كلقائك يقتضي تجسُّداً، أو رؤيته كرؤيتك؟ لذلك في قصة رؤية موسى ﵇ لربه ، ماذا قال موسى؟ قال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فطلب من ربه أن يُريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته، ولا يصلح لهذه الرؤية، ألا أن يُريه الله ويطلعه، فالمسألة ليست من جهة المرئيّ، إما من جهة الرائي. لكن هل قرَّعه الله على طلبه هذا وقال عنه: استكبر وعتا عُتُواً كبيراً كما قال هنا؟ لا إنما قال له: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولم يقُلْ سبحانه: لن أُرَى، وفرْق بين العبارتين. فقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] المنع هنا ليس من المرئيّ بل المنع من الرائي؛ لذلك أعطاه ربه الدليل: ﴿ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] يعني: أأنت أقوى أم الجبل؟ ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ولاحظ: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] كلمة تجلى أي: أن الله تعالى يتجلى على بعض خَلْقه، لكن أيصبرون على هذا التجلي؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخّر اللهُ له الجبل وكلّ شيء في الوجود.

стр. 12440

إذن: فالإنسان هو الأكرم، لكن تكوينه وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية، وليس لديه الاستعداد لتلقّي الأنوار الإلهية؛ ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض. أما في الآخرة فالأمر مختلف؛ لذلك سيُعدِّل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى، وإذا كان موسى ﵇ قد صُعِق لرؤية المتجلَّى عليه وهو الجبل، فكيف به إذا رأى المتجلِّي ؟ لذلك، كان من نعمة الله تعالى على عباده في الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢٢٣] . وقال عن الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] : إذن: ما يُميِّز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يُحجبون عن رؤية ربهم بعد أنْ تغيَّر تكوينهم الأخروي، فأصبحوا قادرين على رؤية ما لم يَرَوْه في الدنيا. وإذا كان البشر الآن بتقدّم العلم يصنعون لضعاف البصر ما يُزِيد من بصرهم ورؤيتهم، فلماذا نستبعد هذا بالنسبة لله تعالى؟ لذلك، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلون بما يريحهم، فتراهم يُنكِرون البعث، ويُبعِدون هذه الفكرة عن أنفسهم؛ لأنهم يعلمون سوء عاقبتهم إنْ أيقنُوا بالبعث واعترفوا به. ومن المسرفين على أنفسهم حتى مؤمنون بإله، يقول أحدهم: ما دام أن الله تعالى قدَّر عليَّ المعصية، فلماذا يُحاسبني عليها؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا: ما دام قد قدَّر علينا الطاعة، فلماذا يثيبنا عليها؟ إذن: لم يقفوا الوقفة العقلية السليمة؛ لأن الأولى ستجرُّ عليهم الشر فذكروها، أما الأخرى فخير يُسَاق إليهم؛ لذلك غفلوا عن ذِكْرها.

стр. 12441

وقولهم: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١] وهذا يدلّ على تكبُّرهم واعتراضهم على كَوْن الرسول بَشَراً، وفي موضع آخر قالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] . إذن: كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشراً، وهذا الاستدراك يدلُّ على غبائهم، فلو جاء الرسول ملَكاً ما صَحَّ أن يكون لهم قدوة، وما جاء الرسول إلا ليكون قُدْوةً ومُعلِّماً للمنهج وأُسْوة سلوك، ولو جاء ملَكاً لأمكنه نعم أنْ يُعلِّمنا منهج الله، لكن لا يصح أنْ يكون لنا أُسْوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو مَلَك لَكان لك أنْ تعترض عليه تقول: أنت مَلَكٌ تقدر على ذلك، أمَّا أنا فبشر لا أقدر عليه. فالحق سبحانه يقول: لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمةَ البلاغ، ومهمة الأُسْوة السلوكية، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتّى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قُدْوة ونموذجاً يُحتذى. ولو جاء الرسول ملَكَا على حقيقته ما رأيتموه، ولا حتجتم له على صورة بشرية، وساعتها لن تعرفوا أهو ملَكَ أم بشر، إذن، لا بُدَّ أن تعود المسألة إلى أن يكون بشراً، لذلك يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] . ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه، وهذا يعني أنهم يريدون دليلَ تصديق على نبوة محمد ﷺ َ، وسبق أنْ جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغُوا فيه وعجزوا أنْ يُجَاروه فيها، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوي، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في كل ما يُبلِّغ عني. وما دامت المعجزة قد جاءتْ بتصديق الرسول، فهل هناك معجزة أَوْلَى من معجزة؟

