Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12671–12710 · переход к 12676.
стр. 12671
هنا يتكلم عن نزع اليد؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ [القصص: ٣٢] .
وهكذا تتكامل لطقات القصة الواحدة، والتي يظنها البعض تكراراً، وليست هي كذلك.
﴿وَنَزَعَ﴾ [الشعراء: ٣٣] يعني: أخرج يده ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] مع أن موسى ﵇ كان آدم اللون يعني فيه سُمْرة، ومع ذلك خرجتْ بيضاء، لها شعاع وبريق يأخذ بالأبصار.
وبمقارنة هذه الآية بآية سورة القصص نجد أنه حذف من آية سورة الشعراء الجيب، وهو فتحة الثوب من أعلى، لا الجيب المتعارف عليه، والذي نضع فيه النقود مثلاً، وكانوا في الماضي
стр. 12672
يجعلون الجيب بداخل ملابس الإنسان، ليكون في مأمن، فإذا أراد الإنسان شيئاً فيه مَدَّ يده من خلال الفتحة العليا للثوب، فسُمِّيتْ جيباً.
стр. 12673
الملأ: هم عليْة القوم، الذين يملأون العيون، ويتصدَّرون المجالس ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] فاتهمه بالسحر ليخرج من ورطته وقال: ساحر لأن موسى لم يمارس هذه المسألة إلا مرة واحدة هي التي أجراها أمام فرعون، لكن الملأ على علم بالسحر وإِلْف له، وعندهم سحارون كثيرون.
وفَرْق بين ساحر وسحَّار: ساحر لمن مارس هذه العملية مرة واحدة، إنما سحَّار مبالغة تدل على أنها أصبحت حِرْفته، مثل ناجر ونجّار، وخائط وخيّاط.
و ﴿عَلِيمٌ﴾ الشعراء: ٣٤] أي: بسحره.
стр. 12674
هنا يستعدي فرعون قومه على موسى، ويُحذرهم أنه سيفسد العامة والدهماء، وتكون له الأغلبية، وتكون له شيعة يناصرونه عليكم حتى يُخرِجكم من أرضكم، وهذا أقلّ ما يُنتظر منه، يريد أن يهيج عليه الملأ من قومه؛ ليكونوا أعداء له يقفون في صَفِّ فرعون.
وعجيب أنْ يقول الفرعون الإله ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] فهذه هي الألوهية الكاذبة التي انحدرتْ إلى مرتبة العبيد، ومتى يأخذ
стр. 12675
الإله رأي عبيده، ويطلب منهم المعونة والمشورة؟ ولو كان إلهاً بحق لكان عنده الحل ولديه الردّ.
فلما نزل فرعون من منزلة الألوهية، وطلب الاستعانة بالملأ من قومه التفتوا إلى كذبه، ووجدوا الفرصة مواتية للخلاص منه، ومما يدل على أن أكثرهم وجمهرتهم كانوا يجارونه على مضض، وينتظرون لحظة الخلاص من قَهْره وكذبه؛ لذلك قالوا: ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾
стр. 12676
﴿أَرْجِهْ﴾ [الشعراء: ٣٦] من الإرجاء وهو التأخير، أي: أخّره وأخاه لمدة ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] ابعث رسلك يجمعون السَّحارين من أنحاء البلاد، ليقابلوا بسحرهم موسى وهارون. والمدائن: جمع مدينة.
стр. 12677
وقال ﴿سَحَّارٍ﴾ [الشعراء: ٣٧] بصيغة المبالغة ﴿عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٧] أي: بفنون السِّحْر وألا عيب السَّحَرة.
стр. 12678
الميقات: أي الوقت المعلوم، وفي آية أخرى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ [طه: ٥٩] وكان يوماً مشهوداً عندهم، ترتدي في الفتيات أبهى حُلَلها، وكان يوم عيد يختارون فيه عروس النيل التي سيُلْقونها فيه، فحدد اليوم، ثم لم يترك اليوم على إطلاقه، إنما حدد من اليوم وقت الضحى ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] .
