← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.

стр. 12461

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾

стр. 12462

هذه عدّة أيام ذكرتها هذه الآيات: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] ، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] ، ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق﴾ [الفرقان: ٢٦] ، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] فيوم القيامة جامع لهذا كله. وقلنا: إن الظالم: الذي يأخذ حَقَّ غيره، والحق ﵎ يُوضِّح هذا الظلم بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . لأنهم لا يقدرون على ظُلْم الله تعالى، ولا على ظُلْم النبي ﷺ َ، فكلمة الله ورسوله هي العُلْيا، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، فنِعْم الإله إله يفعل هذا مع مَنْ عصاه. والكافر حتى في مظهرية ظُلْمه للغير يظلم نفسه؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن: لو حقَّق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه. وحين يرى الظالمُ عاقبةَ ظُلْمه، ويعاين جزاء فِعْله يعضُّ على يديْه ندماً وحَسْرة. والعَضُّ: انطباق الفكيْن الأعلى والأسفل على شيء، وللعضِّ مراحل تتناسب مع المُفْزع الذي يُلجىء الإنسانَ له، وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] .

стр. 12463

والأنامل: اطراف الأصابع وعَضُّها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرّض الإنسان لموقف يصعُب عليه التصرف فيه فيعضُّ على أنامله عَضّاً يناسب الموقف والحدث، فإنْ كان الحدث أعظمَ ناسبه أنْ يعضّ يده لا مجرد أصابعه، فإنْ عظم عَضَّ على يديْه معاً كما يحدث لهم في الآية التي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، والخطأ الذي لا يمكن تداركه؛ لذلك يُعذِّب نفسه قبل أن يأتيه العذاب. فيعضُّ على يديْه معاً، فكأن الأمر المُفْزِع الذي يعاينه بلغ الغاية؛ لذلك عضَّ على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاضّ والمعضوض، ولا يُعذِّب نفسه بهذه الطريقة إلا مَنْ يئس من النجاة. ثم يُبيِّن علة ذلك: ﴿يَقُولُ ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧] وإنْ كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعمّ كل مَنْ فعل هذا، فالعبرة كما يقولون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا جزاء كل ظالم حَادَ عن الجادة. وهذه الآية «نزلت في حدث خاص باثنين: عقبة بن أبي معيط، وكان رجلاً كريماً يُطعم الطعام، وقد دعا مرة رسول الله ﷺ َ إلى طعامه، لكن رسول الله اعتذر له وقال: لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أنْ تشهد أن: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلما شهد

стр. 12464

الرجل الشهادتين زاره رسول الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له: لقد صبوتَ يا عقبة، فقال عقبة: والله ما قلتُ ذلك إلا لأنني أحببتُ أن يأكلَ محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية: فلا يبرئك مني إلا أنْ تذهب إلى محمد في دار الندوة فتطأ عنقة وتبصق. . إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به صاحبه» فنزلت الآية: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ يَقُولُ ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧] والمراد بالسبيل قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم يقول: ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾

стр. 12465

الويل: الهلاك، فهو يدعو الهلاك ويناديه أنْ يحلّ به، والإنسان لا يطلب الهلاك لنفسه إلا إذا تعرّض لعذاب أشدّ من الهلاك، كما قال أحدهم: أَشَدُّ من السّقم الذي يُذهِب السّقما ... وقول الشاعر: كَفَى بِكَ دَاءً أنْ تَرَى الموْتَ شَافِياً ... وحَسْبُ المنَايَا أنْ يكُنَّ أَمَانِيَا فلما كانت المسألةُ أكبر منه وفوق احتماله نادى يا ويلتي احضري، فهذا أوانك لتُخلِّصيني مما أنا فيه من العذاب.

