Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.
стр. 12811
لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله ﷺ َ؛ لأن المناعة ملازمة لها في الذات، وفي النفس اللوامة، وفي المجتمع الإيماني الذي لا يُعدم فيه الخير أبداً.
لذلك يقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وهذه صفة تفردتْ بها هذه الأمة عن باقي الأمم؛ لذلك يقول هود ﵇ مُذكّراً لقومه ومُوقِظاً لهم: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾
стр. 12812
أي: أن ربكم لم يترككم على ما أنتم عليه من الضلال تعبثون بالآيات، وتتخذون مصانع تطلبون الخلود، وأنكم بطشتم جبارين، وها هو يدعوكم: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] فتقوى الله تعالى وطاعته كفيلة أنْ تُذهب ماضيكم وتمحو ذنوبكم، بل وتُبدِّله خيراً وصلاحاً ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: ١١٤] .
وأنا حين أُوصيكم بتقوى الله وطاعته، لا أوصيكم بهذا لصالحي أنا، فلا أقول لكم، اتقوني أو أطيعوني ولن أنتفع من طاعتكم بشيء. كذلك الحق ﵎ غني عنكم وعن طاعتكم؛ لأن له سبحانه صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق الخَلْق، فهو سبحانه متصف بالخَلْق قبل أن يخلق، وبالقدرة قبل أن يُوجَد المقدور عليه. . إلخ.
إذن: فوجودكم لم يَزِدْ شيئاً في صفاته تعالى، وما كانت الرسالات إلا لمصلحتكم أنتم، فإذا لم تطيعوا أوامر الله، وتأخذوا منهجه، لأنه يفيدكم فأطيعوه جزاءَ ما أنعم عليكم من نِعَم لا تُعدُّ ولا تُحصَى، فالإنسان طرأ على كون أُعِدَّ لاستقباله وهُيِّىء لمعيشته،
стр. 12813
وخلق له الكون كله: سماءً، فيها الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وأرضاً فيها الخصب والماء والهواء. هذا كله قبل أن تُوجَد أنت، فطاعتك لله إذن ليست تفضُّلاً منك، إنما جزاء ما قدَّم لك من نِعَم.
وعجيب أن ترى هذه المخلوقات التي جُعِلَتْ لخدمتك أطول عمراً منك، فالإنسان قد يموت يوم مولده، وقد يعيش عدة أيام أو عدة سنوات، أمّا الشمس مثلاً فعمرها ملايين السنين، وهي تخدمك دون سلطان لك عليها، ودون أن تتدخل أنت في حركتها.
ثم يقول تعالى: ﴿واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ﴾
стр. 12814
لم تعدد الآية ما أمدنا الله به، وتركتْ لنا أن نُعدِّده نحن؛ لأننا نعرفه جيداً ونعيشه، وندركه بكل حواسِّنا ومداركنا، فما من آلة عندك إلا وتحت إدراكها نعمة لله، بل عدة نِعَم، فالعين ترى المناظر، والأذن تسمع الأصوات، والأنف يشم الروائح، واليد تبطش. . إلخ.
﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] فقولوا أنتم واشهدوا على أنفسكم وعَدِّدوا نِعَم ربكم عليكم.
стр. 12815
المراد الأنعام: الضأن والماعز والإبل والبقر، ثمانية أزواج.
стр. 12816
فإنْ قلت: فنحن نمرُّ بديارهم، فلا نرى إلا خلاءً تسْفُو فيه الرياح، نعم لقد كانت لهم جنات وعيون هي الآن تحت أطباق التراب ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم: ٩٨] .
стр. 12817
أي: أن تقوى الله وطاعته لا تعَدُّ شكراً على نعمه فحسب، إنما أيضاً تكون لكم وقاية من عذاب الآخرة، فلا تظنوا أنكم أخذتُم نِعَم الله، ثم بإمكانكم الانفلات منه أو الهرب من لقائه، فالقاؤه حق لا مفرَّ منه، ولا مهرب، فإنْ لم تَخَفْ السابق من النعم، فخَفِ اللاحق من النِّقَم.