стр. 12679
وفي لقطة أخرى حدد المكان، فقال: ﴿مَكَاناً سُوًى﴾ [طه: ٥٨] يعني: فيه سوائية، إما باستواء المكان حتى يتمكّن الجميع من رؤية هذه المباراة السحرية، بحيث تكون في ساحة مستوية الأرض، أو يكون مكاناً سواسية متوسطاً بين المدائن التي سيجمع منها السحرة، بحيث لا يكون متطرفاً، يشقّ على بعضهم حضوره.
وهكذا تتكاتف اللقطات المختلفة لترسم الصورة الكاملة للقصة.
ونرى في هذه المشورة حِرْصَ الملأ على إتمام هذا اللقاء، وأن يكون على رؤوس الأشهاد، لأنهم يعلمون أنها ستكون لصالح موسى، وسوف يفضح هذا اللقاءُ كذبَ فرعون في ادعائه الألوهية.
стр. 12680
أي: أخذوا يدعُون الناس، وكأنهم في حملة دعاية وتأييد، إما لموسى من أنصاره الكارهين لفرعون في الخفاء، وإما لفرعون، فكان هؤلاء وهؤلاء حريصين على حضور هذه المباراة.
إننا نشاهد الجمع الغفير من الجماهير يتجمع لمشاهدة مباراة في كرة القدم مثلاً، فما بالك بمباراة بين سحرة مَنْ يدَّعي الألوهية وموسى الذي جاء برسالة جديدة يقول: إن له إلهاً غير هذا الإله؟ إنه حَدَثٌ هَزَّ الدنيا كلها، وجذب الجميع لمشاهدته.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة﴾
стр. 12681
فانظر إلى مسيرة الإله فرعون في رعيته، فالإله الحق يُطْعِم ولا يُطْعم، ويجير ولا يُجَار عليه، الإله الحق يُعطي ولا يأخذ، ولما اجتمع السحرة وهم أبطال هذه المباراة، ويعلمون مدى حاجة فرعون إليهم في هذا الموقف؛ لذلك بادروا بالاتفاق معه والاشتراط عليه: إنْ كنت تُسخِّر الناس في خدتمك دون أجر، فهذه المسألة تختلف، ولن تمر هكذا دون أجر.
وهذا دليل على معرفتهم بفرعون، وأنه رجل (أَكَلْتى) ، لذلك اشترطوا عليه أجراً إنْ كانوا هم الغالبين، ولا ندري فربما جاء آخر يهدد هذه الألوهية، فنحن ندخركم لمثل هذا الموقف.
стр. 12682
هنا يتنازل فرعون عن تعاليه وكبريائه ويذعن لشروط سَحرته، بل ويزيدهم فوق ما طلبوا ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ [الشعراء: ٤٢] فسوف تكونون من خاصتنا، نستعين بكم في مثل هذه الأمور، ولا نستغني عنكم؛ لأنكم الذين حافظتم على باطل ألوهيتنا.
стр. 12683
هنا كلام محذوف، نعرفه من سياق القصة؛ لأن الآية السابقة كان الكلام ما يزال بين فرعون والسحرة، والقرآن يحذف بعض الأحداث اعتماداً على فِطْنة السامع أو القارىء، كما قلنا في قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، حيث قال له: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] .
стр. 12684
ثم قال بعدها: ﴿قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] وحذف ما بين هذين الحدثيْن مما نعلمه نحن من السياق.
وقوله: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] هذه هي الغاية التي انتهى إليها بعد المحاورة مع السحرة.
стр. 12685
فكانت العصىّ والحبال هي آلات سحرهم ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ [الشعراء: ٤٤] بعزة فرعون: هذا قسمهم، وما أخيبه من قسم؛ لأن فرعون لا يُغلَب ولا يُقهر في نظرهم، وسبق أن أوضحنا أن العزة تعني عدم القهر وعدم الغلبة، لكن عزة فرعون عزة كاذبة وأنفة وكبرياء بلا رصيد من حق، وعزة بالإثم كالتي قال الله عنها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] .
وقال تعالى: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١٢] أي: عزة بإثم، وعزة بباطل.
ومنه أيضاً قوله تعالى عن المنافقين: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨] فصدّق القرآن على قولهم
стр. 12686
بأن الأعزَّ سيُخرج الأذلّ، لكن ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وما دام الأمر كذلك فأنتم الأذّلة، وأنتم الخارجون، وقد كان.