стр. 12466

وقوله ﴿لَيْتَنِي﴾ [الفرقان: ٢٨] تَمَنٍّ، والتمنّي طلب أمر محبوب لا سبيلَ إلى حصوله، كما قال الشاعر في التمني: لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو لِي فَأَنظِمَهَا ... عُقودَ مَدْحٍ فَمَا أَرْضَى لكُمْ كَلمِي وهذا أمر لا يمكن أنْ يُنال. وآخر يقول: فيا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوْماً ... فَأُخبرَه بِمَا فعَل المشيبُ فقصارى ما يعطيه أسلوب التمني أنه يدلّ على أمر محبوب، كنت أحب أن يحدث، لكن أيحدث بالفعل؟ لا. وكلمة (فلان) تقولها كناية عن شخص لا تحب حتى ذِكْر اسمه، فعقبة (ابن أبي مُعيط) لم يقل: ليتني لم أتخذ أمية (بن خلف) خليلاً إنما قال (فلاناً) لأنه كاره له يبغض حتى ذكر اسمه. والخليل: من الخُلَّة والمخالَّة يعني: الصداقة المتداخلة المتبادلة وفي ذلك يقول الشاعر: وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جَهْده ... خَليليْنِ ذَابَا لَوْعَةً وعِتَاباَ كأنَّ خَلِيلاً في خِلاَلِ خَلِيلهِ ... تَسرَّب أَثْنَاءَ العِنَاقِ وغَابَا ثم ذكر علة ذلك: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر﴾

стр. 12467

﴿خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٩] صيغة مبالغة من الخذلان، نقول: خاذل وخذول، ومعنى خذلك أي: تخلّى عنك في الأمر بعد أنْ مدَّ لك حبالَ الأمل، فإذا ما جاء وقت الحاجة إليه تخلّى عنك وتركك، كذلك

стр. 12468

الشيطان يفعل بأوليائه، كما جاء في آيات أخرى: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ [الحشر: ١٦] وفي آية أخرى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] . وفي موضع آخر يقول لأتباعه: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . فحين يقولون له: لقد أغويتنا وأضللْتنا يقول لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] لا سلطانَ حجة أقنعكم به ولا سلطان قهر أحملكم به وأقهركم على طاعتي، بل كنتم على (تشويرة) : ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] . ثم يقول الحق سبحانه عن رسوله ﷺ َ: ﴿وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي﴾

стр. 12469

القوم: قوْم الرجل: أهله وعشيرته والمقيمون معه ويجمعهم: إما أرض، وإما دين. وسُمُّوا قَوْماً لأنهم هم الذين يقومون على أمر الأشياء، فهم الرجال خاصة؛ لأن النساء المفروض فيهن السكن والقرار في البيوت. والحق ﵎ يوضح لنا هذا الفرق في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ

стр. 12470

نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] إذن: فالقوم هم الرجال خاصة. ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: وَمَا أدري ولَسْتُ إخَالُ أَدْرِي ... أَقُوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساءُ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هذا القرآن مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: ٣٠] أضاف القوم إليه ﷺ َ لأنه منهم يعرفونه ويعرفون أصْله، وقد شهدوا له بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق قبل أن يُبعثَ، وكان عندهم مؤتمناً على نفائس أموالهم؛ لذل خاطبهم الحق ﵎ بقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . إذن: فالرسول ليس بعيداً عنكم، ولا مجهولاً لكم، فمَنْ لم يؤمن به كرسول ينبغي أنْ يؤمن به كأسْوة وقدوة سلوك لسابق تاريخه فيكم. لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوةً، ولا أنْ يقرأ له قرآناً، أو يُظهِر له معجزة، إنما آمن وصدَّق بمجرد أن قال رسول الله، فما دام قد قال فقد صدق، ليس بمعجزة رآها أبو بكر، إنما برصيده القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخُلُقه، فما كان رسول الله ﷺ َ ليَدع الكذب على الخَلْق، ويكذب على الخالق.

стр. 12471

وكذلك السيدة خديجة: هل انتظرت من رسول الله ما يُثبت نبوته؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدَّقتْ به، ووقفت بجانبه وثبَّتته وهدَّأتْ من روعه، وقالت له: «والله لا يُسلمك الله أبداً، إنك لتصِلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر» . ومعنى: ﴿مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: ٣٠] من الهجر وهو قَطْع الصلة، فإنْ كانت من جانب واحد فهي هَجْر، وإن كانت من الجانبين فهي (هاجراً) . والمعنى: أنهم هجروا القرآن، وقطعوا الصلة بينهم وبينه، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذَّبوا بها، وانقطعوا عن الأحكام حينما عَصَوْها، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجوراً في كل هذه المسائل: العقائد والعبادات والتصديق بالرسول. مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] لمجّدوا القرآن وتمسَّكوا به، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم، وأعْلَى ذِكْرهم بين الأمم، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذتْ لهجتها الخاصة الوطنية، وجعلت منها لغةً لتلاشت العربية كلغة. وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدَّثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئاً، ولولا أن الفُصْحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحتْ كلٌّ منها لغةً خاصة، كما حدث في اللغات اللاتينية

стр. 12472

التي تولدت منها الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة بها، وكانت في الأصل لغة واحدة، إلا أنها لا رابطَ لها من كتاب مقدس. فالحق ﵎ يُنبِّههم إلى أن القرآن فيه ذِكْرهم وشرفهم وعزتهم، وفيه شهرتهم وصيتهم، فالقرآن جعل العرب على كل لسان، ولولاه لذابوا بين الأمم كما ذابتْ قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد. لذلك يقول لهم النبي ﷺ َ: «إنْ تؤمنوا بما جئت به يكُنْ حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليَّ قولي صبرتُ حتى يحكم الله بيني وبينكم» .

