Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13196–13235 · переход к 13201.
стр. 13196
اللَّقطُ واللُّقطة: أن تجد شيئاً بدون طلب له، ومنه اللقيط، وهو الطفل الرضيع تجده في الطريق دون قَصْد منك، أو بحث. وكذلك كان الأمر مع التابوت، فقد جاء آل فرعون وهم جلوس لم يَسْمعَوْا
стр. 13197
إليه، ولم يطلبوه، فما أنْ رأوه أخذوه، لكن ما علة التقاطه؟
الزوجة قالت ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] وقالت في حيثية أخرى: ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [القصص: ٩] فلم يكن لهم بنون، فأرادوا أخاً للبنت، وأرادته البنت صيدلية علاج، لكن هل ظلتْ هذه العلة قائمة ووجدت فعلاً؟
لا، إنما التقطوه لتقدير آخر ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] لا ليكون قرة عين، فاللام هنا في ﴿لِيَكُونَ﴾ [القصص: ٨] لام العاقبة يعني: كان يفكر لشيء، فجاءت العاقبة بشيء آخر.
وفي هذا إشارة وبيان لغباء فرعون والطمس على بصيرته وهو الإله!! فبعد أنْ حذَّره الكهنة، وبعد الرُّؤْيا الي رآها وعِلْمه بخطورة هذا المولود على مُلْكه وعلى حياته يرضى أنْ يُربِّيه في بيته، وهذا دليل صِدْق قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
ومعنى ﴿وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] يعني حُزْن مثل: عَدَم وعُدْم، وسَقَم وسُقْم، وبَخَل وبُخْل، فالمعنى يأتي بالصيغتين.
وقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] .
هم خاطئون؛ لأن تصرفاتهم لا تتناسب مع ما عرفوه من أمر الوليد، فلم يُقدِّروا المسائل، ولم يستنبطوا العواقب، وكان عليهم أن يشكُّوا في أمر طفل جاء على هذه الحالة، فلا بُدَّ أن أهله قصدوا نجاته من يد فرعون.
стр. 13198
معنى ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ [القصص: ٩] مادة قرَّ تقول: قرَّ بالمكان يعني: أقام وثبت به، ومنه قرور يعني: ثبات، وتأتي قرَّ بمعنى البرد الشديد، ومنه قول الشاعر:
أَوْقِدْ فإنَّ الليْلَ لَيْلٌ قُرٌّ ... والرِّيحُ يَا غُلاَمُ رِيحٌ صرّ
إنْ جلبْتَ ضَيْفاً فأنتَ حُرّ ... إذن: قرة العين إما بمعنى ثباتها وعدم حركتها، وثبات العين واستقرارها إما يكون ثباتاً حسياً، أو معنوياً، والثبات المعنوي: أنْ تستقر العين على منظر أو شيء بحيث تكتفي وتقنع به، ويغنيها عن التطلُّع لغيره.
ومنه قولهم: فلان ليس له تطلعات أخرى، يعني اكتفى بما عنده، ومنه ما قال تعالى مخاطباً نبيه محمداً ﷺ َ: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] .
لذلك يُسمُّون الشيء الجميل الذي يجذب النظر، فلا ينظر إلى غيره (قيد النظر) يقول الشاعر:
سَمَّرْتُ عَيْني في القَمَرِ ... فَنَالَ مِنِّي مَنْ نَظَر
يَا ليْتَ لائمي عذر ... فحُسْنه قَيْد النَّظرْ
أما الثبات الحسي فيعني: ثبات العين في ذاتها بحيث لا ترى، ومنه قول المرأة للخليفة: أقرَّ الله عينك، وأتم عليك نعمتك. تُوهِم
стр. 13199
أنها تدعو له، وهي في الحقيقة تدعو عليه تقصد: أقرَّ الله عينك.
