← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.

стр. 12741

وقال في دعائه: ﴿هَبْ لِي﴾ [الشعراء: ٨٣] لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا أستحق، فاجعلها لي هِبةَ من عندك ﴿وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [الشعراء: ٨٣] أي: ألحقني بهم في العمل والأُسْوة لأنالَ بعدها الجزاء، وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل. وقد أجابه الله تعالى في هذه الدعوة، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] . والملكوت: المخلوقات غير المحسّة، أطلعه الله عليها؛ لأنه عمل بما علم من الملك المحسّ، وكذلك قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] فأجابه في الدعوة الأخرى. ﴿واجعل لِّي لِسَانَ﴾

стр. 12742

نعرف أن اللسان وسيلة التعبير، ومعنى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] يعني: ذكراً حسناً يذكر بحق، ويذكر بصدق، لا كما نفعل الآن حين نقيم ذكرى لأحد الأشخاص، فنظل نكيل له المدائح ونُثني عليه بالصِّدْق وبالكذب، وبما فعل وبما لم يفعل، فهذا ذكر، لكنه ذكر غير صادق ومخالف للحقيقة وللواقع. وسبق أن أوضحنا أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وقد ورد هذا المعنى في الأمهات الخمس في القرآن الكريم، في قول الحق : ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . يعني: أدخلني بصدق لا بغشٍّ يعني مدخلاً أستطيع منه الخروج، وكذلك أخرجني مُخرج صدق.

стр. 12743

وفي قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وفي قوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] هذه المواضع الخمس لكلمة الصدق. ومعنى: ﴿فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤] يعني: يتعدى الذّكْر الحسن مدة حياتي إلى مَنْ بعدي، فاجعل لي لسان صدق في المعاصرين، وفيمن يأتي بعدك أترك أثراً طيباً يُذكَر من بعدي؛ لأن لي نصيباً من الخير والثواب في كل مَن اقتدى بي، وجعلني أُسْوة. وقد أجابه الله في هذه، فقال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨١٠٩] .

стр. 12744

بعد أن دعا لأمر في الدنيا، ثم لأمر بعد موته دعا لنفسه بجنة النعيم الدائم في الآخرة، ولا شك أن ربه قد أجابه إلى هذه، فهو من ورثة جنة النعيم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] .

стр. 12745

وكلمة ميراث الجنة وردتْ في القرآن أيضاً في قوله تعالى: ﴿أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١١] . والميراث أنْ تأخذ مِلكاً من آخر بعد موته، فكيف تكون الجنة ميراثاً؟ قال العلماء: إن الخالق لم يخلق الجنة على قدر أهلها وكذلك النار، إنما خلق الجنة تتسع للناس جميعاً، إنْ آمنوا، وخلق النار تتسع للناس جميعاً إنْ كفروا؛ ذلك لأنه سبحانه خلق الخَلْق مختارين، مَنْ شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليكفر. وعليه، فميراث الجنة يعني أنْ يرث المؤمنون أماكن الذين كفروا في الجنة، يتقاسمونها فيما بينهم. والوارث يرث مال غيره وثمرة سعيه، لكن لا يسأل عنها، إنما يأخذها طيبة حتى إنْ جمعها صاحبها من الحرام، إلا إنْ أراد الوارث أن يبرىء ذمة المورِّث، فيردَ المظالم إلى أهلها. إذن: الوارث يأخذ الميراث دون مقابل فكأنه هِبة، وعلى هذا المعنى يكون المراد بميراث الجنة أن الله تعالى أعطى عباده الطائعين الجنة هبةً منه سبحانه، وتفضّلاً عليهم، وليس بعملهم، فالجنة جاءتهم كما يأتي الميراث لأهله دون تعب منهم ودون سَعْي. وهذا تصديق لقول رسول الله ﷺ َ في الحديث النبوي: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» .