стр. 12442

لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلاً على صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وأيضاً جاءكم بغيبيّات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان، لا في القديم الذي حدث قبل أنْ يُولدَ، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أنْ يُولد. إذن: فدليل صدق الرسول قائم، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى؟ وقولهم: ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١] والله، لو كان إله يُرَى لكم ما صَحَّ أن يكون إلهاً؛ لأن المرئي مُحَاطٌ بحدقة الرائي، وما دام أحاط به فهو إذن محدود، ومحدوديته تنافي الوهيته. وإلاَّ فالمعاني التي تختلج بها النفس الإنسانية مثل الحق والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصَّبون له، ويتهافتون عليه لحلِّ مشاكلهم وتيسير حياتهم: أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس؟ كيف تطلب أن تدرك خالقها وبالحواسّ؟ لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيرا﴾ [الفرقان: ٢١] استكبر وتكبَّر: حاول أن يجعل نفسه فوق قَدْره، وكلُّ إنسان مِنّا له قَدْر محدود. ومن هنا جاء القول المأثور: «رَحِمَ الله امرءً عرف قدر نفسه» . فلماذا إذن يتكبّر الإنسان؟ لو أنك إنسان سوىّ فإنك تسعد حين نمنع عنك مَنْ يسرقك، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي عليك، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا؟ النظرة العقلية أن تقارن بين مَا لك ومَا عليك، لقد منعنا يدك وهي واحدة أنْ تسرق، ومقابل ذلك منعنا عنك جميع أيدي الناس

стр. 12443

أن تسرق منك، منعنا عينك أن تمتد إلى محارم الآخرين، ومنعنا جميع الأَعْيُن أنْ تمتدّ إلى محارمك؛ فلماذا إذن تفرح لهذه وتغضب من هذه؟ كان يجب عليك أن تحكم بنفس المنطق، فإنْ أحببتَ ما كان لك وكرهتَ ما كان لغيرك فقد جانبتَ الصواب وخالفتَ العدالة. ومن استكبارهم مواجهتهم لرسول الله في بداية دعوته وقولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] إذن: القرآن لا غبارَ عليه، وهذا حكم واقعي منهم؛ لأنهم أمة بلاغة وفصاحة، والقرآن في أَرْقَى مراتب الفصاحة والبيان، إنما الذي وقف في حُلُوقهم أن يكون الرسول رجلاً من عامة الناس، يريدونه عظيماً في نظرهم، حتى إذا ما اتبعوه كان له حيثية تدعو إلى اتباعه. إذن: الاستكبار أن تستكبر أن تكون تابعاً لمنْ تراه دونك، ونحن ننكر هذا؛ لأنك لم تَرَ محمداً ﷺ َ قبل أن يقوم بالرسالة أنه دونك، بل كنت تضعه في المكان الأعلى، وتُسمِّيه الصادق الأمين، فمتى إذن جعلْتَه دونك؟ إنها الهبة التي وهبه الله، إنها الرسالة التي جعلتك تأخذ منه ما كنتَ تعطيه قبل أن يكون رسولاً. وهل سبق لكم أَنْ سمعتم عن رسول جاء معه ربه يقول لقومه: هذا رسولي؟ وما دام أن الله تعالى سيواجهكم هذه المواجهة فلا داعيَ إذن للرسول؛ لأن الله تعالى سيخاطبكم بالتكليف مباشرة وتنتهي المسألة. ومعلوم أن هذا الأمر لم يحدث، فأنتم تطلبون شيئاً لم تسمعوا به، وهذا دليل على تلكؤكم واستكباركم عن قبول الإيمان فجئتم بشيء مستحيل. إذن: المسألة من الكفار تلكؤٌ وعناد واستكبار عن قبول الحق الواضح، وقد سبق أن اقترحوا مثل هذه الآيات والمعجزات، فلما