ويقال: إن أدوات سحرهم وهي العصيّ والحبال كانت مُجوفة وقد ملئوها بالزئبق، فلما ألقوها في ضوء الشمس وحرارتها أخذتْ تتلاعب، كأنها تتحرك، وهذا من حيل السَّحَرة وألاعيبهم التي تُخيِّل للأعين وهي غير حقيقية، فحقيقة الشيء ثابتة، أمّا المسحور فيخيل إليه أنها تتحرك.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ﴾
стр. 12687
ولم يَأْت إلقاء موسى ﵇ لعصاه مباشرة بعد أن ألقى السحرة، إنما هنا أحداث ذُكِرتْ في آيات أخرى، وفي لقطات أخرى للقصة، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦] .
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صنعوا إِنَّمَا صَنَعُواْ﴾ [طه: ٦٧٦٩] .
هكذا كانت الصورة، فلما خاف موسى ثبَّته ربه، وأيّده بالحق وبالحجة، وتابعه فيما يفعل لحظةً بلحظة؛ ليوجهه وليُعدِّل سلوكه، ويشدّ على قلبه، وما كان الحق ﵎ ليرسله ثم يتخلى عنه، وقد قال له ربه قبل ذلك: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] فالحق سبحانه يعطي نبيه موسى الأوامر، ويعطيه الحجة لتنفيذها، ثم يتابعه بعنايته ورعايته.
стр. 12688
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه نوح: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] .
فحينما تجمع هذه اللقطات تجدها تستوعب الحدث، ويُكمّل بعضها بعضاً، وهذا يظنه البعض تكراراً، وليس هو كذلك.
إذن: جاء إلقاء موسى لعصاه بعد توجيه جديد من الله أثناء المعركة: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩] وهنا: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ومعنى ﴿تَلْقَفُ﴾ [الشعراء: ٤٥] تبتلع وتلتهم في سرعة وقوة، أما السرعة واختصار الزمن والقوة، فتدل على الأخذ بشدة وعُنْف، وفي هذا دليل على أنه خاض المعركة بقوة، فلم تضعف قوته لما رأى من ألاعيب السَّحَرة.
ومعنى ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] من الإفك يعني: قلْب الحقائق؛ لذلك سَمَّوْا الكذب إفْكاً؛ لأنه يقلب الحقيقة ويُغير الواقع.
ومنها ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ [النجم: ٥٣] وهي القرى الظالمة التي أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها.
وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقَلْب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم، فللكلام نِسَبٌ ثلاث: نسبة في الذِّهْن، ونسبة على اللسان، ونسبة في الواقع. فإنْ طابقتْ النسبةُ الكلامية الواقع، فأنت صادق، وإنْ خالفتْه فأنت كاذب.
стр. 12689
وسَمَّى ما يفعله السحرة إفكاً؛ لأنهم يُغيِّرون الحقيقة، ويُخيِّلون للناس غيرها.
стр. 12690
لم يقُل الحق سبحانه: فسجد السحرة، إنما ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة، وأن السجود تَمَّ منهم دون تفكير؛ لأنه أمر فوق إرادتهم، وكأن جلال الموقف وهيبته وروعة ما رَأوْا ألقاهم على الأرض ساجدين لله، صاحب هذه الآية الباهرة؛ لذلك لم يقولوا عندها آمنَّا بربِّ موسى وهارون، إنما قالوا: ﴿قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾
стр. 12691
وحين نتأمل ردَّ فِعْل السحرة هنا نجد أنهم خرُّوا لله ساجدين أولاً، ثم أعلنوا إيمانهم ثانياً، ومعلوم أن الإيمان يسبق العمل، وأن السجود لا يتأتي إلا بعد إيمان، فكيف ذلك؟
قالوا: هناك فَرْق بين وقوع الإيمان، وبين أنْ تخبر أنت عن الإيمان، فالمتأخر منهم ليس الإيمان بل الإخبار به؛ لأنهم ما سجدوا إلا عن إيمان واثق ينجلي معه كل شكٍّ، إيمان خطف ألبابهم وألقاهم على الأرض ساجدين لله، حتى لم يمهلهم إلى أنْ يعلنوا عنه، لقد أعادهم إلى الفطرة الإيمانية في النفس البشرية، والمسائل الفطرية لا علاجَ للفكر فيها.
