Полный текст (14 757 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.
стр. 12846
يريدون أن يخلُصُوا إلى عدم اتباعه هو بالذات، فهم يريدون تديُّناً على حسب أهوائهم، يريدون عبادة إله لا تكليفَ له ولا منهج. كالذين يعبدون الأصنام وهم سعداء بهذه العبادة، لماذا؟
لأن آلهتهم لا تأمرهم بشيء ولا تنهاهم عن شيء. لذلك، فكل الدجالين ومُدَّعُو النبوة رأيناهم يُخفِّفون التكاليف عن أتباعهم، فقديماً أسقطوا عن الناس الزكاة، وحديثاً أباحوا لهم الاختلاط، فلا مانع لديهم من الالتقاء بالمرأة والجلوس معها ومخاطبتها والخُلْوة بها والرقص معها، وماذا في ذلك ونحن في القرن الحادي والعشرين؟
فإنْ قالوا: ساحر، نردُّ عليهم نعم هو ساحر، قد سحر مَنْ آمنوا به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي هذه المسألة؟ إذن: هذه تُهَم لا تستقيم، لا هو ساحر، ولا هو مسحور، إنه مجرد كذب وافتراء على أنبياء الله، وعلى دعاة الخير في كل زمان ومكان.
ثم يقول الحق : ﴿مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾
стр. 12847
وقولهم: ﴿مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ١٥٤] إذن: فوجه اعتراضهم أن يكون النبي بَشَراً، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤] .
ولو بعث الله لهم مَلَكاً لجاءهم على صورة بشر، وستظل الشُّبْهة قائمة، فمن يدريكم أن هذا البشر أصله مَلَك؟ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً
стр. 12848
لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] .
فالمعنى: ما دام أن الرسول بشر، لا يمتاز علينا في شيء فنريد منه أنْ يأتينا بآية يعني: معجزة تُثبِت لنا صِدْقه في البلاغ عن ربه ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ١٥٤] .
ونلحظ أن الحق ﵎ ينتهز فرصة طلَبهم لآية ومعجزة، فأسرع إليهم بما طلبوا، ليقيم عليهم الحُجة، فقال بعدها: ﴿قَالَ هذه نَاقَةٌ﴾
стр. 12849
هذا إجابة لهم؛ لأنهم طلبوا من نبيهم أنْ يُخرِج لهم من الصخرة ناقة تلد سَقْباً لا يكون صغيراً كولد الناقة، إنما تلد سَقْباً في نفس حجمها، فأجابهم ﴿قَالَ هذه نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] يعني: يوم تشرب فيه، لا يشاركها في شُرْبها شيء من مواشيكم.
﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] أي: تشربون فيه أنتم، وكانت الناقة تشرب من الماء في يومها ما تشربه كلّ مواشيهم في يومهم، وهذه معجزة في حَدِّ ذاتها.
стр. 12850
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ﴾
стр. 12851
يخبر الحق سبحانه رسوله بما سيكون، وأن القوم لن يتركوا هذه الآية، إنما سيتعرضون لها بالإيذاء، فقال: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء﴾ [الشعراء: ١٥٦] لكنهم تعدَّوْا مجرد الإيذاء والإساءة فعقروها.
ثم يتوعدهم: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ﴾
стр. 12852
قال (عقروها) بصيغة الجمع، فهل اشتركتْ كل القبيلة في عَقْرها؟ لا بل عقرها واحد منهم، هو قدار بن سالف، لكن وافقه الجميع على ذلك، وساعدوه، وارتضوا هذا الفعل، فكأنهم فعلوا جميعاً؛ لأنه استشارهم فوافقوا.
﴿فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] وقال العلماء: الندم مقدمة التوبة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمُ العذاب إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
стр. 12853
فإنْ قُلْتَ: كيف يأخذهم العذاب وقد ندموا، والندم من مقدمات التوبة؟
نعم، الندم من مقدمات التوبة، لكن توبة هؤلاء من التوبة التي قال الله عنها: ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ [النساء: ١٨] .
إذن: ندموا وتابوا في غير أوان التوبة، أو: أنهم أصبحوا نادمين لا ندمَ توبة من الذنب، إنما نادمون؛ لأنهم يخافون العذاب الذي هددهم الله به إنْ فعلوا.