стр. 12444

أجابهم الله كذّبوا، مع أن الآيات والمعجزات ليست باقتراح المرسل إليهم، إنما تفضُّل من الله تعالى واهب هذه الرسالة. والاستكبار مادته الكاف والباء والراء. وتأتي بمعانٍ عِدَّة: تقول كَبَرَ يكْبَر أي: في عمره وحجمه، وكَبُر يكبُر أي: عَظُم في ذاته، ومنها قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] . وتكبَّر: أظهر صفة الكبرياء للناس، واستكبر: إذا لم يكُنْ عنده مؤهلات الكِبر، ومع ذلك يطلب أن يكون كبيراً. فالمعنى ﴿استكبروا﴾ [الفرقان: ٢١] ليس في حقيقة تكوينهم إنما ﴿استكبروا في أَنفُسِهِمْ﴾ [الفرقان: ٢١] في أنهم يتبعُون الرسول، أي: أنها كبيرة عليهم أن يكونوا تابعين لرجل يروْنَ غيره أغنى منه أو أحسن منه (على زعمهم) . ونرى مثلاً أحد الفتوات الذي يخضع له الجميع إذا ما رأى مَنْ هو أقوى منه انكمشَ أمامه وتواضع؛ لأنه يستكبر بلا رصيد وبشيء ليس ذاتياً فيه. . إذن: المتكبر بلا رصيد غافل عن كبرياء ربه، ولو استشعر كبرياء الله لاستحَى أنْ يتكبّر. لذلك نرى أهل الطاعة والمعرفة دائماً منكسرين، لماذا؟ لأنهم دائماً مستشعرون كبرياءَ الله، والإنسان (لا يتفرعن) إلا إذا رأى الجميع دونه، وليس هناك مَنْ هو أكبر منه. فينبغي ألا يَتكبَّر الإنسان إلا بشيء ذاتي فيه لا يُسلبَ منه، فإن استكبرت بِغنَاك فربما افتقرتَ، وإنِ استكبرتَ بقوتك فرُبّما أصابك المرض، وإنِ استكبرتَ بعلمك لا تأمنْ أن يُسلبَ منك لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. ومن لُطْف الله بالخَلْق ورحمته بهم أنْ يكون له وحده الكبرياء،

стр. 12445

وله وحده سبحانه التكبُّر والعظمة، ويعلنها الحق ﵎: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته جهنم» . والحق ﵎ لا يجعلها جبروتاً على خَلْقه، إنما يجعلها لهم رحمة؛ لأن الخَلْق منهم الأقوياء والفُتوات والأغنياء. . حين يعلمون أن لله تعالى الكبرياء المطلق يعرف كل منهم قدره (ويرعى مساوى) ، فالله هو المتكبر الوحيد، ونحن جميعاً سواء. لذلك يقول أهل الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) وحين يكون في البلد كبير يخاف منه الجميع لا يجرؤ أحد أنْ يعتديَ على أحد في وجوده، إنما إنْ فُقِد هذا الكبير فإن القوي يأكل الضعيف. إذن: فالكبرياء من صفات الجلال لله تعالى أنْ جعلها الله لنفع الخَلْق. ولو تصورنا التكبر مِمَّنْ يملك مؤهلاته، كأن يكون قوياً، أو يكون غنياً. . إلخ فلا نتصور الكبر من الضعيف أو من الفقير؛ لذلك جاء في الحديث: «أبغض ثلاثاً وبغضي لثلاث أشد، أبغض الغني المتكبر وبُغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشدّ، وأبغض الشاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشد» . وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ٢١] عتوا: بالغوا في الظلم والتحدي وتجاوزوا الحدود، وكأن هذا غير كافٍ في وصفهم،

