← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12706–12745 · переход к 12711.

стр. 12706

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا تراءا الجمعان﴾

стр. 12707

معنى: ﴿تراءا الجمعان﴾ [الشعراء: ٦١] أي: صار كل منهما يرى الآخر، وحدثتْ بينهما المواجهة، وعندها ﴿قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فالحال أن البحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فلا مناصَ ولا مهرب، لكن موسى ﵇ وقد سبق أن تعلم كلمة (كلا) من ربه تعالى، حينما قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] فردّ عليه ربه: ﴿كَلاَّ﴾ [الشعراء: ٦٢] عندها تعلَّمها موسى، وعرف كيف ومتى يقوله قَوْلةَ الواثق بها.

стр. 12708

لكن كيف يقول موسى ﵇ هذه الكلمة (كلا) بملء فِيهِ، والأمر بقانون الماديات أنه عُرْضة لأنْ يُدْرَك قبل أن يكملها؟ والإجابة في بقية الآية: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فلم يقُلْ موسى: كَلاّ اعتماداً على قوته واحتياطه للأمر، إنما قالها اعتماداً على ربه الذي يكلؤه بعينه، ويحرسه بعنايته. فالواقع أنني لا أعرف ماذا أفعل، ولا كيف أتصرف، لكن الشيء الذي أثق منه ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] لذلك يأتي الفرج والخلاص من هذا المأزق مباشرة: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى﴾

стр. 12709

ذلك لأن البحر هو عائقهم من أمامهم، والبحر مياه لها قانونها الخاص من الاستطراق والسيولة، فلما ضرب موسى بعصاه البحر انفلق وانحصر الماء على الجانبين، كل فِرْقٍ أي: كل جانب كالطودْ يعني الجبل العظيم. لكن بعد أن صار الماء إلى ضِدِّه وتجمّد كالجبل، وصنع بين الجبلين طريقاً، أليس في قاع البحر بعد انحسار الماء طين ورواسب وأوحال وطمي يغوص فيها الإنسان؟ إننا نشاهد الإنسان لا يكاد يستطيع أن ينقل قدماً إذا سار في وحل إلى ركبتيه مثلاً، فما بالك بوحْل البحر؟ لذلك قال له ربه: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: ٧٧] . فالذي جعل الماء جبلاً، سيجعل لك الطريق يابساً. والحق ﵎ لم يُبيِّن لنا في انفلاق البحر، إلى كَمْ فلقة انفلق، لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط، بحيث يمر كل سَبْط من طريق. وفي لقطة أخرى من القصة أراد موسى ﵇ أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته، فيسُدُّ الطريق في وجه فرعون وجنوده على حَدِّ تفكيره كبشر، لكن الحق ﵎ نهاه عن ذلك: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٣٢٤] .

стр. 12710

اتركه على حاله ليُغري الطريق اليابس فرعون وجنوده، لذلك قال سبحانه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين﴾

стр. 12711

أي: قرّبناهم من منتصف البحر، ثم أطبقه الله عليهم حين أمر الماء أن يعود إلى سيولته وقانون استطراقه، وهكذا يُنجِّي الله ويُهلِك بالشيء الواحد و ﴿الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] يعني: قوم فرعون، و ﴿ثَمَّ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: هناك وسط البحر. وللعصا مع موسى ﵇ تاريخ طويل منذ أن سأله ربه ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [طه: ١٧] فأخبر بما يعرفه عنها ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] . وقوله ﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ [طه: ١٨] لا تعني كما يظن البعض أنها مجرد الإشارة بها إلى الغنم أو ضربها، فأهشُّ تعني أضرب بها أوراقَ الشجر لتتساقط، فتأكلها الأغنام الصغار التي لا تطول أوراقَ الشجر، أو الكبار التي أكلتْ ما طالته أعناقها وتحتاج المزيد. ولما وجد موسى نفسه قد أطال في هذا المقام قال ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] كأنْ أدافع بها عن نفسي ليلاً، إنْ تعرَّض لي كلب أو ذئب مثلاً، أو أغرسها في الأرض وأُلقي عليها بثوبي لأستظلَّ به وقت القيلولة، أو أجعلها على كتفي وأُعلِّق عليها متاعي حين أسير. . الخ. هذه مهمة العصا كما يراها موسى ﵇ لكن للعصا مهمة أخرى لا يعلمها، فهي حُجّته وآية من الآيات التي أعطاه الله،