стр. 12746

قالوا: فالجنة ميراث؛ لأن الأصل أنك لا تُجازَى على الخير الذي قدمته؛ لأن تكليف من الله تعالى يعود خيره عليك في الدنيا، حيث تستقيم به حياتك وتسعد بها، وما دام التكليف في صالحك، فكيف تأخذ أجراً عليه؟ كالوالد حيث يحثّ ولده على المذاكرة والجد في دروسه، فهذا يعود نفعه على الولد، لا على الوالد. وكأن ربك يقول لك: ما دُمْتَ قد احترمتَ تكليفي لك، وأطعتني فيما ينفعك أنت، ولا يعود عليَّ منه شيء، فحين أعطيك الجنة أعطيك بفضلي وهِبَة مني، أو أننا نأخذ الجنة بالعمل، والمنازل بالفضل. إذن: لا غِنَى لأحد مِنّا عن فَضْل الله. لذلك يقول سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] هذا هو المعنى المراد بميراث الجنة، وينبغي ألاَّ تعوِّل على عملك وطاعتك واجتهادك في العبادة، واعلم أن النجاة لا تكون إلا برحمة الله وفضل منه سبحانه. ثم ترك الدعاء لذاته وانتقل لمن رباه فقال: ﴿واغفر لأبي﴾

стр. 12747

لم ينْسَ إبراهيم ﵇ في دعائه أن يدعو لمن رباه؛ لأن الحق هو الخالق، إنما جعل الوالدين هما السبب المباشر في الخَلْق والإيجاد؛ لذلك جعلهما أصحاب الفضل والأحق بالطاعة بعده تعالى، لكن قد ينجب الوالدان ويهملان ولدهما فيربيه غيرهما؛ لذلك يأخذ المنزلة الثالثة، فعندنا ربوبية خَلقَت من عدم، وأبوة جاءت بأسباب الإيجاد، وأبوة أخرى ربّت واعتنتْ.

стр. 12748

وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: ٢٤] فحيثية الدعاء بالرحمة هنا، لا لأنهما أبوان وهما سبب الإيجاد، إنما لأنهما ربَّياني صغيراً، إذن: لو ربّاني غير والديّ لأخذوا هذه المنزلة واستحقوا مني هذا الدعاء. لكن لم يُستجَبْ لإبراهيم ﵇ في هذه، لأنه سأل الله لأبيه قبل أن يعرف أنه عدو لله، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ﴾

стр. 12749

بأيِّ شيء يكون الخزي في الآخرة؟ الخزي يكون حين يعاتبك ربك يوم القيامة على رؤوس الأشهاد على ما فَرَط منك من تقصير؛ لذلك الحساب اليسير ما كان بين العبد وربه، وقد أُجيب إبراهيم ﵇ في هذه الدعوة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] .

стр. 12750

قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] فأتى بالمسألة التي تشغل الناس جميعاً، فكل إنسان يريد أن يكون غنياً صاحب مال وأولاد وعِزْوة، ومَنْ حُرِم واحدة منهما حَزِن وألم أشدّ الألم. والحق ﵎ يقول: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] . ويقول سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء والبنين والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة﴾ [آل عمران: ١٤] . نعم، هي زينة الحياة الدنيا، ومعنى الزينة: الحُسْن غير الذاتي، فالحُسْن قد يكون ذاتياً في الجوهر كالمرأة التي تكون جميلة بطبيعتها التي خلقها الله عليها، دون أنْ تتكلّف الجمال، أو الزينة الظاهرة من مساحيق أو ذهب أو خلافه، لذلك سمَّوْها في اللغة (الغانية) وهي التي استغنْت بجمالها الطبيعي الذاتي عن أنْ تتزّين بأيِّ شيء آخر. وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] يعني: مع أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، فهذا لا يمنع نفعهما لصاحبهما إنْ أحسن التصرُّف في ماله، فأنفقه في الخير، وأحسن تربية أولاده التربية الصالحة، لكن هذه أيضاً لا تصفو له ولا تستقيم إلا إذا ﴿أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] . يعني: توفّر له الإخلاص في هذا كله، وإلاَّ فالرياء يُحبط العمل، ويجعله هباءً منثوراً، إنْ كنتَ تفعل الخير في الدنيا ولا تؤمن بالله ولا تُنزهه سبحانه عن الشريك، فلن ينفعك عملك، ولن يكون لك منه نصيب في ثواب الآخرة. كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] .