فماذا كان ردّهم على مقالة نبيِّهم وموعظته لهم؟ ﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ﴾
стр. 12818
وقولهم ﴿أَوَعَظْتَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] دليل على أن الحق لا بُدَّ أن يظهر، ولو على ألسنة المكابرين، ولا يكون الوعظ إلا لمَنْ علم حكماً، ثم تركه، فيأتي الواعظ ليُذكِّره به، فهو إذن مرحلة ثانية بعد التعليم، فهذا القول منهم اعتراف ودليل أنهم علموا المطلوب منهم، ثم غفلوا عنه.
وهؤلاء يقولون لنبيهم ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ [الشعراء: ١٣٦] يعني: أرح نفسك، فسواء علينا وعظُك وعدم وعظِك، ونلحظ أنهم قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ [الشعراء: ١٣٦]
стр. 12819
ولم يقولوا مثلاً: سواء علينا أوعظتَ أم لم تَعِظْ؛ لأن نفي الوَعْظ يُثبت له القدرة عليه.
إنما ﴿لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ [الشعراء: ١٣٦] يعني: امتنع منك الوعظ نهائياً، وكأنهم لا يريدون مسألة الوعظ هذه أبداً، حتى في المستقبل لن يسمعوا له.
стр. 12820
إنْ: بمعنى ما النافية، يعني: ما هذا الذي جئتَ به إلا ﴿خُلُقُ﴾ [الشعراء: ١٣٧] الأولين يعني: عادة مَنْ سبقوك واختلاقهم، يقصدون الرسل السابقين، كما قالوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ [النمل: ٦٨] .
وقالوا: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] .
فوصفوا نبيهم، ومَنْ سبقوه من الرسل بالكذب والاختلاق وإيجاد شيء لم يكن موجوداً.
والخُلُق: صفة ترسخ في النفس تصدر عنها الأفعال بيُسْر وسهولة، والصفات التي يكتسبها الإنسان لا تعطي مهارة من أول الأمر، بل تعطي مهارة بعد الدُّرْبة عليها، فتصير عند صاحبها كالحركة الآلية لا تحتاج منه إلى مجهود أو معاناة.
وسبق أن ضربنا مثلاً بالصبي الذي يتعلم مثلاً الحياكة، وكم يعاني ويضربه معلمه في سبيل تعلُّم لضم الخيط في الإبرة، حتى إذا ما تعلمها الصبي وأجادها تراه فعل ذلك تلقائياً، ودون مجهود وربما وهو مُغْمض العينين.
стр. 12821
وأنت حينما تتعلم قيادة السيارة مثلاً لأول مرة، كم تعاني وتقع في أخطاء وأخطار؟ لكن بعد التدريب والدُّرْبة تستطيع قيادتها بمهارة، وكأنها مسألة آلية، وكذلك الخُلُق المعنوي، مثل هذه الدُّرْبة والآلية في الماديات.
إذن: ﴿خُلُقُ الأولين﴾ [الشعراء: ١٣٧] يعني: دعوى ادعوْهَا جميعاً أي: الرسل.
وفي قراءة أخرى تُوجه للمرسل إليهم بفتح الخاء وسكون اللام (خُلْق) أي: اختلاق والمعنى: نحن كمن سبقونا من الأمم لا نختلف عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
وهؤلاء السابقون قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] .
فهذه الصفة أصبحت عندنا ثابتة متأصِّلة في النفس، فلا تحاول زحزحتنا عنها، فالمراد: نحن مثل السابقين لا نؤمن بمسألة البعث، فأرح نفسك، فلن يجديَ معنا وعْظُك.
стр. 12822
يقولونها صريحة ردّاً على قوله: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾
стр. 12823
وكانت السماء قبل محمد ﷺ َ تجعل الرسول يُدلِي بمعجزته، أو يقول بمنهجه، لكن لا تطلب منه أن يُؤدِّب المعاندين والمعارضين له إنما تتولّى السماء عنه هذه المهمة فتُوقِع بالمكذبين عذابَ الاستئصال.
وقد أُمِنَتْ أمة محمد ﷺ َ من عذاب الاستئصال، فمَنْ كفر برسالة محمد ﷺ َ لا يأخذه الله كما أخذ المكذِّبين من الأمم السابقة، إنما يقول سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] .
وكملة ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء: ١٣٩] كلمة صادقة، لها دليل في الوجود نراه شاخصاً، كما يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ [الفجر: ٦٨] .