стр. 12712

فبها انتصر في معركة الحجة مع السَّحَرة، وبها انتصر في معركة السلاح حين ضرب بها البحر فانفلق. ومن العجيب في أمر العصا أن يضرب بها البحر، فيصر جبلاً، ويضرب بها الحجر فينفجر بالماء، وهذه آيات باهرات لا يقدر عليها إلا الله . لذلك جعلوا عصا موسى حجة ودليلاً وعَلَماً على الانتصار في كل شيء، فلما كان الخصيب والياً على مصر، وتمرد عليه بعض قُطَّاع الطرق، وكانت لديه القوة التي قهرهم بها، لذلك قال: فَإِنْ يَكُ بَاقٍ إِفْكُ فِرْعوْنَ فيكُمْ ... فَإنَّ عَصَا مُوسَى بكَفِّ خَصِيبِ وفي هذا المعنى يقول شاعر آخر: إذَا جَاءَ مُوسَى وأَلْقَى العَصَا ... فَقَدْ بَطُلَ السِّحْرُ والسَّاحِرُ إذن: صارتْ عصا موسى ﵇ مثَلاً وعَلَماً للغَلبة في أيِّ مجال من مجالات الحياة.

стр. 12713

فقد حُسِمتْ هذه المعركة لصالح موسى ومَنْ معه دون إراقة دماء، ودون خسارة جندي واحد، في حين أن المعارك على فرض الانتصار فيها لا بُدَّ أن تكون لها نسبة خسائر في الأرواح وفي العَتَاد، أما هذه فلا.

стр. 12714

أي: بنفس السبب الذي أنجى الله به موسى وقومَه أهلك فرعون وقومه؛ لأنه وحده سبحانه القادر على أن يُنجِي، وأنْ يُهلِك بالشيء الواحد.

стр. 12715

قوله سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشعراء: ٦٧] أي: فيما حدث ﴿لآيَةً﴾ [الشعراء: ٦٧] وهي الأمر العجيب الذي يخرج عن المألوف وعن العادة، فيثير إعجاب الناس، ويستوجب الالتفات إليه والنظر فيه، والآية تُقنِع العقل بأن الله هو مُجْريها على يَدَيْ موسى، وتدل على صِدْق رسالته وبلاغة عن الله، وإلا فهي مسألة فوق طاقة البشر. ومع ذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧] أي: أن المحصلة النهائية للذين آمنوا كانوا هم القلة مع هذه الآيات، حتى الذين آمنوا مع موسى ﵇ واتبعوه وأنجاهم الله من آل فرعون ومن الغرق، سرعان ما تراجعوا وانتكسوا، كما يحكي القرآن عنهم: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَآئِيلَ البحر فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . سبحان الله، لقد كفروا بالله، وما تزال أقدامهم مُبتلَّة من عبور البحر، وما زالوا في نَشوة النصر وفرحة الغلبة!!

стр. 12716

أي: بعد ما مرّ من حيثيات فإن الله تعالى هو العزيز، أي: الذي

стр. 12717

لا يُغلَب ولا يُقهَر، إنماهو الغالب وهو القاهر، فهو سبحانه يغلِب ولا يُغلب، ويُطعِم ولا يُطعَم، ويُجير ولا يُجار عليه. ومع عِزته سبحانه وقوته بحيث يغلب ولا يُغلب هو أيضاً ﴿الرحيم﴾ الشعراء: ٦٨] لأنه رب الخَلْق أجمعين، يرحمهم إنْ تابوا، ويقبلُهم إنْ رجعوا إلى ساحته، كما جاء في الحديث الشريف: «لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» .

стр. 12718

جاءت هذه الآية بعد الانتهاء في إيجاز مُبسّط لقصة موسى ﵇ مع فرعون، وخُتمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ٦٧٦٨] . ثم تكلم الحق سبحانه عن نبيه إبراهيم ﵇ ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] مما يدل على أن المسألة في القرآن ليست سَرْداً للتاريخ، فإبراهيم كان قبل موسى، ولو أردنا التأريخ لجاءت قصة إبراهيم أولاً، إنما الهدف من القصص في القرآن التقاط مواضع العِبْرة والعِظَة واتخاذ الأُسوة من تاريخ الرسل، ليُثبِّت الله بها فؤاد رسوله ﷺ َ حينما يواجه الأحداث الشاقة والعصيبة. والمتأمل في رسالة موسى ورسالة إبراهيم عليهما السلام