يعني: سكَّنها وجمدها بالعمى، وأتمَّ عليك نعمتك. وتمام الشيء بداية نقصه على حَدِّ قول الشاعر:
إذَا تَمَّ شَيء بَدَا نَقْصُه ... ترقَّبْ زَوَالاً إذاَ قِيلَ تَمّ
أما القرُّ بمعنى البرد، فمن المعلوم عن الحرارة أن من طبيعتها الاستطراق والانتشار في المكان، لكن حكمة الله خرقتْ هذه القاعدة في حرارة جسم الإنسان، حيث جعل لكل عضو فيه حرارته الخاصة، فالجلد الخارجي تقف حرارته الطبيعية عند ٣٧ْ، في حين أن الكبد مثلاً لا يؤدي مهمته إلا عند ٤٠ْ.
أما العين فإذا زادتْ حرارتها عن ٩ْ تنصهر، ويفقد الإنسان البصر، والعجيب أنهما عضوان في جسم واحد، فهي آية من آيات الله في الخلق، لذلك حين ندعو لشخص نقول له: أقرَّ الله عينك يعني: جعلها باردة سالمة، ألاَ ترى أن الإنسان إذا غَضِب تسخنُ عينه ويحمّر وجهه؟
فالمعنى هنا ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] يعني يكون نعمة ومتعة لنا، نفرح به ونقنع، فلا ننظر إلى غيره.
وفي موضع آخر يشرح لنا الحق سبحانه قُرَّة العين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [الأحزاب: ١٨١٩] .
فهؤلاء تدور أعينهم هنا وهناك كما نقول نحن: (فلان عينه لا يجة) يعني: لا تهدأ، إما من خوف، أو من قلق، أو من اضطراب، وهذا كله ينافي قُرَّة العين.
стр. 13200
وقولها بعد ذلك ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩] تعني: أنهم فعلاً هَمُّوا بقتله، ففي بالهم إذن أن هلاك فرعون على يدي هذا الطفل، وهم على يقين من ذلك.
﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] يعني: لا يشعرون بنفعه لهم أو عدم نفعه، وهل سيكون لهم ولداً أم عدواً؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى﴾
стр. 13201
الفؤاد: هو القلب، لكن لا يُسمى القلب فؤاداً إلا إذا كانت فيه قضايا تحكم حركتك، فالمعنى: أصبح فؤاد أم موسى ﴿فَارِغاً﴾ [
стр. 13202
القصص: ١٠] أي: لا شيء فيه مما يضبط السلوك، فحين ذهبتْ لترمي بالطفل وتذكرت فراقه وما سيتعرض له من أخطار كادت مشاعر الأمومة عندها أن تكشف سِرَّها، وكادت أنْ تسرقها هذه العاطفة.
﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] يعني: تكشف أمره ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] .
وسبق أنْ قُلْنا: إن الإنسان يدرك الأشياء بآلات الإدراك عنده، ثم يتحول هذا الإدراك إلى وجدان وعاطفة، ثم إلى نزوع وعمل، ومثَّلْنا لذلك بالوردة التي تراها بعينيك، ثم تعجب بها، ثم تنزع إلى قطفها، وعند النزوع تواجهك قضايا في الفؤاد تقول لك: لا يحق لك ذلك، فربما رفض صاحب البستان أو قاضاك، فالوردة ليست مِلْكاً لك.
وكذلك أم موسى، كان فؤادها فارغاً من القضية التي تُطمئنها على وليدها، بحيث لا تُفشي عواطفها هذا السر.
ومعنى ﴿رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] أي: ثبَّتْناها ليكون الأمر عندها عقيدة راسخة لا تطفو على سطح العاطفة، ومن ذلك قوله تعالى عن أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض﴾ [الكهف: ١٤] .
إذن: الربْط على القلب معناه الاحتفاظ بالقضايا التي تتدخل في النزوع، فإنْ كان لا يصح أن تفعل فلا تفعل، وإنْ كان يصح أنْ تفعل فافعل، فهذه القضايا الراسخة هي التي تضبط التصرفات، وكان فؤاد أم موسى فارغاً منها.
