← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] يريد أن يُحنِّن قلوبهم عليه بكلمة ﴿أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء: ١٠٦] التي تعني أنه منهم وقريب الصِّلة بهم، ليس أجنبياً عنهم، فهم يعرفون أصله ونشأته. ويعلمون صفاته وأخلاقه. لذلك لما بُعِث النبي ﷺ َ وأبلغ الناس برسالته بادر إلى الإيمان به أقرب الناس إليه، وهي السيدة خديجة دون أنْ تسمع منه آية واحدة، وكذلك الصِّديق أبو بكر وغيرهما من المؤمنين الأوائل، لماذا؟ لأنهم بَنَوْا على تاريخه السابق، واعتمدوا على سيرته فيهم قبل الرسالة، فعلموا أن الذي لا يكذب على الناس مستحيل أن يكذب على رب الناس. والسيدة خديجة رضوان الله عليها تعتبر أول فقيهة، وأول عالمة أصول في الإسلام، حينما جاءها رسول الله ﷺ َ يشكو ما يعاني، ويخشى أن يكون ما يأتيه من الوحي رئياً من الجن أو توهمات تفسد عليه عقله وتفكيره، قالت له انظر إلى العظمة «والله إنك لتصل الرحم، وتَقْرى الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتُعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله أبداً» .

стр. 12777

ولما علم الصِّدِّيق بحادثة الإسراء والمعراج بادر بالتصديق، ولم يتردد، ولما سُئل عن ذلك قال: إننا نصدقه في الأمر يأتي من السماء فكيف لا نصدقه في هذه، فإنْ كان قال فقد صدق. إذن: فمقياس الصدق لديه أن يقول رسول الله؛ لذلك استحق الصِّديق هذا اللقب عن جدارة، حتى «إن رسول الله ﷺ َ ليقول في حقه:» كنتُ أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان يعني: في خصال الخير فسبقتُه إلى النبوة فاتبعني، ولو سبقني لاتبعته «. هذه كلها معانٍ نفهمها من قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء: ١٠٦] . وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فهذه من حكمة الله في الرسل، وعجيب أن يقول أهل العناد من القوم: نريد ملكاً رسولاً، وأن يقفوا من رسول الله موقف العداء، وكان يجب عليهم على الأقل أن يُمكِّنوه من دعوته، ويُمكِّنوا عقولهم من أنْ تفهم لا أن تدخل في الأمر على هوى سابق. فالذي يتعب الناس في استقبال الحق أن تكون قلوبهم مشغولة بباطل، والحق لا يجتمع مع الباطل ولا يضمهما محلٌّ واحد؛ لذلك إذا أردت أن تبحث في مسألة، فعليك أنْ تُخرِج من قلبك الباطل أولاً، ثم حكِّم عقلك في الأمر، واستفتِ قلبك فما سمح به فأدخله. وهذه نراها حتى في الماديات، فالحيز الواحد لا يسع شيئين أبداً، يقولون: عدم تداخل، كما لو ملأت قارورة بالماء مثلاً، فقبل أن يدخل الماء لا بُدَّ أنْ يخرج الهواء، فنراه على شكل فقاعات.