стр. 12719

يجد أن موسى جاء ليعالج مسألة هي قمة العقيدة، ويواجه مَنِ ادّعى الألوهية وقال: إني إله من دون الله، أما إبراهيم فقد عالج مسألة الشرك مع الله وعبادة الأصنام، فعندهم طَرَف من إيمان، بدليل أنهم إذا ضيّقنا عليهم الخناق قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] . لذلك كانت قصة موسى أَوْلَى بالتقديم هنا. ومعنى: ﴿واتل عَلَيْهِمْ﴾ [الشعراء: ٦٩] أي: اقرأ، أو وضِّح، أو عبِّر، ونقول للقراءة (تلاوة) لأنه لا يُتلَى إلا المكتوب المعلوم المفهوم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [الشعراء: ٦٩] على أمة الدعوة كلها، أَمْ على المكذبين خاصة؟ قالوا: على المكذِّبين خاصة؛ لأن المصدِّقين برسول الله لا يحتاجون هذه التلاوة، وإنْ تُليَتْ عليهم فإنما التلاوة للتذكرة أو لعلم التاريخ. إذن: المراد هنا المكذِّبون المنكرون ليعلموا أن نهاية كل رسل الله في دعوتهم النصر والغلبة، وأن نهاية المكذبين المخالفين الهزيمة والاندحار. فكأن القرآن يقول لهم: لا تغتروا بقوتكم، ولا بجاهكم، ولا تنخدعوا بسيادتكم على العرب، ومعلوم أن مكانة قريش بين العرب إنما أخذوها من خدمة بيت الله الحرام، وما أَمِنُوا في طرق تجارتهم إلاَّ بقداسة بيت الله وحُرْمته. ولولا البيت ما كان لقريش كل هذه المكانة، بدليل قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ [قريش: ١٢] . ولو انهدم البيت في قصة الفيل ما كان لقريش سيادة ولا سيطرة

стр. 12720

على الجزيرة العربية، وما دام أن الله تعالى فعل معهم هذا ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣٤] . ومعنى ﴿نَبَأَ﴾ [الشعراء: ٦٩] أي: الخبر الهام الذي يجب أنْ يُقال، ويجب أنْ يُنصتَ له، وأنْ تُؤخَذ منه عِبْرة وعِظة، فلا يُقال (نبأ) للخبر العادي الذي لا يُؤبَهُ له. ولو تتبعتَ كلمة (نبأ) في القرآن لوجدتها لا تُقَال إلا للأمر الهام، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم﴾ [النبأ: ١٢] . وقوله تعالى في قصة سليمان ﵇ والهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] . إذن: ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] يعني: الخبر الهام عنه. وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذي مدحه ربه مدحاً عظيماً في مواضع عدة من القرآن، فقال الحق سبحانه عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ [النحل: ١٢٠] . والأمة لا تُطلَق إلا على جماعة تنتسب إلى شيء خاص، ويجمعهم مكان وزمان وحال. كذلك رسول الله ﷺ َ، فقد أضفى الله عليه كمالات من صفات كماله لا يستطيع بشر أن يتحملها. لذلك جاء في الحديث الشريف: «الخير فِيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة» .

стр. 12721

الخير فيَّ حصراً، الخير على عمومه، وفي كل جوانب شخصيته: داعيةً وأباً وزوجاً. . الخ وخصال الخير من شجاعة، وحِلْم، وعِلْم، وكرم. . ألخ. وكذلك الخير في أمتي منثورٌ بين أفرادها، يأخذ كل منهم من الخير بطرف، وله منه نصيب، لكن لا أحدَ يستطيع أن يجمع الكمال المحمدي أبداً، ولا أن يتصف به. كذلك كان سيدنا إبراهيم ﵇ (أمة) ؛ لأن خصال الخير تُوزَّع على أفراد الأمة: هذا ذكى، وهذا حليم، وهذا عالم، وهذا حكيم. . الخ أما إبراهيم ﵇ فقد جمع من الخير ما في أمة بأكملها، وهذا ليس كلاماً يُقَال في مدح نبي الله إبراهيم، إنما من واقع حياته العملية. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤] . وحَسْب إبراهيم ﵇ من الخير هذه الدعوة: ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] . فكان محمد ﷺ َ دعوة أبيه إبراهيم.