ثم تُختم هذه القصة بهذا التذييل الذي عرفناه من قبل مع أمم أخرى مُكذِّبة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز﴾
стр. 12854
عزيز: يَغلِب ولا يُغْلَب، ومع ذلك هو رحيم في غَلَبه.
ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قصة أخرى من مواكب الأنبياء والرسل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾
стр. 12855
فقال هنا أيضاً ﴿أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء: ١٦١] لأنه منهم ليس غريباً
стр. 12856
عنهم، وليُحنِّن قلوبهم عليه ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] إنكار لعدم التقوى، وإنكار النفي يطلب الإثبات فكأنه قال: اتقوا الله.
стр. 12857
وهكذا كانت مقالة لوط ﵇ كما قال إخوانه السابقون من الرسل؛ لأنهم يصدُرون جميعاً عن مصدر واحد.
ثم يخصُّ الحق سبحانه قوم لوط لما اشتُهروا به وكان سبباً في إهلاكهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين﴾
стр. 12858
فكأنها مسألة وخصلة تفردوا بها دون العالم كله.
لذلك قال في موضع آخر: ﴿أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين﴾ [الأعراف: ٨٠] .
أي: أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة؛ لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل القذارة، ولكنهم فعلوها، فوَصْفه لها بأنها لم يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية.
стр. 12859
يعني: كان عندكم مندوحة عن هذه الفِعْلة النكراء بما خلق الله لكم من أزواجكم من النساء، فتصرفون هذه الغريزة في محلها، ولا تنقلونها إلى الغير.
أو ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] أي: أنهم كانوا يباشرون هذه المسألة أيضاً مع النساء في غير محلِّ الاستنبات، فقوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
البعض يظنها على عمومها وأن ﴿أنى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] تعطيهم الحرية في هذه المسألة، إنما الآية محددة بمكان الحَرْث واستنبات الولد، وهذا محله الأمام لا الخلف.
لذلك قال بعدها: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] والعادي هو الذي شُرع له شيء يقضي فيه إربته، فتجاوزه إلى شيء آخر حرَّمه الشرع.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾
стр. 12860
أي: إن لم تنته عن ملامنا ومعارضتنا فيما نفعله من هذه العملية ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين﴾ [الشعراء: ١٦٧] كما قالوا في آية أخرى: ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦] أي: لا مكان لهم بيننا، لكن لماذا؟ ﴿إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] سبحان الله جريمتهم أنهم يتطهرون، ولا مكان للطُّهْر بين هؤلاء القوم الأراذل.
стр. 12861
ثم يقول الحق سبحانه عن لوط: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾
стр. 12862
وفرْقٌ بين كوني لا أعمل العمل، وكوْني أكره مَنْ يعمله، فالمعنى: أنا لا أعمل هذا العمل، إنما أيضاً أكره مَنْ يعمله، وهذا مبالغة في إنكاره عليهم.
ثم يقول لوط: ﴿رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي﴾
стр. 12863
لم يملك لوط ﵇ أمام عناد قومه وإصرارهم على هذه الفاحشة إلا أنْ يدعو ربَّه بالنجاة له ولأهله، فأجابه الله تعالى ﴿إِلاَّ عَجُوزاً فِي الغابرين﴾ [الشعراء: ١٧١] .
والمراد: امرأته التي قال الله في حقها: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] .
فجعلها الله مثالاً للكفر والعياذ بالله؛ لذلك لم تكُنْ من الناجين، ولم تشملها دعوة لوط ﵇، وكانت من الغابرين. يعني: الهالكين.
стр. 12864
﴿الآخرين﴾ [الشعراء: ١٧٢] أي: الذين لم يؤمنوا بدعوته، ولم
стр. 12865
ينتهوا عن هذه الفاحشة، ثم بيَّن نوعية هذا التدمير، فقال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٧٣] ولما كان المطر من أسباب الخير وعلامات الرحمة، حيث ينزل الماء من السماء، فيُحيي الأرض بعد موتها، وصف الله هذا المطر بأنه ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ [الشعراء: ١٧٣] فهو ليس مطرَ خَيْر ورحمة، إنما مطر عذاب ونقمة.
كماء جاء في آية أخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤٢٥] .