стр. 12692
وكأن سائلاً سألهم: لِمَ تسجدون؟ قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ العالمين رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧٤٨] .
وقالوا: ربّ موسى وهارون بعد رب العالمين، ليقطعوا الطريق على فرعون وأتباعه أن يقول مثلاً: أنا رب العالمين، فأزالوا هذا اللبْس بقولهم ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] .
ومثال ذلك قول بلقيس عندما رأت عرشها عند سليمان ﵇ لم تقل: أسلمت لسليمان، إنما قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [النمل: ٤٤] فأنا وأنت مسلمان لإله واحد هو الله رب العالمين، وهكذا يكون إسلام الملوك، وحتى لا يظن أحد أنها إنما خضعتْ لسليمان؛ لذلك احتاطتْ في لفظها لتزيل هذا الشك.
стр. 12693
إذن: فهو لا يشك في أن ما رآه السحرة موجب للإيمان، ولا يُشَكّك في ذلك، لكن المسألة كلها ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الشعراء: ٤٩] فما يزال حريصاً على ألوهيته وجبروته، حتى بعد أن كُشِف أمره وظهر كذبه، وآمن الملأ بالإله الحق.
ثم أراد أنْ يبرر موقفه بين دهماء العامة حتى لا يقول أحد: إنه هزم وضاعت هيبته، فقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ [الشعراء: ٤٩] في حين أن القوم يعلمون أن موسى ﵇ لم يجلس طيلة عمره إلى ساحر، لكن فرعون يأخذها ذريعة، لينقذ ما يمكن إنقاذه من مركزه الذي تهدّم، وألوهيته التي ضاعت.
стр. 12694
ثم يُهدِّدهم بأسلوب ينمّ عن اضطرابه، وأنه فقد توازنه، اختلّ حتى في تعبيره، حيث يقول ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] وسوف تدل على المستقبل مع أنه لم يُؤخّر تهديده لهم بدليل أنه قال بعدها: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩] ﴿مِّنْ خِلاَفٍ﴾ [الشعراء: ٤٩] يعني: اليد اليمنى مع الرِّجْل اليُسْرى، أو اليد اليسرى مع الرِّجْل اليمنى.
وقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الشعراء: ٤٩] أوضحه في آية أخرى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] .
فما كان جواب المؤمنين برب العالمين؟ ﴿قَالُواْ لاَ ضَيْرَ﴾
стр. 12695
أي: لا ضررَ علينا إنْ قتلتنا؛ لأن مصير الجميع إلى الموت، لكن إنْ كانت نهايتنا على يديك فوسف نسعد نحن بلقاء ربنا، وتَشْقى أنت بجزاء ربك. كالطاغية الذي قال لعدوه: لأقتلنك فضحك، فقال له: أتسخر مني وتضحك؟ قال: كيف لا أضحك من أمر تفعله بي يُسعدني الله به، وتشقى به أنت؟
إذن: لا ضررَ علينا إنْ قُتِلْنا؛ لأننا سنرجع إلى الله ربنا، وسنخرج من ألوهية باطلة إلى لقاء الألوهية الحقة، فكأنك فعلتَ فينا جميلاً، وأسديتَ لنا معروفاً إذْ أسرعتَ بنا إلى هذا اللقاء، وما تظنه في حقنا شَرٌّ هو عين الخير، لذلك فَهِم الشاعر هذا المعنى، فقال عنه:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلى أَيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصْرعي
стр. 12696
يعني: ما دُمْتُ قد مُتُّ في سبيل الإسلام، فلا يُهم بعد ذلك، ولا أبالي أيّ موتة هي.
والمؤمنون هنا حريصون على أمرين: الأول: نَفْي الضرر؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصحلة، والثاني: التأكيد على النفع الذي سينالونه من هذا القتل.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ﴾
стр. 12697
لأنك أكرهتنا على السحر، وحملْتنا على الكذب، ومكثنا عمراً نعتقد أنك إله، فلعلَّ مبادرتنا إلى الإيمان وكوْننا أولَ المؤمنين يشفع لنا عند ربنا، فيغفر لنا خطايانا، وفي موضع آخر: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ [طه: ٧٣] .