стр. 12446

فأكّد العُتُو بالمصدر (عتواً) ثم وصف المصدر أيضاً ﴿عُتُوّاً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ٢١] لماذا كل هذه المبالغة في التعبير؟ قالوا: لأنهم ما عَتَوْا بعضهم على بعض، إنما يتعاتون على رسول الله، بل وعلى الله ؛ لذلك استحقُّوا هذا الوصف وهذه المبالغة. والعاتي الذي بلغ في الظُّلم الحدَّ مثل الطاغوت الذي إنْ خاف الناس منه انتفش، وتمادى وازداد قوة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨] ومعلوم أن الكِبَر ضعف، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] فكيف إذن يصف الكبر بأنه عَاتٍ؟ قالوا: العاتي هو القوي الجبار الذي لا يقدر أحد على صَدِّه أو رَفْع رأسه أمامه، وكذلك الكِبَر على ضَعْفه، إلا أنه لا توجد قوة تطغى عليه فتمنعه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة﴾

стр. 12447

يتحدث الحق ﵎ عن هؤلاء الذين اقترحوا على رسول الله الآيات وطلبوا أن تنزل معه الملائكة فيرونها، وتشهد لهم بصدقه ﷺ َ، فيقول لهم سبحانه: أنتم تشتهون أنْ تروْا الملائكة، فسوف تروْنها لكن في موقف آخر، ليس موقف البُشْريات والخيرات، إنما في موقف الخزي والندامة والعذاب: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]

стр. 12448

فسوف ترونهم رؤيا الفزع والخوف عندما يأتون لقبْض أرواحكم، أو سترونْهَم يوم القيامة يوم يُبشِّرونكم بالعذاب. يوم يستقبلون المؤمنين: ﴿بُشْرَاكُمُ اليوم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الحديد: ١٢] فيستشرف الكفار لسماع هذه الكلمة لكن هيهات ﴿لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] فيمنعون عنهم هذه الكلمة المحبّبة التي ينتظرونها، ويقابلونهم بكلمة أخرى تناسبهم. يقولون لهم: ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] والحِجْر: المنع، ومنه: نحجر على فلان يعني: نمنعه من التصرُّف. وقديماً كانوا يقولون في دفع الشر: حِجْراً محجوراً يعني: منعاً، ومثل ذلك ما نسمعهم يقولون إذا ذُكِرَ الجن: حابس حابس يعني: ابتعد عني لا تقربني. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾

стр. 12449

حين تنظر في غير المؤمنين تجد من بينهم أهلاً للخير وعمل المعروف، ومنهم أصحاب مَلَكات طيِّبة، كالذين اجتمعوا في حلف الفضول لنصْرة المظلوم، وكأهل الكرم وإطعام الطعام، ومنهم مَنْ كانت له قِدْر عظيمة استظلْ رسول الله في ظلها يوم حر قائظ، وهذا يعني أنها كانت كبيرة واسعة منصوبة وثابتة كالبناء، كان يُطْعم منها الفقراء والمساكين، وحتى الطير والوحوش، وما زِلْنا حتى الآن

стр. 12450

نضرب المثل في الكرم بحاتم الطائي. وكان منهم مَنْ يصل الرحم ويغيث الملهوف. . الخ. لكن هؤلاء وأمثالهم عملوا لجاه الدنيا، ولم يكُنْ في بالهم إله يبتغون مرضاته، والعامل يأخذ أجْره ممَّنْ عمل له، كما جاء في الحديث القدسي: «فعلت ليقال، وقد قيل» . والحق ﵎ يُوضِّح هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [النور: ٣٩] . وقال تعالى أيضاً: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] . فقد عمل هؤلاء أعمالَ خير كثيرة، لكن لم يكُنْ في بالهم الله، إنما عملوا للإنسانية وللشهرة وليُقال عنهم؛ لذلك نراهم في رفاهية من العيش وسَعة مُمتَّعين بألوان النعيم، لماذا؟ لأنهم أخذوا الأسباب المخلوقة لله تعالى، ونفّذوها بدقة، والله ﵎ لا يحرم عبده ثمرةَ مجهوده، وإنْ كان كافراً، فإنْ ترك العبدُ الأسبابَ وتكاسل حرَمه الله وإنْ كان مؤمناً. وفَرْق بين عطاءات الربوبية التي تشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وبين عطاءات الألوهية. فمن الكفار مَنْ أحسن الأَخْذ بالأسباب، فاخترعوا أشياء نفعتْ الإنسانية، وأدوية عالجتْ كثيراً من الأمراض. ولا بُدَّ أن يكون لهم