وهذا يُسمُّونه (يأس بعد إطماع) ، وهو أبلغ من العذاب والإيلام، حين تستشرف للخير فيُفاجئك الشر، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالسجين الذي يطلب من الحارس شَرْبة ماء، ليروي بها عطشه، فلو حرمه الحارس من البداية لَكانَ الأمر هيِّناً لكنه يحضر له كوب الماء، حتى إذا جعله على فيه أراقه على الأرض، فهذا أشد وأنكَى؛ لأنه حرمه بعد أن أطمعه، وهذا عذاب آخر فوق عذاب العطش.
وفي لقطة أخرى بينَّ ما هية هذا المطر، فقال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢٨٣] .
فالحجارة من ﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] أي: طين حُرِق حتى تحجَّر وهي ﴿مُّسَوَّمَةً﴾ [هود: ٨٣] يعني: مُعلَّمة بأسماء أصحابها، تنزل عليهم بانتظام، كل حجر منها على صاحبه.
وبجمع اللقطات المتفرقة تتبين معالم القصة كاملة.
стр. 12866
وتُختم القصة بنفس الآيات التي خُتمِتْ بها القصص السابقة من قصص المكذِّبين المعاندين.
ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قوم آخرين كذبوا رسولهم شعيباً: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة﴾
стр. 12867
الأيكة: هي المكان الخِصْب الذي بلغ من خصوبته أنْ تلتفّ أشجاره، وتتشابك أغصانها، وقال هنا أيضاً ﴿المرسلين﴾ [الشعراء: ٧٦] مع أنهم ما كذَّبوا إلا رسولهم؛ لأن تكذيب رسول واحد كتكذيب كُلِّ الرسل؛ لأنهم جميعاً جاءوا بمنهج واحد في العقيدة والأخلاق.
стр. 12868
نلحظ اختلاف الأسلوب هنا، مما يدل على دِقَّة الأداء القرآني، فلم يقل: أخوهم شعيب، كما قال في نوح وهود وصالح ولوط، ذلك لأن شعيباً ﵇ لم يكن من أصحاب الأيكة، إنما كان غريباً عنهم.
وباقي الآيات متفقة تماماً مع مَنْ سبقه من إخوانه الرسل؛ لأن الوحدة في المنهج العقدي أنتجتْ الوحدة في علاج المنهج؛ لذلك قرأنا هذه الآيات عند كل الرسل الذين سبق ذكرهم.
ثم يأخذ في تفصيل الأمر الخاص بهم؛ لأن كل أمة من الأمم التي جاءها رسول من عند الله إنما جاء ليعالج داءً خاصاً تفشَّى بها، وكانت الأمم من قبل منعزلةً، بعضها عن بعض، ولا يوجد بينها وسائل اتصال تنقل هذه الداءات من أمة لأخرى.
فهؤلاء قوم عاد، وكان داءَهم التفاخُرُ بالبناء والتعالي على الناس، فجاء هود ﵇ ليقول لهم:
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨١٣٠] .
وثمود كان داءهم الغفلةُ والانصراف بالنعمة عن المُنْعم، فجاء صالح ﵇ يقول لهم: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦١٤٩] .
أما قوم لوط ﵇ فقد تفرَّدوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وهي إتيان الذكْران، فجاء لوط ﵇ ليمنعهم ويدعوهم إلى التوبة والإقلاع:
стр. 12869
﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥١٦٦] .
أما أصحاب الأيكة، فكان داءهم أنْ يُطفِّفوا المكيال والميزان، فجاء شعيب ﵇ ليقول لهم: ﴿أَوْفُواْ الكيل وَلاَ تَكُونُواْ﴾
стр. 12870
الكيل: آلة تُقدّر بها الأشياء التي تُكال، ووحدته: كَيْلة أو قَدح أو أردب. والميزان كذلك: آلة يُقدَّر بها ما يُوزَن.
ومعنى ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين﴾ [الشعراء: ١٨١] المخسِر: هو الذي يتسبب في خسارة الطرف الآخر في مسألة الكيل، بأن يأخذ بالزيادة، وإنْ أعطى يُعطِي بالنقصان. وفي الوزن قال ﴿بالقسطاس المستقيم﴾ [الشعراء: ١٨٢] .