لذلك نقول لمن يتكلم بالكلام الفارغ الذي لا معنى له: دَعْكَ من هذا الكلام الفارغ أي: الذي لا معنى له ولا فائدةَ منه، ومن ذلك قولهم: فلان عقله فارغ يعني: من القضايا النافعة. وإلا فليس هناك شيء فارغ تماماً، لا بُدَّ أن يكون فيه شيء، حتى لو كان الهواء.
стр. 13203
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ويقولون في العامية: (فلان معندوش ولا الهوا) ذلك لأن الهواء آخر ما يمكن أن يفرغ منه الشيء.
ومعنى: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] يعني: قاربت من فراغ فؤادها أن تقول إنه ولدي ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [القصص: ١٠] لإن الإيمان هو الذي يجلب لك النفع، ويمنعك من الضار، وإنْ كان فيه شهوة عاجلة لك، فمنعها إيمانُها من شهوة الأمومة في هذا الموقف، ومن ممارسة العطف والحنان الطبيعيين في الأم؛ لأن هذه شهوة عاجلة يتبعها ضرر كبير، فإنْ أحسُّوا أنه ولدها قتلوه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾
стр. 13204
قُصِّيه: يعني: تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى إين ذهب؟ وماذا فُعِل به؟ وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعتْ إلى التنفيذ؛ لذلك استخدم الفاء الدالة على التعقيب وسرعة الاستجابة ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ [القصص: ١١] ولم يقُلْ: فقصَّته؛ لأن البصر وإنْ كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية والاهتمام بالمرئي.
стр. 13205
ومعنى: ﴿عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] من ناحية بحيث لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به. ومن ذلك ما حكاه القرآن من قول السامري: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أي: رأى من حيث لا يطَّلِع أحد عليه.
ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذتْ الأمر من أمها ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط ﴿عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] مما يدلُّ على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تُكلَّف بذلك، وهذا من حكمة المرسَل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح.
ما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى:
إذَا كُنْتَ في حَاجةٍ مُرْسِلاً ... فأَرسِلْ حَكيماً ولاَ تُوصِهْ
وقوله تعالى: ﴿عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] يظن البعض أن جنب يعني قريب مني، وهذا غير صحيح؛ لأن معنى الجنب ألاَّ تكون في مواجهتي، لذلك يقول تعالى: ﴿والجار ذِي القربى والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦] إذن: الجار الجنب مقابل الجار القريب، فمعناه الجار البعيد.
فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سَيْر التابوت أخذتْ مكاناً بعيداً منه، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له.
ومن ذلك قولنا: (فلان تجنّبني، أو فلان واخد جنب مني) أي: يبتعد عني، إذن: البعض يفهم هذه الكلمة على عكس مدلولها.
ألاَ ترى لقول إبراهيم ﵇: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿واجتنبوا قَوْلَ الزور﴾ [الحج: ٣] فالاجتناب يعني: الابتعاد.
стр. 13206
وفي تحريم الخمر قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] فطلع علينا مَنْ يقول: هذا ليس نصاً في التحريم، لأنه لم يقُلْ حرَّمْت عليكم، فهي مجرد موعظة ونصيحة.
ونقول: لو فهمت معنى ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] لعلمتَ أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم؛ لأن معنى حرَّمتْ عليكم الخمر يعني: لا تشربوها، أما ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] يعني: ابتعدوا عنها كليةً شُرْباً أو بَيْعاً، أو شراء، أو نقلاً، أو حتى الجلوس في مجالسها.
ثم تتحدث الآيات بعد ذلك عن تمهيدات الأقدار للأقدار، فتقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾
стр. 13207
التحريم هنا لا يعني التحريم بالنسبة للمكلَّف: هذا حلال وهذا حرام، إنما ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ [القصص: ١٢] يعني: منعناه أنْ يرضع من المرضعات اللائي يأتونَ بهن لتتقلب عليه المراضع واحدة بعد الأخرى، إلى أن تأتيه أمه.