نعم، كانت لهم حضارة بلغتْ القمة، ولم يكُنْ لها مثيل، ومع هذا كله ما استطاعت أنْ تصون نفسها، وأخذها الله أَخْذ عزيز مقتدر.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧١٣٨] .
وقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا﴾ [النمل: ٥٢] .
أي: أنها شاخصة أمامكم تروْنها وتمرُّون عليها، وأنتم لم تبلغوا مبلغَ هذه الحضارة، فإذا كانت حضارتهم لم تمنعهم من أَخْذ الله العزيز المقتدر، فينبغي عليكم أنْ تتنبهوا إلى أنكم أضعف منهم، وأن ما حاق بالكافرين وما نزل بالمكذِّبين ليس ببعيد عن أمثالهم من الأمم الأخرى.
لذلك تجد الحضارات التي تُتوَارث في الكون كلها آلتْ إلى زوال،
стр. 12824
ولم نجد منها حضارة بقيتْ من البداية إلى النهاية، ولو بُنِيَتْ هذه الحضارات على قيم ثابتة لكان فيها المناعة ضد الزوال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ [الشعراء: ١٣٩] أي: في إهلاك هذه الحضارة لأمر عظيم، يُلفِت الأنظار، ويدعو للتأمل: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] .
стр. 12825
قال ﴿رَبَّكَ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ولم يقُلْ ربهم؛ لأن منزلة المربِّي تعظم في التربية بمقدار كمال المربِّي، فكأنه تعالى يقول: أنا ربُّك الذي أكملت تربيتك على أحسن حال، فَمنْ أراد أنْ يرى قدرة الربوبية فليرها في تربيتك أنت، والمربَّى يبلغ القمة في التربية إنْ كان مَنْ ربَّاه عظيماً.
لذلك يقول ﷺ َ: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» .
إذن: فمن عظمة الحق ﵎ أنْ يُعطي نموذجاً لدقّة تربيته تعالى ولعظمة تكوينه، ولما يصنعه على عَيْنه تعالى بمحمد ﷺ َ، فكأنه ﷺ َ أكرمُ مخلوق مُربَّى في الأرض؛ لذلك قال ﴿رَبَّكَ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ولم يقل: ربهم مع أن الكلام ما يزال مُتعلقاً بهم.
وقوله تعالى: ﴿لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ١٤٠] العزيز قلنا: هو الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب، لكن لا تظن أن في هذه الصفة جبروتاً؛ لأنه تعالى أيضاً رحيم، ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يجمع بين هاتين الصفتين: عزيز ورحيم وكأنه يشير لنا إلى مبدأ إسلامي يُربِّي
стр. 12826
الإسلام عليه أتباعه، ألا وهو الاعتدال فلا تطغى عليك خصلة أو طبْع أو خُلُق، والزم الوسط؛ لأن كل طبْع في الإنسان له مهمة.
وتأمل قول الله تعالى في صفات المؤمنين:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] .
فالمسلم ليس مجبولاً على الذلّة ولا على العزة، إنما الموقف هو الذي يجعله ذليلاً، أو يجعله عزيزاً، فالمؤمن يتصف بالذلّة والخضوع للمؤمنين، ويتصف بالعزّة على الكافرين.
ومن ذلك أيضاً: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
ومعلوم أن الرحمة في غير موضعها ضَعْف وخَوَر، فمثلاً الوالد الذي يرفض أن يُجري لولده جراحة خطرة فيها نجاته وسلامته خوفاً عليه، نقول له: إنها رحمة حمقاء وعطف في غير محلّه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾
стр. 12827
بعد أن ذكر طرفاً من قصة إبراهيم وموسى ونوح وهود ﵈ ذكر قصة ثمود قوم صالح ﵇، وقد تكررتْ هذه اللقطات في عدة مواضع من كتاب الله؛ ذلك لأن القرآن في علاجه لا يعالج أمةً واحدة في بيئة واحدة بخُلق واحد، إنما يعالج عالماً مختلف البيئات ومختلف الداءات ومختلف المواهب والميول.