والقسطاس: يعني العدل المطلق في قدرة البشر وإمكاناتهم في تحرِّي الدّقّة في الوزن، مع مراعاة اختلاف الموزونات، فوزن الذهب غير وزن التفاح مثلاً، غير وزن العدس أو السمسم، فعليك أنْ تتحرّى الدقة قَدْر إمكانك، لتحقق هذا القسطاس المستقيم.
لكن، لماذا خصَّ الكيل والوزن من وسائل التقدير والتقييم، ولم يذكر مثلاً القياس في المساحات والمسافات بالمتر أو بالذراع؟
قالوا: لأن الناس قديماً وكانت أمماً بدائية لا تتعامل فيما يُقاس، فلا يشترون القماش مثلاً: لأنه يُغزل، تغزله النساء
стр. 12871
ويغزله الرجال، ولم يكُنْ أحد يغزل لأحد أو يبيع له، فهذه صورة حضارية رأيناها فيما بعد.
وقديماً، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة، وفي هذه الحالة لا يوجد بائع على حِدَة ولا مُشْترٍ على حِدَة، فلا يتفرد البائع بالبيع، والمشتري بالشراء، إلا في حالة مبادلة السلعة بثمن، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
أما في حالة المقايضة، فأنت تأخذ القمح تأكله، وأنا آخذ التمر آكله، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة، فإنْ قدَّرْتَ أن كل واحد في الصفقة بائع ومشترْ. تقول: شَرَى وباع. وإنْ قدَّرْت الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعاً مباشراً كالذهب والفضة، أو أي معدن آخر، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن، أمّا الأشياء الأخرى فصالحة أنْ تكون سلعة، وصالحة لأنْ تكون ثمناً.
وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة لمسألة الكيل والميزان هي «سورة المطففين» ، يقول سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١٣] .
نقول: كال له يعني: أعطاه، واكتال عليه يعني: أخذ منه. فإن أخذ أخذ وافياً، وإنْ أعطى أعطى بالنقص والخسارة. والقرآن لا ينعى عليه أن يستوفى حقّه، لكن ينعى عليه أن ينقص من حَقِّ الآخرين، ولو شيئاً يسيراً.
فمعنى (المطففين) من الشيء الطفيف اليسير، فإذا كان الويل لمن يظلم في الشيء الطفيف، فما بال مَنْ يظلم من الكل؟
стр. 12872
فاللوم هنا لمَنْ يجمع بين هذين الأمرين: يأخذ بالزيادة ويُعطي بالنقص، أما مَنْ يعطي بالزيادة فلا بأس، وجزاؤه على الله، وهو من المحسنين، الذين قال الله فيهم: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
ومع تطور المجتمعات بدأ الناس يهتمُّون بقياس دقة آلات الكيل والوزن والقياس، فَوُجِدت هيئات متخصصة في معايرتها والتفتيش عليها ومتابعة دِقّتها؛ لأنها مع مرور الزمن عُرْضة للنقص أو الزيادة، فمثلاً سنجة الحديد التي نزن بها قد تزيد إنْ كانت في مكان بحث تتراكم عليها الزيوت والتراب، وقد تنقص بالحركة مع مرور الوقت، كما تنقص مثلاً أكرة الباب من كثرة الاستعمال، فتراها لامعة، ولمعانها دليل النقص، وإنْ كان يسيراً.
وفي فرنسا، نموذج للياردة وللمتر من معدن لا يتآكل، جُعِلَتْ كمرجعٍ يُقاس عليه، وتُضبط عليه آلات القياس.
ورأينا الآن آلاتٍ دقيقة جداً للوزن وللقياس، تضمن لك منتهى الدقة، خاصة في وزن الأشياء الثمينة؛ لذلك نراهم يضعون الميزان الدقيق في صندوق من الزجاج، حتى لا تُؤثِّر فيه حركة الهواء من حوله.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾
стр. 12873
البخس: النقص، ومعنى ﴿أَشْيَآءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٣] حقوقهم
стр. 12874
إذن: فالنقص من حَقِّ الغير ذنب، وقد يكون البخس بأخْذ الشيء كله غَصْباً، أو بالتصرف فيه دون أمر صاحبه، أو على وجه لا يرضاه.