فذكر هناك مسألة الإكراه، وذكر هنا العلة: ﴿أَن كُنَّآ أَوَّلَ المؤمنين﴾ [الشعراء: ٥١] .
стр. 12698
قلنا: الوحي لغةَ: إعلام بخفاء، وشرعاً: إعلام من الله لرسول من رسله بمنهج خير لخَلْقه.
стр. 12699
ومن الوحي المطلق قوله تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ [النحل: ٦٨] .
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] .
فالوحي العام إذن لا نسأل عن الموحِي، أو الموحَى إليه، أو موضوع الوحي، فقد يكون الوحي من الشيطان، والموحَى إليه قد يكون الأرض أو الملائكة أو الحيوان، على خلاف الوحي الشرعي، فهو محدد ومعلوم.
لقد قام فرعون بحملة دعاية لهذه المعركة مع موسى ﵇ وحشد الناس لمشاهدة هذه المباراة، وهذا دليل على أنه قدَّر أنه سيغَلِب، لكن خيَّب الله ظنه، وكانت الجولة لمصلحة موسى ﵇، فآمن السحرة بالله تعالى رب موسى وهارون، فأخذ يهددهم ويتوعدهم، وهو يعلم أنَّ ما رأوْه من الآيات الباهرات يستوجب الإيمان.
ومع ذلك لما غُلِب فرعون وضاعتْ هيبته وجباريته وقاهريته سكت جمهور الناس، فلم ينادوا بسقوطه، واكتفوا بسماع أخبار موسى، وظل هذا الوضع لمدة طويلة من الزمن حدث فيها الآيات التسع التي أنزلها الله ببني إسرائيل.
ومن غباء فرعون أن ينصرف عن موسى بعد أن أصبح له أتباع وأنصار، ولم يحاول التخلص منه حتى لا يزداد أتباعه وتقوى
стр. 12700
شوكته، فكأن مسألة الآيات التسع التي أرسلها الله عليهم قد هَدَّتْ كيانه وشغلته عن التفكير في آمر موسى ﵇.
وهكذا استشرى أمر موسى وأصبحت له إغلبية وشعبية، حتى إن الأقباط أتباع فرعون كانوا يعطفون على أمر موسى وقومه؛ لذلك استعاروا من القبط حُليَّ النساء قبل الخروج مع موسى، ومن هذه الحلي صنع السامري العجل الذي عبدوه فيما بعد.
وهنا يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] وقبل ذلك نبَّهه ربه للخروج بعد أن قتل الرجل: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى قَالَ ياموسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخرج إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ [القصص: ٢٠] .
أما الآن، فالمؤامرة عليه وعلى مَنْ معه من المؤمنين.
ومعنى ﴿أَسْرِ﴾ [الشعراء: ٥٢] الإسراء: المشي ليلاً ﴿إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] يعني: سيتبعكم جنود فرعون ويسيرون خلفكم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدآئن﴾
стр. 12701
الفاء هنا للتعقيب، فوَحْى الله لموسى أن يَسْري ببني إسرائيل تَمَّ قبل أن يبعثَ فرعون في المدائن حاشرين، وكأن الله تعالى يحتاط لنبيه موسى ليخرج قبل أن يهيج فرعونُ الناسَ، ويجمعهم ضد موسى ويُجري لهم ما نسميه نحن الآن (غسيل مخ) ، أو يعلن على موسى وقومه حرب الأعصاب التي تؤثر على خروجهم.
و ﴿حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] من الحشر أي: الجمع، لكن جمع هذه المرة للجنود لا للسحرة، لأنهم هُزِموا في مُباراة السحرة، فأرادوا أنْ يستخدموا سلاحاً آخر هو سلاح الجبروت والتسلُّط والحرب العسكرية، فإنْ فشلت الأولى فلعلّ الأخرى تفلح، لكن الحق ﵎ أخبر نبيه موسى بما يُدبِّر له وأمره بالخروج ببني إسرائيل.
وقَوْل فرعون عن أتباع موسى: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] يريد أن يُهوِّن من شأنهم ويُغري قومه بهم، ويُشجِّعهم على مواجهتهم، لكن مع ذلك يُحذِّرهم من خطرهم، فيقول ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] فأَعِدُّوا لهم العدة، ولا تستهينوا بأمرهم.