стр. 12722

فأول دعوته كانت لأبيه، وأقرب الناس إليه لا للغريب، والدعوة التي توجه أولاً للقريب لا بُدَّ أنها دعوة حَقٍّ ودعوة خير؛ لأن الإنسان يحب الخير أولاً لنفسه، ثم لأقرب الناس إليه، ولو كانت في خيريتها شَكٌّ لقصد بها الغرباء والأباعد عنه. والمراد بأبيه هو (آزر) الذي ورد ذكره في موضع آخر.

стр. 12723

وسؤاله لأبيه وقومه ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٧٠] سؤال استهجان واستنكار، وسؤال استدلال ليظهر لهم بطلان هذه العبادة؛ لأن العبادة أنْ يطيعَ العابدُ المعبودَ فيما أمر وفيما نهى، فالذين يعبدون الأصنام بماذا أمرتهم وعمَّ نهتهم؟ إذن: فهي آلهة دون منهج، وما أسهلَ أن يعبد الإنسان مثل هذا الإله الذي يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء، وكذلك هي آلهة دون جزاء ودون حساب؛ لأنها لا تثيب مَنْ أطاعها، ولا تعاقب مَنْ عصاها. إذن: فكلمة عباده هنا خطأ، ومع ذلك يُسمِّيها الناس آلهة، لماذا؟ لأن الإله الحق له أوامر لا بُدَّ أن تُنفّذ، وإنْ كانت شاقة على النفس، وله نواهٍ لا بُدَّ أن تترك وإنْ كانت النفس تشتهيها، فهي عبادة شاقة، أما عبادة الأصنام فما أسهلها، فليس عندها أمْر ولا نَهْي، وليس عندها منهج يُنظِّم لهم حركة الحياة؛ لذلك تمسَّك هؤلاء بعبادة الأصنام، وسمَّوْها آلهة، وهذا خبل واضح. كما أن الإنسان في مجال العبادة إذا عزَّتْ عليه أسباب الحياة وأعْيَتْه الحيل، أو خرجت عن طاقته، عندها يجد له رباً يلجأ إليه، ويستعين به فيقول: يا رب. فماذا عن عابد الأصنام إذا تعرَّض لمثل هذه المسائل؟ هل يتوجه إليها بالدعاء؟ وهَبْ أنه يدعو إنساناً مثله يمكن أنْ يسمعه أيستجيبُ له؟ لذلك يقول سبحانه: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧١٧٣] . إذن: فعبادة غير الله حُمْق وغباء.

стр. 12724

لكن هذا البحث من إبراهيم، وهذا الجدل مع أبيه وقومه، أكان بعد الرسالة أم قبلها؟ قالوا: إن إبراهيم ﵇ كان ناضجاً مُتفتِّحاً منذ صِغَره، وكان مُنكراً لهذه العبادة قبل أن يُرسَل، لذلك قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] . وكذلك كان نبينا محمد ﷺ َ قبل بعثته كارهاً للأصنام، معترضاً على عبادتها، يتعجب حين يرى قومه يعبدونها، وقد رأى ﷺ َ أحد الآلهة وقد كُسر ذراعه فاستعانوا بمَنْ يُصلح ذراع الإله، فضحك رسول الله ﷺ َ وتعجَّب لما يرى: العابد يصلح المعبود؟ بعدها اعتزلهم رسول الله، ولجأ إلى الغار يفكر في الإله الحق والمعبود الحق. فكأن أيَّ دين يأمر الله به لو تفكَّر فيه الإنسان برشد لانتهى إلى الحق بدون رسول؛ لأن دين الله هو دين الفطرة السليمة، فإنْ توفَّرت لدى الإنسان هذه الفطرة اهتدى بها إلى الحق. بدليل ما كان يحدث من عمر ﵁ وكان يُحدث رسول الله بالأمر، فتتنزل به الآيات من عند الله، وقد وافقتْ الآيات رأيه في أكثر من موقف، وقد أقرَّ رسول الله ﷺ َ ذلك ليبين لنا أن العقل السليم والفطرة المستقيمة يمكن أنْ ينتهيا إلى قضايا الدين دون رسول.