و ﴿المراضع﴾ [القصص: ١٢] جمع مُرضِع، ونقول أيضاً: مرضعة، ولكل من اللفظين مدلول، على خلاف ما يظنه البعض أنهما بمعنى واحد.
стр. 13208
واقرأ أول سورة الحج: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] .
المرضِع: التي من شأنها أنْ تُرضع، وصالحة لهذه العملية، لكن المرضعة التي تُرضع الآن فعلاً، وعلة حِجْرها طفل يلتقم ثديها، وفي موقف القيامة ستذهل هذه عن طفلها من هَوْل ما ترى، إذن: فالتي تذهل هي المرضعة لا المرضع.
والضمير في ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ [القصص: ١٢] يعود على أخت موسى؛ لأنها ما زالت في مهمة تتبُّع الولد، وقد سمعها هامان تقول ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] فقال لها: لا بدَّ أنك من أهل هذا الولد؟ وتعرفين قصَّته، فقالت: بل ناصحون للملك مخلصون له. وفعلاً وافقوها على ما نصحتْ به؛ لأنهم معذورون، فالولد يأبى الرضاعة من الأخريات.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ﴾
стр. 13209
وسبق أنْ وعدها الله: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] وها هو أوانُ تحقيق الوعد الأول، وهو بُشْرى بتحقُّق الوعد الثاني ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] لكن هذا في مستقبل الأيام، وسوف يتحقق أيضاً.
стр. 13210
وقوله سبحانه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣] يدل على أن الاسباب في يد المسبب سبحانه، فنحن الذين رددناه، لا أخته ولا فرعون؛ لأننا نُسيِّر الامور على وَفْق مرادنا، ونُمهّد لها الطريق حتى أننا نحول بين المرء وقلبه، ولينفذ قضاؤنا فيه.
وقوله تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] يعني: لا يعلمون أن وَعْد الله حق.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾
стр. 13211
الأشُدّ: يعني القوة واكتمال النمو، وقد حدّدوا لذلك سِنَّ الثامنة عشرة إلى العشرين ﴿واستوى﴾ [القصص: ١٤] الاستواء هو بلوغُ العقلِ مرحلةَ النضج الفكري، فلما اكتملت لموسى ﵇ قوة الجسم ونُضْج العقل ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ [القصص: ١٤] .
ثم يقصُّ الحق سبحانه، فيقول: ﴿وَدَخَلَ المدينة على حِينِ غَفْلَةٍ﴾
стр. 13212
أراد موسى ﵇ أن يدخل القرية على حين غفلة من أهلها، لأن بني إسرائيل كانوا مُضطهدين، وكان القبط في بعض المدن ذاتَ الكثافة العددية منهم يُحرِّمون على بني إسرائيل دخول قراهم؛ لذلك اختار موسى وقت غفلة الناس، لكنه لم يدخل في الليل لأنه لا يهتدي إلى الطريق، فقيل: دخلها وقت القيلولة والناس في بيوتهم.
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] يعني: من بني إسرائيل ﴿وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] يعني: الأقباط ﴿فاستغاثه﴾ [القصص: ١٥] أي: طلب منه العَوْن والنجدة ﴿فَوَكَزَهُ موسى﴾ [القصص: ١٥] يعني: ضربه بجُمْع يديه، فجاءت نهاية القبطي وأجله مع هذه الضربة، لا أنه مات بها، وكثيراً ما تحدثُ هذه المسألة في شجار مثلاً بين شخصين، فيضرب أحدهما الآخر فيقع ميتاً، وبتشريح جثته يتبين أنه مات بسبب آخر.
ومثال ذلك: حين تكلِّف شخصاً بقضاء حاجة لك، أو تُوسِّطه في أمر ما، فيدخل عند المسئولين ويسعى إلى أن يقضي لك حاجتك فتقول: «فلان قضالي كذا وكذا» وهو في الحقيقة ما قضى في الأرض إلا بعد أن قضى الله في السماء.