стр. 12751

وفي الحديث القدسي: « ... فعلت ليقال وقد قيل ... » . فعلتَ ليُقام لك حفل تكريم وقد أقيم لك، فعلتَ لتأخذ نيشاناً وقد أخذتَه، فعلتَ ليُكتب اسمك على باب المسجد وقد كُتِب، إذن: انتهت المسألة. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] لا ينفي نفع المال والبنين، فهي نافعة شريطة أنْ تأتي اللهَ بقلب سليم، والسلامة هنا تعني: أن يظلَ الشيء على حاله وعلى صلاحه الذي خلقه الله عليه لا يصيبه عطب في ذاته، فيؤدي مهمته كما ينبغي. فكأن السلامة تُوجد أولاً، ونحن الذين نُفسِد هذه السلامة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١١٢] . لذلك لو تأمّل الناس فيما يُتعبهم في الحياة لوجدوا أنه ثمرة إفسادهم في الكون المنظم الذي خلقه الله على مقتضى حكمته تعالى، بدليل أن كل حركة في الكون لا يتدخل فيها الإنسان تراها مُستقيمة منتظمة لا تتخلف، فإنْ تدخَّل الإنسان وُجِد الفساد ووُجِد الظلم للغير، حتى للنبات وللجماد وللحيوان، وقد نهانا الشارع الحكيم عن هذا كله. هذا إنْ تدخّل الإنسان في الكون على غير مقتضى منهج ربه، فإنْ تدخَّل على هَدْى من منهج الله استقامتْ الأمور وتحققتْ السلامة.

стр. 12752

ألا ترى قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ [الرحمن: ٥٧] . لذلك تجد كل شيء في الكون موزوناً بقدر وبحكمة: الشمس والقمر والنجوم والهواء والماء. . الخ وكل عناصر الكون هذه تسير مستقيمة في منظومة الكون المتكاملة، لماذا؟ لأنه لا دَخْلَ للإنسان فيها. فمعنى القلب السليم: القلب الذي لا يعمُر إلا بما أراد الله أنْ يعمُرَ به، وقد ورد في الحديث القدسي: «ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» . إذن: لا تزحم قلبك بما يَشْغَله من أمور الدنيا، واجعله خالياً لله مُنْشغلاً به، فهذه هي سلامة القلب؛ لأن القلب مفطور على هذا، مطبوع عليه. . ساعة خلقه الله خلقه صافياً سليماً من المشاغل؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . إذن: لا تأخذ المال والبنين منفصليْن عن سلامة القلب؛ لأن ربك يقول: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] .

стр. 12753

وفي آية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] ختمها الحق سبحانه بقوله: ﴿ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب﴾ [آل عمران: ١٤] . ومن سلامة القلب أن يخلو من الشرك، وأن يخلو من النفاق؛ لأن المنافق يؤمن بلسانه، ولا يؤمن بقلبه، فقلبه لا يوافق لسانه؛ لذلك هو غير سليم القلب، فكان أشد إثماً من الكافر، وجعله الله في الدَّرْك الأسفل من النار. المنافق أشد تعذيباً من الكافر؛ لأن الكافر مع كُفْره هو منطقيّ مع نفسه، حيث كفر بقلبه وبلسانه، ونطق بما يعتقده، أما المنافق فقد غشَّنا وحُسِب علينا ظاهراً، ومنهم مَنْ كان يصلي خلف رسول الله ﷺ َ في الصف الأول، وهو في حقيقة الأمر من الطابور الخامس داخل صفوف المسلمين. وكذلك الرياء ينافي سلامة القلب، فالمرائي يعمل للناس ولا يعمل لله، ونعجب حين نرى مَنْ يُقدِّم الجميل رياءً وسُمْعة، ثم يتهم مَنْ أسدى إليه الجميل بأنه ناكر للجميل، نقول له: لماذا تتهمه وقد سبقته فأنكرتَ جميل الله، حيث لم تجعله على بالك حين فعلتَ الخير. إذن: فهذا جزاؤك جزاءً وفاقاً، لأنك ما فعلتَ الخير لله، إنما فعلته للعبد فانتظر منه الجزاء. وصَفْقَة المرائي خسارة، وتجارته بائرة؛ لأنه حين يعطي رياءً يستفيد منه الآخذ ويخرج هو صُفْر اليدين، كما قال سبحانه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وبعد ذلك ترى الناس تكره المرائي، ويُنكرون جميله في بناء مسجد أو مستشفى أو مدرسة مثلاً، ولو عمل ذلك لله لأبقى الله