стр. 12778

لذلك يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١] . ولك أن تلاحظ مثلاً زجاجة (الكولونيا) ذات الثُّقْب الضيق إذا وضعْتها في الماء، لا يمكن أن يدخلها الماء، لماذا؟ لأن ثقبها ضيق، لا يسمح بخروج الهواء أو دخول الماء. ولأمر ما سُمِّي الهوى من الهواء، فكما أن الهواء الذي نُحِسُّه لو أتى من ناحية واحدة لمبنى أو جبل مثلاً لانهدم إلى الناحية الأخرى، لماذا؟ لأن الهواء هو الذي يتولّى حِفْظ توازن هذه المباني العالية وناطحات السحاب التي نراها، يحفظ توازنها حين يحيط بها من كل جهاتها، فإنْ فرّغتَ الهواء من أحدى الجهات انهدم المبنى في نفس هذه الجهة. والهواء من القوى العظيمة التي يستخدمها الإنسان ويُحولِّها إلى طاقة، وانظر مثلاً إلى قوة تفريغ الهواء وما تُحدِثه من هزة عنيفة، أو إلى الحاويات والشاحنات العملاقة التي تسير على الهواء في عجلاتها، وكذلك الهوى إنْ كان في الباطل كان قوياً ومدمراً، ومن هذا المعنى سُمِّي السقوط هويّا، تقول: هَوَى الشيء يعني: سقط. وقوله: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] هذه الكلمة جاءت على لسان كل الرسل أو يقولها الرسول أوَّلَ ما يبعث، ومعناها: اتقوا الله و (أَلاَ) أداة للخصِّ، والحثِّ على الفعل. كما تقول للولد المهمل: أَلاَ تذاكر أو هَلاَّ تذاكر. وحين نحلل أسلوب الحضِّ أو الحثِّ نجد أنه يأتي على صورة التعجب من نفي الفعل، كما تقول للولد الذي لا يصلي وتريد أن تحثَّه على الصلاة: ألا تصلي؟ استفهام بالنفي وعندها يستحي الولد أن يقولها، لكن حين تستفهم بالإثبات: أتصلي؟ يقولها بفخر: نعم.

стр. 12779

إذن: معنى الحثِّ: تعجُّب من ترْك الفعل وإنكار يحمل معنى الأمر. فمعنى: ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦] أُنكِر عليكم ألاَّ تكونوا متقين، والمراد: أطلب منكم أن تكونوا متقين، وما دُمْت قد أنكرت النفي فلا بُدَّ أنك تريد الإثبات.

стр. 12780

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧] فإنْ كانت عندكم غفلة فقد رَحِم الله غفلتكم، ونبّهكم برسول أمين يَعِظكم ويعلّمكم ويُبلّغكم منهج الله، وهو أمين لن يغشَّكم في شيء حتى لا تقولوا: إنَّا كنَّا غافلين. وما دُمْت أنا مرسلاً من الله إليكم، وأميناً عليكم وعلى دعوتي، فاسمعوا مني؛ لذلك كرَّر الأمر بالتقوى: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾

стр. 12781

وكأنه يتصالح معهم، فيُخفف من أسلوب النُّصْح، ويأتي بالأمر صريحاً بعد أن أتى به في صورة إنكار ألاَّ يكونوا متقين. وثمرة التقوى طاعة الأوامر واجتناب النواهي، وهذه لا نعرفها إلا من الرسول حامل المنهج ومُبلِّغ الدعوة والأمين عليها. وقد ترددتْ هذه الآية على ألسنة كثير من رسل الله: ﴿إِنِّي

стр. 12782

لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٧١٠٨] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾

стр. 12783

هذه العبارة ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] لم نسمعها على لسان إبراهيم ﵇، ولا على لسان موسى ﵇، فأول مَنْ قالها نوح ﵇، وكوْنك تقول لآخر: أنا لا أسألك أَجْراً على هذا العمل، فهذا يعني أنك تستحق أجراً على هذا العمل، وأنت غير زاهد في الأجر، إنما إنْ أخذته من المنتفع بعملك، فسوف يُقوِّمه لك بمقاييسه البشرية؛ لذلك من الأفضل أن تأخذ أجرك من الله. فكأن نوحاً ﵇ يقول: أنتم أيها البشر لا تستطيعون أن تُقوِّموا ما أقوم به من أجلكم؛ لأنني جئتكم بمنهج هداية يُسعِدكم في الدنيا، ويُنجيكم في الآخرة، وأنتم لن تٌقوِّموا هذا العمل، وأجري فيه على الله؛ لأنكم تُعطون على قَدْر إمكاناتكم وعلمكم. وسبق إنْ حكيْنَا لكم قصة الرجل الذي قابلناه في الجزائر، وكان رجلاً تبدو عليه علامات الصلاح، وقد أشار لنا لنقف بسيارتنا ونحمله معنا، فلما توقفنا ليركب معنا مالَ إلى السائق، وقال (على كم) يعني: الأجرة فقال له الرجل، وكان المحافظ: نُوصلك لله، فقال (غَلِّتها يا شيخ) . نعم، إنْ كان الأجر على الله فهو غَالٍ. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] .