فلا بُدَّ أن يجمع الله له الرسل كلهم، ليأخذ من كل واحد منهم لقطة؛ لأنه سيكون منهجاً للناس جميعاً في كُلِّ زمان وفي كُلِّ مكان،
стр. 12828
أمّا هؤلاء الرسل الذين جمعهم الله في سياق واحد فلم يكونوا للناس كافة، إنما كل واحد منهم لأمة بعينها، ولقابل واحد في زمن مخصوص، ومكان مخصوص.
لقد بُعث محمد ﷺ َ ليكون رسولاً يجمع الدنيا كلها على نظام واحد، وخَلُق واحد، ومنهج واحد، مع تباين بيئاتهم، وتباين داءاتهم ومواهبهم. إذن: لا بُدَّ أن يذكر الحق ﵎ لرسوله ﷺ َ طرفاً من سيرة كل نبي سبقه.
لذلك قال سبحانه: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] .
ورسول الله ﷺ َ لم يكُنْ في حاجة لأن يُثبِّت الله فؤاده مرة واحدة، إنما كلّما تعرّض لمواقف احتاج إلى تثبيت، فيُثّبته الله، يقول له: تذكّر ما كان من أمر إبراهيم، وما كان من أمر نوح وهود ... إلخ فكان تكرار القصص لتكرار التثبيت، فالقصة في القرآن وإنْ كانت في مجموعها مكررة، إنما لقطاتها مختلفة تؤدي كُلٌّ منها معنى لا تؤديه الأخرى.
وهنا يقول سبحانه كما قال عن الأمم السابقة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾ [الشعراء: ١٤١] لأن الرسل جميعاً إنما جاءوا بعقيدة واحدة، لا يختلف فيها رسول عن الآخر، وصدروا من مصدر واحد، هو الحق ﵎، ولا يختلف الرسل إلا في المسائل الاجتماعية والبيئية التي تناسب كلاً منهم.
لذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وعيسى﴾ [النساء: ١٦٣] .
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ
стр. 12829
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾
стр. 12830
قال هنا أيضاً: ﴿أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ليرقِّق قلوبهم ويُحنِّنها على نبيهم ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] قلنا: إنها استفهام إنكاري. تعني: اتقوا الله، ففيها حَثٌّ وحَضّ على التقوى، فحين تُنكر النفي، فإنك تريد الإثبات.
ولما كانت التقوى تقتضي وجود منهج نتقي الله به، قال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] وما دُمْتُ أنا رسول أمين لن أغشّكم ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] وكرر الأمر بالتقوى مرة أخرى، وقرنها بالطاعة.
стр. 12831
فكأن العمل الذي أقدمه من أجلكم في عُرْف العقلاء يستحق أجراً، فالعامل الذي يعمل لكم شيئاً جزئياً من مسائل الدنيا يزول وينتهي يأخذ أجراً عليه، أما أنا قأقدّم لكم عملاً يتعدَّى الدنيا إلى الآخرة، ويمدّ حياتك بالسعادة في الدنيا والآخرة، فأجْري إذن كبير؛ لذلك لا أطلبه منكم إنما من الله.
стр. 12832
يريد أن يُوبِّخهم: أتظنون أنكم ستخلّدون في هذا النعيم، وأنتم آمنون، أو أنكم تأخذون نِعَم الله، ثم تفرُّون من حسابه، كما قال سبحانه:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
فمَنْ ظن ذلك فهو مخطيء قاصر الفهم؛ لأن الأشياء التي تخدمك في الحياة لا تخدمك بقدرة منك عليها، فأنت لا تقدر على الشمس فتأمرها أنْ تشرق كل يوم، ولا تقدر على السحاب أن ينزل المطر، ولا تقدر على الأرض أن تعطيها الخصوبة لتنبت، ولا تقدر على الهواء الذي تتنفسه. . إلخ وهذه من مُقوِّمات حياتك التي لا تستطيع البقاء بدونها.
وكان من الواجب عليك أن تتأمل وتفكر: مَن الذي سخرَّها لك، وأقدرك عليها؟ كالرجل الذي انقطع في الصحراء وفقد دابته وعليها طعامه وشرابه حتى أشرف على الهلاك، ثم أخذته سِنَة أفاق منها على مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله، أليس عليه قبل أنْ تمتد يده إليها إنْ يسأل نفسه: مَنْ أعدّ لي هذه المائدة في هذا المكان.