لكن الله تعالى أراد أنْ يُكرم الواسطة، فجعل قضاءها موافقاً لقضائه سبحانه، فنقول في هذه الحالة: قضي الله المصلحة معه لا به.
كان القبط كما قُلْنا يكرهون بني إسرائيل ويُعذِّبونهم، فلما
стр. 13213
قتلَ موسى القبطي زاد غضبهم وكراهيتهم لبني إسرائيل؛ لذلك أحسَّ موسى أن هذا العمل من الشيطان، ليزيد هذه العداوة ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] .
стр. 13214
يُعلمنا موسى ﵇ أن الإنسان ساعة يقترف الذنب، ويعتقد أنه أذنب لا يكابر، إنما ينبغي عليه أنْ يعترف بذنبه وظلمه لنفسه، ثم يبادر بالتوبة والاستغفار ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ [القصص: ١٦] يعني: يا ربّ حكْمك هو الحقّ، وأنا الظالم المعترف بظلمه.
ومن هنا كان الفَرْق بين معصية آدم ﵇ ومعصية إبليس: آدم عصى واعترف بذنبه وأقرَّ به، فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] فقبل الله منه وغفر له. أما إبليس فعلَّل عدم سجوده: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء: ٦١] وقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] فردَّ الحكم على الله.
لذلك نقول لمن يُفتي بغير ما شرع الله فيُحلِّل الحرام لسبب ما، نقول له: احذر أنْ ترَّد على الله حكمه؛ لأنك إنْ فعلتَ فأنت كإبليس حين ردَّ على الله حُكمه، لكن أفْتِ بالحكم الصحيح، ثم تعلَّل بأن الظروف لا تساعد على تطبيقه، فعلى الأقل تحتفظ بإيمانك، والمعصية تمحوها التوبة والاستغفار، أما الكفر فلا حيلةَ معه.
فلما استغفر موسى ربه غفر له ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ [القصص: ١٦] يُعرف الذنب، ثم يغفره رحمة بنا؛ لأن الإنسان حين تصيبه غفلة
стр. 13215
فيقع في المعصية إذا لم يجد باباً للتوبة وللرجوع يئس وفقد الأمل، وتمادى في معصيته ونسميه (فاقد) عنده سُعار للجريمة، ولا مانع لديه من ارتكاب كل الذنوب.
إذن: فمشروعية التوبة الاستغفار تعطي المؤمن أملاً في أنه لن يُطرَدَ من رحمة الله، لأن رحمة الله واسعة تسَع كل ذنوبه مهما كثُرتْ.
لذلك يقول تعالى في مشروعية التوبة ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨] والمعنى: شرع لهم التوبة، وحثَّهم عليها ليتوبوا بالفعل فيقبل منهم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ﴾
стр. 13216
قوله: ﴿بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] يعني: بالمغفرة وعذرتني وتُبْت عليَّ ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] أي: عهد الله عليَّ ألاَّ أكون مُعيناً للمجرمين.
ثم يقول الحق سبحانه:
стр. 13217
﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة﴾
стр. 13218
أي: بعد أن قتل موسى القبطيَّ صار خائفاً منهم ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] .
ينظر في وجوه الناس، يرقب انفعالاتهم نحوه، فربما جاءوا ليأخذوه، كما يقولون: يكاد المريب أنْ يقول: خذوني، فلو جلس قوم في مكان، ثم فاجأهم رجال الشرطة تراهم مطمئنين لا يخافون من شيء، أما المجرم فيفر هارباً.
ومن ذلك ما يقوله أهل الريف: (اللي على راسه بطحة يحسس عليها) .
وهو على هذه الحال من الخوف والترقُّب إذ بالإسرائيلي الذي استغاث به بالأمس ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص: ١٨] استصرخ يعني: صرخ، ونادى على مَنْ يُخلّصه، وهو انفعال للاستنجاد للخلاص من مأزق، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
وسبق أن تكلَّمنا في همزة الإزالة نقول: صرخ فلان يعني استنجد بأحد فأصرخه يعني: أزال سبب صراخه، فمعنى الآية: أنا لا أزيل صراخكم، ولا أنتم تزيلون صراخي.