стр. 12784

ثم يقول: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٠٩] إنْ هنا بمعنى ما النافية؛ لأنه تعالى القادر على أن يُكافئني على دعوتي، فهو الذي أرسلني بها، وهو سبحانه رب العالمين الذي تبرع بالخَلْق من عدم، وبالإمداد من عدم، وخلق لي ولكم الأرزاق، وهذا كله لصالحكم؛ لأنه سبحانه لا ينتفع من هذا بشيء. والربوبية تقتضي عناية، وتقتضي نفقة وخلقاً وإمداداً، فصاحب كل هذه الأفضال والنعم هو الذي يعطيني أجري.

стр. 12785

بعد أن بيَّن لهم كرم الربوبية في مسألة الأجر على الدعوة وأعطاهم ما يشجعهم على التقوى وعلى الطاعة؛ لأنهم سينتفعون برسالة الرسول دون أجر منهم. ومعنى ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١١٠] أي: ليست لي طاعة ذاتية، إنما أطيعوني؛ لأني رسول من قِبَل الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه حاكياً ردَّهم على نوح ﵇: ﴿قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾

стр. 12786

الأَرْذَلُونَ: جمع أرذل، وهو الردىء من الشيء، ورُذَال الفاكهة: المعطوب منها وما نسميه (نقاضة) والاستفهام هنا للتعجب: كيف نؤمن لك ونحن السادة، والمؤمنون بك هم الأرذلون؟ يقصدون الفقراء وأصحاب الحِرَف والذين لا يُؤْبَه بهم، وهؤلاء عادة هم جنود الرسالة؛ لأنهم هم المطحونون من المجتمع الفاسد، وطبيعي أن يتلقفوا مَنْ يعدل ميزان المجتمع.

стр. 12787

وفي آية أخرى: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] . وقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١] دليل على عدم فهمهم لحقيقة الإيمان؛ لأنه لم يقُلْ لهم: آمنوا بي، إنما آمنوا بالله. أو: أن المعنى ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ [الشعراء: ١١١] أي: نُصدِّقك فمن معاني آمن أي: صدَّق، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] أي: صَدَّق به، وآمن تكون بمعنى صَدَّق إذا جاءت بعدها اللام، فإنْ جاء بعدها الباء فهي بمعنى الإيمان.

стр. 12788

يعني: ما دام الحساب على ربي وهم يريدون الإيمان، فلا بُدَّ أنْ يأخذوا جزاءهم وافياً ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٣] .

стр. 12789

وقد طلبوا منه أن يطرد هؤلاء المؤمنين من مجلسه ليُجلِسهم هم، وفي آية أخرى قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ َ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾ [الأنعام: ٥٢] .

стр. 12790

فمَنْ يسمع إنذاري، ويسمع بشارتي، ويأتي مجلسي، فعلى عيني أرافقه. فالله ما أرسلني لأخص ذوي الغنى دون الفقراء بمجلسي، إنما أرسلني لأبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله، وإن كان فقيراً.

стр. 12791

وهكذا أعلنوا الحرب على نبي الله نوح، يقولون: لا فائدةَ من تحذيرك، وما زِلْتَ مُصِراً على دعوتك ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ﴾ [الشعراء: ١١٦] عما تدعيه من الرسالة، وما تقول به من تقوى الله وطاعته، وما تفعله من تقريب الأرذلين إلى مجلسك، لتكوِّن جمهوراً من صغار الناس.

стр. 12792

﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين﴾ [الشعراء: ١١٦] أي: إذا لم تنتهِ فسوف نرجمك، إنه تهديد صريح للرسول الذي جاءهم من عند الله يدعوهم إلى الخير في الدنيا والآخرة. كما قال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وهذا التهديد منهم لرسول الله يدلُّ على أنهم كانوا أقوياء، وأصحابَ جاه وبطْشٍ.