стр. 12754

ذِكْره بين الناس، فحفظوا جميله، وأَثنَوْا عليه بالخير. «ويُرْوى أن السيدة فاطمة الزهراء دخل عليها سيدنا رسول الله ﷺ َ فوجدها تجلو درهماً في يدها، فلما سألها عنه قالت: لأنّي قد نويتُ أنْ أتصدّق به، فقال لها: تصدَّقي به وهو على حاله، فقالت: أنا أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير، والله طيب لا يقبل إلا طيباً» . ثم يذكر الحق ﵎ نتيجة سلامة القلب وثمرة الإخلاص في العلم، فيقول: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ﴾

стр. 12755

﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ [الشعراء: ٩٠] يعني: قرِّبت، لكن كيف تقرب منهم وهم بداخلها؟ قالوا: تُقرَّب منهم قبل أن يدخلوها، وهم ما زالوا في شدة الموقف وهو القيامة والحساب، فتُقرَّب منهم الجنة ليطمئنوا بها، ويهون عليهم هذا الموقف الصعب. وفي آية أخرى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] يعني: يروْنها عياناً، ويعرفون أنها النعيم الذي ينتظرهم، وسوف يباشرونه عن قريب، كما لو دُعِيْتَ إلى مائدة أحد العظماء، وقد أُعدَّتْ على أتمَّ وجه، فإن من النعيم أن تمر بها وتشاهد ما عليها من أطايب الطعام قبل أن يحين وقت الاجتماع عليه.

стр. 12756

وهذه لمن أتى الله بقلب غير سليم، قلب خالطه شرك أو نفاق أو رياء، وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] .

стр. 12757

والورود لا يعني دخول النار، إنما رؤيتها والمرور بها؛ لأن الصراط مضروب على مَتْن جهنم، فالورود شيء والدخول شيء آخر، ومن ذلك قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] مع أن موسى ﵇ ورد الماء يعني: مكان الماء، ولم يشرب منه. والحكمة من ورود النار بهذا المعنى أنْ يعرف المؤمن فَضْل الإيمان عليه، وأنه سبب نجاته من هذه النار التي يراها، وهذه أعظم نعمة عليه؛ لذلك يقول سبحانه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . ومعنى ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] جمع غَاوٍ، وهو إما أنْ يكون غاوياً في نفسه، أو أغوى غيره، فتطلق على الغاوي، وعلى الذي يُغوِي غيره.

стр. 12758

قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢] أرونا مَنْ أشركتموهم مع الله، أين هم الآن؟ وفي موضع آخر: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٢٢٥] . لقد ضلوا عنكم، وتركوكم، بل وتبرأوا منكم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦] . ثم ياتي الذين اتبعوا فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن

стр. 12759

والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] . نعم، إنها معركة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] . وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] يعني: لا يستطيعون نصركم، أو الدفاع عنكم، ولا حتى نَصْر أنفسهم، فإنْ كان نصرهم لأنفسهم ممنوعاً فلغيرهم من باب أَوْلَى، ففي الآية تقريع لهم ولمن عبدوهم من دون الله، وتحقير لشأنهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ﴾

стр. 12760

الفعل كَبْكب، يعني: كبّوا مرة بعد أخرى على وجوههم، فهي تعني تكرار الكَبِّ، فكلما قام كُبَّ على وجهه مرة أخرى، وهي على وزن فعللة الدال على التكرار كما تقول: زقزقة العصافير، ونقنقة الضفادع. والمراد هنا الأصنام تكبّ على وجوهها، وتسبق مَنْ عبدها إلى النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقال: ﴿هُمْ والغاوون﴾ [الشعراء: ٩٤] فالغاوون يسبقون مَنْ أغْوَوْهم وأضلوهم؛ ليقطع أمل التابعين لهم في النجاة، فلو دخل التابعون أولاً لقالوا: سيأتي منْ عبدناهم لينقذونا، لكن يجدونهم أمامهم قد سبقوهم، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: ٩٨] .

стр. 12761

ولإبليس جنودٌ من الجن، وجنود من الإنس، سيجتمعون جمعياً في النار.