وهذا كله داخل في ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٣] كل ما ينقص الحق بأخذه بإنقاص. أو غَصْب أو تصرّف على غير إرادة صاحبه فهو بَخْسٌ للشيء.
فكل ما ثبت أنه حق لغيرك إياك أنْ تعتدي عليه، فالزكاة مثلاً حينما يقول ربك : ﴿والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [المعارج: ٢٤٢٥]
فما دام قد قيَّده الشرع، فلا تبخس أنت حَقَّ الفقير، لأنك حين تتأمل هذا الحق المعلوم الذي جعله الله من مالك للفقير، تجهد أنه وُضِع بحكمة تُراعِي مدى حركة المموِّل، وما بذل من جهد ونفقات في سبيل تنمية ماله، حتى وجبتْ فيه الزكاة.
فكلما زادتْ حركتك قَلَّ مقدار الزكاة في مالك، فمثلاً الأرض التي تُسْقى بماء المطر فيها العُشْر، والتي تُسْقى بآلة ونفقات فيها نصف العشر، وفي عروض التجارة وتحتاج إلى حركة أكثر قال رُبْع العُشْر، ذلك لأن الشارع الحكيم يريد للناس الحركة والسعي وتثمير الأموال، حتى لا يأتي مَنْ يقول: كيف أسعى ويأخذ غيري ثمرة سعيي؟
والشارع حين كفل هذا الحق للفقراء، فإنما يحمي به الفقراء والأغنياء على حَدِّ سواء. وقد حدَّد الشارع هذا الحق، حتى لا تزهد في العطاء، خاصة في الزكاة.
إن منهج الله يريد أنْ يُصوِّب حركة الحياة من الأحياء، يريد ألاَّ يجري دم في جسد إلا بخروج عَرق من هذا الجسد، وألا يدخل دم
стр. 12875
في جسد من عرق سواه، وإلاَّ فسد المجتمع، وضَنَّ كل قادر على الحركة بحركته؛ لأنه لا يطمئن إلى ثمار حركته أنها لا تعود عليه، أو أن غيره سيغتصبها منه بأيِّ لون من ألوان الاغتصاب.
عندما يفسد المجتمع؛ لأن القوي القادر سيزهد في الحركة فيقعد، والآخذ سيتعوَّد البطالة والكسل والخمول، ولماذا يعمل وما يجري في عروقه من دماء من عمل غيره، وبمرور الوقت يصعب عليه العمل، وتثقُل عليه الحركة، فيركَنُ إلى ما نُسمِّيه (بلطجي) في الحياة، يعيش عالة على غيره.
إذن: الحق ﵎ يريد أن يُطمئِن كل إنسان على حركته في الحياة وثمرة سَعْيه، فلا يتلصص أحد على ثمرة حياة الآخر؛ لأنه إنْ كان عاجزاً عن الحركة فقد ضمن له ربُّه حقاً في حركة الآخرين تأتيه إلى باب بيته، سواء أكانت زكاةً أم كانت صدقة؛ وبذلك تسْلَم حركة الحياة للجميع.
لذلك أراد أن يُعطينا الموازين الدقيقة التي تحفظ سلامة التعامل بين الناس: فإنْ كِلْتَ لغيرك فوفِّ الكيل، وإنْ وزنتَ فوَفِّ الميزان، واجعله بالقسطاس المستقيم، ولا تبخس الناس حقوقهم بأي صورة من الصور.
ولا يقتصر الأمر على هذه المسائل فحسب، إنما هي نماذج للتعامل، تستطيع القياس عليها في كل أمور الحياة فيما يُقَاس وفيما يُعَدُّ، في الأعمال وفي الصناعات. . إلخ.
إذن: فاحذر أنْ تتلصَّص على حقوق الآخرين، أو أن تبخسها، بأيِّ نوع من أنواع التسلُّط: غَصْباً أو اختطافاً أو سرقةً أو اختلاساً أو رِشْوة. . إلخ.
стр. 12876
وقلنا: إن السرقة أن تأخذ شيئاً من حِرْزه في غير وجود صاحبه، والخطف يكون صاحب الشيء موجوداً، لكنك تأخذه خَطْفاً وتفرّ به قبل أن يُمسك بك، فإنْ أمسك بك فغالبْتَه وأخذتها رَغماً عنه فهي غَصْب، أما الاختلاس فأنْ تأخذ من مالٍ أنت مؤتمَنٌ عليه، مالا يحقَّ لك أخْذه.