стр. 12793

تأمل هنا أدب نوح ﵇ حين يشكو قومه إلى الله ويرفع إليه ما حدث منهم، كل ما قاله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ولم يذكر شيئاً عن التهديد له بالرجم، وإعلان الحرب على دعوته، لماذا؟ لأن ما يهمه في المقام الأول أن يُصدِّقه قومه، فهذا هو الأصل في دعوته. وقوله: ﴿فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ [الشعراء: ١١٨] الفتح في الشيء إما: حسياً وإما معنوياً، فمثلاً الباب المغلَق بقُفْل نقول: نفتح الباب: أي نزيل أغلاقه. فإنْ كان الشيء مربوطاً نزيل الأشكال ونفكّ الأربطة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٦٥] أي: أزالوا الرباط عن متاعهم، هذا هو الفتح الحسِّيّ.

стр. 12794

أما الفتح المعنوي فنُزيل الأغلاق والأشكال المعنوية ليأتي الخير وتأتي البركة، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] . وفي آية أخرى: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] . والخير الذي يفتح الله به على الناس قد يكون خيراً مادياً، وقد يكون عِلْماً، كما في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] . أي: من العلم في التوراة، يخافون أن يأخذه المؤمنون، ويجعلوه حجة على أهل التوراة إذا ما كان لهم الفتح والغَلَبة، فمعنى: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] أي: بما علَّمكم من علم لم يعلموه هم. وقد يكون الفتح بمعنى الحكم، مثل قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩] . ويكون الفتح بمعنى النصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] . ثم يقول نوح ﵇: ﴿وَنَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨] من كيدهم وما يُهدِّدونني به من الرَّجْم ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ المؤمنين﴾ [الشعراء: ١١٨] لأن الإيذاء قد يتعدّاه إلى المؤمنين معه، وتأتي الإجابة سريعة: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ﴾

стр. 12795

وقد وردتْ قصة السفينة في الأعراف، وفي هود، ولنوح ﵇ سورة خاصة هي سورة نوح مثل سورة محمد؛ ذلك لأن له في تاريخ الرسالات ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويستحق أنْ يخصَّه الله تعالى بسورة بأسمه. لذلك عندما يكرر أحد الناس لك الكلام، ويُعيده عليك، تقول له (هيَّه سورة) ، فكلام العامة والأُميين له أَصْلٌ من استعمال اللغة. وفي موضع آخر ذكر الحق ﵎ قصة صُنْع السفينة في قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨] وهذا دليل على أنها كانت أول سفينة يصنعها الإنسان، وقد صنع نوح سفينته بأمر الله ووحيه وتحت عينه تعالى، وفي رعايته: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] . وما كان الله تعالى ليُكلِّفه بصُنْع السفينة ثم يتركه، إنما تابعه، حتى إذا ما حدث خطأ نبَّهه إليه من البداية، كما قال تعالى لسيدنا موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] . وبمثل هذه الآيات نردُّ على الذين يقولون: إن الله تعالى زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة فخلق الخَلْق، ثم ترك القوانين تسيره، ولو كان الأمر كذلك لوجدنا العالم كله يسير بحركة (ميكانيكية) ، لكن ظواهر الكون وما فيه من معجزات تدلُّ على قيوميته تعالى على خَلْقه. لذلك يقول لهم: ناموا ملء جفونكم، فإن لكم رباً لا ينام، كيف لا وأنت إذا استأجرتَ حارساً لمنزلك مثلاً تنام مطمئناً اعتماداً على أنه يَقِظ؟ وكيف إذا حرسك ربُّك الذي لا تأخذه سِنَة ولا نَوْمٌ؟ وأَلاَ يدلُّ ذلك على قيوميته تعَالى؟