стр. 12762

هذه لقطة من ساحة القيامة، حيث يختصم أهل الضلال مع مَنْ أضلوهم، ويُلْقِي كل منهم بالتبعة على الآخر. وهذه الخصومة وردتْ في قوله تعالى على لسان الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والمعنى: لم يكُنْ لي عليكم سلطانُ قَهْر أحملكم به على طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به. ثم يعترف أهل الضلال بضلالهم ويقسمون ﴿تالله﴾ [الشعراء: ٩٧] يعني: والله ﴿إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] يعني: ظاهر ومحيط بنا من كل ناحية، فأين كانت عقولنا ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ٩٨] أي: في الحب، وفي الطاعة، وفي العبادة. كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله﴾ [البقرة: ١٦٥] .

стр. 12763

يعني: يا رب أرنا هؤلاء المجرمين، ومَكِنّا منهم لننتقم لأنفسنا،

стр. 12764

ونجعلهم تحت أقدامنا، وهكذا أخرجوا كل سُمِّهم في هؤلاء المجرمين، وألقوا عليهم بتبعة ما هم فيه.

стр. 12765

الشافع من الشَّفْع أي: الاثنين، والشافع هو الذي يضمُّ صوته إلى صوتك في أمر لا تستطيع أن تناله بذاتك، فيتوسط لك عند مَنْ لديه هذا الأمر، والشفاعة في الآخرة لا تكون إلا لمن أَذِن الله له، يقول تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . ويقول سبحانه: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . إذن: ليس كل أحد صالحاً للشفاعة مُعداً لها، وكذلك في الشفاعة في الدنيا فلا يشفع لك إلا صاحب منزلة ومكانة، وله عند الناس أيَادٍ تحملهم على احترامه وقبول وساطته، فهي شفاعة مدفوعة الثمن، فللشافع رصيد من الجميل وسوابق الخير تزيد عما يطلب للمشفوع له. لذلك نرى في الريف مثلاً رجلاً له جاه ومنزلة بين الناس، فيحكم في النزاعات ويفصل في الدم، فحين يتدخّل بين خصميْن ترى الجميع ينصاع له ويذعن لحكومته. ومن ذلك ما عرفناه في الشرع من شركة الوجوه، ومعلوم أن

стр. 12766

الشركة تحتاج إلى مال أو عمل، لكن قد يوجد شخص ليس لديه مال ولا يستطيع العمل، لكن يتمتع بوجاهة ومنزلة بين الناس، فنأخذه شريكاً معنا بما لديه من هذه الميزة. والحقيقة أن وجاهته ومنزلته بين الناس قُوِّمت بالمال؛ لأنه ما نالها من فراغ، إنما جاءت نتيجة جَهْد وعمل ومجاملات للناس، احترموه لأجلها، فلما زال عنه المال وأنفقه في الخير بَقِي له رصيد من الحب والمكانة بين الناس. . ومن ذلك أيضاً شراء العلامة التجارية. ومعنى ﴿وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] فرْق بين الشافع والصديق، فالشافع لا بُدَّ أن تطلب منه أن يشفع لك، أما الصديق وخاصة الحميم لا ينتظر أن تطلب منه، إنما يبادرك بالمساعدة، ووصف الصديق بأنه حميم؛ لأن الصداقة وحدها في هذا الموقف لا تنفع حيث كل إنسان مشغول بنفسه. فإذا لم تكُنْ الصداقة داخلة في الحميمية، فلن يسأل صديق عن صديقه، كما قالت تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤٣٧] . وقد أثارت مسألة الشفاعة لغطاً كثيراً من المستشرقين الذين يريدون تصيّد المآخذ على القرآن الكريم، فجاء أحدهم يقول: تقولون إن القرآن معجزة في البلاغة، ونحن نرى فيه المعنى الواحد يأتي في أسلوبين، فإنْ كان الأول بليغاً فالآخر غير بليغ، وإنْ كان الثاني بليغاً فالأول غير بليغ، ثم يقول عن مثل هذه الآيات: إنها تكرار لا فائدة منه.