عندها قال موسى ﵇ لصاحبه الذي أوقعه في هذه
стр. 13219
الورطة بالأمس ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] تريد أنْ تُغويَني بأنْ أفعل كما فعلت بالأمس، وما كان موسى ﵇ ليقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه، فلا يُلْدَغ المؤمن من جُحْر مرتين.
стр. 13220
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ [القصص: ١٩] يعني: أن موسى حَنَّ مرة أخرى للذي من شيعته وهو الإسرائيلي وناصره، ولكن الرجل القبطي هذه المرة واجهه ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس﴾ [القصص: ١٩] فهو يعرف ما حدث من موسى، وما داموا قد عرفوا أنه القاتل، فلا بُدَّ لهم أنْ يطلبوه، وأن ينتقموا منه.
وقوله تعالى: ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ [القصص: ١٩] إنْ هنا نافية يعني: ما تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، فقد قتلتَ نفساً بالأمس، وتريد أنْ تقتلني اليوم.
إذن: عرفوا أن موسى هو القاتل، وهناك ولا بُدَّ مَنْ يسعى
стр. 13221
للإمساك به، وفي هذا الموقف لحقه الرجل المؤمن: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾
стр. 13222
هو الرجل المؤمن من آل فرعون، جاء لينصح موسى بالخروج والهرب قبل أنْ يُمسِكوا به فيقتلوه.
стр. 13223
لأنهم يضطهدوننا ويعذبوننا من غير ما جريرة، فما بالك بعد أنْ وجدوا فرصة وذريعة ليزدادوا ظلماً لنا؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾
стр. 13224
معنى ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] يعني: ناحيتها، وأراد أنْ يهرب من مصر كلها، ولم يكُنْ يقصد مدين بالذات، إنما سار في طريق صادف أنْ يؤدي إلى مدين بلد شعيب ﵇.
ولو كانت مَدْينُ مقصودة له لما قال بعد توجهه: ﴿عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ [القصص: ٢٢] فموسى حينما خرج من مصر خائفاً
стр. 13225
يريد الهرب لم يفكر في وجهة معينة، فالذي يُهمه أنْ يخرج من هذه البلدة، وينجو بنفسه.
стр. 13226
عرض القرآن الكريم هذه القصة في إيجاز بليغ، ومع إيجازها فقد أوضحتْ مهمة المرأة في مجتمعها، ودور الرجل بالنسبة للمرأة، والضرورة التي تُلجىء المرأة للخروج للعمل.
معنى ﴿وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] يعني: جاء عند الماء، ولا يقتضي الورود أن يكون شَرِب منه. والورود بهذا المعنى حلَّ لنا الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فليس المعنى دخول النار، ومباشرة حَرِّها، إنما ذاهبون إليها، ونراها جميعنا إذن: وردْنا العَيْن. يعني: جئنا عندها ورأيناها، لكن الشرب منها، شيء آخر.
﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ٢٣] أي: على الماء ﴿أُمَّةً﴾ [القصص: ٢٣] جماعة ﴿يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: مواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ [القصص: ٢٣] يعني: بعيداً عن الماء ﴿امرأتين تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣] أي: تكفّان الغنم وتمنعانها من الشُّرْب لكثرة
стр. 13227
الزحام على الماء ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: ٢٣] أي: ما شأنكما؟
وفي الاستفهام هنا معنى التعجُّب يعني: لماذا تمنعان الغنم أنْ تشربَ، وما أتيتُما إلا للسُّقْيا؟
﴿قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] .
وقولهما ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ [القصص: ٢٣] يعني: ينصرفوا عن الماء، فصدر مقابل ورد، فالآتي للماء: وارد، والمنصرف عنه: صادر: نقول: صدر يَصْدُر أي: بذاته، وأصدر يُصْدر أي: غيره.