стр. 12725

وتستطيع أنت أنْ تعرض أيَّ قضية من قضايا الدين على العقل السليم، وسوف تجد أنها طيبة وجميلة توافق الذَّوْق السليم والتفكير السويّ، فالكذب مثلاً خُلُق يأباه العقل ويأباه الدين، وكذلك الرشوة؛ لأنك بها تأخذ ما ليس لك، وقد يُسلِّط عليك رَاشٍ، فيأخذ منك حقك، كما أخذتَ أنت حقوق الناس. ولو تأمل العقل مثلاً تحريم النظر إلى المحرمات، لوجد أن الدين قيَّد نظرك وأنت فرد، وقيَّد من أجلك نظر الناس جميعاً، فكما طلب منك طلب لك، وكذلك الأمر في تحريم السرقة والقتل. . إلخ. وقد سُئلْنا في إحدى الرحلات عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ومرة يقول: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ [التوبة: ٣٣] ومرة يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ [التوبة: ٣٢] . يقولون: وبعد أربعة عشر قرناً، والمسلمون في الكون أقلية، ولم يظهر الدين على الدين كله، فكيف إذن نفهم هذه الآية؟ فقلتُ للسائل: لو فهمتَ الآية السابقة لعرفتَ الجواب: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ [التوبة: ٣٢] . فالمعنى: أن الدين سيظهر في وجود الأديان الأخرى، وليس المراد أن هذه الأديان ستزول، ولن يكون لها وجود، بل هي موجودة، لكن يظهر عليها الإسلام ظهور حجة، بدليل ما نراه من هجمات على الإسلام وأحكامه وتشريعاته، كما في مسألة الطلاق مثلاً، أو مسألة تعدُّد الزوجات وغيرها. وبعد ذلك تُلجِئهم الحياة الاجتماعية إلى هذه التشريعات، ولا يجدون غيرها لحل مشاكلهم.

стр. 12726

ولما قامت الثورة الشيوعية في روسيا سنة ١٩١٧ أول ما شرَّعوا منعوا الربا الذي كان جائزاً عندهم، لقد منعوا الربا مع أنهم غير مسلمين، لكن مصالحهم في ذلك، فهذه وأمثالها غلبة لدين الله وظهور له على كل الأديان. وليس معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أن يصير الناس جميعاً مؤمنين، لا، إنما يظل كُلٌّ على دينه وعلى شِرْكه أو كفره، لكن لا يجد حلاً لقضاياه إلا في الإسلام، وهذا أوقع في ظهور الدين. ثم يقول الحق سبحانه عن قوم إبراهيم في ردِّهم على إبراهيم ﵇: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً﴾

стр. 12727

إذن: شهد شاهد من أهلها، وقالوا بأنفسهم ﴿نَعْبُدُ أَصْنَاماً﴾ [الشعراء: ٧١] والعبادة طاعة، فماذا قالت لهم الأصنام؟ وبماذا أمرتهم؟ طبعاً، ليس عندهم جواب. وليت الأمر يقف عند العبادة، إنما ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] أي: قائمين على عبادته ليلَ نهار، نعم ولكم حق؛ لأنها آلهة دون تكليف، وعبادة بلا مشقة وبلا التزام، إنها بلطجة تأخذون فيها حظَّ أنفسكم، وتفعلون معها ما تريدون. لكن، كيف جادلهم إبراهيم ﵇؟ وبم رَدَّ عليهم؟

стр. 12728

فالأصنام لا تسمع مَنْ توجّه إليها بالدعاء، ولا تنفع مَنْ عبدها، ولا تضر مَنْ كفر بها؛ لذلك لم يجدوا رداً، وحاروا جواباً، ولم يجدوا حُجّة إلا أن قالوا: ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ﴾

стр. 12729

إذن: أنتم لم تُحكِّموا عقولكم في هذه المسألة، كما قالوا في موضع آخر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . ونقول لهم: ومتى ظللتم على تقليد آبائكم فيما يفعلون؟ إنكم لو أقمتُم على تقليد الآباء ما ارتقيتم في حياتكم أبداً، فلماذا إذن تحرصون على التقليد في هذه المسألة بالذات دون غيرها.

стр. 12730

يقول إبراهيم ﵇: لا تلقوا بالمسألة على الآباء، وتُعلِّقوا عليهم أخطاءكم، ثم يعلنها صريحة متحدية كأنه يقول لهم: الحمرة في خيلكم اركبوها. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: ٧٧] وكلمة عدو جاءت مفردة مع أنها مسبوقة بضمير جمع وتعود على جمع ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٧٧] ومع ذلك لم يقل: أعداء لي. قالوا: لأن العداوة في أمر الدين واحدة على خلاف العداوة في أمر الدنيا؛ لأنها متعددة الأسباب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] . فجاءت: ﴿أَعْدَآءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] هنا جمع؛ لأنها تعود على