كذلك أنت طرأتَ على هذا الكون وقد أُعِدَّ لك فيه كل هذا الخير، فكان عليك أن تنظر فيه، وفيمَنْ أعدّه لك. فإذا جاءك رسول من عند الله ليحلَّ لك هذا اللغز، ويخبرك بأن الذي فعل كل هذا هو الله، وأن من صفات كماله كذا وكذا، فعليك أن تُصدِّقه.
لأنه إما أن يكون صادقاً يهديك إلى حَلِّ لغز حار فيه عقلك، وإما هو كاذب والعياذ بالله وحاشا لله أن يكذب رسول الله على الله
стр. 12833
فإن صاحب هذا الخلق عليه أن يقوم ويدافع عن خَلْقه.
ويقول: هذا الرسول مُدَّعٍ وكاذب، وهذا الخَلْق لي: فإذا لم يقُمْ للخَلْق مُدَّعٍ فقد ثبتتْ القضية لله تعالى إلى أنْ يظهر مَنْ يدَّعيها لنفسه.
стр. 12834
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] امتداد للآية السابقة، يعني: لا تظنوا أن هذا يدوم لكم. و (جنات) : جمع جنة، وهي المكان المليء بالخيرات، وكل ما يحتاجه الإنسان، أو هي المكان الذي إنْ سار فيه الإنسان سترتْه الأشجار؛ لأن جنَّ يعني ستر. كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: ستره.
ومنه الجنون. ويعني: سَتْر العقل. وكذلك الجنة، فهي تستر عن الوجود كله، وتُغنيك عن الخروج منها إلى غيرها، ففيها كل ما تتطلبه نفسك، وكل ما تحتاجه في حياتك.
ومن ذلك ما نسميه الآن (قصراً) لأن فيه كل ما تحتاجه بحيث يقصرك عن المجتمع البعيد.
وقال بعدها: ﴿وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] لأن الجنة تحتاج دائماً إلى الماء، فقال ﴿وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ليضمن بقاءها.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا﴾
стр. 12835
النخل من الزروع، لكن خصَّ النخل بالذِّكْر، لأن رسول الله ﷺ َ اهتم به، وشبَّهه بالمؤمن في الحديث: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها» قال الراوي: فوقع الناس في شجر البوادي،
стр. 12836
ولم يهتدوا إليها، فلما خرج عمر وابنه عبد الله قال: يا أبي، لقد وقع في ظني أنها النخلة؛ لأنها مثل المؤمن كل ما فيه خير.
نعم لو تأملتَ النخلة لوجدتَ أن كل شيء فيها نافع، وله مهمة، وينتفع الزارع به، ولا يُلْقَى منها شيء منهما كان بسيطاً. فالجذوع تُصنع منها السواري والأعمدة، وتُسقف بها البيوت قبل ظهور الخرسانة، ومن الجريد يصنعون الأقفاص، والجزء المفلطح من الجريدة ويسمى (القحف) والذي لا يصلح للأقفاص كانوا يجعلونه على شكل معين، فيصير (مقشّة) يكنسون بها المنازل.
ومن الليف يصنعون الحبال، ويجعلونه في تنجيد الكراسي وغيرها، حتى الأشواك التي تراها في جريد النخل خلقه الله لحكمة وبقدَرٍ؛ لأنها تحمي النخلة من الفئران أثناء إثمارها، والليف الذي يمنو بين أصول الجريد جعله الله حماية للنخلة، وهي في طور النمو، وما تزال غَضَّة طرية، فلا يحمي بعضها على بعض.
إذن: هي شجرة خيِّرة كالمؤمن، وقد تم أخيراً في أحد البحوث أن أخذوا الجزء الذي يسمى بالقحف، وجعلوه في تربة مناسبة، فأنبتوا منه نخلة جديدة.
لذلك «لما قال ابن عمر: إنها النخلة. ذهب عمر إلى رسول الله، وحكى له مقالة ولده، فقال ﷺ َ:» صدق ولدك «فقال عمر: (فوالله ما يسرني أن فَطِن ولدي إليها أن لي حمر النعم) » .
стр. 12837
والذين يزرعون النخيل يروْنَ فيه آيات وعجائب دالّة على قدرة الله تعالى.