стр. 12451

جزاء على هذا الخير، وجزاؤهم أخذوه في الدنيا ذِكْراً وتكريماً وتخليداً لذِكْراهم، وصُنِعت لهم التماثيل وأُعْطوا النياشين، وأُلِّفتْ في سيرتهم الكتب، كأن الله تعالى لم يجحدهم عملهم، ولم يبخسهم حقهم. ألاَ ترى أن أبا لهب الذي وقف من رسول الله موقِفَ العداء حتى نزل فيه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١٢] ومع ذلك يُخفِّف الله عنه العذاب؛ لأنه أعتقَ جاريته ثويبة حينما بشَّرته بميلاد محمد بن عبد الله؛ لأنه فرح بهذه البُشْرى وأسعده هذا الخبر. ومن العجيب أن هؤلاء يقفون عند صناعات البشر التي لا تعدو أن تكون تَرَفاً في الحياة، فيُؤرِّخون لها ولأصحابها، وينسون خالق الضروريات التي أعانتهم على الترقِّي في كماليات الحياة وترفها. وكلمة ﴿هَبَآءً﴾ [الفرقان: ٢٣] : الأشياء تتبين للإنسان، إما لأن حجمها كبير أو لأنها قريبة، فإنْ كانت صغيرة الحجم عزَّتْ رؤيتها، فمثلاً يمكنك رؤية طائرة أو عصفور إنْ طار أمامك أو حتى دبور أو نحلة، لكن ما لو طارتْ أمامك بعوضة لا تستطيع رؤيتها. إذن: الشيء يختفي عن النظر لأنه صغير التكوين، لا تستطيع العين إدراكه؛ لذلك اخترعوا المجاهر والتليسكوب. وقد يكون الشيء بعيداً عنك فلا تراه لبُعده عن مخروطية

стр. 12452

الضوء؛ لأن الضوء يبدأ من نقطة، ثم يتسع تدريجياً على شكل مخروط، كما لو نظرتَ من ثُقْب الباب الذي قُطْره سنتيمتر فيمكن رؤية مساحة أوسع منه بكثير. إذن: إنْ أردتَ أن ترى الصغير تُكبِّره، وإنْ أردتَ أنْ ترى البعيد تُقرِّبه. والهباء: هو الذرّات التي تراها في المخروط الضوئي حين ينفذ إلى حجرتك، ولا تراها بالعين المجرّدة لدِقّتها، وهذا الهباء الذي تراه في الضوء ﴿هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] يعني: لا تستطيع أنْ تجمِّعه؛ لأنه منتشر وغير ثابت، فمهما أوقفتَ حركة الهواء تجدْه في الضوء يتحرك لِصِغَر حجمه. فإنْ قلتَ: نراهم الآن يصنعون (فلاترَ) لحجز هذا الهباء فتُجمّعه وتُنقِّي الهواء منه، وهي على شكل مَسامّ أسفنجية يعْلَق بها الهباء، فيمكن تجميعه. نقول: حتى مع وجود هذه الفلاتر، فإنها تجمع على قَدْر دِقّة المسامّ، وتحجز على قَدْرها، وعلى فَرْض أنك جمعتَه في هذا الفلتر، ثم أفرغته وقُلتْ لي: هذا هو الهباء، نقول لك: أتستطيع أنْ ترد كل ذرة منها إلى أصلها الذي طارتْ منه؟

стр. 12453

بعد أن وصف الحق ﵎ ما يؤول إليه عمل الكافرين أراد سبحانه أنْ يُحدِّثنا عن جزاء المؤمنين على عادة القرآن في ذكر المتقابلات التي يظهر كل منها الآخر، وهذه الطريقة في