فإذا علم كُلُّ متحرك في الحياة أن ثمرة حركته تعود عليه، وعلم كل غير متحرك أنه يموت جوعاً إنْ لم يعمل وهو قادر دبَّتْ الحركة في كل الأحياء، وهذا ما يريده الله تعالى لخليفته في الأرض خاصة، وقد خلق لنا سبحانه العقل الذي نفكر به، والطاقة التي نعمل بها، والمادة التي نستعين بها، فكلُّ ما علينا أن نُوظّف هذه الإمكانات التي خلقها الله توظيفاً مثمراً.
ثم إنْ كانت الزكاة كحقِّ معلومة محددة، فهناك حَقٌّ آخر غير مُحَّدد، في قوله سبحانه: ﴿وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩] ولم يقل (معلوم) ؛ لأن المراد هنا الصدقة المطلقة، وقد تركها الحق ﵎ ولم يُقيِّدها ليترك الباب مفتوحاً أمام أريحية المعطي، ومدى كرمه وإحسانه؛ لذلك جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن صفات المحسنين:
﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٥١٩] .
ولأن الحق هنا تفضُّل وزيادة تركه الشارع الحكيم دون تحديد.
وعجيب أن نرى أصحاب الأموال حين يُخرِج أحدهم رُبْع الشعر
стр. 12877
مثلاً من ماله، لا ينظر إلى ما تبقّى له من رأس المال، وهي نسبة ٩٧. ٥ ... ، وينظر إلى حَقِّ الفقير وهو يسير ٢. ٥ ... .
فنراه يحتال عليه فيُؤثِر به أقاربه أو معارفه، أو يضعه بحيث يعفيه من حق آخر، كالذي يعطي زكاته للخادمة مثلاً، ليُرضِي أمها حتى لا تأخذها من يده، ومنهم مَنْ يضع أموال الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى؛ وهذا كله لا يجوز؛ لأن مال الزكاة حَقٌّ للمستحقين المعروفين نصاً في كتاب الله، ولا يصح أنْ يُوجِّه مال الزكاة لشيء ينتفع به الغني أبداً.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] عثا: أي أفسد. فالمعنى: لا تُفسِدوا في الأرض، فلماذا كرَّر الإفساد مرة أخرى فقال ﴿مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ؟ قالوا: المراد: لا تعثَوْا في الأرض حالةَ كونِكم مفسدين، أو في نيتكم الإفساد.
وليس في الآية تكرار؛ لأنه فرَّق بين إفساد شيء وأنت لا تقصد إفساده، إنما حركتك في الحياة أفسدتْه، وبين أنْ تُفسد عن قصد وعَمْد للإفساد، حتى لا نمنع العقول أن تفكر وتُجرِّبَ لتصلَ إلى الأفضل، وتُثري حركة الحياة، فما دُمْتَ قد قصدتَ الصلاح، فلا عليك إنْ أخطأتَ؛ لأن ربك يتولى تصحيح هذا الخطأ، بل ويُعوِّضك عنه، فمَنِ اجتهد فأخطأ فله أجر، ومَنِ اجتهد فأصاب فله أجران.
стр. 12878
إذن: المعنى: لا تُفسِدوا في الأرض وأنتم تقصدون الإفساد، لكن فكيف نُفسِد الأرض؟ إن إفساد الأرض يعني إفسادَ المتحرك عليها؛ لأن الأرض خُلقَتْ للإنسان ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] .
وقد خلقها الله تعالى على هيئة الصلاح، والإنسان هو الذي يُفسِدها، بدليل أنك لا تجد الفساد إلا فيما للإنسان دَخْل فيه، أما مَا لا تطوله يده، فيظل على صلاحه، وعلى استقامته وسلامته.
والإنسان الذي خلقه الله وجعله خليفة له في أرضه طُلب منه عمارة هذه الأرض وزيادة صلاحها، تحقيقاً لقول ربه : ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
ولا يصلح أن نستعمر الأرض وهي خراب، فإذا ما كَثُر النسل لا يقابل زيادة في استثمار الأرض، فتحدث الأزمات، ولو أن استثمار الأرض وإصلاحها سار مع زيادة النسل في خطين متوازيين لما شعر الناس بالحاجة والضيق، ولما أحاطت بهم الأزمات.