ومعنى ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] الطَّلْع: هو الكوز الذي تخرج منه الشماريخ في الأُنْثى ويخرج منه المادة المخصبة في الذكر، والتي قال الله عنها: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
وفي الذَّكر يخرج من الكوز المادة المخصِّبة للنخلة، وللقِنْوان أو الشماريخ أطوار في النمو يُسمُّونه (الخلا) ، فيظل ينمو ويكبر إلى أنْ يصل إلى نهايته حَدّاً حيث يجمد على هذه الحالة، ويكتمل نموه الحجمي، ثم تبدأ مرحلة اللون.
يقولون (عفَّر) النخل: يعني شاب خضرته حمرة أو صفرة. فإذا اكتمل احمرار الأحمر واصفرار الأصفر، يسمى (بُسْر) ثم يتحول البُسْر إلى (الرطب) حيث تلين ثمرته وتنفصل قِشْرته، فإنْ كان الجو جافاً فإنَّ الرُّطَب يَيْبس، ويتحول إلى (التمر) حيث تتبخَّر مائيته، وتتماسك قِشْرته، وتلتصق به.
ومعنى ﴿هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] يعني: غَضٌّ ورَطْب طريٌّ، وهذا يدل على خصوبة الأرض، ومنه هضم الطعام حتى يصبر ليِّناً مُسْتساغاً.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال﴾
стр. 12838
وحين تذهب إلى مدائن صالح تجد البيوت منحوتة في الجبال كما ينحتون الآن الأنفاق مثلاً، لا يبنونها كما نبني بيوتنا، ومعنى ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] الفاره: النشط القوي ظاهر الموهبة، يقولون: فلان فاره في كذا يعني؛ ماهر فيه، نشط في ممارسته.
стр. 12839
المسرف: هو الذي يتجاوز الحدِّ؛ وتجاوز الحدِّ له مراحل؛ لأن الله تعالى أحلَّ أشياء، وحرّم أشياء، وجعل لكل منهما حدوداً مرسومة، فالسَّرَف فيما شرع الله أن تتجاوز الحلال، فتُدخل فيه الحرام.
أو: يأتي الإسراف في الكَسْب فيدخل في كَسْبه الحرام. وقد يُلزم الإنسان نفسه بالحلال في الكسب، لكن يأتي الإسراف في الإنفاق فينفق فيما حرَّمه الله. إذن: يأتي الإسراف في صور ثلاثة: إما في الأصل، وإما في الكسب، وإما في الإنفاق.
ونلحظ أن الحق ﵎ حينما يكلمنا عن الحلال، يقول سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
أما في المحرمات فيقول سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: ابتعد عنها؛ لأنك لا تأمن الوقوع فيها، ومَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. فلم يقل الحق سبحانه مثلاً: لا تُصَلُّوا وأنتم سكارى. إنما قال: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: ٤٣] .
والمعنى: خُذِ الحلال كله، لكن لا تتعداه إلى المحرَّم، أما المحرَّم فاحذر مجرد الاقتراب منه؛ لأن له دواعي ستجذبك إليه.
ونقف عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ تطيعوا أَمْرَ المسرفين﴾ [الشعراء: ١٥١] حيث لم يقل: ولا تسرفوا، وكأن ربنا يريد
стр. 12840
أن يُوقِظ غفلتنا ويُنبِّهنا ويُحذِّرنا من دعاة الباطل الذين يُزيِّنون لنا الإسراف في أمور حياتنا، ويُهوِّنون علينا الحرام يقولون: لا بأس في هذا، ولا مانع من هذا، وهذا ليس حرام. ربنا يعطينا المناعة اللازمة ضد هؤلاء حتى لا ننساق لضلالالتهم.
لذلك جاء في الحديث الشريف: «استفت قلبك، واستفتِ نفسك، وإنْ أفتوك، وإنْ أفتوك، وإنْ أفتوك» .
وفي هذا دليل على أنه سيأتي أناس يُفتون بغير علم، ويُزيِّنون للناس الباطل، ويُقنعونهم به. والفتوى من الفُتوة القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] .
كذلك الفتوى تعني: القوة في أمر الدين والتمكُّن من مسائله وقضاياه، وإنْ كانت القوة المادية في أمر الدنيا لها حَدٌّ تنتهي عنده فإنْ القوة في أمر الدين لا تنتهي إلى حَدٍّ، لأن الدين أمدُه واسع، وبحره لا ساحلَ له. والقوة نعرفها في أي ناحية من النواحي، لكن قوة القوى هي القوة في أمر الدين.