стр. 12796

هذه القيومية التي تنقضُ العزائم، وتفسَح القوانين، قيومية تقول للنار كوني برداً وسلاماً فتكون، وتقول للماء: تجمَّد حتى تكون جبلاً فيتجمد، تقول للحجر: انفلق فينفلق. . ولو كان الأمر (ميكانيكياً) كما يقولون لما حدث هذا، ولما تخلَّف قانون واحد من قوانين الكون. والمشحون: الذي امتلأ، ولم يَبْقَ به مكان خَالٍ، فكانت السفينة مشحونة بما حمل فيها، لأنها صُنِعَتْ بحساب دقيق، لا يتسع إلا لمن كُلِّف نوح بحملهم في سفينته، وكانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة ومن كل حيوان زوجين اثنين. والفلك المشحون يُطلَق ويُراد به الواحدة، ويُطلَق ويراد به الجماعة كما في قوله سبحانه: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] .

стр. 12797

وهم الكافرون الذين لم يركبوا معه، و ﴿بَعْدُ﴾ [الشعراء: ١٢٠] أي: بعد ما ركب من ركب، وبعد ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١١٢] .

стр. 12798

والآية: الأمر العجيب الذي يجب الالتفات إليه والاعتبار به، لكن مَنْ سيعتبر بعد أنْ غرق الباقون؟ سيعتبر بهذه الآية المؤمنون الذين ركبوا السفينة حين يروْنَ نتيجة التكذيب، ومصير المكذِّبين الكافرين.

стр. 12799

أي: ورغم كُفْرهم وتكذيبهم، ورغم أنه ما كان أكثرهم مؤمنين، فالله تعالى هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب، وهو سبحانه الرحيم بعباده الذي يتوب على مَنْ تاب منهم. ثم ينتقل السياق إلى قصة أخرى في موكب الأمم المكذِّبة: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾

стр. 12800

وقال هنا أيضاً ﴿المرسلين﴾ [الشعراء: ١٢٣] لأن تكذيب رسول واحد تكذيبٌ لكل الرسل؛ لأنهم جميعاً جاءوا بقواعد وأصول واحدة في العقائد وفي الأخلاق. وعاد: اسم للقبيلة، وكانت القبائل تُنسَب إلى الأب الأكبر فيها، ولصاحب الشهرة والنباهة بين قومه، فعاد هو أبو هذه القبيلة، وقد يُطلَق عليهم بنو فلان أو آل فلان، ثم يذكر لنا قصتهم، ومتى كان منهم هذا التكذيب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾

стр. 12801

قلنا: إن (أَلاَ) للحثِّ والحضِّ، وحين يُنكّر النفي ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] فإنه يريد الإثبات فكأنه قال: اتقوا. وقال ﴿أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ليرقق قلوبهم ويُحنِّنهم إليه، وليعرفوا أنه واحد منهم ليس غريباً عنهم، فهو أخوهم، والأخ من دَأبه النُّصْح والشفقة والرحمة، وهذا إيناس للخَلْق.

стр. 12802

وهذه المقولة لازمة من لوازم الرسُل في دعوتهم، سبق أنْ قالها نوح ﵇.

стр. 12803

قلنا: إن هذه العبارة أول مَنْ قالها نوح ﵇ ثم سيقولها الأنبياء من بعده. لكن: لماذا لم يقل هذه العبارة إبراهيم؟ ولم يقُلْها موسى؟ قالوا: لأن إبراهيم ﵇ أول ما دعا دعا عمه آزر، فكيف يطلب منه أَجْراً؟ وكذلك موسى ﵇ أول دعوته دعا فرعون الذي ربَّاه في بيته، وله عليه فضل وجميل، فكيف يطلب منه أجراً، وقد قال له: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] . لذلك لم تأْت هذه المقولة على لسان أحد منهما. وقال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٢٧] لأن الربَّ هو الذي يتولَّى الخَلْق بالبذْل والعطايا والإمداد. وقلنا: إن عدم أخذ الأجر ليس زُهْداً فيه، إنما طمعاً في أنْ يأخذ أجره من الله، لا من الناس. ثم يتوجّه إليهم ليُصحِّح بعض المسائل الخاصة بهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾

стр. 12804

وهذه خصوصية من خصوصيات قوم هود، والرِّيع: هو المكان المرتفع، لذلك بعض الناس يقولون: كم رِيع بنائك؟ يعني: ارتفاعه

стр. 12805

كم متراً، فكأن الارتفاع يُثمِّن البقعة، ويُطلق الريع على الارتفاع في كل شيء. وكلمة ﴿آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨] بعد ﴿أَتَبْنُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] تعني: القصور العالية التي تعتبر ِآيةً في الإبداع وجمال العمارة والزخرفة والفخامة والاتساع والرِّفْعة في العُلُو. وقال ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] لأنهم لن يخلُدوا في هذه القصور، ومع ذلك يُشيِّدونها لتبقى أجيالاً من بعدهم، فعدّ هذا بعثاً منهم؛ لأن الإنسان يكفيه أقلّ بناء ليأويه فترة حياته. أو ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] لأنهم كانوا يجلسون في شُرفات هذه القصور يصدُّون الناس، ويصرفونهم عن هود وسماع كلامه ودعوته التي تَلْفِتهم إلى منهج الحق. ونحن لم نَرَ حضارة عاد، ولم نَرَ آثارهم، كما رأينا مثلاً آثار الفراعنة في مصر؛ لأن حضارة عاد طمرتْها الرمال، وكانوا بالجزيرة العربية في منطقة تُسمَّى الآن بالرَّبْع الخالي؛ لأنها منطقة من الرمال الناعمة التي يصعب السير أو المعيشة بها، لكن لكي نعرف هذه الحضارة نقرأ قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ [الفجر: ٦٨] .

стр. 12806

وما دامت لم يُخلَق مثلها في البلاد، فهي أعظم من حضارة الفراعنة التي نشاهدها الآن، ويفد إليها الناس من كل أنحاء العالم ليشاهدوا الأهرام مثلاً، وقد بنيت لتكون مجرد مقابر، ومع تقدُّم العلم في عصر الحضارة والتكنولوجيا، ما زال هذا البناء مُحيِّراً للعلماء، لم يستطيعوا حتى الآن معرفةَ الكثير من أسراره. ومن هذه الأسرار التي اهتدَوْا إليها حديثاً كيفية بناء أحجار الأهرام دون ملاط مع ضخامتها، وقد توصَّلوا إلى أنها بُنيَتْ بطريقة تفريغ الهواء مما بين الأحجار، وهذه النظرية تستطيع ملاحظتها حين تضع كوباً مُبلّلاً بالماء على المنضدة مثلاً، ثم تتركه فترةً حتى يتبخر الماء من تحته، فإذا أردتَ أن ترفعه من مكانه تجده قد لصق بالمنضدة. وليس عجيباً أنْ تختفي حضارةٌ، كانت أعظم حضارات الدنيا تحت طبقات الرمال، فالرمال حين تثور تبتلع كل ما أمامها، حتى إنها طمرتْ قبيلة كاملة بجِمالها ورجالها، وهذه هبة واحدة، فما بالك بثورة الرمال، وما تسفوه الريح طوال آلاف السنين؟ وأنا واثق من أنهم إذا ما نبشوا هذه الرمال وأزاحوها لوجدوا تحتها أرضاَ خصبة وآثاراً عظيمة، كما نرى الاكتشافات الأثرية الآن كلها تحت الأرض، وفي فيينا أثناء حفر أحد خطوط المجاري هناك وجدوا آثاراً لقصور ملوك سابقين. وطالما أن الله تعالى قال عن عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] فلا بُدَّ أن هناك قصوراً ومبانيَ مطمورة تحت هذه الرمال.