стр. 12454

التعبير كثيرة في كتاب الله منها: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ [التوبة: ٨٢] . ومنها أيضاً قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣١٤] . وهكذا، ينقلك القرآن من الشيء إلى ضِدّه لتميز بينهما، فالمؤمن في النعيم ينظر إلى النار وحَرِّها، فيحمد الله الذي نجاه منها، وهذه نعمة أخرى أعظم من الأولى. والكافر حين ينظر إلى نعيم الجنة يتحسَّر ويعلم عاقبةَ الكفر الذي حرمه من هذا النعيم، فيكون هذا أبلغَ في النكاية وأشد في العذاب؛ لذلك قالوا: وبضدِّها تتميز الأشياء. وقوله سبحانه: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] صاحب الشيء: المرافق له عن حُبَّ، فكأن الجنةَ تعشَق أهلها وهم يعشقونها، فقد نشأت بينهما محبة وصُحْبة، فكما تحب أنت المكان يحبك المكان، وأيضاً كما تبغضه يبغضك. ومنه قولهم: نَبَا به المكان يعني: كَرِهه المكان. وكلمة ﴿أَصْحَابُ الجنة﴾ [الفرقان: ٢٤] تدل أيضاً على الملكية؛ لأنهم لن يخرجوا منها، وهي لن تزول ولن تنتهي. وكلمة ﴿خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ٢٤] قلنا: إنها تُستعمل استعمالين: خير يقابله شرّ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧٨] وقوله تعالى: ﴿أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ [البينة: ٧] ... . ﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾ [البينة: ٦] . وهناك أيضاً خير يقابله خير، لكن أقلّ منه، كما لو قلت: هذا خير من هذا، وكما في الحديث الشريف: «المؤمن القوي خير

стр. 12455

وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» . وفي بعض الأساليب لا نكتفي بصيغة (خير) للتمييز بين شيئين، فنقول بصيغة أفعل التفصيل: هذا أَخْبر من هذا. وكلمة ﴿مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] المستقر: المكان الذي تستقر أنت فيه، والإنسان لا يُؤْثِر الاستقرار في مكان عن مكان آخر، إلا إذا كان المكان الذي استقر فيه أكثرَ راحةً لنفسه من غيره، كما نترك الغرفة مثلاً في الحرِّ، ونجلس في الحديقة أو الشُّرْفة. ومن ذلك نقول: إذا ضاقتْ بك أرض فاتركها إلى غيرها، على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٠٠] . ويقول الشاعر: لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بلاَدٌ بأهْلِهَا ... وَلكِنَّ أخْلاقَ الرجَالِ تَضِيقُ ومعنى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] المقيل: هو المكان الذي كانت تقضي فيه العرب وقت القيلولة، وهي ساعة الظهيرة حين تشتدّ حرارة الشمس، ونسميها في العامية (القيالة) ويقولون لمن لا يستريح في هذه الساعة: العفاريت مِقيّلة!! لكن أَفِي الجنة قيلولة وليس فيها حَرٌّ، ولا برد، ولا زمهرير؟

стр. 12456

قالوا: القيلولة تعني محلّ فراغ الإنسان لخاصة نفسه، أَلا ترى أن الحق ﵎ حينما ذكر أوقات الاستئذان في سورة النور جعل منها هذا الوقت، فقال سبحانه: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظهيرة﴾ [النور: ٥٨] فأمر الصغار أن يستأذنوا علينا في هذا الوقت؛ لأنه من أوقات العورة. إذن: المستقر شيء، والمقيل للراحة النفسية الشخصية شيء آخر، لأنك قد تستقر في مكان ومعك غيرك، أمَّا المقيل فمكان خاصّ بك، إذن: لك في الجنة مكانان: عام وخاص؛ لذلك قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قالوا: جنة عامة وجنة خاصة، كما يكون لك مكان لاستقبال الضيوف، ومكان لخاصّة نفسك وأهلك. ويقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾

стр. 12457

وقد سبق منهم أنْ طلبوا من الله أنْ ينزل عليهم ملائكة، فها هي الملائكة تنزل عليهم كما يريدون، لكن في غير مسرّة لكم، ولا إجابة لسؤال منكم. والسماء: هي السقف المرفوع فوقنا المحفوظ الذي ننظر إليه، فلا نرى فيه فطوراً ولا شروخاً، ولك أن تنظر إلى السماء حال صفائها، وسوف تراها ملساء لا نتوءَ فيها، ولا اعوجاج على اتساعها هذا وقيامها هكذا بلا عَمَد.