стр. 12473

وإذا لم يكُنْ للرسول أعداء، فلماذا جاء؟ لو انتظرنا من الجميع ساعةَ يأتي الرسول أنْ يُصدقوه ويؤمنوا به إذن: فلماذا جاء الرسول؟ لا يأتي الرسول إلى إذا طَمَّ الفساد وعَمّ، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا حدث مرض أو وباء. وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة، وقد جاء الإسلام ليُسوّي بين الناس، ويسلب هؤلاء سيادتهم، فلا بُدَّ أن يقفوا منه موقف العداء، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم. وليس النبي ﷺ َ

стр. 12474

بِدْعاً في ذلك، فما من نبي إلا وكان له أعداء، مع أن الأنبياء السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود. أما رسالة محمد ﷺ َ فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان، ولا بُدَّ أنْ يتناسب العداء إذن مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي ﷺ َ أن يُوطِّن نفسه على ذلك. وكلمة (عدو) من الكلمات التي تُطلق مفردة، وتشمل المثنى والجمع، ومن ذلك قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين﴾ [الشعراء: ٧٧] . وفي سورة الكهف: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] ولم يقل: أعداء. وفي بعض الآيات تأتي بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] فلو كانت قضية لغوية لجاءتْ بصيغة المفرد في كل الآيات. لكن لماذا عدلَ القرآن هنا عن صيغة المفرد إلى صيغة الجمع؟ قالوا: إنْ كانت العداوة من المفرد والمثنى والجمع عداوة واحدة قال: (عدو) بصيغة المفرد لاتحاد سبب العداوة، فإنْ كانت العداوات مختلفة: هذا يعاديك لشرفك، وهذا يعاديك لعلمك، وهذا يعاديك لمالك، فتعددت أسباب العداوة قال (أعداء) أما في مسألة الإيمان واليقين بالنسبة للكافرين فالعداوة واحدة، لكن في أمور الدنيا العداوات متعددة: هذا يعاديك لكذا، وهذا يعاديك لكذا؛ لأنه مخالف لهواه.

стр. 12475

وحينما تحدثنا عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] كلها بصيغة الجمع إلا في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] بصيغة المفرد، لماذا؟ لأن صداقة المؤمنين ينبغي ألاَّ تكون إلا لمعنى واحد، هو الحب لله، وفي الله، لا ينبغي أن يكون لك صديق لكذا وصديق لكذا. وفي ذلك يقول النبي ﷺ َ: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأنْ يحبَّ المرءَ لا يُحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار» . فإذا كان أصدقاؤك يحبونك لله، فهم جميعاً كصديق واحد. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٣١] يعني: كأعدائك الذين اتخذوا القرآن مهجوراً، والذين وقفوا منك موقف التعنت والإيذاء والسخرية. ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١] أي: الذين يُجرِمون يعني: يرتكبون الجرائم، وهي المعاصي والذنوب حَسْب مدلولاتها. الحق ﵎ حينما يكشف لرسوله ﷺ َ حقيقة أعدائه، وأنهم كثيرون، وأنهم مجرمون إنما ليوَطِّن نفسه على ذلك، فلا يُفَاجأ به، ويتحمل أذاهم إنْ أصابوه بسوء. وهذه المسألة كالمصْل والتحصين الذي يعطونه للناس لمواجهة المرض قبل حدوثه، فالحق سبحانه يعطي رسوله المناعة اللازمة لمواجهة أعداء الدعوة.