стр. 12807

المصانع تُطلَق على موارد الماء، وتطلق على الحصون، لماذا. قالوا: لأن الحصون لا تُبنَى للإيواء فقط؛ لأن الإيواء يمنع الإنسان من هوام الحياة العادية، أمّا الحصون فمتنعه أيضاً من الأعداء الشرسين الذي يتربصون به، فكأنهم جعلوها صنعة مثمرة، لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] يعني: أتبنون هذه الحصون هذا البناء القوي المسلح تريدون الخلود؟ وهل أنتم مُخلَّدون في الحياة؟ إن فترة مُكْث الإنسان في الدنيا يسيرة لا تحتاج كل هذا التحصين، فهي كظلِّ شجرة، سرعان ما يزول.

стр. 12808

والبَطْش: الأخْذُ بشدة وبعنف، يقول تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد﴾ [البروج: ١٢] ويقول: ﴿أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] . لأن الأَخْذ يأخذ صُوراً متعددة: تأخذه بلين وبعطف وشفقة، أو تأخذه بعنف. ثم يزيدهم صفة أخرى تؤكد بَطْشهم ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] . لأنك قد تأخذ عدوك بعنف، لكن بعد ذلك يرقُّ له قلبك، فترحم ذِلَّته لك، فتُهوِّن عليه وترحمه، لكن هؤلاء جبارون لا ترقّ قلوبهم. وهذه الصفات الثلاثة السابقة لقوم هود: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨١٣٠] .

стр. 12809

هذه الصفات تخدم صفة التعالي، وتسعى إلى الوصول إليه وكأنهم يريدون صفة العُلُو التي تُقرِّبهم من الألوهية؛ لأنه لا أحدَ أعلى من الحق سبحانه، ثم يريدون أيضاً استدامة هذه الصفة واستبقاء الألوهية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] . وفي صفة البَطش الشديد والجبارية يريدون التفرُّد على الغير، والقرآن يقول: ﴿تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣] . فإنْ كنتَ تريد أداء الخدمة المنوطة بك في الحياة، فعليك أنْ تؤديها، لا للتّعالي؛ لأن حينئذ ستأخذ حظك من العُلُو والغَلَبة في دار الدنيا وتنتهي المسألة، أمّا إنْ فعلتَ وفي بالك ربُّك، وفي بالك أنْ تُيسِّر للناس مصالح الحياة، فإنك تُرقَّي عملك وتُثمِّره، ويظل لك أجره، طالما وجد العمل ينتفع الناس به إلى أنْ تقوم الساعة، وهذا أعظم تصعيد لعمل الإنسان. ولم يفعل قوم عاد شيئاً من هذا، إنما طلبوا العُلُو في الأرض، وبطشوا فيها جبارين، لكن أيتركهم ربهم يستمرون على هذه الحال؟ إن من رحمة الله تعالى بعباده أنْ يُذكِّرهم كلما نَسُوا، ويُوقظهم كلما غفلوا، فيرسل لهم الرسل المتوالين؛ لأن الناس كثيراً ما تغفل عن العهد القديم الذي أخذوه على أنفسهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٢١٧٣] . وقلنا: إن الحق ﵎ يضع المناعة في خليفته في

стр. 12810

الأرض، ويعطيه المنهج الذي يصلحه، لكنه قد يغفل عن هذا المنهج أو تغلبه نفسه، فينحرف عنه، والإنسان بطبيعته يحمل مناعةً من الحق ضد الباطل وضد الشر، فإنْ فسدَتْ فيه هذه المناعة فعلى الآخر أن يُذكِّره ويُوقظ فيه دواعي الخير. ومن هنا كان قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ٣] . فإنْ وجدتَ أخاك على باطل فخُذْ بيده إلى الحق. ومعنى ﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ [العصر: ٣] أي: تبادلوا التوصية، فكل منكم عُرْضة للغفلة، وعُرْضة للانحراف عن المنهج، فإنْ غفلتُ أنا توصيني، وإنْ غفلتَ أنت أوصيك، وهذه المناعة ليست في الذات الآن، إنما في المجتمع المؤمن، فمنْ رأى فيه اعوجاجاً قوَّمه. لكن ما الحال إنْ فسدت المناعة في الفرد وفسدَتْ في المجتمع، فصار الناس لا يعرفون معروفاً، ولا يُنكِرون منكراً، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] . وعندها لا بد أن يرسل رب العزة سبحانه برسول جديد، ومعجزة جديدة تُوقِظ الناس، وتعيدهم إلى جادة ربهم. ومن شرف أمة محمد ﷺ َ أن الله تعالى جعل المناعة في ذات نفوسها، فجعلهم الله توابين، إنْ فعل أحدهم الذنب تاب ورجع، وإنْ لم يرجع وتمادى رَدَّه المجتمع الإيماني وذكَّره. وهذه الصفة ملازمة لهذه الأمة إلى قيام الساعة، كما ورد في الحديث: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة» .