стр. 12731

عداوة الدنيا، وهي متعددة الأسباب، أمّا العداوة في الدين فواحدة على قلب رجل واحد. ومن ذلك ما قلناه في سورة النور عند قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . كلها بصيغة الجمع إلا في ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] جاءت بصغية المفرد؛ لأن الصداقة الحقة هي ما كانت لله غير متعددة الأغراض، فهي إذن لا تتعدد. وفي إعلان إبراهيم لعداوته لهذه الأصنام تحدٍّ لهم: فها أنا ذا أعلن عداوتي لهم، فإنْ كانوا يقدرون على مضرّتي فليفعلوا. وبعد أن أعلن إبراهيم ﵇ عداوته للأصنام نجحت دعوته، وظل إبراهيم هو إبراهيم لم يُصبْه شيء.

стр. 12732

كأن الحق ﵎ يقول لهم: يا أغبياء، اعلموا أن للعبادة أسباباً وحيثيات. ويوضح إبراهيم ﵇ حيثيات عبادة ربه فيقول: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] أي: خلقني من عدم، وأمدَّني من عُدْم، وجعل لي قانون صيانة يحفظ حياتي، ويضمن سلامتي حيث كلَّفني بشرعه: افعل كذا ولا تفعل كذا، وهو سبحانه لا ينتفع بشيء من هذا، بل النفع يعود علينا نحن، وهل فعلتْ الأصنام لكم شيئاً من هذا؟ إذن: فهو واحده المستحق للعبادة.

стр. 12733

وقوله سبحانه ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] أي: بقانون الصيانة الذي يشبه (الكتالوج) الذي يجعله البشر لصناعتهم؛ ليضمنوا سلامتها وأدائها لمهمتها على أكمل وجه، ولا بُدَّ أن يحدِّد لها المهمة قبل أنْ يَشرَع في صناعتها، وهل رأينا آلةَ صنعها صاحبها، ثم قال لنا: انظروا في أيِّ شيء تستخدم هذه، (بوتاجاز) أو ثلاجة مثلاً؟ فإذا ما حدث خلل في هذه الآلة، فعليك بالنظر في هذا (الكتالوج) أو أن تذهب بها إلى المهندس المختص بها؛ لذلك إذا أردتَ أن تأخذ قانون صيانتك، فلا تأخذه إلا من صانعك وخالقك ولا يجوز أن يخلق الله تعالى وتضع أنت لخِلْقة الله قانون صيانتها، فهذا مِثْل: أن تقول للجزار مثلاً: اعمل لي قانون صيانة (التلفزيون) . ثم يذكر بعد ذلك مُقوِّمات استبقاء الحياة، فيقول: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩٨٠] . ونقف هنا عند الضمير المنفصل (هو) الذي جاء للتوكيد، والتوكيد لا يأتي ابتداءً، إنما يكون على درجات الإنكار، وقد أكّد الحق ﵎ نسبة الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء إليه تعالى؛ لأن هذه المسائل الأربع قد يدعيها غيره تعالى، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلاً هو الرازق؛ لأنه الجالب له والمناول. والهداية قد يدّعيها واضعوا القوانين من البشر، وقد رأينا الشيوعية والرأسمالية والوجودية والبعثية وغيرها، وكلها تدّعي أنها لصالح البشر، وأنها طريق هدايتهم؛ لذلك أكد الله تعالى لنفسه هذه المسألة ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فالهداية لا تكون إلا من الله، وفي شِرْعته تعالى.

стр. 12734

وقد تسأل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ولماذا نذهب إلى الطبيب إذن؟ نقول: الطبيب يعالج، وهو سبب للشفاء، أمّا الشفاء فمن الله، بدليل أن الطبيب ربما يمرض، ويعجز هو عن شفاء نفسه، وقد يعطي المريض حقنة ويكون فيها حَتْفه. وحين نُعرب: ﴿مَرِضْتُ﴾ [الشعراء: ٨٠] نقول: مرض فعل ماضٍ والتاء فاعل، فهل أنا الذي فعلتُ المرض؟ وهذا مِثْل أن نقول: مات فلان، ففلان عامل مع أنه لم يحدث الموت؛ لذلك يجب أن نتنبه إلى أن الفاعل يعني مَنْ فعل الفعل، أو اتصف به، والفاعل هنا لم يفعل الفعل وإنما اتصف به. وقال ﴿مَرِضْتُ﴾ [الشعراء: ٨٠] تأدباً مع الله تعالى، فلم يقل: أمرضني ونسب المرض الظاهر إلى نفسه. أما في المسائل التي لا يدَّعيها أحد، فتأتي بالفعل دون توكيد، كما في الآية بعدها: ﴿والذي يُمِيتُنِي﴾