نقول: فلان فتيٌّ يعني: قويٌّ بذاته، وأفتاه فلان أي: أعطاه القوة، كأنه كان ضعيفاً في حُكم من أحكام الشرع، فذهب إلى المفتي فأفتاه يعني: أعطاه فتوة في أمر الدين. مثل قولنا: غَنيَ فلان أي: بذاته، وأغناه أي: غيره، كما يقول سبحانه: ﴿وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] .
стр. 12841
إذن: فمهمة المفتي أن يُقوِّي عقيدتي، لا أن يسرف لي في أمر من أمور الدين، أو يُهوِّن عليَّ ما حرّم الله فيُجرِّئني عليه، وعلى المفتي أن يتحرَّى الدقة في فتواه خاصة في المسائل الخلافية التي يقول البعض بحلِّها، والبعض بحرمتها، يقف عند هذه المسائل وينظر فيها رأي الإسلام المتمثل في الحديث الشريف:
«الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مُشْتبهات، فمن ترك ما شُبِّه له لا من فعل ما شُبِّه له يعني على الأقل نترك ما فيه شبهة فقد استبرأ لدينه إن كان متديناً وعِرْضه إن لم يكُنْ متديناً» .
إذن: مَنْ لم يقف هذا الموقف ويترك ما فيه شبهة لم يستبرىء لدينه ولا لعِرْضه. ومَنْ لم يُفْتِ على هذا الأساس من العلماء فإنما يُضعِف أمر الدين لا يُقوِّيه، وبدل أن نقول: أفتاه. نقول: أضعفه.
стр. 12842
فوصف المسرفين بأنهم مفسدون في الأرض غير مصلحين، كأن الأرض خلقها الخالق على هيئة الصلاح في كل شيء، لكن يفسدها الإنسان بتدخلّه في أمورها؛ لذلك سبق أن قلنا: إنك لو نظرتَ إلى الكون من حولك لوجدته على أحسن حال، وفي منتهى الاستقامة، طالما لا تتناوله يد الإنسان، فإنْ تدخّل الإنسان في شيء ظهرتْ فيه علامات الفساد.
ولا يعني هذا ألاَّ يتدخل الإنسان في الكون، لا إنما يتدخل على
стр. 12843
منهج مَنْ خَلقَ فيزيد الصالح صلاحاً، أو على الأقل يتركه على صلاحه لا يفسده، فإن تدخَّل على غير هذا المنهج فلا بُدَّ له أن يفسد.
فحين تمر مثلاً ببئر ماء يشرب منه الناس، فإما أنْ تُصلح من حاله وتزيده ميزة وتُيسِّر استخدامه على الناس، كأن تبني له حافّة، أو تجعل عليه آلة رَفْع تساعد الناس، أو على الأقل تتركه على حاله لا تفسده؛ لذلك يقول تعالى: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] .
أما هؤلاء القوم فلم يكتَفِ القرآن بوصفهم بالفساد وحسب، إنما أيضاً هم ﴿وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ذلك لأن الإنسان قد يُفسِد في شيء، ويُصلح في شيء، إنما هؤلاء دأبهم الفساد، ولا يأتي منهم الصلاح أبداً.
ونكبة الوجود من الذين يصنعون أشياء يروْنها في ظاهرها صلاحاً، وهي عَيْن الفساد؛ لأنهم لم يأخذوها بكل تقنيناتها القيمية، وانظر مثلاً إلى المبيدات الحشرية التي ابتكروها وقالوا: إنها فتح علمي، وسيكون لها دور كبير في القضاء على دودة القطن وآفات الزرع، وبمرور الزمن أصبحت هذه المبيدات وبالاً على البشرية كلها، كيث تسمِّم الزرع وتسمِّم الحيوان، وبالتالي الإنسان، حتى الماء والتُّرْبة والطيور، لدرجة أنك تستطيع القول أنها أفسدت الطبيعة التي خلقها الله.
وفي هؤلاء قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣١٠٤] .