стр. 12767

ونقول له: أنت تنظر إلى المعنى في إجماله، وليس لديك الملَكة العربية التي تستقبل بها كلام الله، ولو كانت عندك هذه الملَكة لما اتهمتَ القرآن، فكل آية مما تظنه تكراراً إنما هي تأسيس في مكانها لا تصلح إلا له. والآيتان محل الكلام عن الشفاعة في سورة البقرة، هما متفقتان في الصدر مختلفتان في العَجْز، أحدهما: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨] . والأخرى: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ١٢٣] . إذن: فصدْر الآيتين متفق، أما عَجُز الأولى: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . وعَجُز الأخرى: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] فهما مختلفتان. وحين تتأمل صَدْرَيْ الآيتين الذي تظنه واحداً في الآيتين تجد أنه مختلف أيضاً، نعم هو مُتحد في ظاهره، لكن حين تتأمله تجد أن الضمير فيهما: إما يعود على الشافع، وإما يعود على المشفوع له، فإنْ عاد الضمير على المشفوع له نقول له: لا نأخذ منك عدلاً، ولا تنفعك شفاعة، وإنْ عاد الضمير على الشافع نقول له: لا نقبل منك شفاعة ونُقدِّم الشفاعة أولاً ولا نأخذ منك عدلاً. إذن: ليس في الآيتين تكرار كما تظنون، فكلٌّ منهما يحمل معنى لا تؤديه الآية الأخرى. وقد أوضحنا هذه المسألة أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تقتلوا

стр. 12768

أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] . والأخرى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] . فصدْرا الآيتين مختلف، وكذلك العَجْز مختلف، فعَجُز الأولى: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ [الإسراء: ٣١] . وعَجُز الأخرى: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] . وحين نتأمل الآيتين نجد أن لكل منهما معناها الخاص بها، وليس فيهما تكرار كما يظن البعض. ففي الآية الأولى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إذن: فالفقر غير موجود، والأب يخاف أن يأتي الفقر بسبب الأولاد، فهو مشغول برزق الولد، لا برزقه هو؛ لأنه غني غير محتاج؛ لذلك قدَّم الأولاد في عَجُز الآية، كأنه يقول للأب: اطمئن فسوف نرزق هؤلاء الأولاد أولاً، وسوف تُرزَق أنت أيضاَ معهم. أما الآية الأخرى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فالفقر في هذه الحالة موجود فعلاً، وشُغل الأب برزق نفسه أوْلى من شغله برزق ولده؛ لذلك قال في عَجُز الآية: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] فقدَّمهم على الأولاد. إذن: لكل آية معناها الذي لا تؤديه عنها الآية الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه عنهم أنهم قالوا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾

стр. 12769

معنى: ﴿كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢] أي: عودة إلى الدنيا ورجعة ﴿فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢] أي: نستأنف حياة جديدة،

стр. 12770

فنؤمن بالله ونطيعه، ونستقيم على منهجه، ولا نقف هذا الموقف. وفي آيات أخرى شرحت هذه المسألة، يقول تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩١٠٠] . يعني: ﴿كَلاَّ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] لن يعودوا مرة أخرى، وما هي إلا كلمة يقولونها بألسنتهم يريدون النجاة بها، لكن هيهات فبينهم وبين الدنيا برزخٌ يعزلهم عنها، ويمنعهم العودة إليها، وسوف يظل هذا البرزخ إلى يوم يُبعثون. وفي أية أخرى حول هذا المعنى يُرقِّي الحق ﵎ المسألة من موقف الموت إلى موقف القيامة، فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [الأنعام: ٢٧] . وهذا كَذِب منهم وقَوْل باللسان لا يوافقه العمل؛ لذلك ردَّ الحق ﵎ عليهم بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾

стр. 12771

الآية: هي الأمر العجيب الملفت للنظر، وما كان ينبغي أنْ يمرَّ على العقول بدون تأمّل واعتبار ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٣] رغم أن هذه الآيات ظاهرة واضحة، ومع ذلك كان أكثرهم غير مؤمنين.