والآن حين تسير في الطريق الصحراوي مثلاً تجد المزارع في الصحراء، وتجد القرى الجديدة تحولت فيها الأرض الجرداء إلى خضرة ونماء، فأين كانت هذه الثورة؟ لقد كنا كُسالى وفي غفلة حتى عَضَّنا الجوع، وضاقت بنا الأرض الخضراء في الوادي والدلتا.
وإذا لم يُصلِح الإنسان في الأرض فلا أقلَّ من أنْ يتركها على حالها الذي خلقها الله عليه. لكن رأينا الإنسان يُفسد الماء ويُلوثه
стр. 12879
حين يصرف فيه مُخلَّفاته ويُفسد الهواء بعادم السيارات والمصانع، ويُفسِد التربة بالكيماويات والمبيدات، وكل هذا الإفساد خروج عن الطبيعة الصافية التي خلقها الله لنا؛ ذلك لأننا نظرنا إلى النفع العاجل، وأغفلنا الضرر الآجل.
لقد خلق الله لنا وسائل الركوب والانتقال، وجعلها آمنة لا ضررَ منها: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
وقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس﴾ [النحل: ٧] نعم، وسائل النقل الحديث أسرع، وأراحتْ هذه المواشي، لكنها أتعبتْ الإنسان الذي خلق الله الكون كله لراحته.
فترى الرجل يركب سيارته وكل هَمِّه أنْ يُسرع بها دون أنْ يهتم بضبطها وصيانتها، فينطلق بها مُخلِّفاً سحابة من الدخان السَّام الذي يؤذي الناس، أما هو فغير مكترث بشيء؛ لأن الدخان خلفه لا يشعر به.
لكن، احذر جيداً، إن ربك قيوم لا يغفل ولا ينام، وكما تدين تُدان في نفسك، أو في أولادك.
كذلك قبل أن نركب السيارات ونُسرِع بها يجب أنْ نُمهِّد لها الطرق حتى لا تثير الغبار في وجوه الناس، وتؤذي تنفسهم، بل وتؤذي الزرع أيضاً، كل هذه وُجوه للإفساد في الأرض؛ لأننا ندرس عاجلَ النفع ولا ندرس آجل الضرر.
وعليك حين تجتهد أنْ تجتهد بمقدِّمات سليمة، لتصل إلى النتائج السليمة، ولا تكُنْ من المفسدين في الأرض.
стр. 12880
ومن الإفساد في الأرض قَطْع الطريق، وهو أن المتلصِّص يقيم في مكانه يرصُد ضحيته إلى أن تمر به، والإغارة وهي أنْ يذهب المغير إلى المغَار عليه في مَأْمنه، فيسلبه ماله.
ومن الإفساد في الأرض الرِّشْوة، وهي من أنكَى النكبات التي بُلِي بها المجتمع، وهي تُولِّد التسيّب وعدم الانضباط، فحين ترى غيرك يستغلك، ويستحلّ مالك دون حق، تعامله وتعامل غيره نفس المعاملة، فتصير الأمور في الأجهزة والمصالح إلى فوضى لايعلم مداها إلا الله.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واتقوا الذي خَلَقَكُمْ﴾
стр. 12881
فإياك أن تظن أن الله تعالى خلقنا عبثاً، أو يتركنا هملاً، إنما خلقنا لمهمة في الكون، وجعلنا جميعاً عبيداً بالنسبة له سواء، فلم يُحَابِ من أحداً على أحد، وليس عنده سبحانه مراكز قوى؛ لذلك لم يتخذ صاحبه ولا ولداً.
ولأننا جميعاً أمامه سبحانه سواء وهو خالقنا، فقد تكفّل لنا بالرزق ورعاية المصالح، فَمنِ ابتلاه الله بالعجز عن الحركة فتحركْتَ أنت لقضاء مصالحه، لا بُدَّ ان ينظر الله إليك بعين البركة والمضاعفة.