стр. 12844
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ﴾
стр. 12845
﴿المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣] جمع مُسحَّر، وهي صيغة مبالغة تدلُّ على وقوع السحر عليه أكثر من مرة، نقول: مسحور يعني: مرة واحدة ومُسَحَّر يعني عدة مرات، ومن ذلك قوله تعالى عن ملأ فرعون أنهم قالوا له: ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٦٣٧] .
ولم يقل: بكل ساحر، إنما سحَّار يعني: هذه مهنته، وكما تقول: ناجر ونجار، وخائط وخياط.
وإنْ كان بعضهم قال عن نبيهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الإسراء: ٤٧] فهؤلاء يقولون لنبيهم ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣] وعجيب أمر أهل الباطل؛ لأنهم يتخبطون في هجومهم على الأنبياء، فمرَّة يقولون: ساحر. ومرة يقولون: مسحور، كيف والساحر لا يكون مسحوراً؛ لأنه على الأقل يستطيع أن يحمي نفسه من السحر. قالوا: بل المراد بالمسحور اختلاط عقله، حتى إنه لا يدري ما يقول.
ثم إن نبيكم صالحاً ﵇ إنْ كان مسحوراً فمَنْ سحره؟ أنتم أم أتباعه؟ إنْ كان سحره منكم فأنتم تقدرون على كَفِّ سحركم عنه، حتى يعود إلى طبيعته، وترونه على حقيقته، وإنْ كان من أتباعه، لا بُدَّ أنهم سيحاولون أنْ يعينوه على مهمته، لا أن يُقعدوه عنها.
إذن: فقولهم لنبيهم: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣]
стр. 12846
يريدون أن يخلُصُوا إلى عدم اتباعه هو بالذات، فهم يريدون تديُّناً على حسب أهوائهم، يريدون عبادة إله لا تكليفَ له ولا منهج. كالذين يعبدون الأصنام وهم سعداء بهذه العبادة، لماذا؟
لأن آلهتهم لا تأمرهم بشيء ولا تنهاهم عن شيء. لذلك، فكل الدجالين ومُدَّعُو النبوة رأيناهم يُخفِّفون التكاليف عن أتباعهم، فقديماً أسقطوا عن الناس الزكاة، وحديثاً أباحوا لهم الاختلاط، فلا مانع لديهم من الالتقاء بالمرأة والجلوس معها ومخاطبتها والخُلْوة بها والرقص معها، وماذا في ذلك ونحن في القرن الحادي والعشرين؟
فإنْ قالوا: ساحر، نردُّ عليهم نعم هو ساحر، قد سحر مَنْ آمنوا به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي هذه المسألة؟ إذن: هذه تُهَم لا تستقيم، لا هو ساحر، ولا هو مسحور، إنه مجرد كذب وافتراء على أنبياء الله، وعلى دعاة الخير في كل زمان ومكان.
ثم يقول الحق : ﴿مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾
стр. 12847
وقولهم: ﴿مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ١٥٤] إذن: فوجه اعتراضهم أن يكون النبي بَشَراً، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤] .
ولو بعث الله لهم مَلَكاً لجاءهم على صورة بشر، وستظل الشُّبْهة قائمة، فمن يدريكم أن هذا البشر أصله مَلَك؟ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً
стр. 12848
لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] .
فالمعنى: ما دام أن الرسول بشر، لا يمتاز علينا في شيء فنريد منه أنْ يأتينا بآية يعني: معجزة تُثبِت لنا صِدْقه في البلاغ عن ربه ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ١٥٤] .
ونلحظ أن الحق ﵎ ينتهز فرصة طلَبهم لآية ومعجزة، فأسرع إليهم بما طلبوا، ليقيم عليهم الحُجة، فقال بعدها: ﴿قَالَ هذه نَاقَةٌ﴾
стр. 12849
هذا إجابة لهم؛ لأنهم طلبوا من نبيهم أنْ يُخرِج لهم من الصخرة ناقة تلد سَقْباً لا يكون صغيراً كولد الناقة، إنما تلد سَقْباً في نفس حجمها، فأجابهم ﴿قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] يعني: يوم تشرب فيه، لا يشاركها في شُرْبها شيء من مواشيكم.
﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أي: تشربون فيه أنتم، وكانت الناقة تشرب من الماء في يومها ما تشربه كلّ مواشيهم في يومهم، وهذه معجزة في حَدِّ ذاتها.
стр. 12850
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ﴾
следующие страницы →