стр. 12458

لذلك يدعوك الحق ﵎ إلى النظر والتأمل، يقول لك: لن نغشك. . انظر في السماء وتأمل: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] . والسماء التي تراها فوقك على هذه القوة والتماسك لا يُمسكها فوقك إلا الله، كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] . ويقول تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] إذن: هناك إذْن للسماء أن تقع على الأرض، وأنْ تتشقق وتتبدل، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] . ويقول تعالى عن تشقُّق السماء في الآخرة: ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١٢] . معنى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الانشقاق: ٢] يعني: استمعتْ وأطاعتْ بمجرد الاستماع. وهنا يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] أي: تنشقّ وينزل من الشقوق الغمام، وقد ذُكِر الغمام أيضاً في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة﴾ [البقرة: ٢١٠] . وقوله تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] يدل على قوة النزول ليباشروا عملية الفصل في موقف القيامة.

стр. 12459

إنْ كانت الدنيا يُملِّك اللهُ فيها بعض خَلْقه بعض خَلْقه، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ ... ﴾ [آل عمران: ٢٦] وقلنا: فَرْق بين المِلْك والمُلْك: المِلْك كل ما تملك ولو كان حتى ثوبك الذي ترتديه فهو مِلك، أمّا المُلْك فهو أن تملك مَنْ يملك، وهذا يعطيه الله تعالى، ويهبه لمن يشاء من باطن مُلْكه تعالى، كما أعطاه للذي حاجّ خليلَه إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾ [البقرة: ٢٥٨] . هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلا مْلك ولا مُلْك لأحد، فقد سلب هذا كله، والملْك اليوم لله وحده: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . إذن: فما في يدك من مُلْك الدنيا مُلْك غير مستقر، سرعان مان يُسلَب منك؛ لذلك يقول أحد العارفين للخليفة: لو دام الملْك لغيرك ما وصل إليك، فالمسألة ليست ذاتية فيك، فمُلْكك من باطن مُلْك الله تعالى صاحب الملك، وهو الملك الحق، فمُلْكه تعالى ثابت مستقر، لا ينتقل ولا يزول. وإن انتقلتْ الملكية في الدنيا من شخص لآخر فإنها تُجمَع يوم القيامة في يده تعالى، وتجمّع الملْك والسلطة في يد واحدة إنْ كانت ممقوتة عندنا في الدنيا، حيث نكره الاحتكار والدكتاتورية التي تجعل

стр. 12460

السلطة والقهر في يد واحدة، إنْ كانت هذه مذمومة في البشر فهي محمودة عند الله تعالى؛ لأنها تتركز في الدنيا في يد واحد صاحب هوى. أما في الآخرة فهي في يده تعالى، فالرحمة في الدنيا أن يوزع الملْك والسلطان، والرحمة في الآخرة أن تُجمع في يده تعالى: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ [الفرقان: ٢٦] إذن: اجتماع الملْك يوم القيامة لله تعالى من مظاهر الرحمة بنا، فلا تأخذها على أنها احتكار أو جبروت؛ لأنها في يد الرحمن الرحيم. وكأن الحق ﵎ يُطمئنك: لا تقلق، فالملْك يوم القيامة ليس لأحد تخاف أن تقع تحت سطوته، إنما الملك يومئذ الحق للرحمن. والحق: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام ثابتاً لا يتغير فهو لا يتناقض ولا يتعارض، فالرجل إذا كلّمك بكلام له واقع في الحياة وطلبتَ منه أن يعيده لك أعاده ألف مرة، دون أن يُغيّر منه شيئاً، لماذا؟ لأنه يقول من خلال ما يستوحي من الحقيقة التي شاهدها، أمّا إنْ كان كاذباً فإنه لا يستوحي شيئاً؛ لذلك لا بُدَّ أن يختلف قوله في كل مرة عن الأخرى؛ لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً. ومن رحمانيته تعالى أن يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً﴾ [الفرقان: ٢٦] فينبهنا إلى الخطر قبل الوقوع فيه، وهذه رحمة بنا أن ينصحنا ربنا ويعدل لنا، وإلا لو فاجأنا بالعقوبة لكان الأمر صعباً. فإن ذكرت المقابل تقول إنه يسير على المؤمنين، فاحرص أيها الإنسان أن تكون من الميسّر لهم لا من المعسّر عليهم.