стр. 12772

أي: مع كونهم لم يؤمن أكثرهم، فالله تعالى هو العزيز الذي لا يُغلَب، إنما يغلِب، ومع عِزّته تعالى فهو رحيم بعباده يفتح باب التوبة لمن تاب. ثم ينتقل السياق القرآني من قصة سيدنا إبراهيم ﵇ إلى قصة أخرى من رَكْب الأنبياء ومواكب الرسل هي قصة نوح ﵇: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾

стр. 12773

القوم: هم الرجال خاصة، وسُمُّوا قوماً؛ لأنهم هم الذين يقومون بأهم الأشياء، ويقابل القوم النساء، كما جاء شرح هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . فالرجال هم القوم؛ لأنهم يقومون بأهم الأمور، وعليهم مدار حركة الحياة، والنساء يستقبلْنَ ثمار هذه الحركة، فينقونها بأمانة ويُوجِّهونها التوجيه السليم. والشاعر العربي أوضح هذا المعنى بقوله: وَمَا أَدْرِي ولسْتُ إخَاَلُ أدْرِي ... أَقْوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ ونفهم أيضاَ هذه القِوامة للرجل من قَوْل الله تعالى حينما وعظ

стр. 12774

آدم وحذَّره من الشيطان: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة﴾ [طه: ١١٧] وحسب القاعدة نقول: فتشقيا. لكن الحق ﵎ يقول: ﴿فتشقى﴾ [طه: ١١٧] أنت يا آدم وحدك في حركة الحياة، فالرجل يتحمل هذه المشقة ويكرم المرأة أن تُهَان أو تشقى، لكن ماذا نفعل وهي تريد أن تُشقِي نفسها؟! ونلحظ أن الآية تقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥] كيف وهم ما كذّبوا إلا رسلهم نوحاً ﵇؟ وكانوا مؤمنين قبله بآدم وإبراهيم مثلاً. قالوا: لأن الرسل عن الله إنما جاءوا في أصول ثابتة في العقيدة وفي الأخلاق لا تتغير في أي دين؛ لذلك فمن كذَّب رسوله فكأنه كذَّب كل الرسل، ألاَ ترى أن من أقوال المؤمنين أن يقولوا: ﴿قُلْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] . وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . فإنْ قُلْتَ: فماذا عن اختلاف المناهج والشرائع من نبي لآخر؟ نقول: هذه اختلافات في مسائل تقتضيها تطورات المجتمات، وهي فرعيات لا تتصل بأصل العقائد والأخلاق الكريمة. لذلك نجد هذه لازمة في كُلِّ مواكب الرسالات، يقول: المرسِلِين، المرسَلِين؛ لأن الذي يُكذِّب رسوله فيما اتفق فيه الأجيال

стр. 12775

من عقائد وأخلاق، فكأنه كذّب جميع المرسلين.

стр. 12776

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] يريد أن يُحنِّن قلوبهم عليه بكلمة ﴿أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء: ١٠٦] التي تعني أنه منهم وقريب الصِّلة بهم، ليس أجنبياً عنهم، فهم يعرفون أصله ونشأته. ويعلمون صفاته وأخلاقه. لذلك لما بُعِث النبي ﷺ َ وأبلغ الناس برسالته بادر إلى الإيمان به أقرب الناس إليه، وهي السيدة خديجة دون أنْ تسمع منه آية واحدة، وكذلك الصِّديق أبو بكر وغيرهما من المؤمنين الأوائل، لماذا؟ لأنهم بَنَوْا على تاريخه السابق، واعتمدوا على سيرته فيهم قبل الرسالة، فعلموا أن الذي لا يكذب على الناس مستحيل أن يكذب على رب الناس. والسيدة خديجة رضوان الله عليها تعتبر أول فقيهة، وأول عالمة أصول في الإسلام، حينما جاءها رسول الله ﷺ َ يشكو ما يعاني، ويخشى أن يكون ما يأتيه من الوحي رئياً من الجن أو توهمات تفسد عليه عقله وتفكيره، قالت له انظر إلى العظمة «والله إنك لتصل الرحم، وتَقْرى الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتُعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله أبداً» .