فالمعوَّق والفقير بحقٍّ لا الذي يتخذها مهنة وحرفة يرتزق بها هذا الفقير وهذا المعوَّق هم خَلْق الله وأهل بلائه، فحين تعطيه من
стр. 12882
ثمرة حركتك أنت، وتذهب إليه وهو مطمئن في بيته، أنت بهذا العمل إنما تستر على الله بلاءه، وتكون يد الله التي يرزق بها هؤلاء، وعندها لا بُدَّ أن يحبك الفقير، وأنْ يدعو لك بالخير والبركة والزيادة والأَجْر والعافية والثواب، ويعلم أن الله خلقه ولم يُسلمه.
أمّا إنْ ضَنَّ الغنيُّ الواجد على الفقير المعدَم، وتخلى عن أهل البلاء، فلا بُدَّ أنْ يسخط الفقير على الغني، بل يسخط على الله والعياذ بالله لأنه ما ذنبه أن يكون فقيراً، وغيره غنيٌّ في مجتمع لا يرحم.
وعجيب أن نرى مُبتليً يُظهر بلواه للناس، بل ويستغلها في ابتزازهم، فيُظهِر لهم إعاقته، كأنه يشكو الخالق للخَلْق، ولو أنه ستر على الله بلاءه وعَلِم أنه نعمة أنعم الله بها عليه لَسخَّر الله له عافية غير المبتلى، ولجاءه رزقه على باب بيته، فلو رَضِي أهل البلاء لأعطاهم الله على قَدْر ما ابتلاهم.
فمعنى: ﴿واتقوا الذي خَلَقَكُمْ﴾ [الشعراء: ١٨٤] أي: احذروا جبروته؛ لأنه خلقكم، وضمن لكم الأرزاق، وضمن لكم قضاء الحاجات، حتى العاجز عن الحركة سخَّر له القادر، وجعل للغنى شرطاً في إيمانه أنْ يُعطى جزءاً من سَعْيه للفقير، ويُوصِّله إليه وهو مطمئن.
ومعنى: ﴿والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] الجبلة من الجبَل، وكان له دور في حياة العربي، وعليه تدور الكثير من تعبيراتهم، ففيه صفات الفخامة والعظمة والرسوخ والثبات، فاشتقوا من الجبل (الجبلّة) وتعني الملازمة والثبات على الشيء.
ومن ذلك نقول: فلان مجبول على الخير يعني: ملازم له لا يفارقه، وفلان كالجبل لا تزحزحه الأحداث، والعامة تقول: فلان
стр. 12883
جِبلَّة يعني: ثقيل على النفس، وقد يزيد فيقول: (مال جبلّتك وارمة) مبالغة في الوصف.
حتى أن بعض الشعراء يمدح ممدوحه بأنه ثابت كالجبل، حتى بعد موته، فيقول عن ممدوحه وقد حملوه في نعشه:
مَا كنتُ أَحْسَبُ قَبْل نَعْشِكَ أنْ أَرَى ... رَضْوى عَلَى أيدي الرجَالِ يَسِير
ورَضْوى جبل اشْتُهر بين العرب بضخامته.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ [يس: ٦٢] .
ومعنى: ﴿والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] أي: الناس السابقين الذين جُبِلوا على العناد وتكذيب الرسُل، فالله خالقكم وخلقهم، وقد رأيتُم ما فعل الله بهم لما كذَّبوا رسُله، لقد كتب الله النصر لرسله والهزيمة لمن كذّبهم، فهؤلاء الذين سبقوكم من الأمم جُبِلوا على التكذيب، وكانوا ثابتين عليه لم يُزحزحهم عن التكذيب شيء، فاحذروا أن تكونوا مثلهم فينزل بكم ما نزل بهم. فماذا كان ردّهم؟
стр. 12884
قلنا: إن مُسحَّر: أي سحَره غيره، وهي صغية مبالغة للدلاَلة على حدوث السحر ووقوعه عليه أكثر من مرة، فلو سُحِر مرة واحدة لَقُلْنا: مسحور والمعنى: أنك مخْتَلٌّ العقل والتفكير، مجنون، لن نسمع لك.
стр. 12885
وما دُمْت أنت بشراً مثلنا، ولم تتميز عنَّا بشيء، فكيف تكون رسولاً؟ ثم ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ [الشعراء: ١٨٦] أي: وما ظنك إلا كذاباً، كالذين سبقوك.
следующие страницы →