стр. 12702
يعني: لا بُدَّ أن نأخذ حذرنا ونحتاط للأمر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ﴾
стр. 12703
أي: لم ينفعه احتياطه، ولم يُجْدِ حذره، فلا يمنع حَذَر من قَدَر ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] أي: بساتين وحدائق ﴿وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] أي: عيون تجري بالماء ﴿وَكُنُوزٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] كانت عندهم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] يعني: عيشة مُتْرفة في سَعَةٍ ورَغَدٍ من الحياة، وخدَم وحَشَم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾
стр. 12704
﴿كَذَلِكَ﴾ [الشعراء: ٥٩] أي: الأمر كما أقول لكم وكما وصفتُ ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] أي: أورثنا هذا النعيم من بعدهم لبني إسرائيل، وهنا قد يسأل سائل: كيف وقد ترك بنو إسرائيل مصر وخرجوا منها، ولم يأخذوا شيئاً من هذا النعيم؟
قالوا: المعنى أورثهم الله أرضاً مثلها، قد وعدهم بها في الشام.
стр. 12705
أي: عند الشروق، وعادةً ما تكون الغارة على الجيش عند الصباح، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٧] .
وعادةً ما يقوم الإنسان من النوم كسولاً غير نشيط، فكيف بمَنْ هذه حاله إِن التقى بعدوه؟
стр. 12706
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا تراءا الجمعان﴾
стр. 12707
معنى: ﴿تراءا الجمعان﴾ [الشعراء: ٦١] أي: صار كل منهما يرى الآخر، وحدثتْ بينهما المواجهة، وعندها ﴿قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فالحال أن البحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فلا مناصَ ولا مهرب، لكن موسى ﵇ وقد سبق أن تعلم كلمة (كلا) من ربه تعالى، حينما قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] فردّ عليه ربه: ﴿كَلاَّ﴾ [الشعراء: ٦٢] عندها تعلَّمها موسى، وعرف كيف ومتى يقوله قَوْلةَ الواثق بها.
стр. 12708
لكن كيف يقول موسى ﵇ هذه الكلمة (كلا) بملء فِيهِ، والأمر بقانون الماديات أنه عُرْضة لأنْ يُدْرَك قبل أن يكملها؟
والإجابة في بقية الآية: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فلم يقُلْ موسى: كَلاّ اعتماداً على قوته واحتياطه للأمر، إنما قالها اعتماداً على ربه الذي يكلؤه بعينه، ويحرسه بعنايته.
فالواقع أنني لا أعرف ماذا أفعل، ولا كيف أتصرف، لكن الشيء الذي أثق منه ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] لذلك يأتي الفرج والخلاص من هذا المأزق مباشرة: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى﴾
стр. 12709
ذلك لأن البحر هو عائقهم من أمامهم، والبحر مياه لها قانونها الخاص من الاستطراق والسيولة، فلما ضرب موسى بعصاه البحر انفلق وانحصر الماء على الجانبين، كل فِرْقٍ أي: كل جانب كالطودْ يعني الجبل العظيم.
لكن بعد أن صار الماء إلى ضِدِّه وتجمّد كالجبل، وصنع بين الجبلين طريقاً، أليس في قاع البحر بعد انحسار الماء طين ورواسب وأوحال وطمي يغوص فيها الإنسان؟
إننا نشاهد الإنسان لا يكاد يستطيع أن ينقل قدماً إذا سار في وحل إلى ركبتيه مثلاً، فما بالك بوحْل البحر؟
لذلك قال له ربه: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: ٧٧] .
فالذي جعل الماء جبلاً، سيجعل لك الطريق يابساً.
والحق ﵎ لم يُبيِّن لنا في انفلاق البحر، إلى كَمْ فلقة انفلق، لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط، بحيث يمر كل سَبْط من طريق.
وفي لقطة أخرى من القصة أراد موسى ﵇ أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته، فيسُدُّ الطريق في وجه فرعون وجنوده على حَدِّ تفكيره كبشر، لكن الحق ﵎ نهاه عن ذلك: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٣٢٤] .
стр. 12710
اتركه على حاله ليُغري الطريق اليابس فرعون وجنوده، لذلك قال سبحانه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين﴾
следующие страницы →