стр. 12476

لذلك نجد «تشرشل» القائد البريطاني الذي ساس الحرب العالمية الثانية كان يواجه جنوده بالحقائق أفظع مما هي في الواقع ليُوطِّن شعبه على قوة التحمل، وعلى التصدِّي للصعوبات الشديدة، ومهما واجههم من مصاعب قال لهم ما زال هناك المزيد منها، حتى إذا ما حدث ذلك كانوا على استعداد له. وقوله تعالى: ﴿وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان: ٣١] أي: أن الله تعالى سيهديك إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعاً. وسبق أن ذكرنا عن الفاروق عمر ﵁ أنه حينما نزل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] قال: أيُّ جمع هذا؟ يعني تعجب كيف سنهزم هؤلاء ونحن الآن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا؟ ولا نبيت إلا في السلاح، ولا نصبح إلا في السلاح نخاف أن يتخطفنا الناس، فلما وقعتْ بدر وهُزِم المشركون وحُصدت أرواح صناديدهم قال: صدق الله: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] . كيف حدث هذا؟ حدث من هداية الله لرسوله ﷺ َ إلى أسباب النصر، والحق ﵎ ينصر بالشيء وينصر بضده، وقد اجتمع في بدر سادات قريش وأقوياؤها وأغنياؤها وصناديد الكفر بها، حتى قال رسول الله ﷺ َ: «هذه مكة، قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»

стр. 12477

وقد خرجوا جمعياً على حال الاستعداد للحرب، أما المؤمنون فقد كانوا قِلَّة مستضعفين على غير استعداد للحرب، ومع ذلك نصرهم الله. والحق سبحانه يُطمئن رسوله ﷺ َ والمؤمنين معه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣] . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] أي: ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، والحق سبحانه أخبرنا بقضايا، يجب أن تُوجَد أحداث في الحياة والواقع خادمةً لتصديق هذه القضايا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾

стр. 12478

هذا أيضاً أحد الأمور التي يتعلقون بها كي لا يؤمنوا، وكيف يطلبون أن ينزل القرآن جملةً واحدة، وهم لا يطيقون منه آية واحدة؟ لكنه الجدل والسفسطة والإفلاس في الحجة، فاعتراضهم على نزول القرآن مُنَجّماً. إذن: لا غضاضة عندهم في القرآن، وعَيْبه في نظرهم أنه نزل على محمد بالذات، وأنه ينزل مُنجّماً لا جملة واحدة، وكان طاقة الإيمان عندهم تناسب نزول القرآن جملة واحدة!!

стр. 12479

ثم يقول سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] يعني: أنزلناه كذلك مُنجّماً حَسْب الأحوال، والحكمة من ذلك ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف تزلزل، فكلما تعرضْتَ لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسليةً لك وتثبيتاً وَصِلةً بالسماء لا تنقطع. ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان التثبيت مرة واحدة، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت، ولا شكَّ أن الصلة بالسماء تُقوِّي المنهج وتُقوِّي الإيمان. كما أن القرآن لو نزل مرة واحدة، كيف يتسنى لهم أنْ يسألوا عما سألوا عنه مما حكاه القرآن: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا. . إلخ. إذن: نزوله مُنجّماً اقتضاء لحكمة الحق سبحانه ليُعدِّدَ مواقف تثبيتك، لتعدد مواقف الإيذاء لك. ومعنى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٢] أي: أنزلناه مُنجمّاً حَسْب الأحوال، فكلما نزل نجم تمكنتم من حِفْظه وتكراره في الصلاة.

стр. 12480

المَثَل مثل قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] أو قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] والمثل: الأشياء العجيبة التي طلبوها. ولو أجابهم الله لما قالوا لأنكروا قولهم وتنصّلوا منه، كما قال تعالى عن اليهود: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم. أمَا كان فيهم رجل يتنبه لقوْل القرآن، فيحذرهم من هذا القول ليُوقِع

стр. 12481

رسول الله في حرج، ويُظهر القرآن على أنه كذب، ويقول كلاماً يخالف الحقيقة، وعندها، لهم أنْ يقولوا: لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا؟

стр. 12482

﴿الذين﴾ [الفرقان: ٣٤] إجمال الأشخاص معروفين بذواتهم، وقفوا من الرسول موقف العداء، ومنهم مَنْ سبق أن قال: ﴿ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧٢٨] . والحشر: الجمع للحساب، لكن سيُحشَرون على وجوههم؛ لذلك لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله: كيف يمشُون على وجوههم قال ﷺ َ: «الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يُمشيهم على وجوههم» . فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه، ولعله يُجَر جراً، سواء أكان على وجهه أو على شيء آخر، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور هي مناط القدرة المطلقة. والحق ﵎ يُوضِّح هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي

стр. 12483

على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] . إذن: المشْي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء. لكن، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام؟ قالوا: هذا من باب إرخاء العِنَان للخَصْم، وكلمة (العنان) تأتي بكسر العين وفتحها، واللغويون يقولون: هي على وزن ما هي بمعناه، فإنت قصدتَ بها عَنان السماء فهي على وزن سَحَاب، وإن أردتَ بها عِنان الفرس، فهي على وزن لِجَام. وراكب الدابة إنْ أرخى لها العِنان تركها تسير كما تشاء، كذلك الحق ﵎ يُرخِي للخصم العِنان ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب. وقد علَّم الله تعالى رسوله ﷺ َ كيف يردُّ عليهم ويجادلهم الجدل الهادىء بالتي هي أحسن. فحين قالوا عنه مفتر، وعن القرآن مُفترىً ومكذوب ردّ عليهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] . ثم يترقَّى في جدالهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] وفي آية أخرى يرد عليهم: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] . وهل النبي ﷺ َ لا يعرف مَنْ على الهدى ومَنْ على الضلال؟ لا شكَّ أنه إرخاء العِنان للخصم، يقول لهم: أنا وأنتم على طَرَفي نقيض: أنا أقول بإله واحد وأنتم تُكِّذبون قولي، فأنا متناقض معكم في هذه القضية، والقضية لا بُدَّ أن تأتي على شكل واحد، فإمَّا أنا على الهدى، وإمّا أنتم، وأنا لا أدّعي الحق لنفسي.

стр. 12484

إذن: المطلوب أنْ تُعمِلوا عقولكم لِتُميِّزوا مَنْ مِنّا على الهدى ومَنْ منّا على الضلال، وكأن رسول الله يرتضي حكومتهم في هذه المسألة، وما ترك لهم رسول الله الحكمَ إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه، وأنه على الهدى، وأنهم على الضلال. إذن: عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم، وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء بأسلوب عام فقال: (الذين) ولم يقل هؤلاء، بل جاء بالقضية العامة ولم يُواجههم بالجزاء مما يدلّ على التلطف في أمر الدعوة، وهذا نوع من استمالة الخَصْم لنقطع منه شراسة العداء والعناد. لذلك يخاطب الحق ﵎ رسوله ﷺ َ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] كأنك لم تَلِنْ لهم بطبْعك؛ لأن عنادهم وأذاهم كان سيُرغم طبْعك على أن تكون قاسياً معهم ولكن رحمة الله شملتْك فَلِنْتَ لهم ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . هذا يعني أن الداعية لا بُدَّ أن يكون رَحْب الصدر، رَحْب الساحة، ذلك لأنه يُخرِج أهل الضلال عما أَلِفوه إلى شيء يكرهونه، فلا تُخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه، فتجمع عليهم شدتين، إنما تلطَّفْ معهم، كما قال لموسى وهارون عندما أمرهما بدعوة فرعون: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [طه: ٤٤] . لأن الذي بلغ من عناده أنْ يتكبّر لا على المخلوقين أمثاله، إنما يتكبّر على الخالق فيدّعي الألوهية لا بُدَّ أنْ تأتيه بأسلوب ليِّن لطيف. وفي آية أخرى يُعلِّم الحق سبحانه رسوله ﷺ َ كيف يجادل المشركين، فيقول سبحانه: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: ٢٥]

стр. 12485

وهل يُتصوَّر الإجرام من رسول الله؟! وفي المقابل: ﴿وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] مع أن منطق الجدل هنا أن يقول: ولا نُسأل عما تُجرِمون، لكنه نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حَقِّ الآخرين، فهل هناك تلطُّفٌ وترقيق للقلوب فوق هذا؟ الحق ﵎ يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن رسوله ﷺ َ كان حريصاً على إيمان قومه، وأنه لم يدّخِرْ وُسْعاً في سبيل هدايتهم وجَذْبهم إليه؛ لدرجة أنه حمّل نفسه فوق ما يطلبه الله منه، حتى قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] . وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] . يعني: مُهلكٌ نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد عَلِم منه حِرْصاً ورغبة أكيدة في هداية قومه. ومعنى: ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٤] قوله تعالى ﴿شَرٌّ﴾ [الفرقان: ٣٤] ولم يقُلْ أشر؛ لأن معناها: أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضاً من إرخاء العِنان للخصم. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن أقوام الرسل السابقين: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾

стр. 12486

سبق قول الحق ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١] فلا بُدَّ أن يكون لكل نبي أعداء؛ لأنه جاء ليعدل ميزان المكارم الذي تحكم فيه ناس مُستبدون في شراسة، وأهلُ فساد سيُحْرمون من ثمرة هذا الفساد، فطبيعي أنْ يقفوا في وجه الدعوة. لذلك يضرب الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ بعض الأمثال من موكب الرسالات، فيقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ [الفرقان: ٣٥] . كأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد تعرضتَ لمشقة دعوة أُنَاس لا يؤمنون بالإله، أمّا موسى فقد تعرض لدعوة مَن ادعى أنه إله، إذن: هناك مَنْ تحمل كثيراً من المشقات في سبيل الدعوة، لدرجة أن موسى ﵇ رأى نفسه لن يستطيع القيام بهذه المهمة وحده. فنراه وهو النبي الرسول الذي اختاره الله يقول: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] وهذا يعني أن موسى ﵇ يعلم مدى المشقة، وحجم المهمة التي سيقوم بها. فالرسالات السابقة كان الرسول يُبعَث إلى أمته المحدودة في الزمان وفي المكان، ومع ذلك لاقوا المشقات، أما أنت يا محمد فقد أُرسلتَ برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أنْ تقوم الساعة، فلا بُدَّ أن تكون متاعبك مثل متاعب مَنْ سبقوك جميعاً.

стр. 12487

الخطاب في ﴿اذهبآ﴾ [الفرقان: ٣٦] للرسول موسى، وللوزير هارون وقال: ﴿إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ [الفرقان: ٣٦] مع أن فيهم مَنِ ادعى الألوهية استمراراً لإرخاء العِنَان للخَصْم، فقد كذّب فرعون بأن من آيات الله أن يؤمن بإله واحد. ثم كانت النهاية ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ [الفرقان: ٣٦] لأنهم وقفوا من موسى وهارون موقفَ العداء، وقامت بينهما معركة تدخل فيها الحق سبحانه، ودمرهم تدميراً، كأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن فإنْ حادوا عن جادة الحق وأبَوْا أنْ يأتوك طائعين، فسوف تكون نهايتهم كنهاية هؤلاء. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل﴾

стр. 12488

ذكر الحق ﵎ نوحاً بعد موسى ﵉؛ لأن كلاً منهما تميَّز في دعوته بشيء، وتحمَّل كل منهما ألواناً من المشقة، فموسى واجه مَنِ ادعى الألوهية، ونوح أخذ سُلْطة زمنية واسعة انتظمتْ كل الموجودين على الأرض في وقته ولا يعني هذا أنه ﵇ أُرسِل إلى الناس كلهم، إنما كان قومه هم الموجودون على الأرض في هذا الوقت فقد لَبِثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. واقرأ قصته ﵇ في سورة نوح لتقف على مدى معاناته في دعوة قومه طوال هذه الفترة، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وكانت الغَلَبة له في النهاية.

стр. 12489

وأيضاً لأنه ﵇ تعرّض لأمر يتعلق بالبنوة، بُنوّة في المنهج، وبُنوة في النسب، فقد كان ابنه نسباً كافراً، ولم يتمكن من هدايته، ولما قال لربه ﴿إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] قال له: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . فجعل حيثية النفي ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] فالنسب هنا عمل وطاعة، فكأن البنوة للأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب، فابنك الحق مَنْ سار على منهجك، وإنْ لم يكُنْ من دمك. مسألة أخرى نلحظها في الجمع بين موسى ونوح ﵉ في مقام تسلية رسول الله ﷺ َ، فهما يشتركان في ظاهرة كونية تستحق التأمل والنظر، فكل مظاهر الكون التي أمامنا لو حققنا في كل مظهر من مظاهرها بعقل وتُؤدَة ويقين لأمكَننا أن نستنبط منها ما يُثري حياتنا ويُترِفها ويُسعدها. لذلك الحق ﵎ ينعى على الذين يُعرضون عن النظر في آياته، فيقول: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . وسبق أن قلنا: إن كل المخترعات التي رفَّهتْ حياة الناس وأسعدتهم، وقلّلت مجهوداتهم، وقصّرت الوقت عليهم، كانت نتيجة الملاحظة والتأمل في مظاهر الكون كالذي اخترع العجلة والبخار. . إلخ. وهنا نلاحظ أن العلاقة بين موسى ونوح ﵉ أن الله تعالى يُهلِك ويُنجي بالشيء الواحد، فالماء الذي نجَّى موسى هو الماء الذي أغرق فرعون، والماء الذي نجَّى نوحاً هو الماء الذي أغرق