стр. 12777

ولما علم الصِّدِّيق بحادثة الإسراء والمعراج بادر بالتصديق، ولم يتردد، ولما سُئل عن ذلك قال: إننا نصدقه في الأمر يأتي من السماء فكيف لا نصدقه في هذه، فإنْ كان قال فقد صدق. إذن: فمقياس الصدق لديه أن يقول رسول الله؛ لذلك استحق الصِّديق هذا اللقب عن جدارة، حتى «إن رسول الله ﷺ َ ليقول في حقه:» كنتُ أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان يعني: في خصال الخير فسبقتُه إلى النبوة فاتبعني، ولو سبقني لاتبعته «. هذه كلها معانٍ نفهمها من قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء: ١٠٦] . وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فهذه من حكمة الله في الرسل، وعجيب أن يقول أهل العناد من القوم: نريد ملكاً رسولاً، وأن يقفوا من رسول الله موقف العداء، وكان يجب عليهم على الأقل أن يُمكِّنوه من دعوته، ويُمكِّنوا عقولهم من أنْ تفهم لا أن تدخل في الأمر على هوى سابق. فالذي يتعب الناس في استقبال الحق أن تكون قلوبهم مشغولة بباطل، والحق لا يجتمع مع الباطل ولا يضمهما محلٌّ واحد؛ لذلك إذا أردت أن تبحث في مسألة، فعليك أنْ تُخرِج من قلبك الباطل أولاً، ثم حكِّم عقلك في الأمر، واستفتِ قلبك فما سمح به فأدخله. وهذه نراها حتى في الماديات، فالحيز الواحد لا يسع شيئين أبداً، يقولون: عدم تداخل، كما لو ملأت قارورة بالماء مثلاً، فقبل أن يدخل الماء لا بُدَّ أنْ يخرج الهواء، فنراه على شكل فقاعات.

стр. 12778

لذلك يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١] . ولك أن تلاحظ مثلاً زجاجة (الكولونيا) ذات الثُّقْب الضيق إذا وضعْتها في الماء، لا يمكن أن يدخلها الماء، لماذا؟ لأن ثقبها ضيق، لا يسمح بخروج الهواء أو دخول الماء. ولأمر ما سُمِّي الهوى من الهواء، فكما أن الهواء الذي نُحِسُّه لو أتى من ناحية واحدة لمبنى أو جبل مثلاً لانهدم إلى الناحية الأخرى، لماذا؟ لأن الهواء هو الذي يتولّى حِفْظ توازن هذه المباني العالية وناطحات السحاب التي نراها، يحفظ توازنها حين يحيط بها من كل جهاتها، فإنْ فرّغتَ الهواء من أحدى الجهات انهدم المبنى في نفس هذه الجهة. والهواء من القوى العظيمة التي يستخدمها الإنسان ويُحولِّها إلى طاقة، وانظر مثلاً إلى قوة تفريغ الهواء وما تُحدِثه من هزة عنيفة، أو إلى الحاويات والشاحنات العملاقة التي تسير على الهواء في عجلاتها، وكذلك الهوى إنْ كان في الباطل كان قوياً ومدمراً، ومن هذا المعنى سُمِّي السقوط هويّا، تقول: هَوَى الشيء يعني: سقط. وقوله: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] هذه الكلمة جاءت على لسان كل الرسل أو يقولها الرسول أوَّلَ ما يبعث، ومعناها: اتقوا الله و (أَلاَ) أداة للخصِّ، والحثِّ على الفعل. كما تقول للولد المهمل: أَلاَ تذاكر أو هَلاَّ تذاكر. وحين نحلل أسلوب الحضِّ أو الحثِّ نجد أنه يأتي على صورة التعجب من نفي الفعل، كما تقول للولد الذي لا يصلي وتريد أن تحثَّه على الصلاة: ألا تصلي؟ استفهام بالنفي وعندها يستحي الولد أن يقولها، لكن حين تستفهم بالإثبات: أتصلي؟ يقولها بفخر: نعم.

стр. 12779

إذن: معنى الحثِّ: تعجُّب من ترْك الفعل وإنكار يحمل معنى الأمر. فمعنى: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] أُنكِر عليكم ألاَّ تكونوا متقين، والمراد: أطلب منكم أن تكونوا متقين، وما دُمْت قد أنكرت النفي فلا بُدَّ أنك تريد الإثبات.

стр. 12780

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧] فإنْ كانت عندكم غفلة فقد رَحِم الله غفلتكم، ونبّهكم برسول أمين يَعِظكم ويعلّمكم ويُبلّغكم منهج الله، وهو أمين لن يغشَّكم في شيء حتى لا تقولوا: إنَّا كنَّا غافلين. وما دُمْت أنا مرسلاً من الله إليكم، وأميناً عليكم وعلى دعوتي، فاسمعوا مني؛ لذلك كرَّر الأمر بالتقوى: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾
следующие страницы →