стр. 12811

لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله ﷺ َ؛ لأن المناعة ملازمة لها في الذات، وفي النفس اللوامة، وفي المجتمع الإيماني الذي لا يُعدم فيه الخير أبداً. لذلك يقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ [آل عمران: ١١٠] . وهذه صفة تفردتْ بها هذه الأمة عن باقي الأمم؛ لذلك يقول هود ﵇ مُذكّراً لقومه ومُوقِظاً لهم: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾

стр. 12812

أي: أن ربكم لم يترككم على ما أنتم عليه من الضلال تعبثون بالآيات، وتتخذون مصانع تطلبون الخلود، وأنكم بطشتم جبارين، وها هو يدعوكم: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] فتقوى الله تعالى وطاعته كفيلة أنْ تُذهب ماضيكم وتمحو ذنوبكم، بل وتُبدِّله خيراً وصلاحاً ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: ١١٤] . وأنا حين أُوصيكم بتقوى الله وطاعته، لا أوصيكم بهذا لصالحي أنا، فلا أقول لكم، اتقوني أو أطيعوني ولن أنتفع من طاعتكم بشيء. كذلك الحق ﵎ غني عنكم وعن طاعتكم؛ لأن له سبحانه صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق الخَلْق، فهو سبحانه متصف بالخَلْق قبل أن يخلق، وبالقدرة قبل أن يُوجَد المقدور عليه. . إلخ. إذن: فوجودكم لم يَزِدْ شيئاً في صفاته تعالى، وما كانت الرسالات إلا لمصلحتكم أنتم، فإذا لم تطيعوا أوامر الله، وتأخذوا منهجه، لأنه يفيدكم فأطيعوه جزاءَ ما أنعم عليكم من نِعَم لا تُعدُّ ولا تُحصَى، فالإنسان طرأ على كون أُعِدَّ لاستقباله وهُيِّىء لمعيشته،

стр. 12813

وخلق له الكون كله: سماءً، فيها الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وأرضاً فيها الخصب والماء والهواء. هذا كله قبل أن تُوجَد أنت، فطاعتك لله إذن ليست تفضُّلاً منك، إنما جزاء ما قدَّم لك من نِعَم. وعجيب أن ترى هذه المخلوقات التي جُعِلَتْ لخدمتك أطول عمراً منك، فالإنسان قد يموت يوم مولده، وقد يعيش عدة أيام أو عدة سنوات، أمّا الشمس مثلاً فعمرها ملايين السنين، وهي تخدمك دون سلطان لك عليها، ودون أن تتدخل أنت في حركتها. ثم يقول تعالى: ﴿واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ﴾

стр. 12814

لم تعدد الآية ما أمدنا الله به، وتركتْ لنا أن نُعدِّده نحن؛ لأننا نعرفه جيداً ونعيشه، وندركه بكل حواسِّنا ومداركنا، فما من آلة عندك إلا وتحت إدراكها نعمة لله، بل عدة نِعَم، فالعين ترى المناظر، والأذن تسمع الأصوات، والأنف يشم الروائح، واليد تبطش. . إلخ. ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] فقولوا أنتم واشهدوا على أنفسكم وعَدِّدوا نِعَم ربكم عليكم.

стр. 12815

المراد الأنعام: الضأن والماعز والإبل والبقر، ثمانية أزواج.
следующие страницы →