стр. 12735

فلم يقُل؟ هنا: بميتني أو هو يُحييني؛ لأن الحياة والموت بيده تعالى لا يدَّعيها أحد، فإنْ قُلْتَ: وماذا عن قتْل الإنسان لغيره أَلاَ يُعَدُّ موتاً؟ وقد سبق أنْ أوضحنا الفرق بين الموت والقتل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . فالموت أن تخرج الروح، والجسم سليم الأجزاء كامل الإعضاء، وبعد خروج الروح تُنقض البنية، أما القتل فيكون بنقْض البنية نَقْضاً يترتب عليه خروج الروح.

стр. 12736

إذن: الموت لم يدَّعه أحدٌ لنفسه، ولما ادعاه النمرود جادله إبراهيم ﵇ في ذلك، وكشف زيف هذا الادعاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . ولم يفعل إلا أنْ جاء برجل فأمر بقتله، ثم عفا عنه؛ لذلك رأى إبراهيم ﵇ أنْ يقطع عليه الطريق، فقال: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وهكذا أنهى هذه السفسطة، وكشف حقيقة هذا المكابر المعاند. وتأمل حرف العطف ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] و (ثم) تفيد العطف مع التراخي، ولم يقل: ويحيين؛ لأن الواو تفيد مُطلَق العطف، وبين الموت والإحياء الآخر مسافة طويلة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: ٢١٢٢] .

стр. 12737

عجيب أن يصدر هذا الدعاء من إبراهيم، وما أدراك ما إبراهيم؟ إنه أبو الأنبياء الذي وصفه ربه بأنه أمة قانتاً لله، ولم يكن من المشركين، إبراهيم الذي ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن، ومع هذا كله

стр. 12738

يقول: ﴿أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: ٨٢] . إنه أدب عَالٍ مع الله وهضم لعمله؛ لأن الإنسان مهما قدَّم من الخير فهو دون ما يستحق الله تعالى من العبادة؛ لذلك كان طلب المغفرة من الطمع. ويجب أن ننظر هنا: متى دعا إبراهيم ربه ومتى تضرع إليه؟ بعد أن ذكر حيثيات الألوهية، واعترف لله بالنعم السابقة وأقرَّ بها، فقد خلقه من عدم، وأمدَّه من عُدْم، وووفّر له كل مقومات الحياة. وإقرار العبد بنعم الله عليه يقضي على كبرياء نفسه، ويُصفِّي روحه وأجهزته، فيصير أهلاً لمناجاة الله، وأهلاً للدعاء، فإن اعترفتَ لله بالنعم السابقة أجابك فيما تطلب من النعم اللاحقة، على خلاف مَنْ لا يذكر لله نعمة، ولا يقرّ له سبحانه بسابقة خير، فكيف يقبل منه دعاء؟ وبأيِّ وجه يطلب من الله المزيد؟ إذن: لا تَدْعُ ربك إلا بعد صفاء نفس وإخلاص عبودية؛ لذلك ورد في حديث رسول الله ﷺ َ: «مَنْ عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم» . ويقول سبحانه: ﴿إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] يقول لك ربك: أنت مأمون على ما علمتَ، عامل به، فخُذ المزيد من هدايتي ونوري وتوفيقي، خُذ المزيد لما عندك من رصيد إيماني وصفاء روحي، جعلك أهلاً للمناجاة والدعاء. فإبراهيم ﵇ وهو أبو الأنبياء لم يجترىء على الدعاء

стр. 12739

بشيء آتٍ إلا بعد أنْ ذكر لله النعم السابقة، وشكره عليها، فوافق قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . لذلك فإن أهل المعرفة يقولون: إن العبد مهما اجتهد في الدعاء، فإنه يدعو بالخير على حسْب فهمه ومنطقه وبمقدار علمه ولو أنه ذكر النعيم الأول لله تعالى، وأقرّ له بالفضل، ثم ترك المسألة له تعالى يعطيه ويختار له لكان خيراً له؛ لأن ربه يعطيه على حَسْب قدرته تعالى وحكمته. وهذا المعنى واضح في الحديث القدسي: «مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» . فعطاء الله لا شكَّ أوسع، واختياره لعبده أفضل من اختيار العبد لنفسه، كما لو ذهبتَ في رحلة مثلاً وقلت لولدك: ماذا تريد أنْ أُحضر لك من البلد الفلاني؟ فإنْ قال: أريد كذا وكذا فقد ضيّق على نفسه، وإنْ ترك لك الاختيار جاء اختيارك له خيرا من اختياره لنفسه.