فالمعنى: لا نَسْقي حتى يسقي الناس وينصرفوا. و ﴿الرعآء﴾ [القصص: ٢٣] جمع رَاعٍ. ثم يذكران العلَّة في خروجهما لِسقْي الغنم ومباشرة عمل الرجال ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى﴾
стр. 13228
معنا إذن في هذه القصة أحكام ثلاثة ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ [القصص: ٢٣] أعطَتْ حكماً و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] أعطتْ حُكْماً و ﴿فسقى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤] أعطت حكماً ثالثاً.
وهذه الأحكام الثلاثة تُنظم للمجتمع المسلم مسألة عمل المرأة، وما يجب علينا حينما تُضطر المرأة للعمل، فمن الحكم الأول نعلم أن سَقْي الأنعام من عمل الرجال، ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا تخرج للعمل إلا للضرورة، ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء هذه المهمة ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] .
стр. 13229
أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني إذا رأى المراة قد خرجت للعمل فلا بد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة، فعليه أن يساعدها وأنْ يُيسِّر لها مهمتها.
وأذكر أنني حينما سافرت إلى السعودية سنة ١٩٥٠ ركبتُ مع أحد الزملاء سيارته، وفي الطريق رأيته نزل من سيارته، وذهب إلى أحد المنازل، وكان أمامه طاولة من الخشب مُغطَّاة بقطعة من القماش، فأخذها ووضعها في السيارة، ثم سِرْنا فسألتُه عما يفعل، فقال: من عاداتنا إذا رأيتُ مثل هذه الطاولة على باب البيت، فهي تعني أن صاحب البيت غير موجود، وأن ربة البيت قد أعدَّتْ العجين، وتريد مَنْ يخبزه فإذا مَرَّ أحدنا أخذه فخبزه، ثم أعاد الطاولة إلى مكانها.
وفي قوله تعالى: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ [القصص: ٢٣] إشارة إلى أن المرأة إذا اضطرتْ للخروج للعمل، وتوفرْت لها هذه الضرورة عليها أنْ تأخذَ الضرورة بقدرها، فلا تختلط بالرجال، وأنْ تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم، وليس معنى أن الضرورة أخرجتْ المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحتْ مثلهم، فتبيح لنفسها الاختلاط بهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فكان موسى ﵇ طوال رحلته إلى مَدْين مسافراً بلا زاد حتى أجهده الجوع، وأصابه الهزال حتى صار جِلْداً على عظم، وأكل من بقل الأرض، وبعد أن سقى
стр. 13230
للمرأتين تولَّى إلى ظلِّ شجرة ليستريح، وعندها لَهَج بهذا الدعاء ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] .
كأن الحق يريد من الضعيف أنْ يتجه إلى المعونة، وحين يتجه إليها فلن يفعل هو، إنما سيفعل الله له؛ لذلك نلحظ أن موسى في ندائه قال ﴿رَبِّ﴾ [القصص: ٢٤] واختار صفة الربوبية، ولم يقُلْ يا الله؛ لأن الألوهية تقتضي معبوداً، له أوامر ونواهٍ، أمّا الرب فهو المتولِّي للتربية والرعاية، فقال: يا رب أنا عبدك، وقد جئتَ بي إلى هذا الكون، وأنا جائع أريد أن آكل.
ومعنى ﴿أَنزَلْتَ﴾ [القصص: ٢٤] أن الخير منك في الحقيقة، وإنْ جاءني على يد عبد مثلي؛ ذلك لأنك حين تُسلسل أيَّ خير في الدنيا لا بُدَّ أن ينتهي إلى الله المنعِم الأول، وضربنا لذلك مثلاً برغيف العيش الذي تأكله، بدايته نبتة لولا عناية الله ما نبتتْ.
لذلك يقولون في (الحمد لله) صيغة العموم في العموم، حتى إنْ حمدتَ إنساناً على جميل أسداه إليك، فأنت في الحقيقة تحمد الله حيث ينتهي إليه كُلُّ جميل.