стр. 12490

الكافرين من قومه. فهذا تسلية لرسول الله ﷺ َ، فالله تعالى إنْ أراد الإنجاء يُنجِّي، وإنْ أراد الإهلاك يُهلِك، ولو بالشيء الواحد. ألاَ ترى أن أصحاب موسى حينما رأوا البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فهذه حقيقة وقضية كونية مَنْ يملك ردّها؟ إنما ردها موسى فقال (كَلاَّ) لن نُدرَك، قالها بملء فيه، لا ببشريته، إنما بالربوبية التي يثق في أنها لن تسلمه، ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] . وكذلك كانت مسألة نوح ﵇، لكن بطريقة أخرى، هي السفينة، وفكرة السفينة لم تكُنْ موجودة قبل نوح ﵇، ألم يصادف واحد شجرة مُلْقاة في الماء تطفو على سطحه، ففكّر في ظاهرة الطفو هذه، وكيف أن الشجرة لم تغطس في الماء؛ لقد كان النجارون الماهرون يقيسون كثافة الخشب بأن يُلْقوه في الماء، ثم ينظروا مقدار الغطس منه في الماء، وعليه يعرفون كثافته. هذه الظاهرة التي تنبه لها أرشميدس وبنَى عليها نظرية الأجسام الطافية والماء المُزَاح، وتوصّل من خلالها إلى النقائض، فبها تطفو الأشياء أو تغوص في الماء، إنْ زادت الكثافة يثقل الشيء ويغوص في الماء، وإنْ قلَّتْ الكثافة يطفو. وتلاحظ ذلك إذا رميتَ قطعة نقود مثلاً، فإنها تغطس في الماء، فإنْ طرقتَها حتى جعلتها واسعةَ الرقعة رقيقة، فإنها تطفو مع أن الكتلة واحدة، نعم الكتلة واحدة، لكن الماء المُزَاح في الحالة الثانية أكثر، فيساعد على طفْوها. وقد أراد الحق ﵎ أن يُنبِّه الإنسان إلى هذه الظواهر، ويهديه إلى صناعة السفن التي تحمله في الماء؛ لأن ثلاثة

стр. 12491

أرباع الكرة الأرضية مياه، وقد جعل الله لك وسائل مواصلات في الربع، أَلاَ يجعل لك مواصلات في الثلاثة أرباع، فتأخذ خيرات البحر، كما أخذت خيرات البَرِّ؟ وتأمل أسلوب القرآن: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل﴾ [الفرقان: ٣٧] ومعلوم أنهم كذَّبوا رسولهم نوحاً لا جميع الرسل، قالوا: لأن النبوة لا تأتي بمتعارضات، إنما تأتي بأمور مُتفق عليها؛ لذلك جعل تكذيبَ رسول واحد كتكذيب جميع الرسل. ثم ذكر عاقبة ذلك: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: ٣٧] وكلمة ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] تعني: أن الذي أغرق المكذبين نَجَّى المؤمنين، وإغراق المكذبين أو عملية تردُّ على سخريتهم من نوح، حينما مرُّوا عليه وهو يصنع السفينة: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] . ولم يكن الغرق نهاية الجزاء، إنما هو بدايته، فهناك العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفرقان: ٣٧] وهكذا جمع الله عليهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. ثم يضرب الحق ﵎ لرسوله مثلاً آخر: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾

стр. 12492

إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم، كما قال في موضع آخر: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [الأعراف: ٦٥] . ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ [الاعراف: ٧٣] .

стр. 12493

وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله، ودحر خصومهم والمكذِّبين بهم، كل ذلك ليقول لرسوله ﷺ َ: يا محمد لست بدعاً من الرسل، فإنْ وقف منك قومك موقفَ العناد والتكذيب، فكُنْ على يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١١٧٣] . إنها قضية يطلقها الحق ﵎ لا للتاريخ فقط، ولكن لتربية النفس البشرية، فإنْ أردتَ الغلبة فكُنْ في جند الله وتحت حزبه، ولن تُهزَم أبداً، إلا إذا اختلّتْ فيك هذه الجندية، ولا تنْسَ أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط، فإذا هُزِمْتَ في معركة فعليك أن تنظر عن أيٍّ منهما تخليْتَ. لذلك رأينا في غزوة أحد أن مخالفة الرماة لأمر رسول الله قائد المعركة كانت هي سبب الهزيمة، وماذا لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر الرسول؟ لو انتصروا لَفهِموا أنه ليس من الضروري الطاعة والانقياد لأمر رسول الله. إذن: هذا دليل على وجوب الطاعة، وألاَّ يخرجوا عن جندية الإيمان أبداً خضوعاً وطاعة، ولا تقولوا: إن الرسول بيننا فهو يُربيكم؛ لأنه لن يخلد فيكم.