стр. 12740

نلحظ أنه لم يدْعُ بشيء من الدنيا، ومعنى ﴿حُكْماً﴾ [الشعراء: ٨٣] فرق بين الحكم والحكمة: الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، أما الحكم فأنْ تعلم الخير أولاً، ثم تعمل بما علمت ثانياً.

стр. 12741

وقال في دعائه: ﴿هَبْ لِي﴾ [الشعراء: ٨٣] لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا أستحق، فاجعلها لي هِبةَ من عندك ﴿وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [الشعراء: ٨٣] أي: ألحقني بهم في العمل والأُسْوة لأنالَ بعدها الجزاء، وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل. وقد أجابه الله تعالى في هذه الدعوة، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] . والملكوت: المخلوقات غير المحسّة، أطلعه الله عليها؛ لأنه عمل بما علم من الملك المحسّ، وكذلك قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] فأجابه في الدعوة الأخرى. ﴿واجعل لِّي لِسَانَ﴾

стр. 12742

نعرف أن اللسان وسيلة التعبير، ومعنى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] يعني: ذكراً حسناً يذكر بحق، ويذكر بصدق، لا كما نفعل الآن حين نقيم ذكرى لأحد الأشخاص، فنظل نكيل له المدائح ونُثني عليه بالصِّدْق وبالكذب، وبما فعل وبما لم يفعل، فهذا ذكر، لكنه ذكر غير صادق ومخالف للحقيقة وللواقع. وسبق أن أوضحنا أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وقد ورد هذا المعنى في الأمهات الخمس في القرآن الكريم، في قول الحق : ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . يعني: أدخلني بصدق لا بغشٍّ يعني مدخلاً أستطيع منه الخروج، وكذلك أخرجني مُخرج صدق.

стр. 12743

وفي قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وفي قوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] هذه المواضع الخمس لكلمة الصدق. ومعنى: ﴿فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤] يعني: يتعدى الذّكْر الحسن مدة حياتي إلى مَنْ بعدي، فاجعل لي لسان صدق في المعاصرين، وفيمن يأتي بعدك أترك أثراً طيباً يُذكَر من بعدي؛ لأن لي نصيباً من الخير والثواب في كل مَن اقتدى بي، وجعلني أُسْوة. وقد أجابه الله في هذه، فقال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨١٠٩] .

стр. 12744

بعد أن دعا لأمر في الدنيا، ثم لأمر بعد موته دعا لنفسه بجنة النعيم الدائم في الآخرة، ولا شك أن ربه قد أجابه إلى هذه، فهو من ورثة جنة النعيم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] .

стр. 12745

وكلمة ميراث الجنة وردتْ في القرآن أيضاً في قوله تعالى: ﴿أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١١] . والميراث أنْ تأخذ مِلكاً من آخر بعد موته، فكيف تكون الجنة ميراثاً؟ قال العلماء: إن الخالق لم يخلق الجنة على قدر أهلها وكذلك النار، إنما خلق الجنة تتسع للناس جميعاً، إنْ آمنوا، وخلق النار تتسع للناس جميعاً إنْ كفروا؛ ذلك لأنه سبحانه خلق الخَلْق مختارين، مَنْ شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليكفر. وعليه، فميراث الجنة يعني أنْ يرث المؤمنون أماكن الذين كفروا في الجنة، يتقاسمونها فيما بينهم. والوارث يرث مال غيره وثمرة سعيه، لكن لا يسأل عنها، إنما يأخذها طيبة حتى إنْ جمعها صاحبها من الحرام، إلا إنْ أراد الوارث أن يبرىء ذمة المورِّث، فيردَ المظالم إلى أهلها. إذن: الوارث يأخذ الميراث دون مقابل فكأنه هِبة، وعلى هذا المعنى يكون المراد بميراث الجنة أن الله تعالى أعطى عباده الطائعين الجنة هبةً منه سبحانه، وتفضّلاً عليهم، وليس بعملهم، فالجنة جاءتهم كما يأتي الميراث لأهله دون تعب منهم ودون سَعْي. وهذا تصديق لقول رسول الله ﷺ َ في الحديث النبوي: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» .
следующие страницы →