إذن: فحمْد الناس من باطن حمد الله، والحمد بكل صوره وبكل توجهاته، حتى ولو كانت الأسباب عائدة على الله تعالى، حتى يقول بعضهم: لا تحمد الله حتى تحمد الناس.
ذلك لأن أَزِمّة الأمور بيده تعالى، وإنْ جعل الأسباب في أيدينا، وهو سبحانه القادر وحده على تعطيل الأسباب، وأذكر أن بعض
стр. 13231
الدول (باكستان) أعلنت عن وفرة عندهم في محصول القمح، وأنها ستكفيهم وتفيض عنهم للتصدير، وقبل أنْ ينضج المحصول أصابته جائحة فأهلكته، فاختلفت كل حساباتهم، حتى استوردوا القمح في هذا العام.
هذا معنى ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فالخير منك يا رب، وإنْ سُقْته إليَّ على يد عبد من عبيدك، وفقري لا يكون إلا إليك، وسؤالي لا يكون إلا لك.
ولم يكَدْ موسى ﵇ ينتهي من مناجاته لربه حتى جاءه الفرج: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي﴾
стр. 13232
قوله: ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ [القصص: ٢٥] أي: أحدى المرأتين ﴿تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ [القصص: ٢٥] يعني: مُستحية في مجيئها، مُستحية في مِشْيتها ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] .
لما جاءتْه هذه الدعوة لم يتردد في قبولها، وانتهز هذه الفرصة،
стр. 13233
فهو يعلم أنها استجابة سريعة من ربه حين دعاه ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وهي سبب من الأسباب يَمدُّه الله له، وما كان له أنْ يردَّ أسباب الله، فلم يتأبَّ، ولم يرفض دعوة الأب.
ولم يذكر لنا السياق هنا كيف سار موسى والفتاة أبيها، لكن يُرْوَى أنهما سارا في وقت تهبُّ فيه الرياح من خلفها، وكانت الفتاة في الأمام لتدلّه على الطريق، فلما ضمَّ الهواء ملابسها، فوصفت عجيزتها، قال لها: يا هذه، سيري خلفي ودُلِّيني على الطريق.
وهذا أدب آخر من آدام النبوة.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُ﴾ [القصص: ٢٥] أي: سيدنا شعيب ﵇ ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ [القصص: ٢٥] أي: ما كان بينه وبين القبطي ﴿قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٥] يعني: طمأنه وهدَّأ من رَوْعه.
стр. 13234
وهذا حكم رابع نستفيده من هذه الآيات، نأخذه من قول الفتاة ﴿ياأبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦] .
وفي قولها دليل على أنها لم تعشق الخروج للعمل، إنما تطلب مَنْ يقوم به بدلاً عنها؛ لِتقَّر في بيتها.
ثم تذكر البنت حيثيات هذا العرض الذي عرضته على أبيها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦] وهذان شرطان لا بُدَّ
стр. 13235
منهما في الأجير: قوة على العمل، وأمانة في الاداء. وقد تسأل: ومن أين عرفتْ البنت أنه قوي أمين؟
قالوا: لأنه لما ذهب ليسقي لهما لم يزاحم الناس، وإنما مال إلى ناحية أخرى وجد بها عُشْباً عرف أنه لا ينبت إلا عند ماء، وفي هذا المكان أزاح حجراً كبيراً لا يقدر على إزاحته إلا عدة رجال، ثم سقى لهما من تحت هذا الحجر، وعرفتْ أنه أمين حينما رفض أن تسير أمامه، حتى لا تظهر له مفاتن جسمها.
ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيراً عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهاباً وإياباً، ليلَ نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته؛ لذلك رأى أن يُزوِّجه إحداهما ليخلقَ وَضْعاً، يستريح فيه الجميع: ﴿قَالَ إني أُرِيدُ﴾
следующие страницы →