стр. 12494

وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرس﴾ [الفرقان: ٣٨] الرسّ: هو البئر أو الحفرة، وكانت في اليمامة، ويُسمُّونها الأخدود، وقد ورد ذكرها في سورة البروج. وقد قال سبحانه هنا: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: ٣٨] لم يُرِد الحق سبحانه أنْ يُعدِّد كل الأمم السابقة، واكتفى بذِكْر نماذج منها، وفي مواضع أخرى يجمعهم جملةَ، فيقول تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾

стр. 12495

﴿وَكُلاًّ﴾ [الفرقان: ٣٩] أي: كُلٌّ من المتقدمين ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ [الفرقان: ٣٩] يَعني: لم أدع رسولاً إلا وجئتُ له بالعبرة برسول قبله، أقول له: انظر فيمَنْ سبقك كيف كذَّبه قومه؟ وكيف عاندوه ووقفوا منه هذا الموقف، ومع ذلك كانت له الغلبة عليهم؛ ذلك ليأخذ كُلُّ نبي شحنةَ مناعة وطاقة يصمد بها أمام شدائد الدعوة، فلا يلين، ولا ييأس، وليْكُنْ على يقين أن النهاية له وفي صالحه. ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ [الفرقان: ٣٩] أي: أهلكنا ودمرنا كل من كذَّب الرسل بأنواع مختلفة ومتعددة من ألوان العذاب، فعوقب بعضهم بالصيحة أو الخسف أو الإغراق أو بالريح الصرصر العاتية.

стр. 12496

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية﴾

стр. 12497

هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومَرَاءٍ رآها كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧١٣٨] إذن: فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه. والقرية التي أُمطرتْ مطر السَّوْء هي سدوم قرية قوم لوط ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾ [الفرقان: ٤٠] ألم يشاهدوها في أسفارهم. ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ [الفرقان: ٤٠] كلمة (بَلْ) للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتُثبِت ما بعدها، فالمعنى: أنهم مَرُّوا عليها وشاهدوها، ويَعْرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجُونَ نُشُوراً يعني: لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي الله للحساب، ألم يقولوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] . وعجيبٌ ألاَّ يؤمنَ هؤلاء بالبعْث والحساب، وهم أنفسهم كانوا إذا رأَوْا ظالماً وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في حِلْف

стр. 12498

الفضول مثلاً، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظُلْمه، ثم يردُّون للمظلوم حَقّه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مرُّوا في الدنيا دون عقاب، ودون قصاص؟ أليس من العدل أن تكون لهم دَارٌ أخرى يُحاسبون فيها؟ لذلك كنا نردُّ على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم: لقد عذبتُمْ أعداءكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وأنتقمتُم منهم فما بال الذين سبقوكم ولم تدركوهم؟ أليس من العدل أنْ تعترفوا بيوم جامع يُحاسب فيه هؤلاء؟ ولما قال القائل: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له: إن فلاناً الظالم قد مات، ولم نَرَ فيه شيئاً، فقال: إن وراء هذه الدار داراً يُجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبعد أن عرض الحق ﵎ بعض النماذج من موكب النبوات تسليةً لرسوله ﷺ َ يُبيِّن أن الأمر مع هؤلاء الكفار لن يتوقف عند العِنَاد والتعنّت بمطالب سخيفة، إنما يتعدَّى ذلك إلى محاولة الاستهزاء به والسخرية منه، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾

стр. 12499

(إنْ) نافية بمعنى: ما يتخذونك إلا هُزُواً، ثم ذكر صيغة الاستهزاء: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ [الفرقان: ٤١] وفي موضع آخر قالوا: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كأنه ﷺ َ دون هذه المنزلة، وما دام الرسول في نظرهم دون هذه المنزلة

стр. 12500

فإنهم يريدون شخصاً على مستوى المنزلة، كما قالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . ومعنى هذا أنهم مؤمنون بضرورة وجود إله ورسول ومنهج، وكل اعتراضهم أن تكون الرسالة في محمد بالذات. ثم تناقضون مع أنفسهم، فيقولون: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾
следующие страницы →