стр. 12461

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾

стр. 12462

هذه عدّة أيام ذكرتها هذه الآيات: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] ، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] ، ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق﴾ [الفرقان: ٢٦] ، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] فيوم القيامة جامع لهذا كله. وقلنا: إن الظالم: الذي يأخذ حَقَّ غيره، والحق ﵎ يُوضِّح هذا الظلم بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . لأنهم لا يقدرون على ظُلْم الله تعالى، ولا على ظُلْم النبي ﷺ َ، فكلمة الله ورسوله هي العُلْيا، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، فنِعْم الإله إله يفعل هذا مع مَنْ عصاه. والكافر حتى في مظهرية ظُلْمه للغير يظلم نفسه؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن: لو حقَّق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه. وحين يرى الظالمُ عاقبةَ ظُلْمه، ويعاين جزاء فِعْله يعضُّ على يديْه ندماً وحَسْرة. والعَضُّ: انطباق الفكيْن الأعلى والأسفل على شيء، وللعضِّ مراحل تتناسب مع المُفْزع الذي يُلجىء الإنسانَ له، وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] .

стр. 12463

والأنامل: اطراف الأصابع وعَضُّها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرّض الإنسان لموقف يصعُب عليه التصرف فيه فيعضُّ على أنامله عَضّاً يناسب الموقف والحدث، فإنْ كان الحدث أعظمَ ناسبه أنْ يعضّ يده لا مجرد أصابعه، فإنْ عظم عَضَّ على يديْه معاً كما يحدث لهم في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، والخطأ الذي لا يمكن تداركه؛ لذلك يُعذِّب نفسه قبل أن يأتيه العذاب. فيعضُّ على يديْه معاً، فكأن الأمر المُفْزِع الذي يعاينه بلغ الغاية؛ لذلك عضَّ على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاضّ والمعضوض، ولا يُعذِّب نفسه بهذه الطريقة إلا مَنْ يئس من النجاة. ثم يُبيِّن علة ذلك: ﴿يَقُولُ ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧] وإنْ كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعمّ كل مَنْ فعل هذا، فالعبرة كما يقولون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا جزاء كل ظالم حَادَ عن الجادة. وهذه الآية «نزلت في حدث خاص باثنين: عقبة بن أبي معيط، وكان رجلاً كريماً يُطعم الطعام، وقد دعا مرة رسول الله ﷺ َ إلى طعامه، لكن رسول الله اعتذر له وقال: لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أنْ تشهد أن: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلما شهد

стр. 12464

الرجل الشهادتين زاره رسول الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له: لقد صبوتَ يا عقبة، فقال عقبة: والله ما قلتُ ذلك إلا لأنني أحببتُ أن يأكلَ محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية: فلا يبرئك مني إلا أنْ تذهب إلى محمد في دار الندوة فتطأ عنقة وتبصق. . إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به صاحبه» فنزلت الآية: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ يَقُولُ ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧] والمراد بالسبيل قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم يقول: ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾

стр. 12465

الويل: الهلاك، فهو يدعو الهلاك ويناديه أنْ يحلّ به، والإنسان لا يطلب الهلاك لنفسه إلا إذا تعرّض لعذاب أشدّ من الهلاك، كما قال أحدهم: أَشَدُّ من السّقم الذي يُذهِب السّقما ... وقول الشاعر: كَفَى بِكَ دَاءً أنْ تَرَى الموْتَ شَافِياً ... وحَسْبُ المنَايَا أنْ يكُنَّ أَمَانِيَا فلما كانت المسألةُ أكبر منه وفوق احتماله نادى يا ويلتي احضري، فهذا أوانك لتُخلِّصيني مما أنا فيه من العذاب.
следующие страницы →